حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِالشِّفَاءِ فِيهِ، فَلَا يُعْرَضُ عَنْ الحُرْمَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لِلْقِصَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ (*).
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأَرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ أَوْ سَامٌ أَبْرَصُ: نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إِلَى ثَلَاثِينَ، بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) يَعْنِي: بَعْدَ
(للتداوي): لقول ابن مسعود إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (١).
وقوله: (لطهارته عنده)، منقوض بلبن الأتن السودانية.
طويرة: طويلة الذنب تأكل الجراد وتقتله وتأكل العنب أيضا.
(وسام أبرص) كبار الوزغ.
(وصغرها) أي: صغر الدلو.
وفي المجتبى: بحسب كبر الفأرة وصغرها (٢).
وقيل: بحسب كبر البئر، وصغرها، وفي البدرية: ما زاد على الصاع فهو كثير وما دونه صغير.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قدر هذا الدلو بالصاع بعد إخراج الفأرة؛ لأنها سبب النجاسة، ومع بقائها لا يمكن الحكم بالطهارة، ولو كان الدلو يقطر فيها لا يضرها لأن الاحتراز عنه متعذر، ولو صب الدلو الأخير في بئر آخر فينزح منها دلو مثلها كما لو صب في البئر الأولى لأن حالهما واحدة، ولو صبت الدلو الأولى منها في بئر طاهر ينزح عشرون دلوا لما ذكرنا، كذا في المبسوط (٣).
стр. 212
إِخْرَاجِ الفَارَةِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الفَارَةِ: «إِذَا مَاتَتْ فِي البِثْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا نُزِحَ مِنهَا عِشْرُونَ دَلْوا» وَالعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا … ... …
ثم اعلم أن الحيوان الواقع في البئر نوعان، نوع أخرج حيا، فإن كان آدميا طاهرا قد استنجى لم يجب نزح شيء، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يُنزَح عشرون دلوا، وإن كان محدثا فأربعون، وإن كان جنباً فالجميع، وإن كان لم يستنج ينزح الجميع، ثم غير الآدمي إن كان طاهر السؤر وما ينفصل منه كالحمام لا ينزح شيء، وإن كان المنفصل نجسًا كالشاة يلطخ فخذها ببولها ينزح عشرون دلوا عند أبي حنيفة لخفة نجاستها، وعند أبي يوسف جميعها كما لو وقع فيها قطرة من بولها.
وإن كان مكروه السؤر كسكان البيوت، والسنّور، والدجاجة المخلاة ينزح منها دلا عند أبي حنيفة وإن لم ينزح فلا بأس به، وكذا الفرس عنده، وإن كان نجسا كالكلب والحمار والسباع ينزح كله (١).
وفي الخزانة: ثمانية أشياء لو انغمست وأخرجت حيا ينزح الماء كله: البغل، والحمار، والكلب والخنزير، والفهد والنمر، والأسد، والذئب، وكذا كل ذي ناب من السباع، وقال الولوالجي: لو كان الحيوان حيا لا ينجس إلا الكلب والخنزير.
والنوع الثاني: ما أخرج ميتًا، وهو نوعان متغير، وغير متغير، فإن كان قبل التغيير ففي الفأرة ونحوها ينزع عشرون دلوا أو ثلاثون، كذا أمر النبي ﵇ بذلك في رواية أنس، وعن علي ﵁ مثله.
وفي الفاختة: والحمام والسنور أربعون أو خمسون، وفي رواية الحسن: ستون. وأمر أبو سعيد فيها بنزح أربعين دلوا، وفي الجدي فصاعدا ينزح كله لأنه ثقيل يصل إلى جميع الماء باضطرابه، ولحديث ابن عباس، وابن الزبير.
وذكر التمرتاشي: يُنزَحُ في ولد الفأرة والحلمة عشرون، وفي الفأرة الهاربة
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من الهرة والهرة الهاربة من الكلب أخرجت حية تنزح كلها لأنها تبول غالبا.
وقيل: بخلافه وعن أبي يوسف في الفأرة عشرون إلى أربع فأرات وفي الخمس أربعون إلى التسع وفي العشر كله كذا في فتاوى الظهيرية.
وعن محمد في الثلاث: أربعون، وقيل: ثلاثون، وعنه إن كانت الفأرتان كالدجاجة فأربعون، وعن أبي حنيفة ﵁ في الصغير من الفأرة عشرون، وفي الكبير: أربعون، وبه قال زفر والحسن.
وفي أجرابها كلها ثلاثون، وعن أبي حنيفة: السنوران كالواحدة، والثلاث كالشاة، وعن أبي يوسف في السنور الكل، وعن أبي حنيفة الإوز والسخلة أو الجدي كالدجاج وعنه كالشاة، وفي فتاوى الولوالجي: الفأرة الثلاث كالدجاجة، وحكم ما أخرج حيا حكم سؤره إن أصاب فمه الماء وإلا فطاهر (١).
وفي المكروه عن أبي حنيفة ينزح ست أو خمس، وقيل: عشرون. وعن محمد: لا يكون النزح في شيء أقل من عشرين، وفي المشكوك ينزح الكل، وفي الطاهر الذي لم يستنج والحائض والكافر والذمي كله، هذا من تتمة ما ذكره التمرتاشي، وفي بحر المحيط: وجب نزح ماء البئر ثم ازداد.
قيل: ينزح كله وقيل بقدر ما فيها وقت الوقوع. واختلفوا في التوالي فمن لم يشترطه إذا نزح بعضها ثم جاء في الغد وقد ازداد.
قيل: ينزح كله وقيل مقدار البقية. وإن كان الدلو منخرقا يطهر إذا بقي فيه أكثر مائه ولو وجب نزح مائها فغار الماء ثم عاد نجسه، [في] (٢) الجامع الأصغر قال شداد هو طاهر وفي الملتقط وهو الصحيح لأنه بمنزلة النزح. وفيه ولو وجب نزح البئر فنزحوا كل يوم عشر دلاء أو أقل أو أكثر، حتى نزحوا مقدار الواجب. أجزأهم وقال نصر وكذا لو غار من الماء بقدر عشرين طهر الباقي. وعن محمد غار ثم عاد ينزح عشرون ولو نحي الدلو الأخير عن وجه الماء دون رأس البئر
стр. 214
تُعَادِلُ الفَأرَةَ فِي الجُنَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، وَالعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الإِيجَابِ، وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ.
يجوز التوضؤ من البئر عند محمد خلافا لأبي يوسف عشر آبار وقعت في الكل فأرة فصب من الأولى دلواً في الثانية ثم في الثالثة فكذا إلى العاشرة. روى بشر عن أبي يوسف نصب من الأربع الأولى عشرون ثم التاسعة تسعة وثلاثون ونزح كل العاشرة.
وفي المحيط، وفتاوى قاضي خان: وقع سبع ولم يُصِبْ فَمُهُ الماء ينزح الماء كله كما في الكلب والخنزير (١).
وفي المحيط: ألحق الكافر بالكلب (٢)، وفي شرح الطحاوي: وقع الكلب فيها ثم خرج منها فانتفض فأصاب ثوب إنسان من ذلك الماء أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة به.
قوله: (تُعادل الفأرة)، فإن قيل: قد مر أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار والنص ورد في الفأرة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما عادلها بها.
قلنا: بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وفاق القياس في حق التفريع عليه كما في الإجارة وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها إذا ورد الشرع بما صار بمنزلة العقود التي على وفاق القياس في حق التفريع، كذا في المستصفى والخبازية (٣).
والأولى أن نقول: هذا إلحاق بطريق الدلالة لا بالقياس.
قوله: (والعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب)، وهذا الوضع لمعنيين ذكرهما في مبسوط شيخ الإسلام، أحدهما: أن السنة جاءت في رواية أنس عنه ﵇ أنه قال في الفأرة ينزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون، و (أو) لأحد الشيئين فكان الأقل ثابتًا بيقين، وهو معنى الوجوب، والأكثر يؤتى
стр. 215
قَالَ: (فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ، نُزِحَ مِنهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا إِلَى سِتِّينَ، وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ) وَهُوَ الأَظْهَرُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ: إِذَا مَاتَتْ فِي البِئْرِ نُزِحَ
لئلا يترك اللفظ المروي وإن كان مستغنى عنه في العمل، وهو معنى الاستحباب.
والثاني: أن الرواية اختلفت فيه فروى ميسرة عن علي في الفأرة: ينزح منها دلا، وفي رواية: سبع دلاء، وفي رواية: عشرون، وفي رواية: ثلاثون.
وعن ابن عباس أنه قال: فيها أربعون فأوجب بعضهم عشرين، وبعضهم أقل وبعضهم أكثر منه فأخذ علماؤنا بعشرين لأنه هو الوسط بين القليل والكثير وكان هو واجباً لتعيينه وفيما رواه استحبابا.
قوله: (وهو الأظهر)، أي ما ذكر في الجامع الصغير أظهر؛ لأنه آخر التصنيفات فيكون القول المرجوع إليه، يعني كما ثبت التفاوت في الفأرة بين المحتوم والمستحب في حكم النزح بعد العشرة فكذا هاهنا.
وقوله: (لما روي عن أبي سعيد الخدري) إن كان موقوفا عليه فهو كالمروي لأنه من المقادير ولا تعرف بالرأي كما في مقادير الصلاة والزكاة، مع أنه ذكر في مبسوط فخر الإسلام: روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ سئل عن فأرة تموت في البئر، فيجوز أن يكون في الدجاجة كذلك (١).
دلوها الذي يستقي بها، وفي القدوري: وعَددُ الدّلاء يُعْتَبَرُ بالدلو الوسط المُسْتَعمَل في الآبار في البلدان لأنه أعدن.
