← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

عَلَى الأَحْرَارِ البَالِغِينَ العُقَلَاءِ الأَصِحَاءِ، إِذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ المَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى حِينِ عَوْدِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا) وصفه بالوجوب وَهُوَ فَرِيضَةٌ محكمة ثبتت فرضيته بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية. ........................... ثم له سبب وركن وشرط وحقيقة ووقت فيه يتأدى. أما السبب: فالبيت؛ لأنه يضاف إليه قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولهذا لا يجب في العمر إلا مرةً؛ لعدم تكرر سببه. والوقت شرط ولهذا لا يتكرر بتكرره، والاستطاعة شرط أيضًا - ولهذا صح الأداء بدونه من الفقير. وحقيقته: أمور الإحرام والوقوف والطواف والتحليل، وفيه تأمل. وركنه: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة. ثم وقته: نوعان: مديد، وقصير. فالمديد: من شوال إلى عشر ذي الحجة. والقصير: بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وواجباته: خمسة: الوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير، وطواف الصدر، وما عدا الركنين والواجبات سنن وآداب. قوله: (على الأحرار) وإنما ذكر الأحرار بلفظ الجمع مع أن حرف التعريف يبطل معنى الجمعية، ولم يفرد كما في الزكاة؛ لأنه أخرج الكلام هاهنا مخرج العادة؛ فإنها جرت فيما بين الحجاج الخروج بالرفقة والجماعة الكثيرة بخلاف الزكاة، فإن الإخفاء فيها خير من الإبداء قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] الآية؛ ولأن الوجوب هاهنا أعم على المكلفين نظرًا إلى السبب؛ لأنه ثابت في الكل حتى قال بعض العلماء بوجوبه على كل صحيح مكتسب، بخلاف الزكاة فإن سببها النصاب النامي وهو يتحقق في حق شخص دون شخص، فكانت إرادة التعميم فيه أوفق؛ فلذلك أتى بصيغة الجمع مع حرف الاستغراق.

стр. 1997

(وَلَا يَجِبُ فِي العُمْرِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ﵊ قِيلَ لَهُ: «الحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَلِأَنَّ سَبَبَهُ البَيْتُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ، ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ .......... قوله: (ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة) بالإجماع، وحكي عن بعض الناس أنه يجب في كل سنة، وما ثبت ذلك، وهو بخلاف النص. وقيل: يجب في كل خمسة أعوام؛ لقوله ﵇: «عَلَى كُلِّ مُسْلم في كُلِّ خَمسة أعوام أَنْ يَأْتِي بَيْتَ اللَّهِ الحَرَامَ» (١). وعن أبي هريرة أنه ﵇ قال: قال الله تعالى: «إِنَّ مَنْ أَصْحَحْتُهُ ووَسَّعْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَزُرْنِي فِي كُلِّ خَمسة أعوام عامًا لَمَحروم» (٢). قيل له: روي أنه ﵇ قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى فرض عليكُمُ الحج، أَلَا فَحُجُّوا»، فقام أقرع بن حابس فقال: يا رسول الله! الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ، أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فقال: «بل مرّةً واحدةً» (٣). وقال أبو بكر ابن العربي: رواية حديث: «خمسة أعوام» حرام، فكيف يثبت به الحكم، مع أنه يدل على الاستحباب دون الوجوب (٤). ولما ذكرنا أن (سببه البيت) وهو لم يتكرر. (ثم هو) أي: الحج. (واجب على الفور) أي: عند استجماع شرائط الوجوب يتعين العام الأول. (عند أبي يوسف) حتى يأثم بالتأخير عنه، وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة. رواه الكرخي ذكره في: المحيط وفتاوى العتابي، وبه قال مالك (٥)،

стр. 1998

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: عَلَى التَّرَاخِي (*) ............. وأحمد (١). إلا أن عند مالك: لو لم يحج في العام الأول؛ كان حجه بعد ذلك قضاء (٢)، وعندنا: أداءً. (وعن أبي حنيفة ما يدل عليه) روى ابن شجاع: أن أبا حنيفة سئل عمن له مال أيحج به أم يتزوج؟ قال: بل يحج؛ لأنه فرض، فذلك دليل على أن الوجوب عنده على الفور. كذا في المبسوط (٣)، والإيضاح، وفيه تأمل. (وعند محمد، والشافعي) (٤) وبه قال أبو حنيفة في رواية. (على التراخي) أي: لا يتعين العام الأول؛ لكن عند محمد: يسعه التأخير بشرط ألا يفوته بالموت، فإذا مات فيه؛ أثم. وعند الشافعي: لا يأثم، وقال بعض أصحابه: يأثم به عن السنة الأولى إن مات فيها، وقال بعضهم: يأثم به عن السنة التي مات فيها (٥). لهما: تأخيره ﵇ الحج بعد نزول فرضيته، فإنها نزلت سنة ست من الهجرة، وحج ﵇ سنة عشر منها، ولأنه فرضُ العُمر وكان جميع الوقت وقت أدائه، ولهذا لو أخره وأداه في السنة الثانية أو الثالثة كان مؤديا لا قاضيًا. ولنا: قوله ﵇: «مَنْ وَجَدَ زادًا وراحلةً يُبَلِّغَانِهِ بيتَ اللهِ تَعالى ولَم يَحُجَّ، فلا عليه أن يموتَ نَصرانيا أو يهوديًا» (٦). وقال عمر: "لو هممت أن أنظر إلى من ملك الزاد والراحلة ولم يحج

стр. 1999

لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ العُمْرِ، فَكَانَ العُمْرُ فِيهِ كَالوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٌ، وَالمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ، فَيُضَيَّقُ احْتِيَاطًا، وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ المَوْتَ فِي مِثْلِهِ نَادِرٌ. وَإِنَّمَا شَرَطَ الحُرِّيَّةَ … ... … ... … ... .. فأُحَرِّجُ عليهم بيوتهم والله ما أراهم مسلمين، قالها ثلاثًا (١)، فهذا التهديد الشديد يدل على تضييق الوجوب، والمعنى ما ذكر في الكتاب. وأما تأخيره عليه فقد منعه بعض مشايخنا فقال: نزلت قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. سنة عشر منها، وأما النازل سنة ست فقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا أمر بالإتمام لمن شرع فيه فلا يثبت به ابتداء الفرضية مع أن التأخير فيما لا يحل لما فيه من التعريض للفوت، والنبي ﵇ كان يأمن ذلك؛ لأنه مبعوث لبيان الأحكام، والحج ركن من أركان الإسلام، فأمن أن يموت قبل أن ينتهي فعله، ولأن تأخيره كان بعذر، وذلك أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراةً ويُلبّون تلبية فيها شرك، وما كان التغيير ممكنا للعهد حتى إذا تمت المدة بعث عليا حتى إذا قرأ عليهم سورة البراءة ونادى: «ألا لا يطوفَنَّ بهذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا عُرْيَان» (٢)، ثم حج ﵇ بنفسه. ومن العذر أنه ﵇ لا يستطيع الخروج وحده؛ بل يحتاج إلى الأصحاب، ولم يكن متمكنا من تحصيل كفاية كل واحد منهم ليخرج، فلهذا أخره، كذا في المبسوط (٣)، والمسألة مستقصاة في الأصول. قوله: (وإنما شرط الحرية) فإن قيل: الصلاة والصوم يجبان على العبد والحج لا يجب، فما وجه الفرق؟

стр. 2000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: الفرق أن الحج عبادة لا يتأدى بدون المال غالبًا، ولا كذلك الصلاة والصوم، ولا يملك العبد المال وإن ملك فلم يجب؛ لعدم ما يتوسل به، وصار كالجهاد من حيث إنه لا يحصل بدون المال ظاهرًا بخلاف الفقير، فإن اشتراط الزاد والراحلة في حقه ليسير لا لإثبات أهلية الوجوب، فكان سقوط أداء الحج عنه نظير سقوط أداء الصوم وصلاة الجمعة عن المسافر من حيث إن السقوط في كل واحد منهما للترفيه، ولهذا يجب الحج على الفقير بمكة ولم يجب على العبيد بمكة. والفرق الثاني: أن حق المولى في الحج يفوت في مدة طويلة، فقدم حق العبد على حق الشرع؛ لفقره واستغناء الشرع، فلم يستثن هذه القدرة على مولاه بخلاف الصلاة والصوم؛ فإنه لا يخرج مولاه باستثنائهما، فكان العبد في حقهما متبقي على أصل الحرية، وهذا؛ لأن نفس العبد ملك المولى، فكان ما يحصل من منافع بدنه أيضًا ملكه تبعًا لنفسه إلا ما استثنى من القُرَبِ البدنية التي لا يلزم باستثنائه كبير جرح، وهي الصلاة والصوم. ثم الإسلام من شروط وجوب أداء الحج إجماعًا، وأن الكفار مخاطبين بالشرائع عند الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لأن تقدم الإسلام شرط لجوازه، وهو شرط لصحة جميع العبادات؛ لأن الكافر لا يتأهل لأدائها (٣). ولهذا لو وجد الكافر الاستطاعة حالة الكفر ثم أسلم؛ لا يجب عليه الحج بتلك الاستطاعة إجماعًا. ولو أسلم الكافر الأصلي؛ لا يجب عليه قضاء العبادات في زمان الكفر. أما لو ارتد مسلم ووجدت الاستطاعة في حقه حال ردته؛ يجب عليه بعد ما أسلم وملك الاستطاعة أن يحج عند الشافعي (٤)، ولو حج المسلم ثم ارتد ثم أسلم لم يحج ثانيًا عنده.

