← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

اعْتِبَارًا بِمَاءِ الاِغْتِسَالِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى اعتبارًا بماء الاغتسال؛ يعني: أنها حق يتعلق بالجماع، ينقسم إلى مالي وبدني، فما كان ماليا يجب على الزوج، وما كان بدنيًا يجب عليها، كثمن ماء الاغتسال؛ فإنه عليه، والاغتسال عليه كذا هاهنا. وفي تتمتهم (١): فيه تسعة فروع: أحدها: إذا كانا جميعًا من أهل الإطعام أو العتق؛ [يتحمل] (٢) ويتداخلان؛ لأنهما جنس واحد والسبب واحد. والثاني: إذا كانا جميعًا من أهل الصوم؛ فعلى كل واحد أن يصوم، ولا يتحمل عنها؛ لأنها عبادة بدنية، ولا يجزئ فيها التحمل. والثالث: إذا كان الرجل من أهل الإعتاق وهي من أهل الصوم؛ ففيه وجهان: أحدهما: عليها الصوم؛ لعدم التحمل منه. والثاني: يسقط عنها بعتق الرجل؛ لأن من كان كفارته الصوم، لو كفّر بالعتق يجوز. والرابع: إذا كان الرجل من أهل العتق وهي من أهل الإطعام؛ يتحمل عنها، وهما يتداخلان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتداخلان؛ لأنهما جنسان مختلفان، ولا تداخل مع الاختلاف. والثاني: يدخل فيه؛ لأن من كان من أهل الإطعام، لو كفر بالعتق يجوز، فيدخل. الخامس: لو كان [الرجل] (٣) من أهل الصوم وهي من أهل العتق؛ فوجهان:

стр. 1857

المُظَاهِرِ وَكَلِمَةُ (مَنْ) تَنْتَظِمُ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ جِنَايَةُ الإِفْسَادِ لَا أحدهما: لا يتحمل عنها؛ لأنه عاجز. والثاني: يتحمل، ويبقى في ذمته إلى أن يقدر. السادس: لو كان الرجل من أهل الإطعام وهي من أهل الصوم؛ لا يتحمل عنها [لا بدني ولا يحمل فيه. السابع: لو زنا بامرأة لا يتحمل عنها؛] (١) لأن التحمل بسبب الزوجية ولم يوجد؛ ولهذا لا يلزمه من ماء الاغتسال. الثامن: إذا كان نائما فاستدخلت ذكره؛ فعليها الكفارة؛ لأن الرجل لم يجعلها مفطرا. التاسع: إذا قدم الرجل من سفر مفطرا فجامعها، فإن ظن أنها مفطرة؛ فلا يحمل، وإن جامعها مع العلم بصومها؛ ففيه وجهان: أحدهما: لا يحمل؛ لأنه غير ملتزم للكفارة، فلا يتحمل عنها. والثاني: يتحمل؛ لوجود وصلة الزوجية والقدرة على التحمل. قوله: (تَنْتَظِمُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ)؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] هذا خطاب لأزواج النبي ﵇. وتبين بهذا الحديث: أن السبب الفطر هو جناية كاملة، وهذا السبب يتحقق في جانبها أيضًا؛ ولهذا يجب الحد عليها في الزنا أيضًا، فعلم أن تمكينها جناية كاملة، فإن كان مع النقصان لا يجب الحد، وبيان النبي ﵇ الكفارة في جانبه؛ بيان [في جانبيهما] (٢)؛ لأن كفارتهما واحدة، واستويا في انتهاك حرمة الشهر مع العلم، كسائر الناس، وسكوته ﵇ عنها عليها لا يدل على سقوطها، كما لم يدل سكوته عن فساد صومها ووجوب القضاء عليها على خلاف ذلك، وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن المرأة لم تسأل عنها ولا الزوج.

стр. 1858

نَفْسُ الوِقَاعِ وَقَدْ شَارَكَته فِيهَا، وَلَا يَتَحَمَّلُ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَلَا يَجْرِي فِيهَا التَّحَمُّلُ. (وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مَا يُتَغَذَّى بِهِ، أَوْ يُتَدَاوى بِهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ) وَقَالَ ويحتمل أن المرأة كانت مفطرة بحيض أو مرض أو مكرهة، دلّ عليه قوله: «أهلكت … » (١) في رواية. ولا معنى للتحمل؛ لأن الكفارة إما عبادة أو عقوبة، وبسبب النكاح لا يجري التحمل عنها، وإنما ذلك في مؤن الزوجية. كذا في المبسوط (٢) (٣). وفي شرح الإرشاد بيان حكم الرجل بيان حكم المرأة (٤)؛ لما روي أنه ﵊ قال: «حُكمِي في الواحِدِ حُكمِي في الجماعة، وخطابي للواحد خطاب للجماعة» (٥). والدليل: أنه ﵇ بين حكم الإماء في الحد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكان العبد في ذلك كالأمة. وأما ثمن ماء الاغتسال، فغير مُسلّم أنه يجب عليه، بل يجب عليها؛ لأن الجماع استبقاء منافع البضع، وقد ضمن بإزائها عوضًا، فلا يضمن بدلا آخر، وبه أخذ أبو الليث. وعن بعض مشايخ بلخ: أنهم اعتبروه بثمن ماء الشرب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 1859

الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي الوِقَاعِ … ... … .. وفي الْمُجْتَبى: في المبسوطين: لو مكنت نفسها من صبي أو مجنون فزنى بها؛ فعليها الكفارة (١)، وبه قال الشافعي في أظهر قوليه (٢). وفي النوادر على قياس الحد لا تلزمها الكفارة، وبه قال الشافعي في قول، ولو كان الزوج مكرها لا كفارة عليها (٣). قال الحلواني: الشرط الإكراه عند الإيلاج (٤). والأصل في [جنس] (٥) هذه المسائل: أن كل وطء يوجب الحد، لو وقع في غير الملك يوجب الكفارة، وما لا فلا. ولو أكرهت زوجها على الجماع فعليه الكفارة، وذكر محمد في الأصل: أنه لا كفارة عليه، وبه يفتى (٦). وقال قاضي خان: لو جامع مكرها فعليه القضاء لا الكفارة (٧). وقال أبو حنيفة أولا: عليه الكفارة؛ لأن الانتشار أمارة الاختيار، ثم رجع إلى قولهما (٨). ولو كتمت طلوع الفجر على زوجها حتى جامعها؛ فعليها الكفارة. قوله: (وقال الشافعي: لا كفارة عليه) ولكن يعذره السلطان، ويجب عليه إمساك بقية يومه (٩)، وبه قال أحمد (١٠)، وداود، وبقولنا: قال مالك (١١).

стр. 1860

بِخِلَافِ القِيَاسِ لِارْتِفَاعِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الكَفَّارَةَ (بخلاف القياس)؛ لأن حديث الأعرابي ورد في الوقاع، فتصير الموافقة سببا، ولا يجوز التعلق بسبب آخر قياسا؛ لأنها تجري مجرى العقوبات، فلا تثبت أسبابها قياسا. ولهذا لا تجب بجماع الميت والبهيمة، وكذا لو أصبح مجامعا لأهله. كذا في المبسوط (١). وإنما ذلك خلاف القياس؛ لأن الأعرابي جاء إلى النبي ﵊ تائبا نادما، والتوبة رافعة للذنب بقضية النصوص، ومع ذلك أوجب الشرع الكفارة، علم أنه أوجبها تعبدا غير معقول المعنى، فلا يمكن إلحاق الغير به، لا دلالة له ولا قياسا. كذا في الطريقة العلانية (٢). (ولنا: أن الكفارة): وفي المبسوط (٣): احتج علماؤنا بقوله ﵇: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» (٤). رواه أبو هريرة رواه مسلم، وأبو داود ولكن روايتهما عنه: أنه ﵇ أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة (٥)، وما ذكره في المتن؛ رواه الدارقطني بمعناه (٦)، ولم يذكر بأي سبب أفطر. وسأله رجل فقال: يا رسول الله، أفطرت في رمضان، فقال ﵇: «من غير مرض ولا سفر»، فقال: نعم، فقال: «أعتق رقبة»، ولم يسأله مما أفطر [به] (٧)، فدل أنه لا يختلف به. ولأن الفطر بهما يتضمن هتك حرمة الشهر، فكان كالفطر بالجماع، ثم لا