стр. 216
مِنهَا أَرْبَعُونَ دَلْوَا»، وَهَذَا لِبَيَانِ الإِيجَابِ، وَالخَمْسُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ المُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِثْرٍ دَلْوُهَا الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ مِنهَا، وَقِيلَ: دَلْمٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعًا، وَلَوْ نُزِحَ مِنهَا بِدَلْوِ عَظِيمٍ مَرَّةٌ مِقْدَارَ عِشْرِينَ دَلُوا جَازَ لِحُصُولِ المَقْصُودِ.
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا شَاةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ آدَمِيٌّ، نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ المَاءِ) لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ أَفْتَيَا بِنَزْحِ المَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِثْرِ زَمْزَمَ. (فَإِنْ انْتَفَخَ الحَيَوَانُ فِيهَا أَوْ تَفَسَّخَ، نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغُر الحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ)، لِانْتِشَارِ البِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ المَاءِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ البِثْرُ مَعِينًا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا، أَخْرَجُوا مِقْدَارَ
وقيل: دلو يسع خمسة أمناء، وقيل: أربعة، وقيل: منوين، وذكر الولوالجي: فإن لم يكن لها دلو يعتبر بدلو ثمانية أرطال، وفي رواية: قوله بدلو عظيم، قاله الحسن بن زياد، وفي جامع الكردري زفر مكان الحسن.
وفي الْمُجْتَبى: قال زفر والحسن: لا يطهر بهذا؛ لأن عند التكرار ينبع الماء من أسفلها، ويؤخذ من أعلاها فيكون في حكم الماء الجاري وهذا لا يحصل بدلو عظيم (١).
وقلنا لما قدر الشرع الدلاء بقدر خاص عُرف أن المعتبر القدر المنزوح، وأن معنى الجريان ساقط، وهذا يحصل بالدلو العظيم، كذا في المبسوط (٢).
وفي الْمُجْتَبى قال القدوري: وهذا أحب إلي (٣).
قوله: (لانتشار البلة)، وذلك لأن عند الانتفاخ ينفصل منه بلة نجسة وتلك البلة نجاسة مائعة بمنزلة قطرة خمر أو بول يقع فيها، ولهذا قال محمد: لو وقع فيه ذنب فأرة ينزح جميع الماء؛ لأن موضع القطع لا ينفك عن نجاسة مائعة، بخلاف ما إذا أخرجت قبل الانتفاخ لأن شيئًا من أجزائها لم يبق في الماء؛ لأنه لم يزايل من أجزائها شيء، والنجاسة بسبب المجاورة (٤).
قوله: (معينا)، وفي بعض النسخ (معينة)، وفي المغرب: معين أي ذات
стр. 217
مَا كَانَ فِيهَا مِنْ المَاءِ) وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ: أَنْ تُحْفَرَ حُفْرَةٌ مِثْلُ مَوْضِعِ المَاءِ مِنْ البِشْرِ، وَيُصَبَّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنهَا إِلَى أَنْ تَمْتَلِئَ، أَوْ تُرْسَلَ فِيهَا قَصَبَةٌ وَيُجْعَلَ لِمَبْلَغِ المَاءِ عَلَامَةٌ ثُمَّ يُنْزَحُ مِنهَا عَشْرُ دِلَاء مَثَلًا، ثُمَّ تُعَادُ القَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمِ انْتُقِصَ، فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنهَا عَشْرُ دِلَاءٍ، وَهَذَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: نُزِحُ مِائَتَا دَلْوِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَكَأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: فِي مِثْلِهِ مَا يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُم المَاءُ. وَلَمْ يُقَدِّر الغَلَبَةَ بِشَيْءٍ … ... …
عين جارية من قولهم عين معيونة، والقياس أن يقال معينة كما في بعض النسخ؛ لأن البئر، مؤنثة، وإنما ذكرها نظرًا إلى اللفظ، أو توهم أنه فعيل بمعنى مفعول (١).
وفي الصحاح: ماء معين أي معيون مفعول من عِنْتُ الماء إذا حفرت واستنبطته وبلغت العيون، وماء معين، أي جار المعانة (٢)، (روان شدن راب).
(من الماء)، أي من الماء الذي وقعت وقوع النجاسة إذ هو المعتبر للضرورة والبلوى، وهو المروي عن أبي يوسف، والمروي عن أبي حنيفة نزح مائة دلو، وهو بناء على آبار الكوفة لقلة الماء فيها، كذا في المبسوط (٣). وفي الْمُجْتَبى عنه مائتي دلو، وعنه يفوض إلى رأي المبتلى به (٤). وفي المبسوط: وعن محمد في النوادر ينزح ثلاثمائة دلو ومائتا دلو، وإنما أجاب هكذا بناء على كثرة الماء في آبار بغداد (٥).
قوله: (حتى يغلبهم)، أي حتى يعجزوا، والماء لا يفنى فحينئذ يسقط التكليف؛ لأنه يعتمد الاستطاعة، كذا في جامع الكردري.
وروي عن علي أنه قال في فأرة أو وزغة ماتت في بئر: فانزحها حتى يغلبك الماء (٦)، وفي فتاوى العتابي: عن أبي حنيفة: إذا نزح مائتان أو ثلاثمائة
стр. 218
كَمَا هُوَ دَابُهُ (*). وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي أَمْرِ المَاءِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بالفقه.
فقد غلب عليهم الماء هو المختار.
(كما هو دأبه)، أي دأب أبي حنيفة فإنه لا يقول المقادير بالرأي والاجتهاد كما في حبس الغريم، وحد التقادم، وانقطاع حق الحضانة.
فإن قيل: أنه قدر مدة البلوغ بثماني عشر، وسبعة عشرة سنة، وقدر في دفع المال إلى من لم يؤنس منه رشد بخمس وعشرين سنة بالرأي، وكذا مدة موت الفأرة الواقعة في البئر بيوم وليلة، ومدة تفسخها بثلاثة أيام بالرأي.
قال شمس الأئمة: أردنا بقولنا المقادير لا تعرف بالرأي المقادير التي ثبتت بحق الله تعالى ابتداءً دون المقادير التي فيها يتردّد بين القليل والكثير، والصغير والكبير، وما نحن فيه من قبيل ما يتردد بينهما فكيف يستقيم ما ذكرتم من التعليل؟
قلنا: إنما قدر أبو حنيفة ما يتردّد بينهما بالرأي إذا لم يمكن معرفة ذلك بالرجوع إلى أحوال الناس في الاستقلال والاستكثار، أما إذا أمكن فلا كما فيما نحن بصدده، كذا في الفوائد.
(وهذا أشبه بالفقه)، أي بالمعنى المستنبط من الكتاب والسنة، وهذا كذلك حيث اعتبر الله تعالى قول رجلين عدلين في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، واشترطت البصارة لأن الأحكام تستفاد ممن له علم بها كما في قيم الأشياء تصار إلى من له بصارة.
وفي جامع الكردري والمختار ما روي عن محمد بن سلام أنه قال: يؤتى برجلين لهما بصارة في تقدير الماء فينزح منها ما حكما حتى يتحققوا (١).
التحقق درست شدن و درست دانستين لازم ثم القياس ما قالا؛ لأن
стр. 219
قَالَ: (وَإِنْ وَجَدُوا فِي البِئْرِ فَأَرَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يُدْرَى مَتَى وَقَعَتْ، وَلَمْ تَنْتَفِخُ، وَلَمْ تَنْفَسِخْ، أَعَادُوا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا كَانُوا تَوَضَّؤُوا مِنهَا، وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ أَعَادُوا صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَقَّقُوا مَتَى وَقَعَتْ) (*) لِأَنَّ اليَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكَ، وَصَارَ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ: أَنَّ لِلْمَوْتِ سَبَبًا ظَاهِرًا - وَهُوَ الوُقُوعُ فِي المَاءِ -
طهارة البئر يقين فيما مضى، وشك في النجاسة في الحال، واليقين لا يزول بالشك كما في رؤية النجاسة على ثوبه، وكان أبو يوسف يقول [بقول] (١) أبي حنيفة حتى رأى طائرًا في منقاره فأرة ميتة فألقاها في بئر فرجع إلى القول الأول؛ لأن اليقين لا يزول به، يعني وقع الشك في وقوعه قبل هذا الزمان فلا يثبت الوقوع قبله بالشك.
فإن قيل: الحال يدل على ما قبله كما في مسألة الرَّحَى بحكم الحال فيها لمعرفة الحكم فيما مضى.
قلنا: عارضه استصحاب الحال الثابت قبل ذلك وهو طهارة الماء في الأصل، والحاصل أنه حجة دافعة لا ملزمة ففي كل موضع وجد سبب الوجوب، ووقع الشك في السقوط لا يسقط بالشك، وفي كل موضع وقع الشك في الثبوت لا يثبت بالشك لا يدري مدى أصابته، يعني لا يلزمه إعادة شيء من الصلوات، وكذا لو وجد المصلي حمامته في كمه ميتة ولا يدري متى ماتت، أو رأت المرأة في كرسفها دما لا تدري متى نزلت، وكذا لو مات المسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت: أسلمت قبل موته، وقالت الورثة: بعده، فالقول لهم.
ولأبي حنيفة ﵀ (أن للموت)، يعني وجد لموت الحيوان الدموي. (سبباً ظاهر)، وهو الوقوع في الماء.
стр. 220
فَيُحَالُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الاِنْتِفَاخَ وَالتَّفَسُّخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَعَدَمُ الانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ العَهْدِ، فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ
(فيحال)، أي يضاف (به)، أي بالموت (عليه)، أي على الوقوع، وإن احتمل أن يكون الموت بغيره؛ لأن السبب الموهوم لا يعتبر في مقابلة السبب الظاهر كمن رأى إنسانًا وفي عنقه حية ملتوية يغلب على الظن أنها نهشته فقتلته، كذا ذكره شمس الأئمة الكردري.
وكمن جرح إنسانا فلم يزل صاحب فراش حتى مات أن الموت يضاف إلى الجرح، وإن احتمل أن يكون بسبب شيء آخر، كذا في المبسوط (١).
