← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

هُوَ الإِمْسَاكُ عَنْ الأَكْلِ وَالشَّرْبِ وَالجِمَاعِ نَهَارًا مَعَ النِّيَّةِ إلى غروبِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ: وكان الأعمش يقول: أول وقت الصوم إذا طلع الشمس، ويبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، واعتبر الابتداء بالانتهاء، فانتهاء اليوم بغروبها، فكذا الابتداء بطلوعها، وهذا غلط فاحش، ولا يعتد بخلافه ذلك؛ لأنه مخالف لنص القرآن. ورويت حكاية أن أبا حنيفة دخل عليه في مرضه يعوده، فقال له الأعمش: أنت ثقيل على قلبي في بيتك، فكيف إذا زرتني! فسكت أبو حنيفة ﵀، فلما خرج من عنده، قيل له: لِمَ سِكَتَ عنه؟ فقال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره، وعنى [به] (١) أنه كان يأكل بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فلا صوم، وكان لا يغتسل إلا من الإنزال، فلا صلاة له. كذا في شرح الإرشاد (٢). وفي الكشاف: الخيط: ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط المحدود، والخيط الأسود: ما يمتد من عكس الليل، وهو ظلمة آخر الليل تشبيها بالخيطين الأبيض والأسود (٣). وقوله: (من الفجر)؛ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به [عن] (٤) بيان الخيط الأسود؛ لأن بيان أحدهما بيان للثاني. وفي الْمُجْتَبى (٥): في مبسوط بكر: اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوع الفجر الثاني، [أم] (٦) لاستطارته وانتشاره. قيل: لا، وله حتى بدت لمعة منه فقد دخل وقت الصوم والصلاة. وقيل: لاستطارته.

стр. 1822

هُوَ الإِمْسَاكُ عَنْ الأَكْلِ وَالشَّرْبِ وَالجِمَاعِ لِوُرُودِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ فِي الشَّرْعِ لِتَتَمَيَّزَ بِهَا العِبَادَةُ مِنْ العَادَةِ، وَاخْتُصَّ بِالنَّهَارِ لِمَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الوِصَالُ كَانَ تَعْيِينُ النَّهَارِ أَوْلَى لِيَكُونَ عَلَى خِلَافِ العَادَةِ، وَعَلَيْهِ مَبْنَى العِبَادَةِ، وَالطَّهَارَةُ عَنْ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ لِتَحَقَّقِ الأَدَاءِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ. قال الحلواني: الأول أحوط (١). قوله: (هو الإمساك عن كذا): قال بدر الدين جواهر زاده (٢): ينتقض طرد ما ذكر في الكشاف بالأكل ناسيًا، فإن الصوم باق والإمساك فائت، وبالأكل قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر؛ لأن النهار من حين طلوع [الشمس] (٣)، أما اليوم عام، وينتقض عليه بالحائض والنفساء، فإن هذا المجموع موجود، والصوم فائت. وأجيب عنه: بأن الإمساك الشرعي موجود في الناسي؛ ولهذا جعل الشرع أكله كلا أكل، على أنا نمنعه على قول مالك؛ فلأن المأمور به الإمساك القصدي، فمنعنا فيه الأكل القصدي، وبأن المراد بالنهار: النهار الشرعي، وهو [اليوم] (٤)، وبالحيض خرجت عن أهلية الأداء. والمنقول عن الإمام بدر الدين الورسكي: الصوم هو الإمساك عن المفطرات لله تعالى بإذنه في وقته، ثم الطهارة عن الحيض والنفاس شرط الأداء في حق النساء بالإجماع. والمراد [بالطهارة] (٥) عنهما: عدمهما لا الاغتسال منهما. (وعليه)؛ أي: على خلاف العادة مبنى العبادة، والله أعلم.

стр. 1823

بَاب مَا يُوجِب القضاء والكَفَّارة قَالَ: (وَإِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَهَارًا نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ) وَالقِيَاسُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ فَصَارَ كَالكَلَامِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: قَوْلُهُ ﵊ لِلَّذِي أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا: … ... باب ما يوجب القضاء والكفارة لما فرغ الشيخ من بيان أنواع الصوم في حق النية والتفسير؛ شرع في بيان ما يجب عند الإتيان بما يضاده. قوله: (ناسيًا)؛ أي: لصومه؛ لأنه ذاكر للأكل والشرب أو الجماع. وقوله: (لم يفطر): بالتشديد والتخفيف، فعلى الأول يكون مسندًا إلى الأكل وما يضاهيه، وهو قول مالك وربيعة. وقال الشافعي: لو استكثر الأكل يفطر في قول؛ لأن ذلك لا يقع غالبًا، فيكون نادرًا ولا حكم له. كذا في تتمتهم (١). وقال الأوزاعي، وعطاء - وفي المبسوط: مكان عطاء سفيان الثوري (٢) -: يبطل بالجماع ناسيًا دون الأكل والشرب، وبه قال أحمد (٣)، والشافعي في قول (٤)؛ لأن النص ورد فيهما على خلاف القياس، فلا يقاس عليهما، ولا يلحق بهما دلالة؛ لأن زمان الصوم وقت الأكل والشرب عادة، فيبتلى فيه بالنسيان، وليس بوقت للجماع عادة، فلا تكثر فيه البلوى، إلا أن أحمد قال: يجب به الكفارة، وبه قال الشافعي في قول (٥)، ومالك (٦). قوله: (وجه الاستحسان) - وهو قولنا والشافعي -: الحديث المذكور في الكتاب.

стр. 1824

تِمَّ عَلَى صَوْمِكَ فَإِنَّمَا أَطْعَمَكَ اللَّهُ وَسَقَاكَ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشَّرْبِ ثَبَتَ فِي الوِقَاعِ لِلاسْتِوَاءِ فِي الرُّكْنِيَّةِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ (تم على صومك)؛ أي: أتممه وامض عليه واستمر عليه. رواه الجماعة إلا النسائي. ولما عدى على تكلمه صار معناه: أتم حكم النبي ﵇ ببقاء صومه، حيث أمره بإتمامه. وروي أنه ﵊ قال: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاءعله» (١)، والحديث مشهور تلقاه الصحابة والتابعون بالقبول. كذا في المبسوط (٢). (الاستواء في الركنية)؛ يعني: ثبت فيه بالدلالة لا بالقياس؛ لأنه نظيرهما من كل وجه، فإن الكف عن الكل ثبت بنص واحد، فيكون الكف عنه ركنا كالكف عنهما. إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (٣). وفي مبسوط شمس الأئمة: قال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت: يقضي؛ أي: لولا روايتهم للأثر، ولولا قول الناس: إن أبا حنيفة خالف الأثر لقلت كذا (٤). فإن قيل: الجماع ليس في معنى المنصوص؛ لأن زمان الصوم وقت للأكل وليس بوقت الجماع عادة، فلا تكون فيه البلوى. قلنا: لما ثبت بالنص المساواة بين الأكل والشرب والجماع في وجوب الكفارة، فكان النص الوارد في أحدهما وارد في الآخر، كمن يقول لغيره: اجعل زيدًا وعمرًا في العطية سواء، ثم يقول: أعط زيدًا درهما، كان تنصيصا على أنه يعطي عمر درهما أيضًا. كذا في المبسوط (٥).

стр. 1825

فَلَا يَغْلِبُ النِّسْيَانُ وَلَا مُذَكِّرَ فِي الصَّوْمِ فَيَغْلِبُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الفَرْضِ وَالنَّفْلِ لِأَنَّ فإن قيل: هذا الحديث مخالف للكتاب، فإنه يقتضي فساد صومه؛ لفوات المأمور به وهو الإمساك؛ لوجود الأكل حقيقة، ولا معنى للمخالف إلا هذا. قلنا: في كتاب الله تعالى إشارة إلى أن النسيان معفو؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكان [الحديث] (١) موافقا للكتاب، فيعمل به، ويحمل الكتاب على حالة العمد؛ للجمع بين الدلائل. كذا نقل عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀ (٢). وعن [الإمام] (٣) شمس الأئمة الكردري: إنا لا نسلم فوات ركنه؛ لأنه مأمور بالإمساك عن اختياره، فكان ضده للأكل عن اختيار ولم يوجد؛ لأنه كالمجنون عليه من قبل من له الحق؛ لأنه خلق كذلك، ولا يقدر على أن لا ينسى (٤). وعن [الإمام] (٥) الكساني: أن فيه عملا بالكتاب؛ لأن الاعتبار للأكل بالنسيان يوجب الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. قوله: (ولا فرق بين الفرض والنفل) وقال مالك، ومحمد بن مقاتل الرازي، وابن أبي ليلى: يقضي في الفرض، وهو القياس. كذا ذكره [الإمام] (٦) المحبوبي (٧). وفي الْمُجْتَبى: وفي مبسوط بكر: ولو رأى صائمًا يأكل، إن كان شابًا يخبره، والشيخ لا (٨).