стр. 1861

تَعَلَّقَتْ بِجِنَايَةِ الإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ، وَبِإِيجَابِ الإِعْتَاقِ تَكْفِيرًا عُرِفَ أَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ لِهَذِهِ الجِنَايَةِ. ثُمَّ قَالَ: (وَالكَفَّارَةُ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظُّهَارِ) … نوجبها بالقياس بل بدلالة النص؛ لأن السائل ذكر المواقعة، وعينها ليست بجناية؛ لأنها فعل على محل مملوك، وإنما الجناية الفطر بها، فتبين أن موجب الكفارة فطر هو جناية؛ ولهذا لا تجب على الناسي بالإجماع لعدم الفطر، فلو كانت متعلقة بعين الوقاع؛ لما اختلف الحكم بين العمد والنسيان، كما في الزنا، فعلم أن الموجب هتك حرمة رمضان، فيمكن الإلحاق بالدلالة، بل إيجابها في الأكل أولى؛ لأنها وجبت زاجرة، ودعاء الطبع في وقت الصوم إليهما أكثر منه إلى الجماع، فكان الصبر عنهما أشد، فكان إيجابها فيهما أولى، كما في حرمة الضرب مع التأفيف، وهذه المسألة بتمامها وأسئلتها وأجوبتها مذكورة في بيان الوصول، [فليطلب نصه] (١). [وفي القنية] (٢) عن المرغيناني: من أكل في [نهار] (٣) رمضان، متعمدا على وجه الشهرة؛ يؤمر بقتله (٤). قوله: (وبإيجاب الكفارة … ) [إلى آخره] (٥) جواب عما قال: لارتفاع الذنب بالتوبة؛ يعني: التوبة كما يصلح، فكذا الإعتاق، إلا أن الشرع عين هاهنا الرافع وهو الإعتاق، فعلم أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية. كذا في الفوائد الحميدية، والطريقة العلانية (٦). قيل: والسر فيه: أن من علم أنه إذا فعل ما يوجب حدا أو كفارة عليه، ولا يسقط عنه بالتوبة في الدنيا؛ امتنع من مباشرته، فكان فيه تقليل وقوع القبائح

стр. 1862

لِمَا رَوَيْنَا، وَلِحَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْت؟ قَالَ: وَاقَعْت امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ ﷺ : أَعْتِقْ رَقَبَةٌ. فَقَالَ: لَا أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي هَذِهِ، فَقَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَقَالَ: وَهَلْ جَاءَنِي مَا جَاءَنِي إِلَّا مِنَ الصَّوْمِ؟ فَقَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. فَقَالَ: لَا أَجِدُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْتَى مِنْ تَمْرٍ. وَيُرْوَى بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ: فَرِّقْهَا عَلَى المَسَاكِينِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَي المَدِينَةِ أَحَدٌ أَحْوَجُ مِنِّي وَمِنْ عِيَالِي، فَقَالَ: كُلِّ أَنْتَ وَعِيَالُكَ، يُجْزِيَكَ وَلَا يُجْزِي أَحَدًا بَعْدَك»، … ... . والمعاصي خوفًا من العقوبة، ولا يحصل ذلك بالتوبة فقط. وفي هذا المعنى: معنى الأكل والشرب مساوٍ؛ بل أقوى كما ذكرناه، فيلحق بالجماع دلالة كما ذكرنا. (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «فعليه ما على المظاهر». (ولحديث الأعرابي)؛ وهو سلمة بن صخر البياضي الأنصاري، وحديثه مذكور في الصحيحين. العرق: مكيال أهل العراق. وقيل: مكيال معروف بالمدينة، [وهو مذكور. العرق - بفتح العين والراء -] (١) الزنبيل العظيم من الليف وغيره. وفي صحيح مسلم (٢): فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدق بهما، فإذا كان العرق خمسة عشر صاعًا؛ فالعرقان ثلاثون صاعًا على ستين مسكينًا. واللابة: [الحرة] (٣)، وهي أرض ذات حجارة سود. والمعنى: ليس في المدينة أحوج مني.

стр. 1863

وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: يُخَيَّرُ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ، وَعَلَى مَالِكِ فِي وقوله: ([وهو] (١) حجة على الشافعي في قوله: يخير)؛ وقع سهوا من الكاتب، فإنه لا يقول بالتخيير؛ بل بقول مذهبنا بالترتيب (٢)، وبه قال أحمد في أصح الروايتين (٣)، وهذا منصوص في كتبهم، وكتبها من المبسوطين وغيرهما، فالقائل به مالك؛ لكن التقديم بالإطعام أولى عنده. هكذا ذكره البغداديون. وقال ابن القاسم: الذي يأخذ به مالك فيها الإطعام والقضاء، وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شيء (٤). وكذا نسبته في التتابع إلى مالك وقع سهوا؛ فإن القائل به ابن ليلى. وعن الحسن البصري: أنه مخيّر بين عتق رقبة وبين نحر بدنة؛ بالقياس على التخيير في كفارة الفطر. وقاس ابن أبي ليلى على القضاء، وما روينا من الآثار حجة عليه. واحتج مالك بحديث سعد بن أبي وقاص أن رجلا سأل النبي ﵇ فقال: إني أفطرت في رمضان، فقال: «أعتق رقبة أو صُم شهرين أو أطعم ستين مسكينا» (٥)، وكلمة (أو) للتخير. ولنا: ما روينا من قوله ﵇: «فعليه ما على المظاهر» (٦)، فتبين أن المراد من حديثه بيان ما به تتأدّى الكفارة في الجملة، لا بيان التخيير، ثم الصيامات المذكورة في القرآن ثمانية؛ أربعة منها متتابعة، وأربعة [منها] (٧) مخيرة. فالضابط فيها: أن كل كفارة شرع فيها عتق؛ فإن صومها متتابع، وما لم

стр. 1864

نَفْيِ التَّتَابُعِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ. يشرع فيها عتق؛ فصاحبها بالخيار، وصوم رمضان متتابع. كذا في المبسوطين (١). (للنص عليه)؛ أي: التنصيص على التتابع في حديث الأعرابي. ثم الواجب لكل مسكين نصف صاع من بر عندنا. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣): مُد، وهو ربع صاع من بر وغيره. وقال أحمد: مُدٌّ من حنطة، ومُدَّان من شعير أو تمر (٤)، وعندنا صاع منهما. احتجا بما جاء في حديث الأعرابي في بعض طرقه: أنه جاءه بعرق فيه تمر خمسة عشر صاعا (٥). ولنا: ما رواه مسلم: جاءه بعرقان فيه خمسة عشر صاعًا، فيحمل حديثهم على بيان ما كان في كل عرق (٦). وفي المبسوط: ما أمره النبي ﵇ تطوعًا؛ لأنها لم تكن واجبة عليه في الحال؛ لعجزه، ولهذا كان صرفها لنفسه وعياله، فلا تكون حجة في جواز المد لو ثبت (٧). ثم لو جامع أيامًا [في الشهر]؛ فعليه كفارة واحدة عندنا، وأحمد في رواية (٨)، وكذا عندنا في الأكل والشرب. وقال الشافعي (٩)، ومالك (١٠) (١١) وأحمد في رواية: عليه لكل يوم كفارة؛

стр. 1865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأن جماع كل يوم جناية موجبة لها، ولا يتداخل كما في سائر الكفارات، فإن معنى العبادة فيها راجح حتى نفتي بها، وتتأدى بما هو عبادة، والتداخل في العقوبات المحضة؛ لأن في استيفاء الكل خوف تلف النفس، والاحتراز عنه واجب، وهذا المعنى لا يوجد هاهنا، غاية ما في الكتاب أن يفوت ماله، وذلك متحمل؛ ألا ترى أنه إذا لم يكن له [مال] (١) وجب التكفير. ولنا وجهان؛ أحدهما: أن كمال الجناية باعتبار حرمة الصوم والشهر جميعًا، حتى إن الفطر في قضاء رمضان لا يوجب الكفارة؛ لانعدام الشهر، وباعتبار تجدد الأيام بتجدد الصوم، ولا تتجدد حرمة الشهر، ومتى صارت الحرمة معتبرة لإيجابها مرة؛ لا يمكن اعتبارها لإيجابها أخرى؛ [لأنها] (٢) تلك الحرمة بعينها. والثاني: أن كفارة الفطر عقوبة تندرئ بالشبهات، فتتداخل كالحدود في التكرار شبهة عدم الفائدة كالحد وبيان الوصف. أن سبب الوجوب جناية محضة على حق الله تعالى، والجنايات سبب لإيجاب العقوبات، والدليل عليه سقوطها بعذر الخطأ، بخلاف سائر الكفارات. ولو كفّر ثم أفطر في يوم آخر؛ فعليه كفارة أخرى عند الكل، إلا في رواية عن أبي حنيفة: أنه تكفيه تلك الكفارة باعتبار اتحاد حرمة الشهر، وهو قياس ما لو تلا سجدة في مجلس ثم تلاها مرة أخرى؛ لم يلزمه سجدة أخرى؛ لاتحاد المجلس؛ أي: السبب. وجه ظاهر الرواية: أن التداخل قبل الأداء الأول لا بعده، كما في الحدود، وهذا أصح. ولو جامع في رمضانين، فقد ذكر في الكيسانيات عن محمد: أن عليه كفارتان؛ لاعتبار تعدد حرمة الشهر والصوم، وهو المشهور.