وكذا لو وُجِدَ قتيل في محلة يضاف القتل إلى أهلها، وإن احتمل أنه قتل في موضع آخر ثم حمل إليها.
(دليل التقادم)، وجد التقادم في الانتفاخ ثلاثة أيام، ولهذا لو دفن ميت قبل أن يصلى عليه يصلّى على قبره إلى ثلاثة أيام، ولا يصلّى بعد ذلك.
(لأن ما دون ذلك)، أي اليوم والليلة إذ العادة تغطية رأس الآبار ليلا، فالظاهر وقعت أمس، فقدرناه باليوم والليلة في غير المتغير احتياطا.
وجواب مسألة الثوب مذكور في المتن، وفي المسألتين جوابهما المذكور في المتن، وفي مسألة الميراث المرأة تحتاج إلى الاستحقاق، والظاهر لا يصلح حجة له وإنما يصلح للدفع، والورثة هم الدافعون.
فإن قيل: إن أضفت الموت إلى الوقوع فلم أثبت سبق الوقوع على الحال وأية حاجة وضرورة إلى ذلك، وإن أضفته إلى المكث بعد الوقوع فلم أثبت سبق النجاسة وأنها مقتصرة على زمان الموت.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنا أضفنا الموت إلى الوقوع، لكن الظاهر من حال البئر لا يوقف عليها حال وقوع النجاسة لبعدها عن أعين الناس، وإنما يوقف عليها بعد مدة فقدرناه بما ذكرنا.
стр. 221
ضَبْطُهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ المُعَلَّى: هِيَ عَلَى الخِلَافِ، فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي البَالِي وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ، وَلَوْ سُلَّمَ فَالثَّوْبُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ وَالبِثْرُ غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِهِ فَيَفْتَرِقَانِ.
والثاني: أنا أضفنا الموت إلى الوقوع لتنجسه من زمان الوقوع، وأضفناه إلى المكث بعده ليثبت سبق الوقوع بالاحتياط، وهذا كما قال أبو حنيفة في المتنفل: لو صلى أربعًا ولم يقرأ في إحدى الأوليين يجب عليه قضاء الأربع؛ لأنه قال بفساد تحريمته في حق الشفع الأولى حتى يجب قضاؤه، وقال بصحتها في حق الشفع الثاني حتى يجب قضاؤه بعد صحة الشروع أخذا بالاحتياط في الوجهين، كذا في الخبازية.
وفي المُجْتَبَى: وحكم ما عجز به حكم الوضوء والغسل، وكان الصباغ يفتي بقول أبي حنيفة فيما يتعلق بالصلاة وبقولهما فيما سواه.
وفي المنتقى: وُجِد طير في بئر ولا يُدرَى متى مات، فإن كان منتفخا يعيد الصلاة ثلاثة أيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإلا فيوم وليلة عنده، وعند أبي يوسف لا يعيد شيئًا (١).
وفي الإيضاح: فأرة ماتت في جُبِّ ماء فأريق الماء في البئر، قال محمد: ينزح الأكثر مما كان في الجب، ومن عشرين دلوا؛ لأن الفأرة لو وقعت فيها وجب نزح عشرين فكذا بالصب، إلا إذا زاد المصبوب (٢).
وقال أبو يوسف: ينزح المصبوب وعشرون بمنزلة الفأرتين إذا وقعتا في البئر وجب نزحهما ونزح عشرين دلوا.
ولو صب الماء المستعمل في البئر وجب نزح الكل عند أبي يوسف لأنه نجس عنده، وعند محمد نُزِحَ عشرون لأنه وإن كان طاهرا فليس بطهور إذا اختلط بماء البئر أوجب تغييره، إلا أنه لا يزيد على وقوع الفأرة فوجب نزح عشرين.
стр. 222
فصل في الأسآر وغيرها
ولو وقع فيها عظم الميتة فإن كان عليه لحم أو دسم ينجس الماء لشيوع النجاسة في الماء، فأما عظم الخنزير فمحكوم بالنجاسة شرعًا، ولو ماتت فأرة في مائع ينجس وجاز الانتفاع به واستعماله في غير الأبدان وبيعه، ولو كان جامدا يلقى ما حولها وينتفع بالباقي أكلا وغيره؛ لما روي أنه ﵇ سئل عن فأرة تموت في السمن قال: «إن كانَ مائِعًا استضاؤوا به، وإن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكُلوا» (١).
[فَصْلٌ فِي الْأَسْارِ وَغَيْرِهَا]
لما ذكر أحكام ماء البئر لمناسبة ذكرناها، وتلك الأحكام مبنية على مجاورة الماء نفس الحيوان استدعى ذلك ذكر أحكام تتعلق بماء يجاور بعض الحيوان إذ الجزء يتبع الكل.
السؤر: بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء، ثم عم استعماله فيه وفي الطعام، والجمع: الأسار، والفعل: أسأر، أي أبقى مما شرب.
стр. 223
(وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُوْرِهِ)، لِأَنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ لَحْمِهِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ صَاحِبِهِ. قَالَ: (وَسُؤْرُ الآدَمِيّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ)، لِأَنَّ المُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ، فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الجَوَابِ الجُنُبُ وَالحَائِضُ وَالكَافِرُ.
وقوله: (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُورِهِ)، أي حكمها واحد، ولا مفارقة بينهما في الحكم، لا أن يكون أحدهما مقيسًا والآخر مقيسًا عليه؛ لأنهما متولدان من اللحم.
فإن قيل: ينتقض هذا بعرق الحمار فإنه طاهر غير مشكوك، وسؤره مشكوك.
قلنا: الأصل هذا إلا أنه خص عرقه بالنص، وهو ركوب النبي ﵇ الحمار مُعْرَوْرِيا (١) والحَرُّ حَرُّ الحجاز أو نقول: الأصل مستمر غير منتقض لأن الشك في طهورية سؤره على الأصح لا في طهارته كما يجيء لأنهما أي اللعاب والعرق ذكر ضمير اللعاب وإن لم يذكره لما أن ذكره السؤر وهو ما خالطه اللعاب ذكر له كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، أي ظهر الأرض، فإن ذكر الناس ذكر لها لأن الناس على وجهها.
(يتولدان)، أي العرق واللعاب إذ كل واحد رطوبة متحللة من اللحم.
ثم اعلم أن الأشار أربعة: طاهر، ونجس، ومكروه، ومشكوك، فالطاهر سؤر الآدمي وما يؤكل لحمه.
وفي جامع الكردري: هذا إذا لم [يعلم] (٢) شربه ونجاسته، أما لو علم شربه الخمر ثم شرب من ساعته الماء على الفور يحكم بنجاسته، وإن شرب بعد ساعة أو ساعتين فعلى الخلاف الذي يأتي في الهرة في هذا الجواب.
وهو قوله: (سؤر الآدمي) الجنب والحائض والكافر والمسلم، أما المسلم
стр. 224
(وَسُؤْرُ الكَلْبِ) نَجِسٌ، وَيُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
فلما روي أنه ﵇ أتي بقدح من لبن فشرب، وناول الباقي أعرابيا كان على يمينه فشربه، ثم ناوله أبا بكر ﵁، كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: ينبغي أن يكون سؤر الجنب نجسا على قول أبي يوسف لوجود إسقاط الفرض عن فمه بشربه.
قلنا: في رواية عنه لم يرتفع الحدث هاهنا، وفي رواية أخرى عنه - وهو قول أبي حنيفة - يسقط الفرض، إلا أنه لم يحكم بنجاسة الماء نفيا للحرج، كذا ذكره شيخ الإسلام في مبسوطه (٢).
وقال بعض أصحاب الظواهر: سؤر المشرك مكروه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٣).
وقلنا: المراد به خبث الاعتقاد بدليل ما روي أنه ﵇ أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين (٤)، فلو كان عينه نجس لما أنزلهم، كذا في المبسوط (٥).
ولأنه ﵇ أكل الطعام مع الكافر.
وأما سؤر الجنب والحائض: فلما روي أن حذيفة استقبل النبي ﷺ فأراد أن يصافحه فحبس يده، وقال: إني جنب، فقال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنجَس» (٦)، وقال ﵇ لعائشة: ناوليني الخمرة، فقالت: أنا حائض، فقال عليه
стр. 225
وَالسَّلَامُ: «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ ثَلَاثًا» وَلِسَانُهُ يُلاقِي المَاءَ دُونَ الإِنَاءِ، فَلَمَّا تَنَجَّسَ الإِنَاءُ فَالمَاءُ أَوْلَى، وَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ وَالعَدَدَ فِي الغَسْلِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِي ﵀ فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ، وَلِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ، فَمَا يُصِيبُهُ
السلام: «حَيضُكِ ليسَ في يدكِ» (١)، فكذا نقول في فمها، ولأن عائشة قالت: شَرِبتُ من إناء وأنا حائض، فوضع النبي ﷺ فَمَهُ موضعَ فَمِي وشَرِبَ (٢).
وكذا سؤر ما يؤكل لحمه، لما روي أنه ﵇ توضأ بسؤر بعير أو شاة. وقال: «سؤر ما يؤكل لحمه طاهر»، ما خلا الدجاجة المخلاة فإن سؤرها مكروه لتفتيشها الجيف ومنقارها لا يخلو عن نجاسة، ولكن مع هذا لو توضأ جاز لأن طهارة منقارها بيقين وشك في نجاستها والشك لا يعارض اليقين، ولأن لحمها طاهر ولعابه متولد منه، كذا في المبسوط (٣).
(الولوغ): (أب خوردن سباع بسرزبان)، قال أبو عبيد: الولوغ بضم الواو إذا شرب قليلا، وإذا كثر فهو بفتحها، والولوغ للسباع كالشرب لبني آدم، وقد يستعمل الشرب له ولا يستعمل الولوغ لبني آدم.
