← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، لِأَنَّهُ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ تُؤَدَّى فِيهِ، أَمَّا المَرْأَةُ فَتَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لِأَنَّهُ هُوَ المَوْضِعُ لِصَلَاتِهَا فَيَتَحَقَّقُ انْتِظَارُهَا فِيهِ. وروى الحسن عنه -وهو المختار-: مسجد له إمام ومؤذن، ويصلى فيه الصلوات الخمسة؛ ليتحقق معنى الانتظار للصلاة؛ إذ الاعتكاف شرع لأجله (١). وفي الإيضاح: روى الحسن [عن أبي حنيفة رضي الله] (٢) عنه: أنه لا يصح إلا في مسجد تصلى فيه الصلوات كلها (٣). وفي الذخيرة: قيل: أراد أبو حنيفة بهذا غير المسجد الجامع، فإن المسجد الجامع يجوز للاعتكاف، وإن لم تُصلَّ الصلوات كلها بجماعة (٤). وفي المنتقى: عن أبي يوسف: الاعتكاف الواجب لا يصح في غير مسجد الجماعة، أما النوافل فيصح أداؤه في غير مسجد الجماعة (٥). قوله: (وأما المرأة فتعتكف) [إلى آخره] (٦): قال الشافعي في الجديد: اعتكاف [المرأة] (٧) في مسجد بيتها؛ وهو المكان الذي تصلي فيه عادة لا تجوز (٨)، وهو قول مالك (٩)، وأحمد (١٠)؛ لأنه يجوز للجنب والحائض الجلوس فيه، وجاز بيعه فصار كالبيت والصفة. وقال في القديم: يجوز، وهو قولنا؛ لأن صلاتها فيه أفضل، وموضع الاعتكاف مكان الصلاة، فكان اعتكافها فيه.

стр. 1962

(وَلَا يَخْرُجُ مِنْ المَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ أَوْ الجُمُعَةِ) أَمَّا الحَاجَةُ فَلِحَدِيثِ ولما روينا من حديث قبة عائشة وحفصة (١)، فإذا كره لهنَّ النبي ﵇ الاعتكاف في المسجد، مع أنهنَّ كنَّ يخرجن إلى الجماعة في ذلك الوقت؛ فلأن يمنعن في زماننا أولى. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁: أن اعتكافها في مسجد الجماعة جائز؛ لكن في مسجد بيتها أفضل هو الصحيح؛ لأن مسجد الجماعة يدخله كل أحد، وهي طول النهار لا تقدر أن تكون مستترة، ويخاف [عليها] (٢) الفتنة من الفسقة، فالمنع لهذا المعنى راجع إلى الاعتكاف، فلا يمنع جوازه في غيره، والحرمة التي ذكرها إنما يثبت في المسجد المطلق لا المقيد، ونحن لا نسلم أن شرط الاعتكاف المسجد. فإن قيل: الله تعالى ذكر المساجد مطلقا، فلابد من الدليل على أن المراد المساجد المقيدة. قلنا: إنما كانت المساجد المطلقة شرطًا والله أعلم؛ لأن حال الصلاة حال القرب، والتخلي بالله تعالى للنجوى والثناء والاستغفار، والإخلاص لله تعالى بكل جارحة بالتحرم عن جميع أفعال الدنيا، فإن نفس اللبث من المعتكف هو العبادة في المكان المُعَدِّ للصلاة، ولما كان المسجد شرطا؛ لأنه مكان الصلاة لم يشترط فيه معنى آخر، وهو مكان صار لله تعالى، وقد ذكرنا أن صلاتها في بيتها أفضل؛ فلذلك كان الاعتكاف لها فيه أفضل، وتلك البقعة في حقها كمسجد الجماعة في حق الرجل منه. ([لا يخرج] (٣) منه إلا لحاجة الإنسان): ولو حاضت خرجت، ولا يلزمها به

стр. 1963

عَائِشَةَ ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﵊ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ» وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ الخُرُوجِ فِي تَقْضِيَتِهَا فَيَصِيرُ الخُرُوجُ الاستقبال إذا كان اعتكافها شهرًا أو أكثر. هذا كله من المبسوط (١)، والأسرار. وفي الْمُجْتَبى: لو لم يكن في بيتها مسجد؛ تجعل فيه مسجدًا فتعتكف فيه (٢). ولو اعتكفت في مسجد بيتها؛ فليس لزوجها أن يأتيها، ولا أن يمنعها منه؛ لكن لا ينبغي [لها] (٣) أن تعتكف بغير إذن الزوج، والأمة لا تعتكف بغير إذن المولى، ويكره له بعد الإذن أن يخرجها ويأتيها، وكذا العبد لا يعتكف بغير إذنه، ولو آذن لهما ثم منعهما صح ويأثم، وبه قال الشافعي (٤) ﵁. وقال مالك: ليس له أن يمنعهما (٥). وعند الشافعي ﵁: لا يجوز أن تعتكف المرأة بغير إذن الزوج، كالعبد والأمة بغير إذن المولى، أما المكاتب لو اعتكف بغير إذنه؛ يصح وليس له منعه (٦). وقال مالك: له منعه (٧). ولو طلقت المعتكفة في المسجد أو توفي عنها زوجها؛ جاز لها الرجوع إلى بيتها لتعتد فيه، وتبني على اعتكافها. وعند الشافعي ﵁: عليها أن ترجع إلى بيتها وتعتد فيه، ثم ترجع إلى المسجد وتبني على اعتكافها (٨).

стр. 1964

لَهَا مُسْتَثْنَى، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطُّهُورِ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَأَمَّا الجُمُعَةُ فَلِأَنَّهَا مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ وَهِيَ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الخُرُوجُ إِلَيْهَا مُفْسِدٌ، وعند مالك: تتم اعتكافها فيه (١). قوله: (ولا يخرج من المسجد … ) [إلى آخره] (٢) ثم في خروجه لقضاء الحاجة لا يتفاوت بين أن يدخل تحت سقف غير سقف المسجد أو لا؛ فإنه جائز. وكان مالك يقول: إذا خرج للحاجة لا ينبغي أن يدخل تحت سقف، فإذا آواه سقف غير سقفه؛ فسد اعتكافه؛ لعدم الضرورة فيه (٣). وهذا ليس بشيء؛ فإنه ﵊ كان يدخل حجرته إذا خرج لحاجته. كذا في المبسوط (٤). (فراغه من الطهور) -بفتح الطاء-: مصدر. قال المبرد: خمسة من المصادر على فعول بفتح الفاء: الطهور، والوضوء، والقبول، والوزوع، والولوع. كذا في الفوائد الظهيرية (٥). قوله: (لأنه يمكنه الاعتكاف) وهذا في اعتكاف النذر، ويكون فوق سبعة أيام، فإن فيما دونها اعتكف في أي مسجد شاء عنده؛ لأن ركن الاعتكاف المقام فيه، والخروج منه ضده، فيكون مفسدا إلا بقدر الضرورة، ولا ضرورة في الخروج إلى الجمعة؛ لأنه يمكن أن يعتكف في الجامع على وجه لا يحتاج إلى الخروج، وإنما يحتاج إلى الخروج إليها بسبب اختياره لمسجد آخر، فلا يكون عفوا، كخروجه للعبادة أو للجنازة، أو لزيارة قادم من سفر، أو نجي إنسان رآه يغرق، وإن كان ذلك فرضا؛ لأنه وجب بعارض وقوع ذلك الإنسان

стр. 1965

لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الاعْتِكَافُ فِي الجَامِعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ في الماء، فأعانه في أصل الوضع، بخلاف الخروج إلى حاجة الإنسان. ويقوله (١): قال مالك (٢). ولنا: ما روي عن علي ﵁ أنه قال: المعتكف يخرج للغائط والبول والجمعة (٣)، وبهذا يعلم أن ما روي عن علي: أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في الجامع؛ غير ثابت، وحديث عائشة كما ذكر في الكتاب. (ولأنه)؛ أي: الخروج. (معلوم وقوعه): زمان اعتكافه، فصار مستثنى في نذرة الخروج للحاجة، وفي اعتكافه في الجامع ربما يكون خروجه أكثر؛ لأنه يحتاج لحاجة الإنسان إلى الرجوع إلى بيته، فإن كان بيته بعيدًا زاد خروجه على ما إذا اعتكف في مسجد حيه؛ لأنه يأتيه البول، ويحتاج في طول زمانه إلى الذهاب والمجيء. (وإذا صح الشروع)؛ أي: في مسجد غير الجامع مست الضرورة بعد، فأطلقت الخروج إلى الجمعة ضرورة لازمة؛ لأنه مأمور به. وأما قوله: الخروج إلى الجمعة يلزمه بسبب اختياره كذا وليس كذلك؛ لأنا نقول: الخروج إليها من وظائف العمر لكل إنسان قبل أن يعتكف؛ لأنه مخاطب به، وإنما سقط الخروج إليها باختياره الجامع، والمصر قبل أن يجب، لا أن يصير الخروج وظيفة [باختياره] (٤) البعد عن الجامع، فإنه على أصل سكناه خارج عن المسجد، فكان الخروج أصلا قبل الاعتكاف، فورد الاعتكاف على هذا الأصل، فبقي الخروج مستثنى. وبقولنا: قال البويطي من أصحابه (٥)، وأحمد (٦).