стр. 2001

وَالبُلُوغَ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٌّ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَالعِبَادَاتُ بِأَسْرِهَا مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصَّبْيَانِ. وَالعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَكَذَا صِحَّةُ الجَوَارِحِ لِأَنَّ العَجْزَ دُونَهَا لَازِمٌ. وَالأَعْمَى إِذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ … وعندنا: يجب عليه أن يحج ثانيا؛ لأن جميع أعماله تحبط بالردة بالنص؛ فإذا عاد إلى الإسلام اعتبرت الاستطاعة في وجوبه بعده، وعند الشافعي لا يبطل حجه ولا جميع عباداته إذا عاد؛ لأن عنده إنما يحبط عمله إذا مات على الردة بالنص، فإذا عاد إلى الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وهذا مطلق فلا يحمل على المقيد، والمسألة مذكورة في الأصول. وكذا قوله: (كذا وصحة الجوارح) معطوف على قوله: (والعقل شرط). قوله: (وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةً) أي: قائدًا يقوده إلى الحج ووجد مؤنة القائد، فعلى قول أبي حنيفة في المشهور لا يلزمه الحج (١)، وذكر الحاكم الشهيد في " المنتقى " أنه يلزمه. وأما قولهما: فقد ذكر شيخ الإسلام: يلزمه الحج على قياس الجمعة (٢). وفي فتاوى قاضي خان، والذخيرة: أما لو وجد الأعمى زادا وراحلة ولم يجد قائدا؛ لا يلزمه الحج بنفسه في قولهم (٣). وهل يجب الإحجاج عنه بالمال؟ عند أبي حنيفة: لا يجب (٤)، وعندهما: يجب (٥).

стр. 2002

سَفَرِهِ وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةٌ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا (*)، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا المُقْعَدُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعُ بِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ المُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَا يَجِبُ (**)، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الأَعْمَى، لِأَنَّهُ لَوْ هُدِيَ يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ … ... وإن وجد قائدًا؛ لا يجب بنفسه عنده. وبه قال مالك (١)، كما لا يلزمه الجمعة. ولهما: في الحج روايتان: في رواية يجب وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣). وفي رواية لا يجب، والفرق على إحدى الروايتين بين الحج والجمعة أن وجود القائد إليها ليس بنادر؛ بل هو غالب فيلزمه الجمعة، ولا كذلك القائد إلى الحج، فافترقا وقد مرَّ في كتاب الصلاة في باب الجمعة. (وأما المقعد فعن أبي حنيفة) (٤) روى الحسن عنه (أنه يجب) وفي ظاهر الرواية: لا يجب الحج على الزَّمِنِ (٥) والمفلوج (٦) والمقعد ومقطوع الرجلين وإن ملكوا الزاد والراحلة، وهو رواية عنهما (٧)؛ حتى لا يجب الإحجاج عنهم بمالهم؛ لأنه بالمال بدل عن الحج بالبدن، ولم يجب على هؤلاء الحج بالبدن لمكان الحج فلا يجب البدل.

стр. 2003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي ظاهر الرواية عنهما: يجب الحج على هؤلاء عند ملك الزاد والراحلة قدر ما يحجون به، ويحج معهم من يرافقهم ويضعهم ويقودهم إلى المناسك وإلى حاجتهم، وهو رواية [الحسن] (١) عن أبي حنيفة (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤) حتى يجب على هؤلاء الإحجاج بما لهم؛ لأنه لزمهم الأصل فيجب، وعليهم البدل، وكذا في الذخيرة، والإحجاج من هؤلاء لا يصح حال حياتهم إذا آيسوا عن الأداء بالبدن. وفي المبسوط: فالمذهب عندنا أن المقعد، والمعضوب - بالعين المهملة والضاد المعجمة -: العاجز الذي لا يستمسك على الراحلة لكبر سن أو ضعف به لعلة، أو الزمن؛ لا يجب عليه الحج باعتبار ملك المال (٥). وبه قال مالك (٦). وعلى قول الشافعي: يجب (٧)، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة [وجه] (٨) لحديث الخثعمية [وهو معروف] (٩). والمعنى: أن شرط الوجوب التمكن من أداء الواجب، وإذا جاز أداء الواجب بالمال عند العجز عن الأداء بالبدن عرف أن الشرط الوجوب يتم به، وإذا جاز بقاء الواجب بعد اليأس عن الأداء بالبدن ليؤدي بالمال فكذلك يثبت الوجوب بالبدن ابتداء بهذه الصفة كالصوم في حق الشيخ الفاني، فيجب باعتبار بدنة وهو الفدية. ولنا: قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فإنما أوجبه على من يستطيع الوصول إلى البيت.

стр. 2004

فَأَشْبَهَ الضَّالَّ عَنْهُ، ............................ ثم النبي ﵇ جعل الشرط ما يوصله إلى البيت بقوله ﵇: «مَنْ وجد زادًا أو راحلةً يُبلِّغانِهِ بيتَ اللهِ» الحديث (١)، وزاد المقعد والمعضوب وراحلتهما لا يبلغانهما فصار وجودهما كعدمهما. ولأن المقصود بهذه العبادة تعظيم البقعة بالزيارة، والمال يشترط ليتوصل إلى هذا المقصود، وما هو المقصود فائت في حقهما فلا يعتبر وجود الشرط؛ لأنه تبع، والتبع لا يقوم مقام الأصل في إثبات الحكم ابتداء، وإن كان يبقى الحكم بعد ثبوته باعتباره. واعتبار الابتداء بالبقاء فاسد؛ فإنه لو افتقر بهلاك المال بعد الوجوب يبقى واجبًا، ولا يجب ابتداءً على الفقير. وليس هذا نظير الفدية في حق الشيخ الفاني؛ لأنها بدل عن أصل الصوم بالنص، فيجوز أن يجب الأصل باعتبار البدل، وهاهنا المال ليس ببدل عن أصل الحج؛ ألا ترى أنه لا يتأدى بالمال وإنما يتأدى بمباشرة النائب الحج عنه، فإذا لم يكن المال بدلاً عن أصل الحج؛ لا يثبت الوجوب باعتباره. والروايات مختلفة في حديث الخثعمية ففي بعضها قالت: «هو شيخ كبير» (٢)، وهو نصب على الحال يعني يلزمه الحج في هذه الحالة، لا أنه من وقت الوجوب بهذه الصفة. (فأشبه الضال) يعني: عن المشاعر والمواقف والطواف؛ فإنه يجب الحج عليه؛ لأنه قادر لسلامة الآلة؛ لكنه يحتاج إلى مرشد، فكذلك الأعمى. وفي الْمُجْتَبى: الاستطاعة شرط بالنص؛ ولأن التكليف لا يتعلق إلا بالقادر.

стр. 2005

وَلَا بُدَّ مِنْ القُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ، وَقَدْرَ النَّفَقَةِ … ... … ... … ... … ... … ... … واختلف فيها؛ فقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية هي: سلامة البدن وملك الزاد والراحلة [وهو رواية عنهما. وقالا: الزاد والراحلة، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ لقوله ﵇: «الاستطاعة: الزاد والراحلة»] (١). له: أن العبادة تعتبر بنفسه لا بغيره. وفائدة الخلاف: تظهر في حق الزمن والمفلوج ومقطوع الرجلين والأعمى. فلا يجب الحج على هؤلاء. وإن ملكوا الزاد والراحلة وكفاية المعين عنده، وفي ظاهر الرواية: عندهما يجب (٢). وقال مالك وداود من قدر على المشي وعادته سؤال ولم يكن زاد وراحلة؛ لزمه الحج. أما لو كان صحيح البدن موسرًا فلم يحج حتى صار زمنا أو مفلوجا؛ لزمه الإحجاج بالإجماع. الراحلة: المَرْكَب من الإبل ذكرًا أو أنثى. كذا في الطلبة (٣). والشَّقُّ: الجانب، وهو النصف، بعير يحمل عليه المسافر متاعه وطعامه، ثم سمي به العِدْلُ الذي فيه زاد الحاج (٤). الزاملة: البعير الذي يحمل عليه متاعه وطعامه (٥)، يعني: شبد ماري (٦). وفي التحفة: هذا إذا قدر عليهما بطريق الملك لا بطريق الإباحة والعارية سواء كانت الإباحة من جهة لا منة له كالوالدين والمولودين أو من جهة من له الأجانب وبه قال أحمد، وقال الشافعي إن كانت من جهة من لا منة له يجب عليه، وإن كانت من جهة الأجنبي فله فيه قولان أما لو وهبه إنسان مالًا ليحج به

