← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحِ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِي النَّذْرِ. وَالفَرْقُ لَهُمَا: أَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ فَيَظْهَرُ الوُجُوبُ فِي حَقِّ الخُلْفِ (*)، وَفِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ السَّبَبُ إِدْرَاكُ العِدَّةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ. (وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَهُ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَهُ) لِإِطْلَاقِ النَّصّ، … ... … ... … ... . وفي الإيضاح: أما في صوم رمضان فنفس الوجوب موصل إلى نفس الوجوب الذي يتعقبه الأداء، والأداء موصل إلى حين القدرة، فيقدر ما يقدر بظهر الوجوب، وفيه تأمل. وقيل: هذا الاختلاف غلط، وإنما نقل الطحاوي وجوب النذر. (وفي هذه المسألة: السبب)؛ أي: السبب الموجب للأداء. ذكره في المبسوط (١). قيل: هذا لا يصح؛ لأن سبب وجوب القضاء ما هو سبب وجوب الأداء عند المحققين. وفي جامع الإسبيجابي: الخلاف في المريض والمسافر إذا لم يصوما أيام الصحة والإقامة؛ لأنه ليس بعض الأيام بوجوب فديتها أولى من البعض، أما إذا صاماها لا يلزمهما شيء عندهما جميعًا (٢). قوله: (إن شاء فرقه) [إلى آخره] (٣): وهذا قول الأئمة الأربعة (٤) وأكثر العلماء؛ لكنهم يستحبون التتابع. وقال داود وأهل الظاهر: يجب متتابعا (٥)، فتقيد القراءة المشهورة به كما قيدت القراءة المشهورة في كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود: ثلاثة أيام متتابعات.

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن علي: أنه كان يكره قضاء رمضان في عشر ذي الحجة. فقيل: لأنه كان يوجب التتابع، وربما يزيد القضاء على التسع. وعن أبي هريرة أنه ﵊ قال: «مَنْ كانَ عليه صوم رمضان فلْيَسْرِدْهُ ولا يَقْطَعُهُ». ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وما روى جابر أن رجلا سأل النبي ﵇ عن تفريق قضاء رمضان، فقال ﵇: «ذاكَ إِلَيكَ» فقال: «أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضاه الدرهم والدرهمين ألم يكُن قضاء، فاللَّهُ أحقُّ أن يعفُو ويَغْفِرَ» (١)، وفي رواية الإيضاح: فالله أحق بالتجاوز (٢). وما روي أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: علي قضاء رمضان، فقال ﵇: «أحْصِ العَددَ وصُمْ كيفَ شِئْتَ» (٣). وأما قراءة (أُبيّ) لم تشتهر في السلف اشتهار قراءة ابن مسعود، فصارت بمنزلة خبر الواحد، فلا تجوز الزيادة بها، وقراءته كانت مشهورة إلى زمن أبي حنيفة، حتى كان سليمان بن الأعمش يقرأ ختمًا على قراءته، والزيادة بالمشهور جائزة، فكذا بقراءته، ولأنه ورد نص في قضاء رمضان، بخلاف قراءة (أُبيّ) كما روينا، فكانت قراءته منسوخة، فلا يجوز القراءة بها، بخلاف قراءة ابن مسعود. وعن عمر أن الصوم في الأيام العشر مندوب بالأثر، ونهى علي في حق من يعتاد صوم هذه الأيام تطوعًا، فلا ينبغي [له] (٤) أن يترك عادته ويقضي ما عليه في غير هذه الأيام. كذا في المبسوطين (٥).

стр. 1893

لَكِنَّ المُسْتَحَبَّ المُتَابَعَةُ مُسَارَعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الوَاجِبِ (وَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ صَامَ الثَّانِيَ) لِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ (وَقَضَى الأَوَّلَ بَعْدَهُ) لِأَنَّهُ وَقْتُ القَضَاءِ (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ وُجُوبَ القَضَاءِ عَلَى التَّرَاخِي، حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ. وحديث أبي هريرة لم يذكره أحد من أصحاب الدواوين والثقات، ولو ثبت حمل الاستحباب. وقوله: (رمضان آخر): بالتنوين؛ لأن الألف والنون المزيدتان في غير الصفات شرط عدم انصرافه العلمية، وهاهنا وصفه بآخر نكرة دليل نكارته. قوله: (ولا فدية عليه): وبه قال المزني (١). وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): عليه لكل يوم مُدٌّ من الطعام. ولو أخر القضاء إلى الرمضان الثاني أثم عندهم. وهذا الخلاف إذا أخره بغير عذر، ومذهبهم مروي عن ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس مرفوعًا، ومذهبنا عن علي وابن مسعود. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة: أنها كانت تؤخر قضاء أيام الحيض إلى شعبان (٥)، فهذا منها بيان ما يُجَوِّز له التأخير، ولأن القضاء عنده يتوقف بما بين رمضانين بحديث عائشة، فكما أن لتأخير الأداء عن وقته خلف وهو القضاء، فكذا لتأخير القضاء. ولنا: ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وليس فيه توقيت، فالتوقيت يكون زيادة، وذا لا يجوز، ولأن الصوم عبادة مؤقتة، فقضاؤها لا يتوقف بما قبل مجيء وقت مثلها كسائر العبادات، وإنما كانت عائشة تختار القضاء في شعبان؛ لأن النبي ﷺ كان يحتاج إليها فيه؛ لأنه ﵇ كان يصوم شعبان كله، ولئن كان القضاء مؤقتًا فتأخير القضاء عن وقته لا

стр. 1894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يوجب الفدية، فكذا تأخير القضاء عن وقته. ثم الفدية تقوم مقام الصوم عند اليأس عنه كما في الشيخ الفاني، وبالتأخير لم يقع اليأس عن الصوم، والقضاء واجب عليه، فلا معنى لإيجاب الفدية، وكما لا يتضاعف القضاء بالتأخير فكذا لا ينضم القضاء إلى الفدية؛ لأن الانضمام في معنى التضعيف. كذا في المبسوط (١). والذي رواه الدارقطني عن ابن عمر (٢) وابن عباس مرفوعًا أنه ﵇ قال: «يُطعم عن كلِّ يومٍ مِسكينًا»؛ ضعفه الثقات، وقالوا: إنه موضوع. ثم اختلف في وجوب القضاء: فقال الكرخي، وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: على الفور، حتى لو تركه بغير عذر يأثم بتأخيره. والصحيح: أنه على التراخي، وبه قال الشافعي (٣)، ولكن عنده يستحب أن يقضي على الفور، وعندنا لم يكره التطوع لمن عليه القضاء، والمسألة مذكورة في الأصول. ولو أخر قضاء رمضان سنتين؛ فعند [الشافعي] (٤): تتعدد الكفارة في وجه اعتبارًا بالسنة الأولى. وفي وجه: لا تلزمه إلا فدية واحدة؛ لأن تأخيره عن وقت الأداء لا يوجب إلا فدية واحدة. كذا في تتمتهم (٥)، وهو قول مالك (٦)، وأحمد (٧).

стр. 1895

(وَالحَامِلُ وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَنَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَنَا وَقَضَتَا) دَفْعًا ثم من أفطر في رمضان بغير عذر؛ عصى وأثم ويعزره السلطان، ويلزمه قضاء يوم واحد عند عامة العلماء. وقال ربيعة: يلزمه القضاء اثني عشر يوما مكان يوم؛ لأنه تعالى أمر بصوم شهر من جملة السنة، والسنة اثني عشر شهرًا، فيلزمه بدل يوم اثني عشر يومًا. وعن ابن المسيب: أنه يلزمه صوم شهر؛ لأنه هتك حرمة الشهر. وعن بعض الزهاد: يلزمه صوم ألف يوم بدل يوم؛ لأن في رمضان ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، فإذا فوت صومًا منه؛ فعليه أن يصوم ألف يوم ليقوم مقامه. وعن ابن مسعود وعلي: لا يقضيه صيام الدهر كله. ولسنا نأخذ بشيء من هذا، والاعتماد على الآثار المشهورة كما روينا؛ لأنها آثار تلقتها العلماء بالقبول كذا في المبسوط (١)، وتتمتهم (٢). قوله: (وَالحَامِلُ وَالمُرْضِعُ): الواو بمعنى (أو)؛ لأن الحكم في كل واحد منهما ثابت على الانفراد، بدليل أنه ذكر في المبسوط: إذا خافت الحامل أو المرضع (٣)، ولم يقل: المرضعة؛ لأن المرضعة اسم لمن في حالة الإرضاع، لا المرضع، كالحائض. وفي الذخيرة: والمراد من المرضع الظئر هاهنا؛ لأنها إذا كانت أم الولد، وللولد أب؛ لا تفطر الأم؛ لأن الصوم واجب عليها والإرضاع غير واجب (٤). قال شيخي [العلامة] (٥): وينبغي أن يشترط أن يكون الأب موسرًا ويأخذ الولد ضرع غيرها، أما لو كان الأب معسرًا والولد لا يأخذ ضرع غير أمه فحينئذ يجب على أمه الإرضاع (٦).

