← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قَالَ: (ثُمَّ ابْتَدَأَ بِالحَجَرِ الأَسْوَدِ فَاسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ دَخَلَ المَسْجِدَ فَابْتَدَأَ بِالحَجَرِ فَاسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ» (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لصالح الأعمال والأخلاق فإنَّهُ لا يَهدي لصالحها إلا أنتَ، واصْرِف عَنِّي سَيِّئَها فإنه لا يصرف عني سَيِّئَها إلا أنتَ، ثبتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إلى قوله: أنتَ الوَهّاب». كذا ذكره المحبوبي (١). وفي الفتاوى الظهيرية: وإذا دخل المسجد الحرام يقول: "بسم الله، السلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي " إلى آخره، "السلام على ملائكة الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، بسم الله دخلت وعلى الله توكلت، اللهم اهد قلبي وسدد لساني واقبل توبتي، وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك في مقامي أن ترحمني وتقيل عثرتي وتضع عني وزري، اللهم أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (٢). وفي شرح الوجيز: ويدعو بما أحب من مهمات الدنيا والآخرة، وأهمها سؤال المغفرة (٣). ويرفع يديه في هذا الدعاء عند الشافعي (٤)، وأحمد (٥). ومالك لا يرى ذلك (٦)، وعندنا لا يرفع إلا في سبع مواطن كما مر. قوله: (ويرفع يديه) وفي السهيلي والمجتبى، وشرح الوجيز: يرفعهما كما يرفع عند افتتاح الصلاة. وفي الْمُجْتَبى في كتاب الخصال: تُرفَع الأيدي في تسع مواطن، أربعة منها: استفتاح الصلاة والقنوت وتكبيرات العيدين واستفتاح الطواف، والخمس الباقيات على الصفا والمروة وعند الجمرتين والوقوفين (٧).

стр. 2067

لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا «اسْتِلَامَ الحَجَرِ» قَالَ: (وَاسْتَلَمَهُ إِنْ اسْتَطَاعَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ (واستلمه) أي: الحجر واستلامه: تناوله باليد أو القبلة أو مسحه بالكف من السلمة بفتح السين وكسر اللام وهي الحجر. والاستلام: طلبه. كذا في المغرب (١). وفي الإيضاح: الأفضل أن يقبل الحجر إن أمكنه؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: إنه ﵇ استقبله واستلمه ووضع شفتيه عليه وبكى طويلا، ثم التفت فإذا هو بعمر فقال: "يا عمر هاهنا تُسكَبُ العَبَراتُ" (٢) (٣). وفي الْمُجْتَبَى: إن أمكنه الاستلام دون التقبيل يقبل يديه (٤). وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦). وقال مالك: يضع يديه على فيه (٧)، وروي عنه: أنه يقبله ويسجد عليه إن أمكنه (٨)، وعليه جمهور أهل العلم؛ لما روي عن ابن عباس أنه "يقبله ويسجد عليه بجبهته (٩) ولأن فيه تقبيلا وزيادة. وقال مالك: السجود عليه بدعة (١٠). وعندنا الأولى ألا يسجد (١١)؛ لعدم الرواية في المشاهير، روي أن عمر ﵁ في خلافته لما أتى الحجر وقف وقال: أما أني أعلم أنك حجر لا

стр. 2068

النَّبِيَّ ﵊ قَبَّلَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ» وَقَالَ لِعُمَرَ ﵁: «إِنَّكَ رَجُلٌ أَيْدٌ تُؤْذِي الضَّعِيفَ فَلَا تُزَاحِم النَّاسَ عَلَى الحَجَرِ، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةٌ فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلَّلْ وَكَبِّرْ». وَلِأَنَّ الاِسْتِلَامَ سُنَّةٌ وَالتَّحَرُزَّ عَنْ أَذَى المُسْلِمِ وَاجِبٌ. قَالَ: (وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَمَسَّ الحَجَرَ بَشِيْء فِي يَدِهِ) كَالعُرْجُونِ وَغَيْرِهِ (ثُمَّ قَبَّلَ تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك فبلغ مقالته عليا، فقال: أما أن الحجر ينفع فقال عمر: ما منفعته يا ختن رسول الله؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ المِيثَاقَ مِنْ الذُّرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وَقرَّرهُم أَنهمُ العبيدُ وهُوَ [الرَّبُّ] (١) كَتَب مِيثَاقَهُمْ فِي رِقٌ، فَقَالَ للحَجَرِ: افْتَحْ فَاكَ فَأَلْقَمَهُ ذلكَ الرِّقُ، وقال: تَشْهدُ لِمَنْ وافَاكَ بالمَوَافَاتِ يَومَ القِيَامَةِ» (٢). قوله: (والتحرز عن أذى المسلم واجب) يعني: لا يؤتى بالسنة على وجه يخل بالواجب، ويقول عند الاستلام: بسم الله، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت واللات والعزى وما يعبدون من دون الله، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك، اللهم اغفر لي ذنوبي، وطهر قلبي، واشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وعافني فيما عافيت. كذا في الفتاوى الظهيرية والمجتبي وشرح المجمع (٣). وفي رواية الإسبيجابي يقول بعد قوله: سنة نبيك: اللهم هذا البيت بيتك، وهذا الحرمُ حَرمُكَ، وهذا الأمنُ أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار. (كالعُرْجُونُ) وهو: العرق الذي يَعْوَجٌ ويُقطَعُ منه الشماريخ فيبقى على

стр. 2069

ذَلِكَ فَعَلَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ طَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنِهِ» وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ اسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﵊. قَالَ: (ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ … ... … .. النخل يابسا، وفي المغرب: العرجون: أصل الْكِبَاسَةِ؛ لانعراجه واعوجاجه (١). (واستلم الأركان) أراد به: الحجر الأسود والركن اليماني، وجمعه باعتبار تكرر الأشواط. (شيئًا من ذلك) وهو الاستلام بالعرجون. وعن مالك أنه كره تقبيل اليد والمحجن (٢). وبقولنا قال: الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وعامة أهل العلم (٥). (استقبله) أي: الحجر، ويجعل باطن كفيه نحوه لا إلى السماء كما في سائر الأدعية؛ لأن في حقيقة الاستلام يفعل كذلك فكذا في بدله. ثم هذا الاستقبال مستحب لا واجب؛ لأنه لو كان واجبًا عند الطواف لكان واجبًا في جميع الطواف كما في الصلاة ولكنه مستحب؛ لحديث ابن عباس أنه ﵇ قال: «يُحشَرُ الحجر الأسود وله عينان يبصران ولسانا ينطقُ بهِ فيشهدُ لِمَنْ استلمه وقبله» رواه الترمذي (٦). (ثم أخذ عن يمينه) الضمير يرجع إلى الطائف دون الحجر؛ أي: يمين نفسه. وقيد به؛ لأنه لو أخذ عن يساره وهو الطواف المنكوس فطاف كذلك سبعة أشواط؛ يعتد به عندنا ما دام بمكة، فإذا رجع قبل الإعادة؛ فعليه دم. كذا في