стр. 2006

ذَاهِبًا وَجَائِيًا، لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إِلَيْهِ فَقَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا إِذَا كَانَا يَتَعَاقَبَانِ لَمْ تُوجَد الرَّاحِلَةُ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنِ الْمَسْكَنِ … ... … .. لا يلزمه القبول عندنا وبه قال أحمد، وله فيه قولان والقدرة بالملك هو الأصل في توجه الخطاب (١) قوله: (فاضلا عن المسكن) نصب على الحال من الزاد والراحلة. (ذَاهِبًا وَجَائِيًا) أي: راكبًا، وفي شرح الطحاوي وروضة الناطفي: ذاهبًا وجائيًا راكبًا لا ماشيًا بنفقة وسط، بلا إسراف ولا تقتير، فاضلا عن مسكنه وخادمه ومتاع بيته وثياب يلبسها وقضاء ديونه ونفقة عياله وخدمه إلى وقت رجوعه من دراهم أو دنانير أو عروض أو عقار، ما يبلغه إلى البيت ذاهبًا وجائيًا، وعن أبي عبد الله الجرجاني: وأن يكون عنده قدر نفقة يوم بعد ما رجع لتعذر الكسب عليه في يوم قدومه، وعن محمد: نفقة شهر (٢) وقال المرغيناني: ليستريح شهرًا (٣). وللشافعي: فيمن لم يكن له أهل ومسكن، ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان: أحدهما: لا يشترط؛ لأن البلاد في مثل هذا الشخص متقاربة وأصحهما أنه يشترط لما في الغربة من الوحشة. كذا في شرح الوجيز (٤). قوله: (عقبة) العقبة: النوبة، وعقبة الأجير: أن يستأجر اثنان بعيرا يتعاقبان في الركوب فرسخًا فرسخًا، أو منزلًا منزلًا. كذا في جامع قاضي خان (٥). قوله: (فاضلا عن المسكن) في فتاوى قاضي خان: ومن الشرائط الاستطاعة وهي: أن يملك الرجل مالا فاضلا عن مسكنه وأثاثه وثيابه وفرسه وسلاحه ونفقة عياله وأولاده الصغار مدة ذهابه وإيابه، وأن يكفي ذلك الفاصل

стр. 2007

وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالخَادِمِ وَأَثَاثِ البَيْتِ وَثِيَابِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالحَاجَةِ للزاد والراحلة (١). وقال بعض العلماء: إن كان الرجل تاجرا يملك مقدار ما لو رفع منه الزاد والراحلة لذهابه وإيابه ونفقة أولاده وعياله من وقت خروجه إلى حين عوده ويبقى له رأس مال التجارة التي كان يتجر بها؛ كان عليه الحج وإلا فلا، وفي المحترف ما تبقى به آلات حرفته بعد رجوعه؛ كان عليه الحج وإلا فلا، وإن كان حراثا يملك مالا لا يكفي للراحلة وتبقى له بعد رجوعه آلات الحراثة من البقر ونحو ذلك؛ كان عليه الحج وإلا فلا، هذا إذا كان آفاقيا، وإن كان مكيا أو ساكنا بقرب مكة كان عليه الحج وإن كان فقيرا (٢). وفي الإيضاح: فأما أهل مكة ومن حولهم؛ يجب عليهم إذا قدروا بغير راحلة؛ لأنه لا يلحقهم مشقة زائدة في الأداء فكان كالسعي إلى الجمعة، ولابد من نفقة عياله؛ لأنه حق واجب لآدمي، وحق العبد مقدم على حق الشرع ثم قدر النفقة مرة شهرا ومرة سنة على حسب اختلاف المسافة (٣). وذكر ابن شجاع: إذا كانت له دار لا يسكنها وعبد لا يستخدمه وما أشبه ذلك يجب عليه أن يبيعه ويحج به، وتحرم عليه الزكاة إذا بلغ نصابا؛ لأنه فاضل عن حاجته فتحصل به الاستطاعة فأما المشغول بالحاجة فله حكم العدم. ولو أمكنه بيع منزله وأن يشتري بثمنه دارا دون منها ويحج بالفضل لم يجب عليه ذلك، فإن فعل فهو أفضل؛ لأنه إذا كان مشغولا بالحاجة صار كالعدم ولم يعتبر فيها قدر ما لا بد منه ألا ترى أنه لا يجب عليه بيع المنزل والاقتصار على السكنى بالإجماع (٤). وفي النتف: صاحب الضيعة إذا احتاج إلى غلتها وقيمتها أكثر من الزاد والراحلة فلا حج عليه، وإن كانت غلتها تكفيه وعياله والزاد والراحلة فعليه

стр. 2008

الأَصْلِيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إِلَى حِينِ عَوْدِهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ مُسْتَحَقُّ لِلْمَرْأَةِ، وَحَقُّ العَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُم الرَّاحِلَةُ، لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ فِي الأَدَاءِ، فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ، ............ الحج (١). وفي القنية: له أرض وعقار وكروم أو حوانيت يشغلها ويكفيه وعياله في السنة غلة بعضها وفي بقية البعض وفاء بالحج؛ لزمه الحج خلافًا لبعض أصحاب الشافعي (٢). وفي روضة الناطفي: له دراهم أو دنانير أو عروض أو عقار قدر ما يكفيه لنفقته وأجرة ما يركبه ولعياله فوق سنة فعليه الحج، ولو كان له مسكن كثير ثمنه ويجد ببعض ثمنه مسكنا أوسع منه ويحج بالباقي لا يلزمه الحج، فإن فعل فهو أفضل. وبه قال الشافعي بأمر الشرع قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقال ﵇: «أجِبْ أخاك واقْضِ يومًا مَكانَهُ» (٣)، ولهذا للمرأة إذا فارقت قِدْرَها وهي في الصلاة قطعت صلاتها، وكذا للمسافر إذا نَدَّت (٤) دابته، وكذا للراعي لو خاف على غنمه الذئب، أو رأى أعمى على حريم بئر له قطعها، وقد مرت هذه المسائل في الصلاة، ففي هذا كله تقديم حق العبد على حق الشرع لغناه وفقره (٥). قوله: (وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ) وهو أن يكون الغالب فيه السلامة ولو كان بينه وبين مكة بحر يلزمه الحج عندنا (٦).

стр. 2009

لِأَنَّ الاِسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَهُ، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ شَرْطُ الوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الإِيصَاءُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقِيلَ: هُوَ شَرْطُ الأَدَاءِ دُونَ الوُجُوبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَسَّرَ الاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرُ. وَلا يلزمه عند أبي يوسف (١)، والشافعي (٢)، وقال عامة أصحابنا: لا يلزمه. ذكره في جامع قاضي خان وغيره (٣). قيل: فإن كان النجاة هو الغالب يجب، وبه [قال] (٤) أحمد (٥)، وأبو إسحاق والإِصْطخري من أصحاب الشافعي. والصحيح أنه لا يجب في كل حال. وبه قال [بعض أصحاب الشافعي] (٦)؛ لأن كل أحد لا يقدر ركوب البحر، والفرات والدجلة والجيجون والسيحون أنهار وليست بحار. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن كان الرجل ممن يعتاد ركوب البحر كالملاحين وأهل الجزائر؛ لا يمنع الوجوب، وإلا يمنع لصعوبته عليه (٧). وفي الحلية: نص في الأم أن البحر مانع من الوجوب، وقال في الإملاء: لو كان أكثر معاشه فيه لزمه، وقال بعض الأصحاب: فيه قولان (٨). ثم اختلف مشايخنا في أمن الطريق أنه شرط الوجوب أم شرط الأداء، ذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه: شرط الوجوب كالزاد والراحلة (٩) لأن الاستطاعة تتحقق به. وبه قال الشافعي (١٠)، والكرخي وأبو حفص الكبير من أصحابنا.

стр. 2010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال بعض أصحابنا (١) هو [شرط] (٢) الأداء، وهو الصحيح (٣) وبه قال أحمد (٤)؛ لأنه ﵇ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة ولم يذكر أمن الطريق فلو كان شرط البينة؛ لأن تأخير البيان عند الحاجة لا يجوز كذا في الخبازية وفيه تأمل. وعلى هذا الخلاف وجود المحرم للمرأة. كذا في جامع قاضي خان (٥). وفي الإيضاح: ثم الفرق بين الزاد والراحلة وبين أمن الطريق على قول البعض أن التمكن بها يتحقق، فإذا عدما لم تثبت الاستطاعة. فأما خوف الطريق فيعجزه عن الأداء بمانع ومعارض فلا تنعدم الاستطاعة به، واعتبر هذا بالمحسوسات فإن المقيد الممنوع عن الشيء لا يكون نظير المريض الذي لا يقدر. وثمرة الاختلاف تظهر في وجوب الوصية، فمن جعله شرط الوجوب لا يقول [بوجوب الوصية، ومن جعله شرط الأداء يقول به] (٦) (٧). وفي القنية والمجتبى: قال الوبري: للقادر على الحج أن يمتنع عنه بسبب المكس الذي يؤخذ من القافلة (٨). وبه [قال] (٩) الشافعي. ومالك: إن كان يسيرًا لزمه، وكذا لو كان في الطريق خفارة. وقال غيره: يجب الحج وإن علم أنه يؤخذ منه المكس (١٠). قال صاحب القنية والمجتبى: وعليه الاعتماد؛ لأن القافلة قلما خلت عن

стр. 2011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك؛ فلو سقط الحج به فمتى يعمل بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧]. وسئل الكرخي عمن وجب عليه الحج إلا أنه لا يخرج لما أن القرامطة تخرج على الحاج بالبادية، فقال: ما سلمت البادية عن أحد؛ يعني: ليس بعذر (١)؛ لأن البادية لا تخلو عن الآفات من قلة الماء (٢) وشدة الحر وهيجان الريح السموم. وبه أفتى بعض فقهائنا (٣). وقال أبو القاسم الصفار ببلخ (٤): لا شك في سقوط الحج عن النساء في هذا الزمان، وإنما الشك في سقوطه عن الرجال. وقال: لا أرى الحج فرضًا منذ عشرين سنة منذ خرج القرامطة الأولى، قال: والبادية عندي دار الحرب (٥). وقال أبو الليث: [إن كان الغالب في الطريق السلامة؛ فالحج فرض، وإن كان الغالب خلافه؛ فالفرض ساقط] (٦). وعن أبي عبد الله البلخي أنه كان يقول: ليس على أهل خراسان حج منذ كذا وكذا سنة (٧). وقال أبو بكر الرازي: لا أقول الحج فريضة في زماننا - قاله في سنة ست وعشرين وثلاثمائة-، وأفتى ببغداد أنه سقط الحج عن الرجال أيضًا. وبه قال: الوبري، والترجماني، وأبو الفضل الكرماني (٨). وعن أبي بكر الوراق أنه خرج حاجًا فلما سار مرحلة قال لأصحابه:

стр. 2012

قَالَ: (وَيُعْتَبَرُ فِي المَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ أَوْ زَوْجٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ ردوني أرتكبت سبعمائة كبيرة في مرحلة واحدة؛ فردوه (١). وعن أبي سليمان الداراني أنه قال: حججت أربعين حجة وما أرى أني قضيت فريضة الله عن نفسي. وقال أبو القاسم: من غزا في هذا الزمان غزوة واحدة ففاتته الصلاة عن وقتها يحتاج إلى مائة غزوة تكون كفارة لما فاتته من الصلاة. وفي واقعات الناطفي: قتل بعض الحاج عذر في ترك الحج (٢). وفي النوازل: إن كان الغالب في الطريق السلامة؛ فالحج فرض، وإن لم يكن كذلك؛ فالفرض ساقط، وفي القنية: وعليه الاعتماد (٣). قوله: (ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم) إلى آخره، وفي فتاوى قاضي خان واللولوالجي: سواء كانت المرأة شابة أو عجوزة. وصفة المحرم: كل من لا يجوز [له] مناكحتها على التأبيد بأي وجه كانت الحرمة بقرابة أو رضاع أو صهرية؛ لأن الحرمة تزيل التهمة، والحر والعبد والذمي فيه سواء، إلا أن يكون مجوسيًا يعتقد إباحة نكاحها؛ فلا تسافر معه. ولا يجب عليها أن تتزوج ليحج بها؛ كما لا يجب على الفقير اكتساب المال لأجل الحج (٤). ويروى عن أحمد مثل قولنا، وبه قال: أصحاب الحديث، والشافعي في قول. قال البغوي: القول باشتراط المحرم أولى (٥). وقال الشافعي: يجوز لها الخروج مع النساء الثقات (٦)، وبه قال مالك (٧). وفي شرح الوجيز: هل يشترط أن يكون مع واحد منهن محرم؟ فيه

стр. 2013

تَحُجُّ بِغَيْرِهِمَا إِذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا وجهان: أحدهما: نعم. وبه قال القفال؛ ليتكلم الرجل عنهن، ولتستعن التي معها محرم إذا ابتلين بنائبه. وأصحهما: الاشتراط؛ لأن النساء إذا كثرن انقطعت الأطماع عنهن، وكفين أمرهن، فإن لم تجد نسوة ثقات؛ لم يلزمها الحج، هذا ظاهر المذهب. ووراءه قولان: أحدهما: أن تخرج مع المرأة الواحدة، ذكره في الإملاء. واختار جماعة من الأئمة: أن عليها [أن تخرج] (١) وحدها إذا كان الطريق آمنا. وحكي هذا عن الكرابيسي، وهو قول الأوزاعي؛ واحتج بما روي عن عدي بن حاتم أنه ﵇ قال له: «إن طالَتْ بِكَ الحَياةُ لتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتى تطوف بالكعبة لا تخافُ إِلَّا الله تعالى»، قال عدي: رأيت ذلك " (٢). وبالقياس على ما لو أسلمت في دار الحرب لزمها الخروج إلى دار الإسلام، وإن كانت وحدها. ولمن ذهب إلى الأول أن يقول: [الحديث] (٣) لا يقتضي الوجوب، وأما التي أسلمت: فخوفها في المقام هناك أكثر من خوف الطريق. أما في الحج النفل: فالأصح ألا تخرج مع النساء وحدها (٤). وفي تتمتهم: ولنا: ما روي عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: كنت عند عائشة، فأخبرت أن أبا سعيد الخدري يخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يَحِلُّ لامرأة أن تسافر ثلاثة أيامٍ إِلَّا وَمَعَها مَحرَمٌ»، فالتفتت إلينا عائشة وقالت: «ما كُلَهُنَّ لَهَا مَحرَمٌ» (٥). وعن ابن عمر أنه سافر مع مولاة له، ليس هو محرم لها ولا لها محرم.

стр. 2014

الحَجُّ إِذَا خَرَجَتْ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الأَمْنِ بِالمُرَافَقَةِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، وَلِأَنَّهَا بِدُونِ المَحْرَمِ وما ورد من الأخبار في نهي المرأة عن المسافرة؛ فمحمول على الأسفار المباحة (١). فإنه لا يجوز لها السفر المباح عندنا بلا محرم في وجه، وفي وجه يجوز سفر الحج. والأول أصح عند الروياني من أصحابه (٢). قوله: (ولنا قوله عليه الصلاة السلام: «لا تَحُجَّنَّ») الحديث رواه ابن عباس. وقال أنه ﵇ قاله في خطبته، فقام رجل وقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، فقال ﵇: «انطلق حُجَّ مع امرأتك» (٣). وروى: «لا تُسافر فوق ثلاثةِ أَيَّام إِلَّا ومعها محرم» (٤)، وكلمة "فوق " صلة كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ والتقدير ثلاثة أيام فما فوقها. وفي الصحيحين: «لَا تُسَافر امرأةٌ إِلَّا ومَعَها مَحرَمٌ، وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بامرأة» (٥). فإن قيل: النص وهو قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧] يقتضي عدم اشتراط المحرم؛ فكان الخبر مخالفًا. قلنا: لا مخالفة فإن الحديث ورد بيانًا للاستطاعة كما في الزاد؛ لأن مطلقها غير مراد بالاتفاق بيننا وبينه على أن الأحاديث في الباب كثيرة حتى بلغت حد الكثرة والشهرة، والعجب من الشافعي أنه لم يعمل بالأحاديث الصحاح المشهورة ويعمل بأثر عائشة وابن عمر مع شذوذهما وعدم دلالتهما على عدم اشتراط المحرم؛ لأن أثرها يدل على تعجبها، وأثر ابن عمر يحتمل

стр. 2015

يُخَافُ عَلَيْهَا الفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إِلَيْهَا، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ أن يكون قبل وصول الخبر إليه، مع أن الأثر غير حجة عنده. وحملهم الحديث على الأسفار المباحة بعيد؛ لما روينا من قوله ﵇: «إِنطَلِقْ حُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». قوله: (ويُخاف عليها الفتنة) فإن قيل: يشكل على هذا سفر الهجرة فإن لها الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام بغير محرم، مع أن الهجرة ليست من أركان الدين والحج منها؛ فيجب أن يجوز لها الحج الفرض بغير محرم بالطريق الأولى. قلنا: المهاجرة لا بسبب السفر ولكنها بقصد النجاة؛ ألا ترى أنها لو وصلت إلى جيش المسلمين في دار الحرب حتى صارت آمنة لم يكن لها أن تسافر بغر محرم بعد ذلك؟ فإنها مضطرة في ذلك لخوفها على نفسها؛ ولهذا لا يمنعها العذر من الخروج هناك، وفي الحج تمنع فلا تخرج المعتدة إليه، وتأثير فقد المحرم كتأثير العدة. كذا في المبسوط (١). والمعنى الفقهي: في هذا أن هذا سفر تمنعه العدة؛ فكذا عدم المحرم قياسًا على السفر المباح، وعكسه سفر الهجرة وهذا؛ لأن حرمة الخروج في العدة عليها صيانة لحرمة خاصة؛ وهي: حرمة نكاح آخر لحق الأول، فإن انقطع حق الأول حرم عليها السفر صيانة لحرمة الزنا؛ لأنها متى سافرت وحدها طمع فيها الرجال، وحرمة النساء فوق حرمة النكاح في العدة؛ لأن الزنا يوجب الحد والنكاح فيها لا، فلما منعت عن سفر الحج الأدنى لحرمتهن فللأعلى أولى، فإذا لم تمنع الهجرة عدم المحرم فالعدة أولى. فإن قيل: هذا الاستدلال فاسد؛ لأن العدة تمنع أصل الخروج وعدم المحرم لا، فعلم أن هذه الحرمة أخف. قلنا: إنما افترقا؛ لأن الحرمة لعدم المحرم تعم العمر كله، وهي تحتاج في العمر إلى الخروج لمصالح المعيشة.