стр. 1896

لِلْحَرَجِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ إِفْطَارٌ بِعُذْرِ (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيمَا إِذَا خَافَتْ عَلَى الوَلَدِ، قوله: (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا): إنما ذكر هذا لدفع شبهة؛ وهي أنه يتصور بصورة من تجب عليه الكفارة إذا كان إفطارها لأجل الولد؛ لأنه إفطار من غير عذر في نفسهما؛ بل لمعنى في غيرهما، فصار كالإفطار في رمضان بسبب التماس المضيف وغيره. وفي المبسوط: لو أكره على شرب الخمر، أو أكل الميتة بقتل أبيه أو ابنه؛ لم يسعه الشرب والأكل؛ لانعدام الضرورة؛ ألا ترى أن هذا بمنزلة التهديد بالحبس في حقه، فعلى هذا لا يجوز الإفطار بسبب خوف هلاك ابنه في الإكراه؛ لأنه بمنزلة التهديد بالحبس، وفي التهديد بالحبس لا يجوز الإفطار أصلا، فهذا الشبه يوجب أن تجب الكفارة (١). والفرق بين هذه المسألة ومسألة الإكراه في حق وجوبها: هو أن العذر في الإكراه جاء من قِبَل من ليس له الحق، فلا يعذر في سقوط الكفارة؛ لصيانة نفس غيره، بخلاف الحامل والمرضع، كما في صلاة المقيد والمريض، ولأنهما مأمورتان بصيانة الولد قصدًا، وهو لا يتأتى بدون الإفطار عند الخوف، فكانتا مأمورتين بالإفطار، والأمر به مع وجوب الكفارة لا يجتمعان، بخلاف فصل الإكراه، فإن المكره غير مأمور قصدًا بصيانة غيره؛ بل إنشاء الأمر هناك من ضرورة القتل، والحكم تتفاوت بالأمر القصدي والضمني. كذا في النهاية (٢). (خلافًا للشافعي): له في وجوب الفدية ثلاثة أقوال: في قول: لا تجب، واختاره المزني، وهو قولنا، ومالك في رواية (٣). وفي قول: يجب على المرضع دون الحامل، وهو إحدى الروايتين عنه. وفي قول: تجب عليهما، وهو أصح أقواله (٤).

стр. 1897

هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالشَّيْخِ الفَانِي وقول محمد: لكل يوم مد من الطعام مع القضاء. وذكر القاضي حسن من أصحابه: الحامل والمرضع لو أفطرتا لسفر أو مرض لا فدية عليهما، وإن أفطرتا لأجل الولد؛ فعليهما الفدية، وإن لم يكن لهما نية؛ [ففيه وجهان؛ بناء على أن المسافر إذا أفطر بلا قصد الترخص؛ ففي وجوب الكفارة عليه قولان، وفيما ذكره نظر؛ لأن مع السفر والمرض لا يختلف الحال مع القصد وعدمه.] (١) كذا في الحلية (٢). وعن أحمد: من الحنطة مُدُّ، ومن الشعير والتمر مُدّان (٣). وجه فرقه بين الحامل والمرضع: أن الحامل تشبه المريضة؛ لما أن الحمل متصل بها فصارت كالمريض. وجه الأصح: ما روي عن ابن عمر أنه قال: الحامل إذا خافت على ولدها تفطر وتطعم لكل يوم مسكينًا مدا من حنطة، ولأن بفطرها ارتفق شخصان: هي والولد، فوجب به المال مع القضاء كالفطر بالجماع. كذا في تتمتهم (٤). (هو)؛ أي: الشافعي. (يعتبره)؛ أي: الفطر لأجل الولد. (بالشيخ الفاني): ووجه الاعتبار: أن الفطر حصل بسبب نفس عاجزة عن الصوم خلقة لا علة، فيوجب الفدية كفطر الشيخ الفاني، ولأن بالنظر إلى منفعة نفسها في الفطر يجب القضاء، وباعتبار منفعة ولدها يجب الفدية. ولنا: أن هذه مفطرة يرجى لها القضاء، فلا يلزمها الفدية كالمريض والمسافر؛ وهذا لأن الفدية مشروعة خلفًا عن الصوم، والجمع بين الخلف والأصل لا يجوز، وهي خلف غير معقول؛ بل ثابت بالنص في حق من لا يطيق الصوم، فلا يمكن إيجابها في حق من يطيق.

стр. 1898

وَلَنَا: أَنَّ الفِدْيَةَ بِخِلَافِ القِيَاسِ فِي الشَّيْخِ الفَانِي، وَالفِطْرَ بِسَبَبِ الوَلَدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ بَعْدَ الوُجُوبِ، وَالوَلَدُ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ أَصْلًا. ولا يجوز أن يجب باعتبار الولد؛ لأنه لا صوم على الولد، فكيف يجب ما هو خلف عنه؟، ولأنه لا يجب في مال الولد، ولو كانت باعتباره لوجبت في ماله كنفقته، ولا يتضاعف [بتعدد] (١) الولد، إلا أن عنده يتضاعف [بتعدد الولد] (٢) في وجه ذكره في تتمتهم (٣). ومذهبنا مروي عن علي وابن عباس، والمروي عن ابن عمر الفدية دون القضاء، والجمع بينهما لم يشتهر عن أحد من الصحابة. كذا في المبسوط (٤). وذكر الصدر الشهيد في شرح الكافي: ولأن الفدية لو وجبت [إنما وجبت] (٥) جبرًا وزجرًا (٦)، ولا وجه إلى الأول؛ لأنه حصل بالقضاء، ولا إلى الثاني؛ لأنهما مأمورتان بالإفطار. وعن أبي علي النسفي: والعجب من الشافعي أنه أوجب القضاء والفدية في هذه المسألة، ولم يوجب الكفارة في الأكل والشرب. (أن الفدية بخلاف القياس؛ لأنها تشبيع والصوم تجويع (٧)، وتمامه مذكور في الأصول. (ليس في معناه)؛ أي: المفطر بسبب الولد وهو الحامل أو المرضع عاجز بعد وجوب الصوم [عليه]) (٨)؛ ولهذا لو تحمل المشقة وصام؛ يكون مؤديا بالإجماع، فكانت شرعية الفدية فيه باعتبار عدم قدرته على الصوم، فلا يمكن

стр. 1899

(وَالشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَمَا إلحاق من يقدر بثمن بمن لا يقدر؛ إذ الضمير في (لأنه راجع إلى الشيخ)؛ يعني: أنه عاجز بعد وجوبه عليه؛ لتوجه الخطاب عليه، فيصار إلى خلفه وهو الفدية، أما الولد لا وجوب عليه أصلا، فكيف يصار إلى الخلف بدون الأصل؟. قوله: (والشيخ الفاني): سماه شيخا فانيا؛ إما لقربه [في] (١) الفناء، أو لأن [قوته] (٢) فنيت. وفي جامع البرهاني: تفسيره: أن يعجز عن الأداء ولا يرجى له عود القوة، ويكون مآله الموت بسبب الهرم (٣). وعن مالك (٤)، والشافعي في قول (٥)، وأبي ثور: لا تجب عليه الفدية. وعن مالك استحبابها، وفي وجوبها عنه روايتان. وقال الكرخي من أصحابه: الصواب: أنه لا تجب الفدية عليه؛ لأنه عجز لا يزول عادة، فمنع الوجوب وترك غير الوجوب لا يوجب الضمان. وعندنا، والشافعي في أصح قوليه (٦)، وأحمد: يجب الفدية عليه نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير. وعند أحمد: من التمر والشعير نصف صاع أيضا. وعندهما: الفدية مقدرة بالمد من الطعام عند الشافعي، وعند أحمد مدان من البر، ومن الشعير والتمر نصف صاع عنده (٧). ولنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] نزلت في الشيخ الفاني؛ أي: الذين لا يطيقونه، وقد جاء حذف (لا) كثيرا، قال الله تعالى:

стр. 1900

يُطْعِمُ فِي الكَفَّارَاتِ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا يُطِيقُونَهُ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ … ... … ... … ... ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي: لا تضلوا، ولا تميد؛ فإن من عادة العرب الاختصار إذا كان المحذوف مما لا يخفى. وقرأ ابن عباس وعائشة يطيقونه: فلا يطيقونه فدية؛ معناه: يكلفون الصوم ولا يطيقونه. رواه البخاري في صحيحه (١). وفي الإيضاح: أجمع السلف أن المراد بالآية: الشيخ الفاني (٢). وفيه تأمل؛ لأنه روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الآية في حق الحامل والمرضع، وهذا البحث بتمامه مذكور في بيان الوصول. ولأن بشهود الشهر يجب الصوم بالإجماع بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولا يخلو من أن يجب على المطيق أو على [العاجز] (٣)، ومحال أن يجب عليه؛ لعدم التكليف بما ليس في الوسع، فتعين الوجوب على المطيق، فتعينت آية الفدية له؛ لأنه لا يجوز أن تثبت الرخصة في حق القادر، والتغليظ في حق العاجز. وفي المبسوط: لزمه الصوم بشهود الشهر، حتى لو تحمل المشقة وصام؛ [كان] (٤) مؤدّيًا للفرض، إنما يباح له الفطر للحرج، وعذره ليس بعرض الزوال حتى يصار إلى القضاء، فوجبت الفدية، كمن مات وعليه الصوم (٥). يوضحه: أن وجوب الصوم لا باعتبار عينه؛ بل باعتبار خلفه، كالكفارة تجب على العبد لا باعتبار المال؛ بل باعتبار خلفه وهو الصوم. (ولو قدر)؛ أي: الشيخ الفاني الذي فدى عن الصوم.

стр. 1901

يَبْطُلُ حُكْمُ الفِدَاءِ، لِأَنَّ شَرْطَ الخَلَفِيَّةِ اسْتِمْرَارُ العَجْزِ. (يبطل حكم الفداء): وصار كأنه لم يَفْدِ، ويجب عليه الصوم كالآيسة إذا اعتدت بالأشهر ثم حاضت؛ يبطل حكم اعتدادها بالشهور؛ لأن شرط جواز البدل في هذين الفصلين معلّق بعجز مقدر بالعمر، فإن الفداء مقدّر بعجز العمر لما ذكرنا؛ ولهذا أوجب على المريض عدة من أيام أُخر، وكذا الاعتداد بالأشهر باليأس، وإنما جوزنا قبل وجود الشرط؛ على تقدير أن العجز يمتد إلى آخر العمر، أما المتيمم إذا وجد الماء بعد خروج الوقت لا يعيد الصلاة؛ لأن جواز التيمم حال عدم الماء مطلقا، ولم يقدر العدم [بمقدار] (١). والمعنى فيه: أنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف، [فيبطل حكم الخلف، أما لو قدر عليه بعد حصول المقصود بالخلف] (٢) لا يبطل حكم الخلف، كمن كفّر بالصوم ثم وجد ما يعتق؛ فإن الوجود لا يظهر في حق ما حصل الفراغ عنه. ذكره في مختلفات المغني (٣). وعن [العلامة] (٤) مولانا حميد الدين: الشيء يجوز أن لا يكون مانعًا ويكون رافعًا كالشيخ الفاني، وكان يستدل برجل له أمة تزوّجت بغير إذنه، يتوقف النكاح على إجازته. ولو باعها ممن يحل له وطئها يبطل النكاح، وإن أجاز المشتري لاعتراض استباحة بأنه على استباحة موقوفة، وهذه الاستباحة كانت مقارنة للانعقاد، ولم يمنع منه شيء وهي رافعة كما ترى، وفيه نوع تأمل. وفي الْمُجْتَبى (٥): إذا وجب عليه الإطعام، فلو أعطى مسكينًا واحدًا صاعا من بر من يومين. عن أبي حنيفة: لا يجزئه.