الكلب نجس عندنا، ويغسل الإناء من ولوغه ثلاثا، وعند مالك سؤر الكلب والخنزير وكل سبع طاهر؛ لأن الحيوان طاهر لكونه حيا وينجس بالموت (٤)، وسئل النبي ﵇ عن الحياض التي تردها الكلاب والسباع فقال: «مَا وَلَغَتْ في بُطُونِها لَها وَمَا أَبْقَتْ فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ طهور» (٥).
وقلنا: هذا محمول على إذا ما كانت المياه كثيرة، وهو الغالب في مياه الفلوات لحديث ذكر في المتن وبه نقول إذا كان الماء كثيرا لا ينجس بولوغها، كذا في جامع الكردري.
стр. 226
سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى.
وَالْأَمْرُ الوَارِدُ بِالسَّبْعِ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الإِسْلَامِ.
وما قيل أن حديث أبي هريرة مما تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل ابن عياش وهما ضعيفان عند النقلة، طعن مبهم، والطعن المبهم لا يكون جرحًا عند الفقهاء، ولهذا لا يعتبر الجرح المبهم في باب الشهادة مع أنه أضيق من باب الرواية ففي بابها أولى أن لا يعتبر.
مع أن الطحاوي [روى] (١) عن سليمان بن أبي إسحاق، عن أبي نعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي هريرة في الإناء ولغ فيه الهر أو الكلب يغسل ثلاث مرات (٢)، وأبو هريرة أحد رواة السبع، والراوي متى عمل بخلاف روايته كان عمله دليلًا على نسخ الحديث أو تخصيصه، أو علمه بدلالة الحال أن مراد النبي ﷺ الندب فيما وراء الثلاث (٣).
وفي القنية: لو أفتى مفتي بقول مالك أجزأه.
وفي المبسوط: سؤر الكلب طاهر عند مالك بناء على مذهبه في تناول لحمه (٤).
ثم عند الشافعي يغسل الإناء من ولوغهما سبعًا أولاهن وأخراهن بالتراب، وفي شرح الوجيز: إحداهن بالتراب (٥)، وعند أحمد يغسل ثمانية في رواية (٦)، وعند مالك يغسل ثمانية من ولوغه تعبدًا، ومن أصحابه من يقول: العدد
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مستحب، ولا يغسل من غير الولوغ لأن الكلب طاهر عنده، والغسل في الولوغ تعبد، وكذا الخنزير عنده (١).
وفي الحلية: قال أحمد كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر وكذلك الهرة وحشرات الأرض، وعنه في السباع روايتان، وكذا في البغل والحمار روايتان أصحهما أنه نجس، والثانية أنه مشكوك (٢).
وفي شرح الوجيز ولو كان مكان التراب أشنانا ونحوه فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز، والثاني: لا يجوز (٣).
واحتج الشافعي بما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «طهور إناءِ أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلب أن يُغسل سبعًا أولاهُنَّ وأخراهُنَّ بالتراب» (٤).
وفي المبسوط وفي بعض الروايات قال: «سبعًا، ويُعَفِّرُ الثامنة بالتراب» (٥). ب (٥)، فلما تنجس الإناء من ولوغه فالماء أولى (٦).
فإن قيل: يحتمل أن يكون الأمر بغسل الإناء للتعبد لا للتنجس كما قال مالك.
قيل في جوابه: هذا لا يصح لأن الجماد لا يصح لحكم العبادة.
فإن قيل: الحجر الذي رمى به إن أراد أن يرميه ثانيًا يغسل.
قلنا: الحجر آلة القربة وأقيم به القربة فيكون نجسا بعد الرمي كمال الزكاة، كذا في الكاثي، وفيه تأمل لأن غسله من قبيل العبادات كغسل الأعضاء الأربعة.
وقيل: لو كان تعبدا لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحديث، وبالإجماع هذا الغسل يجب في موضع النجاسة فعلم أنه لإزالتها، وفيه تأمل أيضًا.
стр. 228
(وَ) سُؤْرُ (الخِنْزيرِ) نَجِسٌ لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ، (وَ) سُؤْرُ (سِبَاعِ البَهَائِمِ نَجِسٌ)،
وقيل في جوابه: الأمر بالغسل لنجاسته بدليل ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «طهور إناء أحدِكم إذا وَلَغَ فيه الكلب أن يُغسَلَ سبعًا»، وما روي عنه ﵇ أنه قال: «إذا ولَغَ فَلْيُرِقْهُ ثم يغسِلْهُ سَبْعًا» (١).
والطهور مصدر كالطهارة فيقتضي سابقة حدث، وكذا الإراقة، ولأن ما يصيبه بوله يطهر بالثلاث.
وفي الخبازية: فيه نظر؛ لأن عند الشافعي بوله ودمه، وسائر ما هو نجس منه لا يطهر إلا بالغسل سبعًا، ذكره في التهذيب.
وفي شرح الوجيز: سائر فضلاته وأجزائه كلعابه، وفي وجه كسائر النجاسات، فعلى هذا الوجه يتم الإلزام محمول على الابتداء؛ فإنه ﵇ كان يشدد في أمر الكلاب في الابتداء منعًا من اقتنائه على ما روي أنه ﵇ قال: «من اقتنى كلبًا إلا لماشيته أو صيده نقص من أجره كلَّ يومٍ قيراط» (٢)، والدليل عليه أنه قال: «وعَفَّروا الثامنة بالتراب»، والتعفير ليس بواجب بالاتفاق، كذا في الفوائد الظهيرية، وفيه تأمل لأنه ذكر في شرح الوجيز التعفير واجب، إلا أن نقول تعفير الثامنة بالتراب غير واجب بالاتفاق.
قوله: (وسؤر سباع البهائم نجس)، كالفهد، والأسد، والذئب، والنمر نجس، خلافًا للشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد في رواية (٥)، لهم حديث ابن عمر أنه ﵇ سئل فقيل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم، وبما أفْضَلَتِ السّباعُ كلُّها» (٦)، وبما روى جابر أنه ﵇ سئل عن الحياض كما
стр. 229
خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيمَا سِوَى الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، لِأَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ، وَمِنهُ يَتَوَلَّدُ اللُّعَابُ، وَهُوَ المُعْتَبَرُ فِي البَابِ.
روينا (١)، ولأنها طاهرة بدليل طهارة جلدها وحرمة أكل لحمها لصون طباع بني آدم عن تعدي طباعها بواسطة التعدي دون النجاسة.
ولنا حديث عمرو بن العاص، وعمر ﵄ أنهما وردا حوضا فقال عمرو: يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا (٢)، ولولا أنهما كانا يريان التنجس بورودهما وإلا لم يكن لسؤال عمرو ونهي عمر معنى، ولأنه سؤر سباع يمكن الاحتراز عنها فكان نجسا كسؤر الخنزير،
وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام قبل تحريم لحم السباع، أو السؤال وقع عن الحياض الكبار، كذا في المبسوطين (٣).
وقيل: روى حديث: «وبِما أَفْضَلَتِ السِّباعُ» داود بن الحصين، عن جابر ولم يَلقَه فَضعُف الاحتجاج به، ولئن ثبت فهو محمول على الماء الكثير في الغدران.
قوله: (لأن لحمها نجس)، بدليل حرمة الأكل لأن حرمة الأكل قد ثبتت لفساد الغذاء كالذباب والخنفساء والتراب لأن الأكل في الأصل ما أبيح إلا للغذاء فصار بدونه عبثاً أو للخبث طبعاً كالضفدع والخنفساء مما لا يعتاد الناس أكله بغير شرع لاستخباثهم إياها أو للنجاسة لأنه تعالى حرَّم أكل كل نجس بنفسه كالخمر، أو للمجاورة كماء وقعت فيه نجاسة، أو للاحترام كما في الآدمي ليبقى محترما، ولا احترام للسباع ولا خبث فيها فإنها كانت تؤكل قبل
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التحريم، ولا عدم الفساد وهو ظاهر، فلم يبق إلا النجاسة، ولا يجوز أن تكون الحرمة لتعدي الطبع؛ لأن في الطباع نفرة عنها بخلاف الخمر ولهذا تؤكل قبل التحريم، كذا قيل فلما حرم لحمها علم أنه نجس.
فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز بيعها لأنها نجس العين كالخنزير، ولكن الحرمة غير شاملة للجلد والعظم والشعر والعصب وما لا يؤكل منه طاهر فأشبه دهنا نجسًا للمجاورة، وجلده إنما يطهر بالدباغ لأنه بين اللحم والجلد جلدة رقيقة تمنع مماسة اللحم الجلد ذكره في الأسرار، وهو اختيار المحققين من أصحابنا.
وبعضهم يقول: يطهر اللحم وجلده بالذكاة، وهو اختيار المصنف، وتمسكوا بحديث ذكرناه، ولكن يلزم على المصنف حيث تمسك في نجاسة السؤر بنجاسة اللحم، وقد ذكر أنه يطهر بالذكاة فكان نجسا من المجاور من الدماء والرطوبات النجسة فيلزم أن يكون لعابه طاهرًا؛ فإن لحم الشاة نجس بالمجاورة أيضًا حتى لو لم يُذَكَّ لم يطهر فكان الإشكال عليه لازما، كذا قرره شيخي ﵀.
وأجيب عنه بأن اللحم وإن كان نجس العين يحتمل أن يتبدل إلى الطهارة بأمر شرعي، فإن جلد الميتة نجس العين حتى لم يجز بيعه بالاتفاق، ولو كان نجسا بالمجاورة لجاز بيعه كالثوب النجس، واللبن النجس (١).
ثم الدباغ أثر فيه وطهره كتحليل الخمر، فعلم أن ما هو نجس العين يحتمل التبدل إلى الطهارة بأمر شرعي، ثم الذكاة تؤثر في تبديل الجلد الذي هو نجس العين إلى الطهارة فيجوز أن تؤثر في اللحم أيضًا فيكون اللحم نجس العين قبل الذكاة وبعده طاهر، كالخمر قبل التخليل نجس العين وبعده طاهر، ولا يلزم عليه الخنزير لأن الذبح لم يؤثر بالتطهير في جلده لإخراج الشرع إياه عن قبوله لم يؤثر في لحمه أيضًا فثبت أن طهارة اللحم بالذبح لأنها في النجاسة قبله.