стр. 2070

مِمَّا يَلِي البَابَ وَقَدْ اضْطَبَعَ رِدَاءَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) لِمَا رُوِيَ الذخيرة ومبسوط شيخ الإسلام (١). وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لا يعتد به. ويعرف تمام هذه المسألة في الأصول. وفي المبسوط: ولو افتتح الطواف من غير الحجر فلم يذكر محمد هذا الفصل في الأصل وقد اختلف المتأخرون فيه. قيل: لا يجوز وهكذا ذكر محمد في الرقيات؛ لأن الأمر بالطواف مجمل في حق البداية فالتحق فعله بيانًا. وقيل: يجوز؛ لأن الأمر به مطلق غير مجمل؛ لكن السنة ما ذكر في الكتاب (٥). وفي شرح الوجيز: (لو ابتدأ من غير الأسود؛ لم يعتد بما فعله حتى ينتهي إليه ويكون منه ابتداء طوافه (٦)). (اضطبع رداءه) وفي المغرب أنه سهو [والصواب] (٧) اضطبع بردائه، ويلقيه على كتفه الأيسر؛ أي يبدي كتفه الأيمن ويغطي الأيسر (٨). وعن مالك أنه قال: لا أعرف الاضطباع وما رأيت أحدًا فعله (٩). وعن أحمد: الأيسر الاضطباع، ولو ترك الاضطباع والرَّمَل؛ لا شيء عليه بالإجماع (١٠)، وعن الحسن البصري والثوري وابن الماجشون: عليه دم. ولا يضطبع في السعي عند الجمهور. وعن الشافعي يضطبع فيه قياسًا على الطواف (١١).

стр. 2071

«أَنَّهُ ﵊ اسْتَلَمَ الحَجَرَ ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي البَابَ فَطَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطِ» (وَالاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ رِدَاءَهُ تَحْتَ إِبْطِهِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِيهِ عَلَى كَتِفِهِ الأَيْسَرِ) وَهُوَ سُنَّةٌ. وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊. قَالَ: (وَيَجْعَلُ طَوَافَهُ مِنْ وَرَاءِ الحَطِيمِ) وَهُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعِ فِيهِ المِيزَابُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ حُطَّمَ مِنْ البَيْتِ: أَيْ كُسْرَ، وَسُمِّيَ حِجْرًا لِأَنَّهُ حُجِرَ مِنْهُ: أَيْ مُنِعَ، وَهُوَ مِنْ البَيْتِ، لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «فَإِنَّ الحَطِيمَ مِنْ البَيْتِ» قوله: (في حديث عائشة) وهو ما روي أنها نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله أن تصلي في البيت ركعتين، فلما فتحت أخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحطيم وقال: «صَلِّ هاهنا فإنّ الحَطيمَ مِنَ البيتِ إِلَّا أَنَّ قومَكَ قَصَّرَتْ بِهِمُ النفقة فأخرجوه مِنَ البيت، ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنَقَضْتُ بناء الكعبة وأظهرت قواعد الخليل وأدخلتُ الحَطيم في البيت» (١). وروي أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله بعشر سنين، فعمرته قريش على الهيئة التي هو فيها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم وضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان وهو الذي يسمى شادروان. وقد روي أنه ﵇ قال لعائشة: لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلَ لنقَضْتُ بناءَ الكعبة وأظهرت قواعد الخليل والصقْتُ العتبة بالأرض وجعلتُ لَها بابين شرقيًا وغربيًّا (٢) فلم يعش ﵇ ولم يتفرغ لذلك أحد من الخلفاء حتى كان زمان عبد الله بن الزبير وكان سمع الحديث فيها فبناها على قواعد الخليل كما تمناه النبي ﵇، فلما قُتِلَ واستولى الحجاج كَرِهَ بناءها على ما فعله ابن الزبير فنقضها وأعادها على ما كان من بناء قريش وهي اليوم على بناء الحجاج (٣).

стр. 2072

فَلِهَذَا يُجْعَلُ الطَّوَافُ مِنْ وَرَائِهِ، حَتَّى لَوْ دَخَلَ الفُرْجَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ لَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا اسْتَقْبَلَ الحَطِيمَ وَحْدَهُ لا تُجْزِيه الصَّلَاةُ، لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ التَّوَجُّهِ ثَبَتَتْ بِنَصِّ الكِتَابِ، فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الوَاحِدِ احْتِيَاطًا، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ. (ولو دخل الفرجة التي بينه) أي: بين الحطيم وبين البيت (لا يجوز) فكان (الاحتياط في الطواف أن يكون ما وراءه) ولو أعاد على الحجر وحده جاز واعتد بما مضى منه عندنا. وقال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، ومالك (٣): لا يعيد بما طاف بدونه؛ لأنه ثبت أنه من البيت. ولنا: أن كونه من البيت ثبت بخبر الواحد، وأنه موجب للعمل دون العلم، فقلنا بوجوب الإعادة دون عدم الاعتداد فإذا أعاد على الحِجْرِ وحده فقد استدرك المتروك مع فوات الترتيب (٤). وفي خزانة الأكمل: لو أعاده على الحِجْرِ أجزأه ذلك بأن يتسور الحائط؛ إذ الحائط ليس من البيت فيطوف حول الحطيم سبعة أشواط، وإن جاء أحد من الجانب الشرقي من الحطيم فيبدأ به حتى ينتهي إلى الجانب الغربي منه فهذا شوط، ثم يعود منه إلى الجانب الغربي منه فهذا شوط، ثم يعود إليه وليعد عوده شوطًا؛ لأنه منكوس ثم يعود منه إلى الجانب الغربي فهو الشوط الثاني، فلا يزال كذلك حتى يتم سبعة، ويقضي حقه من الرَّمَلِ إن كان فيه رَمَلٌ. والحجر محوط مُدَوَّر على صورة نصف دائرة خارج عن جدار البيت من جهة الشام وليس كله من البيت بل مقدار ستة أذرع منه من البيت؛ لحديث عائشة في صحيح مسلم عن النبي ﵇ أنه قال: «سِتُّ أذرع من الحِجْرِ من البيت وما زاد ليسَ مِنَ البيت».

