← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ النِّيَّةِ عِنْدَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إِذَا أَكَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ تَجِبُ الكَفَّارَةُ (*) لِأَنَّهُ فَوَّتَ إِمْكَانَ التَّحْصِيلِ فَصَارَ كَغَاصِبِ الغَاصِبِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الكَفَّارَةَ تَعَلَّقَتْ بِالإِفْسَادِ وَهَذَا امْتِنَاعٌ، إِذْ لَا صَوْمَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ … .. قوله: (لا كفارة عليه)؛ أي: سواء أكل قبل الزوال أو بعده عنده. وكذا لو جامع، وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لعدم صحة الصوم عندهم. (لأنه فوت إمكان التحصيل)؛ لأن قبل الزوال حكم الإمساك موقوف على أن يصير صومًا بالنية قبل نصف النهار، فصار بأكله مفوّتًا إمكان تحصيل الصوم، أما بعد الزوال إمساكه غير موقوف على ذلك، فلا يصير جانيًا ولا مفوتًا إمكان تحصيله، فلا كفارة عليه. كذا في المبسوط (٤). (وصار)؛ أي: الأكل قبل الزوال. (كغاصب الغاصب)؛ يعني تفويت الإمكان بمنزلة تفويت الأصل كما في الغصب، فإن المغصوب منه كما يضمن الغاصب الأول لتفويت الأصل؛ يضمن غاصب الغاصب؛ لتفويت إمكان الرد، ولا جائز أن يضمن الثاني بسبب الاستهلاك؛ لأنه مفرّط، والتفويت عليه، ولا يصار إليه مع قيام صاحب العلة، ولا جائز أن يضمنه بسبب الغصب؛ لأنه ما أزال اليد المحقة، [فتعين] (٥) لتضمينه تفويت الإمكان. وفي مبسوط فخر الإسلام: جعل هذا قول أبي يوسف خاصة (٦). قوله: (تعلقت بالإفساد)؛ أي: بإفساد صوم شهر رمضان. (وهذا امتناع): لا إفساد.

стр. 1927

(وَإِذَا حَاضَت المَرْأَةُ أَوْ نُفِسَتْ أَفْطَرَتْ وَقَضَتْ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا تُخْرَجُ فِي قَضَائِهَا وَقَدْ مَرَّ فِي الصَّلَاةِ (وَإِذَا قَدِمَ المُسَافِرُ أَوْ طَهُرَتِ الحَائِضُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ أَمْسَكَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ الإِمْسَاكُ، … ... … ... … .. وفي المبسوط: الكفارة تستدعي كمال الجناية، وذلك بهتك حرمة الصوم والشهر جميعًا، ولا صوم هنا، بقي مجرد هتك حرمة الشهر، وهو غير موجب للكفارة، كما لو تجرد هتك حرمة الصوم عن هتك حرمة الشهر؛ بأن أفطر في قضاء رمضان، بخلاف غاصب الغاصب؛ لأن الضمان بسبب التعدي، [وهو لا يسقط بالشبهة والتعدي] (١) وقد وجد (٢). وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن نوى قبل الزوال، ثم أكل أو جامع في بقية يومه؛ لا كفارة عليه؛ لأنه لو فعل ذلك في ابتداء اليوم لم تجب الكفارة، فكذلك في الانتهاء؛ لأن اليوم كالجزء الواحد في حق الصوم، فيستحيل أن تجب الكفارة في البعض دون البعض. كذا في الإيضاح (٣). ولأن الشبهة الناشئة عن عدم كونه صائمًا عند الشافعي منعت وجوب الكفارة؛ لأنها تندرئ بالشبهات. وعندهما: تجب لوجود كمال الجناية؛ وهو هتك حرمة [صوم] (٤) شهر رمضان. قوله: (نفست): بضم النون، صارت نفساء بالفتح. ثم الحائض والنفساء يفطران سرًا. وقيل: علانية؛ كالمريض والمسافر. وفي شرح الطحاوي: لو شرعت في صوم التطوع ثم حاضت يلزمها القضاء (٥).

стр. 1928

وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ كُلُّ مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلُّزُومِ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي أَوَّلِ اليَوْمِ. هُوَ يَقُولُ: التَّشْبِيهُ خَلَفٌ، فَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ يَتَحَقَّقُ الْأَصْلُ فِي حَقِّهِ، كَالمُفْطِرِ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُخْطِئًا، … ... … ... … .. فإن قيل: هذه المسألة مكررة؛ لأنه ذكرها في باب الحيض. قلنا: ذكر في باب الحيض: إن الحائض لا تصوم؛ لكن لم يذكر أن الصائمة لو حاضت أفطرت، ويجوز أن يكون الحيض مانعا لا رافعًا، كالعدة مع النكاح. قوله: (وعلى هذا الخلاف) إلى قوله: (في أول اليوم): كالكافر يسلم، والصبي يبلغ، والمجنون يفيق. (يتحقق الأصل في حقه)؛ وهو الصوم. (كالمفطر متعمدا أو مخطئا): وفي الكافي: الأصل عنده: من كان له الأكل مباحًا في أول اليوم ظاهرًا أو باطنا؛ لا يلزمه الإمساك في بقية يومه؛ ففي المفطر عمدًا أو خطأ يلزمه الإمساك إجماعًا، وفي الحائض والنفساء لا يجب إجماعا (١). فإن قيل: ما وجه قوله: (أو مخطئًا)، وعند الشافعي لا يتحقق الفطر بالخط؟. قلنا: المراد من المخطئ من لم يصح صوم اليوم عنه؛ لعدم قصده في إفساد الصوم، كمر أكل يوم الشك ثم ظهر أنه من رمضان؛ فإنه يتحقق عنه الإفطار، وهاهنا يجب التشبه بالاتفاق، [ولمن تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع، فإذا هو طالع، وكمن أفطر على ظن أن الشمس غربت وهي لم تغرب؛ فإنه يجب الشبهة فيهما بالاتفاق] (٢). كذا في المبسوط (٣)، وجامع المحبوبي. أو يقول ذلك على قول مذهبنا، أو يكون له في المخطئ قولان. وقوله: (كالمفطر) ليس بمقيس عليه؛ بل إنما هو بطريق الشبه، كقوله:

стр. 1929

وَلَنَا: أَنَّهُ وَجَبَ قَضَاءً لِحَقِّ الوَقْتِ لَا خَلَفًا، لِأَنَّهُ وَقْتُ مُعَظَّمٌ، بِخِلَافِ الحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالمَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَالَ قِيَامِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، لِتَحَقُّقِ المَانِعِ عَنِ التَّشْبِيهِ، حَسَبَ تَحَقُّقِهِ عَنِ الصَّوْمِ. ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ أي: كما حملته على الذين من قبلنا لا تحمل علينا، وقول صاحب الكتاب: كالمفطر (١) موصوف. (يتحقق الأصل في حقه)؛ أي: يتحقق الأصل في حق المفطر عمدًا، فكذا في حق من هذا صفته، وقد مرّ في مسألة الكافر والصبي بيان اختلاف العلماء. وقوله: (قضاء لحق الوقت)؛ جواب عن حرف الخصم أنه خلف فقال: الإمساك ليس بخلف عن ذات الصوم مجردًا؛ لأن بعض الشيء لا يكون خلفًا عن الكل، فلا يكون خلفًا عن ذات الصوم مجردًا؛ بل خلفًا (٢) عنه لقضاء حق الوقت، وذلك [معنى] (٣) معقول؛ لأن صوم رمضان وجب عن الوقت قضاء لحرمته، كما وجب حج البيت بسبب البيت قضاء لحقه؛ ولهذا ثبت لوقت رمضان زيادة فضل، فوجب قضاء حقه بالصوم على من كان أهلا له، وعلى من عجز عنه بالإمساك لمعنى سابق لا لمعنى قائم في الحال. (بخلاف الحائض والنفساء) [إلى آخره] (٤) وإذا لم يكن خلفا عن ذات الصوم لم يبن على وجوب الصوم؛ بل بني على كينونة الوقت وقتًا له وأنه ثابت؛ فلذلك يختص الخلف على من هو أهلا للأصل، وهو الصوم، وعجز عنه لمناقض سابق. كذا في الأسرار (٥). وذكر فخر الإسلام الأصل فيه ما روينا من حديث يوم عاشوراء، فثبت أنه من عجز عن حقيقة الصوم، وقد صار بحال لو كان كذلك في أول النهار لزمه

стр. 1930

قَالَ: (وَإِذَا تَسَخَّرَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الفَجْرَ لَمْ يَطْلُعُ فَإِذَا هُوَ قَدْ طَلَعَ، أَوْ أَفْطَرَ الصوم؛ يلزمه الإمساك قضاء لحق الوقت، ولأن هذا شخص عجز عن حقيقة الصوم مع كونه أهلا له فيلزمه الإمساك، كالذي أفطر عامدًا أو ساهيا؛ ليتحقق المانع عن الشبهة حسب تحققه عن الصوم، فإن المانع عنه في حقهم الحرج (١)، وهو في الإمساك موجود فلا معنى للإمساك، أما في حق المسافر والمريض فظاهر، وأما في حق الحائض والنفساء فدرور الدم؛ لأن ذلك يضعفهما ويضنيهما. وفي الخبازية: المانع [في] حق الحائض والنفساء؛ أي: المانع في (٢) حقهما حرمة الصوم، وإذا حرم صومهما حرم تشبيههما أيضًا؛ إذ التشبه بالحرام حرام (٣). قال: (وإذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع، أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب؛ أمسك بقية يومه)؛ قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو نفيا للتهمة (وعليه القضاء)؛ لأنه حق مضمون بالمثل، كما في المريض والمسافر (ولا كفارة عليه)؛ لأن الجناية قاصرة لعدم القصد، وفيه قال عمر ﵁: ما تجانفنا لإثم قضاء يوم علينا يسير (٤)، والمراد بالفجر: الفجر الثاني، وقد بيناه في الصلاة. قوله: (وإذا تسحر) [إلى آخره] (٥): هذه المسألة متضمنة خمسة أحكام: أحدها: أنه يفسد صومه، إلا على قول ابن أبي ليلى، وعطاء، والحسن، ومجاهد وبه قال المزني، وإسحاق بن إبراهيم؛ لما روي في قضية عمر أن الناس قالوا: يقضي يومًا مكانه، فقال عمر: والله ما نقضيه، ما تجانفنا الإثم … إلى آخره، ولأنهم يقيسوه على الناسي؛ بناء على أصلهم: أن المخصوص من