стр. 1826

النَّصَّ لَمْ يُفَضَّلْ، (وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا فَعَلَيْهِ القَضَاءُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. وفي النوازل: رأى صائما يأكل ناسيا؛ يكره أن لا يذكره إذا كان قويا على صومه، وإن كان يضعف بالصوم لا يكره؛ لأن ما يفعله ليس بمعصية عند عامة العلماء (١). وفي المرغيناني: أكل ناسيا قبل النية ثم نوى الصوم؛ في الفتاوى: لا يجوز صومه (٢). وفي البقالي: النسيان قبل النية كهو بعدها (٣). ولو أكل ناسيا فقيل [له:] (٤) أنت صائم، فلم يتذكر وأكل بعده؛ أفطر عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن قول الواحد في الديانات حجة. وقال زفر، والحسن: لا يفطر (٥). قوله: (مخطئا)؛ بأن يكون ذاكرا للصوم غير قاصد للشرب، كما إذا تمضمض وهو ذاكر له، والناسي على عكسه. (خلافا للشافعي): له قولان: أحدهما: يفطر كقولنا، وبه قال مالك (٦)، واختاره المزني. والثاني: أنه لا يفطر، وهو الأصح عنه، وبه قال أحمد (٧)، وأبو ثور. واختلف أصحابه، فمنهم من أطلق القولين من غير فصل إن بالغ في المضمضة وأن لا يبالغ، ومنهم من قال: المسألة على الحالين إن بالغ بطل صومه، وإن لم يبالغ؛ لم يبطل. والطريقة الصحيحة: أنه إن بالغ بطل صومه، وإن لم يبالغ؛ فقولان:

стр. 1827

فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُهُ بِالنَّاسِي، وَلَنَا: أَنَّهُ لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَعُذْرُ النِّسْيَانِ غَالِبٌ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الحَقُّ وَالإِكْرَاهَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ أحدهما: لا يبطل، وهو الصحيح؛ لأنه يكره له ترك المضمضة شرعًا، وهو مضطر إلى التنفس، ومن ضرورته سبق الماء إلى جوفه، فلم يكن مختارا فيه، فكان مضطرا فيها لإقامة السنّة؛ بخلاف ما لو زاد على السنة بالمبالغة. كذا في تتمتهم (١). وفي شرح الوجيز (٢): واستدل أيضًا بقوله ﵇: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان … » الحديث (٣)، ولأن عذر الخاطئ أبين من عذر الناسي، فإنه قاصد للشرب غير قاصد إلى الجناية على الصوم، والخاطئ غير قاصد لا إلى الشرب ولا إلى الجناية، فإذا لم يفسد ثم فههنا أولى، وهو معنى قول المصنف: (إنه يعتبره [بالناسي]) (٤). ولنا: ما روي عن لقيط بن صَبِرَةَ - قيل: بكسر الباء، وقيل: بسكونها - أنه ﵇ قال له: «بالغ في المَضمَضَةِ والاستنشاق إلا أن تكون صائِمًا» (٥)، فنهيه ﵇ عند الصوم عن المبالغة؛ دليل أن دخول الماء في حلقه مطلقا مفسد. ولأنه وصل المُغَذِّي والمُرْوِي إلى جوفه من خارج وهو ذاكر للصوم، فيفسد كما لو قصد إلى الفطر، ولا يلزم علينا البزاق أو ما في أسنانه إذا ابتلعهما، أو دخل حلقه ذباب لا يفسد؛ لأنه هاهنا وصل من الفم ولا يمكن التحرز عنه، والفم ليس بخارج حقيقة وفي الذباب لم يوجد إدخال الشيء الخارج إلى الباطن صورة ومعنى. كذا قيل.

стр. 1828

فَيَفْتَرِقَانِ كَالمُقَيَّدِ وَالمَرِيضِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ. وفيه [نوع] (١) تأمل؛ لأنه ﵇ قال: «الفِطرُ ممَّا يَدْخُلُ» (٢)، وهاهنا يوجد، بل التعليل بأنه شيء لم يمكن الاحتراز عنه أولى، ولأن ركن الصوم قد انعدم مع عذر الخطأ، وأداء العبادة بدون ركنها لا يتصور، وهكذا القياس في الناسي؛ لأنا تركناه بالسنة، وهذا ليس في معناه؛ لأن التحرز عن النسيان غير ممكن، والتحرز عن مثل هذا الخطأ ممكن. وقال ابن أبي ليلى، والنخعي: إن كان الوضوء فرضًا لم يفسده، وإن كان [فرضًا يفسد صومه. وقال] (٣) بعض أهل الحديث: إن كان في الثلاث لا يفسد، وإن جاوز الثلاث يفسد، ومنهم من فصل بينهما في الوضوء، وبينهما [وبينهم] (٤) في الجناية، والاعتماد على ما ذكرنا. وتأويل الحديث: رفع الإثم دون الحكم، وبه نقول؛ لأن رفع الحكم هنا غير ثابت نصًّا، ولو ثبت إنما يثبت اقتضاء، ولا عموم للمقتضي، وحكم الآخرة مراد بالإجماع، فلا يكون حكم الدنيا وهو الجواز مرادًا. كذا في المبسوطين (٥)، وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. (فيفترقان)؛ أي: الناسي والخاطئ، وهذا في الحقيقة جواب عن اعتبار الشافعي الخطأ بالنسيان؛ يعني: لا يمكن إلحاق الخاطئ والمكره بالناسي، لا قياسًا ولا دلالة؛ لما ذكرنا، ولهذا يأثم من أكره عليه بالإجماع، ولو لم يفسد صومه ينبغي أن لا يأثم؛ لأنه نفعه حيث أشبعه وغدّاه من غير أن يفسد صومه. وللشافعي في المكره قولان كما في الخاطئ:

стр. 1829

قَالَ: (فَإِنْ نَامَ فَاحْتَلَمَ لَمْ يُفْطِرُ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «ثَلَاثُ لَا يُفَطِّرْنَ الصائم: القَيْءُ وَالحِجَامَةُ وَالاحْتِلَامُ»، وَلِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الجِمَاعِ وَلَا مَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِنْزَالُ عَنْ شَهْوَةِ بِالمُبَاشَرَةِ (وَكَذَا إِذَا نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَأَمْنَى). في قول: يبطل كقولنا، سواء صب الماء في حلقه أو شرب بنفسه مكرهًا (١)، ومالك (٢). وقال أحمد (٣): يفطر بالجماع مع الإكراه، وتجب الكفارة، ولا يفطر بالأكل مكرها كالمقيد (٤)، والمريض لا يقضي ما أدى حال المرض قاعدًا، والمقيد يقضي ما أداه حالة العذر قاعدًا؛ بناءً على أن العبد من قبل من ليس له الحق. قوله: (فإن نام فاحتلم)؛ أي: أنزل؛ لم يفطر بإجماع الأئمة الأربعة (٥). (ولا معناه)؛ أي: معنى الجماع. (وهو الإنزال عن شهوة بالمباشرة): ولأن وطء الناسي لما لم يفسد مع أنه باختياره، فالاحتلام الذي لا اختيار له فيه أولى أن لا يفسد. وكذا إذا نظر إلى امرأة سواء نظر إلى وجهها أو فرجها، بخلاف حرمة المصاهرة، فإنها تثبت بالنظر إلى الفرج. وقال مالك: إن نظر مرة فكذلك، وإن نظر مرتين فسدت؛ لما روي أنه ﵊ قال لعلي ﵁: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنّ الأُولَى لك والثانيةُ عَليكَ» (٦)، ولأن النظر الأول يقع بغتة، فلا يمكن الاحتراز عنه فلا ينعدم الإمساك، فأما إذا تعمد بعد ذلك حتى أنزل فقد فوت ركن الصوم.

стр. 1830

لِمَا بَيَّنَّا فَصَارَ كَالمُتَفَكِّرِ إِذَا أَمْنَى وَكَالمُسْتَمْنِي بِالكَفِّ عَلَى مَا قَالُوا وَلَوِ ادَّهَنَ لَمْ ولنا: أن النظر كالتفكر على أنه مقصود عليه غير متصل بها، ولو فكر في جمال امرأة فأمنى؛ لا يفسد صومه، فكذا إذا نظر. ولو كان هذا مفسدا للصوم لم يشترط التكرار فيه كالمس، وتأويل الحديث: المواخذة بالمأثم. كذا في المبسوط (١). ولأن الإنزال بالنظر كالاحتلام. وفي الحلية: وقال مالك: إن نظر بشهوة فأنزل من النظرة الأولى؛ أفطر ولا كفارة عليه، وإن استدام النظر حتى أنزل؛ وجبت عليه الكفارة؛ لوجود الجماع معنى (٢)، وهذا مخالف لما ذكره في المبسوط. وفي [شرح] (٣) الوجيز: ولأصحاب مالك اختلاف في النظر مع الإنزال (٤). وقال أحمد: إن كرر النظر حتى أنزل أفطر، ولهم في التفكر روايتان (٥). قوله: (لما بينا)؛ وهو أنه لم توجد صورة الجماع ولا معناه. (كالمستمني)؛ يعني: إذا عالج ذكره بالكف فأمنى أو عالجته امرأته. قال أبو بكر وأبو القاسم: لا يفسد صومه. وقال عامة المشايخ والشافعي: يفسد صومه (٦). وفي التجنيس: وعليه القضاء، وهو المختار؛ لأنه وجد الجماع معنى (٧). وفي الذخيرة وعلى هذا الخلاف: لو أتى بهيمة فأنزل، فإن لم ينزل؛ لا يفسد بلا خلاف، ولو مس فرج البهيمة أو قبلها [فأنزل] (٨) لا يفسد بالاتفاق (٩).