стр. 2073

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحجز: بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم. وذكر الإمام الإسبيجابي: إذا بلغ الطائف مقابل الباب يقول: اللهم بيتُكَ عظيم ووجهك كريم وأنتَ أرحمُ الرّاحمين، فأعِذْنِي مِنَ النارِ ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وأمنِّي من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة. فإذا بلغ الركن العراقي يقول: اللّهُمَّ إني أعوذُ بك من الشرك والشَّكْ والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد. وإذا بلغ الميزاب يقول: اللَّهُمَّ أَظلَّني تحت ظل عرشك يوم لا ظلَّ إِلَّا ظلُّكَ، لا إله غيرك يا أرحم الرّاحمين، اللهم اسقني بكأس نبيك محمد ﵊ شربةً لا أظمأ بعدها أبدًا. وإذا بلغ الركن الشامي يقول: اللهم اجعله حجا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبا مغفورًا، وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفورُ: اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأكرم. وزاد في الفتاوى الظهيرية: نجني من حَرِّ جهنم؛ لكن قال فيه: رَبِّ اغفر وارْحَمْ، إلى آخره. عند الركن العراقي. وإذا بلغ الركن اليماني يقول: اللهم أني أعوذُ بك من الكفر وأعوذ بك من الفقر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذُ بك من الخزي في الدنيا والآخرة. ويقول فيما بين الركن اليماني والحجر: ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وفي الفتاوى الظهيرية: يقول هذا عند الركن اليماني، وفيه يقول في جميع طوافه: اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك إلى آخره (١). وذكر الإسبيجابي ويقول أيضًا عند الحجر إذا بلغه: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي

стр. 2074

قَالَ: (وَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مِنْ الأَشْوَاطِ) وَالرَّمَلُ أَنْ يَهُنَّ فِي مِشْيَتِهِ الكَتِفَيْنِ برحمَتِكَ، وأعوذ برب هذا الحجر من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر (١). وفي مبسوط بكر ويقول في طوافه: اللهم إني أعوذُ بك من الكفر والفقر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره. وفي الفتاوي الظهيرية وعن أبي حنيفة لا ينبغي أن يقرأ القرآن في الطواف (٢). وبه قال مالك، ولا بأس بذكر الله تعالى (٣) وهذا نص على أنه لا يقرأ القرآن ماشيًا. وعند الشافعي: يستحب أن يقرأ فيه (٤)؛ لأنه ذكر في شرح الوجيز يدعوا في طوافه بما شاء، ولا بأس بقراءة القرآن فيه؛ بل هي أفضل من الدعاء الذي لم يؤثر، والدعاء المسنون أفضل منها تأسيًا برسول الله. وفي العدة أنها أفضل منه أيضًا (٥). قوله: (وَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الأُولِ) الرَّمَلُ والرَّمَلان بالتحريك فيهما-: الهَرْوَلَة. وقال ابن عباس: لا رَملَ في الطواف وإنما فعله رسول الله ﷺ إظهارا للجلادة للمشركين؛ على ما رُوي في عمرة القضاء أنه ﵇ لما قدم مكة لعمرة عام الحديبية صده المشركون عن البيت فصالحهم على أن ينصرف ثم يعود في العام الثاني ويدخل مكة بغير سلاح فيعتمر ويخرج، فلما قدم في العام الثاني أخلوا له البيت ثلاثة أيام وصعدوا الجبل فطاف رسول الله ﷺ مع أصحابه فسمع بعض المشركين يقول لبعض: أضناهم حمى يثرب، أي: المدينة- فاضطبع رسول الله ﷺ رداءه فرَمَلَ وقال لأصحابه: «رَحِمَ اللهُ امراً أظهرَ مِنْ

стр. 2075

كَالمُبَارِزِ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَذَلِكَ مَعَ الِاضْطِبَاعِ. وَكَانَ سَبَبُهُ إِظْهَارَ الجَلَدِ لِلْمُشْرِكَيْنِ حِينَ قَالُوا: أَضْنَاهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، ثُمَّ بَقِيَ الحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ السَّبَبِ فِي زَمَنَ النَّبِيُّ ﵊ وَبَعْدَهُ. قَالَ: (وَيَمْشِي فِي البَاقِي عَلَى هِيِّنَةٍ) عَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ رُوَاةُ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ (وَالرَّمَلُ مِنْ الحَجَرِ إِلَى الحَجَرِ) وَهُوَ نَفْسِهِ جَلَدًا»، فإذا كان ذلك لإظهار الجلد يومئذ وقد انعدم ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل. وقلنا: إنه سنة؛ لحديث ابن عمر أنه ﵇ طاف يوم النحر في حجة الوداع فرمل في الثلاث الأول ولم يبق للمشركين يومئذ بمكة أثر (١). وروي أن عمر لما أراد الرمل في طوافه قال: فعلام أهز كتفي وليس هاهنا أحد أرائيه، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يفعله فأفعله اتباعًا (٢). وأكثر ما فيه أن سببه ما ذكره ابن عباس وقد صارت سنة بذلك السبب؛ لكنه يبقى بعد زواله كَرَمْي الجمارِ سببه رمي الخليل الشيطان الذي كان يراه ثم بقي بعد زوال ذلك السبب. وكذا روي أن الصحابة فَعَلَتْهُ بعد النبي ﵇. وفي الخبازية: قيل في حكمة الرمل اليوم: إراءة القوة والجلادة في الطاعة وأنه حسن في طاعته يتحمل فيها المشاق. وقيل: إنا نري الشيطان أن السفر ما أضنانا حتى ينقطع طمعه في وسوستنا في المناسك. (على هيئة) أي: على السكنية والوقار تعظيمًا وتواضعًا لله تعالى، فعلة من الهون (٣). قوله: (والرَّمَلُ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ) ردُّ لقول سعيد ابن جبير حيث قال: لا رَمَلَ بين الركن اليماني والحجر. وبه قال عطاء، والحسن، والقاسم،