стр. 1931

وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ القياس يقاس عليه غيره. كذا في تتمتهم (١). وفي الحلية: حكي عن إسحاق بن راهويه، وداود، وعطاء: لا قضاء عليه، وفيما إذا تسحر (٢). وعن مالك: يقضي عن الفرض لا النذر المعين (٣). وقلنا: المخصوص من القياس بالنص لا يقاس عليه؛ لأن قياس الأصل يعارضه، ولا يلحق به إلا ما هو [في] (٤) معناه من كل وجه، وهذا ليس في معنى الناسي من كل وجه؛ لأن الاحتراز عن مثل هذا الغلط يمكن في الجملة، بخلاف النسيان. وما رووا من قصة عمر شاذ، والمشهور ما يروى، ثم فساد صومه؛ لفوات ركنه وهو الإمساك. والثاني: أن عليه قضاء اليوم؛ لأنه فوت الأداء بعد بقدر السبب الموجب، فيضمنه بالمثل بما هو مشروع له. والثالث: أن لا كفارة عليه؛ لما ذكرنا في الكتاب. والرابع: أنه يمسك بقية يومه؛ لما ذكرنا. والخامس: أن لا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. كذا في المبسوط (٥). وقوله: (يرى) على بناء المفعول، من الرأي لا من الرؤية؛ أي: يظن. والمراد به: ظن يكون غالبًا، أو قريبًا إلى اليقين، حتى لو كان شاكًا أو كبير رأيه أنها لم تغرب تجب الكفارة. كذا في مبسوط فخر الإسلام (٦).

стр. 1932

فَإِذَا هِيَ لَمْ تَغْرُبْ، أَمْسَكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) قَضَاءً لِحَقِّ الوَقْتِ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ أَوْ نَفْيًا لِلتَّهْمَةِ (وَعَلَيْهِ القَضَاءُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مَضْمُونٌ بِالمِثْلِ، كَمَا فِي الْمَرِيضِ وَالمُسَافِرِ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الجِنَايَةَ قَاصِرَةٌ لِعَدَمِ القَصْدِ، (فإذا هي لم تغرب): ذكر فخر الإسلام: حكي عن أبي جعفر أنه تلزمه الكفارة؛ لأن الثابت حال غالب الرأي شبهة الإباحة، لا حقيقة لها، ففي حالة الشك وهي تساوي الظنين يكون دون ذلك، ودونه شبهة الشبهة وهي لا تسقط العقوبة، وهذا بخلاف ما إذا شك في طلوع الفجر فأكل؛ حيث لا يلزمه الكفارة (١). والفرق: أنه متى شك في الغروب أفطر، فقد كمل الفطر فعليه الكفارة؛ لأنه على سبيل التعدي؛ لأنه كان متيقنا بالنهار شائًا بالليل، واليقين لا يزول بالشك. وفي طلوع الفجر على عكسه؛ لأنه كان متيقنا بالليل شائًا في النهار، واليقين لا يزول به، فبقي الليل فلا يكون قاصدًا بالفطر. وفي الْمُجْتَبى: قيل: لا يجوز الإفطار بالتحري. كذا روي عن أبي حنيفة ومحمد؛ إذ أمكنه مطالعة الغروب، وعند المانع يجوز بعد تتبع العلامة كالظلام ونحوه (٢). قلت: لهذا المعنى قال في الكتاب: (وهو يرى أن الشمس قد غربت)، فذكر الظن في السحر والرؤية في الغروب؛ لبيان أن السحر يجوز بالتحري، والإفطار لا يجوز إلا إذا طالع موضع الغروب، وهكذا سمعت عن أستاذي سراج الأئمة العربية (٣). وروي لفظ (ترى) بالفتح والضم، يؤيد ما ذكره بعد هذا: (لو شك في الفجر لا يجب ترك الأكل، ولو شك في الغروب يجب)، ولكنا نقلنا من

стр. 1933

وَفِيهِ قَالَ عُمَرُ ﵁: «مَا تَجَانَفْنَا لِإِثْمِ، وَقَضَاءُ يَوْمِ عَلَيْنَا يَسِيرٌ»، وَالمُرَادُ بِالفَجْرِ الفَجْرُ الثَّانِي، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الصَّلَاةِ (ثُمَّ التَّسَحُرُ مُسْتَحَبٌ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ النهاية: (يُرى) بضم الياء على بناء المفعول، من الرأي لا من الرؤية. (وفيه قال عمر)؛ أي: في الغروب. وروي عن عمر: أنه كان جالسًا في رحبة مسجد المدينة عند الغروب، فأتي بعس من لبن من بيت حفصة، فشرب هو وأصحابه، فأمر المؤذن أن يؤذن، فلما رقى المؤذن المأذنة، رأى الشمس لم تغب، فقال: الشمس يا أمير المؤمنين، فقال عمر: بعثناك داعيًا ولم نبعثك راعيًا، ما تجانفنا الإثم، نقضي يوما مكانه، وقضاء يوم علينا يسير (١). دلّ هذا الأثر على لزوم القضاء وعدم الإثم. وإنما قال ذلك عمر لإساءة أدبه؛ لأن من حقه أن يجيء ويخبر، فالنداء من المأذنة كان إساءة الأدب منه، فردَّ عليه [بقوله] (٢): لم نبعثك راعيًا. كذا في مبسوط الإسبيجابي (٣). ومعنى: ما تجانفنا الإثم وما تعمدنا، من الحيف الميل، والمراد هاهنا: ما تعمدنا ركوب معصية. وعن ابن مسعود (٤)، وأبي سعيد الخدري (٥)، وصهيب (٦) في مثل ذلك: طعمة الله، أتموا صومكم إلى الليل واقضوا يوما مكانه. (ثم التسحر مستحب): بالإجماع، وهو الأكل في السَّحَر، وهو آخر الليل. عن الليث: هو سدس الآخر. والسحور: اسم لما يؤكل فيه، فعلى هذا كان المضاف في قوله عليه

стр. 1934

وَالسَّلَامُ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (وَالمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «ثَلَاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ المُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَالسِّوَاكُ» (إِلَّا أَنَّهُ إِذَا شَكٍّ فِي الفَجْرِ) وَمَعْنَاهُ تَسَاوِي الظَّنَّيْنِ (الأَفْضَلُ أَنْ يَدَعَ. السلام: «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» محذوفاً؛ أي: فِي أَكْلِ السَّحُورِ. رَوَاهُ الجماعة (١). قيل: المداد من البركة زيادة قوة في أداء الصوم، بدليل قوله ﵇: «اسْتَعِينُوا بِقَائِلَةِ النَّهَارِ - أَي: قيلولته- عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَبِأَكْلِ السَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ» (٢). وَجَازَ أَنْ يَكُونَ المراد بها: نَيْلُ زِيَادَةِ الثَّوَابِ، باستثنائه سيد المرسلين وعمله بما هو مخصوص [بين] (٣) أهل الإسلام، فإنه ﵇ قال: «فَرْقُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ؛ أَكْلُ السَّحُورِ» (٤)، ثم تأخيره مستحب. إليه أشير في المبسوط (٥). عن ابن عمر أن للنبي ﵇ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم، فقال ﵇: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، قال: ولم يكن بينهما إِلَّا أَنْ ينزل هذا فيرقى هذا. رواه البخاري ومسلم (٦). (وَالسِّوَاكُ)؛ أي: استعماله. وَذَكَرَ في المنافع: وضع اليمين عَلَى الشمال مكان السواك (٧)، ولكن ما ذكر هاهنا موافق للمبسوط.

стр. 1935

الأَكْلَ تَحَرُّزًا عَنِ المُحَرَّمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ أَكَلَ فَصَوْمُهُ تَامٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ اللَّيْلُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ لَا يَسْتَبِينُ الفَجْرَ، أَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةٌ أَوْ مُتَغَيِّمَةٌ، أَوْ كَانَ بِبَصَرِهِ عِلَّةٌ وَهُوَ يَشُكُ لَا يَأْكُلُ، وَلَوْ أَكَلَ فَقَدْ وسئل بدر الدين النوري من شيخي عن هذا الحديث، أنه كيف يكون تأخير السحور من أخلاق المرسلين ولم يكن في ملتهم حل أكل السحور؟. فقال شيخي في جوابه محالاً إلى مولانا حافظ الدين: المراد منه: الأكلة الثانية، فإنها تجري مجرى السحور في حقهم، وذكر جوابين آخرين، [فقال] (١): لا نسلّم أنه لم يكن في ملتهم؛ لجواز أن يكون ونحن لا نعلم، ولأنه ﵇ قال: «ثلاث من سنن المرسلين» (٢)؛ أي: ثلاث خصال لهم، فلا يلزم منه أن يكون لكل واحدٍ منهم ثلاث خصال؛ لجواز أن يكون كل واحدٍ مخصوصا بخصلة، كما يقال: للعلماء خصال حميدة من البحث، والمناظرة، والتصنيف، فلا يلزم أن تكون مجتمعة في واحد، والأفضل أن يدع (٣). وفي شرح الطحاوي: الأفضل أن [لا] (٤) يتسحر. (ولا يجب عليه ذلك)؛ أي: ترك الأكل. وروى الحسن: أنه يجب [عليه أن يدع] (٥) احتياطا في أمر الدين. (ولو أكل فصومه تام): إلا في رواية عن مالك: أنه يبطل صومه في الفرض إذا استبان أن الفجر قد طلع (٦). «دَعْ ما يَريبُكَ إِلَى مَا لَا يَريبُكَ؛ فإنّ الكَذبَ ريبة والصدق طمأنينة» (٧).