стр. 1831

يُفْطِرُ) لِعَدَمِ المُنَافِي (وَكَذَا إِذَا احْتَجَمَ) لِهَذَا، وَلِمَا رَوَيْنَا … ثم هل يحل له الاستمناء بالكف؟ قالوا: إن أراد الشهوة لا يحل؛ لقوله ﵇: «ناكِحُ اليد ملعون» (١)، وإن أراد تسكين ما به من الشهوة؛ نرجو أن لا يكون له وبال. وعن أحمد (٢)، والشافعي في القديم: الترخص فيه. وفي الجديد: يحرم (٣)، ويجوز أن يستمني بيد زوجته وخادمه. ولو عملت المرأتان عمل الرجال من الجماع؛ إن أنزلتا عليهما القضاء، وإن لم ينزلا؛ لا قضاء ولا غسل. كذا في الفتاوى الظهيرية (٤). قوله: (لهذا)؛ وهم عدم المنافي وهو الداخل. (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «ثلاث لا يُفطرن … » الحديث (٥). ولكن يكره الحجامة ولا يفسد صومه، وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وداود. وقال أحمد (٨)، وبعض أصحاب الشافعي: يفطر الحاجم والمحجوم؛ لظاهر قوله ﵇: «أفطرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ» (٩)، وفي وجوب الكفارة بها روايتان عن أحمد.

стр. 1832

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولنا: ما روينا، وما روي عن ابن عباس أنه ﵇ احتجم مُحرِما صائمًا. رواه البخاري (١). وما روي عن أبي سعيد الخدري أنه ﵊ رخص للصائم في الحجامة (٢)، وعن عروة بن الزبير أنه قال: ما رأيت أبي احتجم إلا وهو صائم، ولعدم المنافي، ولأن الفصد لا يفسد بالإجماع، فالحجامة بالطريق الأولى. وتأويل الحديث: أنه ﵇ مرّ على معقل بن سنان والحاجم يحجمه، وهما يغتابان، فقال ﵊: «أفطر الحاجم والمحجوم»؛ أي: ذهب [ثواب] (٣) صومهما بالغيبة. وقيل: والصحيح أن المحجوم وقع مغشيا عليه، فصب الحاجم الماء في حلقه، فقال ﵇: «أفطرَ الحاجِمُ والمَحجومُ بصُنعه» فوقع عند الراوي أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». كذا في المبسوط (٤). وفي المستصفى: وقد روي بدون الواو (٥). وقيل: إنه منسوخ؛ لأنه روي أنه ﵇ لما قال ذلك، شكى الناس الدم، فرخّص للصائم بأن يحتجم؛ بدليل أن ابن عباس لم يكن مع النبي ﷺ محرما إلا عام حجة الوداع، وذلك بعد الفتح. وفي شرح الإرشاد في صحة هذا الحديث نظر؛ فإن ابن عباس كان إذا روي له هذا الحديث قال: صام الحاجم والمحجوم، ولأن قوله ﵇:

стр. 1833

(وَلَوِ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ العَيْنِ وَالدِّمَاغَ مَنْفَذٌ، … ... «أفطر الحاجم والمحجوم» عام الفتح في السنة الثامنة من الهجرة، واحتجامه عليه الصلاة السلام كان في السنة العاشرة منها (١)، ولأن أحدا من أصحاب الكتب الستة ما صحح حديث أبي هريرة. وروى الدارقطني (٢) عن أنس أنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرّ به النبي ﵊ فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص ﵇ فيها بعد للصائم، فكان أنس يحتجم وهو صائم، فقد صرّح أنس بنسخه. قوله: (ولو اكتحل لم يفطر)؛ يعني: وإن وجد طعمه، سواء كان الكحل حادًا أو غيره. ذكره في الفتاوى (٣). ولا يكره أيضًا، وبه قال الشافعي (٤)، وأبو ثور. وقال أحمد: يكره له ذلك، فإن وجد طعمه في حلقه أفطر؛ لوصول شيء إلى داخله (٥). وعن أصحاب مالك: ما يصل إلى الحلق من العين أو الأذن يفطر؛ لوصول شيء إلى داخله (٦). ولنا: حديث أبي رافع أنه ﵇ دعا بمكحلة في رمضان فاكتحل (٧)، وعن ابن مسعود أنه ﵇ خرج يوم عاشوراء من بيت أم سلمة وعيناه مملوءتان كحلا (٨)، وصوم عاشوراء كان في ذلك اليوم فرضًا.

стр. 1834

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن عائشة أنه ﵇ اكتحل وهو صائم. رواه الدارقطني (١). وعن أنس أنه ﵇ جاءه رجل وقال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال ﵇: «نعم» (٢). [ثم] (٣) ما وجد من الطعم في حلقه أثر الكحل لا عينه، فهو قياس الغبار والدخان، ولئن دخل عينا الكحل فذلك من بين المسام، لا من قبل المسالك؛ إذ ليس من قبل العين إلى الحلق منفذ، فهو نظير الصائم يشرع في الماء يجد برودة الماء في كبده، وذلك لا يضره. كذا في المبسوط (٤). ثم الاغتسال للصائم بالماء وصبه عليه، والتلفلف بالثوب المبلول. قال أبو حنيفة: يكره؛ لأنه إظهار الضجر في إقامة الفرض. وقال أبو يوسف: لا يكره (٥)، وبه قال الشافعي (٦)؛ لما روي أنه ﵇ صبّ على رأسه ماء من شدة الحر وهو صائم. وعن ابن عمر: أنه كان يلفف بالثوب المبلول وهو صائم. كذا في الإيضاح. فإن قيل: روى معبد بن هوذة الأنصاري أنه ﵇: «عليكم بالإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ وقت النَّوْمِ وَلِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (٧).

стр. 1835

وَالدَّمْعُ يَتَرَشَّحُ كَالعَرَقِ، وَالدَّاخِلُ مِنْ المَسَامِّ لَا يُنَافِي، كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ بِالمَاءِ البَارِدِ (وَلَوْ قَبَّلَ امرَأَةً لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ) يُرِيدُ بِهِ إِذَا لَمْ يُنْزِلْ لِعَدَمِ المُنَافِي صُورَةٌ وَمَعْنًى بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ وَالمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ الحُكْمَ هُنَاكَ أُدِيرَ عَلَى السَّبَبِ، عَلَى مَا قلنا: هذا حديث ورد على طريق العطف والإشفاق؛ لأن للصوم تأثيرا في إيراث اليبوسة والإثمد كذلك، فإذا اجتمعا ضره ذلك، ولأن الأمة أجمعت على اكتحال يوم عاشوراء والاكتحال فيه، فدل أنه لا بأس به. كذا في الفوائد الظهيرية (١). قال يحيى بن معين: حديث معبد منكر لا يحتج به. المسام: المنافذ، مأخوذ من سم الإبرة، وإن لم يسمع إلا من الأطباء. وقوله: (والدمع يترشح)؛ جواب سؤال [مقدر] (٢) وهو أن يقال: لو لم يكن بينهما منفذ لما خرج، فقال: يخرج بالرشح لا ينافي؛ لأن المنافي هو الداخل من المسالك؛ ولأجل هذا لا يضر الاغتسال بالماء البارد، وكذا ما وصل إلى دماغه بسبب دق الأدوية المرة، فوق ما يتصل بالاكتحال، وهو لا يضر بالإجماع. قوله: (بخلاف الرجعة والمصاهرة)؛ وذلك أنها تثبت على الاحتياط، فتعدى من الحقيقة إلى الشبهات، وللسبب شبه بالمسبب؛ لذلك يتعدى إلى النكاح، فكذلك إلى المس بشهوة، والنظر إلى الفرج بشهوة حيث يثبت بهما حرمة المصاهرة؛ لوجود المعنى الموجب مما في النكاح. كذا ذكره البزدوي (٣). ومعنى أنه إذا لم ينزل لم يصر في معنى النكاح. وفي الصحيحين (٤): روت عائشة أنه ﵇ كان يقبل ويباشر بعض نسائه وهو صائم، وكان ﵇ أملككم لإربه.