стр. 1866

(وَمَنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ) لِوُجُودِ الجِمَاعِ مَعْنَى (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِانْعِدَامِهِ صُورَةٌ (وَلَيْسَ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ الإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ أَبْلَغُ فِي الجِنَايَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ. وأكثر مشايخنا يقولون: [لا] (١) اعتماد على تلك الرواية، والصحيح: أن عليه كفارة واحدة؛ لاعتبار معنى التداخل كذا في المبسوط (٢)، والإيضاح. وفي الْمُجْتَبى: في الكامل وغيره: وفي الكيسانيات عن محمد: فيه كفارة واحدة، بخلاف ما ذكر في المبسوطين: أن عليه كفارتان عند أبي حنيفة ومحمد، واختار بعض طلبة العلم إن كان الإفطار بغير الجماع؛ يكفيه كفارة واحدة؛ لاحتمال الشبهتين في إيجاب الثانية، وهي تندرئ بالشبهات (٣). قوله: (فيما دون الفرج): أراد بالفرج: السبيلين، فكان ما دونه: التفخيد والتبطين. (ولا كفارة عليه): وبه قال الشافعي (٤). وقال مالك (٥)، وأحمد (٦)، وأبو ثور: تجب الكفارة؛ لوجود هتك حرمة الصوم؛ ولهذا يجب القضاء عليه بالإجماع. وقلنا: لما لم يكن جماعًا صورة؛ لم تكن جناية من كل وجه؛ فلم تلزمه الكفارة. وفي الْمُجْتَبَى: مَنْ شرب خمرا في رمضان أو زنى؛ فعليه الحد والتعزير والكفارة؛ لاختلاف الأسباب (٧). قوله: (وليس في إفساد الصوم في غير رمضان كفارة): وعليه الإجماع (٨).

стр. 1867

(وَمَنِ احْتَقَنَ أَوِ اسْتَعَطَ أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنِهِ أَفْطَرَ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «الفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ» وَلِوُجُودِ مَعْنَى الفِطْرِ، وَهُوَ وُصُولُ مَا فِيهِ صَلَاحُ البَدَنِ إِلَى الجَوْفِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِانْعِدَامِهِ صُورَةٌ. وحكي عن قتادة: أنها تجب بإفساد قضاء رمضان؛ اعتبارًا بأدائه. وقلنا: وجوب الكفارة بالنص ورد بالفطر في رمضان، والفطر في غيره ليس في معناه من كل وجه؛ لأن الفطر فيه جناية على الصوم والشهر، وفي غيره جناية على الصوم فقط، مع أن هذا اليوم غير متعين لقضائه، فلا يلحق به دلالة، ولا مدخل للقياس في الكفارة. إليه أشير في المبسوط (١). قوله: (ومن احتقن واستعط) كلاهما على بناء الفاعل، من حقن المريض داواه بالحقنة، واحتقن بالضم غير جائز، وإنما الصواب: حُقِنَ أو عولج بالحقنة. والسعوط: الدواء الذي يصبّ في الأنف، واستعطه إياه، ولا يقال: استعط مبنيًا للمفعول. والوجور: دواء يصب في وسط الفم. كذا في المغرب (٢). (أفطر): على بناء الفاعل. كذا وجد حافظ الدين. وفي المغرب: أقطر الماء؛ صبه تقطيرًا، أو قطره مثله وأقطره وقطر بنفسه؛ سال قطرًا (٣). قال شيخ الإسلام (٤): هاهنا مسائل الوجور والسعوط (٥) والإقطار في الأذن، والإحليل والحقنة، والجائفة والآمة، أما السعوط والوجور والإقطار في الأذن؛ فمفطر عند عامة العلماء، إلا عند حسن بن صالح، وداود؛ حيث قالا: لا يفطر.

стр. 1868

(وَ لَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنَيْهِ المَاءَ أَوْ دَخَلَهُمَا لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ) لِانْعِدَامِ المَعْنَى وَالصُّورَةِ. وقال مالك (١)، والأوزاعي في السعوط: إن نزل إلى حلقه يفطر، وإلا لا. ولمالك في الحقنة روايتان (٢). للعامة: أن الأكل موجود معنى؛ لأنه وصل المغذي إلى جوفه، وهو ذاكر لصومه، والمراد جوف الرأس، والتغذي يحصل بالوصول إلى جوف الرأس؛ لأن الدواء مصلح للبدن كالطعام، والدماغ محتاج إلى التربية كالبدن. ولأن بين الجوفين منفذا أصليًا، فما وصل إليه يصل إلى جوف البطن؛ ولهذا يثبت الرضاع بالسعوط والإقطار في الأذن، وكذا الجواب في الحقنة، إلا أنه لا يثبت بها حرمة الرضاع؛ لأنه لا يقصد بها التغذي، وحرمة الرضاع تثبت بما يقصد به التغذي، قال ﵇: «الرّضاعة من المجاعة» (٣)، إلا في رواية شاذة عن محمد، فإن ثبوتها بما يحصل به [من] (٤) [إنشاز] (٥) العظم وإنبات اللحم، وذلك إنما يحصل بما يصل إلى المعدة من أعلى البدن لا من أسفله. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. ثم لا بأس بالاحتقان حال الضرورة، وهو قول النخعي. وقال مجاهد والشعبي: [يكره] (٦). قوله: (ولو أقطر في أذنيه الماء): وفي جامع قاضي خان: حاصر الماء ودخل الماء في أذنه؛ لا يفسد الصوم، ولو صب الماء في أذنه اختلفوا فيه، والصحيح: أنه يفسد، وهو قول مالك، والأوزاعي، وداود؛ لأنه وصل شيء إلى الجوف بفعله، فلا يعتبر فيه صلاح البدن، كما لو أدخل خشفته وعينها ولم يكن من طرفها في الخارج شيء (٧).

стр. 1869

بِخِلَافِ مَا إِذَا دَخَلَهُ الدُّهْنُ … ... … ... … ... … ... … ... … ... وقال الصدر الشهيد: الصحيح عدم الفساد؛ لأنه [ليس] (١) فيه صلاح البدن (٢)، وفي الدهن بفعله أو بغير فعله؛ يلزمه القضاء. وقال مالك: الدهن في الأذن وصل إلى دماغه؛ يفطر (٣). وفي المجتبى: وفي بحر المحيط: محمد لم يفصل فيما إذا أقطر في أذنه بين ما فيه صلاح البدن وبين غيره (٤)، وبه قال الشافعي في أصح الوجهين، وفي وجه: لا يفسد صومه، وصححه الغزالي (٥). وقال مشايخنا: ينبغي أن لا يفسد صومه إذا لم يكن فيه صلاح البدن (٦). ولو اغتسل فدخل الماء في أذنه؛ لا يفسد بلا خلاف. وفي الجامع الأصغر: يقضي يوما مكانه (٧). ولو حك أذنيه فأخرج الدرن، ثم أعاده فبقي الدرن فيه؛ لا يفسد، وإذا أوجر فأدام في فمه لا يفسد، وإذا وصل إلى جوفه يفسد، خلافا للشافعي، ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية، من غير فصل بين حالة الاختيار والاضطرار. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: فرق (٨). وقال عامة المشايخ: إنه إن فعل به باختياره ولا عذر له كفر، وإلا فلا (٩). وعن أبي يوسف: عليه الكفارة في هذه المسائل (١٠). ولو استقصى في الاستنجاء حتى بلغ الماء موضع الحقنة، وهذا أقل ما

стр. 1870

(وَلَوْ دَاوَى جَائِفَةً أَوْ آمَّةً بِدَوَاءٍ فَوَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ أَفْطَرَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالَّذِي يَصِلُ هُوَ الرَّطْبُ، وَقَالَا: لَا يُفْطِرُ (*)، يكون؛ فسد صومه. وقيل: لا يفسد. ولو كان التراب ونحوه؛ ينبغي أن يفسد عندهم جميعًا. ولو أدخلت المستنجية في فرجها؛ فسد صومها إن كانت ذاكرة صومها. قلت: وهذا تنبيه حسن يجب أن يحفظ؛ أن الصوم إنما يفسد في جميع الفصول إذا كان ذاكرًا للصوم، وإلا فلا. وفي جامع قاضي خان: لو طعن نفسه أو طعنه غيره برمح لا يفسد (١). وقال الشافعي: يفسد (٢). وكذا الخلاف لو أدخل خشبة وطرفها في يده، أما لو بقي شيء من الرمح في جوفه، لم يذكره في الكتاب واختلفوا فيه؛ قيل: يفسد، كما لو أدخل خشبة في دبره وعينها. وقيل: لا يفسد، وهو الصحيح، ولو نفذ السهم من الجانب الآخر لا يفسد (٣). قوله: (ولو داوى جائفة): في المبسوط: الجائفة: اسم لجراحة وصلت إلى الجوف، والآمة: اسم لجراحة وصلت إلى الدماغ (٤). وفي المغرب: الطعنة: التي بلغت الجوف أو نفذته، والآمة: من أَمَمْتُهُ بِالْعَصَا، أَمَّا مِنْ بَابِ طَلَبَ إِذَا ضَرَبْتُ أُمَّ رَأْسِهِ، وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشَّجَّةِ آمَّةٌ وَمَأْمُومَةٌ، عَلَى مَعْنَى ذَاتِ أُمِّ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٥). قوله: (والذي يصل هو الرطب): وإنما قيد به؛ لأن في ظاهر الرواية فرقًا