стр. 1936

أَسَاءَ لِقَوْلِهِ ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأيِهِ أَنَّهُ أَكَلَ وَالفَجْرُ طَالِعٌ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَمَلًا بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَفِيهِ الاحْتِيَاطُ. وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اليَقِينَ لَا يُزَالُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، (وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ الفَجْرَ طَالِعٌ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بَنَى الأَمْرَ عَلَى الأَصْلِ فَلَا تَتَحَقَّقُ العَمْدِيَّةُ (وَلَوْ شَكٍّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا يَحِلُّ لَهُ الفِطْرُ) لِأَنَّ الأَصْلَ هُوَ النَّهَارُ وَلَوْ أَكَلَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ عَمَلًا بِالأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأيِهِ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةً، لِأَنَّ النَّهَارَ هُوَ الأَصْلُ، وَلَوْ كَانَ شَائًا فِيهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الكَفَّارَةُ نَظَرًا إِلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ النَّهَارُ. والريبة: الشك والتهمة، وفي الأصل: قلق النفس واضطرابها؛ ألا ترى كيف قابلها بالطمأنينة وهي السكون، وذلك أن النفس لا تستقر متى شكت في أمر، وإذا أيقنته سكنت واطمأنت. وقوله: نهى ﵇ عن الربا والريبة إشارة إلى هذا الحديث. كذا في المغرب (١). (وفيه الاحتياط)؛ لأن قضاء ما ليس عليه أولى من عدم قضاء ما عليه. [وعلى ظاهر الرواية: لا قضاء عليه] (٢) وفي الإيضاح: وهو الصحيح؛ لأن الليل هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بيقين رواية واحدة (٣). وفي فتاوى قاضي خان: وعليه القضاء والكفارة؛ لأن النهار كان بائنا وقد انضم إليه أكثر الرأي، فصار بمنزلة اليقين (٤). (شاكًا فيه)؛ أي: في الغروب إلى قوله: (ينبغي أن تجب الكفارة). وفي الخلاصة: يلزمه القضاء بالاتفاق، وفي وجوبها اختلاف. وفي جامع شمس الأئمة: يلزمه الكفارة، وعن محمد: لم يُكَفِّر (٥).

стр. 1937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: فعلى ما ذكر في الكتاب: يلزمه ما لو شهد اثنان بالغروب وآخران بعدمه فأفطر، ثم [ظهر] (١) أنها لم تغرب؛ عليه القضاء دون الكفارة بالاتفاق، مع أن تعارض الشهادتين يوجب الشك لا محالة، وتجب الكفارة. قلنا: تعارض الشهادتين لم يورث الشك؛ لأن الشهادة بعدم الغروب ليست بشهادة؛ لكونها على النفي [بقيت] (٢) الشهادة بالغروب خالية عن المعارض فتقبل، فلم تجب الكفارة، حتى إن الشهادتين لو كانتا في طلوع الفجر فأفطر، ثم ظهر أنه كان قد طلع؛ عليه القضاء والكفارة بالاتفاق لهذا المعنى. وفي الْمُجْتَبى: وفي المحيط: أمر إنسانًا ليطالع الفجر فأخبره بالطلوع، فإن كان عدلاً لا يجوز له الأكل، حرًا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى، وإن كان صبيًا عاقلا، إن غلب على ظنه لا يأكل (٣). ولو أخبره عدل بالطلوع وعدل آخر بعدمه حُرّين كانا أو عبدين أو أحدهما؛ يتحرى، ويأخذ بقول عدلين إذا عارضه عدل، وإن تعارض الحران العدلان والعبدان؛ يأخذ بقول الحرّين. وإن كان يأكل فأخبره عدل واحد بالطلوع فأتم الأكل، وكذا في الجماع؛ لا كفارة عليه عندنا، خلافا للشافعي، ولو كان ممسكًا فأكل بعده أو استدام الجماع؛ كفر بالإجماع. وفي الحلية (٤): لو كان مجامعًا أو في فيه طعامًا فنزع ولفظ بعد الطلوع؛ صح صومه، وبه قال أبو حنيفة. وقال المزني، ومالك (٥)، وزفر، وأحمد (٦): لو نزع أو لفظه مع الطلوع لا يصح صومه.

стр. 1938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المحيط: ولو قال له عدل واحد (محوركه سهده دمدي)، وقال: (مي دمد) فأكل فظهر أنه كان طالعًا كَفَرَ (١). وفي النوازل: أخبره عدلان به، وعدلان بعدمه، فأكل فظهر أنه كان طالعًا؛ ففي الكفارة اختلاف المشايخ (٢). وقال قاضي خان: كَفَرَ بالاتفاق (٣). ولو كان ذلك في الغروب؛ لم يكفر بالاتفاق لما بينا. ولو شهد واحد بالطلوع، واثنان بعدمه؛ لم يكفر. ولو استطلع غلاميه، فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع، فأكل؛ لم يكفر. والأفضل: أن لا يأكل، وتسحر في مثله ابن عباس، وقال: الليل ثابت بيقين. وفي جامع شمس الأئمة: لا بأس بالتسحر بأكثر الرأي إذا لم يخف عليه مثله، وإلا فيدع الأكل والتسحر بضرب طول السحر إن كان من جوانب البلد، أو واحد تُعْتَمد عدالته يجوز، وإن عُرِفَ فسقه لم يعتمد عليه، وإن لم يعرف حاله يحتاط (٤). واختلف في صياح الديك. وفي النظم: يتسحر، فقيل له: الفجر طالع، فقال: لما طلع، أكل شبعًا فأكل، ثم (٥) ظهر أن الأول قبل الفجر، والثاني بعده؛ فإن أخبره جماعة وصدقهم، أو واحد عجل؛ لم يكفر، وإن كان فاسقًا كَفَرَ (٦).

стр. 1939

(وَمَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ، فَأَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا، عَلَيْهِ القَضَاءُ دُونَ الكَفَّارَةِ) لِأَنَّ الاِشْتِبَاهَ اسْتَنَدَ إِلَى القِيَاسِ فَتَتَحَقَّقُ الشُّبْهَةُ، وَإِنْ بَلَغَهُ الحَدِيثُ وَعَلِمَهُ وفي فتاوى قاضي خان: في الواحد كَفَّر، عدلًا أو غيره (١). وقال شمس الأئمة السرخسي: ظاهر مذهب أصحابنا جواز الإفطار بالتحري (٢). فإن أفطر على ظن الغروب ثم بان أنها لم تغرب؛ فعليه قضاء ذلك اليوم، بخلاف السحر؛ فإنه لا يجب القضاء، بل يستحب على الرواية الصحيحة. ولو شك في الغروب فأفطر، ثم بان أنها لم تغرب؛ لزمه الكفارة. وعن محمد: لم يُكَفِّر (٣). قيل: لا يجوز الإفطار بقول الواحد بل بالمثنى. وفي جامع شمس الأئمة: ظاهر الجواب: أنه لا بأس إذا كان عدلاً، ويميل قلبه إلى صدقه كالسحر (٤). قلت: لكنه لم يذكر فيه ميلان القلب. وسئل الحلواني عن الإفطار في يوم غيم، قال: يؤخر الإفطار كالصلاة أخذا بالثقة. الكل من الْمُجْتَبى (٥). قوله: (عليه القضاء دون الكفارة) بالإجماع، إلا ما روي عن القاضي أبي الطيب من أصحاب الشافعي أنه قال: لو جامع بعد الأكل ناسيًا، [يحتمل عندي أنها تجب، وكذا على قياس قول مالك وربيعة. (استند إلى القياس)؛ وهو أن ركن الصوم ينعدم به، سواء أكل عامدًا أو ناسيا] (٦). (وعلمه)؛ أي: معنى الحديث وهو أنه لا يفسده، فكذلك في رواية عن أبي

стр. 1940

فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهَا تَجِبُ، وَكَذَا عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَا اشْتِبَاهَ فَلَا شُبْهَةَ. وَجْهُ الأَوَّلِ: قِيَامُ الشُّبْهَةِ الحُكْمِيَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى القِيَاسِ فَلَا يَنتَفِي بِالعِلْمِ كَوَطْءِ الأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ. حنيفة؛ أي: لا تجب الكفارة، وهو رواية الحسن عنه. وفي فتاوى قاضي خان: وهو الصحيح (١)؛ لأن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين، بل يوجب العمل تحسينا للظن بالراوي. وكذا في المبسوط (٢). (وعنه)؛ أي: عن أبي حنيفة. (وكذا عنهما)؛ أي: عن أبي يوسف ومحمد؛ لأنه لو بلغه خبر الناسي، فظنه مدفوع بقول النبي ﵊، فلا يبقى شبهة. (لأنه لا اشتباه)؛ أي: في معنى الحديث. (فلا شبهة)؛ أي: لا يبقى شبهة لما ذكرنا أن ظنه مدفوع بقوله ﵇. (وجه الأول)؛ وهو عدم وجوب الكفارة. (قيام الشبهة الحكمية)؛ وهي أن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه، فيساوي في هذا الأصل العالم أو غير العالم، فلا تجب الكفارة كذلك، خصوصا ما إذا تأبدت تلك الشبهة باختلاف العلماء، فإن عند مالك، وتبعه الرازي وابن أبي ليلى: يفسد صومه بالأكل ناسيًا، وهو اختيار محمد بن مقاتل الرازي من أصحابنا، واختلاف العلماء يورث الشبهة. قال المحبوبي: تلزمه الكفارة وإن كان عالما؛ لما أن الشبهة تمكنت في المحل باعتبار [انعدام] (٣) ركن الصوم حقيقة، وفي مثل هذه الشبهة العالم يساوي الجاهل؛ كالأب إذا وطئ جارية ابنه لا يلزمه الحد، سواء علم حرمتها أو ظن أنها تحل له، وهذا معنى قوله: ولا تبتغي؛ أي: الشبهة الحكمية بالعلم، إلى آخره (٤).