стр. 2016

كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الخُرُوجُ إِلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَإِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا، لِأَنَّ فِي الخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ. وَلَنَا: أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الفَرَائِضِ وَالحَجُّ مِنهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَلَوْ كَانَ المَحْرَمُ فَاسِقًا قَالُوا: لَا يَجِبُ فإن قيل: قد قلتم: إن الرجل إذا شُهد عليه بطلاق امرأته الثلاث؛ يحال بينها وبينه بامرأة ثقة حتى تُزكّى الشهود، وكذا قلتم بالحيلولة بنفسه (١) في الثلاث إذا اعتدت في بيت الزوج، فما جعلتم انضمام المرأة إلى المرأة فتنة؟. قلنا: الإقامة بموضع أحسن من الأمنية للقدرة على دفعه في مثله، بخلاف السفر فإنه مظنة العجز عن الدفع، مع أن النص فرق بينهما. أو نقول: في هذه الصورة حسنًا؛ لظاهر حال المطلق العدل وصيانته، بخلاف السفر فإنه موجب التفرقة فلا يجوز فيه. كذا قيل وفيه تأمل. قوله: (لم يكن للزوج منعها) وبه قال: أحمد، وأبو ثور (٢). وقال مالك: لا يمنعها على القول بالفور، وفي القول بالتراخي قولان (٣). وقال الشافعي:: له منعها عن الخروج في أظهر قوليه (٤)؛ لاشتماله على (تفويت حقه). (حتى لو كان الحج نفلا له) منعها؛ لأن التطوع غير مستثنى من حق الزوج؛ فله منعها وتحليلها، ولكن لا يتأخر تحليلها إلى ذبح الهدي، ويحللها من ساعته، وعليه هدي لتعجيل الإحلال، وعمرة وحجة؛ لصحة الشروع بخلاف حجة الإسلام، فإن هناك لا يتحلل إلا بالهدي وهاهنا تعذر الخروج لحق الزوج، فكما لا يجوز أن يبطل حقه لا يجوز لها أن تؤخر حقه؛ فكان له أن يُحلّلها من ساعته، وتحليله لها: أن ينهاها ويصنع بها أدنى ما يحرم عليها

стр. 2017

عَلَيْهَا، لِأَنَّ المَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ (وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إِبَاحَةَ مُنَاكَحَتِهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِالصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ لَا تَتَأَتَّى مِنْهُمَا الصِّيَانَةُ، وَالصَّبِيَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ البَالِغَةِ حَتَّى لَا يُسَافَرَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَنَفَقَةُ المَحْرَمِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا تَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى أَدَاءِ الحَجِّ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ في الإحرام من قص ظفر أو غيره، ولا يكون التحليل بالنهي ولا بقوله حللتك، وهو نظير الصوم إذا صح الشروع فيه لا يكون الخروج منه إلا بارتكاب محظوره. كذا في المبسوط (١). قوله: (ونفقة المحرم عليها) وبه قال أحمد (٢). وفي التجريد: وقال أبو حفص: لا يجب الحج عليها حتى يخرج المحرم بمال نفسه، وفي القدوري: تنفق على محرمها ليحج بها (٣). وفي المرغيناني: لا يجب نفقة المحرم أو الزوج عليها (٤). وفي المبسوط: عن محمد: لا تجب نفقة المحرم عليها، ولا يجب عليها أن تتزوج حتى يحج معها (٥). وعند الميداني: وجود المحرم أو الزوج شرط الأداء، فعليها أن تتزوج ليحج بها، ونفقة المحرم عليها (٦). وعند الشافعي: لا يجب الحج عليها حتى تجد رفيقا محرمًا، أو نسوة ثقاة ولو بأجرة على الأظهر؛ لأنها من مؤونات سفرها في الغاية (٧). وفي الْمُجْتَبى: ومن شرائط الحج عليها خلوها عن العدة، أي عدة كانت (٨).

стр. 2018

المَحْرَمَ شَرْطُ الوُجُوبِ أَوْ شَرْطُ الأَدَاءِ، عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ، أَوْ عَتَقَ العَبْدُ فَمَضَيَا لَمْ يُجْزِهُمَا عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ لِأَنَّ إِحْرَامَهُمَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الفَرْضِ وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الإِحْرَامَ قَبْلَ وعند أحمد: لا تخرج في عدتها عن وفاة ورجعي، وتخرج في الطلاق البائن. قوله: (لأن إحرامها انعقد): فإن قيل: الإحرام شرط عندنا بمنزلة الوضوء للصلاة، والصبي إذا توضأ قبل البلوغ ثم بلغ بالسن تجوز به الصلاة. قلنا: الإحرام يشبه الوضوء من حيث إنه مفتاح الحج كما أن الوضوء مفتاح الصلاة، ويشبه سائر أعمال الحج من حيث إنه يتصل به أعمال الحج، فيكون من هذا الوجه ركن، والأخذ في العبادات بالاحتياط أصل. كذا في جامع شمس الأئمة (١). وفي المبسوط: لو بلغ بعد الإحرام قبل الوقوف والطواف لم يُجْزِهِ عن حجة الإسلام عندنا. وعند الشافعي يجزئه. وهذا بناء على ما بينا في كتاب الصلاة إذا صلَّى في أول الوقت ثم بلغ في آخره عنده يجزئه عن الفرض ويجعله كأنه بلغ قبل أدائها، وهاهنا أيضًا يجعله كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فيجزئه عن الفرض، وقال: هذا على أصلكم أظهر؛ لأنه شرط عندكم لا ركن ولهذا صح الإحرام بالحج قبل أشهره. ولكنا نقول: حين أحرم لم يكن من أهل أداء الفرض؛ فانعقد إحرامه لأداء النفل فلا يصح أداء الفرض به وهو نظير الضرورة أي الذي لم يحج حج الفرض لو أحرم بنية النفل لا يجزئه أداء الفرض به. وعنده: ينعقد إحرامه للفرض وللإحرام. وإن كان من الشرائط عندنا؛ لكن في بعض الأحكام بمنزلة الركن، وهو مع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين؛ فلهذا لا يجزئه عن الفرض (٢).

стр. 2019

الوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الإِسْلَامِ جَازَ، وَالعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ إِحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمِ لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ، أَمَّا إِحْرَامُ العَبْدِ لَازِمٌ، فَلَا يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: [في المَوَاقِيتِ] وفي جامع فخر الإسلام لم ينعقد إحرامه إلا للنفل؛ فلا يتصور أن ينقلب فرضًا؛ كالصبي يُحرِمُ للظَّهْرِ ثم بلغ بالسن في خلال الصلاة؛ أن ذلك لا يجزئه عن الفرض (١). قوله: (غير لازم لعدم الأهلية)؛ لأن الفعل إنما على العبد بإيجاب الله تعالى أو بالتزامه، وكلاهما منتفٍ في حقه لعذر الصبى، فكان ما باشره من الإحرام يقع تخلفًا لا لازماً، ولهذا لو أُحْصِرَ لم يلزمه قضاء ولا دم، ولو ارتكب بمحظور الإحرام لم يلزمه شيء، فإذا جدد الإحرام قبل الوقوف يقع فرضًا وينفسخ الأول ضرورة الثاني؛ لأن إحرامه يحتمل الفسخ لكونه غير لازم كما لو باع بألف ثم تبايعا بألف ومائة أن الأول ينفسخ ضرورة تجديد الثاني، فكذا هذا. وأما إحرام العبد فلازم لكونه مخاطبًا حتى لو أصاب صيدا فعليه الصيام؛ لأنه صار جانيًا على إحرامه وهو ليس من أهل التكفير بالمال بالإراقة أو بالإطعام فكان تكفيره بالصوم، وإذا كان كذلك مخاطبا لا يتمكن بعد العتق من فسخ ذلك الإحرام. كذا في المبسوط (٢) وجامع فخر الإسلام (٣). فصل لما ذكر من وجب عليه الحج، وشروط الوجوب، وتوابعها: شرع في بيان أول أمكنة يبتدأ بأفعال الحج وهي المواقيت؛ فإنها: جمع الميقات، وهو: الوقت المحدود؛ فاستعير للمكان؛ كما استعير المكان للزمان في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ﴾ [الكهف ٤٤].

стр. 2020

(وَالمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الإِنْسَانُ إِلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ: لِأَهْلِ وفي الفتاوى الظهيرية والإحياء: مَنْ أراد الحج ينبغي أن يقضي ديونه، ويجتهد أن يكون قوته من الطَّيِّبِ، فإن لم يقدر فمن وقت الإحرام، فإن لم يقدر فليجتهد يوم عرفة؛ لقيامه بين يدي الله تعالى ولدعائه فيه فليجتهد أن لا يكون في بطنه حرام، ويخرج إلى الحج خروج الخارج عن الدنيا، ويصلي ركعتين قبل أن يخرج من بيته، وكذا بعد الرجوع إلى بيته (١). وإذا خرج يقول: بسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، توكلت على الله، اللهم [وفقني] (٢) لما تحب وترضى، واحفظني من الشيطان الرجيم. ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين مرة مرة. وإذا ركب الدابة يقول: بسم الله، الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومَنَّ علينا بمحمد ﵇، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١٤). والحمد لله رب العالمين (٣). قوله: (المواقيت) اعلم أن البيتَ مُعظَّمٌ مُشَرَّفٌ بتشريف الله تعالى، وجعل له حصنًا وهو مكة، وحمى وهو الحرم، وللحرم حرم وهو المواقيت؛ حتى لا يجوز لمن هو خارج عنها أن يتجاوزها إلا بالإحرام؛ تعظيما للبيت، ثم الأصل أن كل من قصد مجاوزة ميقاتين لا يجوز إلا بإحرام، ومن قصد ميقات واحدة هل له أن يجاوز بغير إحرام؟ بانه: أن من أتى ميقانا بنية الحج أو العمرة أو دخول مكة لا يجوز أن يتجاوز إلا به؛ لأنه قصد مجاوزة ميقاتين: ميقات أهل الآفاق وميقات أهل الحِلِّ، والحيلة لمن أراد دخولها بغير إحرام أن يقصد الآفاقي في بستان بني عامر، أو غيره من الحِلِّ فلا يجب الإحرام؛ لأن قصده مجاوزة ميقات واحد.