стр. 1871

لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِالوَصُولِ لِانْضِمَامِ المَنْفَذِ مَرَّةً وَاتِّسَاعِهِ أُخْرَى، كَمَا فِي الْيَابِسِ مِنَ الدَّوَاءِ. وَلَهُ: أَنَّ رُطُوبَةَ الدَّوَاءِ تُلاقِي رُطُوبَةَ الجِرَاحَةِ فَيَزْدَادُ مَيْلًا إِلَى الْأَسْفَلِ، فَيَصِلُ إِلَى الجَوْفِ بِخِلَافِ اليَابِسِ، لِأَنَّهُ يُنَشِّفُ رُطُوبَةَ الجِرَاحَةِ فَيَنْسَدُّ فَمُهَا بين دواء الرطب واليابس، وأكثر مشايخنا على أن العبرة للوصول، حتى إذا علم أن الدواء اليابس وصل إلى جوفه فسد. وإن علم أن الرطب لم يصل إلى جوفه لم يفسد عنده، إلا إن ذكر الرطب واليابس بناءً على العادة، فاليابس إنما يستعمل في الجراحة؛ لاستمساك رأسها به، فلا يتعد إلى الباطن؛ فلهذا فرق بينهما. (لعدم التيقن)؛ يعني: شك في الوصول، والصوم لا يبطل به. (ينسد فمها)؛ أي: فم الجراحة، فلا ينفذ إلى الأسفل للحال، فلو وصل إلى الجوف فإنما يصل بعد زمان لا يبقى للدواء قوة الإصلاح، فوصل إلى الجوف ما لا يتغذى به من موضع غير معتاد، فلا يفطر، وإنما يعتبر أن الوصول إلى الباطن من مسلك هو خلقة؛ لأن المفسد ما ينعدم به الإمساك، وهو مأمور لأجل الصوم من مسلك هو خلقة، وفي الجراحة عارضة، وعنده: المعتبر الوصول لا المسلك. كذا في المبسوط (١). وبقول أبي حنيفة: قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣). وبقولهما: قال مالك (٤). ويؤيد قول أكثر المشايخ رواية المنظومة؛ حيث قال: في الجوف جائفة إذا وصل. ونص في شرح الطحاوي: أنه لو وصل اليابس [إلى الجوف] (٥) أفطر عنده، ولا فرق بين الرطب واليابس (٦).

стр. 1872

(وَلَوْ أَقْطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ لَمْ يُفْطِرْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُفْطِرُ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ: مُضْطَرِبٌ فِيهِ (*) فَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَوْفِ مَنْفَذَا، وَلِهَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ البَوْلُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ المَثَانَةَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَالبَوْلُ يَتَرَشَّحُ مِنْهُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الفِقْهِ (وَمَنْ ذَاقَ شَيْئًا بِفَمِهِ لَمْ يُفْطِرْ) وفي الإيضاح: ما يصل إلى الجوف من المخارق المعتادة يفطر، سواء كان من الفم أو من الحقنة، وما وصل إلى الجوف أو الدماغ من غير المخارق المعتادة، نحو أن يصل من جراحة؛ فإنه يفطر عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يفطر (١). قوله: (ومحمد مضطرب): ذكر في الْمُجْتَبى (٢)، والمبسوط قوله معه. وروى ابن سماعة عن محمد: أنه توقف في آخر عمره فيه (٣). وروى الحسن عن أبي حنيفة: [أنه] (٤) إذا صب الدهن في إحليلة فوصل إلى مثانته؛ فسد صومه، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وأبو ثور، وداود. وبقول أبي يوسف: قال الشافعي (٧). (بينهما حائل)؛ حتى يقدر على إمساك البول وهو يترشح منه. والأمر على ما قال أبو حنيفة؛ فإن أهل الطب يقولون: البول يخرج رشحًا، وما يخرج رشحًا [لا] (٨) يعود رشحًا. وبعضهم يقول: هناك منفذ على صورة يخرج الماء منها ولا يدخل فيها.

стр. 1873

لِعَدَمِ الفِطْرِ صُورَةٌ وَمَعْنَى وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ عَلَى الفَسَادِ. وهذا الخلاف إذا وصل إلى المثانة، فأما إذا لم يصل، ولكن بعده في قصبة الذكر لا يفسد صومه بالإجماع. هكذا حكي عن أبي بكر البلخي. كذا في المباسيط (١). وفي الروضة: الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في الواصل إلى المثانة، أما إذا لم يصل لا يفسد بالاتفاق (٢). وقيل: الاختلاف فيه أيضًا. وعن الحسن عن أبي حنيفة: أن الإقطار في الإحليل كالحقنة (٣). وفي مبسوط الإسْبِيجابي: تكلموا في الإقطار في أقبال النساء؛ قيل: على هذا الاختلاف. وقيل: كالحقنة فيفسد بلا خلاف، وهو الأصح (٤). قال الحلواني: لو فسا الصائم أو ضرط في الماء [لا] (٥) يفسد؛ لأن حالة الخروج يمنع من الولوج، ويكره له ذلك (٦)، وبه قال الشافعي، ومالك. وقال أحمد: لا بأس به. ولنا: أنه ﵇ قال: «من حالَ حَوْلَ الحِمى يوشك أن يقع فيه» (٧) كذا في المبسوط (٨). وفي فتاوى قاضي خان قال بعض المشايخ: إن كان الزوج سيء الخلق؛ لا بأس للمرأة أن تذوق شيئًا بلسانها من المرقة (٩). وفي التجنيس: هذا الذي ذكره من الكراهة في الصوم الفرض، أما في

стр. 1874

(وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْضُعَ لِصَبِيِّهَا الطَّعَامَ إِذَا كَانَ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا بَأْسَ إِذَا لَمْ تَجِدْ مِنْهُ بُدًّا) صِيَانَةٌ لِلْوَلَدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُفْطِرَ إِذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا (وَمَضْغُ العِلْكِ لَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ) لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ. وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَئِمًا التطوع فلها أن يذوق شيئًا بلسانها؛ لأن الإفطار فيه مباح بعذر بالاتفاق، وبغير عذر على رواية الحسن عن أبي حنيفة. وعلى ما ذكر في المنتقى عن أبي يوسف: وهذا تعريض، فأولى أن لا يكون مكروها. كذا ذكره الحلواني. وفي الْمُجْتَبى: يكره للصائم ذوق العسل والدهن عند الشراء لمعرفة جودته، كما للمرأة ذوق المرقة (١). وقيل: لا بأس إذا لم يجد بدا من شرائه ويخاف الغبن؛ لما بينا؛ وهو أنه تعريض للصوم على الفساد، وبه قال الشافعي (٢). وفي جامع الكرخي: رخص بعض المشايخ في ذلك كله (٣). وقيل: إنما قيد بالذوق بالفم؛ لأنه ليس بمخصوص به، فإنه ﵊ قال: «لا حتَّى تذوقي من عَسَلِه» (٤). وقوله: (وَمَضْغُ الْعِلْكِ لَا يُفَطِّرُ): وبه قال الشافعي (٥)، قالوا: هذا إذا كان العلك أبيض مضغه غيره، فإن كان أسود ولم يمضغه؛ فسد صومه. أما الأسود؛ فلأنه يذوب ويصل إلى جوفه شيء منه. وأما الأبيض إذا لم يمضغه غيره؛ فلأنه يتفتت في ابتداء المضغ فيصل إلى جوفه [شيء] (٦) منه، وإطلاق محمد في الكتاب يدل على أن الكل واحد. كذا

стр. 1875

يَفْسُدُ، لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ بَعْضُ أَجْزَائِهِ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ أَسْوَدَ يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ مُلْتَئِمًا، لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ (إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ، وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالإِفْطَارِ، وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ صَائِمَةٌ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ، في جامع قاضي خان (١). وفي الإيضاح: وكره أبو حنيفة مضغ العلك؛ لما فيه بسبب النقص (٢). وقيل: المسألة موضوعة فيما إذا كان العلك معجونا، فأما إذا كان يلتئم بعد فطره؛ لأنه ينفصل لأجزاء فيصل إلى جوفه. (ولأنه يتهم)؛ يعني: من رآه من بعيد يظن أنه يأكل فيتهمه، قال ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفَنّ مواقِفَ التُّهَمِ» (٣). وقال علي: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، وليس لكل سامع نكرًا يطيق أن يوسعه عذرًا. كذا في المبسوط (٤)، وجامعي المحبوبي، والإسبيجابي. قوله: (ولا يكره للمرأة): وإنما قال: ولا يكره وإن لم يكن موضع الشبهة؛ لأن مضغ العلك يورث هزال الجنين، وإنما أقيم العلك مقام السواك في حقهن؛ لضعف أسنانهن، ومضغه ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك؛ ولهذا كره للرجال إلا في الخلوة بعذر. كذا ذكره البزدوي، والمحبوبي (٥). وإنما كره مضغ العلك؛ لأن مضغه يهيج المعدة ويُشهي الطعام ولم يأن له، وإذا لم يأت وقت الاشتهاء فالاشتغال به اشتغال بما لا يفيد. كذا في المبسوط (٦)، وجامع المحبوبي.