стр. 1941

(وَلَو احْتَجَمَ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ، ثُمَّ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا عَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ) لِأَنَّ الظَّنَّ مَا اسْتَنَدَ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيَّ، إِلَّا إِذَا أَفْتَاهُ فَقِيهُ بِالفَسَادِ، لِأَنَّ الفَتْوَى دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فِي حَقِّهِ، وَلَوْ بَلَغَهُ الحَدِيثُ وَاعْتَمَدَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ ﵊ لَا يَنْزِلُ عَنْ قَوْلِ المُفْتِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ خِلَاف ذَلِكَ (*)، لِأَنَّ عَلَى العَامِّيِّ الاقْتِدَاءَ بِالفُقَهَاءِ لِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ فِي حَقِّهِ إِلَى قوله: (لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي)؛ لأن انعدام الركن [الأصلي] (١) بوصول الشيء إلى باطنه بقوله ﵇: «الفِطر مما يدخُلُ» (٢)، أو بقضاء الشهوة، ولم يوجد شيء منهما لا صورة ولا معنى، وحكم الاستيفاء بالنص لا بالقياس، إلا إذا أفتاه [فقيه] (٣) من الحنابلة. قال المحبوبي: يشترط أن يكون المفتي ممن تؤخذ منه الفتوى، ويعتمد على فتواه في البلدة، ولا معتبر بغيره، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وابن رستم عن محمد، وبشر بن الوليد عن أبي يوسف، وتصير فتوى المفتي شبهة، ولا يصير ظاهر الحديث (٤). (ولو بلغه الحديث)؛ وهو قوله ﵇: «أفطرَ الحاجمُ والمَحجومُ» (٥). (فكذلك)؛ أي: يصير شبهة ولا تجب الكفارة. (الاقتداء بالفقهاء): فإن العامي إذا سمع حديثًا فليس له أن يأخذ بظاهره؛ لجواز أن يكون منسوخا أو متروكا أو مصرفًا عن ظاهره. كذا في الإيضاح، والمبسوط (٦)، وشرح الإرشاد.

стр. 1942

مَعْرِفَةِ الأَحَادِيثِ، وَإِنْ عَرَفَ تَأْوِيلَهُ تَجِبُ الكَفَّارَةُ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، وَقَوْلُ الأَوْزَاعِي ﵀، لَا يُورِثُ الشَّبْهَةَ لِمُخَالَفَتِهِ القِيَاسَ. (وَلَوْ أَكَلَ بَعْدَمَا اغْتَابَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ كَيْفَمَا كَانَ) لِأَنَّ الفِطْرَ يُخَالِفُ القِيَاسَ، وَالحَدِيثُ مُؤَوَّلٌ بِالإِجْمَاعِ. وكذا إذا اكتحل فأفتاه ففيه بقول ابن [أبي] (١) ليلى بفساد صومه، فهو مثل الحجامة. (وإن عرف تأويله)؛ أي: تأويل قوله ﵇: «أفطر الحاجِمُ والمحجوم» (٢)، وقد مر تأويله. (كيفما كان)؛ أي: سواء بلغه أو لا عرف تأويله، وسواء أفتاه مفتي أو لا. وفي المبسوط: أدهن شاربه أو اغتاب فظن الفطر فأكل بعد ذلك متعمدا؛ فعليه القضاء والكفارة، سواء اعتمد حديثًا أو أفتي؛ لأن هذا الظن والفتوى في غير موضعه؛ إذ لا خلاف بين العلماء أن الصوم لا يفسد بهما، والفتوى بخلاف الإجماع غير معتبرة (٣). والحديث وهو قوله ﵇: «ثلاث يُفَطِّرنَ الصائم، ويَنقُضْنَ الوضوء، ويَهْدِمْنَ العقل: الغيبة والنميمة والنظر إلى محاسنِ المرأة» (٤)، وقوله ﵇: «الغِيبَةُ تفطر الصائم» (٥)؛ يؤول بذهاب الأجر بالإجماع، بخلاف حديث الحجامة؛ فإنه أخذ به بعض العلماء، مثل الأوزاعي وأحمد، وإن لم يكن

стр. 1943

(وَإِذَا جُومِعَتِ النَّائِمَةُ أَوْ المَجْنُونَةُ وَهِيَ صَائِمَةٌ عَلَيْهَا القَضَاءُ دُونَ الكَفَّارَةِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا اعْتِبَارًا بِالنَّاسِي، معتبرًا، فيصير شبهة في موضع الشبهة، وكذا فخر الإسلام والمحبوبي. وفي شرح الإرشاد ولو قاء فظن أن ذلك يفطر، فأفطر بعد ذلك متعمدا؛ لا تجب الكفارة (١)، كما في جماع الناسي؛ لأن كل هذا موضع الاشتباه، وقد ورد في القيء حديث؛ وهو أنه ﵊ قاء فأفطر، وإن كان معناه عندنا: أنه أضعفه القيء، فأفطر من الضعف، إلا أن ظاهره مع هذا يورث شبهة، ولأن الاستقاء يفطر، والقيء نظيره ويشتبه، ولا يعرف الفرق بينهما إلا فقيه. وكذا إذا احتلم نهارًا فظنّ أنه فطره؛ لأن ذلك مما يشتبه. وفي الإيضاح: قبل امرأته أو لمسها أو ضاجعها ولم ينزل، فظن أن ذلك فطره، فأكل بعد ذلك؛ فعليه القضاء والكفارة بسبب القبلة لتنافي الإمساك في الظاهر (٢). قوله: (وهي صائمة): أما صوم النائمة؛ فظاهر، وأما صوم المجنونة فقد تكلموا في صحته؛ لأن صحة الصوم لا تجامع الجنون. وحكي عن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال: لما قرأت هذه المسألة على محمد، قلت: كيف تكون صائمة وهي مجنونة؟ فقال لي: دع هذه المسألة؛ فإنها أثبتت في الآفاق (٣). ومن المشايخ من قال: بأنه كانت في الأصل مجبورة، فظن الكاتب أنها مجنونة؛ ولهذا قال محمد: دع. وأكثر المشايخ قال: تأويله: إن العاقلة نوت الصوم ثم جنت في بعض النهار، أو نامت فجامعها زوجها، ثم أفاقت بعد ذلك أو استيقظت، وعلمت

стр. 1944

وَالعُذْرُ هُنَا أَبْلَغُ لِعَدَمِ القَصْدِ. وَلَنَا: أَنَّ النِّسْيَانَ يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَهَذَا نَادِرٌ، وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ لِانْعِدَامِ الجِنَايَةِ. بفعل الزوج؛ فعليهما القضاء والكفارة. كذا في جامع الإسبيجابي، والمحبوبي (١). وفي الفوائد الظهيرية: عن عيسى بن أبان أنه قال: قلت لمحمد: هذه مجنونة، فقال: لا، بل مجبورة؛ أي: مكرهة، فقلت: ألا تجعلها مجبورة؟، فقال: بلى، ثم قال: وكيف وقد سارت بها أكثر الركاب دعوها؟ (٢) وبقولنا: قال مالك (٣). وقال أحمد: لو جومعت المجبورة يبطل صومه وتجب الكفارة، ولو أكره بالأكل لا يبطل صومه وتجب الكفارة (٤). (والعذر أبلغ لعدم القصد): بخلاف الناسي، فيلحق به دلالة. وبقول زفر، والشافعي (٥): قال أبو حنيفة في رواية، وأبو ثور، والعنبري. وقلنا: الجماع يضاد الصوم، فيستوي فيه النائم وغيره، كالجماع في باب الحج، بخلاف الناسي؛ فإن القياس أن يجب فيه القضاء كما قال مالك، إلا أنا تركناه بالخبر، والعدول عنه لا يقاس عليه غيره؛ ولهذا يلزمه القضاء على المكرهة، [بخلاف] (٦) الناسي. كذا في جامع الإسبيجابي (٧). أعلم. ولا يمكن إلحاقه بالدلالة؛ لما ذكرنا في الكتاب، والله

стр. 1945

فصل فيما يوجبه عَلَى نَفْسِهِ (وَإِذَا قَالَ: «لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ» وَقَضَى): فَهَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّهُ نَذْرٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَلَنَا: أَنَّهُ نَذَرَ بِصَوْمٍ مَشْرُوعِ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَرْكُ إِجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَصِحٌ نَذْرُهُ لَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنِ المَعْصِيَةِ المُجَاوِرَةِ، ثُمَّ يَقْضِي إِسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ العُهْدَةِ، لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا التَزَمَهُ. [فصل فيما يوجبه على نفسه] لما فرغ عن بيان ما أوجبه الله تعالى؛ شرع في بيان ما أوجبه العباد على أنفسهم؛ إذ إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى. وفي النهاية: والأصل ما ذكره شيخي ﵀: أن النذر لا يصح إلا بثلاث شرائط في الأصل، إلا إذا قام الدليل على خلافه: أحدها: أن يكون من جنس ما أوجبه الله تعالى. والثاني: أن يكون مقصودا لا وسيلة. والثالث: أن لا يكون واجبًا عليه في الحال، أو في ثاني الحال؛ فلذلك لا يصح النذر بعيادة المريض؛ لانعدام الأول، ولا بالوضوء وسجدة التلاوة؛ لانعدام [الشرط] (١) الثاني، ولا بالمكتوبات؛ لانعدام [الشرط] (٢) الثالث (٣). (أداه كما التزمه): والأصل أن مطلق النذر يتناول الحامل، فلا يخرج عن عهدته بالناقض، أما إذا كان بدلًا مضافًا إلى الناقض فيؤدى بالناقض؛ لأنه ما التزم إلا هذا النذر، وقد أدى كما التزم، كمن نذر (٤) أن يعتق هذه الرقبة، وهي عما يخرج عن نذره بإعتاقها.