стр. 231
(وَسُؤْرُ الهِرَّةِ) طَاهِرٌ مَكْرُوهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهِ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ
قيل: في هذا الجواب ضعف؛ لأنه يؤدي إلى تخصيص العلة لأن نجاسة اللحم إنما عرفت من حرمة الأكل، لا للكرامة مع صلاحية الغذاء وهي باقية بعد الذكاة.
فلو قلنا بطهارة اللحم مع بقاء الحرمة المستدعية للنجس كان نقضًا وتخصيصا، ولأن الذكاة إنما عرف مطهرًا شرعًا بواسطة إراقة الدماء، وإزالة الرطوبات النجسة، وإليه أشار النبي ﵇ بقوله: «كُلُّ ما أنهرَ الدَّمَ» (١)، لا بواسطة تبديل العين، ولهذا لا يؤثر في جلد الخنزير ولحمه بوجه، فجعل الذبح مبدلًا خلاف ما اقتضاه دليل الشرع.
وحرمة بيع جلد الميت ليست لنجاسة العين، بل باعتبار اتصال الرطوبات النجسة خلقة بالجلد، جعل ذلك أصلا فألحق باللحم لا بما تنجس بمجاور، وقد قال علماؤنا في ودك الميتة تختلط بودك الذكية وودك الميتة غالب: لا يجوز بيعه، وإن تنجس بالمجاور فكان الجلد بتلك المنزلة قبل الدبغ، إليه أشير في الأسرار (٢).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: ذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يُبين أنها خفيفة أم غليظة، فعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: غليظة، وعن أبي يوسف أن سؤر ما لا يؤكل لحمه كبول ما يؤكل لحمه، وفي الإيضاح: عن محمد سؤر الفيل مكروه لأنه ذو ناب (٣).
قوله: (طاهر مكروه)، وفي المبسوط: هذا لفظ الجامع الصغير، وأما لفظ كتاب الصلاة قال: وإن توضأ بغيره أحب إلي، وذكر شيخ الإسلام عن أبي يوسف: لا بالتوضي به، وهو قول الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)،
стр. 232
﵊ كَانَ يُصْغِي لَهَا الإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ». وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «الهِرَّةُ سَبْعٌ» وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ (*)،
واحتجوا بالحديث المذكور في الكتاب، وبما روي عن عائشة أنها كانت تصلي وفي بيتها قصعة من هريسة فجاءت هرة وأكلت منها، فلما فرغت من صلاتها دعت جاراتها فكُنَّ يَتَحَامَين من موضع فمها، فمدت يدها وأخذت من موضع فمها وأكلت وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الهِرَّةُ ليسَتْ بنجِسَةٍ فإنها مِنَ الطَّوافِينَ»، فما بالكم لا تأكلن (١).
وقوله: (ليست بنجسة): يكون في موضع النفي فيقتضي أن لا تكون نجسة بوجه، وفي الكراهة شيء منها خصوصا إذا كانت للتحريم، ولأنها نوع بهيمة يجوز اقتناؤها على الإطلاق فلا يكره التوضؤ بسؤرها قياسًا على الإبل.
ولنا حديث عمر قال: يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرةً، وفيه إشارة إلى الكراهة، والحديث المذكور في المتن، وقد حكم عبد الله بن مسلمة من أصحاب مالك في الدجاج والإوز تأكل العذرة فتشرب من الإناء أنه مشكوك فيجمع بينه وبين التيمم كما في سؤر الحمار.
قال القاضي الإمام ظهير الدين: السبع مأخوذ من السبع وهو القهر وسمي يوم القيامة يوم السبع لأنه يوم يقع فيه القهر على أعداء الله تعالى، والهرة على هذا سبع لقهرها الحشرات.
وقوله: (المراد بيان الحكم)، بيان لوجه التمسك، يعني أنه ﵇ بعث لبيان الشرائع لا لبيان الحقائق فيكون المراد به بيان الحكم.
ثم الحكم إما بنجاسة السؤر، أو كراهية السؤر، أو حرمة اللحم، ولا يجوز أن يلحق به في جميع الأحكام؛ لأن القول بنجاسة سؤره مع الكراهة غير ممكن، أو في حرمة اللحم لما أنها ثابتة بنهي النبي ﷺ عن أكل ذي ناب من
стр. 233
إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَت النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوافِ فَبَقِيَت الكَرَاهَةُ. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ قِيلَ: كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ، وَقَبِل: لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةِ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالْأَوَّلُ إِلَى القُرْبِ مِنَ التَّحْرِيمِ … ... … ... .
السباع، أو في كراهة السؤر وهو المراد، أو في نجاسته وهي منتفية بالإجماع، أو بما روينا، أو بالضرورة، ولأن في القول بالكراهة جمعًا بين الحديثين.
فإن قيل: هذا الكلام إنما يستقيم أن لو كان هذا الحديث واردا بعد تحريم السباع.
قلنا: حرمة لحمه إن كانت قبل هذا الحديث فظاهر، وإن لم تكن لا تكون الحرمة من لوازم كونه سبعًا فلا يمكن جعله مجازا فيها.
أو نقول: لا يجوز أن تكون حرمة اللحم مرادة من هذا الحديث؛ لأن فيه حمل كلام النبي ﵇ على الإعادة لا على الإفادة، سواء كان هذا الحديث سابقًا، ولا تأمل يرد.
وفي الخبازية: أو نقول: إذا لم يعرف التاريخ تجعل كأنهما وردا معًا، وإضافة الحرمة إلى ما هو صريح في التحريم أولى، فبقيت الكراهية لقصور العلة لأنه يمكن حفظ الأواني فيها بحيلة بأن تسد أفواهها.
(وما رواه): أي أبي يوسف.
(محمول على ما قبل التحريم) السباع، أو على أنها لا تأكل الفأرة كرامة للنبي ﵇، وأما غيرها فيأكل فيحمل أنها شربت عقيب أكل الفأرة، ويحتمل غير ذلك فكان مكروها (١).
(ثم قيل: كراهته لحرمة اللحم)، كذا قاله الطحاوي، وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قال الكرخي: كراهة سؤرها ليست لنجاسة لحمها فإنه ﵇ نص على أنها ليست بنجسة، وإنما الكراهة لتوهم النجاسة في فمها؛ فإنها لا تتوقى عنها غالبًا، ولأنها تأكل الفأرة عادة فيتنجس
стр. 234
وَلَوْ أَكَلَتْ فَأَرَةٌ ثُمَّ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهِ المَاءَ تَنَجَّسَ، إِلَّا إِذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لِغَسْلِها فَمَهَا بِلُعَابِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ.
فمها، غير أن الغسل متعذر فتسقط نجاستها، وبقيت الكراهة.
أو نقول: فمن حيث إن النجاسة موهومة غالبًا أثبتنا الكراهة، ومن حيث إنها غير ثابتة بيقين لم يحكم بنجاسته كما في يد الصبي.
وفي النهاية: هو الأصح لموافقته الأثر.
وفي جامع فخر الإسلام: دليل كراهة سؤرها إجماعهم على كراهة سؤر الفأرة والحية، وإنما أخذ حكمها من الهرة فلا يصح أن يفارق الأصل حكم الفرع، ومما يجب حفظه أنها إذا لحست عضوًا ينبغي أن لا يستهان به فيصلي من غير غسل لأن ذلك مكروه (١).
وفي جامع شمس الأئمة: وبهذا يتبين جهل العوام فإنهم يتركون الهرة لتدخل تحت لحافهم وتلحسهم ولا يغسلون ذلك الموضع وذلك مكروه ويضعون الطعام بين يديها فتأكل بعضه فيرفعه ذلك الجاهل ويأكله (٢).
قوله: (ولو أكلت فأرة ثم شربت على فوره)، وفي جامع الكردري، والمجتبى: وكذا حكم من شرب الخمر، ثم شرب الماء على الفور ينجس الماء بالإجماع أيضًا (٣).
(والاستثناء)، يعني به قوله: (إلا إذا مكثت ساعة) على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن عند محمد، وزفر، والشافعي: لا يجوز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة فلا يطهر فمه عندهم، ولو شرب الماء الطاهر يطهر.
وعندهما يجوز، لكن سقط اشتراط الصب للتطهير عند أبي يوسف هاهنا للضرورة، كما سقط في غسل الثوب النجس في الإجانة بالاتفاق.
و (للضرورة) على أظهر القولين منه.
стр. 235
(وَ) سُؤْرُ (الدَّجَاجَةِ المُخَلَّاةِ) مَكْرُوهُ، لِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ، وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةٌ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إِلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا لَا يُكْرَهُ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنِ المُخَالَطَةِ (وَ) كَذَا سُؤْرُ (سِبَاعِ الطَّيْرِ) لِأَنَّهَا تَأْكُلُ المَيْتَاتِ فَأَشْبَهَ المُخَلَّاةَ.
وكذا لو قاء صبي على ثدي أمه، ثم مصها مرارا، أو أصاب عضوه أو ثوبه نجاسة فلحسها بلسانه حتى زال أثرها تطهر عند أبي حنيفة.
(ولو كانت محبوسة بحيث لا يصل)، قيد بهذا لأن هذا أحد وجهي كونها محبوسة، وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو كانت محبوسة لا يكره لعدم النجاسة على منقارها، لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الاعتبار لأنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وهي في عذرات نفسها لا تجول (١).
والوجه الثاني: ما حكي عن الإمام الحاكم عبد الرحمن أنه قال: لم يرد بكونها محبوسة أن تكون محبوسة في بيتها؛ لأنها وإن كانت محبوسة في بيتها تجول في عذرات نفسها فلا يؤمن من أن يكون على منقارها قذر فيكره كما لو كانت مخلاة، وإنما يريد محبوسيتها أن تحبس في بيت لتسمن بالأكل فيكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت فلا يمكنها أن تجول في عذرات نفسها، وما ذكر في الكتاب من هذا الوجه (٢).