стр. 1836

يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِنْ أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ أَوْ لَمْسِ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ دُونَ الكَفَّارَةِ) قال الخطابي: الإرب بكسر الهمزة وسكون الراء، وبفتحتهما حاجة النفس. وفي الصحاح: الإرب: العضو والحاجة أيضًا، وفيه لغات: إرب، وإربة، وأرب بفتح الراء وضمها (١). قوله: (وَإِنْ أَنْزَلَ بِقُبْلَةِ) إلى آخره: وفي الْمُجْتَبَى: وكذا في تقبيل الأمة والغلام، وتقبيلها زوجها إذا رأت بللا (٢)، [ولو وجدت لذة الإنزال ولم تر بللا؛ لا] (٣) يفسد صومه عند أبي يوسف خلافًا لمحمد، وكذا في الاغتسال (٤). ولو مس المرأة وراء الثياب، فأمنى، فإن وجد حرارة جلدها؛ فسد، وإلا فلا. ولو مست زوجها فأنزل؛ لم يفسد صومه. وقيل: إن تكلف له فيفسد، وبالمذي لا يفسد، وبه قال الشافعي (٥). وقال أحمد: يفسد (٦). وفي الحلية لأحمد في القبلة والمس روايتان في وجوب الكفارة؛ في رواية: تجب، وفي رواية: لا تجب فيفتقر إلى كمال الجناية (٧). وذكر الإسبيجابي: أن الكفارة أعلى عقوبات الفطر، فلا يعاقب بها إلا بعد بلوغ الجناية نهايتها، وهاهنا جناية من جنسها أبلغ، وهو الجماع في الفرج (٨).

стр. 1837

لِوُجُودِ مَعْنَى الجِمَاعِ وَوُجُودِ المُنَافِي صُورَةً أَوْ مَعْنَى يَكْفِي لِإِيجَابِ القَضَاءِ احْتِيَاطًا، أَمَّا الكَفَّارَةُ فَتَفْتَقِرُ إِلَى كَمَالِ الجِنَايَةِ، لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالحُدُودِ (وَلَا بَأْسَ بِالقُبْلَةِ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ) أَي الجِمَاعَ أَوْ الإِنْزَالَ (وَيُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ) قوله: (وأي: الجماع أو الإنزال والرواية في النسخ المقروءة على المشايخ بكلمة (أو)، وإنما ردد بينهما؛ لأن المشايخ) (١) اختلفوا في [تأويل] (٢) قول محمد: (إذا أمن على نفسه). قال بعضهم: أراد به الأمن عن خروج المني والوقوع في الجماع. وقال بعضهم: أراد به الأمن عن خروج المني. روي أن (٣) عمر جاء إلى النبي ﷺ فقال: أذنبت ذنبا فاستغفر لي، فقال ﵇: ماذا فعلت؟ فقال: هششت مع أهلي - أي: اشتهيت - فقبلتها وأنا صائم، فقال ﵇: «أرأيتَ لو تَمضمَضْتَ بماء ثم مججته أكانَ يضرُّكَ؟» قال: لا، قال: «[ففيم] (٤) إذا» (٥)، وهذا إشارة إلى بقاء ركن الصوم، وانعدام اقتضاء الشهوة بنفس التقبيل. فإن كان لا يأمن على نفسه؛ فالتحرز أولى؛ لما روي أن شابا سأل النبي ﵊ عن القبلة للصائم فمنعه، وسأله شيخ عن ذلك، فأذن له، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال ﵇: «عَلِمتُ لِمَ نظر بعضُكُم إِلَى بعض إن الشيخ يملك نفسه» (٦)، وهكذا روي عن ابن عباس، فالشاب قال له: ديني ودينه واحد؟ قال: نعم، ولكن الشيخ يملك نفسه، [قال ﵇:

стр. 1838

لِأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِمُفْطِرٍ، وَرُبَّمَا يَصِيرُ فِطْرًا بِعَاقِبَتِهِ، فَإِنْ أَمِنَ يُعْتَبَرُ عَيْنُهُ وَأُبِيحَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ تُعْتَبَرُ عَاقِبَتُهُ وَكُرِهَ لَهُ، وَالشَّافِعِيُّ أَطْلَقَ فِيهِ فِي الحَالَيْنِ وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا، وَالمُبَاشَرَةُ الفَاحِشَةُ مِثْلُ التَّقْبِيلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ كَرِهَ المُبَاشَرَةَ الفَاحِشَةَ، لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنِ الفِتْنَةِ. (وَلَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ ذُبَابٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ لَمْ يُفْطِرُ) وَفِي القِيَاسِ: يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِوُصُولِ المُفْطِرِ إِلَى جَوْفِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَغَذَّى بِهِ كَالتَّرَابِ وَالحَصَاةِ. وَوَجْهُ الاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ … ... «لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، وَحِمَى اللَّهُ تَعَالَى مَحَارِمُهُ، فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (١)] (٢). وعن هذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه كره المباشرة الفاحشة للصائم، وذلك بأن يعانقها وهما مجردان، ويمس ظاهر فرجه ظاهر فرجها. كذا في المبسوط (٣). وفي الفتاوى الظهيرية: وكذا التقبيل الفاحش، وهو أن يمضغ شفتيها (٤). والشافعي أطلق في الحالين، ولكن ذكر في كتبهم من التتمة، والغاية، والتنبيه، وغيره: لا تكره القبلة لمن ملك إربه، ومن حرّكت القبلة شهوته كره له أن يقبل (٥). وفي الحلية: تحرم القبلة في الحالين عند مالك، وعن أحمد روايتان فيها، والمس بشهوة في رواية تجب بها الكفارة (٦). قوله: (وفي ظاهر الرواية): ووجهه: ما روينا من حديث عائشة. قوله: (لا يستطاع)؛ فإن الصائم لا يجد بدا من أن يفتح فمه ليتحدث مع

стр. 1839

الاحْتِرَازُ عَنْهُ فَأَشْبَهَ الغُبَارَ وَالدُّخَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي المَطَرِ وَالثَّلْجِ، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يَفْسُدُ لِإِمْكَانِ الِامْتِنَاعِ عَنْهُ إِذَا آوَاهُ خَيْمَةٌ أَوْ سَقْفٌ (وَلَوْ أَكَلَ لَحْمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يُفْطِرُ) وَقَالَ زُفَرُ: يُفْطِرُ فِي الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الفَمَ لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ بِالمَضْمَضَةِ. وَلَنَا: أَنَّ القَلِيلَ تَابِعُ لِأَسْنَانِهِ الناس، ولا يمكن التحرز عنه فكان عفوًا، وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣). وقوله: (والأصح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ: أنه لا يفسد للضرورة. وقيل: لا يفسد في المطر، ويفسد في الثلج. وقيل: على العكس، والأصح: أنه يفسد في الكل. كذا في النصاب (٤). قوله: (فقال زفر: يفطر في الوجهين) وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦). وفي تتمتهم: إن قدر على إخراجه فابتلعه يبطل، وإلا فلا (٧). وفي شرح الإرشاد: إن كان مما يجري به الريق لا يفطر عنده، وإن كان لا يجري يفطر (٨). وقوله: (لأن الفم له حكم الظاهر)؛ إشارة إلى دخول من الخارج. وقلنا: القليل تابع؛ لأنه لا يستطيع الامتناع عنه، فإن من تسحر بالسويق فلابد أن يبقى بين أسنانه ولهاته شيء، فإذا أصبح يدخل ذلك في حلقه مع ريقه، ثم ما يبقى بين أسنانه تبع لريقه إذا كان صغيرًا، بخلاف ما لو أدخل ذلك من

стр. 1840

بِمَنْزِلَةِ رِيقِهِ بِخِلَافِ الكَثِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِيمَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ، وَالفَاصِلُ مِقْدَارُ الحِمَّصَةِ وَمَا دُونَهَا قَلِيلٌ (وَإِنْ أَخْرَجَهُ وَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ أَكَلَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ صَوْمُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا ابْتَلَعَ سِمْسِمَةٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، الخارج في فمه حيث يفسد؛ لأنه يستطيع الامتناع عنه. كذا في المبسوط (١). والفاصل: مقدار الحمصة. فإن قيل: الفاصل بين القليل والكثير في النجاسة مقدار الدرهم وهو معفو، فألحق بالقليل وهاهنا ألحق الفاصل بالكثير، فما وجه التفصيل والفرق؟ قلنا: الفرق أن قدر الدرهم هناك أخذ من موضع الاستنجاء، وذلك القدر معفو فيه بالإجماع، أما هاهنا بقدر الحمصة لا يبقى بين الأسنان غالبًا، فلا يمكن إلحاقه بالريق؛ فلذلك ألحق بالكثير. وفي الفوائد الظهيرية: من المشايخ من قال: إن كان ما يبقى، بحيث يحتاج في ابتلاعه إلى الاستعانة بالريق؛ فهو قليل، وإن كان لا يحتاج؛ فهو كثير (٢). قوله: (ينبغي أن يفسد صومه)؛ لإمكان الاحتراز عنه، وبالقياس على ما روي عن محمد في السمسمة، وبه قال زفر، والشافعي (٣)، وأحمد (٤). وفي الخلاصة: يجب أن يفسد صومه (٥). وفي وجوب الكفارة، وعلى هذا لو أخذ لقمة من الخبز وهو ناس لصومه، فلما مضغها ذكر أنه صائم فابتلعها وهو ذاكر؛ إن ابتلعها قبل الإخراج من فمه عليه الكفارة، وإن أخرجها ثم أعادها؛ لا كفارة عليه، وبه أخذ الفقيه. (ولو أكلها)؛ أي: السمسمة.