стр. 2021

المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةُ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ. كذا ذكره المحبوبي (١). و (قرن) بسكون الراء جبل مشرف على عرفات، ميقات أهل: نجد اليمن ونجد الحجاز ونجد تهامة واليمن والطائف، ويقال له: المنازل وقرن الثعالب، وبينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلا، ويجوز صرفه وتركه على تأويل البقعة. وفي الصحاح بالتحريك (٢)، وفيه نظر؛ لأن القرن بفتحتين حي من اليمن إليهم ينسب أويس القرني كذا في المغرب (٣). وفي شرح الوجيز: قال بعض الشارحين للمختصر: القرن قرنان: أحدهما في هبوط يقال [له] (٤) قرن المنازل، والآخر على ارتفاع بقرب منه وهي القرية وكلاهما ميقات (٥). قوله: (وقت رسول الله ﷺ ) (٦) وفي الإيضاح: صح عنه ﵇ أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، وقال: «هن لهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة» (٧). وروي أنه ﵇ وقت لأهل العراق ذات عرق رواه عائشة (٨)، وابن عمر (٩). وروى أبو داود في سننه وفي رواية «وقت لأهل المشرق العقيق» (١٠) وهو.

стр. 2022

يَلَمْلَمُ) هَكَذَا وَقَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ المَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ. وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ: المَنْعُ عَنْ تَأْخِيرِ الإِحْرَامِ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا بِالاتِّفَاقِ (ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهَا عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ، عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصَدَ الحَجَّ أَوْ العُمْرَةَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا). اسم ذاتِ عِرْقٍ كذا في المنافع. وقيل: هو سهو منه؛ بل بينهما مرحلة. والعقيق [واد] (١) أبعد من «ذاتِ عِرْقٍ» بمرحلة. وقيل: بينهما مرحلتان؛ حتى قال الشافعي: الأفضل في أهل العراق الإحرام من العقيق (٢). قال الطبري في مناسكه: العقيق في بلاد العرب كثيرة فإن كل موضع شقه ماء السيل فوسعه فهو عقيق. وقيل: إن ذات عرق خربت وحول بناؤها إلى صوب مكة، وعلى العراقي أن يطلب آثارها، وقيل: من علامتها المقابر القديمة. وقال أبو حنيفة: في أهل المدينة إذا جاوزوا ذا الحليفة إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحب إليَّ أن يُحرموا من ذي الحليفة؛ لأنهم إذا حصلوا في الميقات يجب مراعاة حرمتها. و (يَلَمْلَم) ميقات أهل اليمن، وَأَلَمْلَمُ كذلك. كذا في المُغْرِب (٣). وقيل: أصله الهمزة، والياء بدل منها، وهو ميقات تهامة. وقيل: يرمرم بالراء أيضًا، ويجوز صرفه وتركه على تأويل البقعة. وقيل: يلملم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة .. وفي الإيضاح: من قصد مكة في طريق غير مسلوك لزمه أن يهل إذا حاذى ميقاتا من هذه المواقيت؛ لأنه بمنزلة الميقات في القرب (٤). وبه قال الشافعي (٥). قوله: (عندنا) احتراز عن أحد قولي الشافعي، فإن الآفاقي كالمكي في

стр. 2023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك عنده قياسًا عليه. وذكر في شرح الوجيز تفصيل على مذهبه، فقال: من قصد دخول مكة لا للنسك له حالتان: أحدهما: ألا يكون ممن يتكرر دخوله كالذي يدخل لزيارة أو تجارة أو رسالة، وكالمكي إذا دخلها عائدًا من سفره، فهل يلزمه الإحرام بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان أصحهما على قولين: أحدهما: أنه يلزمه الإحرام بالحج أو العمرة. ويُحكى ذلك عن: مالك (١)، وأحمد (٢)؛ لإطباق الناس عليه؛ ولما روي عن ابن عباس أنه قال: " لا يدخُلُ أحد مكةَ إِلَّا مُحرِمًا " (٣). والثاني: أنه لا يلزمه ذلك؛ بل يستحب. وبه قال: مالك في رواية (٤)، وأحمد (٥)؛ لأن الإحرام غير مقصود بعينه؛ بل لأداء النسك. ولا فرق على القولين بين أن تكون داره فوق الميقات، أو دونه، وعند أبي حنيفة إن كان داره فوق الميقات (٦) يلزمه وإلا فلا. والطريق الثاني: القطع بالاستحباب. والحالة الثانية: أن يكون ممن يتكرر دخوله؛ كالحطابين والصيادين ونحوهم، فإن قطعنا بنفي الوجوب في الحالة الأولى؛ فهاهنا طريقان: أحدهما: طرد القولين وأصحهما القطع به؛ لأن هؤلاء [إن] (٧) امتنعوا من الدخول انقطعوا عن معاشهم وتضرر به الناس، ولو أحرموا لكل مرة شق عليهم (٨). وفي المبسوط: وأما من أراد دخولها لقتال؛ فليس عليه إحرام عنده قولًا

стр. 2024

لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ المِيقَاتَ إِلَّا مُحْرِمًا» وَلِأَنَّ وُجُوبَ الإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ البُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ المِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُ مَكَّةَ، وَفِي إِيجَابِ الإِحْرَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيْنٌ، فَصَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الخُرُوجُ مِنهَا ثُمَّ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِحَاجَتِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَصَدَ أَدَاءَ النُّسُكِ، واحدًا؛ لأنه ﵇ دخلها يوم فتح مكة بغير إحرام. وإن أراد تجارة أو طلب غريم له؛ فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ لأن هذا الإحرام لتحية البقعة، فإذا لم يأت به يسقط كتحية المسجد (١). ولنا: قوله ﵇: «لَا يُجَاوِزُ أحَدٌ … » (٢) الحديث، وخص المكي منه؛ لأن المقصود من الإحرام عند الميقات تعظيم مكة التي شرفها الله تعالى وعظمها، والمكي بالاستطانة لها أو لما حولها جعل نفسه تبعًا لها فقد عظمها، فلم يتصور منه القدوم عليها، فلا يلزمه ما يجب بحق القدوم على الآفاقي، فإنهم كالحراس حول الحصن، وإنما يلزمهم الإحرام الذي هو شرط الحج أو العمرة. إليه أشير في الأسرار. وفي المبسوط: لنا حديث ابن شريح الخزاعي أنه ﵇ قال في خطبته يوم الفتح: «أَلَا إِنَّ مَكَّةَ حَرّمَها اللهُ تَعالى يوم خلق السموات والأرض، فإنّها لم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعة من نهار، ثم هِيَ حرام إلى يوم القِيامَةِ» (٣) فقد ترخص دخول مكة [بغير إحرام] (٤) للقتال لرسول الله ﷺ على وجه الخصوصية، وإنما يكون كذلك إذا لو [لم] (٥) يكن لغيره أن يصنع كصنيعه. قال أبو بكر في العارضة: أراد بذلك دخوله بغير إحرام لأجل القتال؛ إذ

стр. 2025

لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَحْيَانًا فَلَا حَرَجَ (فَإِنْ قَدَّمَ الإِحْرَامَ عَلَى هَذِهِ المَوَاقِيتِ جَازَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِثْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا القتال فيها حلال أبدًا؛ بل واجب إذا تغلب فيها كفار أو بغاة يجب قتالهم بالإجماع، ويحل الدخول للقتال بالإجماع؛ لأنه يكثر دخوله لحوائجه؛ لأنه تابع لأهل مكة وهذا وجه آخر غير ما ذكرنا لتخصيص من هو داخل الميقات له (١). وفي مبسوطي شمس الأئمة وفخر الإسلام ولنا: حديث ابن عباس أنه ﵇ "رخص للحطابين أن يدخلوا بلا إحرام" (٢)، والظاهر أنهم لا يجاوزون الميقات فدل أنه من كان داخل الميقات له الدخول بغير إحرام (٣). قوله: (فإن قدم الإحرام) وهذا بالإجماع (٤). أما الخلاف في الأفضلية، فعندنا: الأفضل التقديم عليها (٥). وبه قال الشافعي في قول (٦)؛ لما فيه من إتمام الحج؛ فإن عمر وعليا وابن مسعود فسروا الإتمام في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وروي عن أم سلمة أنه ﵇ قال: «مَنْ أَحرَمَ مِنَ المَسجِدِ الأَقْصَى إِلَى المَسجِدِ الحَرامِ بِحَجِّ أو عُمرَةٍ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّرَ، ووَجَبَتْ لَهُ الجَنةُ» وفي رواية: «وإن كانَتْ أكثر من زَبَدِ البَحرِ» رواه أبو داود وأحمد ابن ماجه والدارقطني (٧)، وأبو داود لو أخرج حديثًا ولم يتكلم في رجاله كان حجة. ولأن فيه مسارعة إلى الطاعة.