قوله: (وكذا سؤر سباع الطير)، معطوف على قوله: (وسؤر الدجاجة المخلاة)، ثم كراهة سؤر سباع الطير يثبت استحسانا لأن القياس يوجب نجاسته؛ لأن السؤر معتبر باللحم، وفي الاستحسان طاهر مكروه؛ لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم جاف، بخلاف سباع الوحش فإنها تشرب بلسانها، ولسانها رطب بلعابها، ولأن في سباع الطير ضرورة وبلوى لأنها تنقض من الهواء فتشرب فلا يمكن صون الأواني عنه خصوصا في الصحاري، بخلاف سباع الوحش، كذا في المبسوط (٣).
وذكر التمرتاشي: لكن تناولها الجيف غالبا فأخذت الكراهة، ولو توضأ به
стр. 236
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةٌ وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ المَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (وَ) سُؤْرُ (مَا يَسْكُنُ البُيُوتَ كَالحَيَّةِ وَالفَارَةِ مَكْرُوهُ)، لِأَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ نَجَاسَةَ السُّوْرِ، إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَت النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوافِ فَبَقِيَت الكَرَاهَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ فِي الهِرَّةِ.
قَالَ: (وَسُؤْرُ الحِمَارِ وَالبَغْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ)،
عند عدم الماء المطلق يجوز بلا كراهة، وكذا في الهرة، ذكره في جامع قاضي خان (١).
وفي المحيط: أن أبا يوسف اعتبر الكراهة لتوهم إيصال النجاسة بمنقارها لا لوصول لعابها، فإذا لم يكن على منقارها نجاسة لا تكره، واستحسن المتأخرون روايته وأفتوا بها (٢).
(والتنبيه على العلة)، أي نفي التنبيه على العلة، فإنه ﵇ لما علل بسقوط نجاسة الهرة بالتطوف دفعًا للضرورة فكان مقتضاه أن يوجد الحكم المرتب على تلك العلة أينما وجدت العلة، وقد وجدت في سواكن البيوت بعينها، بل أزيد منها؛ فإن ثلمة البيت إذا سدت لا يمكن للهرة أن تدخل فيه.
وما يسكن البيوت كالحية والفأرة لا يمكن منعها عن الطواف في البيت فتسقط النجاسة فيها بالطريق الأولى، وتعدي الحكم فيها بالعلة المنصوصة، وكان الكردري يقول: إنه تعالى علل لسقوط وجوب الاستئذان بعلة الطواف فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النور: ٢٩] إلى قوله ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، واستدل النبي ﵇ في سؤر الهرة بتعليل الله فيه على سقوط النجاسة، ثم استدل أبو حنيفة بتعليله ﵇ في سؤر الهرة على سقوط نجاسة سؤر سواكن البيوت لعلة الطواف أيضًا (٣).
قوله: (سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه)، وبه قال أحمد في رواية (٤)،
стр. 237
قِيلَ: الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبُ اللُّعَابُ عَلَى المَاءِ، وَقِيلَ: الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ المَاءُ المُطلَقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ، … ... … ..
وقال الشافعي: طاهر وطهور (١)، وبه قال مالك (٢).
وفي السهيلي: فالأسار على قول الشافعي نوعان نجس وهو سؤر الكلب والخنزير، وطاهر وطهور وهو سائر الآسار.
وفي المبسوط: كان أبو طاهر الدباس ينكر هذا القول، ويقول: لا يجوز أن يكون شيء من أحكام الشرع مشكوكا، ولكن معناه يحتاط فيه فلا يتوضأ به حالة الاختيار، وإذا لم يجد غيره يجمع بينه وبين التيمم (٣).
وذكر فخر الإسلام: وسمي مشكلا لتعارض الأدلة في طهارته وعدم طهارته، لا أن يعني بكونه مشكلا الجهل بحكم الشرع، وفي شرح القدوري: القول بالتوقف عند تعارض الأدلة دليل العلم وغاية الورع، والشك حكم بطهارته مع قوله ﵇ في الحمار أنه رجس.
قوله: (وقيل الشك في طهارته)، الأجود أن يكون بغير واو لأنه أول القولين فلا عطف.
(ما لم يغلب اللعاب على الماء)، إذ اختلاط الطاهر لا يخرجه عن كونه طهورا ما لم يصر مغلوبا.
(لا يجب عليه غسل رأسه)، أي ما مسحه بسؤر الحمار فلو كان الشك في طهارته لوجب، وإنما عَيَّن الرأس لأن غيره من الأعضاء يطهر بصب الماء عليه حقيقة وحكما وهو أي قوله: (وقيل: الشك في طهوريته).
ثم عطف عليه لبنه وعرقه بكونهما طاهرين مطلقًا، وهذا في العرق بحكم الروايات الظاهرة صحيح، أما في اللبن فغير صحيح، لما أن الرواية في الكتب المعتبرة بنجاسة لبنه أو تسوية النجاسة والطهارة بذكر الروايتين.
стр. 238
وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشْ، فَكَذَا سُؤْرُهُ، وَهُوَ الأَصَحُ، وَيُرْوَى: نَصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى طَهَارَتِهِ (*)،
ولم يرجح جانب الطهارة أحد إلى في رواية غير ظاهرة عن محمد، فقد ذكر في المبسوط في تعليل سؤره، وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته، واعتباره بلبنه يدل على نجاسته، فجعل لبنه نجسا كما ترى (١).
وفي المحيط: لبنه نجس في ظاهر الرواية، وعند محمد أنه طاهر ولا يؤكل (٢).
واعتبر التمرتاشي، والبزدوي فيه الكثير الفاحش، وهو الصحيح، وعن عين الأئمة أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنه حرام بالإجماع (٣).
وفي فتاوى قاضي خان: في طهارته روايتان (٤).
وأما في عرقه: فعن أبي حنيفة ثلاث روايات: في رواية: نجاسة غليظة، وفي رواية: خفيفة، وفي رواية: طاهر، وعليه الاعتماد.
وفي القدوري: أنه طاهر في الروايات المشهورة، كذا في المحيط (٥).
وفي المُجْتَبَى: روي أن سؤر الحمار غير معفو عنه في الماء دون الثوب والبدن.
وقيل: سؤر الفحل نجس لأنه يشم البول فيتنجس فمه، وسؤر الأتان مشكل، والأصح عدم الفرق؛ لأن هذا موهوم فلا يتنجس به.
وعن أبي حنيفة، وزفر، والحسن: ينجس (٦).
стр. 239
وَسَبَبُ الشَّكِّ تَعَارُضُ الأَدِلَّةِ فِي إِبَاحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، أَوْ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ.
وروي أن لبنه طاهر، واتفقوا على طهارة عرقه، وذكر القدوري أن لبنه نجس، نص محمد في مبسوط شيخ الإسلام روي عن محمد أنه قال: أربع لو غمس فيه الثوب لم ينجس: سؤر الحمار، والماء المستعمل، ولبن الأتان، وبول ما يؤكل لحمه.
وفي جامع الكردري: روي عن محمد نصا أن سؤر البغل والحمار طاهر ولبن الأتان طاهر ولا يؤكل وبه قال الإِصْطخري من أصحاب الشافعي.
قوله: (وسبب الشك)، في المبسوط (١): تعارضت الأخبار في أكل لحمه، فإنه روي أنه ﵇ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (٢)، وروي أن مالك بن أبجر (٣) قال: لم يبق لي مال إلا حميرات، فقال ﵇: «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» (٤).
قال شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا لا يقوى لأن لحمه حرام بلا إشكال؛ لأنه اجتمع المحرم والمبيح فغلب المحرم عليه، كما لو أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، والآخر أنه ذبيحة مسلم لا يحل أكله لعلة الحرمة، فكان لحمه حرام بلا إشكال، ولعابه متولد منه فيكون نجسا بلا إشكال (٥).
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: سبب الإشكال اختلاف الصحابة، فإنه روي عن ابن عمر أنه كان يكره التوضؤ بسؤر البغل والحمار، وعن ابن عباس أنه قال: الحمار يعتلف القت والتبن فسؤره طاهر.
قال شيخ الإسلام: وهذا لا يقوى أيضًا؛ لأن الاختلاف في طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الإشكال، كما في إناء أخبر عدل أنه طاهر، وآخر أنه نجس فالماء لا يصير مشكلًا، وقد استوى الخبران، وبقي العبرة للأصل فكذا هاهنا.
ولكن الأصح في التمسك أن دليل الشك هو التردد في الضرورة فإن الحمار يربط في الدور والأفنية فيشرب من الأواني، وللضرورة أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة، إلا أن الضرورة فيه دون الضرورة فيهما لدخولهما مضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلًا كما في الكلب والسباع لوجب الحكم بالنجاسة بلا إشكال.
ولو كانت الضرورة مثل الضرورة فيهما لوجب الحكم بإسقاط النجاسة، فلما ثبتت الضرورة من وجه دون وجه، واستوى ما يوجب الطهارة والنجاسة تساقطا للتعارض فوجب المصير إلى الأصل، والأصل هاهنا شيئان: الطهارة في جانب الماء، والنجاسة في جانب اللعاب؛ لأن لعابه نجس كما بينا، وليس أحدهما بأولى من الآخر يبقى الأمر مشكلًا نجسًا من وجه، طاهرًا من وجه، فكان الإشكال عند علمائنا بهذا الطريق لا لإشكاك في لحمه، ولا لاختلاف الصحابة في سؤره، وبهذا التقرير يندفع كثير من الأسئلة.