стр. 1902

(وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَأَوْصَى بِهِ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِكُلِّ يَوْمِ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ شَعِيرِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الأَدَاءِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وعن محمد: يجزئه. وعن أبي يوسف روايتان. ذكر قولهما في كتاب الأيمان فيمن عليه كفارتي يمين، فأطعم عشرة مساكين عنهما، لكل مسكين صاعًا من حنطة؛ لم يجزه إلا عن واحدة عنده. وعند محمد: أجزأه عنهما، وعن أبي [يوسف] (١) روايتان (٢). ولو غداهم وعشاهم هاهنا لم يُجْزِهِ؛ لأن الفدية تغني عن التمليك، والإباحة ليست بتمليك. وقول المصنف: (ويطعم لكل يوم مسكينًا كما يطعم في الكفارات): على إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وهو خلاف ما ذكره الحسن في كتاب الصوم (٣). ولو مات الشيخ الفاني بعد ما أكل في رمضان، قبل أن يدرك عدة من أيام أخر: قال أبو بكر: يلزمه أن يوصي بالإطعام عنه، بخلاف المريض والمسافر؛ لرجائهما إدراك تلك العدة، واليأس متحقق للفاني، وهذا يدل على أنه يطعم في كل يوم يفطر فيه، ولا ينتظر مضي الشهر كالشيخ الفاني (٤). فإن قيل: الفدية فيه تثبت بخلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره. قلنا: تثبت بطريق الدلالة لا بطريق القياس؛ لأنه في معناه من كل وجه، فإن الكلام في مريض عليه قضاء رمضان وأدرك عدة من أيام أخر ولم يصم، ثم مرض واستمر مرضه إلى أن مات، فأوصى في مرضه ذلك. كذا نقل عن شيخ شيخي.

стр. 1903

فَصَارَ كَالشَّيْخِ الفَانِي، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الإِيصَاءِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ، وَعَلَى هَذَا الزَّكَاةُ، هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِدُيُونِ العِبَادِ، إِذْ كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ مَالِيٌّ تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ. (ثُمَّ لابد من الإيصاء عندنا) وبه قال مالك (١)، خلافًا للشافعي؛ فإنه قال في الجديد: يؤخذ من تركته، أوصى أو لم يوص، كالزكاة عنده (٢). ثم الإيصاء للزوم الأداء على الوارث عندنا، أما لو تبرع الوارث عنه بلا إيصاء يجوز عندنا. ذكره في الأوضح. وفي الْمُجْتَبى: إن أراد بالجواز أنها صدقة واقعة موقعها؛ فحسن، وإن أراد سقوط الواجب عنه بلا إيصاء منه بعد موته مصرًا على التقصير؛ فلا وجه له (٣). قوله: (وعلى هذا الزكاة)؛ يعني: من مات وعليه الزكاة ولم يؤد فأوصى بها؛ أدى عنه وليه. وعند الشافعي: لا يحتاج إلى الإيصاء، حتى للمصدق أن يأخذ صدقتها أوصى أو لم يوص. واحتج بقوله ﵇ في حديث الخثعمية: «أرأيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبيكِ دين»، وفي رواية: «على أخيك»، وفي رواية: «على أُمكِ دين أنقضيه عنها؟» قالت: نعم، قال: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ» (٤)، وقد شبه دين الله تعالى بدين العباد، وفي دين العباد يقضى من التركة بلا إيصاء، فكذلك دين الله تعالى؛ لأن الوارث قائم مقام المورّث في أداء ما تجري النيابة في أدائه. (وهو)؛ أي: الشافعي يعتبره بديون العباد. ولنا: قوله ﵇: «يقولُ ابْنُ آدمَ مالي مالي، وهَلْ لكَ من مالِكَ إِلَّا ما أَكَلْتَ فأفنَيْتَ، أو لبست فأبليت، أو تَصدّقت فأمضَيْتَ؟ وما سوى ذلك فمال الوارث»، وهذا يقتضي أن ما لم يُمضيه من الصدقة مال الوارث، وهذا لأن

стр. 1904

وَلَنَا: أَنَّهُ عِبَادَةٌ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الاخْتِيَارِ. وَذَلِكَ فِي الإِيصَاءِ دُونَ الوِرَاثَةِ لِأَنَّهَا حقوق الله تعالى مع حقوق العباد إذا اجتمعا في محل يقدم حق العباد لاحتياجهم، وغناء الله تعالى. ثم الواجب عليه فعل الإيتاء؛ لأن الابتلاء في الفعل لا في المال على ما عرف، وفعل الإيتاء لا يمكن إقامته إلا بالمال، بخلاف دين العباد؛ فإن المقصود فيها المال لا الفعل، فيقوم المال بعد موته مقام الذمة، والوارث لا يمكن أن يجعل نائبًا في أداء الزكاة؛ لأن الأداء عبادة، وهي لا تتحقق بلا نية وفعل من يجب عليه حقيقة أو حكما كما في الإيصاء. وأما خلافة الوارث في أداء بلا إيصاء، فتكون جبرا من غير اختيار من المورث، وبه لا تتأدى العبادة، إلا أن يكون أوصى، فحينئذ يكون بمعنى الوصية بسائر التبرعات ينفذ من الثلث، فيظهر الفرق بما ذكرنا بين دين الله تعالى ودين العباد إذا تأملت. كذا في المبسوط (١). وحديث الخثعمية محمول على أن أتاها أمرها به. وفي الأسرار: الواجب في ذمة من عليه فعل لا مال، فيبطل بموته، ولا يتعلق استيفاؤه بتركة قياسًا على ما لو مات وعليه صلاة؛ إذ التركة مال يصلح لاستيفاء المال منها، لا لاستيفاء الفعل؛ لعدم المجانسة والمشابهة بين الفعل والمال؛ ولهذا لو مات من عليه القصاص أو الحدود لم يستوف من تركته؛ لأنه لا ينؤمن. وإنما قلنا: إن الواجب فعل؛ لما ذكرنا أنها عبادة، وهي اسم لفعل، وأما سواها فلأن هذه أموال جعلت صلاة لمستحقيها، والملك في الصلاة لا يجب إلا بالتسليم، وكان التسليم فيها بمنزلة العقود في المعاوضات، كما في الهبة، بخلاف الديون التي هي أعواض؛ فإنها أموال مملوكة، كما لو كانت أعيانا؛ فإنها تملك بنفس السبب، فيتعلق استيفاؤها بالتركة، وعلى هذا خيار الشرط لا يورث عندنا ويورث عنده، فالخصم لم يفرّق بين الواجب مالا بنفسه،

стр. 1905

جَبْرِيَّةٌ، ثُمَّ هُوَ تَبَرُّعُ ابْتِدَاءً حَتَّى يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَالصَّلَاةُ كَالصَّوْمِ بِاسْتِحْسَانِ المَشَايِخِ، وَكُلُّ صَلَاةٍ تُعْتَبَرُ بِصَوْمِ يَوْمٍ هُوَ الصَّحِيحُ وبين الواجب مالا بناء على فعل لا وجوب له بدونه، فهذا سر المسألة. (ثم هو)؛ أي: الإيصاء. (يعتبر من الثلث): وعند الشافعي: من جميع المال بدون الإيصاء؛ لما أن عنده دين متعلق بتركته (١)، وبقوله: قال أحمد (٢)، وبقولنا: قال مالك (٣). وقلنا: الزكاة فعل والمال انتهاء، وقد سقطت الأفعال بالموت؛ لأنها لا تجب على الوارث لو لم يوص بها، فكانت الوصية بأدائها تبرعا، بخلاف دين العباد، فإنه لا يسقط به؛ لأن المقصود ثمة المال لا الفعل، حتى لو ظفر الغريم بجنس حقه؛ [له] (٤) أن يأخذه، فإذا كان لا يسقط به، وكذلك الفدية تبرع ابتداء؛ بدليل أنه لو لم يوص لا يجب على الوارث، فصارت الوصية بالفدية كسائر الوصايا بالقرب، بخلاف الوصية بقضاء الدين، فإنه لو لم يوص يجب على الوارث قضاء الدين من التركة، فكان من جميع المال. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٥). قوله: (باستحسان المشايخ)؛ فإن النص الوارد بالفداء في الصوم غير معقول المعنى، فالقياس أن يقتصر عليه؛ لكن النص الوارد يجوز أن يكون معلولا بعلة مشتركة بينه وبين الصلاة، وإن كانت لا تدركه عقولنا، والصلاة نظير الصوم، بل أهم منه، فأمر المشايخ بالفداء فيها احتياطا، وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. قوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول محمد بن مقاتل؛ فإنه يقول أولا: يطعم عنه لصلاة كل يوم نصف صاع على قياس الصوم، ثم رجع فقال: كل

стр. 1906

(وَلَا يَصُومُ عَنْهُ الوَلِيُّ وَلَا يُصَلِّي) لِقَوْلِهِ ﷺ : صلاة فرض على حدة بمنزلة صوم، وهو الصحيح؛ لأنه أحوط (١). وقال صاحب التهذيب من أصحاب الشافعي: يطعم عن كل صلاة مُدًّا (٢). قوله: (ولا يصوم عنه الولي … ) [إلى آخره] (٣) قال الشافعي في القديم: يصوم ويصلي عنه الولي؛ يعني: لو فعل يجوز، وهو قول الزهري، وأبو ثور [ومالك] (٤). وقال أحمد: إن كان صوم نذر يصوم عنه؛ بل كل من صام عنه غير الولي يجوز، وإن كان قضاء رمضان يطعم عنه (٥). وقال [الشافعي] (٦) في الجديد مثل قولنا (٧). وقال مالك: إنه يطعم عنه، وهو أصح قوليه (٨). له: ما روي عن عائشة ﵄ أنه ﵊ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٩)، وحديث الخثعمية. ولنا: حديث ابن عمر مرفوعًا [وموقوفا] (١٠) أنه قال: «من مات وعليه صوم فليطعم عنه وليه مكان كل يوم مسكينا» (١١).