стр. 1876

وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ عَلَى مَا قِيلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِلَّةٍ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ. (وَلَا بَأْسَ بِالكُحْلِ وَدَهْنِ الشَّارِبِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ ارْتِفَاقٍ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ قوله: (ولا بأس بالكحل، ودهن الشارب) جاز أن يكون كلاهما بلفظ [المصدر من كحل عينه ودهن رأسه، وهما من باب طلب، وجاز أن يكون كلاهما] (١) بضم الكاف والدال، فعلى هذا المعنى: لا بأس باستعمالهما، كما في قوله: والسواك سنة؛ أي: استعماله. فإن قيل: قد ذكر الاكتحال مرة في هذا الباب، فما فائدة ذكره ثانيًا وثالثًا [بعد هذا] (٢) قلنا: لكل وضع فائدة، فإنه يستفاد بالأول عدم الفطر به، ولا يلزم [منه] (٣) عدم الكراهية، وبهذا الوضع علم أنه غير مكروه، ثم قد يختلف حكمه بين الرجال والنساء، كما في العلك، فيعلم بالوضع الثالث أنهما لا يفترقان إذا قصد الرجل غير الزينة، مع أن هذا من خواص مسائل الجامع الصغير، وذلك من مسائل القدوري. إليه أشار فخر الإسلام في جامعه (٤)، والمصنف، وعدم إيراد مسائل الكتابين وما تمس الحاجة إلى مسائل الحاجة سواهما، وهذا كذلك. وإنما ذكر بلفظ: (لا بأس) مع أن الاكتحال قد يكون مستحبا كما في يوم عاشوراء؛ احترازًا عن قول النخعي، وابن أبي ليلى، وأحمد. وجه قولهما: [ما روي] (٥) أنه ﵇ قال: «عليكم بِالإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ وليتقه الصائم» (٦). وقال النخعي: إن وجد طعمه لا يجوز، وإلا فلا بأس به.

стр. 1877

الصَّوْمِ، وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَإِلَى الصَّوْمِ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِالاكْتِحَالِ لِلرِّجَالِ إِذَا قَصَدَ بِهِ التَّدَاوِي دُونَ الزِّينَةِ، وَيُسْتَحْسَنُ دَهْنُ الشَّارِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الزِّينَةُ، لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الخِضَابِ، وَلَا يُفْعَلُ وجه قوله: أنه لو وجد طعمه وصل حلقه على أكثر الرأي فيفسد صومه، وإن لم يوجد لم يتيقن وجوده ووصوله فلا يفسد. وقلنا: حديث ابن أبي ليلى معارض بحديث عائشة. والجواب عن قول النخعي: أن ما دخل حلقه شيء قليل كالدخان والغبار. كذا في جامع الإسبيجابي. (وقد ندب ﵇؛ قال ﵇: «من اكتحل يوم عاشوراء لم ترمد عينه أبدا» (١)، ولو كان ذلك يوجب فساد الصوم لما ندب إليه وإلى الصوم فيه. لكن ذكر في القنية: أن الاكتحال فيه مكروه؛ لأنه يزيد فعله في ذلك اليوم، وفيه نوع تأمل. وفي المجتبى: لو وجد طعم الكحل في حلقه أو دماغه لا بأس به؛ كدخول رائحة المسك والعود، والثوم ورائحة العذرات، ودخان النار؛ فإنها غير معتبرة بالإجماع (٢). ولو بزق ورأى أثر الكحل ولونه في بزاقه؛ لا يفسد عند الأكثر. (عمل الخضاب)؛ وبه جاءت السنة، ولكن لما لم يكن القصد هو الزينة بل لحاجة أخرى. كذا ذكره الكسائي (٣). وفي المبسوط: لا بأس بالخضاب لأجل النساء وللحرب (٤).

стр. 1878

لِتَطْوِيلِ اللَّحْيَةِ إِذَا كَانَتْ بِقَدْرِ المَسْنُونِ وَهُوَ القُبضة. (وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ لِلصَّائِمِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «خَيْرُ خِلَالِ (القبضة) بضم القاف: طول اللحية بقدرها عندنا، وما زاد على ذلك يجب قطعه، هكذا روي عن النبي ﵇ أنه كان يأخذ من طولها، أورده أبو عيسى في جامعه. وفي جامع أبي اليسر (١): ذكر أبو حنيفة في آثاره أن عبد الله بن عمر كان يقبض لحيته ويقطع ما وراء القبضة، وبه أخذ العلماء. وفي المحيط: اختلف في إعفاء اللحى؛ قال بعضهم: تركها حتى تكثف وتكثر، والقص سنة فما زاد على قبضة قطعها. ولا بأس بنتف الشيب وأخذ أطراف اللحية إذا طالت، ولا بأس بالأخذ من حاجبه وشعر وجهه ما لم يشبه المخنثين (٢). قوله: (بالسواك الرطب): ولفظ الجامع الصغير: الرطب بالماء للصائم في الفريضة بالغداة والعشي. اعلم أن محمدا ذكر في الأصل (٣): أنه لا بأس أن يستاك بالسواك الرطب، ولم يذكر أن رطوبته بالماء، أو بالرطوبة الأصلية التي تكون في الأشجار، ولا ذكر أنه بله بريقه أو بالماء، فلولا رواية الجامع لكان لقائل أن يقول: إذا كان رطبا بالريق لا بأس به. أما إذا كان بالماء فيكره؛ لما فيه من الحَوْمِ حول الحمى، وهكذا روي، فلما نص هاهنا بالماء أزال ذلك الإشكال. ولا معتبر بما قال أبو يوسف، وهو أنه يكره بالمبلول؛ لما فيه من إدخال الماء في الفم؛ لأن ما يبقى من الرطوبة بعد المضمضة أكثر مما يبقى بعد السواك.

стр. 1879

الصَّائِمِ السِّوَاكُ مِنْ غَيْرِ فَضْلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ بِالعَشِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ الأَثَرِ المَحْمُودِ، وَهُوَ الخُلُوفُ فَشَابَهُ دَمَ الشَّهِيدِ. قُلْنَا: هُوَ أَثَرُ العِبَادَةِ والأليقُ بِهِ الإِخْفَاءُ، بِخِلَافِ دَمِ الشَّهِيدِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الظُّلْمِ، وقد روي أن النبي ﵇ كان يأمر عائشة بِبَل السواك بريقها ثم يستعمله وهو صائم (١). كذا في الفوائد الظهيرية (٢). قال شيخ الإسلام: شرط محمد في الكتاب الفريضة. قيل: مراده إذا توضأ للمكتوبة، وإلا فيكره. وقيل: أراد الصوم الفرض؛ إبطالًا لقول من زعم أنه يكره في الفرض (٣)، وهو المروي عن مالك؛ فإنه قال: يكره السواك في الفرض بعد الزوال دون النفل؛ لأن المستحب في النوافل الإخفاء، ولو ترك السواك لا يؤمن أن تظهر رائحة فمه، فيظهر للناس أنه صائم (٤). وقيل: أراد الوضوء الفرض، وعندنا: لا بأس به في الأحوال كلها. وقال أحمد: لا يكره بعد الزوال في النفل، ويكره في الفرض (٥). وقال مالك: يكره السواك الرطب بالغداة والعشي؛ لما فيه من تعريض الصوم على الفساد بسبب دخول الرطوبة (٦). ولكن ذكر في شرح الوجيز (٧): عند مالك لا يكره في المشهور عنه، وعندنا يكره بعد الزوال، وهو رواية عن أحمد؛ لما روي عن خباب أن النبي ﵊ قال: «إذا صُمتُم فاستاكوا [بالغداة ولا تستاكوا] (٨) بالعَشِيِّ،

стр. 1880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانت نورًا بين عينيه يوم القيامة (١). وعن علي ﵁ مرفوعًا مثل ذلك (٢)، ولأنه ﵇ قال: «لخلوف … » الحديث (٣). الخلوف: فوه تغيرت رائحته، خلوفًا بالضم لا غير؛ من حمد ودخل. وإنما قيد الشافعي بالعشي وهو بعد الزوال؛ لأن قبله يستحب عنده لتغير الفم بأثر الطعام قبله، فتستحب إزالته، أما بعد الزوال تغيره؛ لخلو المعدة، وذلك أثر العبادة مستطاب عند الله تعالى، فلا تستحب إزالته كما في دم الشهيد. ولنا: الأخبار الواردة وهي مطلقة، منها قوله ﵇: «خَيرُ خِلالِ الصائم … » الحديث (٤). ومنها قوله ﵇: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (٥). ومنها قوله ﵇: «نَظفوا أفواهكم بالسّواكِ فإنها طُرُقُ القرآن» (٦). ومنها ما أورده البخاري (٧) عن عامر بن ربيعة أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أعد ولا أحصي يستاك وهْوَ صائِمٌ. رواه أبو داود، والترمذي أيضًا.