стр. 1946

(وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينِ) يَعْنِي: إِذَا أَفْطَرَ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهِ سِتَّةِ: إِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، أَوْ نَوَى النَّذْرَ لَا غَيْرَ، أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا لِأَنَّهُ نَذَرَ بِصِيغَتِهِ. كَيْفَ وَقَدْ قَرَّرَهُ بِعَزِيمَتِهِ؟ وَإِنْ نَوَى اليَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَدْرًا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّ اليَمِينَ مُحْتَمِلُ كَلَامَهُ وَقَدْ عَيَّنَهُ وَنَفَى غَيْرَهُ، وَإِنْ نَوَاهُمَا يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَكُونُ نَذْرًا (*)، وَلَوْ نَوَى اليَمِينَ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَكُونُ وإن كان مطلق النذر أو شيء من الواجبات لا يتأتى بها، وكمن نذر أن يصلي عند الطلوع؛ فله أن يصلي في وقت آخر، وإن صلى في ذلك الوقت خرج من نذره. كذا في المبسوط (١). وفي الإيضاح: وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه شيء، وهو رواية محمد عن أبي يوسف، وقول زفر (٢)، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥). ووجهه: أن صحة النذر تتوقف على ما هو قربة محضة، وقد سقط معنى التمحض، فلم يصح معنى النذر، أما وجود الصوم لا يتوقف على كونه قربة محضة فيصح. قوله: (على وجوه ستة): ففي الثلاث الأول يكون نذرًا بالإجماع، وفي الرابع يكون يمينًا بالإجماع، وفي الآخرين اختلاف. وجه قول أبي يوسف: إن حكم النذر مخالف لحكم اليمين، فلا يجتمعان في كلام واحد، كقوله لامرأته: أنت علي حرام، إن نوى به الطلاق كان طلاقا، وإن نوى به اليمين كان يمينا، فلا يجتمعان وإن نواهما.

стр. 1947

يَمِينًا. لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ النَّذْرَ فِيهِ حَقِيقَةٌ، وَاليَمِينَ مَجَازٌ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ الأَوَّلُ عَلَى النِّيَّةِ، وَيَتَوَقَّفَ الثَّانِي فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا، ثُمَّ المَجَازُ يَتَعَيَّنُ بِنِيَّتِهِ، وَعِنْدَ نِيَّتِهِمَا تَتَرَجَّحُ الحَقِيقَةُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْن الجِهَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ الوُجُوبَ، إِلَّا أَنَّ النَّذْرَ يَقْتَضِيهِ لِعَيْنِهِ وَاليَمِينَ لِغَيْرِهِ، فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، كَمَا جَمَعْنَا بَيْنَ جِهَتَي التَّبَرُّعِ وَالمُعَاوَضَةِ فِي الهِبَةِ بِشَرْطِ العِوَضِ. وما ذكر في الكتاب (ولهما: لا تنافي بين الجهتين)؛ أي: اليمين والنذر؛ لأن النذر إيجاب المباح، ويلزم [منه] (١) تحريم المباح؛ لكن هو يلزم ضمنا لإيجاب المباح، فإذا نواهما؛ اعتبر كونه نذرا بصيغته، ويمينا بمعناه، كالإقالة فسخ في حق المتعاقدين بصيغتهما، بيع في حق الثالث بمعناه. كذا في المبسوط (٢)، وجامع التمرتاشي، ويعرف تمام هذا البحث في الأصول. (يقتضيه)؛ أي: الوجوب. (لعينه)؛ أي: لعين النذر؛ لأن لفظه للإيجاب وضعا لغيره؛ وهو صيانة حرمة اسم الله تعالى عن الهتك، ولا منافاة بينهما. فإن قيل: عدم المنافاة بينهما مسلم، ولكن يلزمه إجماع الحقيقة والمجاز في الإرادة؛ إذ لا يتأتى في كل صورة اجتماعهما. قيل في جوابه: لا يكون هذا جمعا؛ لأن المجاز ثبت بدليله، والحقيقة بدليلها، فإن الفعل الواجب يجوز أن يكون واجبا لعينه ولغيره، [كمن حلف أن يصلي ظهر هذا اليوم في الوقت؛ فيجب أداء الظهر لعينه ولغيره] (٣)، حتى يجب القضاء باعتبار وجوب عينه، والكفارة باعتبار الوجوب لغيره، ولا يسمى هذا مجازا؛ بل هو عمل بالدليلين، كما في الهبة بشرط العوض، جعل هبة في الابتداء للفظ الهبة، وبيعا في الانتهاء؛ لدلالة المعاوضة، فاعتبرت في الأحكام

стр. 1948

(وَلَوْ قَالَ: «لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ السَّنَةِ» أَفْطَرَ يَوْمَ الفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقَضَاهَا) لِأَنَّ النَّذْرَ بِالسَّنَةِ المُعَيَّنَةِ نَذْرٌ بِهَذِهِ الأَيَّامِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَكِنَّهُ شَرَطَ التَّتَابُعَ، لِأَنَّ المُتَابَعَةَ لَا تَعْرَى عَنْهَا لَكِنْ يَقْضِيهَا فِي هَذَا الفَصْلِ مَوْصُولَةٌ تَحْقِيقًا لِلتَّتَابُعِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ، وَيَتَأَنَّى فِي هَذَا خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلنَّهْي عَنْ الصَّوْمِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا لَا تَصُومُوا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالِ» وَقَدْ بَيَّنَّا الوَجْهَ فِيهِ وَالعُذْرَ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطُ التَّتَابُعَ لَمْ يُجْزِهِ صَوْمُ هَذِهِ الأَيَّامِ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيمَا يَلْتَزِمُهُ الكَمَالُ، وَالمُؤَدَّى نَاقِصٌ لِمَكَانِ النَّهْيِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَيَّنَهَا، لِأَنَّهُ التَزَمَ بِوَصْفِ النُّقْصَانِ، فَيَكُونُ الأَدَاءُ بِالوَصْفِ المُلْتَزَمِ. قَالَ: (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينِ إِنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا) وَقَدْ سَبَقَتْ وُجُوهُهُ. (وَمَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي «النَّوَادِرِ»: أَنَّ عَلَيْهِ القَضَاءَ) لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ، وَصَارَ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِي الوَقْتِ المَكْرُوهِ. وَالفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ ظَاهِرُ الثلاثة جهة التبرع؛ وهي اشتراط التقابض والبطلان بالشيوع، وعدم جواز تصرف المأذون، واعتبرت جهة المعاوضة فيها؛ وهي خيار الرؤية، وخيار الرد بالعيب، واستحقاق الشفعة على ما يأتي إن شاء الله تعالى. كذا في الخبازية (١). وفيه تأمل. وفي الإيضاح: النذر للإيجاب في الذمة، والوجوب في الذمة يلزم الخروج عن العهدة، واليمين يؤكد معنى اللزوم، فلم يكن بين الموجبين تناف؛ لأن ما يؤكد الشيء لا ينافيه، وأما وجوب القضاء والكفارة حال عدم الوفاء؛ فحكم آخر سوى الموجب الأصلي؛ وهو لزوم الوفاء، فجعلناه مؤكدا له (٢). قوله: (والفرق لأبي حنيفة): أن الفرق بين [الصوم الذي شرع في يوم النحر

стр. 1949

الرِّوَايَةِ: أَنَّ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ يُسَمَّى صَائِمًا حَتَّى يَحْنَثَ بِهِ الحَالِفُ عَلَى بأنه لا قضاء عليه إذا أفطر، وبين النذر بصوم يوم النحر، والصلاة التي شرعت في الأوقات المكروهة بين [(١) النذر]، والشروع في صوم يوم النحر. وفي جامع الإسبيجابي: ذكر محمدًا مع أبي حنيفة؛ هو أن القضاء إنما يبتني على سلامة الموجب عن شبهة الحرمة لم ينهض سببًا موجبًا للقضاء؛ لوجود الشك في إثم الصوم في هذه الأيام لا ينفك عن الحرام، فلو وجبت صيانته من حيث إنه قربة، فلم يجب من حيث إنه معصية، فلا تجب الصيانة بالقضاء عند الشك، ووجوب القضاء على الفطرة؛ يبتني على وجوب الإتمام؛ صيانة لما أدى، وما أدى [غير] (٢) واجب الصيانة؛ لما فيه من ارتكاب المنهي، فلا يجب حفظه (٣). وأما النذر بصوم هذه الأيام؛ فليس فيه شائبة الحرمة؛ إذ ليس فيه ارتكاب المنهي؛ بل فيه إيجاب الفعل على نفسه بتسمية الله تعالى، واسمه تعالى واجب الصيانة، وإنما ارتكاب المنهي وهو القضاء في فعله من وجه؛ فكان النادر به داخلا تحت خطاب الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله ﵇: «أوفِ بِنَذْرِكَ»، فيجب الوفاء على وجه لا يلزم ارتكاب المنهي؛ وهو القضاء في غير هذه الأيام. أما الفرق بين الشروع في [الصوم في] (٤) هذه الأيام، وبين الشروع في الصلاة فوجهان: أحدهما: ما ذكر في الكتاب، توضيحه: أن بمجرد الشروع فيها لا يصير مرتكبًا للمنهي؛ [أي] (٥) بمجرد التكبير لا يصير مصليًا، بدليل [مسألة] (٦).