وقيل: وجه الإشكال أن عرقه طاهر ولبنه حرام، فلو ألحقنا لعابه بعرقه يكون طاهرًا، ولو ألحقناه بلبنه يكون نجسًا، منها أن المبيح والمحرم إذا اجتمعا فغلب المحرم احتياطًا فإن القول بالاحتياط إنما يكون في ترجيح الحرمة في غير هذا الموضع، أما هاهنا الاحتياط في إثبات الشك لأنا لو رجحنا الحرمة للاحتياط يلزم ترك العمل به؛ لأنه حينئذ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع احتمال كونه مطهرًا باعتبار الشك فكان متيممًا عند وجود الماء في أحد الوجهين، وذلك حرام فلا يكون عملًا بالاحتياط، ولا بالمباح.
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما قيل أن في تغليب الحرمة تقليل النسخ فذلك في تعارض النصين لا في الضرورة.
ومنها أن يقال: لما وقع التعارض في سؤره وجب المصير إلى الخلف وهو التيمم كمن له إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبه عليه فإنه يسقط استعمال الماء ويجب التيمم فكذا هاهنا.
قلنا: الماء هاهنا طاهر لما ذكرنا أن قضية الشك أن يبقى كل واحد على حاله ولم يزل الحدث لأنه ثابتا بيقين، فيبقى أن يوجد المزيل بيقين، والماء طاهر ووقع الشك في طهوريته فلا يسقط استعماله بالشك بخلاف الإناءين؛ فإن أحدهما نجس يقينا، والآخر طاهر يقينا، لكنه عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى الخلف.
ومنها: أن التعارض لا يوجب الشك كما في إخبار عدلين بالطهارة والنجاسة حيث يتوضأ بلا تيمم.
قلنا: في تعارض الخبرين وجب تساقطهما فرجحنا كون الماء مطهرًا باستصحاب الحال، والماء كان مطهرًا قبله وهاهنا تعارضت جهتا الضرورة فتساقطا، فأبقينا ما كان على ما كان أيضًا، إلا أن هاهنا ما كان ثابتا على حاله قبل التعارض شيئان: جانب الماء، وجانب اللعاب، وأحدهما ليس بأولى من الآخر فوجب الشك.
ومنها: ما قيل في استعمال الماء ترك العمل بالاحتياط من وجه آخر؛ لأنه إن كان نجسا ففيه تنجس العضو.
قلنا: الشك في كونه مطهرًا لا في كونه طاهرًا، فحينئذ لا يرد السؤال، وعلى الرواية الأخرى الشك وإن كان في طهارته لكن الاحتياط أيضًا في استعماله؛ لأن العضو طاهر بيقين فلا يتنجس بالشك، والحدث ثابت بيقين فلا يزول به، فيجب ضم التيمم إليه وهذا الواضح مقتبس من تلويحات شيخ الإسلام في مبسوطه بتقريره، ومن فوائد العلامة.
стр. 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الخبازية: أخذ الأوزاعي ومن تابعه بحديث أبجر، فقالوا: يباح لحمه، والعامة قالوا بحرمة لحمه ورجحوا المحرم على المبيح، وقد ثبت طهارة السؤر مع حرمة اللحم لأجل البلوى كما ذكرنا.
ثم قال: فإن قيل لما تعارضت الأدلة في لحمه وقد ترجح المحرم ينبغي أن يكون سؤره نجسًا للاحتياط أيضًا كما هو رواية عن أبي حنيفة؛ لأن حرمة الشيء مع كونه صالحًا للغذاء دليل نجاسته.
قلنا: الأصل في التعارض الجمع إلا أن لا يمكن، ولم يمكن في اللحم للتضاد، وفي السؤر يمكن بأن يكون واجب الاستعمال عملا بدليل الطهارة، ووجب ضم التيمم عملا بدليل النجاسة.
فإن قيل: المرجح هنا المحرّم، قلنا: المسح هنا مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: ٧٨]، ولأن المحرّم لا يرجح عند تعارض الحاجة والضرورة كما في الهرة، ألا ترى أن البعرة لو وقعت في المحلب عند الحلب فأخرجت من ساعته يتنجس.
فإن قيل: لا يصير الماء مشكوكًا بتعارض الخبرين كما في مسألة خبر العدلين أحدهما بطهارة الماء، والآخر بنجاسته.
قلنا: لا تعارض ثمة لأنه أمكن ترجيح أحدهما، فإن المخبر عن طهارته لو استقصى في ذلك وقال: أخذته من النهر وسددت فم الإناء ولم يخالطه شيء أصلا رجحنا خبره لتأيده بالأصل، وإن بني خبره على الاستصحاب رجحنا خبر النجاسة لأنه أخبر عن محسوس مشاهد.
فأما في سؤر الحمار فالتعارض قائم فإن لحمه نجس، وعرقه طاهر، والبلوى فيه من وجه دون وجه فلا يمكن إلحاقه بأحدهما، فوجب المصير إلى ما كان ثابتا فلا يطهر به نجس، ولا يتنجس به طاهر.
فإن قيل: غرف الماء طاهرًا يوجب أن يبقى كذلك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
стр. 243
وَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ نَجِسٌ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ وَ النَّجَاسَةِ، … ... … ... … ... .
قلنا: وجب أن يصير مشكوكا كلعاب الحمار؛ لأن الماء إذا أصابه شيء يتصف بصفة ذلك الشيء.
قوله: (ترجيحا للحرمة و النجاسة)، وفي الكافي: وما قال في الهداية: و النجاسة مشكل لأن عدلا لو أخبر بطهارة الماء، وآخر بنجاسته نحكم بطهارته، فكيف نرجح النجاسة هاهنا، و لهذا قيل: إن تعارض الأثران لا يقتضي الإشكال إذ مقتضاه الطهارة.
قال شيخي ﵀: فعلى هذا ترجيح الحرمة مشكل أيضا لأن عدلا لو أخبر بحل الطعام وآخر بحرمته ترجح خبر الحل نص عليه محمد في كتاب الإستحسان كما في خبر الماء تمسكا بأصل الحل و الطهارة، ثم إنه فرق بينهما فسلم ترجيح الحرمة، و لم يسلم ترجيح النجاسة و ادعى الإشكال فيها فكان ما ذكره مشكلا.
و الجواب عن الإشكال: أن تعارض الخبرين في الماء يوجب التهاتر، و العمل بالأصل لوقوع الشك في اختلاط النجاسة به، و الأصل عدمه، فبقى الماء على الطهارة الخلقية، فأما هاهنا فقد اختلط اللعاب المتولد من اللحم بالماء بيقين، وقد ترجح جهة الحرمة فيه باتفاق الروايات عن أصحابنا، وهي مبنية على النجاسة على [ما] (١) بينا فيجب ترجيحها لهذا الدليل.
وأما ترجيح الحرمة في تعارض الخبرين في الطعام فلما قلنا من وجوب التهاتر و العمل بالأصل وهو الحل، إذ لو رجح جانب الحرمة لزمه ترجيح أحد المتساويين بلا ترجيح مع ترك العمل بالأصل، و لا يجوز ترجيح الحرمة بالإحتياط لإستلزامه تكذيب المخبر بالحل من غير دليل.
فأما تعارض أدلة الشرع في حل الطعام وحرمته فيوجب ترجيح الحرمة تعليلا للنسخ الذي هو خلاف الأصل على ما عرف، وعملا بالإحتياط الذي هو الأصل في أمور الدين عند عدم المانع.
стр. 244
وَالبَغْلُ مِنْ نَسْلِ الحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ، … ... .
قوله: (فيفيد الجمع)، وفي النهاية: المراد بالجمع أن لا تخلو صلاة واحدة عنهما حتى لو توضأ بالسؤر وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة جاز؛ لأنه جمعهما في صلاة واحدة، وكذا في الْمُجْتَبى (١).
فإن قيل: هذا الطريق يستلزم أداء الصلاة بغير طهارة في إحدى المرتين لا محال، وهو مستلزم للكفر لتأديته إلى الاستخفاف بالدين فينبغي أن لا يجوز، ويجب الجمع في أداء واحد.
قلنا: ذلك فيما أدي بغير طهارة بيقين، فأما إذا كان أداؤه بطهارة من وجه فلا لانتفاء الاستخفاف لأنه عمل بالشرع من وجه، وهاهنا كذلك؛ لأن كل واحد من السؤر والتراب مطهر من وجه دون وجه فلا يكون الأداء بغير طهارة من كل وجه، فلا يلزم الكفر، كما لو صلى حنفي بعد الفصد والحجامة لا تجوز صلاته ولا يكفر لمكان الاختلاف، وهذا أولى بخلاف ما لو صلى بعد البول.
وفي جامع المحبوبي عن نصير: في رجل لم يجد إلا سؤر حمار يهريق ذلك حتى يصير عادمًا للماء ثم يتيمم واختار الصفار ذلك (٢).
وعن محمد في النوادر: توضأ بسؤر الحمار وتيمم، ثم أصاب ماءً نظيفًا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء، ومعه سؤر الحمار، فعليه إعادة التيمم دون الوضوء؛ لأنه إن كان مطهرا فقد توضأ به، وإن كان نجسا فليس عليه الوضوء لا في المرة الأولى، ولا في المرة الثانية، والبغل من نسل الحمار (٣).
وفي شرح القدوري: والبغل متولد من الحمار والفرس فصار سؤره كسؤر فرس اختلط بسؤر الحمار فصار مشكوكا يتوضأ ويتيمم (٤).
وفي بعض النسخ: (يتوضأ بهما)، أي سؤري الحمار والبغل، وبقول زفر
стр. 245
وَيَجُوزُ أَيُّهُمَا قَدَّمَ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الوُضُوءَ، لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاجِبُ الاسْتِعْمَالِ، فَأَشْبَهَ المَاءَ المُطْلَقَ وَلَنَا: أَنَّ المُطَهِّرَ أَحَدُهُمَا فَيُفِيدُ الجَمْعُ دُونَ التَّرْتِيبِ. (وَسُؤْرُ الفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا)، لِأَنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ (وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ)، لِأَنَّ الكَرَاهَةَ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ، … ... …
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (١).
(ويجوز أيهما)، أي الوضوء والتيمم، فيفيد الجمع دون الترتيب.