стр. 1841

وَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً: يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَلَوْ مَضَغَهَا لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهَا تَتَلَاشَى، وَفِي مِقْدَارِ الحِمَّصَةِ عَلَيْهِ القَضَاءُ دُونَ الكَفَّارَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ زُفَرَ: عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ أَيْضًا (*)، (ابتداء يفسد صومه): واختلف المشايخ في وجوبها، والمختار: أنه يجب إن ابتلعها ولم يمضغها، فإنها من جنس ما يتغذى. كذا في فتاوى الولوالجي (١). ولو ابتلع حبّات سمسم متداركًا كما هي عليه الكفارة، ولو ابتلع سمسمة [واحدة، عن أبي يوسف:] (٢) لا قضاء عليه، وعن محمد روايتان؛ في إحداهما: عليه الكفارة، وبه أخذ محمد بن مقاتل. وفي أخرى عليه القضاء، وسكت عن ذكر الكفارة (٣). ولو أكل حبة عنب، فإن مضغها عليه القضاء والكفارة، ولو ابتلعها وعليها ثفروقها (٤)؛ اختلف فيه: قال عامة العلماء: عليه القضاء والكفارة. وقال أبو سهل: لا كفارة عليه؛ لأنها لا تؤكل عادة، أما لو مضغها أو كان عليها ثفروقها؛ عليه الكفارة بالاتفاق. كذا في جامع قاضي خان، والخلاصة (٥). وفي الْمُجْتَبى: ومع الثفروق اختلاف المشايخ؛ لانسداد ثقبتها به (٦). (ولو مضغها)؛ أي: السمسمة، وكذا لو مضغ حبة حنطة لا يفسد صومه؛ لأنها تلتزق بأسنانه فلا تصل إلى جوفه؛ لأنه يصير تابعًا لريقه، ولو ابتلع بزاقه؛ لا يفسد بإجماع الأمة، ولو أخرج بزاق فمه على يده، وجمعه فيها ثم ردّه إلى فمه؛ يفسد بالاتفاق.

стр. 1842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو أخرج بزاقه إلى ذقنه ولم ينقطع عمّا كان داخل فمه، [ثم ردّه إلى فمه] (١) فابتلعه؛ لا يفسد صومه. وقال الشافعي: إذا أخرجه إلى شفته ورده بلسانه فابتلعه؛ يفسد (٢)، ولو ابتلع بزاق غيره؛ يفسد صومه ولا كفارة عليه؛ لأن الناس يعافون البزاق إذا خرج من الفم. وقال بعضهم: إن كان بزاق حبيبه تلزمه الكفارة منهم. [قال] (٣) الحلواني: لوجود معنى صلاح البدن فيه (٤). ولو استشم مخاطه فأخرجه من فيه لا يفسد [صومه] (٥) كريقه، ولو مضغها؛ لا يفسد بالاتفاق. قيل: إلا إذا وجد طعمه في حلقه. وقال الشافعي (٦): لو نزلت النخامة من دماغه إلى فمه بغير قصد واختيار، فإن لم يقدر على رميها ونزلت حلقه لا باختياره؛ لا يفسد، ولو قدر على رميها وابتلعها؛ يفسد، أما لو تكلّف ونزلت النخامة أو صعدت من جوفه؛ فهو كما لو تقيأ [وابتلعها؛ يفسد] (٧). ولو خرج الدم من أسنانه ودخل حلقه، فإن كانت الغلبة للبزاق؛ لا يضره، وإن كانت للدم؛ فسد صومه، وإن كانا سواء؛ يفسد استحسانًا. وقال الشافعي: يفسد في جميع الصور. ولا تجب الكفارة بشرب الدم في الظاهر. وفي رواية: تجب.

стр. 1843

لِأَنَّهُ طَعَامُ مُتَغَيِّرٌ، وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَعَافُهُ الطَّبْعُ. (فَإِنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ لَمْ يُفْطِرُ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ قَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ القَضَاءُ»، ولو عمل عمل الإبريسم، فأدخل الإبريسم في فيه، فخرجت منه خضرة الصبغ أو صفرته أو حُمرته، فاختلط بالريق فصار الريق أحمر أو أصفر، فابتلع الريق وهو ذاكر لصومه؛ يفسد. كذا في الخلاصة (١). قوله: (لأنه طعام متغير)؛ فصار كاللحم المنتن. (ولأبي يوسف: أنه)؛ أي: مقدار الحمصة. (يعافه)؛ أي: بكريمة الطبع، فصار من جنس ما لا يتغدى، فهو نظير التراب. كذا في المبسوط (٢). وفي المغرب: عاف الماء كرهه عيافة، من باب لبس (٣). قوله: (فإن ذرعه) في المغرب: ذرعه القيء؛ سبق إلى فيه وغلبه فخرج منه. وقيل: غشيه من غير تعمد، من باب منع (٤). وقوله: (وَمَنْ اسْتَقَاءَ فعليه القضاء): من تتمة الحديث، رواه علي مرفوعًا، وقال ﵇: «ثلاث لا يُفطِرنَ: القيء والحجامة والاحتلام» (٥). والاستقاء يفسد الصوم عند عامة العلماء (٦)، إلا ما حكي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا: لا يبطل ذلك، وحكي ذلك عن [بعض] (٧) أصحاب مالك.

стр. 1844

وَيَسْتَوِي فِيهِ مِلْءُ الفَمِ فَمَا دُونَهُ، فَلَوْ عَادَ وَكَانَ مِلْءَ الفَمِ فَسَدَ عِنْدَ أَبِي وذكر في الحلية: ابن عمر مكان ابن عباس (١). والاستقاء بالمد؛ لأنه استفعل من قاء، وتقيأ تكلف في ذلك. وقوله: من قضاء باتفاق الأئمة الأربعة. وقال عطاء: يفسد صومه، وحكي ذلك عن الحسن البصري. وفي المبسوط (٢): لو استقاء فعليه القضاء؛ لأن بفعله يفوت ركن الصوم وهو الإمساك؛ إذ في تكلفة لا بد أن يعود شيء إلى جوفه، ولا كفارة عليه إلا على قول مالك؛ فإنه [قال] (٣): كل مفطر غير معذور عليه الكفارة. وعندنا: لا كفارة عليه؛ لأن للفم حكم الباطن من وجه، وحكم الظاهر من وجه، والكفارة تسقط بالشبهة. وفي مبسوط شيخ الإسلام: ومنهم من علَّل فساد الصوم بالنفي، وقال: لأن ما بقي في المعدة إنما يستقر بسبب التقيؤ، فكان معنى التعدي يحصل للباقي بهذا السبب، فقلنا: يفسد صومه؛ لحصول معنى التعدي للباقي، وفيه نوع تأمل. وفي شرح الإرشاد والصحيح: أن يكون فساد الصوم بما روينا من الحديث. قوله: (ويستوي)؛ أي: في صورة القيء؛ لأن في صورة الاستقاء خلاف كما يجيء. وفي الإيضاح: القيء إن لم يملأ الفم لا يفطر (٤). وروى الحسن عن أبي حنيفة ذلك نصا؛ لأنه ليس له حكم الخارج ويكون تبعا لريقه؛ ألا ترى أنه لا تنتقص به الطهارة (٥).