стр. 1950

الصَّوْمِ فَيَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ، فَيَجِبُ إِبْطَالُهُ فَلَا تَجِبُ صِيَانَتُهُ وَوُجُوبُ القَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَيْهِ، وَلَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ النَّذْرِ وَهُوَ المُوجِبُ، وَلَا بِنَفْسِ اليمين؛ فلذلك صح في الشروع، فوجبت صيانته، وأما في الصوم فبمجرد الشروع يصير صائمًا، بدليل مسألة اليمين، فيكون فيه مرتكبا للمنهي عنه؛ وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى؛ إذ هو يحصل كما أمسك، ولأن الشروع في الصلاة بالتكبير وهو شرطها، وفي الصوم الإمساك وهو جزؤه، فيكون تحصيل الشروع في الصوم بالجزء، وفي الصلاة بالشرط. والثاني: أن هناك يمكنه الأداء بذلك الشروع لا بصفة الكراهة؛ بأن يصبر حتى تبيض الشمس؛ فلذلك لزمته، وهاهنا بعد الشروع لا يمكنه الأداء بدونها؛ فلذلك لم تلزمه. كذا في المبسوط (١)، وغيره. وفي جامع الإسبيجابي: عن أبي عبد الله البلخي أنه قال: الحرمة إذا كانت قوية لا يجوز العقد ولا المباشرة، كما في الميتة والخمر؛ فإن حرمتها قوية، فلا يجوز العقد والمباشرة، وإذا كانت الحرمة ضعيفة يجوز العقد ولا تجوز المباشرة، كما في دهن وقعت فيه فأرة فماتت فيه؛ فإن حرمته ضعيفة؛ لأنهم اختلفوا فيه، فيجوز العقد ولا تجوز المباشرة (٢)، فكذا هاهنا حرمة صوم أيام الحيض قوية؛ لأنهم لم يختلفوا فيها، ولا يجوز العقد والمباشرة، وحرمة صوم هذه الأيام ضعيفة؛ لأنهم اختلفوا فيه، فيجوز العقد ولا تجوز المباشرة. وأما الصلاة في الوقت المكروه يلزمه الافتتاح، وهو لا يكون على الدوام، فإذا أفسد بعد ذلك؛ فقد أفسد بعد ما تأكد إيجابه به، فصار بمنزلة إيجابه بالنذر. (ووجوب القضاء يبتنى عليه)؛ أي: على وجوب الصيانة. (ولا يصير مرتكبا للنهي بنفس النذر)؛ لما ذكر في الأصول: أن المعصية تتصل به فعلا لا قولا، والله أعلم.

стр. 1951

الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّ رَكْعَةً، وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ بِهِ الحَالِفُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَتَجِبُ صِيَانَةُ المُؤَدَّى، وَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالقَضَاءِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجِبُ القَضَاءُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَالأَظْهَرُ هُوَ الأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. باب الاعتكاف باب الاعتكاف أخره عن الصوم؛ لأنه شرطه والشرط مقدم طبعًا، فيقدم وضعًا. ثم الاعتكاف لغة: افتعال من عكف، وهو متعد، فمصدره العكف، [ولازم فمصدره العكوف] (١). والمتعدي بمعنى الجنس والمنع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]، ومنه الاعتكاف في المسجد؛ لأنه حبس النفس ومنعها. واللازم الإقبال على الشيء بطريق المواظبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وفي الشرع: هو لبث في المسجد مع النية. ثم هو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقيل: الاعتكاف كان مشروعًا في شريعة من قبلنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فقرره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وإضافته إلى المسجد دليل أنه قربة، وترك النكاح المباح لأجله دليل قربته. وأما السنة: فما روى أبو هريرة (٢) وأنس (٣) وعائشة (٤): أنه ﵊ كان في المدينة يعتكف العشر الأواخر من رمضان، إلى أن توفاه الله تعالى.

стр. 1952

قَالَ: (الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ) وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالمُوَاظَبَةُ دَلِيلُ السُّنَّةِ. وأما الإجماع: فإن الأمة اجتمعت على أنه قربة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وفيه تفريغ القلب عن أمور الدنيا، وتسليم النفس إلى بارئها، والتحصن بحصنه، وملازمة بيته تعالى. قال عطاء: مثل المعتكف؛ مثل رجل جلس على باب عظيم لحاجة، فالمعتكف يقول: لا أبرح حتى يغفر لي، فهو أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص. كذا في المبسوط (١). قوله: (والصحيح أنه سنة مؤكدة): وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). ولم يوجد في غير مختصر القدوري أنه مستحب، فالظاهر أنه أراد به السنة، كما أراد [به] (٥) في أول الكتاب بقوله: (والمستحب للمتوضئ) إلى آخره، فسماها مستحبة مع أنها سنة؛ لاستلزام السنة الاستحباب، ولكن ذكره المصنف أنه سنة. وفي شرح الأقطع: أن القدوري أراد به السنة (٦). وقال شيخ الإسلام: إنه سنة لا يأثم تاركها (٧). وقيل: إنه سنة على الكفاية، حتى لو تركه أهل بلدة تلحقهم الإساءة، وإلا فلا، كالتأذين. وقوله: (لأنه ﵊ واظب عليه): دليل الصحيح، قال

стр. 1953

(وَهُوَ اللُّبْثُ فِي المَسْجِدِ مَعَ الصَّوْمِ وَنِيَّةِ الاِعْتِكَافِ) أَمَّا اللُّبْثُ فَرُكْنُهُ، لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْهُ فَكَانَ وُجُودُهُ بِهِ، وَالصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ الزهري: عجبا من الناس، كيف تركوا الاعتكاف، وما تركه رسول الله ﷺ حتى قبض؟ فإن قيل: مطلق المواظبة يحمل على المواظبة من غير ترك، فحينئذ يكون دليل الوجوب. قلنا: نعم [كذلك] (١) إلا أنه ﵊ كان يأمر بفعله، ولم ينكر على تاركه، فدل أنه غير واجب. إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (٢). ولأنه روي أنه ﵇ أمر بقبة في المسجد ليعتكف، فدخل المسجد فرأى قبتين أخراوين، فسأل عنهما، فقيل: قبتا عائشة وحفصة، فغضب وقال: ألبر يردن؟ أي: يظهر، فأمر بنقض قبته، وترك الاعتكاف في تلك السنة، فعلم أنه غير واجب لتركه مرة. قوله: (والصوم من شرطه)؛ أي: شرط الاعتكاف. (عندنا): وبه قال مالك (٣)، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم، وهو مذهب عائشة، وإحدى الروايتين عن علي. وقال الشافعي في الجديد: ليس بشرط (٤)، وبه قال أحمد في رواية (٥)، وهو مذهب ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن علي، وهو القياس؛ لأن الصوم عبادة بنفسه مقصودة، فلا يكون شرطا لغيره، خصوصا لما هو قربة. وعن ابن عباس أنه ﵊ قال: «ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه». رواه الدارقطني (٦).

стр. 1954

فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ، هُوَ يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ وروي أن عمر سأل النبي ﵇ فقال: إني [نذرت] (١) في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فأمره ﵇ بالوفاء، والليل لا يصام، ولأن ابتداء الاعتكاف في حق من نذر أن يعتكف شهرا من وقت الغروب، وما يكون شرطا للعبادة يشرط قرانه بأولها كالطهارة. ولنا: ما روت عائشة أنه ﵇ قال: «لا اعتكاف إلا بالصوم». رواه أبو داود في سننه (٢)، ولأنه لو قال: لله عليَّ أن اعتكف صائما؛ يلزمه الصوم بالإجماع. وقوله: (صائما) لا يصلح أن يجعل نصبًا على المصدر، كما يقال: ضربته وجيعًا؛ أي: ضربًا وجيعًا، فإنه حينئذ يصير كأنه قال: أعتكف اعتكافًا صائما، والصوم لا يكون صفة الاعتكاف؛ لأنه لبث في المسجد لتعظيمه تعالى، والصوم كف النفس عن الشهوتين، فتعين أنه نصب على الحال، والحال خلو عن الإيجاب؛ لأنه صفة الموجب [لا صفة الواجب] (٣)، ومع ذلك يلزم الجمع بينهما، فعرف [أنه] (٤) إنما لزمه؛ [لأنه] (٥) شرط في الاعتكاف. كذا في المبسوط (٦). ووثق حديث [عائشة] (٧) يحيى بن معين، وأخرجه مسلم في صحيحه (٨). فإن قيل: النص وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مطلق، فلا يجوز الزيادة عليه بخبر الواحد. قلنا: النص لم يبق على إطلاقه؛ فإن المراد بالعكوف؛ العكوف الشرعي،