стр. 1881

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ الأَخْضَرِ وَبَيْنَ المَبْلُولِ بِالمَاءِ لِمَا رَوَيْنَا. وما روي أنه ﵇ يستاك أول النهار وآخره وأوسطه (١). ولأن اللائق في حق العبادة الإخفاء، بخلاف دم الشهيد؛ فإنه أثر الظلم فيبقى عليه؛ ليكون شهيدًا له على خصمه يوم القيامة، أما الصوم بين العبد وربه فلا حاجة إلى الشاهد. كذا في المبسوط (٢). وفي شرح الإرشاد: السواك يزيد الخلوف ولا يزيله (٣). وفي الإيضاح: والمراد من الحديث: نفي كراهة المكالمة مع الصائم؛ لأن استبقاء الخلوف محبوب (٤). وفي جامع الإسبيجابي (٥): معنى الخبر: أن خلوفه أطيب من ريح المسك يوم القيامة كما يقال: من عمل حسنة فله كرامة يوم القيامة عند الله تعالى؛ يراد الكرامة يوم القيامة. والدليل عليه: ما روي في خبر آخر أنه ﵇ قال: «لا يعرف الصائمون يوم القيامة إلا بريح أفواههم» (٦). وما روي من حديث خباب شاذ، فلا يترك المشهور به، ولا يفيده أيضًا، خصوصا فيما تعم به البلوى. وقوله: (ولا فرق … ) إلى آخره؛ لنفي قول أبي يوسف كما ذكرنا. (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «خير خلال الصائم … » الحديث (٧).

стр. 1882

فَصْلٌ: [أَحْكَامُ المَرِيض والمُسَافِر فِي الصِّيَام] وفي المُجْتَبَى: في جمع التفاريق: ولا بأس للصائم بالاستنقاع والاغتسال، وصب الماء على رأسه، وأن يبل الثوب فيلفف به (١). وعن أبي حنيفة: يكره (٢). ويكره أن يتمضمض ويستنشق لغير وضوء، ويكره المبالغة فيهما للصائم، والمبالغة: أن يكثر إمساك الماء في فمه ويملأ فمه، فأما الغرغرة فليست منها؛ لأنه إذا غرغر انسد منفذ الماء فلا يصل إلى حلقه. ولكن ذكر في جامع قاضي خان: المبالغة في المضمضة: الغرغرة، وفي الاستنشاق: أن يأخذ الماء بمنخريه حتى يصعد الماء إلى ما انسد من الأنف (٣). وفي جامع شمس الأئمة: تأكل الحائض عند الناس؛ لأنه لا يلحقها تهمة. وقيل: تفطر سرا (٤). فصل ذكر فخر الإسلام: أن المرض لا يوجب إباحة الإفطار بنفسه؛ بل لعلة المشقة بإجماع عامة العلماء (٥). [وقال داود: يوجب الإباحة بنفسه؛ لظاهر الآية، وحكي عن ابن سيرين هكذا. وقلنا: الآية (٦)] محمولة على مرض يوجب المشقة بالصوم، بدليل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أما السفر يوجب الإباحة بنفسه؛ لأنه لا يخلو عن مشقة، بخلاف المرض؛ لأنه نوعان: ما يوجب المشقة، وما لا يوجبها، فوجب الفصل، فقلنا: كل مريض يضره

стр. 1883

(وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا فِي رَمَضَانَ فَخَافَ إِنْ صَامَ ازْدَادَ مَرَضُهُ أَفْطَرَ وَقَضَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُفْطِرُ، هُوَ يَعْتَبِرُ خَوْفَ الهَلَاكِ أَوْ فَوَاتَ العُضْوِ كَمَا يَعْتَبِرُ فِي التَّيَمُّمِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ زِيَادَةَ المَرَضِ وَامْتِدَادَهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى الهَلَاكِ فَيَجِبُ … . الصوم يوجب الإباحة، وما لا فلا، فكان خوف زيادة المرض مرخص للفطر، لخوف الهلاك. وذكر [الإمام] (١) المحبوبي: طريق معرفة ذلك إما باجتهاده أو بقول طبيب حاذق. ذكره في النصاب (٢). وقال القاضي: إسلامه شرط (٣). (وهو)؛ أي: الشافعي. (يعتبر [خوف] (٤) الهلاك)؛ يعني: لو لم يفطر يهلك. (أو فوات العضو)؛ بأن كان له رمد لو صام تذهب عينه. لكن ذكر في عامة كتبهم: أن الشرط: مرض لو صام زاد مرضه. وقد صرح في تتمتهم: المريض الذي لا يخاف الهلاك يباح له الفطر (٥). فحينئذ لا يبقى الخلاف. (لأنه)؛ أي المرض. (قد يَخِفُّ بالصوم)؛ كالزكام والهيضة وسائر الأمراض البلغمية، فشرط كون المرض مفضيا إلى الحرج. ولكن فخر الإسلام ذكر في أصوله: أن المعتبر حقيقة العجز، إلا في رواية الحسن، ويطلب هذا البحث بتمامه هناك. وفي المحيط (٦): لو زال المرض وبقي الضعف.

стр. 1884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال القاضي: لا يفطر؛ لأن المرض هو المبيح لا الضعف، ولو خاف أن يعود المرض؛ فإن الخوف ليس بشيء. وقيل: له الإفطار. وفي جامع التمرتاشي: إذا ضعفت الأمة في الطبخ والخبز والغسل للخدمة؛ لها الإفطار وقضت، ولها أن لا تمتثل أمر مولاها إذا حجزها ذلك عن الفرائض (١). وفي النصاب: وكذا لو ذهب به موكل السلطان للعمارة فاشتد الحر يأكل حصاة أو مثلها ثم يفطر (٢). ولو خاف إن صام يضعف فيصلي قاعدًا؛ عن محمد: يصوم ويصلي قاعدًا (٣). وعن نجم الأئمة البخاري: من اشتد مرضه كره صومه (٤). وعن أبي حنيفة: ما يبيح الصلاة قاعدًا يبيح الفطر (٥). ولو خاف نقصان العقل أو زيادة المرض يفطر، ولو أتعب نفسه في عمل حتى أجهده العطش فأفطر كَفَّر؛ لأنه ليس بمريض ولا بمسافر. وقيل: بخلافه، وبه قال البقالي (٦). وقال مالك في الموطا: من أجهده الصوم أفطر وقضى ولا كفارة عليه (٧). ولو يعلم الغازي يقينًا أنه يقاتل العدو وخاف الضعف؛ يفطر قبل الحرب. قال الصدر الشهيد: أصابه الحمى لا بأس به؛ لأن الغالب كالكائن (٨).

стр. 1885

الاحْتِرَازُ عَنْهُ (وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا لَا يَسْتَضِرُّ بِالصَّوْمِ فَصَوْمُهُ أَفْضَلُ، وَإِنْ أَفْطَرَ جَازَ) وللملدوغ شرب الدواء إذا قيل أنه ينفعه. قوله: (لَا يَسْتَضِرُّ بِالصَّوْمِ … ) إلى آخره: ثم اعلم: أن في الصوم [في السفر فصول؛ أحدها: أن الصوم في السفر] (١) يجوز في قول جمهور الصحابة، وجمهور العلماء (٢). وقال أصحاب الظاهر: لا يجوز (٣)، وهو مروي عن ابن عمر وأبي هريرة. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فصار هذا الوقت في حقه كالشهر في حق المقيم، فلا يجوز الأداء قبله، وبقوله ﵇: «ليسَ مِنْ البِرِّ الصيام في السفر» (٤)، وبقوله ﵇: «الصائم في السفر كالمُفطر في الحَضَرِ» (٥). وقلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية؛ تعم المقيم والمسافر، ثم قوله: (٦) ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] لبيان الترخيص، فينبغي وجوب الأداء لا الجواز، ولأن الإفطار لو كان لازما في السفر لزالت فائدة قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ إذ تدل على تخيير المسافر في الصوم والفطر؛ حسب ما يتيسر عليه من الصوم والفطر. قال ابن عباس: اليسر في الآية: التخيير، قاله الرازي في أحكام القرآن (٧).