стр. 1966

مَشْرُوعٌ، وَإِذَا صَحَ الشُّرُوعُ فَالضَّرُورَةُ مُطْلَقَةٌ فِي الخُرُوجِ، وَيَخْرُجُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، لِأَنَّ الخِطَابَ يَتَوَجَّهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا عَنْهُ يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ إِدْرَاكُهَا وَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا، وَفِي رِوَايَةٍ سِدًّا: الأَرْبَعُ سُنَّةٌ، وَالرَّكْعَتَانِ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أَوْ سِتّا، عَلَى حَسَبِ الاِخْتِلَافِ فِي سُنَّةِ الجُمُعَةِ، وَسُنَتُهَا تَوَابِعُ لَهَا فَأُلْحِقَتْ بِهَا، وَلَوْ أَقَامَ فِي مَسْجِدِ الجَامِعِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافَهُ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اعْتِكَافٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ التَزَمَ أَدَاءَهُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَلَا يُتِمَّهُ فِي مَسْجِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَلَوْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ سَاعَةً بِغَيْرِ فإن قيل: الجمعة تسقط بأعذار كثيرة من السفر والرق، فجاز أن تسقط صيانة للاعتكاف؛ لأنه دون الجمعة وجوبًا؛ لأنه وجب بالنذر، وذلك وجب بإيجاب الله تعالى، وما وجب بإيجاب الله تعالى ليس للعبد أن يسقطه بإيجابه بالنذر، فإنه لو نذر صوم رجب فصام عن الكفارة صح، ولم يتغير حكمها فيه بإيجابه تعالى رمضان. كذا في الأسرار، والمبسوط (١). قوله: (ويخرج من حيث تزول الشمس): وفي المبسوط: قالوا: إذا كان مُعتكَفُهُ في الجامع، بحيث لو انتظر الزوال لا تفوته الخطبة، وإن كان بحيث تفوته بل يخرج في وقت يمكنه أن يأتي الجامع، فيصلي أربعا قبل الأذان عند المنبر (٢). وفي رواية الحسن: ستا، والركعتين تحية المسجد. قوله: (في مسجدين من غير ضرورة): قيد بغير الضرورة؛ لأن بالضرورة بأن انهدم المسجد أتمه في مسجدين؛ لأن المسجد بعد الانهدام لا يبقى معتكفا؛ لأن المعتكف مسجد يصلي فيه الخمس بجماعة، ولا يتأتى ذلك في المهدوم، فكان ذلك عذرًا في التحويل. كذا في شروح المبسوط (٣). وفي المرغيناني: لو أقام يومًا وليلة في المسجد الجامع أو أتمه فيه؛ جاز

стр. 1967

عُذْرٌ كالابتداء (١). وفي المبسوط: لا يستحب، وبه أخذ صاحبيه (٢). وعند مالك ﵁: يتم اعتكافه فيه (٣). وعند أحمد: له أن يتمه فيه، وفي مسجد آخر في طريقه (٤). وفي الإيضاح: لو انهدم المسجد وأخرج منه، فدخل آخر من ساعته؛ صح استحسانًا، والقياس أن يفسد اعتكافه؛ لأنه ترك اللبث فيه، فصار كما لو ترك باختياره (٥). وهذا القياس والاستحسان في الإكراه؛ لأنه عذر من جهة الآدمي، فلا يعتبر فيما يرجع إلى حقوق الشرع، وإنما استحسنوا ذلك؛ لأن اليسير [عفو بالاتفاق] (٦)، فإنه يحصل في خروجه للحاجة، فأما الانهدام؛ فإنما ظهر من جهته تعالى، فلا تبطل به العبادة. وفي شرح الإرشاد: وكذا لو أخرجه السلطان (٧)، ولو خرج في مسجد آخر بلا ضرورة يبطل اعتكافه عنده، وبه قال الشافعي (٨)، ومالك (٩)، وأحمد (١٠)؛ لأن نفس الخروج بلا ضرورة يفسده عندهم. وقيل: في المسجدين المتقابلين لا يفسده، والظاهر هو الأول. وفي شرح الطحاوي: الانتقال إلى مسجد آخر بغير عذر ناقض عند أبي

стр. 1968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حنيفة، خلافًا لهما (١). قوله: (فسد اعتكافه عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وهو القياس. إلا أن عند مالك ﵁ يخرج لعيادة أبويه، ولا يخرج لجنازتهما (٥)؛ لأن في القليل ضرورة؛ إذ في المنع منه حرج عظيم، فجوزنا ما دون الكثير؛ إذ القليل عفو بالاتفاق، بدليل سقوط حكم الثاني في حالة المسيء، وليس الكثير بعفو، فاعتبر الحد الفاصل بينهما الزائد على النصف. وله: أن الخروج ضد اللبث، فكان مبطلا له، قل أو كثر، كالأكل في باب الصوم، وأما الضرورة فمستثناة، والثاني في المشي من جمله الشيء. كذا في الإيضاح (٦). وفي المبسوط: قول أبي حنيفة أقيس، وقولهما أوسع وأيسر للمسلمين، وعندهما القليل عفو، وإن لم يوجد كثير ضرورة، فإنه إذا خرج لحاجة الإنسان لا يؤمر بأن يسرع المشي، فظهر أن القليل عفو، فجعلنا الحد الفاصل أكثر اليوم، كما قلنا في نية الصوم (٧). وفي الذخيرة: الاختلاف في الاعتكاف الواجب، أما [في] (٨) النفل؛ لا بأس بأن يخرج بعذر وبغير عذر في ظاهر الرواية؛ فإن التطوع غير مقدر فيه (٩).

стр. 1969

فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِوُجُودِ المُنَافِي وَهُوَ القِيَاسُ، وَقَالَا: لَا يُفْسِدُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ (*) وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ، لِأَنَّ فِي القَلِيلِ ضَرُورَةٌ. قَالَ: (وَأَمَّا الأَكْلُ وَالشَّرْبُ وَالنَّوْمُ يَكُونُ فِي مُعْتَكَفِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قوله: (ولم يكن له مأوى إلا المسجد)؛ أي: في غالب أحواله لم يتخذ مأوى إلا المسجد، فكان أكله متحققا فيه. (فلا ضرورة إلى الخروج)؛ لأنه لما أمكنه الأكل فيه؛ يفسد بخروجه للأكل والشرب؛ لتحقق الخروج بلا ضرورة، وبه قال مالك (١)، وابن سريج من أصحاب الشافعي ﵁ (٢)، وهو الأظهر عند صاحب التهذيب. وقال المزني، وأكثر أصحابه: له الخروج لهما؛ لأن في تكليفه الأكل في المسجد مشقة، ونوعًا من ترك المروءة أيضًا، [فإنه] (٣) قد يختار أن لا يعرف جنس طعامه لفقره أو لتورعه، فلو كلفناه الأكل فيه يفوته غرضه، وأيضًا قد يكون فيه غيره، ويشق عليه الأكل دونه، ولو أكل معه لم يكفيهما الطعام، فجعلنا ذلك عذرًا في إباحة الأكل في المنزل. كذا في تتمتهم (٤). وفي شرح الوجيز: لو عطش ولم يجد في المسجد ماء؛ يخرج، وإن وجد؛ فيه وجهان: أصحهما: لا يخرج؛ لأنه لا يستحى منه، ولا يعد تركه من المروءة، بخلاف الأكل (٥). وقلنا: لا ضرورة، فإن الاحتراز عن جميع ما ذكر ممكن؛ بأن يأخذ في معتكفه حجابًا من قبة وغيرها، ويفعل فيه ما شاء، وقد تواترت الأخبار أن طعام الصدقة كان يحمل إلى أصحاب الصُّفَّة وهم في المسجد، فيأكلونه فيه. كذا في شرح الإرشاد. وفي الخلاصة: الأعذار المبيحة للخروج: هدم المسجد، وإخراج السلطان