стр. 1955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو العكوف مع النية، حتى لو اعتكف بلا نية لا يجوز بالإجماع، فعلم أنه لا يبقى على إطلاقه، فيجوز الزيادة عليه بخبر الواحد. إليه أشير في الكافي (١). وفي النهاية: الإمساك عن الجماع ثبت شرطًا [لصحة الاعتكاف] (٢) بهذا النص القطعي، وهو إحدى ركني الصوم، فبعد ذلك يلحق الإمساك عن الأكل والشرب بطريق الدلالة؛ لاستواء هذه الثلاثة في الإباحة والحظر من كل وجه في الصوم؛ لما عرف في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٣) فالحديث ورد موافقًا له (٤)، وفيه نوع تأمل. وأما الجواب عن كلام الخصم فوجهان: أن الصوم شرط للاعتكاف، والشرائط إنما تثبت بحسب الإمكان، ولا يمكن اشتراط الصوم؛ لئلا يسقط للتعذر، وجعل الليالي تبعًا للأيام، كما أن الشرب أو الطريق يجعل تبعا في تبع الأرض. والثاني: أن شرط الاعتكاف أن يكون مؤدى في وقت الصوم، وبوجود الصوم في الشهر يتصف بجميع الشهر، فإنه وقت الصوم دليله شهر رمضان، فصار الشرط [به] (٥) موجودًا. وأما حديث عمر ﵁ دليلنا؛ فإنه ﵊ قال له: «اعتكف وصم»، هكذا ذكره أبو عيسى في مسنده (٦)، وتبين أن الصحيح من الرواية

стр. 1956

وَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِالصَّوْمِ» وَالقِيَاسُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصُ المَنْقُولِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، ثُمَّ الصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الوَاجِبِ مِنهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةً، وَلِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ فِيمَا رَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنه قال: إني نذرت أن أعتكف يوما. كذا في المبسوط (١)، وغيره. قال أبو الفرج: إن عمر ﵁ جعل على نفسه اعتكاف يوم، ذكره في الصحيحين، فيجوز أن يعتبر الراوي تارة بيوم، وتارة بليلة. وفي الذخيرة الصوم كان في أول الإسلام بالليل، ولعل ذلك كان قبل نسخه (٢). وأنكر النواوي الاستدلال بحديث عمر؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله. وأما حديث الدارقطني عن ابن عباس؛ فقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وعصيبية الدارقطني معروفة. وأما قوله: (الصوم أصل بنفسه، فلا يكون شرطًا لغيره)؛ فإن الإيمان أصل بنفسه، وشرط لجميع العبادات، مع أن هذا معقول في مقابلة النص. لصحة الواجب منه؛ أي: من الاعتكاف. (رواية واحدة)؛ أي: في جميع الروايات من غير تردد في الرواية. [ثم] (٣) لما اشترط الصوم لصحته؛ يجب أن يكون الصوم واجبًا عليه من أوله، حتى أن رجلا صام تطوعًا، ثم قال في بعض النهار: علي اعتكاف هذا اليوم؛ لا يجب الاعتكاف عليه، سواء كان ذلك قبل نصف النهار أو بعده؛ لأنه لا يصح إلا بالصوم، وإذا وجب الاعتكاف وجب الصوم، والصوم في أول النهار انعقد تطوعًا، فتعذر جعله واجبًا. كذا ذكره الولوالجي (٤).

стр. 1957

لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَا وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ. وَفِي رِوَايَةِ الأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (*): - أَقَلُّهُ سَاعَةٌ فَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ … ... … . في الْمُجْتَبى: في بحر المحيط، وكنز الروس وخزانة الأكمل: أقل مدة الاعتكاف يوم عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: أكثر من نصف يوم، وعند محمد: ساعة (١). وفي درر الفقه: قال محمد: لو نذر اعتكاف ساعة يصح، وعند أبي يوسف: لابد من زيادة على نصف يوم (٢)، فثبت بهذا أن النذر بأقل من يوم جائز عنده. وفي شرح بكر: صام، فلما كان قبل الزوال قال: (الله تعالى علي أن أعتكف هذا اليوم)؛ صح نذره عندهما، خلافًا لأبي حنيفة (٣). (لظاهر ما روينا)؛ وهو قوله ﵊: «لا اعتكاف إلَّا بالصوم»، وبه قال مالك (٤). (وفي رواية الأصل)؛ أي: المبسوط، جعل في شرح المبسوط (٥)، وشرح الطحاوي، وفتاوى قاضي خان، والذخيرة: هذه الرواية ظاهر رواية علمائنا الثلاثة، فإنه إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف؛ فهو معتكف (٦) ما أقام به، تارك له لو أخرج (٧)، وبه قال الشافعي (٨) [﵁] (٩)، وأحمد (١٠).

стр. 1958

لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى المُسَاهَلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْعُدُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ قَطَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ القَضَاءُ فِي رِوَايَةِ الأَصْلِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَمْ يَكُنْ القَطْعُ إِبْطَالًا، وَفِي رِوَايَةِ الحَسَنِ: يَلْزَمُهُ، لِأَنَّهُ مُقَدَّرُ بِالْيَوْمِ كَالصَّوْمِ. (لأن مبنى النفل على المساهلة)؛ حتى تجوز صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، والصوم شرط في الواجب بالنص الوارد فيه دون النفل؛ لقوله ﵊: «ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه» (١)؛ معناه: إلا أن يوجب الاعتكاف؛ لأنه لا يشكل أن الصوم يلزمه متى أوجبه، ولأن معنى القربة يحصل بأصل اللبث كالوقوف بعرفة. كذا في الإيضاح (٢). فإن قيل: ينبغي أن لا يجب الاعتكاف بالنذر؛ لأنه إنما يجب بالنذر ما كان من جنسه أوجب الله تعالى، أما إذا لم يكن؛ فلا يجب، كالنذر بصوم الليل، والاعتكاف من جنسه ليس بواجب لله تعالى. قلنا: بل من جنسه واجب لله تعالى؛ وهو اللبث بعرفة يوم عرفة، وهو الوقوف، أو النذر بالشيء إنما يصح إذا كان من جنسه واجب لله تعالى، أو يشتمل على الواجب، وهذا كذلك؛ لأنه مشتمل على الصوم، ومن جنس الصوم واجب، فيكون النذر به مشتملا على اللبث والصوم، ومن [جنس] (٣) الصوم واجب، وإن لم يكن من جنس اللبث واجب، فيصح النذر على هذا. نقل عن صدر سليمان (٤). وفي جامع فخر الإسلام: النذر بالاعتكاف صحيح، وإن كان ليس لله تعالى من جنسه إيجاب؛ لأنه إنما شرع لدوام الصلاة؛ ولذلك صار قربة، فصار التزامه بمنزلة التزام الصلاة، وهي عبادة مقصودة (٥). قوله: (ولو شرع فيه)؛ أي: في اعتكاف النفل. (وفي رواية الحسن: يلزمه)؛ أي: القضاء؛ لضرورة لزوم القضاء [في

стр. 1959

ثُمَّ الاعْتِكَافُ لَا يَصِحُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ الجَمَاعَةِ، لِقَوْلِ حُذَيْفَةَ ﵁: «لَا شرطه] (١) وهو الصوم، إلا أن يكون اعتكاف التطوع لازم الإتمام في نفسه. إليه أشير في مبسوط الإسبيجابي (٢). وفي شرح الطحاوي: لو قطع اعتكاف التطوع ليس بشيء، فرق [بين] (٣) هذا وبين ما إذا صام من غير أن يوجبه على نفسه ثم قطعه؛ فإن عليه القضاء (٤). وجه الفرق: أن كل جزء من [اللبث وإن قل يقع على خلاف العادة؛ يصلح عبادة في نفسه، أما كل جزء من] (٥) الإمساك مفتقر إلى أجزاء أخر في كونه عبادة؛ لأن أحوال الإنسان على ما عليه العادة لا يخلو عن قليل إمساك، فجزء منه لا تقع عبادة تامة. قوله: (لا يصح إلا في مسجد الجماعة): وبه قال [أحمد (٦). وقال] (٧) الشافعي (٨)، ومالك (٩): يصح في المساجد كلها، حتى لو جعل بعض بيوت داره مسجدًا؛ يجوز أن يعتكف فيه، والمسجد الجامع أفضل، والرجل والمرأة فيه سواء، حتى يكره للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم يفصل بين مسجد ومسجد، ولأن جميع المساجد محترمة؛ بدليل حرمة دخولها للجنب والحائض، وتجب صيانتها عن النجاسات. وحكي عن حذيفة: لا يصح إلا في ثلاثة مساجد مسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، والمسجد الأقصى (١٠)؛ لقوله ﵊: «لَا تُشَدُّ

стр. 1960

اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ»، الرحال إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ» (١)، وهي هذه المساجد. وعلى هذا لا يصح إلا في المسجد الجامع، وهو مذهب الزهري، وذكر أبو حامد: وأومأ الشافعي إليه في القديم؛ لئلا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، ولكثرة الجماعة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. واختلفت الرواية عن ابن مسعود وحذيفة، فروي أن حذيفة قال لابن مسعود: عجبا من قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى وأنت لا تمنعهم، فقال ابن مسعود: إنما حفظوا ونسيت، وأصابوا وأخطأت كل مسجد جماعة يعتكف فيه. وري [أن ابن مسعود] (٢) مرَّ بقوم معتكفين، فقال: وهل يكون الاعتكاف إلا في المسجد الحرام؟ فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مسجد له إمام ومُؤذِّنٌ فَإِنَّهُ يُعتَكفُ فيهِ». وفي الكتاب: عن حذيفة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة؛ هذا بيان لحكم الجواز، فأما الأفضل؛ فالاعتكاف في المسجد الحرام من سائر المساجد، ثم في المسجد الجامع. وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه كان يكره الجوار بمكة، ويقول: إنها ليست بدار هجرة؛ فإن النبي ﷺ هاجر منها إلى المدينة. وعلى قول صاحبيه: لا بأس بذلك، وهو أفضل، وعليه عمل الناس. كذا في المبسوط (٣). وفي الْمُجْتَبى: أفضل الاعتكاف في المسجد الحرام، ثم في مسجد المدينة، ثم في بيت المقدس، ثم في جامع الكوفة (٤). (إلا في مسجد جماعة)؛ أي: مسجد يصلى فيه صلاة واحدة بجماعة، وهي رواية عن أبي حنيفة ﵁.