стр. 1886

لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْ المَشَقَّةِ، فَجُعِلَ نَفْسُهُ عُذْرًا، بِخِلَافِ المَرَضِ فَإِنَّهُ قَدْ يُخَفَّفُ بِالصَّوْمِ، فَشُرِطَ كَوْنُهُ مُفْضِيًا إِلَى الحَرَج. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ﵀: الفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنْ البِرِّ الصِّيَامُ فِي وروت عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني أسافر في رمضان وأصوم، قال: «صُمْ إِنْ شِئْتَ». رواه البخاري في صحيحه (١). وتأويل حديثهم: أنه كان يجهده الصوم، على ما روي أنه ﵇ مرّ على مغشي عليه، وقد اجتمع الناس عليه، فسأل عن حاله، فقيل: إنه صائم، فقال: «ليسَ مِنَ البر … » الحديث. وأما الحديث الآخر؛ قيل: إنه منقطع، وإن صح؛ فمعناه: إذا لم يعتقد رخصة، فالمعتقد لوجوب الصوم في السفر؛ كالمعتقد لجواز الفطر في الحضر. كذا في تتمتهم (٢). فإن قيل: هذه الأحاديث تدل على مجرد الصوم، وليس فيها أنه كان من رمضان، فيجوز أن يكون نذرًا أو كفارة أو تطوعًا ونحوها، ونحن لا نمنع ذلك؛ [بل] (٣) نمنع الصوم عن رمضان، ولأن فيها مجرد الفعل، وهو لا يتضمن الإجزاء ولا سقوط القضاء. قلنا: لا يجوز في رمضان صوم النذر والكفارة والتطوع. وفيه تأمل؛ لأن على قول أبي حنيفة: يجوز للمسافر، وإطلاق الصوم في رمضان لا يفهم منه صوم غيره؛ إذ ذلك لا يتحقق إلا من أفراد الناس على وجه الندرة، ولا يحمل [على] (٤) ذلك إلا بدليل. كذا قيل. ولأن تحمل الكلفة والمشقة العظيمة في شدة حر الحجاز مع وعثاء السفر؛ ما كان لأجل القضاء والنذر والتطوع؛ لعدم تعيين وقتهما.

стр. 1887

السَّفَرِ، وَلَنَا: أَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الوَقْتَيْنِ فَكَانَ الأَدَاءُ فِيهِ أَوْلَى، وَمَا رَوَاهُ والثاني: إن إنشاء السفر في رمضان لا بأس به. وعند أصحاب الظاهر: يستديم على السفر ولا ينشئه؛ لما روي عن علي وابن عباس: الترخيص لمن أهل الهلال وهو مسافر، لا للمنشئ. ولنا: ما روى أبو هريرة وجابر: أن النبي ﵊ خرج من المدينة إلى مكة في رمضان، حتى إذا أتى قديدًا وهو اسم موضع - فشك الناس إليه فأفطر، ثم لم يزل مفطرا حتى دخل مكة، فيجوز الصوم وتركه في السفر بفعله. وعن أنس أنه قال: سافرنا مع النبي ﵇، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم ينكر المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر. وعن أبي سعيد الخدري مثله، والحديث في الصحيحين. والثالث: أن الصوم في السفر أفضل عندنا من الفطر؛ لمن لا يستضره الصوم، وبه قال مالك (١). وقال الشافعي: الفطر أفضل؛ لأن ظاهر قوله ﵇: «ليسَ مِنَ البِرِّ» الحديث يدل على نفي الجواز، لكن ترك في حق الجواز (٢)؛ لما روي، فيبقى معتبرًا في حق الأفضلية، وقاسه على الصلاة، بأن الاقتصار على الركعتين أفضل من الإتمام؛ إذ السفر يؤثر فيهما، قال ﵇: «إن الله تعالى وضع شطر الصلاة والصومِ عَنِ المُسافِرِ» (٣). ولكن ذكر في عامة كتبهم: أن عنده الصوم أفضل إذا لم يجهده (٤)، كمذهبنا.

стр. 1888

مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الجَهْدِ (وَإِذَا مَاتَ المَرِيضُ أَوْ المُسَافِرُ وَهُمَا عَلَى حَالِهِمَا لَمْ وفي الحلية (١): وقال أحمد (٢)، والأوزاعي: إن الفطر أفضل. وفي المغني: عند ابن حنبل: الصوم في السفر مكروه (٣). وكأن ما ذكرنا في المباسيط والمنظومة مخالفًا لكتبهم. قال النواوي: ذكر الخراسانيون قولًا شاذًا ضعيفًا؛ إن الفطر أفضل، مخرجًا من القصر، وليس كذلك؛ لأن في القصر تحصل الرخصة مع براءة الذمة، وهاهنا لا إذا أخذ بالرخصة، ولعله يعجز عن القضاء (٤). ولنا: أن رمضان أفضل [الوقتين] (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: ولا يشكل أنه أفضل الوقتين؛ ألا ترى أن عدة من أيام آخر كالحلف في رمضان، والحلف لا يساوي الأصل بحال، والنبي ﵇ اختار لنفسه الصوم، ثم ذكر الرخصة عند شكواهم الجهد، كما روينا من حديث أبي هريرة، فدل أن الصوم أفضل (٦). وفي المبسوط: الصوم عزيمة والفطر رخصة، والأخذ بالعزيمة أولى (٧). ولأن هذه الرخصة لدفع الحرج، وربما يكون الحرج في الفطر في حقه أكثر؛ لأنه يحتاج إلى القضاء وحده، بخلاف الصلاة؛ لأن شطرها سقط أصلا، حتى لا يلزمه القضاء. (حالة الجهد)؛ أي: المشقة، كما ذكرنا. والجهد - بفتح الجيم -: المشقة، وبضمها: الطاقة. وفي الإيضاح: الرمضان أفضل الوقتين، قال ﵇: «من فاته صوم

стр. 1889

يَلْزَمُهُمَا القَضَاءُ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يُدْرِكَا عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (وَلَوْ صَحَّ المَرِيضُ وَأَقَامَ المُسَافِرُ ثُمَّ مَاتَا لَزِمَهُمَا القَضَاءُ بِقَدْرِ الصِّحَّةِ وَالإِقَامَةِ) لِوُجُودِ الإِدْرَاكِ بِهَذَا المِقْدَارِ. وَفَائِدَتُهُ: وُجُوبُ الوَصِيَّةِ بِالإِطْعَامِ. يوم من رمضان … » الحديث (١)، فوقع التعارض بين الخبرين، فوجب الجمع، فيحمل على ما رواه على حالة المشقة، وما روينا على ما إذا لم يلحقه مشقة؛ ولهذا يكره الصوم في السفر لمن أجهده بالإجماع (٢). وفي شرح الإرشاد: الصوم فيه أفضل (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ثم يباح للمسافر الإفطار بالأكل والجماع عند الجمهور. وقال أحمد: لا يباح إلا بالأكل، حتى لو جامع تجب الكفارة عنده؛ لأن شرعية الفطر لليسر، ولا يسر في الجماع (٤). ولنا: ما روينا من إطلاق الآية والأحاديث. (لم يدركا عدة من أيام): فيبقى التأخير ما بقي العذر، وإذا بقي العذر لم يدركا وقت وجوب الأداء، ولأنهما [لما] (٥) كانا عذرين في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج؛ فلأن يكونا عذرين في سقوط وجوب القضاء أولى. كذا في المبسوط (٦). وبقولنا: قال عامة العلماء، والأئمة الثلاثة (٧)، إلا ما حكي عن طاووس وقتادة: أنه يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكينًا.

стр. 1890

وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِيهِ. وفي النهاية: وجوب القضاء يستدعي وجوب الأداء، فإن بنفس الوجوب لا يتوجه القضاء عند فوته؛ ألا ترى أن من مات بعد ما مضى أول وقت الصلاة قدر ما يتمكن من الأداء لا إثم عليه، فكذلك هاهنا لما لم يخاطب [بالأداء بأدائنا قائمين؛ لم يخاطب] (١) بالقضاء (٢). وفيه نوع تأمل، ويعرف هذا البحث بتمامه في الأصول، في مسألة: النائم والمغمى عليه. (وذكر الطحاوي فيه)؛ أي: في وجوب الوصية بالإطعام عن الباقي خلافًا، فقال: عندهما: إذا صح يومًا يلزمه قضاء الجميع، فيلزمه الوصية عما لا يصح، وعند محمد: وما قصد على قضائه يجب الوصية به عنه بالاتفاق إن لم يصم (٣). وفي المبسوط: هذا الاختلاف وهم من الطحاوي؛ بل الخلاف في النذر؛ وهو أن المريض في رجب مثلا نذر أن يصوم شعبان، فدخل شعبان وهو صحيح ومضى، أو يومان ولم يصم، ثم مات بعد يوم؛ يلزمه أن يوصي بالإطعام [عن جميع الشهر عندهما. وعند محمد بقدر ما صح، وقاسه على إيجاب الشرع، وقالا: إن النذر سبب، وليس] (٤) للمريض ذمة صحيحة في التزام أداء الصوم حتى يبرأ، فعند البرء يصير كالمحدد للنذر (٥). والصحيح: إذا نذر صوم شهر ثم مات بعد يوم يلزمه أن يوصي بالكل؛ لأنه وجب في ذمته ولا مانع، فيجب تفريغ ذمته بالحلف وهو الفدية إذا عجز، أما هاهنا الموجب للأداء إدراك عدة من أيام آخر؛ فيلزمه القضاء بقدره. كذا في المبسوط (٦).