стр. 2076

المَنْقُولُ مِنْ رَمَلِ النَّبِيِّ ﵊ (فَإِنْ زَحَمَهُ النَّاسُ فِي الرَّمَلِ قَامَ. فَإِذَا وَجَدَ مَسْلَكًا رَمَلَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ فَيَقِفُ حَتَّى يُقِيمَهُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ بِخِلَافِ الِاسْتِلَامِ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ بَدَلَ لَهُ. قَالَ: (وَيَسْتَلِمُ الحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ إِنْ اسْتَطَاعَ) لِأَنَّ أَشْوَاطَ الطَّوَافِ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، فَكَمَا يَفْتَتِحُ كُلَّ رَكْعَةٍ بِالتَّكْبِيرِ يَفْتَتِحُ كُلَّ شَوْطٍ بِاسْتِلَامِ الحَجَرِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِع الاسْتِلَامَ اسْتَقْبَلَ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ) … ... … وسالم (١). وفي بعض الآثار: أنه ﵇ كان يرمل من الحجر إلى الركن اليماني؛ لأن المشركين كانوا يطلعون فإذا تحول إلى الجانب الآخر حال البيت بينه وبينهم فكان لا يرمل (٢). ولكنا نأخذ بحديث جابر وابن عمر أنه ﵇ رمل في الثلاث الأول من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ (٣)، وهذا الذي ذكرنا شوط واحد. وفي المغرب: الأشواط جمع شوط، وهي جري مرة إلى الغاية (٤)، وبالفارسية: يك ميدان دويذن. وفي الصحاح: شاط: عجل (٥). (قام) أي وقف، ولا يطوف بدون الرمل في تلك الثلاث، وإنما قال (قام) ولم يقل وقف؛ ليشير إلى أنه لا يقعد؛ بل يقف قائماً. وفي الْمُجْتَبى: قام جانبًا فإذا وجد فرجةً رمل. فإذا رمل في كله لا شيء عليه، وإن مشى في الشوط الأول ثم ذكر؛ لم يرمل إلا في الشوطين، وإن مشى في الثلاث ثم ذكر؛ لم يرمل (٦). قوله: (ويستلم الركن اليماني) خلاف الشام؛ لأنها بلاد على يمين الكعبة.

стр. 2077

وَهُوَ حَسَنٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ سُنَّةٌ (*)، (وَلَا يَسْتَلِمُ غَيْرَهُمَا) فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُ غَيْرَهُمَا (وَيَخْتِمُ الطَّوَافَ بِالاسْتِلَامِ) يَعْنِي اسْتِلَامَ الحَجَرِ. قَالَ: (ثُمَّ يَأْتِي المَقَامَ ................................. والنسبة إليه: يمني بتشديد الياء، أو يمان بالتخفيف على تعويض الألف من إحدى ياء النسب. كذا في المغرب (١). (وهو حسن) أي: يستحب على قول أبي حنيفة وليس بواجب. وفي الإيضاح: وظاهر إطلاق الحسن يدل على أنه سببه؛ لما روي عن ابن عمر أنه ﵇ [كان] يستلم هذين الركنين. وذكر محمد في الأصل: لو تركه لا يضره، وقال محمد: يستلمه ولا يتركه، وعن محمد: أنه في الاستلام والتقبيل كالحجر. وقال الشافعي: يستلم اليماني بيديه ويقبلهما ولا يقبل الركن وقال: يستلمه ولا يقبل يديه ويضعها على فيه (٢). وعن أحمد: يقبل الركن (٣). (ولا يستلم غيرهما) أي: غير الحجر والركن اليماني - الركن الشامي والعراقي - بإجماع الفقهاء. وعن ابن عباس وابن الزبير وجابر أنه يقبلهما أيضا؛ لظاهر ما روينا أنه ﵇ يستلم الأركان بمحجنه (٤). قلنا: المراد من الأركان: الحجر الأسود والركن اليماني؛ لما روي عن عمر وابنه ومعاوية (٥) أنه ﵇ لم يستلم غيرهما. قوله: (ثم يأتي المقام) أي: مقام إبراهيم ﵇.

стр. 2078

فَيُصَلِّي عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ حَيْثُ تَيَسَّرَ مِنْ المَسْجِدِ) وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: سُنَّةٌ لِانْعِدَامِ دَلِيلِ الوُجُوبِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «وَلِيُصَلِّ الطَّائِفُ لِكُلِّ أُسْبُوعِ رَكْعَتَيْنِ» وَالأَمْرُ لِلْوُجُوبِ (ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الحَجَرِ وفي المُغرِب: المقام بفتح الميم: موضع القيام، ومنه مقام إبراهيم وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، فأما المقام بالضم فموضع الإقامة (١). (وهي) أي: الصلاة عند المقام أو حيث تيسر (واجبة عندنا) وفي أحد قولي الشافعي (٢)، ومالك إلا أنَّ عند مالك اتصالهما بالطواف شرط ويجب بتركها الدم (٣). وفي قوله الآخر: سنة (٤)، وبه قال أحمد (٥). والمستحب عنده أن يصليها عند المقام؛ تمسكًا بحديث الأعرابي حيث قال: «لَا إلَّا أن تَطَّوعَ» (٦) فقد جعل ﵇ ما زاد على الخمس تطوّعًا فكيف يثبت الوجوب. ولأن أصل الطواف سنة؛ فكيف يكون تبعه وهو الصلاة واجبًا؟ (ولنا: قوله عليه الصلاة السلام: «وَلِيُصَلِّ الطَّائِفُ») الحديث. وقيل: لا أصل لهذا الحديث في كتب الحديث، أجيب عنه: وما لم يوجد فيها إن نقله عدل يقبل، وهذا لا يوجب قدحه (٧). وفي الإيضاح: لما فرغ النبي ﷺ من الطواف صلى ركعتين عند المقام وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥] رواه الترمذي وغيره (٨).