стр. 1907

«لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ». (وَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَضَاهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وفي رواية: «يُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ» (١). وعن ابن عباس أنه ﵇ قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يُطعم عنه». رواه النسائي (٢)، وروى ابن ماجه حديث ابن عمر، إسناده حسن. قاله القرطبي. ولأن المقصود من عبادة الصوم وهو قهر النفس لا يحصل بفعل غيره، فلا تجزئ فيه النيابة كما في حالة الحياة. وحديث عائشة مطعون؛ لأنه [روي] (٣) أنها قالت: من مات وعليه صيام أطعم عنه وليه، وإن صح فتأويله؛ معنى قوله: «صام عنه وليه» (٤)؛ أي: فعل ما يقوم مقام الصوم من الإطعام، لكن إن أوصى. كذا في [المبسوط (٥) (٦) وشرح الكافي، والمجتبى (٧). وحديث الخثعمية يدل على القضاء وهو لا يتعين بالصوم، والحديث المذكور في الكتاب نص في الباب. قوله: (خلافًا للشافعي) فإنه قال: لا يلزمه الإتمام؛ بل يستحب، فلا يلزمه القضاء بإفساده (٨)، وبه قال أحمد (٩).

стр. 1908

لَهُ: أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالمُؤَدَّى فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ. وَلَنَا: أَنَّ المُؤَدَّى قُرْبَةٌ وَعَمَلٌ فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ بِالمُضِيِّ عَنْ الإِبْطَالِ، وَإِذَا وَجَبَ المُضِيُّ وَجَبَ القَضَاءُ بِتَرْكِهِ. ثُمَّ وقال مالك: يلزمه الإتمام، لكن لو أفسده بعذر كالسفر لا يلزمه القضاء في أحد الروايتين عنه (١)، وبه قال أبو ثور. وعندنا القضاء واجب بعد الإفساد، سواء كان بعذر أو لا، وبصنعه أو لا، حتى لو حاضت الصائمة تطوعًا يجب القضاء في أصح الروايتين، والكرخي يفتي بعدم القضاء. ولو أفطرت ثم حاضت يجب القضاء باتفاق الروايات، وكذا لو رأى المتيمم الماء في الصلاة يجب القضاء عليه، مع أن الخروج بغير صنعه. ثم هذه المسألة بيننا وبينه بناء على أصل؛ وهو الشروع، لا يباح له الإفطار عندنا، فيصير به جانيًا، فيلزمه القضاء، وعنده يباح له الإفطار بغير عذر، فلا يصير جانيًا فلا يلزمه القضاء. كذا في المبسوط (٢). (فلا يلزمه ما لم يتبرع به)؛ لقوله ﵇: «[الصائم] (٣) المتطوع أمير نفسه أو أمين نفسه، إن شاءَ صامَ وإن شاء أفطر» (٤). وعن أبي أمامة أنه ﵇ قال: «من صام تطوعا فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار» (٥)، وعن أم سلمة أنه ﵇ كان يصبح صائما وهو يريد الصوم، فيقول: «أعندكُمْ شيءٌ؟»، قالت: إن قلنا نعم، يفطر (٦)، ولو كان الإتمام يلزمه بالشروع؛ لما جاز له الإفطار.

стр. 1909

عِنْدَنَا لَا يُبَاحُ الإِفْطَارُ فِيهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا وَيُبَاحُ بِعُذْرِ، قوله: (في إحدى الروايتين): هذا مخالف لمبسوط شمس الأئمة؛ حيث قال فيه: ولا يباح الإفطار بغير عذر مطلقا (١)، وموافق لمبسوط شيخ الإسلام، والذخيرة؛ فإنه ذكر في الذخيرة: وأما الإفطار بغير عذر بشرط القضاء؛ [ذكر] (٢) في المنتقى عن أبي يوسف: أنه يحل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٣). وقال أبو بكر الرازي من أصحابنا: إنه لا يحل، والمتأخرون اختلفوا فيه (٤). فأما في الواجب والفرض لا يحل إلا بعذر؛ لما بينا؛ وهو أنه يجب صيانة المؤدى بالمضي عن الإبطال. وروي عن عائشة وحفصة قالتا: كنا صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا، فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فسألته حفصة عن ذلك؛ فقال ﵇: «اقضيا يوما مكانه». ذكره في الموطأ، والترمذي، والنسائي (٥)، وحديث ضيافة الأنصاري كما يجيء صريح أيضا. وفي مختلفات المغني: قدر ما باشر حصل قربة، وصار حقا لله تعالى، وما لم يباشره بقي في ملكه، فابتلينا بين إبطال حقه فيما لم يتبرع؛ كيلا يبطل حق الله تعالى فيما تبرع به، وبين إبطال حق الله تعالى مما تبرع به؛ كيلا يبطل حقه فيما بقي، فكان مراعاة حق الله تعالى أولى؛ لأن إبطال حق الغير لا يحل إلا بشرط الضمان من غير عذر، والتبرع بحقه جائز، وكان الميل إلى ما لا يحل

стр. 1910

وَالضَّيَافَةُ عُذْرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَفْطِرْ وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ». من غير عذر؛ أولى من الميل إلى ما لا يحل. ويفهم منه جواب قول الخصم، والمراد: بما روي قبل الشروع، أو فيما إذا كان بعذر، مع أن القرطبي قال: لا يصح هذا الحديث. وقال الترمذي: في إسناده مقال، وحديث ما بينه وبين نصف النهار فيه مقال، ولو ثبت؛ كان بيانًا لوقت صحة النية في الصوم والشروع فيه، أو قال: إن شاء أفطر ويقضي، كما جاء في غيره. قاله القرطبي في شرح الموطأ. وفي الْمُجْتَبى عن النسفي: نوى صوم القضاء بعد طلوع الفجر، حتى لم يصح عن القضاء، وصحّ عن التطوع، ثم أفطر يلزمه القضاء؛ لأنه كالمتطوع ابتداءً (١). قوله: (والضيافة عذر): [وفي المبسوط (٢)، والمجتبى (٣): والأظهر عن أبي حنيفة أن الضيافة عذر] (٤)، وهو رواية هشام عن محمد. وروى الحسن عن أبي حنيفة: لا يكون عذرًا؛ لقوله ﵇: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مُفطِرًا فليأكل، وإن كان صائمًا [فليصل] (٥) (٦)، أي: فليدع. وقوله ﵇: «إن أخوف ما أخافُ عليكم - أي: على أمتي - الشرك والشهوة الخفية»، قيل: أو تشرِكُ أمتك؟ فقال: «لا، ولكنهم يراؤون بأعمالهم»، فقيل: وما الشهوة الخفية؟ فقال: «أن يصبح أحدهم صائما، ثم يفطر [أحدهم] (٧) على طعام يشتهيه» (٨).

стр. 1911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجه الأظهر: ما روي أنه ﵇ كان في ضيافة أنصاري، فامتنع رجل من الأكل وقال: إني صائم، فقال ﵇: «إنما دعاك أخوك لتكرمه، فأفطر واقض يوما مكانه» (١). والصحيح من المذهب: أنه إن لم يتأذى صاحب الدعوة بترك الإفطار، ويرضى بمجرد حضوره؛ لا يفطر، وإن علم تأذيه يفطر. وقال الحلواني: إن كان يثق من نفسه القضاء؛ يفطر، وإلا فلا (٢). واختلف المشايخ فيمن حلف على صائم بطلاق امرأته أن يفطر: قال أبو الليث: الأولى أن يفطر، وهذا كله قبل الزوال، أما إذا كان بعده؛ لا يفطر إذا كان في ترك الإفطار عقوق الوالدين أو بأحدهما. كذا في الذخيرة (٣). وروي عن أبي يوسف: إذا كان صائما في ظهار أو نذر أو قضاء رمضان؛ فعليه المهر كاملا؛ يعني: إذا خلا بامرأته، وكذا في كفارة يمين أو غيرها، وكذا التطوع وجزاء الصيد، وصوم متعة بعد الإحلال، فعلى هذا كله يجب كل المهر بالخلوة؛ لأنها لم يفرض عليه صوم ذلك اليوم الذي هو صائم فيه، بخلاف صوم رمضان؛ لأنه لا يحل له أن يفطر، وهاهنا يحل له الإفطار، ويصوم يوم مكانه (٤). قال البديعي: هذا تنصيص على أنه يحل له الفطر في الصوم الواجب والفرض (٥). ولا تصوم المرأة تطوعا بغير إذن زوجها؛ لقوله ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخرِ أن تصوم التطوع إلا بإذن زوجها» (٦)، ولأن له حق