стр. 1845

يُوسُفَ ﵀، لِأَنَّهُ خَارِجٌ حَتَّى انْتَقَضَ بِهِ الطَّهَارَةُ وَقَدْ دَخَلَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صُورَةُ الفِطْرِ وَهُوَ الِابْتِلَاعُ، وَكَذَا مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَذَّى بِهِ عَادَةٌ، إِنْ أَعَادَهُ فَسَدَ بِالإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الإِدْخَالِ بَعْدَ الخُرُوجِ فَتَتَحَقَّقُ صُورَةُ الفِطْرِ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الفَمِ فَعَادَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ خَارِجِ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِي الإِدْخَالِ، وذكر في الأصل (١): أن القيء لا يفطر من غير تفصيل؛ لإطلاق قوله ﵇: ﴿مَنْ قَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ … ﴾ الحديث (٢). أما إذا كان ملأ الفم، فإن كان بفعله أفطر، وإن غلبه لم يفطر؛ لما روينا. والقياس: أن لا يفطر؛ لأن الخارج يؤثر في نقض الطهارة دون الصوم؛ لقوله ﵇: «الفطر مما يدخل» (٣)، وإنما تركناه حالة العمد بالنص. وفي شرح الإرشاد، والمبسوط: والصحيح: قول الحسن؛ لما ذكرنا أن ما دونه تبع لريقه (٤). (وهو)؛ أي: صورة الفطر. ذكر ضميره نظرا إلى الخبر. فإن قيل: قوله ﵇: «الفطر مما دخل» (٥) لا يقتضي الفعل. قلنا: هذا مخصوص بصورة النسيان، فنخصه أيضا بالقياس في شيء يمكن الاحتراز عنه، أما فيما لا يمكن الاحتراز عنه لا يفسد كالذباب. وفي فتاوى قاضي خان: والصحيح قول محمد؛ لأنه كما لا [يمكن الاحتراز عن خروجه] (٦) لا يمكن الاحتراز عند عوده (٧). وذكر الاختلاف في الإيضاح على العكس، وعلى ظني أن ما وقع في الإيضاح سهو من الكاتب. وقوله: (لأنه غير خارج): دليل أبي يوسف. وقوله: (ولا صنع له في الإدخال)؛ دليل محمد، فيكون عدم الفساد

стр. 1846

وَإِنْ أَعَادَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الخُرُوجِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِوُجُودِ الصُّنْعِ مِنهُ فِي الإِدْخَالِ (فَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا مِلْءَ فِيهِ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ) لِمَا رَوَيْنَا، وَالقِيَاسُ مَتْرُوكٌ بِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الفَمِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، لِإِطْلَاقِ الحَدِيثِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا يَفْسُدُ لِعَدَمِ الخُرُوجِ حُكْمًا، ثُمَّ إِنْ عَادَ لَمْ يَفْسُدْ عِنْدَهُ لِعَدَمِ سَبْقِ الخُرُوجِ، وَإِنْ أَعَادَهُ فَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ لِمَا ذَكَرْنَا، … ... … ... … . بالاتفاق مع اختلاف التخريج؛ لعدم الخروج؛ لأن القليل ليس بخارج بالاتفاق مع اختلاف التخريج، فلا يتصور إدخاله، والصحيح في هذا قول أبي يوسف. كذا في فتاوى قاضي خان (١). وفي قوله: (استقاء ملء فيه)؛ إشارة إلى أنه لو استقاء ناسيا لصومه؛ لا يفسد صومه. (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «مَنِ اسْتَقَاءَ فعلَيهِ القضاءُ» (٢). (والقياس متروك به)؛ أي: بالحديث. قال: القياس يقتضي أن لا يفسد صومه بالاستقاء، وإن كان ملأ الفم؛ لما ذكرنا أن الفساد بالتقيؤ باعتبار أن يستمرئ الباقي في المعدة. كذا ذكره الغنى. (لإطلاق الحديث)؛ وهو قوله ﵇: «من استقاء فعليه القضاء» (٣). وعند أبي يوسف - وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -: لا ينقض، فعلم أن ما ذكر أولا من رواية الإيضاح فيه سهو؛ بدليل أنه ذكر في هذه المسألة: فقد روينا عن أبي حنيفة أنه لا ينقض، وهو قول أبي يوسف. وفي رواية الأصل: ينقض، وهو قول محمد. (عنده)؛ أي: عند أبي يوسف؛ لعدم سبق الخروج. (وإن أعاده فعنه)؛ أي: عن أبي يوسف. (لما ذكرنا)؛ وهو عدم الخروج.

стр. 1847

وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَفْسُدُ فَأَلْحَقَهُ بِمِلْءِ الفَمِ لِكَثْرَةِ الصُّنْعِ. قَالَ: (وَمَنِ ابْتَلَعَ الحَصَاةَ أَوْ الحَدِيدَ أَفْطَرَ) لِوُجُودِ صُورَةِ الفِطْرِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الْمَعْنَى. (لِكَثْرَةِ الصُّنْع)؛ وهو صنع الاستقاء، وصنع الإعادة. وقال البزدوي: إن الفعل [الأول] (١) صار مؤكدًا بالثاني، فصار ملء الفم. قوله: (ابتلع الحصاة أو الحديد): وكذلك التراب والطين وكل ما لا يتعدى. وإنما قال: (ابتلع) ولم يقل (أكل)؛ لأن الأكل هو المضغ، وهو لا ينعقل في الحصاة. ويجب القضاء بالإجماع، إلا أنه نقل عن بعض المتأخرين من أصحاب مالك: أنه لا يفطر الصوم، ومشهور مذهبه الفطر وعدم الكفارة. ذكره في الجواهر (٢). (أفطر): إلا على قول من لا يعتمد على قوله وهو الحسن بن صالح؛ فإنه يقول: حصول الفطر باقتضاء الشهوة، وهو قول بعض أصحاب مالك كما ذكرنا. وقوله ﵊: «الفطر مما يدخل» (٣)، وركن الصوم الكف عن إدخال الشيء كذا في [المبسوط] (٤). (ولا كفارة عليه) (٥) وفي المبسوط: قال مالك: عليه الكفارة؛ لأنه مفطر غير معذور (٦).

стр. 1848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال ﵇: «من أفطر فعليه الكفارة» (١) (٢)، وجنايته هاهنا أظهر؛ لأنه لا غرض له سوى الجناية على الصوم، بخلاف ما يتعدى به. وقلنا: عدم دعاء الطبع إليه، يعني عن إيجاب الكفارة فيه زاجرا، كما لا يوجب الحد بشرب البول أو الدم وإن كان حرامًا؛ لعدم دعاء الطبع إليهما، بخلاف الخمر، ثم تمام الجناية بانعدام ركن الصوم صورة ومعنى، فانعدم المعنى هاهنا، فلم تتم الجناية، وفي النقصان شبهة العدم، والكفارة تسقط [بالشبهة] (٣)، والحديث محمول على ما يتعدى، ولكن ما نقل من الجواهر من مذهب مالك مخالف لما ذكر في المبسوط، وما ذكر فيه مذهب سحنون [من] (٤) المالكية. وفي الْمُجْتَبى: في بحر المحيط: لو أكل ما يؤكل عادة أو يتداوى به، إما قصدًا أو تبعًا يُكَفِّرُ، وما لا فلا (٥). ولو ابتلع جوزة أو لوزة يابسة؛ لم يُكَفِّرُ، وفي اللوزة الرطبة، والخوخة الصغيرة كَفَرَ؛ لأنها تؤكل عادة، بخلاف الجوزة الرطبة. ولو مضغ لوزة أو جوزة رطبة أو يابسة وابتلعها؛ كفر. وقيل: إن وصل القشر إلى حلقه أو لا؛ لم يكفر. ولو مضغ حبة عنب أو ابتلعها بغير ثغروق؛ كَفَّر، وابتلعها مع الثغروق؛ فيه اختلاف المشايخ؛ لانسداد ثقبتها به. ولو ابتلع فستقا مشقوق الرأس؛ كَفَّر.

стр. 1849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: إنما يكفَّر بالملح والفستق الرطب، كالجوزة الرطبة. ولو أكل قشر بطيخ يابس، فإن كان يتعذر منه؛ لم يكفِّر، وفي الرطب كفر إن كان لا يتعذر منه. وفي أكل حبة الحنطة الكفارة بالاتفاق. وقيل: عند أبي حنيفة خلافا لهما (١). ولا كفارة في الشعير إلا إذا كان مقليا. وقيل: فيه اختلاف المشايخ مطلقا. ولا يكفر بأكل الأرز، والجاروس، والماش، والعدس. وفي النظم: لا تجب الكفارة في الحبوب كلها غير الحنطة (٢). قيل: هذا الإطلاق يشكل عليه السمسم، وفي الماش إشكال؛ لأنه يؤكل قضما عادة، ولو أكل عجينا لم يكفر. وكذا الدقيق. وعن أبي يوسف ومحمد [في الدقيق] (٣) روايتان (٤). وإن أكل عجين الحوكة التي يسمى بت؛ ينبغي أن تجب الكفارة كالعصيدة. وفي دقيق الذرة الذي لت بالسمن [والدبس] (٥)، ودقيق الحنطة والشعير خلط بالسكر والطين الأرمني؛ الكفارة. وفي جمع التفاريق: الطين الذي يؤكل تفكها، عن محمد: لا كفارة فيه، إلا أن مشايخنا أوجبوا الكفارة فيه استحسانًا (٦). قلت: فعلى هذا يجب الكفارة إذا عجن دقيق الذرة، أو الشاماخ، أو المناصفة بماء مغلي، فإنه يحلو ويؤكل تفكها.