стр. 2026

مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُود ﵄. وَالأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ إِثْمَامَ الحَجِّ مُفَسَّرٌ بِهِ، وَالمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إِنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إِذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ. وفي شرح الوجيز وهو الأظهر: وقال الشافعي في قول: الإحرام من الميقات أفضل (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، وهو اختيار المزني والبويطي؛ لأنه ﵇ لم يُقَدِّمِ الإحرام عليها، والظاهر أنه يعمل بالأفضل. وروي أنه ﵇ لما وقت المواقيت قال: «يَستمتع الرجلُ بأهله وثيابه حتى يأتي الميقات» (٤). ولأنه لو قدم الإحرام لا يأمن أن تدعوه الحاجة إلى ارتكاب شيء من محظوراته، فكان ترك الشروع أولى. ومن أصحاب الشافعي من قال: إنه يستحب التقديم عنده قولا واحدا (٥). وأما إحرام النبي ﵇ من الميقات؛ فلبيان الجواز لمن لا يأمن على نفسه ارتكاب محظورات الإحرام، وشفقة على الضعفاء. أو يمكن أنه ﵇ فعل ذلك؛ لأن الميقات مجتمعهم فكانوا يشاهدون فعله ولا يمكن تعليم كل فرد في بيته بالمدينة. كذا في تتمتهم. ولا اعتبار بخلاف داود الظاهري. حيث قال: لو أحرم قبل الميقات لا حج له ولا عمرة؛ لأنه خلاف الأحاديث المشهورة وعمل الصحابة. وقوله (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ): هي تصغير الدار. وعن شيخ شيخي: وإنما قال بلفظ التصغير بمقابلة بيت الله؛ لأن غيره من البيوت محتقر بنسبته. (أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ) أو محظور الإحرام. وفي الْمُجْتَبى قال أصحابنا: وكلما قَدَّمَ الإحرام عليها فهو أفضل إذا كان

стр. 2027

(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ المِيقَاتِ فَوَقْتُهُ الحِلُّ) مَعْنَاهُ الحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَبَيْنَ الحَرَمِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَمَا وَرَاءَ المِيقَاتِ إِلَى الحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الحَجِّ الحَرَمُ، وَفِي العُمْرَةِ الحِلُّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ يملك نفسه لما ذكرنا (١). قوله: (لأنه يجوز إحرامه) دليل لما ادعاه من معنى الحل الذي بين المواقيت وبين الحرم لا مطلق الحِلِّ؛ إذ لو كان مراده المطلق فحينئذ يصير هو كالآفاقي فلا يجوز له أن يحرم من دويرة أهله، كما لا يجوز للآفاقي منها؛ فلما جاز له علم أن المراد الحل الذي بينهما في حق من هو داخل المواقيت لا يتفاوت جميع أمكنة ذلك الحل؛ فيُحْرِمُ من أي موضع شاء. وروي أنه ﵇ قال بعد ذكر المواقيت: «فَمَنْ كَانَ دُونَهُ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ» (٢). قوله: (فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ) للشافعي فيه قولان أصحهما: نفس مكة؛ لما روى ابن عباس أنه ﵇ وقَتَ لأهل المدينة «ذا الحليفة» إلى قوله: «فمَنْ كانَ دونَ دُونِهِ فَمَهَلُّهُ مِنْ دُوَيرَةِ أهلِهِ حتّى أهل مكة يُهلّون» فيما رواه البخاري في صحيحه، وهكذا روي عن علي وجابر، وعلى هذا لو فارق البنيان وأحرم في حد الحرم يكون مسيئًا ويلزمه الدم. والثاني: أن ميقاته خطة الحرم، وهو قولنا (٣)؛ لاستواء مكة وما وراءها من الحرم في الحرمة؛ ولهذا يحتاج المكي في إحرام العمرة إلى الخروج من الحرم. كذا في شرح الوجيز (٤). وفي المغني: لا نعلم خلافًا في هذا (٥). فعلم أن الحرم من قباء مكة، فيكون له حكمها؛ ولهذا روي في بعض

стр. 2028

وَالسَّلَامُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ ﵃ أَنْ يُحْرِمُوا بِالحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ ﵄ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ فِي الحِلِّ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الحَجِّ فِي عَرَفَة، وَهِيَ فِي الحِلِّ، فَيَكُونُ الإِحْرَامُ مِنْ الحَرَمِ لِيَتَحَقَّقَ نَوْعُ سَفَرٍ، وَأَدَاءُ العُمْرَةِ فِي الحَرَمِ، فَيَكُونُ الإِحْرَامُ مِنْ الحِلِّ لِهَذَا، إِلَّا أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَلُ لِوُرُودِ الأَثَرِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. الروايات في حديث ابن عباس: «فمن كان دونه فَمُهَله من حيث إنشاء السفر» (١)، وفي رواية: «يُحرِمُ المكّي مِنْ حيثُ». هو كذا في المبسوط (٢). (أمر أخا عائشة) - وهو عبد الرحمن - وروي أنه ﵇ قال: «العمرة مِنَ الحلّ» (٣) وقد انعقد الإجماع عليه وتواتر فيه النقل (٤). كذا في تتمتهم. (يعمرها) يقال: أعمر فلانًا إذا أعانه على إحرام العمرة ليتحقق نوع سفر؛ إليه أشار قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾ [النحل ٧]. (لورود الأثر به)؛ أي: بالإحرام من التنعيم وهو ما ذكرنا من أمر أخا عائشة. وقال الشافعي: الجعرانة أولى من التنعيم (٥)؛ لأنه ﵇ أحرم بالعمرة من الجعرانة. وإن لم يفعل فمن التنعيم. وهو ما ذكرنا من أمر أخي عائشة. فإن لم يفعل فمن الحديبية؛ لأنه ﵇ قصد أن يحرم من الحديبية وصده الكفار. ولو خرج إلى موضع آخر من الحل؛ جاز. كذا في تتمتهم. وقلنا: حديث أخي عائشة مشهور فيقدم على الرواية الشاذة مع أن فيه قول

стр. 2029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأمر، وفي صحيح البخاري أنه ﵇: «أحرَمَ بالعمرة من ذي الحليفة» (١) وأمر لا معارض له. والجعرانة بتشديد الراء عند الحجازيين، وبالتخفيف عند العراقيين، وأهل الحجاز أعلم بأسماء أراضيهم. وسمي التنعيم تنعيمًا؛ لأن عن يمينه جبلا يقال له: نُعيمٌ، وعن شماله جبل يقال له: ناعم. ثم اعلم أن قدر المسافة من هذه المواقيت إلى مكة كم هو؟ فمن ذات عرق إلى بستان بني عامر اثنان وعشرون ميلا. ومن البستان إلى مكة أربعة وعشرون ميلًا. ومن ذي الحليفة إلى الجحفة التي هي ميقات أهل الشام مائة وسبعة وعشرون ميلا، ومنها إلى مكة مائة ميل ومن المدينة أربعة أميال. ومن يلملم إلى مكة مرحلتان، ومن قرن إلى مكة مرحلتان. وفي كل ثلاثة أميال فرسخ، وكل ميل ألفان وثلاثمائة وثلاثون خطوة، وكل أربعة فراسخ بريد. ومن بغداد إلى مكة على طريق المدينة تسعمائة وثمانية وخمسون ميلا. وقيل: من المدينة إلى ذي الحليفة سبعة أميال. وقيل: ستة أميال. وقيل: ميلين، وقيل: أربعة مراحل. والجحفة ميقات أهل الشام من طريق تبوك، وهي قرية بين المغرب والشمال من مكة، وبينها وبين مكة اثنان وثمانون ميلا، أما اليوم يجيئون من المدينة فميقاتهم ذو الحليفة. وجحفة ميقات [أهل] (٢) المصر والمغرب أيضًا، وسميت جحفة؛ لأن العماليق أخرجوا أخاهم عاد من يثرب فنزلوا مهيعة - بكسر الهاء كفعيلة- فجاء

стр. 2030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سيل فأجحفهم؛ أي: استأصلهم. ثم اعلم أن البيت في وسط المسجد الحرام، والمسجد في وسط مكة، ومكة في الحرم بهذه الصورة. قال الهندواني: مقدار الحرم من قبل المشرق ستة أميال، ومن الجانب الثاني اثنا عشر ميلا، ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا، ومن الجانب الرابع أربعة وعشرون ميلاً. هكذا ذكره وهذا شيء لا يعرف إلا نقلا (١). قال الصدر الشهيد فيه نظر. فإن من الجانب الثاني التنعيم ميقات العُمرة وهو قريب من ثلاثة أميال كذا في الفتاوى الظهيرية. ثم الصفا والمروة خارجان من المسجد الحرام، الصفا في الجنوب والمروة في الشمال، ومِنَى خارج مكة من الجانب الشرقي تميل إلى الجنوب قليلا، ومزدلفة فوق منى من الجانب الشرقي أيضا. وعرفات فوق المزدلفة من الجانب الشرقي أيضا يميل إلى الجنوب، بحيث لو صلَّى الرجل في موضع من هذه المواضع يتوجه إلى المغرب الشمالي وصورت صورتها مع البيت. ثم اعلم أن الأحاديث في فضائل الحج كثيرة أوردها الثقات في كتبهم منها ما ذكره مسلم في صحيحه أن عمرو ابن العاص قال: لما بسط النبي ﵇ يده لأبايعه حين أسلمتُ قبضتُ يدي فقال ﵇: «مالَكَ يا عَمْرُو» قلت: أشترط، قال: «ماذا» قُلْتُ: أن يغفر لي، قال ﵇: «أَمَا عَلِمْتَ يا عَمْرُو أنّ الإسلامَ يَهْدِمُ ما قَبله، وأنّ الهجرةَ تَهْدِمُ ما قبلها، وأنّ الحج يهدِمُ ما قبله» (٢). ومنها ما ذكره في الصحيحين قال ﵇: «مَنْ أَتَى هَذا البيتَ ولَم يَرفُتْ ولَم يَفْسُقُ رجع كيومِ وَلَدَتْهُ أُمِّهُ» (٣).