وفي المبسوط: الاحتياط في الجمع لا في الترتيب؛ لأن الماء إن كان طاهراً توضأ به قدّم أو أخر، وإن كان نجساً ففرضه التيمم وقد أتى به، والأفضل تقديم الماء ليخرج من الخلاف والمراعاة وجود صورة الماء.
وقوله: (وسؤر الفرس)، وفي الأصل: لا بأس بسؤر الفرس (٢)، من غير ذكر خلاف.
وفي المبسوط: سؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة مكروه كلحمه (٣).
وفي المحيط: في سؤره أربع روايات، قال في رواية: أحب إليّ أن أتوضأ بغيره، وهي رواية البلخي عنه، وفي رواية الحسن عنه مكروه كلحمه، وفي رواية: هو مشكوك، وفي رواية كتاب الصلاة: وهو طاهر، وهو الصحيح من مذهبه؛ لأن كراهة لحمه لاحترامه عنده (٤).
فإنه دابة يرهب به عدو الله فيقع به إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله كما يقع بالآدمي، ولهذا اختص من بين الحيوانات بإقرار السهم كالآدمي فلا يؤثر تحريمه في سؤره كما في الآدمي، وكذا ذكره في مبسوط شيخ الإسلام.
وقوله: (إلا نبيذ التمر)، وإنما ذكر هذه المسألة في فصل الأسار لأن للنبيذ
стр. 246
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ)، …
مناسبة بسؤر الحمار خصوصًا على أصل محمد، فإنه لما وقع الإشكال في أن خبر النبيذ مقدم أم لا؟ وقع الشك، فإنه لو كان مقدمًا على آية التيمم لكان منسوخا بها ولو كان متأخرًا وأنه من المشاهير كان زيادة على الكتاب، والتاريخ مجهول، فأوجب ذلك شكا فيه، فوجب ضم التيمم إليه كما في سؤر الحمار.
ثم الكلام فيه في ثلاثة مواضع:
أحدها: في جواز التوضي به، والثاني في وقته، والثالث: في نفسه.
أما الأول: فعن أبي حنيفة ثلاث روايات ذكر في الجامع الصغير والزيادات: يتوضأ ولا يتيمم، وذكر في كتاب الصلاة: إن توضأ به ويتيمم كان أحبّ إليّ، وهو قول محمد (١)، وفي جامع الكردري: لم يرد به الترتيب، بل أراد به الجمع بينهما، والثالث: أنه لا يتوضأ به ويتيمم، وهو قول أبي يوسف.
قال قاضي خان: هو الصحيح (٢)، واختاره الطحاوي.
ورو نوح ابن مرم (٣) عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف (٤)، وهو قول زفر، والشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧) وغيرهم من العلماء.
وفي الحلية: النبيذ نجس عندنا (٨).
وفي شرح الوجيز: الجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر والنبيذ
стр. 247
لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الجِنِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ لَمْ يَجِد الْمَاءَ،
المسكر، والحيوانات كلها على الطهارة إلا الكلب والخنزير وفروعهما (١).
وفي جامع الكردري عن أبي طاهر الدَّبّاس أنه قال: إنما اختلفت أجوبة أبي حنيفة ﵁ لاختلاف الأسئلة، فإنه سئل: إذا كانت الغلبة للحلاوة فيه؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ، وسئل عنه أيضًا: إذا كانا على السواء؟ قال: بالجمع بينهما، وسئل عنه أيضًا: إذا كانت الغلبة للماء؟ قال: يتوضأ ولا يتيمم، ولا خلاف في الحقيقة (٢).
وذكر القدوري في شرحه عن أصحابنا أنه لا يجوز التوضؤ به إلا بالنية لأنه بدل عن الماء كالتراب، حتى لا يجوز الوضوء به حال وجود الماء، وينتقض الوضوء به أيضًا عند وجود الماء كالتيمم.
وأما الثاني: قال أبو حنيفة: كل وقت يجوز التيمم فيه يجوز التوضؤ به وإلا فلا.
وأما الثالث: فذكر محمد في النوادر: يلقى في الماء تميرات فتخرج حلاوتها، فلو توضأ به قبل خروج الحلاوة يجوز، وبعده إن كان رقيقًا يسيل على الأعضاء يجوز أيضًا.
قوله: (لحديث ليلة الجن)، وقضيته ما روى أبو رافع وابن المعتمر، عن ابن عباس: أنه ﵇ خطب ذات ليلة، ثم قال: «لِيَقُمْ مَعِي مَنْ لَمْ يَكُنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقام ابن مسعود، فحمله النبي ﵇ مع نفسه، فقال عبد الله بن مسعود خرجنا من مكة، وخط النبي ﵇ حولي خطا، وقال: «لا تَخُرج من هَذا الخَطّ فإنك [إن] (٣) خَرَجْتَ عَنهُ لَم تَلْقَنِي إِلَى يوم القيامة»، ثم ذهب يدعو الجن إلى الإيمان ويقرأ عليهم القرآن حتى طلع الفجر، ثم رجع بعد طلوع الفجر وقال لي: «هل معك ماء أتوضأ به؟» فقلت: لا، إلا نبيذ التمر في إدارة، فقال ﵇: «تمرة طيبة، وماء طهور»،
стр. 248
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَظْلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ للهُ عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا أَقْوَى، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا، لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَلَيْلَةُ الجِنِّ كَانَتْ مَكَّيَّةٌ.
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ) (*)، لِأَنَّ فِي الحَدِيثِ اضْطِرَابًا،
وأخذ وتوضأ به وصلى الفجر (١).
قوله: (عملا بآية التيمم)، فإنها تنقل التطهير من الماء إلى التراب عند عدم الماء المطلق والنبيذ: ماء من وجه فيكون الحديث مردودا بها.
(لأنها)، أي الآية أقوى من الحديث، وهو ظاهر.
(أو هو)، أي الحديث، (منسوخ بها) أي بالآية.
فإن قيل: نسخ الكتاب بالسنة، أو السنة بالكتاب لا يجوز عند الشافعي، فكيف يستقيم قوله: (أو هو منسوخ بآية التيمم).
قلنا: يجوز أن يكون إثبات النسخ على قول أبي يوسف لا على قول الشافعي؛ لأن عنده في الحديث اضطرابا فلا يعمل به، بل يعمل بالآية.
وقوله: (لأنها أقوى)، دليله ودليل أبي يوسف أيضًا.
قوله: (اضطرابًا)، بيانه أن مدار هذا الحديث على أبي زيد مولى عمرو بن الحريث، روى عنه أبو فزارة نباذًا روى هذا الحديث ليهون أمر النبيذ على الناس، وأبو زيد كان مجهولاً عند النقلة، ولأنه روى عن [أبي] (٢) عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قيل له: هل كان أبوك مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ولوددت أن لو كان أبي صاحب رسول الله (٣)، ولو كان هو مع النبي ﵇
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكان فخرًا له عظيمًا، ومنقبة لعقبه بعده، فأنكر كون أبيه مع النبي ﵇، ولو كان لكان لا يخفى على ابنه، وعن علقمة: أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇ ليلة الجن (١).
وقلنا: مداره كما كان على أبي فزارة كان على كبار الصحابة الذين لا طعن فيهم، مع أنه غير مطعون، فإن مصنف الصحيح ذكر أن اسمه كان راشد بن كيسان الزاهد، سمي زاهدًا لديانته وبيع النبيذ لا يوجب طعنا لجواز أنه باع نبيذا اتفق الناس على إباحته.
وقوله: (وأبو زيد كان مجهولًا) (٢)، قلنا: لا، بل هو من كبار أئمة التابعين، وكان معروفًا عن الكرخي، عن يعقوب بن شيبة أنه قال في كتاب الطبقات: أن أبا زيد لقي عبد الله بن مسعود وسمع منه، وكان من علماء التابعين من طبقات الأولى بعد أصحاب رسول الله ﷺ (٣).
وأما ما روي أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇، فقلنا: لا، بل كان معه فإن [محمد بن] (٤) إسماعيل البخاري أثبت كونه مع النبي ﵇ باثني عشر وجها، ومعنى قول ابنه أنه لم يكن مع النبي ﵇، أي لم يكن معه حالة الخطاب والدعوة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع
стр. 250
وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةٌ فَوَجَبَ الجَمْعُ احْتِيَاطًا. قُلْنَا: لَيْلَةَ الجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَالحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَبِمِثْلِهِ … ... …
المحبوبي (١).
وفي شرح المصابيح: ويحتمل أنه لم يكن مع النبي ﵇ حين خرج، ثم لحقه بعد فراغه من دعوة الجن في ليلته لما في بعض طرق علقمة، عن ابن مسعود أن علقمة قال لابن مسعود: هل صحبت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال ما صحبته، ولكن فقدناه ذات ليلة، فلما كان في وجه الصبح أو في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وكذا أورده مسلم في كتابه، ولا ينافي بينه وبين قوله: (قلنا لي ليلة الجن)؛ لأن سحر تلك الليلة منها.
قوله: (وفي التاريخ جهالة)، وفي جامع قاضي خان: تكلموا في انتساخ هذا الحديث لجهالة التاريخ، قال بعضهم: نسخ ذلك بآية التيمم، وقال بعضهم: لم ينسخ لأنها نزلت في شأن الأسفار، والنبيذ يستعمل في العادات فيما قرب من الأمصار فيجب الجمع احتياطا.
(غير واحدة)، أي ليال، فيحتمل أن تكون ليلة الجن بعد آية التيمم عملت به الصحابة؛ فإنه روى الحارث عن علي ﵁ أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء، وروي عنه من طرق مختلفة أنه لا يرى بأساً بالوضوء به.
وروى عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "توضؤوا بنبيذ التمر، ولا تتوضؤوا باللبن"، وروي عنه من طرق مختلفة بأنه لا يرى بأساً بالوضوء به (٢).
وعن ابن مسعود: يجوز التوضؤ به، وهم كانوا من أئمة الفتوى فيكون قولهم مقدمًا على القياس.
(وبمثله)، أي بمثل الحديث المشهور.