стр. 1891

خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحِ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِي النَّذْرِ. وَالفَرْقُ لَهُمَا: أَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ فَيَظْهَرُ الوُجُوبُ فِي حَقِّ الخُلْفِ (*)، وَفِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ السَّبَبُ إِدْرَاكُ العِدَّةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ. (وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَهُ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَهُ) لِإِطْلَاقِ النَّصّ، … ... … ... … ... . وفي الإيضاح: أما في صوم رمضان فنفس الوجوب موصل إلى نفس الوجوب الذي يتعقبه الأداء، والأداء موصل إلى حين القدرة، فيقدر ما يقدر بظهر الوجوب، وفيه تأمل. وقيل: هذا الاختلاف غلط، وإنما نقل الطحاوي وجوب النذر. (وفي هذه المسألة: السبب)؛ أي: السبب الموجب للأداء. ذكره في المبسوط (١). قيل: هذا لا يصح؛ لأن سبب وجوب القضاء ما هو سبب وجوب الأداء عند المحققين. وفي جامع الإسبيجابي: الخلاف في المريض والمسافر إذا لم يصوما أيام الصحة والإقامة؛ لأنه ليس بعض الأيام بوجوب فديتها أولى من البعض، أما إذا صاماها لا يلزمهما شيء عندهما جميعًا (٢). قوله: (إن شاء فرقه) [إلى آخره] (٣): وهذا قول الأئمة الأربعة (٤) وأكثر العلماء؛ لكنهم يستحبون التتابع. وقال داود وأهل الظاهر: يجب متتابعا (٥)، فتقيد القراءة المشهورة به كما قيدت القراءة المشهورة في كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود: ثلاثة أيام متتابعات.

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن علي: أنه كان يكره قضاء رمضان في عشر ذي الحجة. فقيل: لأنه كان يوجب التتابع، وربما يزيد القضاء على التسع. وعن أبي هريرة أنه ﵊ قال: «مَنْ كانَ عليه صوم رمضان فلْيَسْرِدْهُ ولا يَقْطَعُهُ». ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وما روى جابر أن رجلا سأل النبي ﵇ عن تفريق قضاء رمضان، فقال ﵇: «ذاكَ إِلَيكَ» فقال: «أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضاه الدرهم والدرهمين ألم يكُن قضاء، فاللَّهُ أحقُّ أن يعفُو ويَغْفِرَ» (١)، وفي رواية الإيضاح: فالله أحق بالتجاوز (٢). وما روي أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: علي قضاء رمضان، فقال ﵇: «أحْصِ العَددَ وصُمْ كيفَ شِئْتَ» (٣). وأما قراءة (أُبيّ) لم تشتهر في السلف اشتهار قراءة ابن مسعود، فصارت بمنزلة خبر الواحد، فلا تجوز الزيادة بها، وقراءته كانت مشهورة إلى زمن أبي حنيفة، حتى كان سليمان بن الأعمش يقرأ ختمًا على قراءته، والزيادة بالمشهور جائزة، فكذا بقراءته، ولأنه ورد نص في قضاء رمضان، بخلاف قراءة (أُبيّ) كما روينا، فكانت قراءته منسوخة، فلا يجوز القراءة بها، بخلاف قراءة ابن مسعود. وعن عمر أن الصوم في الأيام العشر مندوب بالأثر، ونهى علي في حق من يعتاد صوم هذه الأيام تطوعًا، فلا ينبغي [له] (٤) أن يترك عادته ويقضي ما عليه في غير هذه الأيام. كذا في المبسوطين (٥).

стр. 1893

لَكِنَّ المُسْتَحَبَّ المُتَابَعَةُ مُسَارَعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الوَاجِبِ (وَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ صَامَ الثَّانِيَ) لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ (وَقَضَى الأَوَّلَ بَعْدَهُ) لِأَنَّهُ وَقْتُ القَضَاءِ (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ وُجُوبَ القَضَاءِ عَلَى التَّرَاخِي، حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ. وحديث أبي هريرة لم يذكره أحد من أصحاب الدواوين والثقات، ولو ثبت حمل الاستحباب. وقوله: (رمضان آخر): بالتنوين؛ لأن الألف والنون المزيدتان في غير الصفات شرط عدم انصرافه العلمية، وهاهنا وصفه بآخر نكرة دليل نكارته. قوله: (ولا فدية عليه): وبه قال المزني (١). وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): عليه لكل يوم مُدٌّ من الطعام. ولو أخر القضاء إلى الرمضان الثاني أثم عندهم. وهذا الخلاف إذا أخره بغير عذر، ومذهبهم مروي عن ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس مرفوعًا، ومذهبنا عن علي وابن مسعود. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة: أنها كانت تؤخر قضاء أيام الحيض إلى شعبان (٥)، فهذا منها بيان ما يُجَوِّز له التأخير، ولأن القضاء عنده يتوقف بما بين رمضانين بحديث عائشة، فكما أن لتأخير الأداء عن وقته خلف وهو القضاء، فكذا لتأخير القضاء. ولنا: ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وليس فيه توقيت، فالتوقيت يكون زيادة، وذا لا يجوز، ولأن الصوم عبادة مؤقتة، فقضاؤها لا يتوقف بما قبل مجيء وقت مثلها كسائر العبادات، وإنما كانت عائشة تختار القضاء في شعبان؛ لأن النبي ﷺ كان يحتاج إليها فيه؛ لأنه ﵇ كان يصوم شعبان كله، ولئن كان القضاء مؤقتًا فتأخير القضاء عن وقته لا

стр. 1894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يوجب الفدية، فكذا تأخير القضاء عن وقته. ثم الفدية تقوم مقام الصوم عند اليأس عنه كما في الشيخ الفاني، وبالتأخير لم يقع اليأس عن الصوم، والقضاء واجب عليه، فلا معنى لإيجاب الفدية، وكما لا يتضاعف القضاء بالتأخير فكذا لا ينضم القضاء إلى الفدية؛ لأن الانضمام في معنى التضعيف. كذا في المبسوط (١). والذي رواه الدارقطني عن ابن عمر (٢) وابن عباس مرفوعًا أنه ﵇ قال: «يُطعم عن كلِّ يومٍ مِسكينًا»؛ ضعفه الثقات، وقالوا: إنه موضوع. ثم اختلف في وجوب القضاء: فقال الكرخي، وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: على الفور، حتى لو تركه بغير عذر يأثم بتأخيره. والصحيح: أنه على التراخي، وبه قال الشافعي (٣)، ولكن عنده يستحب أن يقضي على الفور، وعندنا لم يكره التطوع لمن عليه القضاء، والمسألة مذكورة في الأصول. ولو أخر قضاء رمضان سنتين؛ فعند [الشافعي] (٤): تتعدد الكفارة في وجه اعتبارًا بالسنة الأولى. وفي وجه: لا تلزمه إلا فدية واحدة؛ لأن تأخيره عن وقت الأداء لا يوجب إلا فدية واحدة. كذا في تتمتهم (٥)، وهو قول مالك (٦)، وأحمد (٧).

стр. 1895

(وَالحَامِلُ وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَنَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَنَا وَقَضَتَا) دَفْعًا ثم من أفطر في رمضان بغير عذر؛ عصى وأثم ويعزره السلطان، ويلزمه قضاء يوم واحد عند عامة العلماء. وقال ربيعة: يلزمه القضاء اثني عشر يوما مكان يوم؛ لأنه تعالى أمر بصوم شهر من جملة السنة، والسنة اثني عشر شهرًا، فيلزمه بدل يوم اثني عشر يومًا. وعن ابن المسيب: أنه يلزمه صوم شهر؛ لأنه هتك حرمة الشهر. وعن بعض الزهاد: يلزمه صوم ألف يوم بدل يوم؛ لأن في رمضان ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، فإذا فوت صومًا منه؛ فعليه أن يصوم ألف يوم ليقوم مقامه. وعن ابن مسعود وعلي: لا يقضيه صيام الدهر كله. ولسنا نأخذ بشيء من هذا، والاعتماد على الآثار المشهورة كما روينا؛ لأنها آثار تلقتها العلماء بالقبول كذا في المبسوط (١)، وتتمتهم (٢). قوله: (وَالحَامِلُ وَالمُرْضِعُ): الواو بمعنى (أو)؛ لأن الحكم في كل واحد منهما ثابت على الانفراد، بدليل أنه ذكر في المبسوط: إذا خافت الحامل أو المرضع (٣)، ولم يقل: المرضعة؛ لأن المرضعة اسم لمن في حالة الإرضاع، لا المرضع، كالحائض. وفي الذخيرة: والمراد من المرضع الظئر هاهنا؛ لأنها إذا كانت أم الولد، وللولد أب؛ لا تفطر الأم؛ لأن الصوم واجب عليها والإرضاع غير واجب (٤). قال شيخي [العلامة] (٥): وينبغي أن يشترط أن يكون الأب موسرًا ويأخذ الولد ضرع غيرها، أما لو كان الأب معسرًا والولد لا يأخذ ضرع غير أمه فحينئذ يجب على أمه الإرضاع (٦).
следующие страницы →