стр. 2079

فَيَسْتَلِمُهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَادَ إِلَى الحَجَرِ» وَالأَصْلُ: أَنَّ كُلَّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ يَعُودُ إِلَى الحَجَرِ، لِأَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ يُفْتَحُ بِالاسْتِلَامِ … ... … ... … ... … ... … .. وعن عمر (١) أنه ﵇ «نَسِيَ ركعتي الطواف فقضاهما بِذِي طُوَى» (٢)، فدل الأمر والقضاء على الوجوب. وفي الْمُجْتَبى (٣): روى جابر أنه ﵇ لما فرغ من الطواف قال له [عمر] (٤): «أَلَا تَتَّخِذْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فنزل: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾» فافتخر عمر بذلك وقال: وافقني ربي في ثلاث: في هذا وفي تحريم الخمر وفي لزوم الحجاب (٥). وروى ابن الزبير أنه ﵇ صَلَّى ركعتي الطواف في الحِجْرِ. فإن قيل: في الآية أمر باتخاذ البقعة مُصَلَّى وليس فيها الأمر بالصلاة. قلنا: لا يصح حمل الآية على ذلك؛ لأنه كان مصلى قبله، ولأنه ليس إلينا إنما إلينا فعل الصلاة فلا يجوز حمله عليه، وما روي من الحديث متروك الظاهر، فإن أجمعنا أن صلاة الجنازة والعيدين واجبة وليس في الحديث بيانها، ويحتمل أن ذلك قبل هذا الحديث وقبل نزول الآية لورود التخلف بالإجماع. فإن قيل: ينبغي أن تكون فريضة قضية الأمر. قلنا: هذه الآية مُؤَوَّلةٌ؛ فقد قيل: مقام إبراهيم هو الموضع الذي جعل المسجد الحرام فأمروا باتخاذ ذلك مسجدًا. كذا في المستصفى (٦). وفي الْمُجْتَبى والفتاوى الظهيرية: يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا

стр. 2080

فَكَذَا السَّعْيُ يُفْتَتَحُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَعْيٌ. قَالَ: (وَهَذَا الطَّوَافُ طَوَافُ القُدُومِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ التَّحِيَّةِ. الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ تبركا بفعل النبي ﵇، وإن قرأ غير ذلك جاز (١). ولا تجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف عندنا. وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣). وعن أحمد: يجزئه (٤). وبه قال الشافعي في القديم (٥)، وكذا الخلاف في المنذور. وإذا فرغ يدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يقول: اللهم وفقني لما تُحبُّ وتَرضَى، وجَنّبني عمّا تكره وتسخَطُ، وثَبتني علَى مِلَّةِ حَبيبِيكَ وخَليلَيْكَ ﵉. ثم يعود إلى الحجر فيستلمه. هكذا فعل رسول الله ﷺ . (فكذا السعي يفتتح به) أي: باستلام الحجر، وبه قال الشافعي (٦)؛ لأنه تبع للطواف؛ لأنه متصل بأشواطه. وسنته: أن يستلم الحجر بين الشوطين؛ فكذا بين الطواف والسعي، بخلاف طواف ليس بعده سعي؛ لأنه قد تم فراغه حين فرغ من الركعتين فلا معنى للعود الذي بدأ به الطواف. كذا في المبسوط (٧). قوله: (وهذا الطواف) أي: ما ذكرنا، ولهذا الطواف أربعة أسامي: هذين (٨)، وطواف اللقاء، وطواف أول العهد.

стр. 2081

(وَهُوَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إِنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَتَى البَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ بِالطَّوَافِ» وَلَنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ، وَالْأَمْرُ المُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَقَدْ تَعَيَّنَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ بِالإِجْمَاعِ وَفِيمَا رَوَاهُ سَمَّاهُ تَحِيَّةٌ، وَهُوَ دَلِيلُ الاسْتِحْبَابِ وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ طَوَافُ القُدُومِ لِانْعِدَامِ القُدُومِ فِي حَقِّهِمْ. (وهو سنة لا واجب) وبه قال: الشافعي (١)، وأحمد (٢). وقال مالك وأبو ثور: (واجب) حتى يجب بتركه الدم (٣). وفي الحلية: وقال مالك: إن تركه مرهقا: أي: معجلا- فلا شيء عليه، وإن تركه مطيقا فعليه دم. وبعض أصحابه يعبر عنه بالوجوب؛ لتأكده. (وهو دليل الاستحباب)؛ لأن التحية في اللغة اسم لإكرام يبتدئ به على سبيل التبرع فلا يدل على الوجوب، وإن كان على صيغة الأمر كما في قوله ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ» (٤). فإن قيل: يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء ٨٦] وجواب السلام واجب وإن كان بلفظ التحية. قلنا: الجواب المقيد بالأحسن غير واجب؛ فكأن التحية بمعنى الأحسن، أو أن لفظ التحية هنا مخرج على طريق المطابقة لقوله ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ [النساء: ٨٦] فلا يدل على عدم الوجوب. ولأن طواف الركن مؤقت بيوم النحر بالإجماع، ولا يتكرر ركن واحد في الإحرام كالوقوف؛ فجعلناه سنة لهذا. بخلاف طواف الصدر؛ فإنه يؤتي به بعد تمام التحلل؛ فلو جعلناه واجبًا لا يؤدي إلى تكرر الواجب في الإحرام، وفيه تأمل.

стр. 2082

قَالَ: (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا فَيَصْعَدُ عَلَيْهِ وَيَسْتَقْبِلُ البَيْتَ وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ. وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَدْعُو اللَّهَ لِحَاجَتِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ثم يترتب السعي بين الصفا والمروة على طواف التحية مع أنه واجب أو ركن وهو سنة للتيسير؛ لأن الطواف الفرض مؤقت بيوم النحر وهو مشغول في هذا اليوم بأعمال كثيرة؛ فلو وجب السعي عقيبه تلزمه المشقة؛ فأجاز الشرع ترتبه على الطواف المسنون رعاية للتيسير لانعدام القدوم في حقهم؛ لأنهم حاضرون (١). قوله: (ثم يخرج إلى الصفا ويصعد عليه ويستقبل البيت ويُكَبِّر ويُهَلِّل) وفي فتاوى قاضي خان: يرفع صوته بهذا التكبير والتهليل (٢). ثم الصعود على الصفا سنة، وبه قال الشافعي في المشهور (٣)، وعنه: أنه ركن (٤). وعن مالك (٥)، وأحمد (٦): إن لم يصعد فلا شيء عليه. (ويدعو الله) وإنما ذكر الدعاء هاهنا ولم يذكر عند استلام الحجر وفي الطواف؛ لأن حالة الاستلام حالة ابتداء العبادة، والطواف مشبه بالصلاة والدعاء يؤتى بها عند الفراغ من العبادة، والسعي تتمة ذلك؛ فأشبه آخر الصلاة، فاستقام الدعاء للحاجة فيه دونهما. وفي الفتاوى الظهيرية: يصعد عليه ويستقبل البيت ويرفع يديه يُكَبِّر ويُهَلِّل ثلاثا (٧). وعند مالك: يكبر ثلاثًا، ويهلّل مرتين، ويقول بين كل تكبيرتين: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى قوله: وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون

стр. 2083

وَالسَّلَامُ صَعِدَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى البَيْتِ قَامَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ يَدْعُو اللَّهَ، وَلِأَنَّ الثَّنَاءَ وَالصَّلَاةَ يُقَدَّمَانِ عَلَى الدُّعَاءِ تَقْرِيبًا إِلَى الإِجَابَةِ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الدَّعَوَاتِ. وَالرَّفْعُ سُنَّةُ الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا يَصْعَدُ بِقَدْرِ مَا يَصِيرُ البَيْتُ بِمَرْأَى مِنْهُ، لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ هُوَ المَقْصُودُ بِالصُّعُودِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ أَيِّ بَابِ شَاءَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَابِ بَنِي مَحْزُومٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بَابَ الصَّفَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الأَبْوَابِ إِلَى الصَّفَا، لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: (ثُمَّ يَنْحَطُّ نَحْوَ المَرْوَةِ والحمد لله رب العالمين (١). وروى جابر أنه ﵇ لما صعد الصفا قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله» إلى آخره «الحَمْدُ للهِ الَّذِي نَصَر عَبْدَهُ، وأَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحدَهُ»، ثم قرأ مقدار خمس وعشرين آية من البقرة (٢). وفي الظهيرية: ويقول بعده: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، اجعل هذا حجا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا وتجارة لن تبور برحمتك يا أرحم الراحمين (٣). وفي شرح الوجيز: ثم يدعو بما أحب من أمور الدنيا والدين، ثم يعود إلى الذكر المذكور، ثم يدعو ثم يعود ثالثًا، (وهو الذي يسمى باب الصفا) وهو بمحاذاة الضلع بين الركنين اليمانيين، وإنما قال ذلك؛ لأنه ذكر في كتب أصحاب الشافعي أنه يخرج من باب الصفا (٤)، وقد روي عن أبي حنيفة كذلك؛ لأنه ﵇ روي أنه خرج منه (٥). (ثم ينحط) أي: ينزل (نحو المروة).

стр. 2084

وَيَمْشِي عَلَى هِيْئَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ بَطْنَ الوَادِي يَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ سَعْيًا، ثُمَّ يَمْشِي عَلَى هِيْنَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ المَرْوَةَ فَيَصْعَدَ عَلَيْهَا وَيَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَزَلَ مِنْ الصَّفَا وَجَعَلَ يَمْشِي نَحْوَ الْمَرْوَةِ وَسَعَى (بَطْن الوَادِي)، قيل: لم يبق اليوم بطن الوادي؛ لأن السيول كنسته ولم يبق له أثرًا، إلا أنه جعل له ميلان أخضر وأصفر؛ ليعلم أنه بطن الوادي فيسعى الحاج فيما بين الميلين كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وإنما ذكر الميلين الأخضرين بطريق التغليب؛ لأن أحدهما أحمر أو أصفر. كذا ذكره الإسبيجابي (١). قال المطرزي: الميلان: علامتان بموضع الهرولة في ممر بطن الوادي (٢). وقال مولانا حافظ الدين: هما علامتان قد رُكّزا في حائط المسجد الحرام. وفي شرح الوجيز: ثم ينزل من الصفا ويمشي على سجيته حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق ببناء المسجد وركنه قدر ستة أذرع، ويسرع في المشي ويسعى سعيًا شديدًا، وكان ذلك الميل موضوعًا على متن الطريق في الموضع الذي يبتدأ منه السعي إعلامًا فكان السّيلُ هَدَمَهُ فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد؛ ولهذا سمي معلقًا، فوقع متأخرًا عن مبتدأ السعي بستة أذرع؛ لأنه لم يكن موضع أليق منه، وهذا على يسار الساعي. والميل الثاني: متصل بدار العباس، قال الروياني وغيره: هذه الأسامي في الزمان المتقدم أما الآن ليس هناك دار تعرف بدار العباس، ولا ميل أخضر وتغيرت الأسامي (٣). وفي فتاوى الظهيرية: ويقول في سعيه: " رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وتجاوز عمّا تعلم، إنكَ أنتَ الأعزُّ الأكرم، وأعِذْني ونجني من نار جهنم، فإنك تعلم ولا أعلم "، فإذا خرج من بطن الوادي جاور الميل الآخر يمشي على يمينه حتى يأتي المروة ويفعل عليها كما يفعل على الصفا من الاستقبال والتكبير والتهليل