стр. 1912

(وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَسْلَمَ الكَافِرُ فِي رَمَضَانَ أَمْسَكَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا) قَضَاءً لِحَقِّ استيفاء الوطء، فكان له منعها. وله أن يفطرها إذا كان بغير إذنه، إلا إذا كان هو صائمًا، أو كان مريضًا لا يضره صومها؛ فليس له منعها، بخلاف العبد والأمة؛ فليس لهما التطوع بغير إذن المولى، وإن لم يضر ذلك به؛ لأن منفعتهما له على الإطلاق. أما الأخير إن أضر صومه بالخدمة؛ لا يصوم، وإن لم يضر؛ يصوم بلا إذن؛ لأن حقه في المنفعة بقدر ما أدّى به الخدمة، وللزوج والمولى أن يفطرهما إذا شرعتا بغير إذنهما. وتقضي المرأة إذا أذن لها زوجها أو بانت منه، وللأمة إذا أذن لها المولى أو عتقت، أو كفّرت المعسرة بالصوم كفارة يمين؛ لزوجها أن يمنعها. والأصل فيه: أن كل صوم وجب عليها بإيجابها فله المنع، إلا في العبد إذا ظاهر من امرأته؛ لتعلق حق المرأة به. (وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما)؛ قضاء لحق الوقت بالتشبه ولو أفطرا فيه لا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه (وصاما ما بعده)؛ لتحقق السبب والأهلية (ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى)؛ لعدم الخطاب، وهذا بخلاف الصلاة؛ لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده، وفي صوم الجزء الأول والأهلية منعدمة عنده. وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا زال الكفر أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء؛ لأنه أدرك وقت النية. وجه الظاهر أن الصوم لا يتجزأ وجوبًا، وأهلية الوجوب منعدمة في أوله، إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة دون الكافر على ما قالوا؛ لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضًا، والصبي أهل له. قوله: (أمسكا)؛ أي: الصبي والكافر. أما الإمساك فمذهبنا في كل معذور زال عذره بعد طلوع الفجر، أما لو زال قبل طلوعه لزمه الصوم، وإنما يلزمه الإمساك تشبها بالصائمين؛ كالحائض

стр. 1913

الوَقْتِ بِالتَّشَبُّهِ (وَلَوْ أَفْطَرَا فِيهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ وَاجِبِ فِيهِ … ... .. تطهر، والكافر يسلم، [والصبي يبلغ] (١)، والمجنون يفيق، والمسافر يقدم. وبقولنا: قال [مالك] (٢)، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وأبو ثور، وبعض أصحاب الشافعي؛ إلا في المسافر. وقال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، وداود: يستحب الإمساك ولا يلزمه؛ لأن هذا شخص لا يلزمه الصوم لا ظاهرًا ولا باطنا، فلا يلزمه الإمساك، كما في حالة العذر. ولنا: حديث عائشة يوم عاشوراء أنه ﵇ أمر مناديًا ينادي: «ألا من أكل فلا يأكلن بقية يومه، وإن لم يأكل فليصم» (٦)، وهذا يدل على أن قضاء حق الوقت به لازم، ولئلا يعرض نفسه للتهمة، قال ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر … » الحديث (٧). قوله: (ولا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه): وقال زفر، وأحمد في رواية (٨): [بوجوب] (٩) القضاء؛ قياسًا على الصلاة. فإن قيل: يشكل هذا بالمجنون إذا أفاق قبل الزوال والأكل، ونوى الصوم يقع عن الفرض، ولو أفطر يجب عليه القضاء، مع أن الصوم لم يكن واجبًا عليه

стр. 1914

(وَصَامَا مَا بَعْدَهُ) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَالأَهْلِيَّةِ (وَلَمْ يَقْضِيَا يَوْمَهُمَا وَلَا مَا مَضَى) لِعَدَمِ الخِطَابِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهَا … ... … ... … ... … ... … ... وقت طلوع الفجر. ذكره المحبوبي (١). قلنا: لا نسلم عدم الوجوب عليه في ذلك الوقت؛ بل الوجوب ثابت، ولكن لم يظهر أثره عند استغراق الجنون، فإذا لم يستغرق ظهر أثره. وقال التمرتاشي: الجنون إذا لم يستوعب لا يمنع الوجوب كالمريض، فبعد ذلك النية في أكثر اليوم، كالنية في كله، بخلاف الصبي (٢). (لأن الصوم غير واجب فيه)؛ أي: في ذلك اليوم؛ لعدم الأهلية في أول النهار، والصوم لا يتجزأ. (لتحقق السبب)؛ وهو شهود الشهر. (ولم يقضيا يومهما)؛ يعني: لو أفطرا؛ لما ذكرنا. (ولا ما مضى لعدم الخطاب) أما في حق الصبي؛ لقوله ﵇: «رفع القلم … » (٣) الحديث، وهذا [لا] (٤) يقتضي توجه الخطاب عليه. وأما الكافر؛ فلقوله ﵇: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» (٥)، وأسلم وفد ثقيف في النصف من رمضان، فأمرهم ﵇ بصوم ما استقبلوا، دون قضاء ما فات. ومن العلماء من يقول: عليه قضاء هذا اليوم والأيام الماضية من الشهر؛ لأن إدراك جزء من الشهر سبب لوجوب الصوم، كما في الصلاة بعد الإسلام، والتفريط إنما جاء من قبله بتأخير الإسلام، فلا يعدّ عذرا في إسقاط الواجب، وهو قريب من أصل الشافعي: أن الكفار يخاطبون بالشرائع، وهو قول عطاء، وعكرمة.

стр. 1915

الجُزْءُ المُتَّصِلُ بِالأَدَاءِ، فَوُجِدَت الأَهْلِيَّةُ عِنْدَهُ، وَفِي الصَّوْمِ الجُزْءُ الأَوَّلُ، وَالأَهْلِيَّةُ مُنْعَدِمَةٌ عِنْدَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِذَا زَالَ الكُفْرُ أَوْ الصِّبَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتَ النِّيَّةِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَجَزَّأُ وُجُوبًا، وَأَهْلِيَّةُ الوُجُوبِ مُنْعَدِمَةٌ فِي أَوَّلِهِ إِلَّا أَنَّ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَنْوِيَ التَّطَوُّعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ الكَافِرِ عَلَى مَا قَالُوا، ولنا: ما روينا من حديث وفد ثقيف، ولأن الوجوب يبتني على الأهلية، والكافر ليس بأهل للعبادة، فلا يثبت خطاب الأداء في حقه، وما قال: إن التأخير من قبله باطل، فإنه لا يلزمه قضاء رمضان من السنين الماضية في حالة الكفر بالإجماع. كذا في المبسوط (١). قال التمرتاشي: اختلفوا في إمساك بقية اليوم: ذكر محمد بن شجاع: أنه على طريق الاستحباب، كما قال الشافعي؛ لأنه قال أبو حنيفة في كتاب الصوم: إن الحائض إذا طهرت في بعض النهار؛ لا يحسن لها أن تأكل وتشرب والناس صيام، وهذا يدل على الاستحباب. وقال الإمام الصفار: الصحيح: أنه على طريق الإيجاب؛ لأن محمدا ذكر في الكتاب الصوم: فليصم بقية يومه، والأمر للوجوب. وقال في الحائض: إذا طهرت فلتدع الأكل والشرب، وهذا أمر أيضًا (٢). والذي قال: (لا يحسن لها)؛ معناه: يقبح منها ذلك، ولا يستراب أن ترك ما يستقبح شرعًا واجب. كذا في الفوائد الظهيرية (٣). (لأنه أدرك وقت النية): وهذا كمن أصبح ناويًا للفطر، ثم نوى قبل الزوال؛ أن الصوم أجزأه، ولاشك أن نية الفطر منافية له، لكنها منافية حكما لا حقيقة، فلا تمنع نية الصوم قبل الزوال، وكذلك الكفر مناف له حكما لا حقيقة، فلا يمنع نية الصوم قبل الزوال. وقوله: (على ما قالوا)؛ إشارة إلى اختلاف المشايخ.

стр. 1916

لِأَنَّ الكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّطَوُّعِ أَيْضًا، وَالصَّبِيُّ أَهْلُ لَهُ. وفي المبسوط: لو بلغ في غير رمضان قبله ونوى التطوع؛ أجزأه بالاتفاق. وفي الكافر إذا أسلم؛ قيل: اشتباه، فقد ذكر في الجامع الصغير في الصبي يبلغ والكافر يسلم، فقال: هما سواء، وهذا يدل على أن نية كل واحد منهما للتطوع صحيح. وأكثر مشايخنا على الفرق بينهما، قالوا: لا تصح نية التطوع من الكافر بعد ما أسلم قبل الزوال؛ لأنه ما كان أهلا للعبادة في أول النهار، فلا يتوقف إمساكه على أن يصير عبادة بالنية، فأما الصبي فأهل للعبادة تطوعًا، فيتوقف إمساكه على أن يصير صومًا بالنية قبل الزوال (١). وفي الْمُجْتَبى: قال أبو بكر الرازي: يؤمر الصبي بالصوم إذا طاقه (٢). وقال الشافعي كذلك؛ لكنه قال: لا يجزئه إلا بعد البلوغ، وتجزئه الصلاة قبله (٣). وقال مالك: لا يؤمر حتى يبلغ (٤). وذكر أبو جعفر اختلاف مشايخ بلخ فيه، والأصح أنه يؤمر به، ثم إذا أمر فلم يصم لا قضاء عليه (٥). وسئل أبو حفص: أيضرب ابن عشر سنين في الصوم كما يضرب على الصلاة؟ قال: اختلفوا فيه. قيل: لا يضرب، وبه قال مالك (٦). والصحيح: أنه بمنزلة الصلاة فيضرب (٧)، وبه قال الشافعي (٨)، ومالك، وأحمد (٩)، والثوري، والليث.