стр. 1970

وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَأْوَى إِلَّا المَسْجِدَ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَضَاءُ هَذِهِ الحَاجَةِ فِي كرها، وإخراج الغريم، وحاجة الإنسان، والخروج للجمعة (١). وفي الإيضاح: ولا يخرج لصلاة جنازة ولا لعيادة مريض؛ لأنها فرض يقوم بالغير، فلم يعد مسيئا، والعيادة من الفضائل (٢)، وقد روت عائشة ﵂ أنه ﵊ كان يمر بالمريض وهو معتكف، فيسأل عنه ولا يُعَرِّج عليه (٣)، وهذا بالإجماع. وأما المعتكف المتطوع؛ فلا بأس أن يعود المريض، وهذا على الرواية التي لا يقدر الاعتكاف، فلا يفسد بالخروج، وعلى الرواية الأخرى يفسد. وفي شرح الإرشاد ولا يخرج لأداء الشهادة وإن تعين لأدائها؛ لأن هذا لا يقع إلا نادرًا، ولا عبرة للنادر (٤)، وبه قال مالك (٥). وعند الشافعي: لو تعين أداؤها عليه لا يبطل بالخروج، وإن لم يتعين يبطل (٦). وفي اعتكاف النفل؛ الأولى أن لا يخرج ولو خرج لا يبطل. كذا في تتمتهم (٧). ولو خرج في الجنازة لا يبطل، سواء كان بابه خارج المسجد أو فيه. وقال بعض المشايخ: هذا في المؤذن، وفي غيره يفسد، والصحيح: أنه لا يبطل في حق الكل. كذا في الخلاصة (٨). وللشافعي ﵁ في المأذنة الخارجة من المسجد ثلاثة أقوال:

стр. 1971

المَسْجِدِ فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى الخُرُوجِ. أحدها: يجوز. والثاني: لا يجوز. والثالث: إن ألف الناس صورته جاز، وإلا فلا (١). ومنع سحنون من المالكية إمامة المعتكف في أحد قوليه في الفرض والنفل، وكذا أذانه في [غير المنارة، وفي] (٢) المنارة منعه مالك مرة، وأجازه أخرى مع العلماء (٣). قوله: (ولا بأس بأن يبيع ويبتاع) وفي المبسوط: ولا بأس بأن يشتري ويبيع في المسجد، ويتحدث ما بدا له بعد، إلا [أن] (٤) يكون إثمًا، فإنه ﵇ كان يتحدث مع الناس في معتكفه، والصمت ليس بقربة في شريعتنا، والبيع والشراء من جنس الكلام المباح فلا بأس به، وهذا قول الكل (٥). وفي التجنيس: هذا إذا باع واشترى لحاجته الأصلية؛ لأنه أمر لابد منه، أما لو باع واشترى للتجارة فيكره؛ لأن المسجد بني للصلاة لا للتجارة (٦). ووجهه: قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وأنه ﵊ اشترى غلامًا فيه وباع. وقال بعض أصحابه: من يزيد فيه؟. (أن يحضر)؛ أي: يحضر المسجد السلعة. الإحضار: يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨].

стр. 1972

(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ وَيَبْتَاعَ فِي المَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْضِرَ السِّلْعَةَ) لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَاجَتِهِ، … ... … ... … ... .. (إلا أنهم قالوا)؛ أي المشايخ. (يكره إحضار السلعة)؛ لقوله ﵇: «لَا تَتَّخِذُوا مساجِدَكُم أسواقا» (١)، وقوله ﵇: «جَنِّبوا مساجِدَكم» إلى قوله: «وبَيعَكُم وشراءكُم» (٢). ولأن بقعة المسجد تجردت عن حقوق العباد، وصار حقا لله تعالى، فيكره شغلها بالسلع للتجارة. (ويكره لغير المعتكف)؛ أي: مطلقا، حضر السلعة أو لا؛ لقوله ﵇: «جَنِّبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم، وبيعكُم وشراءكُم ورَفعَ أصواتكم» (٣). وفي شرح الإرشاد ولا بأس بالحديث في المسجد إذا كان قليلًا، فأما أن يقصد المسجد للحديث فيه؛ فلا (٤). وكذا لا بأس بخياطة قليلة وكتبة يسيرة فيه، ولا ينبغي أن يتخذه للخياطة كالحانوت، وكذا الوراق، ولا يقصد للخياطة والوراقة. وفي الْمُجْتَبَى: وفي جامع الإسبيجابي: لغير المعتكف أن ينام في المسجد، مقيما كان أو غريبًا، مضجطعًا أو متكئًا، رجلاه إلى القبلة أو لا، فالمعتكف أولى (٥). ويلبس المعتكف أحسن ثيابه، وينام فيه ويتطيب، ويدهن ويغسل رأسه فيه. وقال أحمد: يكره للمعتكف أن يلبس الرفيع من الثياب ويتطيب (٦).

стр. 1973

إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ إِحْضَارُ السِّلْعَةِ لِلْبَيْعِ وَالشَّرَاءِ، لِأَنَّ المَسْجِدَ مُحَرَّرٌ عَنْ حُقُوقِ العِبَادِ، وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ المُعْتَكِفِ البَيْعُ وَالشَّرَاءُ فِيهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ ولو سكر ليلا لا يبطل اعتكافه، خلافًا للشافعي (١)، وأحمد (٢). وعند مالك: السكر يمنع ابتداء الاعتكاف وبقاءه (٣). ولا يفسد سباب ولا جدال، ولا كبيرة مما لا يفسد الصوم. وعند مالك (٤): يفسده الكبائر، دون الصوم في رواية، وفي رواية: لا يبطله؛ لقول الجمهور. قوله: ﴿وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ﴾؛ قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]؛ أي: قل للمؤمنين يقولوا للمشركين الكلمة التي هي أحسن وألين، ولا يخاشنوهم، كذا في الكشاف (٥). والنص يقتضي أن لا يتكلم خارج المسجد إلا بخير، فما ظنك فيه، وقد روي أنه ﵇ رأى رجلًا أنشد ضالة في المسجد؛ فقال ﵊: «لا وَجَدْتَها، إنّما بُنِيتِ المساجد للصلاة ولذكر الله» (٦). وقال ﵇: «رَحِمَ اللهُ عبدًا تكلّم بخيرِ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» (٧)، ولأنه عبادة انتظار الصلاة، والمراقبة على الخير، فلا يشوب ذلك بالمآثم، وهذا في المآثم، فما ظنك باللهو والغيبة؟ فإن قيل: حكم النص ثابت في حق الكل، فما وجه تخصيص المعتكف به؟ قلنا: هذا من قبيل قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، والظلم

стр. 1974

«الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ إِلَى أَنْ قَالَ وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ». قَالَ: (وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ، حرام في كل وقت ومكان، ومع ذلك خصّه بالذكر في ذلك الوقت؛ لبيان عظم حرمة الظلم في ذلك الوقت، فكان معناه: لا تتكلموا إلا [بخير في جميع الأزمان، خصوصا في زمان الاعتكاف. قوله: (ويكره له الصمت) قيل: معنى الصمت: النذر؛ بأنه لا يتكلم أصلا] (١) كما في شريعة من قبلنا. وقيل: أن يصمت ولا يتكلم أصلا. كذا قاله الإمام بدر الدين خواهر زاده (٢). ولكن تعليل الكتاب وما ذكر في المبسوط بقوله: (وصوم الصمت ليس بقربة في شريعتنا) (٣) يأبى هذا التأويل؛ حيث أطلق اسم الصوم وهو ينصرف إلى المعهود، مع زيادة نية أن لا يتكلم، ويؤيد هذا ما ذكر في الكشاف والتيسير في قوله ﴿إِنِّي نَذَرْتُ﴾ [مريم: ٢٦]. وقيل: إنهم لا يتكلمون في صيامهم، وقد نسخ. وفي التيسير: معناه: التزمت صمتا أو إمساكا عن الكلام (٤). قال يحيى بن [أبي] (٥) زائدة: قلت لأبي حنيفة: ما صوم الصمت؟ قال: أن تصوم ولا تكلم أحدا (٦)، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]. وروى أبو حنيفة (٧) عن أبي هريرة، أنه ﵊ نهى عن صوم الوصال، وصوم الصمت.