стр. 1850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن ابن المبارك عن محمد: يكفر في الطين مطلقا (١). وعن أبي يوسف في الطين الأرمني: لا يُكَفِّر أيضًا (٢). ولو أكل كافورًا، أو مسكًا، أو زعفرانا، أو غالية؛ كَفَّر؛ لأنه يتداوى بها. وفي ابتلاع الهليلجة روايتان، وفي أكل الملح روايتان. وقيل: تجب بالقليل دون الكثير، وإنه من الامتحانيات. وفي الكامل: لو طلع الفجر وهو مواقع، أو أكل فأمسك؛ فصومه تام، وإن بقي عليه؛ فعليه القضاء دون الكفارة (٣). وكذا لو جامع ناسيا فتذكر وبقي عليه. وعن أبي يوسف: لو بقي بعد الطلوع كفّر، ولو بقي بعد الذكر لم يكفّر (٤). وفي الحلية: طلع الفجر عليه مجامعًا، فإن استدام عليه كفّر (٥)، وبه قال مالك (٦)، وأحمد (٧). وعند أبي حنيفة: لا كفارة عليه، وهو اختيار المزني. وفي بحر المحيط: لو أخرج اللقمة بعد الذكر ثم أعادها؛ قيل: يُكَفِّر. وقيل: لا، وهو الأصح. قيل: يُكَفِّر قبل أن تبرد، وإن بردت؛ فلا، و [لا] (٨) كفارة في لقمة غيره؛ لأنه مستقذر طبعًا (٩).

стр. 1851

(وَمَنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ عَامِدًا فَعَلَيْهِ القَضَاءُ) … ... … ... … ... … ... … وفي جامع شمس الأئمة: في الخل والمرق، وماء الورد والعصفر والزعفران، وماء الباقلاء والبطيخ والقند، وماء القثاء والبلح وسائر الفواكه، والبقول والبصل والثوم والفجل، والملح [والمصل] (١) والرايب: كفارة؛ لرغبة الناس في أكلها للتغذي والدواء (٢). وعن أبي حفص: شرب دما كَفَّر، وفي الميتة كَفَّر، إلا إذا دودت وأنتنت، وفي اللحم المنتن وغير المطبوخ كَفَّر (٣). قوله: (ومن جامع في أحد السبيلين فعليه القضاء): وعليه جمهور العلماء (٤). وقال الأوزاعي، وبعض أصحاب الشافعي: إن كَفَّر بالصوم لا يجب عليه القضاء؛ لأنه من جنسه، وإن كفّر بغيره وجب. وحكي قول عن الشافعي: أنه لا قضاء عليه إذا كفّر؛ لأنه ﵇ بين للأعرابي الكفارة، ولم يبين حكم القضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وقال ﵇: «من أفطر مُتعمدا فعليه ما علَى المُظاهِرِ» (٥)، وليس على المظاهر سوى الكفارة شيء. ولنا: أنه وجب عليه الصوم بشهود الشهر، وقد انعدم فلزمه القضاء، كما

стр. 1852

اسْتِدْرَاكًا لِلْمَصْلَحَةِ الفَائِتَةِ (وَالكَفَّارَةُ) لِتَكَامُلِ الجِنَايَةِ، … لو كان معذورًا ولم يؤد فيضمنه بمثل ما عنده، كما في حقوق العباد، وإنما أراد بقوله ﵇: «فعليهِ ما عَلَى المُظاهِرِ» (١) بسبب الفطر، وبه نقول أن وجوب القضاء ليس بسبب الفطر، وإنما بين النبي ﵇ للأعرابي ما كان مشكلا، ووجوب القضاء عند تفويت الأداء غير مشكل. كذا في المبسوط (٢). (للمصلحة الفائتة)؛ [إذ صوم هذا اليوم مصلحة؛ لأنه مأمور به، والحكيم لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، فيقضيه لتحصل تلك المصلحة] (٣) كذا في الكافي (٤). ويقضي يوما مكانه، وهو قول الكافة. وعن ربيعة: يقضي مكان كل يوم اثني عشر يوما. وعن ابن المسيب: أنه يقضي مكان كل يوم شهرًا. وعن علي، وابن مسعود أنهما قالا: لا يقضيه صوم الدهر وإن صامه. كذا في الحلية (٥). قوله: (والكفارة)؛ وهو قول الجمهور (٦). وقال الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه؛ لأنها نسخت بقوله ﵇ للأعرابي: «كلها [أنت] (٧) وعيالك» (٨)، فانتسخ به حكم الكفارة. ولنا: قوله ﵇: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المُظاهِرِ» (٩)،

стр. 1853

وَلَا يُشْتَرَطُ الإِنْزَالُ فِي المَحَلَّيْنِ، اعْتِبَارًا بِالاغْتِسَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ يَتَحَقَّقُ دُونَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ شِبَعٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ وحديث الأعرابي، وفي بعض رواياته: «تُجزِئُكَ ولا تُجزِئُ أحدًا بعدَكَ» (١)، فإن ثبتت الزيادة ظهر إن كان مخصوصا، وإن لم تثبت الزيادة (٢) لا يتبين به انتساخها، ولكنه عذره في التأخير للعسرة. كذا في المبسوط (٣). (ولا يشترط الإنزال)؛ حتى لو التقى الختانان أو أولج بلا إنزال؛ يجب القضاء والكفارة. وقال سليمان الأعمش: لا قضاء عليه ولا اغتسال بدون الإنزال؛ لما روي أنه ﵇ قال: «الماء من الماء» (٤). والمعنى في ذلك: أن الجماع وجد صورة بلا معنى ولا عبرة بها؛ ولهذا قال: بأنه إذا أكل ما لا يتغذى لا يفسد صومه عنده، وبه قال الحسن البصري. وعامة العلماء احتجوا بقوله ﵇: «إذا التقى الختانان … .» الحديث (٥)، ولأنه وجد الجماع صورة ومعنى؛ وهو إدخال الفرج في الفرج، واقتضاء الشهوة، إلا أنه عدم الشبع، وليس ذلك بشرط، كمن أكل لقمة مما يتغذى؛ تجب الكفارة ولم يوجد الشبع. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٦). (دونه)؛ أي: دون الإنزال؛ ولهذا تنعدم الشهوة بالإنزال. (إنما ذلك)؛ أي: الإنزال. (شبع)؛ وهذا جواب سؤال ذكر في المبسوط.

стр. 1854

بِالجِمَاعِ فِي المَوْضِعِ المَكْرُوهِ اعْتِبَارًا بِالحَدِّ عِنْدَهُ. وَالأَصَحُ أَنَّهَا تَجِبُ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ مُتَكَامِلَةٌ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ. (وَلَوْ جَامَعَ مَيْتَةً أَوْ بَهِيمَةً فَلَا كَفَّارَةَ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀؛ فإن قيل: تكامل الجناية شرط لإيجاب الكفارة، وذا لا يحصل بدون الإنزال. قلنا: اقتضاء شهوة المحل يتم بالإيلاج، فأما الإنزال شِبَعُ، ولا معتبر به في تكميل الجنابة. قوله: (في الموضع المكروه): [جامع في الموضع المكروه، وذلك] (١) لو لاط تجب الكفارة عند أبي يوسف، ومحمد (٢)، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥): وعليهما الغسل. وعن أبي حنيفة رويتان، وفي رواية الحسن عنه: لا كفارة عليه كما لا يجب الحد، وبه قال بعض أصحابه؛ لأن هذا الفعل غير كامل في إيجاب العقوبة التي تندرئ بالشبهات كالحد، وفي جانب المفعول ليس اقتضاء الشهوة. وفي وراية أبي يوسف عنه: تجب الكفارة، وهو الأصح؛ لأن السبب قديم؛ وهو الفطر بجنابة متكاملة لقضاء الشهوة في ملحه، وإنما يدعي أبو حنيفة النقصان في معنى الزنا؛ من حيث إنه لا يحصل به إفساد الفراش، ولا معتبر به في إيجابها. كذا في المبسوط (٦). قوله: (وخلافا للشافعي): فإن الصحيح عنده أنه تجب الكفارة؛ لأن السبب عنده الجماع المعدم للصوم، كما في الإيلاج في فرج النساء (٧).

стр. 1855

لِأَنَّ الجِنَايَةَ تَكَامُلُهَا بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلٌ مُشْتَهَى وَلَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ عِنْدَنَا كَمَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالوِقَاعِ عَلَى الرَّجُلِ تَجِبُ عَلَى المَرْأَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي قَوْلِ: لَا تَجِبُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالجِمَاعِ وَهُوَ فِعْلُهُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ الفِعْلِ، وَفِي قَوْلِ: تَجِبُ، وَيَتَحَمَّلُ الرَّجُلُ عَنْهَا … ... … ... وقلنا: المحل غير مشتهى عند العقلاء، فإن حصل [به] (١) قضاء الشهوة؛ فذلك لغلبة الشبق أو لفرط السفه، وهو كمن يتكلف في قضاء شهوته بيده، فلا تتم جنايته في إيجاب الكفارة. كذا في المبسوط (٢). وبقولنا: قال بعض أصحاب الشافعي. قوله: (وقال الشافعي): ثم له فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب على كل واحد كفارة تامة، وهو قول مالك (٣)، وأحمد في رواية، وقولنا واختاره القاضي أبو الطيب من أصحابه. والثاني: لا يجب عليها شيء، وهو قول أحمد (٤). والثالث: أنه تجب عليه كفارة واحدة عنه وعنها (٥). (وهو)؛ أي: الجماع. (فعله)؛ أي: فعل الرجل. يقال: جامع فلان، ولا يقال: جامعت، فكان الجماع مضافًا إليه؛ ولهذا لم يوجبها النبي ﵊ على امرأة الأعرابي مع مساس الحاجة إلى البيان، ولأن صومها ناقص؛ فإنه يعرض أن يبطل بالحيض، فلم يكن الفطر كاملا، فلم تتعلق به الكفارة. (يتحمل عنها)؛ أي: التكفير بالمال إن كان موسرًا، وإن كان معسرا فلا يتحمل عنها كالتكفير بالصوم. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٦).