стр. 1917

(وَإِذَا نَوَى المُسَافِرُ الإِفْطَارَ ثُمَّ قَدِمَ المِصْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَنَوَى الصَّوْمَ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الوُجُوبِ وَلَا صِدَّةَ الشُّرُوعِ وَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ لِزَوَالِ المُرَخْصِ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ اليَوْمِ ثُمَّ سَافَرَ، لَا يُبَاحُ لَهُ الفِطْرُ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الإِقَامَةِ، فَهَذَا أَوْلَى، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ فِي المَسْأَلَتَيْنِ لَا تَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ لِقِيَامِ شُبْهَةِ الْمُبِيحِ. قوله: (فهذا أولى): وبيان الأولوية: أنا اعتبرنا جانب الإقامة فيما إذا كان مقيما أول اليوم، ثم سافر مع وجود المرخص وهو السفر؛ فلأن يعتبر جانب الإقامة فيما إذا كان مسافرًا في أول اليوم، ثم أقام مع زوال المرخص كان أولى. (في المسألتين)؛ وهما: مسافر أقام، ومقيم سافر. (لقيام شبهة المبيح)؛ يعني: السفر أورث شبهة في سقوط الكفارة، وإن لم يصر الفطر مباحًا له بمنزلة النكاح الفاسد يكون مسقطًا للحد، وإن لم يكن مبيحًا للوطء. كذا في المبسوط (١). وفي الحلية (٢): لو أصبح مقيم صائما، ثم سافر وجامع؛ وجبت عليه الكفارة، خلافًا لأبي حنيفة ومالك (٣)، وأحمد في رواية (٤). وعن مالك: فيما إذا أنشأ الصوم في السفر ثم جامع، في وجوبها روايتان؛ لوجود الصوم فيه (٥). وقال الشافعي: إن نوى بالليل، فاستوعب الإغماء يوما؛ لم يصح [صومه] (٦)؛ لعدم قصد الإمساك فيه، وعليه قضاؤه؛ لأن الإغماء فيه لا يزيل العقل، بدليل جوازه على الأنبياء.

стр. 1918

(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِ اليَوْمَ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ الإِغْمَاءُ) لِوُجُودِ الصَّوْمِ فِيهِ، وَهُوَ الإِمْسَاكُ المَقْرُونُ بِالنِّيَّةِ، إذ الظَّاهِرُ وُجُودُهَا مِنهُ (وَقَضَى مَا بَعْدَهُ) لِانْعِدَامِ النِّيَّةِ (وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنهُ قَضَاهُ كُلَّهُ غَيْرَ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ) لِمَا قُلْنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْضِي مَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ عِنْدَهُ يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ الاعْتِكَافِ، وَعِنْدَنَا: لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ، لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، لِأَنَّهُ يَتَخَلَّلُ بَيْنَ كُلِّ يَوْمَيْنِ مَا لَيْسَ بِزَمَانٍ لِهَذِهِ العِبَادَةِ. بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ (وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ قَضَاهُ) لِأَنَّهُ نَوْعُ مَرَضِ يُضْعِفُ القُوَى وَلَا يُزِيلُ وعندنا، والمزني: يصح صومه، كما لو نام جملة النهار. وكذا في تتمتهم (١)، والحلية (٢). (لما قلنا)؛ وهو وجود الإمساك مع النية. (عنده)؛ أي: عند مالك. (يتأدّى [بنية واحدة]) (٣) كالاعتكاف؛ لأنه [تعالى] (٤) أوجب الصوم باسم الشهر، وإنه شيء واحد، وإنما رخص له الفطر بالليالي؛ ليتمكن من الأداء، فاعتبرنا الشهر في حق النية شيئًا واحدًا كالاعتكاف. كذا في الإيضاح (٥). (لأنها)؛ أي: الصيامات (عبادات متفرقة) إلى آخره؛ ألا ترى أن الفساد في البعض لا يمنع صحة الباقي، فكانت كصلوات مختلفة، فيستدعي نية على حدة. (بخلاف الاعتكاف)؛ لأنه لم يتحلل بين كل يومين ما ليس بزمان هذه العبادة؛ إذ الليل وقت الاعتكاف؛ ولهذا يفسد لوجود المفسد في الليل، فكان شيئًا واحدا. قوله: (ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه): وهذا بالإجماع، إلا ما

стр. 1919

الحِجَى فَيَصِيرُ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ لَا فِي الإِسْقَاطِ. (وَمَنْ جُنَّ رَمَضَانَ روي عن الحسن البصري، وابن سريج من أصحاب الشافعي (١)، فيما إذا استوعب لا قضاء عليه، كما في الجنون؛ لأن سبب وجوب الأداء وهو شهود الشهر لم يتحقق موجبًا في حقه؛ لعدم الفهم، ووجوب القضاء ينبني عليه. وقلنا: إنه مرض يغشي العقل؛ ولهذا جاز الإغماء على الأنبياء، فإنه ﵇ ابتلي بالإغماء في مرضه، ولا يجوز عليهم الجنون، قال تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونِ﴾ [القلم: ٢]؛ ولهذا من قال لنبي: إنه مجنون؛ يكفر. وقال ﵇: (عصمنا من الجنون، وما عصمنا من المرض) (٢)، وهذا بخلاف ما إذا استوعب يومًا وليلة في الصلاة على ما مر؛ لأنها تتكرر في كل يوم، ففي وجوب قضائها حرج عظيم، مع أن القياس فيها وجوب القضاء؛ لكن ترك القياس فيها، وقد مر في الصلاة. وفي الإيضاح: الأصل في الإغماء أن لا يدوم، خصوصا شهرا، فلئن دام؛ فعلى خلاف الأصل، فلا يعتبر كالنوم (٣). قوله: (وَمَنْ جُنَّ رَمَضَانَ كُلَّهُ)؛ أي: قبل غروب الشمس من أول الليلة؛ لأنه لو كان مفيقا فيه، ثم جن وأصبح مجنونا إلى آخر الشهر؛ قضى صوم الشهر كله بالاتفاق، غير يوم تلك الليلة. ذكره شمس الأئمة في أصوله. وفي جمع النوازل: إذا أفاق أول ليلة من رمضان، ثم أصبح مجنونا، واستوعب الشهر كله؛ اختلف فيه أئمة بخارى، والفتوى على أنه لا يلزم القضاء؛ لأن الليلة لا يصام فيها. وكذا لو أفاق في ليلة من وسطه، أو في آخر يوم من رمضان [بعد الزوال. كذا في المجتبى (٤).

стр. 1920

كُلَّهُ لَمْ يَقْضِهِ خِلَافًا لِمَالِكِ، هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالإِغْمَاءِ. وَلَنَا: أَنَّ الْمُسْقِطَ هُوَ الحَرَجُ، وَالإِغْمَاءُ لَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ عَادَةً فَلَا حَرَجَ، وَالجُنُونُ يَسْتَوْعِبُهُ فَيَتَحَقَّقُ الحَرَجُ (وَإِنْ أَفَاقَ المَجْنُونُ فِي بَعْضِهِ قَضَى مَا مَضَى مِنَ الشَّهر) خِلَافًا لِزُفَرَ (*) وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، هُمَا يَقُولَانِ: وقال الحلواني: المراد من قوله: (كله)؛ مقدار ما يمكنه ابتداء الصوم، حتى لو أفاق بعد الزوال من اليوم الآخر] (١) لا يلزمه القضاء؛ لأن الصوم لا يصح فيه كالليل هو الصحيح. كذا في فتاوى قاضي خان (٢). (خلافا لمالك) (٣) وبه قال أحمد في رواية (٤)، وابن سريج من أصحاب الشافعي (٥). (فلا حرج)؛ أي: لقدرته. (وصار كالمستوعب) (٦)؛ يعني: في إسقاط الكل؛ اعتبارا للبعض بالكل، وقياسًا على الصبي إذا بلغ في أثناء الشهر، وهذا؛ لأن الصبي أحسن حالا من المجنون؛ فإنه ناقص العقل في بعض أحواله، والمجنون عديم العقل؛ ولهذا جاز العبد الصغير عن الكفارة لا المجنون، فإذا كان الصغير في بعض الشهر يمنع القضاء، فالمجنون أولى، وهو القياس، ولكنا استحسنا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والمراد منه: بعض الشهر؛ لأنه لو كان السبب شهود جميعه؛ لوقع الصوم في الشوال، فعلم أن السبب شهود بعضه. وتقدير الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ بعض الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ كله. فإن قيل: لو كان المراد بعضه، ينبغي أن ينصرف الخطاب بالصوم إلى

стр. 1921

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صوم ذلك البعض الذي شهد. قلنا: الكتابة تنصرف إلى أقرب الأسماء الظاهرة، والاسم الظاهر ههنا الشهر، وأما البعض فغير ظاهر؛ بل مضمر لحاجة مست إلى الإضمار، مع أنا نقول: الخطاب يتوجه بصوم ذلك البعض لا بالكل؛ ولهذا لو مات في أثناء الشهر لا شيء عليه. وهذا الخلاف ما إذا استوعب؛ لأن المراد من قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ مَنْ كان أهلا للأمر بالصوم؛ لأن الجنون عارض أعجزه عن صوم بعض الشهر مع بقاء أثر الخطاب، [كالإغماء، أما لو استوعب الجنون فإنا أسقطنا القضاء؛ لانعدام أثر الخطاب] (١) بل لدفع الحرج، والحرج عذر مسقط للقضاء، كالحيض في حق الصلاة. وحاصله: أن الوجوب في الذمة لا ينعدم، لا بسبب الصبا ولا بسبب الجنون والإغماء، إلا أنه يطول عادة، فيكون مسقطا للقضاء دفعا للحرج، والإغماء لا يطول عادة، فلا يكون مسقطا لندرته، والجنون قد يطول وقد يقصر، فإذا طال التحق بما يطول عادة وهو الصبا، وإذا قصر التحق بما يقصره عادة وهو الإغماء. ثم الفرق بين الطويل والقصير في الصوم: أن يستوعب الشهر كله؛ لأن الشهر في حكم الأصل، وفي الصلاة أن يزيد على يوم وليلة؛ لتدخل الفوائت في حد التكرار. هذا كله من المبسوط (٢)، والفوائد الظهيرية. وفي الإيضاح: والوجوب مضاف إلى سببه؛ يعني: يثبت الوجوب جبرا بلا اختيار، فلا يحتاج إلى العقل على ما عرف في الأصول، وله ذمة قابلة للإيجاب عليه، فوجب [الجنس] (٣)، فليس بعذر إظهار الوجوب في حق الأداء ظهر في حق القضاء؛ لأنه يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، كما في حق الحائض؛