стр. 2085

فِي بَطْنِ الوَادِي، حَتَّى إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ الوَادِي مَشَى حَتَّى صَعَدَ المَرْوَةَ وَطَافَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةَ أَشْوَاطِ». قَالَ: (وَهَذَا شَوْطُ … ... … ... … ... والصلاة والدعاء بحاجته (١). وفي فتاوى الظهيرية: وقيل: أيضًا على الصفا والمروة "اللهم ثبتني على دينك وطاعتك وطواعية رسولك وجنبني معاصيك، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعه مني ولا تنزَعْني منه حتى توفاني عليه، اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى واغفر لي في الآخرة والدنيا، اللهم أعِنِّي ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي، واجعلني شاكرًا ذاكرًا راهبًا أوَّابًا منيبًا، ثم تقبل توبتي واغسل حوبتي واهد قلبي وسدد لساني " (٢). وفي المستصفى: قيل: بعد تلبية السعي ما رُوي أن إبراهيم ﵇ لما هاجر بهاجر وابنه إسماعيل إلى واد غير ذي زرع، فتركها عند الكعبة فعطشت أمه فصعدت الصفا لتجد الماء، فلم تجد فنزلت تمشي على هيئتها تنظر إلى ولدها، فلما بلغت بطن الوادي غاب ولدها فخافت عليه السباع فسعت فلما خرجت مشت ثم صعدت المروة ثم نزلت ومشت على هيئتها، فلما بلغت بطن الوادي سعت فلما خرجت مشت على هيئتها، ففعلت هذا سبعًا، فلما أيست جاءت إلى ولدها فرأت ماء ينبع من تحت رِجْل ولدها فخافت الضياع فجعلت تضع حولها الأحجار، وفي ذلك قال النبي ﵇: «لولا أم إسماعيل لكَانَ زَمزم ماءً مَعينًا إلى يَومِ القِيَامَةِ» (٣) فصار ذلك سنة من شعائر الحج ليبقى لهم ذكرًا إلى يوم القيامة. وإليه أشير في المبسوط والأصح أن نقول: فعله ﵇ وأمر أصحابه يفعلوه ونفعله اتباعًا ولا نشتغل بطلب المعنى (٤). قوله: (وهذا شوط)، ثم ظاهر ما ذكر في الكتاب أن ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعها منها إلى الصفا شوط آخر (٥).، وبه قال الشافعي (٦)،

стр. 2086

وَاحِدٌ فَيَطُوفُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالمَرْوَةِ وَيَسْعَى فِي بَطْنِ الوَادِي فِي ومالك (١)، وأحمد (٢)، وأكثر أهل العلم (٣). وذكر الطحاوي أنه يطوف سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا، ولا يعتبر الرجوع من المروة إلى الصفا (٤)، وبه قال ابن جرير الطبري والصيرفي من أصحاب الشافعي (٥). قال أبو بكر الرازي: وهذا غلط؛ لأنه يصير أربعة عشر شوطًا وإنما عليه سبعة أشواط؛ لأن رواة رسول الله اتفقوا على أنه ﵇ طاف بينهما سبعة أشواط لا أربعة عشر (٦). ومعنى ما قال في الكتاب (يبدأ بالصفا ويختم بالمروة)؛ أي يبتدئ الشوط الأول من الصفا ويختم الشوط السابع بالمروة، ولو كان الأمر على ما قاله الطحاوي لقال: يبتدئ لكل شوط بالصفا ويختم به شوط واحد. وفي فتاوى قاضي خان: فإذا فرغ من السعي يدخل المسجد ويصلي ركعتين (٧). وفي التتمة والمفرد: لو طاف للتحية فالأفضل له ألا يسعى بينهما؛ لأن طواف التحية سُنَّةٌ، والسعي واجبٌ أو ركن، والواجب لا ينبغي أن يجعل تبعًا للسنّة ولكن يؤخره إلى طواف الزيارة؛ لأنه ركن، والواجب يجوز تبعا له. ولو أخر السعي عن طواف اللقاء لا يرمَلُ؛ لأن الرِّمَلَ سُنَّةُ طوافٍ يعقبه السعي؛ عرفناه بالنص فنقتصر على مورد النص؛ ولكن العلماء خصوا السعي عقيب طواف التحية؛ لأن يوم النحر وقت طواف الزيارة وهو يوم شغل من

стр. 2087

كُلُّ شَوْطٍ) لِمَا رَوَيْنَا، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالصَّفَا لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهِ: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» ثُمَّ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِنَّهُ رُكْنٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُم السَّعْيَ فَاسْعَوْا». وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وَمِثْلُهُ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِبَاحَةِ فَيَنْفِي الرُّكْنِيَّةَ وَالإِيجَابَ، إِلَّا أَنَّا الرمي والذبح وغير ذلك، فكان فيه تخفيفا بالناس. ولو بدأ الطواف عليهما والسعي بينهما من المروة يعتد به (١)، وعند الشافعي لا يعتد به (٢). ولكن عندنا لو طاف سبعة كذلك يعيد الشوط الأول؛ لأنه لم يقع على الوجه المشروع. قوله: (وقال الشافعي: إنه ركن) (٣). وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية، وعن أحمد في رواية أنه مستحب (٥). وجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ [البقرة ١٥٨] وما من الشعائر كان ركنا أنه ﵇ قال: («إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُم السَّعْيَ فَاسْعَوْا»)، والكتابة تدل على الركنية، وقال ﵇: «ما أتم الله لامرئ حجَّته ولا عُمرتَهُ لَا يَطَّوَّفُ لهما بين الصفا والمروة» (٦) كذا في المبسوط روته عائشة (٧). (ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾) أصله: يتطوف. (ومثله)؛ أي: مثل لفظ ﴿لَا جُنَاحَ﴾ (يستعمل للإباحة)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة ٢٣٥]. وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فظاهره يقتضي ألّا يكون

стр. 2088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واجباً أيضاً، لكن ترك ظاهره في حق الإيجاب بالإجماع فبقي ما وراءه على ظاهره. ونقول: ثبت وجوبه بأول الآية؛ فإنه تعالى ﴿قال﴾ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾، والبقعة إنما تكون شعيرة لفرض يتعلق أداؤه بها ليصير علمًا من أعلام الدين (١). ولفظ ﴿لَا جُنَاحَ﴾ ينفي الفرضية فبقي الوجوب، بالإجماع وإنما ورد النص بلفظ لا جناح؛ لأن الصحابة كانوا يتحرَّزون عن الطواف بينهما لمكان الصنمين عليهما في الجاهلية: إساف ونائلة، فبقي الحرج لذلك، ثم بين في الآية أن المقصود هو حج البيت بقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ فكان دليلا أن ما لا يتصل من الطواف بالبيت يكون تبعًا للمتصل به، ولا يبلغ درجة التبع درجة الأصل، فأثبتنا الوجوب دون الركنية، ونزل منزلة الوقوف بالمشعر الحرام مع عرفة وذلك واجب، فكذا هذا. (ولأن الركنية) (٢) هذا جواب الخصم؛ يعني: ما رواه خبر الواحد وهو يوجب العمل دون العلم، فقلنا بالوجوب ولم نقل بالفساد عند عدمه اتباعًا للحكم بقدر دليله، ولا يصح استدلاله بظاهر الحديث؛ لأن ظاهره يدل على أن السعي مكتوب وهو غير مكتوب بالاتفاق، حتى لو مشى في طواف بينهما جاز. وفي الحديث الآخر ما يدل على الوجوب؛ لأنه علق التمام بالسعي، وأصل العبادة بأركانها، وصفة التمام فيها بالواجبات مع أن قوله: «ما أتم الله» إلى آخره معارض بقول ابن عباس وابن الزبير، وبمثله لا تثبت الركنية، وقد ثبت أنها نصب على أنه سُنّة. وراوي الحديث عبد الله بن مؤمل وهو ضعيف. قاله النسائي ويحيى بن معين والدارقطني، وقال أحمد: أحاديثه منكرة، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره. والمعنى بخبره فيه: أن السعي يؤتى بعد الإحلال التام؛ فلا يكون ركنا كالرَّمْياتِ، وطواف الصدرِ سُنَّةٌ.