стр. 1975

وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ لِأَنَّ صَوْمُ الصَّمْتِ لَيْسَ بِقُرْبَةِ في شَرِيعَتِنَا لَكِنَّهُ يَتَجَانَبُ مَا وروى [الحلواني ﵀] (١) بإسناده أنه ﵊ نهى عن الصمت (٢). وعنه: لا صمت يومًا إلى الليل (٣)، والصمت ليس بقربة؛ إلا إذا أراد التحفظ عن الوقوع في المأثم (٤). وفي الخبازية: المراد: صمت يعتقده المعتكف قربة (٥). سئل الإمام ظهير الدين ﵀ عن البحث في المسجد، فقال: أي نوع؟ فقدموا بين يديه طريقة صدر الحجاج، فقال: هذا خارج المسجد لا يجوز، فكيف في المسجد. وله قراءة القرآن والحديث، والعلم والتدريس، وكتابة أمور الدين، وسماع العلم عند الجمهور، وذلك من أفضل القرب، ومنع مالك (٦) وأحمد (٧) من ذلك، واعتبراه بالصلاة والطواف. قوله: (وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْوَطْءُ): فإن قيل: كيف يهيأ للمعتكف الوطء؟. قلنا: جاز له الخروج للحاجة، فعند ذلك أيضًا يحرم الوطء عليه؛ لما أنّ اسمه لا يزول عنه ذلك الخروج. وفي شرح التأويلات (٨): كانوا يخرجون ويقضون حاجتهم في الجماع، ثم يغتسلون فيرجعون إلى معتكفهم، فنزل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 1976

يَكُونُ مَأْثَمًا. قوله: (وكذا اللمس والقبلة): وقال الشافعي: المس إذا كان من غير شهوة لا يمنع (١)؛ لما روي أنه ﵊ بدا رأسه في الاعتكاف حتى ترجله عائشة ﵁ (٢). أما اللمس والقبلة والمعانقة بشهوة؛ حرام بإجماع؛ لأنها من دواعي الجماع، والجماع محظور فيه بالنصّ، بخلاف الصوم؛ فإن التقبيل والمس لا يحرم بالصوم؛ لأن الجماع ليس بحرام فيه، لكن الكف عنه ركن فيه، وركن العبادة يجب أن لا يكون بالكف عن الحلال، وحرمة الجماع إنما تثبت لفوات الركن ضرورة وجوب الكف، فلم تتعد الحرمة إلى دواعيه، إلا إذا خاف الوقوع في الجماع، وفي الاعتكاف الركن هو اللبث لا الكف عن الجماع، فكان الجماع من محظورات اللبث؛ بدليل أن حرمته تثبت بالنص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وموجب النهي الحرمة، فتعدت الحرمة إلى دواعيه؛ لأنه توابع المحظور، كما في الإحرام. والحاصل: أن الحرمة حكم خالص للنهي، فتكون مقصودة، فتعدت [الحرمة] (٣) إلى دواعيه؛ لقوة زيادة اهتمام بها، وأما الحرمة في الصوم؛ فمما تثبت بسبب النهي الثابت في ضمن الأمر، فكأن تحقق تلك الحرمة من ضرورة أن لا يفوّت المأمورية، فلم تكن الحرمة مقصودة، فلم تتعدى إلى دواعيه؛ لانعدام زيادة القوة فيها، وإظهارا للتفاوت بين الضمني والقصدي. كذا في الإيضاح (٤). وفي المبسوط: الاعتكاف يمتد ليلا أو نهارًا، فإباحة الدواعي فيه يصير سببا فيما هو محظور، أما الصوم لا يمتد ليلا، فإباحتها لا يصير سببًا مفضيا إلى الوقوع في الجماع، ولا يلزم عليه عدم حرمة الدواعي فيه حالة الحيض، مع

стр. 1977

(وَيَحْرُمُ عَلَى المُعْتَكِفِ الوَطْءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (وَكَذَا اللَّمْسُ وَالقُبْلَةُ) لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذْ هُوَ مَحْظُورُهُ كَمَا فِي الإِحْرَامِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، لِأَنَّ الكَفَّ رُكْنُهُ لَا مَحْظُورُهُ فَلَمْ يَتَعَدَّ إِلَى دَوَاعِيهِ (فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) لِأَنَّ اللَّيْلَ أنه محظور فيها؛ لأن في حرمتها حرج بين؛ لوقوع الحيض في كل شهر، ولأن الصارف عن الوقوع في الجماع؛ وهو نفرة الطبع عن الاستعمال في حالة الحيض؛ لأن الظاهر أن الطباع السليمة نافرة عنه (١). قوله: (أو ناسيا)؛ أي: لاعتكافه. (فيبطل اعتكافه): سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣). [وقال (٤)] الشافعي: إذا جامع ناسيا لا يبطل اعتكافه (٥). وذكر ابن سماعة رواية عن أصحابنا مثل مذهبه؛ لأنه فرع عن الصوم، والفرع ملحق بالأصل وهو الصوم، والأصل بالنسيان لا يفسد، فكذا الفرع. وقوله: (وحالة العاكفين) إلى آخره: إشارة إلى معنى الفرق بين الصوم والاعتكاف؛ يعني: [إذا (٦)] اقترن بحال المعتكف ما يذكره ولا يبتلى بالنسيان عادة، ففي الصوم لم يقترن فيعذر به، أما في الاعتكاف والإحرام؛ فاقترن [به (٧)] ما يذكره من اللبث في المسجد وهيئة المحرم، فلا يعذر به. كذا في المبسوط (٨). قوله: (فأنزل)؛ الإنزال شرط في التقبيل واللمس، وإن كان ظاهر اللفظ؛

стр. 1978

مَحَلُّ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَحَالَةُ العَاكِفِينَ مُذَكِّرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ (وَلَوْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ فَأَنْزَلَ، أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ فَأَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى لأن الرواية به منصوصة. في فتاوى الولوالجي ﵀: ثم للشافعي ﵁ في المباشرة فيما دون الفرج ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يفسد اعتكافه وإن أنزل، كما لا يفسد للإحرام بها وإن أنزل، فإنهما متقاربان؛ على معنى أن كل واحدٍ منهما يدوم الليل والنهار، ولأن النص ورد في المباشرة المعهودة. والثاني: أنه يفسد بها الاعتكاف وإن لم ينزل، وبه قال مالك (١)؛ لظاهر الآية، فإن اسم المباشرة يتناول الجماع فيما دون الفرج، كما يتناول الجماع في الفرج، فصار محظور الاعتكاف. والثالث: مثل قولنا (٢)، وبه قال المزني من أصحاب الشافعي ﵁ (٣)، وأصحاب أحمد (٤). وفي شرح الوجيز: المفهوم من كلام الأصحاب أن هذا القول أرجح (٥). ووجهه: أن المباشرة فيما دون الفرج إذا اتصل بها الإنزال مفسد للصوم، والاعتكاف فرع عليه، وهي في معنى الجماع في الفرج فيما هو المقصود، فيفسد بها الاعتكاف كالجماع، فإن لم يتصل بها الإنزال؛ فليس في معنى الجماع في الفرج، ولا يلحق به حكمًا في إفساد العبادة؛ ولهذا لا يفسد [بها] (٦) الصوم، فكذا الاعتكاف. كذا في المبسوط (٧).

стр. 1979

الجِمَاعِ حَتَّى يَفْسُدَ بِهِ الصَّوْمُ، وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الجِمَاعِ وَهُوَ المُفْسِدُ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَهُ اعْتِكَافُهَا بِلَيَالِيهَا) لِأَنَّ ذِكْرَ وأما المباشرة في الآية بالجماع؛ فيبطل أن تكون الحقيقة مرادة؛ لاستحالة الجمع بينهما، ولأن الاعتكاف معتبر بالصوم، فيكون فرعًا عليه كما ذكرنا. إليه أشير في الأسرار، وفيه [نوع] (١) تأمل. قوله: (لأن ذكر الأيام) إلى آخره: (يتناول)؛ أي: يدخل. (ما بإزائها من الليالي)؛ لغة، دل عليه قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، و ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] والقصة واحدة، ولما أراد الفصل بينهما في موضع آخر قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وكذا بالمثنى. (وكانت متتابعة)؛ أي: متتابع عليها ليلا ونهارًا يفتتحه متى شاء، وكذا لو نذر اعتكاف شهر، وإن فرّقه استقبله، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣) ﵄. ولأحمد في نذر الصوم المطلق روايتان في وجوب التتابع، فمن أصحابه من قال: يلزمه التتابع [في الاعتكاف رواية واحدة (٤). وقال زفر: هو بالخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق (٥)، وبه قال الشافعي ﵁ (٦) كالنذر بالصوم؛ لأن الاعتكاف فرع على الصوم. ولنا: أن مبنى الاعتكاف على التتابع] (٧)؛ لأنه يدوم الليل والنهار جميعًا،