стр. 1922

لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الأَدَاءُ لِانْعِدَامِ الأَهْلِيَّةِ، وَالقَضَاءُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَصَارَ كَالْمُسْتَوْعَبِ. وَلَنَا: أَنَّ السَّبَبَ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الشَّهْرُ وَالأَهْلِيَّةُ بِالذِّمَّةِ، وَفِي الوُجُوبِ فَائِدَةٌ وَهُوَ صَيْرُورَتُهُ مَطْلُوبًا عَلَى وَجْهِ لَا يُخْرَجُ فِي أَدَائِهِ، بِخِلَافِ المُسْتَوْعَبِ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ فِي فإن السبب في حقها يعتبر للقضاء لا للأداء. (لم يجب عليه الأداء)؛ أي: أداء ذلك البعض [الذي] (١) من الشهر وجد فيه الجنون. (والأهلية)؛ أي: أهلية الوجوب له وعليه. (بالذمة)؛ وهي عبارة عن كونه صالحة للإيجاب والاستيجاب، وهو بالآدمية وبالجنون لا يحل الذمة، فلا ينافي الوجوب؛ ولهذا لو انقلب المجنون على قارورة شخص فكسرها؛ يجب الضمان في ماله، وكذا لا ينافي أداء الفريضة ولا بقاءها؛ بدليل أنه لو نوى الصوم في الليل ثم جن بالنهار؛ يقع صومه فرضًا إذا لم [يكن] (٢) أكل شيئًا. ولو حج ثم جنّ، بقى المؤدى فرضًا، فكان الجنون كالمرض، ويشبه الصبا من وجه؛ من حيث أنه يصير موليًا عليه كالصبي، بخلاف المرض، فتردد بين شيئين، فوجب توفير حظهما تغلبا لشبهه بالمرض، إذا لم يستوعب [لا يسقط القضاء، ويسقط بالصبى إذا استوعب] (٣) يسقط القضاء؛ لما فيه من الحرج. كذا في الخبازية (٤). وقوله: (في الوجوب)؛ فائدة جواب لشبهة ترد على قوله: (وللأهلية بالذمة) بأن يقال: لو كان الوجوب دائرًا مع الذمة ينبغي على الصبي لوجودها، فقال: الوجوب يتلو الفائدة، وهي أن تطلب منه الأداء على وجه لا يخرج، والصبا ممتد فيخرج في الإيجاب عليه، وأما هاهنا الأهلية موجودة، وليس فيها حرج، فكان الوجوب معتبرًا.

стр. 1923

الأَدَاءِ فَلَا فَائِدَةَ وَتَمَامُهُ فِي الخِلَافِيَّاتِ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الأَصْلِيِّ وَالعَارِضِيّ، قِيلَ: هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (*)، لِأَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَجْنُونًا التَحَقَ بِالصَّبِيِّ فَانْعَدَمَ الخِطَابُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، وَهَذَا مُخْتَارُ بَعْضِ المُتَأَخِّرِينَ … ... … ... … ... . (فلا فائدة)؛ أي: في الوجوب؛ لأنه لو وجب يسقط بسبب الحرج، فلا فائدة فيه. (بين الأصلي والعارضي): المراد من الأصلي: ما يكون متصلا بالصبا، بأن بلغ مجنونا، ومن العارضي: هو أن يبلغ مفيقًا ثم جن. وفي المبسوط: لو كان جنونه أصليًا؛ فالمحفوظ عن محمد: أنه ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأن ابتداء الخطاب يتوجه عليه الآن، فكان بمنزلة الصبي يبلغ. وروى هشام عن أبي يوسف: أنه لا قضاء عليه في القياس، ولكن استحسن فأوجب عليه قضاء ما مضى؛ لأن الأصلي لا يفارق الطارئ في شيء من الأحكام، فكذا في الصوم، وليس فيه رواية عن أبي حنيفة، واختلف فيه المتأخرون على قياس مذهبه، والأصح: أنه ليس عليه قضاء ما مضى (١)، وبه قال الشافعي (٢). (وهذا)؛ أي: المروي عن محمد، وهو الفرق. (مختار بعض المتأخرين)؛ منهم [الإمام] (٣) أبو عبد الله الجرجاني، والإمام الرُّسْتُغفَنِي، والإمام الصفار. كذا في الفوائد الظهيرية (٤). قال [شيخي] (٥) صاحب النهاية: قال شيخي ﷺ في تأويل قول محمد بالطهر الممتد قال: لا يبعد أن يفارق حكم الأصلي حكم العارضي، وإن كانت حقيقتهما واحدة، فإن الطهر إذا كان أصليا؛ بأن بلغت الصبية بالأمس فماتت

стр. 1924

(وَمَنْ لَمْ يَنْوِ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ لَا صَوْمًا وَلَا فِطْرًا فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَتَأَدَّى صَوْمُ رَمَضَانَ بِدُونِ النِّيَّةِ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ المُقِيمِ، لِأَنَّ الإِمْسَاكَ مُسْتَحَقٌّ بعد البلوغ؛ فإن حكمها حكم الصغيرة في الاعتداد بالأشهر، وإذا كان عارضًا؛ بأن بلغت بالحيض ثم امتد الطهر؛ فحكمها حكم الكبيرة حتى تعتد بالحيض حتى أيست فكذا هاهنا. وفي الْمُجْتَبى: وفي جامع شمس الأئمة الإفاقة: أن يزول جميع ما به الجنون، فأما إذا أصاب في بعض كلامه؛ فلا (١). ولو أسلم الكافر في دار الحرب، وعلم بوجوب الصوم بعد رمضان؛ لا قضاء عليه، ولو علم في خلاله؛ فالظاهر: أنه والمجنون سواء. ولو جن بعد ما غربت الشمس، أو أغمي وبقي كذلك أيامًا؛ لم يقض يوم تلك الليلة؛ لأنه إن كان يعلم أنه نوى الصوم فظاهر، وإن لم يعلم (٢) حالة النية، والعمل بظاهر الحال واجب، حتى لو كان مسافرًا أو متهكتا يعتاد الفطر في رمضان؛ قضى ذلك اليوم أيضًا؛ لأن ظاهر حاله لا يدل على النية. قوله: (وقال زفر) إلى قوله: (الصحيح المقيم): روى ابن شجاع عن زفر هذا القول، وروي هكذا عن عطاء (٣). وإنما قيد بالصحيح والمقيم؛ لأن المريض والمسافر لابد لهما من النية بالاتفاق؛ لأن إمساكهما غير مستحق للصوم. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤). وكان أبو الحسن الكرخي ينكر هذا المذهب لزفر ويقول: المذهب عنده: أن صوم جميع الشهر يتأدى بنية واحدة كما هو قول مالك وأحمد؛ لأنه عبادة واحدة، فتشترط النية في أولها كركعات الصلاة الواحدة. وقال أبو اليسر: هذا قول قاله زفر في صغره ثم رجع عنه. كذا في

стр. 1925

عَلَيْهِ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهِ يُؤَدِّيهِ يَقَعُ عَنْهُ، كَمَا إِذَا وَهَبَ كُلَّ النِّصَابَ مِنْ الفَقِيرِ. وَلَنَا: أَنَّ المُسْتَحَقَّ الإِمْسَاكُ بِجِهَةِ العِبَادَةِ وَلَا عِبَادَةَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَفِي هِبَةِ النِّصَابِ وُجِدَ نِيَّةُ القُرْبَةِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ (وَمَنْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوِ لِلصَّوْمِ فَأَكَلَ … ... … ... … ... … . المبسوط (١)، والفوائد الظهيرية. (كما إذا وهب كل النصاب): فإن قيل: إعطاء النصاب فقيرًا واحدًا في الزكاة لا يجوز عند زفر كما مر، فقد ذكر الجواب هاهنا على مذهبه. قلنا: جائز أن [يكون] (٢) المراد منه قوله مذهبكم. وقيل: تأويله أن يكون الفقير مديونًا؛ فعند ذلك يجوز أداء النصاب إليه بالاتفاق. فإن قيل: يشكل على قوله: (ومن لم ينو) (٣) إلى آخره؛ من أغمي عليه بعد ما دخل أول ليلة من رمضان، أنه يصير صائما في يوم تلك الليلة، وإن لم يعلم منه النية باعتبار ظاهر حال المسلم في أنه لا يخلو عن النية، فلماذا جعله صائما فيما نحن فيه باعتبار الظاهر أيضًا؟ قلنا: تأويله: فيما نحن فيه أن يكون مريضًا أو مسافرًا أو متهتكا اعتاد الفطر، فلم يصلح حاله دليل عزيمته، بخلاف ما تقدم؛ لأنه صحيح مقيم متورع، فيصلح حاله دليلًا على عزيمة الصوم. كذا في الخبازية (٤). وذكر فخر الإسلام: هذه المسألة من خواص الجامع الصغير، ولابد من تأويلها؛ فقال مشايخنا: تأويلها: أن يكون مريضًا أو مسافرًا أو متهتكًا (٥). (وجد نية القربة)؛ أي: باختيار المحل، ووجدت معنى القربة لحاجة المحل؛ ألا ترى [أنَّ] (٦) من وهب شيئًا للفقير لا يملك الرجوع لحصول الثواب.