стр. 2031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومنها ما ذكره في مسندي أحمد وابن أبي شيبة أنه ﵇ قال: «النفقة فِي الحَجِّ كالنفقة في سبيل اللهِ بِسَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ» (١). وعن سعيد بن جبير قال: دخلت على ابن عباس في مرضه الذي مات فيه فسمعته يقول لبنيه: يا بَنِيَّ حُبُّوا مشاةً فإني [ما أسفي على شيء أي: أحزن- ما أسفي على لم أحُجّ ماشياً] (٢) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ خَرَجَ من بيتِهِ ماشِيًا إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللهُ لهُ بكلِّ خُطوةٍ سَبْعِمِائَةِ حَسنةٍ كُلُّ حسنةٍ مثل حَسنَة الحَرَمِ» قيل: وما حسنة الحرم يا رسول الله؟ قال: «كل حسنة مائة ألفِ حَسَنةٍ» رواه أبو داود (٣). ومنها ما ذكره جمال الدين الإستاجي في مناسكه قال ﵇: «أعظم الناس ذنبًا من وقف بعرفة وظنَّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَنْ يَغْفِرَ له». وقال ﵇: «الحجرُ ياقوتةٌ مِنْ يواقيتِ الجَنة وأنه يُبعثُ يوم القيامة ولَهُ عَينانِ يُبْصِرُ بهما ولسان ينطِقُ بهِ يشهدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بحق وصِدْقٍ» (٤)، وكان ﵇ يُقبله كثيرًا. وقال ﵇: «حَجَّةٌ مبرورة خيرٌ مِنَ الدّنيا وما فيها، والحَجَّةُ المَبرورَةُ ليس لها جزاءً إلا الجنة» (٥). وقال ﵇: «الحَجَّةُ المبرورَةُ كفارَةُ سَبْعِينَ سَنَةٍ»، وفي الخبر: " النَّظرُ إِلَى الكعبة بغير طواف وبغير صلاةٍ أفضل عندَ اللهِ تَعالى مِنْ عِبادَةِ سَنَةٍ بِصِيامِ نَهارِها وقيام لياليها " (٦).

стр. 2032

بَابُ الْإِحْرَامِ (وَإِذَا أَرَادَ الإِحْرَامَ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ، وَالغُسْلُ أَفْضَلُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ حَتَّى تُؤْمَرَ بِهِ الحَائِضُ، وَإِنْ لَمْ وعن الحسن البصري: أن صوم يوم فيها يعدل بمائة ألف يوم، وتصدق درهم بمائة ألف درهم، وكذا كل حسنة تعدل بمائة ألف. (باب الإحرام) لما ذكر المواقيت شرع في بيان ما يفعل فيها وهو الإحرام. ومعنى أحرم لغة: دخل في الحرم، كأشتى دخل في الشتاء، والمراد هنا: دخل في الحرمة. وفي المستصفى: الإحرام أن يُحَرِّمَ المباحات على نفسه لأداء هذه العبادة، ثم من العبادات ما لها تحليل وتحريم كالصلاة والحج، ومنها ما ليس لها ذلك كالزكاة والصوم (١). وفي الخبازية: الحكمة في هذه الأشياء نيل ثواب العقبي بترك لذات النفس إليه أشار بقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة ٢٤]. وقيل: الحكمة في تحريمها أن الحاج تائب نادم على ما فاته حزين مغتم كصاحب المصيبة، ومَنْ حاله كذلك لا يتزين بشيء من الزينة ولبس المخيط منها، فأما الإزار والرداء فليسا منها؛ بل لستر العورة ودفع الحر والبرد فيرى نفسه منكسرا أغبر أشعث. وقيل: الحكمة في تبديل الثياب خلعه عن الثياب التي كانت وقت اشتغاله بعمارة الدنيا فينوي بخلعها الخروج من الدنيا بالقلب والجسد، وفي لبس الرداء والإزار إشارة إلى لبس الكفن كما ذكرنا. (إلا أنه) أي: الاغتسال (للتنظيف حتى تؤمر به الحائض). وفي المبسوط وغيره: وهذا الغسل غير واجب عند أهل العلم إلا داود الظاهري، ونقل عن أهل المدينة أن الدم يجب بتركه؛ لما روي أن أبا

стр. 2033

يَقَعْ فَرْضًا عَنْهَا، فَيَقُومَ الوُضُوءُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الجُمُعَةِ، لَكِنَّ الغُسْلَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَافَةِ فِيهِ أَتَمُّ، وَلِأَنَّهُ ﵊ اخْتَارَهُ. قَالَ: (وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ بكر ﵁ قال للنبي ﵇: «إن أسماء - وهي أخت عائشة - نفست» (١). وفي شرح الوجيز (٢): أسماء بنت عُمَيْس امرأة أبي بكر نفست بذي الحليفة، فقال ﵇: «مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ولْتُحْرِمْ» (٣) ومعلوم أن الاغتسال مع الحيض لا يتأدى؛ فعرفنا أنه لمعنى النظافة. وما كان لهذا المقصود فالضوء يقوم مقامه كما في العيدين والجمعة. (لكن الغسل أفضل لأن معنى النظافة فيه أتم)؛ ولابد من الوضوء؛ لأنه يحتاج إلى أن يصلي ركعتين. وفي الْمُجْتَبى: الاغتسال والوضوء سنة. وفي شرح بكر: لو لم يغتسل ولو لم يتوضأ أجزأه. (اختاره) أي: آثره على الوضوء. ولا يعتبر التيمم عند عدم الماء [بخلاف الجمعة والعيدين (٤). وبه قال مالك، وأحمد. وقال الشافعي ﵁: يسن التيمم عند عدم الماء] (٥). وقلنا: المقصود التنظيف والتراب ملوث. قوله: (ائْتَزَرَ) وفي المُغرِب: اتَّزَرَ عَامِّيٌّ، وَالصَّوَابُ ائْتَزَرَ بالهمز افْتَعَلَ مِنْ الإِزارِ؛ لأن أَصْلُهُ ائْتَزَرَ بِهَمْزَتَيْنِ (٦). وفي جامع المحبوبي (٧): الإزار من الحقو، والرداء من الكتف ويدخل

стр. 2034

جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ، إِزَارًا وَرِدَاءً) لِأَنَّهُ ﵊ ائْتَزَرَ وَارْتَدَى عِنْدَ إِحْرَامِهِ، وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ لُبْسِ المَخِيطِ، وَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِ العَوْرَةِ وَدَفْعِ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ، وَالجَدِيدُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الطَّهَارَةِ. الرداء تحت يمينه ويلقيه على كتفه الأيسر ويبقى كتفه الأيمن مكشوفا. (فيما عيناه) وهو: الإزار والرداء. (والجديد أفضل من الغسل؛ أي: بالإجماع؛ لأنه أقرب إلى الطهارة) وأبو حنيفة كان إذا صلى يلبس ثوبًا جديدًا، وقال: أتجمل لعبادة ربي، وهكذا روي عن النبي ﵇. وقال ﵇ لأبي ذر: «تَزيَّنْ لِعبادةِ رَبِّكَ وتتطيَّبْ بِأَيِّ طيبٍ تَشَاءُ». كذا في المبسوط (١). وفي تقديم الجديد على الغسل في الرواية: إشارة إلى أفضلية الجديد. وفي لبس الإزار والرداء: إشارة إلى لبس الكفن، وهو كفن الكفاية. وفي المبسوط: ويلبس الخر، والبُرْدَ إذا لم يكن مصبوغا بعصفر وزعفران (٢). وفي البدائع: يجوز البردُ المُلوَّن كالعَدَني، ويشد الإزار فوق سرته ولا يُخلله بخلالٍ، ولا يمسه ولا يشده بِخِلٌ على نفسه، ولا يعقد ثوبه على عنقه ولو فعل يكون مسيئًا ولا شيء عليه (٣). وبه قال الشافعي. وعند مالك: عليه الفدية. قال الكرماني في مناسكه: يتوشح بردائه ويخرجه من تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على كتفه الأيسر ويغطيه ويبدي منكبه الأيمن وهو سنة، وفي رواية ليس بسنّة، ويُستحب له تقليم أظفاره وقص شاربه وحلق عانته وتسريح رأسه عقيب الغسل؛ كيلا يغلبه الدرن والوسخ بعد ذلك ولا يصير سببًا لكثرة القمل المفضية إلى المحظور إزالته، وهكذا المنقول عن الصحابة. كذا في

стр. 2035

قَالَ: (وَمَسَّ طِيبًا إِنْ كَانَ لَهُ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يُكْرَهُ إِذَا تَطَيَّبَ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّهُ مُنْتَفِعُ بِالطَّيبِ بَعْدَ الإِحْرَامِ. وَوَجْهُ المَشْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتِ أُطَيِّبُ ................... المحيط (١). قوله: (بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ) كالمسك والغالية. (وهو قول مالك (٢)، والشافعي) وهو نقل الداركي عن الشافعي؛ لكن المشهور والمذكور في عامة كتبهم، أن قوله مثل قول أبي حنيفة (٣)، وأبي يوسف. وبه قال أحمد (٤). وفي التعليق: من أصحابنا من قال: لا يستحب له استعمال طيب يبقى له أثر، وهذا لا يصح؛ لأنه مخالف للحديث. ويروى عن مالك منع الطيب مطلقًا سواء يبقى أثره بعد الإحرام كالمسك والغالية، أو لا يبقى كالعود وماء الورد. وفي الإيضاح: ويتطيب ويدهن بما شاء، وهو قول أصحابنا في المشهور في الرواية. (وعن محمد ﵀ أنه) كره ذلك بطيب (تبقى عينه بعد الإحرام). وبه قال مالك (٥) وزفر والزهري؛ لأنه منتفع بعين الطيب بعده وهو ممنوع عن ذلك؛ لأن للبقاء حكم الابتداء كما في الثوب، والدليل عليه ما روي أنه ﵇ رأى أعرابيا عليه خلوقٌ؛ فقال: «اغسل عنك هذا الخلوق ثلاث مرات، وانْزَعِ الجبَّةَ المُتَّضِح» (٦)، ولأن المنع أحوط في الدين روى الحديث مسلم والبخاري. ولنا: ما روي من (حديث عائشة) أنها (قالت: "كنتُ أُطَيِّبُ
следующие страницы →