стр. 1961

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، لِأَنَّهُ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ تُؤَدَّى فِيهِ، أَمَّا المَرْأَةُ فَتَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لِأَنَّهُ هُوَ المَوْضِعُ لِصَلَاتِهَا فَيَتَحَقَّقُ انْتِظَارُهَا فِيهِ. وروى الحسن عنه -وهو المختار-: مسجد له إمام ومؤذن، ويصلى فيه الصلوات الخمسة؛ ليتحقق معنى الانتظار للصلاة؛ إذ الاعتكاف شرع لأجله (١). وفي الإيضاح: روى الحسن [عن أبي حنيفة رضي الله] (٢) عنه: أنه لا يصح إلا في مسجد تصلى فيه الصلوات كلها (٣). وفي الذخيرة: قيل: أراد أبو حنيفة بهذا غير المسجد الجامع، فإن المسجد الجامع يجوز للاعتكاف، وإن لم تُصلَّ الصلوات كلها بجماعة (٤). وفي المنتقى: عن أبي يوسف: الاعتكاف الواجب لا يصح في غير مسجد الجماعة، أما النوافل فيصح أداؤه في غير مسجد الجماعة (٥). قوله: (وأما المرأة فتعتكف) [إلى آخره] (٦): قال الشافعي في الجديد: اعتكاف [المرأة] (٧) في مسجد بيتها؛ وهو المكان الذي تصلي فيه عادة لا تجوز (٨)، وهو قول مالك (٩)، وأحمد (١٠)؛ لأنه يجوز للجنب والحائض الجلوس فيه، وجاز بيعه فصار كالبيت والصفة. وقال في القديم: يجوز، وهو قولنا؛ لأن صلاتها فيه أفضل، وموضع الاعتكاف مكان الصلاة، فكان اعتكافها فيه.

стр. 1962

(وَلَا يَخْرُجُ مِنْ المَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ أَوْ الجُمُعَةِ) أَمَّا الحَاجَةُ فَلِحَدِيثِ ولما روينا من حديث قبة عائشة وحفصة (١)، فإذا كره لهنَّ النبي ﵇ الاعتكاف في المسجد، مع أنهنَّ كنَّ يخرجن إلى الجماعة في ذلك الوقت؛ فلأن يمنعن في زماننا أولى. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁: أن اعتكافها في مسجد الجماعة جائز؛ لكن في مسجد بيتها أفضل هو الصحيح؛ لأن مسجد الجماعة يدخله كل أحد، وهي طول النهار لا تقدر أن تكون مستترة، ويخاف [عليها] (٢) الفتنة من الفسقة، فالمنع لهذا المعنى راجع إلى الاعتكاف، فلا يمنع جوازه في غيره، والحرمة التي ذكرها إنما يثبت في المسجد المطلق لا المقيد، ونحن لا نسلم أن شرط الاعتكاف المسجد. فإن قيل: الله تعالى ذكر المساجد مطلقا، فلابد من الدليل على أن المراد المساجد المقيدة. قلنا: إنما كانت المساجد المطلقة شرطًا والله أعلم؛ لأن حال الصلاة حال القرب، والتخلي بالله تعالى للنجوى والثناء والاستغفار، والإخلاص لله تعالى بكل جارحة بالتحرم عن جميع أفعال الدنيا، فإن نفس اللبث من المعتكف هو العبادة في المكان المُعَدِّ للصلاة، ولما كان المسجد شرطا؛ لأنه مكان الصلاة لم يشترط فيه معنى آخر، وهو مكان صار لله تعالى، وقد ذكرنا أن صلاتها في بيتها أفضل؛ فلذلك كان الاعتكاف لها فيه أفضل، وتلك البقعة في حقها كمسجد الجماعة في حق الرجل منه. ([لا يخرج] (٣) منه إلا لحاجة الإنسان): ولو حاضت خرجت، ولا يلزمها به

стр. 1963

عَائِشَةَ ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﵊ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ» وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ الخُرُوجِ فِي تَقْضِيَتِهَا فَيَصِيرُ الخُرُوجُ الاستقبال إذا كان اعتكافها شهرًا أو أكثر. هذا كله من المبسوط (١)، والأسرار. وفي الْمُجْتَبى: لو لم يكن في بيتها مسجد؛ تجعل فيه مسجدًا فتعتكف فيه (٢). ولو اعتكفت في مسجد بيتها؛ فليس لزوجها أن يأتيها، ولا أن يمنعها منه؛ لكن لا ينبغي [لها] (٣) أن تعتكف بغير إذن الزوج، والأمة لا تعتكف بغير إذن المولى، ويكره له بعد الإذن أن يخرجها ويأتيها، وكذا العبد لا يعتكف بغير إذنه، ولو آذن لهما ثم منعهما صح ويأثم، وبه قال الشافعي (٤) ﵁. وقال مالك: ليس له أن يمنعهما (٥). وعند الشافعي ﵁: لا يجوز أن تعتكف المرأة بغير إذن الزوج، كالعبد والأمة بغير إذن المولى، أما المكاتب لو اعتكف بغير إذنه؛ يصح وليس له منعه (٦). وقال مالك: له منعه (٧). ولو طلقت المعتكفة في المسجد أو توفي عنها زوجها؛ جاز لها الرجوع إلى بيتها لتعتد فيه، وتبني على اعتكافها. وعند الشافعي ﵁: عليها أن ترجع إلى بيتها وتعتد فيه، ثم ترجع إلى المسجد وتبني على اعتكافها (٨).

стр. 1964

لَهَا مُسْتَثْنَى، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطُّهُورِ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَأَمَّا الجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ وَهِيَ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الخُرُوجُ إِلَيْهَا مُفْسِدٌ، وعند مالك: تتم اعتكافها فيه (١). قوله: (ولا يخرج من المسجد … ) [إلى آخره] (٢) ثم في خروجه لقضاء الحاجة لا يتفاوت بين أن يدخل تحت سقف غير سقف المسجد أو لا؛ فإنه جائز. وكان مالك يقول: إذا خرج للحاجة لا ينبغي أن يدخل تحت سقف، فإذا آواه سقف غير سقفه؛ فسد اعتكافه؛ لعدم الضرورة فيه (٣). وهذا ليس بشيء؛ فإنه ﵊ كان يدخل حجرته إذا خرج لحاجته. كذا في المبسوط (٤). (فراغه من الطهور) -بفتح الطاء-: مصدر. قال المبرد: خمسة من المصادر على فعول بفتح الفاء: الطهور، والوضوء، والقبول، والوزوع، والولوع. كذا في الفوائد الظهيرية (٥). قوله: (لأنه يمكنه الاعتكاف) وهذا في اعتكاف النذر، ويكون فوق سبعة أيام، فإن فيما دونها اعتكف في أي مسجد شاء عنده؛ لأن ركن الاعتكاف المقام فيه، والخروج منه ضده، فيكون مفسدا إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة في الخروج إلى الجمعة؛ لأنه يمكن أن يعتكف في الجامع على وجه لا يحتاج إلى الخروج، وإنما يحتاج إلى الخروج إليها بسبب اختياره لمسجد آخر، فلا يكون عفوا، كخروجه للعبادة أو للجنازة، أو لزيارة قادم من سفر، أو نجي إنسان رآه يغرق، وإن كان ذلك فرضا؛ لأنه وجب بعارض وقوع ذلك الإنسان

стр. 1965

لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الاعْتِكَافُ فِي الجَامِعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ في الماء، فأعانه في أصل الوضع، بخلاف الخروج إلى حاجة الإنسان. ويقوله (١): قال مالك (٢). ولنا: ما روي عن علي ﵁ أنه قال: المعتكف يخرج للغائط والبول والجمعة (٣)، وبهذا يعلم أن ما روي عن علي: أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في الجامع؛ غير ثابت، وحديث عائشة كما ذكر في الكتاب. (ولأنه)؛ أي: الخروج. (معلوم وقوعه): زمان اعتكافه، فصار مستثنى في نذرة الخروج للحاجة، وفي اعتكافه في الجامع ربما يكون خروجه أكثر؛ لأنه يحتاج لحاجة الإنسان إلى الرجوع إلى بيته، فإن كان بيته بعيدًا زاد خروجه على ما إذا اعتكف في مسجد حيه؛ لأنه يأتيه البول، ويحتاج في طول زمانه إلى الذهاب والمجيء. (وإذا صح الشروع)؛ أي: في مسجد غير الجامع مست الضرورة بعد، فأطلقت الخروج إلى الجمعة ضرورة لازمة؛ لأنه مأمور به. وأما قوله: الخروج إلى الجمعة يلزمه بسبب اختياره كذا وليس كذلك؛ لأنا نقول: الخروج إليها من وظائف العمر لكل إنسان قبل أن يعتكف؛ لأنه مخاطب به، وإنما سقط الخروج إليها باختياره الجامع، والمصر قبل أن يجب، لا أن يصير الخروج وظيفة [باختياره] (٤) البعد عن الجامع، فإنه على أصل سكناه خارج عن المسجد، فكان الخروج أصلا قبل الاعتكاف، فورد الاعتكاف على هذا الأصل، فبقي الخروج مستثنى. وبقولنا: قال البويطي من أصحابه (٥)، وأحمد (٦).
следующие страницы →