стр. 1926

لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ النِّيَّةِ عِنْدَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إِذَا أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ تَجِبُ الكَفَّارَةُ (*) لِأَنَّهُ فَوَّتَ إِمْكَانَ التَّحْصِيلِ فَصَارَ كَغَاصِبِ الغَاصِبِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الكَفَّارَةَ تَعَلَّقَتْ بِالإِفْسَادِ وَهَذَا امْتِنَاعٌ، إِذْ لَا صَوْمَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ … .. قوله: (لا كفارة عليه)؛ أي: سواء أكل قبل الزوال أو بعده عنده. وكذا لو جامع، وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لعدم صحة الصوم عندهم. (لأنه فوت إمكان التحصيل)؛ لأن قبل الزوال حكم الإمساك موقوف على أن يصير صومًا بالنية قبل نصف النهار، فصار بأكله مفوّتًا إمكان تحصيل الصوم، أما بعد الزوال إمساكه غير موقوف على ذلك، فلا يصير جانيًا ولا مفوتًا إمكان تحصيله، فلا كفارة عليه. كذا في المبسوط (٤). (وصار)؛ أي: الأكل قبل الزوال. (كغاصب الغاصب)؛ يعني تفويت الإمكان بمنزلة تفويت الأصل كما في الغصب، فإن المغصوب منه كما يضمن الغاصب الأول لتفويت الأصل؛ يضمن غاصب الغاصب؛ لتفويت إمكان الرد، ولا جائز أن يضمن الثاني بسبب الاستهلاك؛ لأنه مفرّط، والتفويت عليه، ولا يصار إليه مع قيام صاحب العلة، ولا جائز أن يضمنه بسبب الغصب؛ لأنه ما أزال اليد المحقة، [فتعين] (٥) لتضمينه تفويت الإمكان. وفي مبسوط فخر الإسلام: جعل هذا قول أبي يوسف خاصة (٦). قوله: (تعلقت بالإفساد)؛ أي: بإفساد صوم شهر رمضان. (وهذا امتناع): لا إفساد.

стр. 1927

(وَإِذَا حَاضَت المَرْأَةُ أَوْ نُفِسَتْ أَفْطَرَتْ وَقَضَتْ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا تُخْرَجُ فِي قَضَائِهَا وَقَدْ مَرَّ فِي الصَّلَاةِ (وَإِذَا قَدِمَ المُسَافِرُ أَوْ طَهُرَتِ الحَائِضُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ أَمْسَكَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ الإِمْسَاكُ، … ... … ... … .. وفي المبسوط: الكفارة تستدعي كمال الجناية، وذلك بهتك حرمة الصوم والشهر جميعًا، ولا صوم هنا، بقي مجرد هتك حرمة الشهر، وهو غير موجب للكفارة، كما لو تجرد هتك حرمة الصوم عن هتك حرمة الشهر؛ بأن أفطر في قضاء رمضان، بخلاف غاصب الغاصب؛ لأن الضمان بسبب التعدي، [وهو لا يسقط بالشبهة والتعدي] (١) وقد وجد (٢). وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن نوى قبل الزوال، ثم أكل أو جامع في بقية يومه؛ لا كفارة عليه؛ لأنه لو فعل ذلك في ابتداء اليوم لم تجب الكفارة، فكذلك في الانتهاء؛ لأن اليوم كالجزء الواحد في حق الصوم، فيستحيل أن تجب الكفارة في البعض دون البعض. كذا في الإيضاح (٣). ولأن الشبهة الناشئة عن عدم كونه صائمًا عند الشافعي منعت وجوب الكفارة؛ لأنها تندرئ بالشبهات. وعندهما: تجب لوجود كمال الجناية؛ وهو هتك حرمة [صوم] (٤) شهر رمضان. قوله: (نفست): بضم النون، صارت نفساء بالفتح. ثم الحائض والنفساء يفطران سرًا. وقيل: علانية؛ كالمريض والمسافر. وفي شرح الطحاوي: لو شرعت في صوم التطوع ثم حاضت يلزمها القضاء (٥).

стр. 1928

وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ كُلُّ مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلُّزُومِ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي أَوَّلِ اليَوْمِ. هُوَ يَقُولُ: التَّشْبِيهُ خَلَفٌ، فَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ يَتَحَقَّقُ الْأَصْلُ فِي حَقِّهِ، كَالمُفْطِرِ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُخْطِئًا، … ... … ... … .. فإن قيل: هذه المسألة مكررة؛ لأنه ذكرها في باب الحيض. قلنا: ذكر في باب الحيض: إن الحائض لا تصوم؛ لكن لم يذكر أن الصائمة لو حاضت أفطرت، ويجوز أن يكون الحيض مانعا لا رافعًا، كالعدة مع النكاح. قوله: (وعلى هذا الخلاف) إلى قوله: (في أول اليوم): كالكافر يسلم، والصبي يبلغ، والمجنون يفيق. (يتحقق الأصل في حقه)؛ وهو الصوم. (كالمفطر متعمدا أو مخطئا): وفي الكافي: الأصل عنده: من كان له الأكل مباحًا في أول اليوم ظاهرًا أو باطنا؛ لا يلزمه الإمساك في بقية يومه؛ ففي المفطر عمدًا أو خطأ يلزمه الإمساك إجماعًا، وفي الحائض والنفساء لا يجب إجماعا (١). فإن قيل: ما وجه قوله: (أو مخطئًا)، وعند الشافعي لا يتحقق الفطر بالخط؟. قلنا: المراد من المخطئ من لم يصح صوم اليوم عنه؛ لعدم قصده في إفساد الصوم، كمر أكل يوم الشك ثم ظهر أنه من رمضان؛ فإنه يتحقق عنه الإفطار، وهاهنا يجب التشبه بالاتفاق، [ولمن تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع، فإذا هو طالع، وكمن أفطر على ظن أن الشمس غربت وهي لم تغرب؛ فإنه يجب الشبهة فيهما بالاتفاق] (٢). كذا في المبسوط (٣)، وجامع المحبوبي. أو يقول ذلك على قول مذهبنا، أو يكون له في المخطئ قولان. وقوله: (كالمفطر) ليس بمقيس عليه؛ بل إنما هو بطريق الشبه، كقوله:

стр. 1929

وَلَنَا: أَنَّهُ وَجَبَ قَضَاءً لِحَقِّ الوَقْتِ لَا خَلَفًا، لِأَنَّهُ وَقْتُ مُعَظَّمٌ، بِخِلَافِ الحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالمَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَالَ قِيَامِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، لِتَحَقُّقِ المَانِعِ عَنِ التَّشْبِيهِ، حَسَبَ تَحَقُّقِهِ عَنِ الصَّوْمِ. ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ أي: كما حملته على الذين من قبلنا لا تحمل علينا، وقول صاحب الكتاب: كالمفطر (١) موصوف. (يتحقق الأصل في حقه)؛ أي: يتحقق الأصل في حق المفطر عمدًا، فكذا في حق من هذا صفته، وقد مرّ في مسألة الكافر والصبي بيان اختلاف العلماء. وقوله: (قضاء لحق الوقت)؛ جواب عن حرف الخصم أنه خلف فقال: الإمساك ليس بخلف عن ذات الصوم مجردًا؛ لأن بعض الشيء لا يكون خلفًا عن الكل، فلا يكون خلفًا عن ذات الصوم مجردًا؛ بل خلفًا (٢) عنه لقضاء حق الوقت، وذلك [معنى] (٣) معقول؛ لأن صوم رمضان وجب عن الوقت قضاء لحرمته، كما وجب حج البيت بسبب البيت قضاء لحقه؛ ولهذا ثبت لوقت رمضان زيادة فضل، فوجب قضاء حقه بالصوم على من كان أهلا له، وعلى من عجز عنه بالإمساك لمعنى سابق لا لمعنى قائم في الحال. (بخلاف الحائض والنفساء) [إلى آخره] (٤) وإذا لم يكن خلفا عن ذات الصوم لم يبن على وجوب الصوم؛ بل بني على كينونة الوقت وقتًا له وأنه ثابت؛ فلذلك يختص الخلف على من هو أهلا للأصل، وهو الصوم، وعجز عنه لمناقض سابق. كذا في الأسرار (٥). وذكر فخر الإسلام الأصل فيه ما روينا من حديث يوم عاشوراء، فثبت أنه من عجز عن حقيقة الصوم، وقد صار بحال لو كان كذلك في أول النهار لزمه

стр. 1930

قَالَ: (وَإِذَا تَسَخَّرَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الفَجْرَ لَمْ يَطْلُعُ فَإِذَا هُوَ قَدْ طَلَعَ، أَوْ أَفْطَرَ الصوم؛ يلزمه الإمساك قضاء لحق الوقت، ولأن هذا شخص عجز عن حقيقة الصوم مع كونه أهلا له فيلزمه الإمساك، كالذي أفطر عامدًا أو ساهيا؛ ليتحقق المانع عن الشبهة حسب تحققه عن الصوم، فإن المانع عنه في حقهم الحرج (١)، وهو في الإمساك موجود فلا معنى للإمساك، أما في حق المسافر والمريض فظاهر، وأما في حق الحائض والنفساء فدرور الدم؛ لأن ذلك يضعفهما ويضنيهما. وفي الخبازية: المانع [في] حق الحائض والنفساء؛ أي: المانع في (٢) حقهما حرمة الصوم، وإذا حرم صومهما حرم تشبيههما أيضًا؛ إذ التشبه بالحرام حرام (٣). قال: (وإذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع، أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب؛ أمسك بقية يومه)؛ قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو نفيا للتهمة (وعليه القضاء)؛ لأنه حق مضمون بالمثل، كما في المريض والمسافر (ولا كفارة عليه)؛ لأن الجناية قاصرة لعدم القصد، وفيه قال عمر ﵁: ما تجانفنا لإثم قضاء يوم علينا يسير (٤)، والمراد بالفجر: الفجر الثاني، وقد بيناه في الصلاة. قوله: (وإذا تسحر) [إلى آخره] (٥): هذه المسألة متضمنة خمسة أحكام: أحدها: أنه يفسد صومه، إلا على قول ابن أبي ليلى، وعطاء، والحسن، ومجاهد وبه قال المزني، وإسحاق بن إبراهيم؛ لما روي في قضية عمر أن الناس قالوا: يقضي يومًا مكانه، فقال عمر: والله ما نقضيه، ما تجانفنا الإثم … إلى آخره، ولأنهم يقيسوه على الناسي؛ بناء على أصلهم: أن المخصوص من
следующие страницы →