стр. 1856

اعْتِبَارًا بِمَاءِ الاِغْتِسَالِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى اعتبارًا بماء الاغتسال؛ يعني: أنها حق يتعلق بالجماع، ينقسم إلى مالي وبدني، فما كان ماليا يجب على الزوج، وما كان بدنيًا يجب عليها، كثمن ماء الاغتسال؛ فإنه عليه، والاغتسال عليه كذا هاهنا. وفي تتمتهم (١): فيه تسعة فروع: أحدها: إذا كانا جميعًا من أهل الإطعام أو العتق؛ [يتحمل] (٢) ويتداخلان؛ لأنهما جنس واحد والسبب واحد. والثاني: إذا كانا جميعًا من أهل الصوم؛ فعلى كل واحد أن يصوم، ولا يتحمل عنها؛ لأنها عبادة بدنية، ولا يجزئ فيها التحمل. والثالث: إذا كان الرجل من أهل الإعتاق وهي من أهل الصوم؛ ففيه وجهان: أحدهما: عليها الصوم؛ لعدم التحمل منه. والثاني: يسقط عنها بعتق الرجل؛ لأن من كان كفارته الصوم، لو كفّر بالعتق يجوز. والرابع: إذا كان الرجل من أهل العتق وهي من أهل الإطعام؛ يتحمل عنها، وهما يتداخلان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتداخلان؛ لأنهما جنسان مختلفان، ولا تداخل مع الاختلاف. والثاني: يدخل فيه؛ لأن من كان من أهل الإطعام، لو كفر بالعتق يجوز، فيدخل. الخامس: لو كان [الرجل] (٣) من أهل الصوم وهي من أهل العتق؛ فوجهان:

стр. 1857

المُظَاهِرِ وَكَلِمَةُ (مَنْ) تَنْتَظِمُ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ جِنَايَةُ الإِفْسَادِ لَا أحدهما: لا يتحمل عنها؛ لأنه عاجز. والثاني: يتحمل، ويبقى في ذمته إلى أن يقدر. السادس: لو كان الرجل من أهل الإطعام وهي من أهل الصوم؛ لا يتحمل عنها [لا بدني ولا يحمل فيه. السابع: لو زنا بامرأة لا يتحمل عنها؛] (١) لأن التحمل بسبب الزوجية ولم يوجد؛ ولهذا لا يلزمه من ماء الاغتسال. الثامن: إذا كان نائما فاستدخلت ذكره؛ فعليها الكفارة؛ لأن الرجل لم يجعلها مفطرا. التاسع: إذا قدم الرجل من سفر مفطرا فجامعها، فإن ظن أنها مفطرة؛ فلا يحمل، وإن جامعها مع العلم بصومها؛ ففيه وجهان: أحدهما: لا يحمل؛ لأنه غير ملتزم للكفارة، فلا يتحمل عنها. والثاني: يتحمل؛ لوجود وصلة الزوجية والقدرة على التحمل. قوله: (تَنْتَظِمُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ)؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] هذا خطاب لأزواج النبي ﵇. وتبين بهذا الحديث: أن السبب الفطر هو جناية كاملة، وهذا السبب يتحقق في جانبها أيضًا؛ ولهذا يجب الحد عليها في الزنا أيضًا، فعلم أن تمكينها جناية كاملة، فإن كان مع النقصان لا يجب الحد، وبيان النبي ﵇ الكفارة في جانبه؛ بيان [في جانبيهما] (٢)؛ لأن كفارتهما واحدة، واستويا في انتهاك حرمة الشهر مع العلم، كسائر الناس، وسكوته ﵇ عنها عليها لا يدل على سقوطها، كما لم يدل سكوته عن فساد صومها ووجوب القضاء عليها على خلاف ذلك، وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن المرأة لم تسأل عنها ولا الزوج.

стр. 1858

نَفْسُ الوِقَاعِ وَقَدْ شَارَكَته فِيهَا، وَلَا يَتَحَمَّلُ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَلَا يَجْرِي فِيهَا التَّحَمُّلُ. (وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مَا يُتَغَذَّى بِهِ، أَوْ يُتَدَاوى بِهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ) وَقَالَ ويحتمل أن المرأة كانت مفطرة بحيض أو مرض أو مكرهة، دلّ عليه قوله: «أهلكت … » (١) في رواية. ولا معنى للتحمل؛ لأن الكفارة إما عبادة أو عقوبة، وبسبب النكاح لا يجري التحمل عنها، وإنما ذلك في مؤن الزوجية. كذا في المبسوط (٢) (٣). وفي شرح الإرشاد بيان حكم الرجل بيان حكم المرأة (٤)؛ لما روي أنه ﵊ قال: «حُكمِي في الواحِدِ حُكمِي في الجماعة، وخطابي للواحد خطاب للجماعة» (٥). والدليل: أنه ﵇ بين حكم الإماء في الحد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكان العبد في ذلك كالأمة. وأما ثمن ماء الاغتسال، فغير مُسلّم أنه يجب عليه، بل يجب عليها؛ لأن الجماع استبقاء منافع البضع، وقد ضمن بإزائها عوضًا، فلا يضمن بدلا آخر، وبه أخذ أبو الليث. وعن بعض مشايخ بلخ: أنهم اعتبروه بثمن ماء الشرب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 1859

الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي الوِقَاعِ … ... … .. وفي الْمُجْتَبى: في المبسوطين: لو مكنت نفسها من صبي أو مجنون فزنى بها؛ فعليها الكفارة (١)، وبه قال الشافعي في أظهر قوليه (٢). وفي النوادر على قياس الحد لا تلزمها الكفارة، وبه قال الشافعي في قول، ولو كان الزوج مكرها لا كفارة عليها (٣). قال الحلواني: الشرط الإكراه عند الإيلاج (٤). والأصل في [جنس] (٥) هذه المسائل: أن كل وطء يوجب الحد، لو وقع في غير الملك يوجب الكفارة، وما لا فلا. ولو أكرهت زوجها على الجماع فعليه الكفارة، وذكر محمد في الأصل: أنه لا كفارة عليه، وبه يفتى (٦). وقال قاضي خان: لو جامع مكرها فعليه القضاء لا الكفارة (٧). وقال أبو حنيفة أولا: عليه الكفارة؛ لأن الانتشار أمارة الاختيار، ثم رجع إلى قولهما (٨). ولو كتمت طلوع الفجر على زوجها حتى جامعها؛ فعليها الكفارة. قوله: (وقال الشافعي: لا كفارة عليه) ولكن يعذره السلطان، ويجب عليه إمساك بقية يومه (٩)، وبه قال أحمد (١٠)، وداود، وبقولنا: قال مالك (١١).

стр. 1860

بِخِلَافِ القِيَاسِ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الكَفَّارَةَ (بخلاف القياس)؛ لأن حديث الأعرابي ورد في الوقاع، فتصير الموافقة سببا، ولا يجوز التعلق بسبب آخر قياسا؛ لأنها تجري مجرى العقوبات، فلا تثبت أسبابها قياسا. ولهذا لا تجب بجماع الميت والبهيمة، وكذا لو أصبح مجامعا لأهله. كذا في المبسوط (١). وإنما ذلك خلاف القياس؛ لأن الأعرابي جاء إلى النبي ﵊ تائبا نادما، والتوبة رافعة للذنب بقضية النصوص، ومع ذلك أوجب الشرع الكفارة، علم أنه أوجبها تعبدا غير معقول المعنى، فلا يمكن إلحاق الغير به، لا دلالة له ولا قياسا. كذا في الطريقة العلانية (٢). (ولنا: أن الكفارة): وفي المبسوط (٣): احتج علماؤنا بقوله ﵇: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» (٤). رواه أبو هريرة رواه مسلم، وأبو داود ولكن روايتهما عنه: أنه ﵇ أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة (٥)، وما ذكره في المتن؛ رواه الدارقطني بمعناه (٦)، ولم يذكر بأي سبب أفطر. وسأله رجل فقال: يا رسول الله، أفطرت في رمضان، فقال ﵇: «من غير مرض ولا سفر»، فقال: نعم، فقال: «أعتق رقبة»، ولم يسأله مما أفطر [به] (٧)، فدل أنه لا يختلف به. ولأن الفطر بهما يتضمن هتك حرمة الشهر، فكان كالفطر بالجماع، ثم لا
следующие страницы →