стр. 1980

الأَيَّامِ عَلَى سَبِيلِ الجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي، يُقَالُ: مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ أَيَّامٍ، وَالمُرَادُ بِلَيَالِيهَا وَكَانَتْ (مُتَتَابِعَةً وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُ التَّتَابُعَ) لِأَنَّ مَبْنَى الاعْتِكَافِ عَلَى التَّتَابُعِ، لِأَنَّ الأَوْقَاتَ كُلَّهَا قَابِلَةٌ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّفَرُّقِ، لِأَنَّ فكذا الأيام والشهر يكون متتابعا، كاليمين إذا حلف لا يكلم [فلانًا] (١) شهرًا أو عشرة أيام، والآجال في الإجارات، بخلاف الصوم؛ فإنه لا يدوم الليل والنهار، فيكون مبناه على التفرق لا التتابع. كذا في شروح المبسوط (٢). فإن قيل: يشكل عليه ما ذكر في المبسوط وفي الأصول؛ أن اليوم إذا قرن بفعل ممتد، يراد به بياض النهار خاصة، وفيما نحن فيه كذلك؛ لأن الأيام قرن للبث وهو ممتد. قلنا: الأصل كذلك، ولكن سقوط اختصاص النهار هاهنا إنما نشأ بذكر الأيام بلفظ الجمع، وهي متناولة (ما بإزائها من الليالي) لغة كما ذكرنا؛ لأن اسم اليوم مطلقا على الوقت، بخلاف مسألة اليد؛ فإن اليوم هاهنا مذكور بلفظ الفرد، فوزان تلك المسألة أن يوجب على نفسه بلفظ الفرد، بأن يقول: علي اعتكاف يوم، حيث لا يدخل الليل، ويختص بالنهار، والمسألة مذكورة في التحفة، والمجتبى (٣). ولو نص على التتابع؛ يجب التتابع بالإجماع. (لأنه نوى الحقيقة)؛ أي: حقيقة كلامه؛ إذ اليوم اسم لبياض النهار، بخلاف إذا ما قال: شهرًا، ونوى الليل أو الشهر على الخصوص؛ حيث لا تصح نيته؛ لأن الشهر يتناول الصنفين جميعًا، فلا يصح التخصيص بالنية؛ لأنه خلاف الظاهر كالاستثناء، إلا إذا صرح به؛ بأن قال: شهرًا بالنهار؛ فحينئذ يصح؛ لأنه بمنزلة الاستثناء، وأنه يصح موصولا كذا في الخبازية (٤). وفي المبسوط لفخر الإسلام الشهر اسم لعدد ثلاثين يوما وليلة، وليس

стр. 1981

اللَّيَالِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ، فَيَجِبُ عَلَى التَّفَرُّقِ حَتَّى يَنُصَّ عَلَى التَّتَابُعِ (وَإِنْ نَوَى الأَيَّامَ خَاصَّةً صَحَتْ نِيَّتُهُ) لِأَنَّهُ نَوَى الحَقِيقَةَ. (وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ يَلْزَمُهُ بِلَيْلَتَيْهِمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا باسم عام، واسم العدد لا ينطلق على ما دونه، كالعشرة لا تنطلق على الخمسة لا حقيقة ولا مجازا (١). أما لو قال: علي أن أعتكف شهرًا إلا الأيام أو الليالي صح؛ لأنه صار كما [لو] (٢) قال: علي أن اعتكف ثلاثين يوما، أما لو نذر أن يعتكف الشهر بدون النهار؛ لا يصح. إن نذر الاعتكاف بالليالي دون النهار لا يصح؛ لعدم وقت الصوم. قوله: (وقال أبو يوسف): وبقوله: قال الشافعي (٣) ومالك، وأحمد (٤). وينبغي أن يقول: (وعن أبي يوسف)؛ كما ذكره [في] (٥) شروح المبسوط والجامع الكبير بلفظه؛ لما أن هذه الرواية غير ظاهرة عنه، بدليل ما ذكر في الكتاب. (وجه الظاهر): ووجهه: أن المثنى غير الجمع، وكأن لفظ المثنى ولفظ المفرد سواء، ثم في لفظ الفرد لا تدخل ليلته بالاتفاق، فكذا في التثنية، إلا أن الليلة المتوسطة تدخل لضرورة اتصال بعض الأجزاء بالبعض، وهذه الضرورية لا توجد في الليلة الأولى. وجه ظاهر الرواية: أن في المثنى معنى الجمع، قال ﵊: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٦)، فكان هذا والمذكور بلفظ الجمع سواء؛ ألا ترى

стр. 1982

تَدْخُلُ اللَّيْلَةُ الأُولَى) لِأَنَّ المُثَنَّى غَيْرُ الجَمْعِ، وَفِي المُتَوَسِّطَةِ ضَرُورَةُ الاتِّصَالِ. أنه لو قال ليلتين [يصح نذره؛ بخلاف ما لو قال: ليلة واحدة. كذا في المبسوط (١). وما ذكره في المبسوط: ليلتين] (٢) صح نذره إذا لم ينو الليلتين خاصة؛ بل نوى اليومين مع الليلتين، فإنه ذكر في مبسوط فخر الإسلام: إذا نوى الليلتين خاصة لم يصح نذره. فإن قيل: ترك علماؤنا أصلهم في هذه المسألة؛ حيث ألحق أبو يوسف ﵀ التثنية بالفرد، وهما بالجمع، وعكسوا بعينه [في] (٣) مسألة الجمعة. قلنا: هما عملا بالاحتياط في الموضعين جميعًا، أما فيها؛ فلأن الجماعة شرط على حدة بالاتفاق، وفي إقامة التثنية مقام الجمع نوع تردد؛ لتجاذب طرفي الفرد والجمع أدنى بينهما، وبالاكتفاء بالفرض الأصلي وهو الظهر؛ خروج عن فرض الوقت بيقين فيما إذا اجتمعت شرائطه، خصوصا فيما إذا وقع التردد في وجوب شروطها، فكان في التوقيف أمر الجمعة إلى وجود الجماعة بيقين عمل بالاحتياط، أما فيما نحن فيه إيجاب اليومين مع الليلتين، فكان هذا أحوط من إيجاب يومين بليلة واحدة. إليه أشار في الكتاب بقوله: (احتياطا لأمر العبادة). وأما أبو يوسف فيقول: من حق حكم التثنية [أن] (٤) يغاير حكم الجمع في كل صورة؛ لأن فيه عملا بالأوضاع، إلا أني قد وجدت في الجمعة حكم التثنية مخصوصًا بذلك؛ لما أن الجمعة [سبب] (٥) لوجود الاجتماع فيها، والتثنية في تحقيق معنى الاجتماع كالجماعة، فألحقت بها كذلك، ولم يوجد في غيرها ما يدل على الاجتماع، فكان العمل بحقيقة الأوضاع أولى.

стр. 1983

وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ فِي المُثَنَّى مَعْنَى الجَمْعِ، … ... . فصل في المتفرقات هو يشتمل على مسائل الصوم والاعتكاف. صوم ست من شوال مكروه متفرقا ومتتابعا عند أبي حنيفة ﵁. وعن أبي يوسف: [يكره] (١) متتابعا لا متفرقًا (٢). وقيل: ينبغي للعالم أن يصوم سرا وينهى الجهال عنه. وعن مالك: [أنه] (٣) يكره بكل حال (٤)، وهذا شيء وضعه الجهال، وكل حديث يروى فيه [فهو] (٥) موضوع. وفي جامع الإِسْبِيجابي: الكراهة في المتصل بيوم الفطر دون المنفصل عنه، وعامة المتأخرين لم يروا به بأسًا (٦). ثم اختلفوا فقيل: التتابع أفضل، وبه قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨) ﵄؛ لما روي في الحديث كذلك. وقيل: التفرق أفضل. ويكره صوم الوصال بالإجماع؛ وهو أن لا يفطر بالليل. وقيل: هو أن لا يفطر الأيام المنهية. ولا بأس بصوم يوم عرفة ويوم التروية لغير الحاج بالإجماع، وللحاج بعرفة الفطر أفضل عند الشافعي (٩).

стр. 1984

فَيُلْحَقُ بِهِ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ العِبَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعندنا: يستحب له الصوم فيه إلا أن يضعفه عن الدعاء وغيره؛ فحينئذ الفطر [أفضل] (١). ولا بأس بأن يفرد يوم الجمعة بصوم التطوع، وبه قال مالك (٢)، ومحمد، وبعض أصحاب الشافعي ﵁ (٣). وقال أبو يوسف (٤)، وأحمد (٥): يكره إفراده [به] (٦)، إلا أن يصوم يومًا قبله أو بعده. ولا بأس بصوم يوم السبت. وقيل: يكره. ولا [بأس] (٧) بصوم يوم الاثنين والخميس، والأفضل: أن لا يجعلهما عادة. ويكره صوم يوم النيروز والمهرجان؛ إذا لم يوافق صومًا كان يصومه قبل. وقيل: إنما يكره تعظيمًا، ويجوز شكرًا لانقضاء الشتاء. وصوم الصمت منهي؛ لأنه فعل المجوس. وعن أبي يوسف ﵀: صيام أيام البيض حسن؛ وهو الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وقيل: الرابع [عشر] (٨)، والخامس [عشر] (٩)، والسادس عشر. والمراد بأيام البيض: [أيام] (١٠) ليالي البيض؛ لأن القمر يبقى في هذه الليالي من أولها إلى آخرها، وإلا فالأيام كلها بيض.

стр. 1985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم اعلم أن لليالي الشهر عشرة أسماء، لكل ثلاث منها اسم، فللثلاث الأولى غرر؛ لأن غرة كل شهر أوله، وللثانية نفل على وزن رحل؛ لزيادتها على الغرر، وثلاث تسع أوخراها تاسع وثلاث عشر؛ إذ أولها عاشر، وثلاث تسع، وثلاث في درع كلها على وزن رحل، وسمي بها؛ لاسوداد أواخرها، وابيضاض أواخرها، وثلاث ظلم الظلام أواخرها، وثلاث حنادس؛ لظلامها، وثلاث دادئ كسلالم؛ لأنها بقايا، وثلاث محاق، ولإمحاق القمر أو الشهر. ولا بأس بقضاء رمضان في أيام العشر غير يوم [عيد] (١) عند الجمهور (٢). وعن علي، والحسن، والزهري، وأحمد في رواية (٣): يكره؛ لنهيه ﵊ عن قضاء رمضان في أيام العشر. وتأويل النهي في حق من اعتاد صومه نفلًا؛ كيلا يفوته هذه الفضيلة؛ إذ القضاء ممكن في غيرها. ولا يكره صوم التطوع لمن عليه قضاء رمضان إلا رواية عن أحمد (٤)؛ لأنه لا يجوز ممن عليه فرض. وأما الإفطار والسحور: فتعجيل الإفطار أفضل، فيجب أن يفطر قبل الصلاة، وتأخير السحور أفضل، فيجب أن يفطر قبلها، قيل: وعليه عمل أئمة الدين. ومن السنة أن يقول عند الإفطار: اللهم لك صمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وعلى رزقك أفطرت، وصوم الغد من شهر رمضان نويت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت (٥).

стр. 1986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما النذر في الصوم، لو قال: لله علي أن أصوم هذا اليوم شهرا، إن نوى أن يصوم هذا اليوم ثلاثين مرة؛ لزمه كذلك، وإن نوى أن يصوم كلما دار الشهر؛ لزمه صومه فيه أربع مرات أو خمسا، وإن لم تكن [له] (١) نية؛ فقيل: ثلاثين. وقيل: خمسا أو أربعا. نذر صوم يوم الخميس أو الإثنين، فصامه مرة؛ كفاه إلا أن ينوي الأبد. ولو قال: (لله علي أن أصوم هذا اليوم غدا قبل الأكل والزوال)؛ لزمه صوم هذا اليوم، وإلا فلا شيء عليه، وكذا لو قال: أمس، ولو قال: غدا لزمه الغد. ولو نذر صوم غد فأخره إلى ما بعد الغد؛ جاز، وينبغي أن لا يكون مساء، كمن نذر أن يتصدق بدرهم الساعة فيتصدق بعد ساعة. ولو نذر صوم شهر متتابعا؛ لزمه التتابع، وإن أطلق؛ يخير، وإن عين الشهر فأفطر يوما؛ قضاه ولا يستقبل، وإن أفطر كله؛ يخير بين التفرق والتتابع لقضاء رمضان، ولو عين وقتا ولم يصمه قضاه. ولو أراد يمينا؛ [عليه] (٢) كفارة اليمين عندهما، خلافا لأبي يوسف (٣). ولو نذر في ابتداء السنة صوم هذه السنة، أو سنة كذا؛ يلزمه أحد عشرا. ولو نذر في وسطه بقية السنة إلا شهر رمضان. ولو نذر صوم سنة؛ يلزمه صوم اثني عشر شهرا. ولو نذرت صوم يوم حيضها، أو قالت: هذا اليوم وهي حائض، أو قالت: بعد ما أكلت أو بعد الزول، أو قالت: صوم اليوم الذي يقدم فلان فيه، فقدم فلان يوم حيضها، أو بعد الأكل أو بعد الزوال، أو ليلا؛ لا يلزمها [شيء] (٤) في هذه الفصول.

стр. 1987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو نذرت صوم غد، أو يوم الخميس، أو يوم قدوم فلان، فقدم قبل الزوال، فحاضت فيه أو نفست؛ لزمها قضاؤها، وكذا في الغد والخميس. ولو نذر صوم الأبد فأفطر أيام العيد والتشريق؛ لا يطعم عنها. وأما صوم أيام أو الأيام أو الشهور أو الدهر أو الحين، سيأتي في الأيمان إن شاء الله تعالى. ولو نذر صوم يومين في يوم واحد؛ لزمه واحد. ولو نذر حجين في سنة واحدة؛ لزماه. ولو نذر صوم يومين متتابعين من أول الشهر وآخره؛ يصوم [يوم] (١) الخامس عشر والسادس عشر، ولو أوجبها متتابعة فأداها متفرقة؛ لم تجزه، وعلى عكسه تجزئه. ولو نذر صوم يوم قدوم فلان، فقدم في رمضان؛ لم يلزمه شيء. ولو نذر صوم كذا ما عاش، فعجز عن الصوم لكبر؛ يطعم عنه، وإن لم يقدر لعسرته؛ يستغفر الله، وإن ضعف للصيف؛ ينتظر الشتاء فيقضيه. ولو نذر صوم الأبد فضعف لاشتغاله بالمعيشة؛ له أن يفطر، ويطعم لكل يوم نصف صاع من بر. وفي فتاوى قاضي خان: ولو علق الصوم بشرط فصام قبله؛ جاز في قولهما، خلافًا لمحمد (٢). وفي الروضة: ذكر هذه المسألة في كتاب الاختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف [رحمهما الله] (٣) يجوز، وعلى قول زفر لا يجوز. لهما: أنه أوجب على نفسه شيئين وهو الصوم، وما ليس بعبادة وهي الإضافة إلى الوقت، فلزمه العبادة وسقطت الإضافة، فلما سقطت الإضافة جاز

стр. 1988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . له، كأنه قال: لله عليَّ أن أصوم يومًا أو شهرًا، ولو قال هكذا؛ جاز [له (١)] متى فعل، هكذا هاهنا. وأما مسائل الاعتكاف: نذر أن يعتكف رجب فاعتكف شهرًا قبله؛ جاز عند أبي يوسف، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. وقال محمد وزفر: لا يجوز؛ كاختلافهم في النذر بصوم رجب فصام قبله (٢). نذر أن يعتكف بمكة، أو يصوم أو يصلي فيها، ففعل في غيرها؛ أجزأه. وقال زفر: لا يجزئه (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك لزمه أن يعتكف فيما عينه أو أعلى منه (٥). نذر أن يعتكف شهرًا بغير عينه؛ فله أن يعتكف أي شهر شاء، كالصوم. نذر بعد الصبح قبل الزوال اعتكاف هذا اليوم؛ لم يصح عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، ولو كان أكل أو نذر بعده؛ لا شيء عليه بالاتفاق. نذر اعتكافا ثم ارتد ثم أسلم؛ سقط. [نذرت المرأة اعتكافا أو شرعت فيه، إن لم يكن بإذن الزوج فله المنع، وإلا فلا. نذر اعتكاف رمضان قضاء؛ لم يجز (٦)]. نذر اعتكاف رمضان فأفطر؛ لم يجز. نذر اعتكاف شهر [رمضان] (٧) فأفطر بعذر؛ وجب عليه قضاؤه بصوم متتابع.

стр. 1989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو نذر اعتكاف شهر بعينه فأفطر يوما؛ قضى ذلك اليوم، ولو لم يعتكف الناذر حتى مات؛ يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر، هذا [إذا] (١) أوصى؛ لأنه فرع على الصوم، فكان التنصيص على الفدية في الصوم تنصيص على ما فيه. ذكره في المبسوط (٢). ولو نذر الصحيح اعتكاف شهر ثم مات بعده بيوم؛ أطعم عنه جميع الشهر، وإن كان مريضًا فلم يبرأ حتى مات لا شيء عليه، ولو برأ يوما ثم [مات بعده بيوم] (٣) أطعم عنه لجميع الشهر عندهما، وعند محمد: بقدر ما برأ (٤). وفي الخلاصة: ولو أراد إيجاب الاعتكاف على نفسه؛ ينبغي أن يذكر بلسانه، ولا يكتفي فيه بنية القلب (٥). ولو اعتكف من غير نذر ثم خرج من المسجد؛ لا شيء عليه. وعن أبي حنيفة: أنه يعتكف يوما. فصل في ليلة القدر اعلم أن ليلة القدر لية فاضلة، يستحب طلبها، وهي أفضل ليالي السنة. ومعنى القدر: الشرف والخطر، أو من التقدير؛ لأنه يقدر فيها أرزاق العباد والكائنات من الآجال، وغيرها مما سيقع في تلك السنة، وتكتب ذلك الملائكة، وإلا فكل شيء مقدَّر في الأزل، وكلُّ عمل خيرٍ فيها يعدِلُ ألف عمل في غيرها. وعن ابن المسيب: كل من شهد العشاء ليلة [القدر] (٦) فقد أخذ نصيبه منها. وعن الشافعي: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ نصيبه منها (٧).

стр. 1990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واختلف الناس في زماننا: قال أصحابنا: إنها في رمضان، ولكن قال أبو حنيفة: إنها تتقدم وتتأخر (١)، وعندهما: [في رمضان] (٢) لا تتقدم. وقيل: على قولهما متعين النصف الأخير منه ولا تتأخر، ولكن غير معينة. وفي ملتقى [البحار] (٣): قول أبي حنيفة راجح. وفي المحيط: وعليه الفتوى (٤). وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧): ليست في ليلة معينة، بل تنتقل في الأعوام. وقال الرازي في معاني القرآن (٨)، وقاضي خان (٩): المشهور عن أبي حنيفة أنها تدور في السنة كلها، قد تكون في رمضان وقد تكون في غيره، وقد صح ذلك عن ابن مسعود. وقال الشافعي: هي في العشر الأخير منه لا تنتقل، وكذا نقله النواوي عنه (١٠). وقال المزني، وابن خزيمة: تنتقل في العشر الأواخر. وروى أبو سعيد الخدري: هي في ليلة الحادي والعشرين، وهو قول الشافعي (١١).

стр. 1991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال أبو هانئ: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة. وفي المحيط: يفتى للعامي بوقوع الطلاق في السابعة والعشرين؛ لأن العوام يعتقدونها ليلة القدر. وقال صاحب الطراز: هي ليلة النصف من شعبان، وهو بعيد جدا. وقالت الشيعة: رفعت ليلة القدر بقوله ﵊ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: خرج النبي ﵊ ليخبر بليلة القدر، فتلاحى [رجلان من المسلمين، فقال ﵊: «خَرَجْتُ لأُخبِرَكُم بليلة القدر فتلاحى] (١) فلان وفلانٌ فَرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوا في التاسعة والسابعة والخامسة» رواه البخاري (٢). ولكن آخر الحديث يرد عليهم؛ فإنه ﵊ أمر بعد ذلك بالتماسها وطلبها، فلو كانت رفعت لما أمرهم بها، ويكون المراد برفعها؛ رفع علم عينها ذلك الوقت. وفي فضائلها أحاديث وآثار كثيرة، ويراها من المؤمنين من شاء الله تعالى. وعن المهلب الفقيه من المالكية: لا يمكن رؤيتها على الحقيقة، [وهو غلط] (٣). وينبغي لمن رآها أن يكتمها، ويدْعُ الله تعالى بالإخلاص، والله أعلم.

стр. 1992

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الحَجِّ كتاب الحج العبادات ثلاثة أنواع: بدني محض: كالصلاة والصوم. ومالي محض: كالزكاة. ومركب منهما: كالحج. ولما فرغ من بيان المفردات شرع في بيان المركبات، ثم قفى الصوم بالحج؛ لما أن كلا منهما عبادة هجرة عن المألوفات، ففي الصوم عن المألوف النفساني ونفسه شيء أصلي، وفي الحج عن الأهل والوطن وهما شيئان خارجان، فكان الأولى أن يقدم ما هو أكثر لصوقًا، إليه أشار قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. ولأن في الصوم طاعة الله وقهر عدوه، وفي الحج طاعة مجردة، فتقديم ما هو مشتمل على الخصلتين المحمودتين أولى ثم في الصلاة بالتكبيرة الأولى خلع النفس عن الدنيا اختيارًا قبل أن تنخلع عنه اضطرارًا، وفي الزكاة خلعها عن محبوبها اختيارًا قبل أن تنخلع عنه اضطرارًا، وفي الصوم خلعها عن مناها اختيارًا قبل أن تنخلع عنه اضطرارًا، وفي الحج لبس الكفن اختيارًا قبل أن يلبس اضطرارا. وفي الحج فوائد أخر منها: توطين النفس عن فراق الأهل والوطن قبل مفارقتهم. ومنها: نزع مادة الشح؛ فإن الشحيح من يبخل على نفسه وأولاده، فإذا

стр. 1993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خرج إلى السفر لا يمكنه أن يبخل على نفسه؛ لخوف التلف، فيعتاد الجود على نفسه فيتعدى منه إلى غيره. ومنها: اعتياد التوكل؛ إذ لا يمكنه أن يحمل جميع ما يحتاج إليه فلابد من التوكل. وفي المبسوط (١): الحج لغة: القصد -بفتح الحاء وكسرها-، ومنه قول المخبل السعدي: يَحُجُّونَ سِبَّ الزَّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا أي: يقصدون له معظمين إياه. اهـ. أوله: أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ أَسْعَدَ أَنَّمَا … تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لَأَكْبَرَا وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزَّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا (٢) وفي الشريعة: هو قصد مخصوص إلى مكان مخصوص على وجه التعظيم في أوان مخصوص. ويسمى هذا الكتاب كتاب المناسك، وهو جمع النسك. والنسك: ما يتقرب إلى الله تعالى، ومنه سمي العابد ناسكا؛ لملازمته العبادة، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] أي: قربتي، ومنه النسييكة للشاة، أي التي تذبح على وجه القربة. واختص في عرف الشرع بأفعال الحج قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. ثم الحج من معظم أركان الدين، وهو من الشرائع القديمة، روي أن آدم لما حج تلقته الملائكة وقالت: «بَرَّ حَجُّكَ، أَمَا إِنَّا قَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ» (٣).

стр. 1994

(الحَجُّ وَاجِبٌ وقال تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. عن ابن عباس: "كانت الأنبياء يحجون مشاة حفاة" (١). وعن إبراهيم وإسماعيل أنهما حَجَّا مَاشِيَيْنِ (٢). وعنه ﵇: «كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا هَلَكَتْ [أُمَّتُهُ] (٣) لَحِقَ بِمَكَّةَ فيعبدُ اللهَ تَعَالَى حَتَّى يَمُوتَ، وكذا مَنْ مَعَهُ، فَمَاتَ بِهَا نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَقُبُورُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْحَجَرِ» (٤). ونوح ﵇ حج قبل الطوفان أيضًا، وكل نبي بعد إبراهيم ﵇ قد حج. وثبتت فريضته بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]. وأما السنة: فقوله ﵇: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (٥) الحديث. وقوله ﵇: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يموت يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا» (٦). وما روي أن أبا هريرة قال: أنه ﵇ خطبنا وقال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ؛ قَدْ فَرَضَ الله تعالى عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُبُّوا» (٧). وأجمعت الأمة على فرضيته (٨). فلهذا قال المصنف: (الحج واجبٌ)، أي: لازم وثابت، وقد مر بيان وجه

стр. 1995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العدول من الفرض إلى الواجب في الزكاة. وقيل: إنما أسماه واجباً؛ لأن فيه واجبات كالوقوف بمزدلفة ورمي الجمارِ؛ ليشمَلَ الكُلَّ، إذ الوجوب عبارة عن الثبوت، ثم في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وجوه من التأكيد: منها: قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ وكلمة (عَلَى) للإلزام، أي حق واجب في رقاب الناس. ومنها: أنه ذكر ﴿النَّاسِ﴾ ثم أبدل ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ بدون تكرير العامل، وفي هذا الإبدال ضربان من التأكيد: أحدهما: أن الإبدال تنبيه على المراد. والثاني: أنه إيضاح بعد الإبهام، وتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مكان قوله: (ومن لم يحج) تغليظا على تارك الحج؛ ولذا قال ﵇: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ … » الحديث، ونحوه من التغليظ: «مَنْ تَركَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» (١). ومنها: ذكر الاستغناء الكامل؛ فإن ذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ولم يقل: عنه؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه. وقيل: إنما قال: ﴿النَّاسِ﴾ ولم يقل على المؤمنين؛ لأن هذا الحج غير واجب على الملائكة مع شمول اسم المؤمنين لهم، وليدل على عدم اختصاصه بهذه الأمة بحسب الظاهر.

стр. 1996

عَلَى الأَحْرَارِ البَالِغِينَ العُقَلَاءِ الأَصِحَاءِ، إِذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ المَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى حِينِ عَوْدِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا) وصفه بالوجوب وَهُوَ فَرِيضَةٌ محكمة ثبتت فرضيته بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية. ........................... ثم له سبب وركن وشرط وحقيقة ووقت فيه يتأدى. أما السبب: فالبيت؛ لأنه يضاف إليه قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولهذا لا يجب في العمر إلا مرةً؛ لعدم تكرر سببه. والوقت شرط ولهذا لا يتكرر بتكرره، والاستطاعة شرط أيضًا - ولهذا صح الأداء بدونه من الفقير. وحقيقته: أمور الإحرام والوقوف والطواف والتحليل، وفيه تأمل. وركنه: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة. ثم وقته: نوعان: مديد، وقصير. فالمديد: من شوال إلى عشر ذي الحجة. والقصير: بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وواجباته: خمسة: الوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير، وطواف الصدر، وما عدا الركنين والواجبات سنن وآداب. قوله: (على الأحرار) وإنما ذكر الأحرار بلفظ الجمع مع أن حرف التعريف يبطل معنى الجمعية، ولم يفرد كما في الزكاة؛ لأنه أخرج الكلام هاهنا مخرج العادة؛ فإنها جرت فيما بين الحجاج الخروج بالرفقة والجماعة الكثيرة بخلاف الزكاة، فإن الإخفاء فيها خير من الإبداء قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية؛ ولأن الوجوب هاهنا أعم على المكلفين نظرًا إلى السبب؛ لأنه ثابت في الكل حتى قال بعض العلماء بوجوبه على كل صحيح مكتسب، بخلاف الزكاة فإن سببها النصاب النامي وهو يتحقق في حق شخص دون شخص، فكانت إرادة التعميم فيه أوفق؛ فلذلك أتى بصيغة الجمع مع حرف الاستغراق.

стр. 1997

(وَلَا يَجِبُ فِي العُمْرِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ﵊ قِيلَ لَهُ: «الحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَلِأَنَّ سَبَبَهُ البَيْتُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ، ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ .......... قوله: (ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة) بالإجماع، وحكي عن بعض الناس أنه يجب في كل سنة، وما ثبت ذلك، وهو بخلاف النص. وقيل: يجب في كل خمسة أعوام؛ لقوله ﵇: «عَلَى كُلِّ مُسْلم في كُلِّ خَمسة أعوام أَنْ يَأْتِي بَيْتَ اللَّهِ الحَرَامَ» (١). وعن أبي هريرة أنه ﵇ قال: قال الله تعالى: «إِنَّ مَنْ أَصْحَحْتُهُ ووَسَّعْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَزُرْنِي فِي كُلِّ خَمسة أعوام عامًا لَمَحروم» (٢). قيل له: روي أنه ﵇ قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى فرض عليكُمُ الحج، أَلَا فَحُجُّوا»، فقام أقرع بن حابس فقال: يا رسول الله! الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ، أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فقال: «بل مرّةً واحدةً» (٣). وقال أبو بكر ابن العربي: رواية حديث: «خمسة أعوام» حرام، فكيف يثبت به الحكم، مع أنه يدل على الاستحباب دون الوجوب (٤). ولما ذكرنا أن (سببه البيت) وهو لم يتكرر. (ثم هو) أي: الحج. (واجب على الفور) أي: عند استجماع شرائط الوجوب يتعين العام الأول. (عند أبي يوسف) حتى يأثم بالتأخير عنه، وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة. رواه الكرخي ذكره في: المحيط وفتاوى العتابي، وبه قال مالك (٥)،

стр. 1998

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: عَلَى التَّرَاخِي (*) ............. وأحمد (١). إلا أن عند مالك: لو لم يحج في العام الأول؛ كان حجه بعد ذلك قضاء (٢)، وعندنا: أداءً. (وعن أبي حنيفة ما يدل عليه) روى ابن شجاع: أن أبا حنيفة سئل عمن له مال أيحج به أم يتزوج؟ قال: بل يحج؛ لأنه فرض، فذلك دليل على أن الوجوب عنده على الفور. كذا في المبسوط (٣)، والإيضاح، وفيه تأمل. (وعند محمد، والشافعي) (٤) وبه قال أبو حنيفة في رواية. (على التراخي) أي: لا يتعين العام الأول؛ لكن عند محمد: يسعه التأخير بشرط ألا يفوته بالموت، فإذا مات فيه؛ أثم. وعند الشافعي: لا يأثم، وقال بعض أصحابه: يأثم به عن السنة الأولى إن مات فيها، وقال بعضهم: يأثم به عن السنة التي مات فيها (٥). لهما: تأخيره ﵇ الحج بعد نزول فرضيته، فإنها نزلت سنة ست من الهجرة، وحج ﵇ سنة عشر منها، ولأنه فرضُ العُمر وكان جميع الوقت وقت أدائه، ولهذا لو أخره وأداه في السنة الثانية أو الثالثة كان مؤديا لا قاضيًا. ولنا: قوله ﵇: «مَنْ وَجَدَ زادًا وراحلةً يُبَلِّغَانِهِ بيتَ اللهِ تَعالى ولَم يَحُجَّ، فلا عليه أن يموتَ نَصرانيا أو يهوديًا» (٦). وقال عمر: "لو هممت أن أنظر إلى من ملك الزاد والراحلة ولم يحج

стр. 1999

لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ العُمْرِ، فَكَانَ العُمْرُ فِيهِ كَالوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٌ، وَالمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ، فَيُضَيَّقُ احْتِيَاطًا، وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ المَوْتَ فِي مِثْلِهِ نَادِرٌ. وَإِنَّمَا شَرَطَ الحُرِّيَّةَ … ... … ... … ... .. فأُحَرِّجُ عليهم بيوتهم والله ما أراهم مسلمين، قالها ثلاثًا (١)، فهذا التهديد الشديد يدل على تضييق الوجوب، والمعنى ما ذكر في الكتاب. وأما تأخيره عليه فقد منعه بعض مشايخنا فقال: نزلت قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. سنة عشر منها، وأما النازل سنة ست فقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيه فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن التأخير فيما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، والنبي ﵇ كان يأمن ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان الأحكام، والحج ركن من أركان الإسلام، فأمن أن يموت قبل أن ينتهي فعله، ولأن تأخيره كان بعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراةً ويُلبّون تلبية فيها شرك، وما كان التغيير ممكنا للعهد حتى إذا تمت المدة بعث عليا حتى إذا قرأ عليهم سورة البراءة ونادى: «ألا لا يطوفَنَّ بهذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا عُرْيَان» (٢)، ثم حج ﵇ بنفسه. ومن العذر أنه ﵇ لا يستطيع الخروج وحده؛ بل يحتاج إلى الأصحاب، ولم يكن متمكنا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرج، فلهذا أخره، كذا في المبسوط (٣)، والمسألة مستقصاة في الأصول. قوله: (وإنما شرط الحرية) فإن قيل: الصلاة والصوم يجبان على العبد والحج لا يجب، فما وجه الفرق؟

стр. 2000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: الفرق أن الحج عبادة لا يتأدى بدون المال غالبًا، ولا كذلك الصلاة والصوم، ولا يملك العبد المال وإن ملك فلم يجب؛ لعدم ما يتوسل به، وصار كالجهاد من حيث إنه لا يحصل بدون المال ظاهرًا بخلاف الفقير، فإن اشتراط الزاد والراحلة في حقه ليسير لا لإثبات أهلية الوجوب، فكان سقوط أداء الحج عنه نظير سقوط أداء الصوم وصلاة الجمعة عن المسافر من حيث إن السقوط في كل واحد منهما للترفيه، ولهذا يجب الحج على الفقير بمكة ولم يجب على العبيد بمكة. والفرق الثاني: أن حق المولى في الحج يفوت في مدة طويلة، فقدم حق العبد على حق الشرع؛ لفقره واستغناء الشرع، فلم يستثن هذه القدرة على مولاه بخلاف الصلاة والصوم؛ فإنه لا يخرج مولاه باستثنائهما، فكان العبد في حقهما متبقي على أصل الحرية، وهذا؛ لأن نفس العبد ملك المولى، فكان ما يحصل من منافع بدنه أيضًا ملكه تبعًا لنفسه إلا ما استثنى من القُرَبِ البدنية التي لا يلزم باستثنائه كبير جرح، وهي الصلاة والصوم. ثم الإسلام من شروط وجوب أداء الحج إجماعًا، وأن الكفار مخاطبين بالشرائع عند الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لأن تقدم الإسلام شرط لجوازه، وهو شرط لصحة جميع العبادات؛ لأن الكافر لا يتأهل لأدائها (٣). ولهذا لو وجد الكافر الاستطاعة حالة الكفر ثم أسلم؛ لا يجب عليه الحج بتلك الاستطاعة إجماعًا. ولو أسلم الكافر الأصلي؛ لا يجب عليه قضاء العبادات في زمان الكفر. أما لو ارتد مسلم ووجدت الاستطاعة في حقه حال ردته؛ يجب عليه بعد ما أسلم وملك الاستطاعة أن يحج عند الشافعي (٤)، ولو حج المسلم ثم ارتد ثم أسلم لم يحج ثانيًا عنده.
следующие страницы →