стр. 2089

عَدَلْنَا عَنْهُ فِي الإِيجَابِ. وَلِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ. ثُمَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية. ولأن الإحرام ما شرع إلا لأداء أركان الحج؛ ولهذا جعلنا الوقوف معظم الركنين؛ لأن الطواف يؤتى بعد أحد الحِلَّيْنِ، فلما تأدى السعي بلا إحرام أصلا وهو من أفعال الحج في الجملة وهي لا تتأدى إلا بإحرام علم ضرورة أنه تبع لما مضى، فلا يجوز أن يكون التبع مساويًا للمتبوع في الفرضية. ولأن مبنى الحج على أن ركنه المقصود ينفرد بوقته كالطواف والوقوف بعرفة، وأن ما يؤتى به في وقت الآخر يكون تبعًا كالوقوف بالمزدلفة مع الوقوف بعرفة، والسعي يؤتى به في وقته، بل لا وقت له فإنه يصح مع طواف التحية وركن الحج لائح عن وقت معلوم من وقت الإحرام. كذا في المبسوط والأسرار (١). (عدلنا عنه) أي: عن ظاهر الآية (في) حق (الإيجاب) بالإجماع، أو عن النفي في الإيجاب بالخبر المُغَلّب للظن. وفي: بمعنى إلى؛ لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض؛ أي: عدلنا عن النفي المطلق إلى الإيجاب الثابت بالخبر. وعن ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وأحمد في رواية أنهم قالوا: إنه تطوع لظاهر الآية حتى لم يوجبوا بتركه شيئًا. وعن ثابت: يجب بتركه لما ذكرنا. قوله: (كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾) [البقرة: ١٨٠]. قيل: لأن الوصية كانت فريضة في بدء الإسلام بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ [النساء: ١١] وبعد الانتساخ للوارث حرام. بل الجواب الصحيح ما ذكره في الأسرار والمبسوط: والكتابة تدل على الفرضية؛ لكنه خبر الواحد فلا يوجب الفرضية؛ بل يثبت الوجوب؛ لئلا يلزم

стр. 2090

قَالَ: (ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَامًا) لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالحَجِّ فَلَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ الإِتْيَانِ بِأَفْعَالِهِ، الزيادة على الكتاب بخبر الواحد كما في تعديل الأركان. وفيه تأمل. قوله: (ثم يقيم بمكة حرامًا) أي: محرمًا، والحرام والمحرم بمعنى واحد، وإذا ذكر هذا احترازًا عن قول ابن عباس فإنه قال: يَحلِقُ ويُحَلَّلُ؛ لما روي عن جابر أنه قال: «خرجنا مع النبي ﵇ حجة الوداع، فمنا من أَهَلَّ بِحَجّةٍ ومنا من أهل بعُمرةٍ، فكنت ممّن أهل بعُمرة، فدخلنا مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فلما طفنا وسَعَيْنا، أمر النبي ﵇ من أهل بحجة بالإحلال، فأحللنا وواقعنا النساء» (١). والجواب عنه: [أنه] منسوخ؛ لأنه كان في الابتداء حين كان الناس يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فأمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة تقريرا لحكم الشرع ورد الحكم لجاهليته، ثم نسخ ذلك حتى قال عمر: "مُتعتَانِ كانتا على عهد النبي ﵇ وأنا اليوم أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج " (٢) كذا في مبسوط الإسبيجابي (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام من شرع في إحرام الحج لا يحل الخروج منه إلا بعد الإتيان بأفعال الحج، وهاهنا لم يفرغ منها فلا يحل له الخروج (٤). وقوله في الكتاب: (لأنه محرم بالحج)؛ إشارة إلى هذا التحليل، بخلاف إحرام العمرة فإنها ليست إلا الطواف والسعي، فإذا أداهما فقد فرغ من أعمال العمرة فيحل له الخروج من إحرامها، فكذا الطواف. وفي شرح الطحاوي: الطواف للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة، وهو مذهب عامة أهل العلم (٥)؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف وأهل مكة لا يفوتهم الأمران، فعند الاجتماع الصلاة أفضل؛ لكونها عبادة لعينها؛ إليه أشار قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة ١٢٥] قيل: الغرباء.

стр. 2091

قَالَ: (وَيَطُوفُ بِالبَيْتِ كُلَّمَا بَدَا لَهُ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ. قَالَ ﵊: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ». وَالصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعِ، فَكَذَا الطَّوَافُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسْعَى عَقِيبَ هَذِهِ الأَطْوِفَةِ فِي هَذِهِ المُدَّةِ، لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَجِبُ فِيهِ إِلَّا مَرَّةٌ. وَالتَّنَفُلُ بِالسَّعْيِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. وَيُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعِ رَكْعَتَيْنِ، وَهِيَ رَكْعَنَا الطَّوَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَالَ: (فَإِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْم (إلا أنه) أي: المُحرم. (لكل أسبوع) أي: سبعة أشواط، وهي طواف واحد. وفيه خلاف أبي يوسف، فإنه عنده يجوز أن يجمع بين أسبوعين فصاعدًا قبل أن يصلي ركعتي الطواف. وبه قال أحمد؛ ولكن عنده ينصرف عن وتر ثلاثة أو خمسة أو سبعة (١). وعند أبي حنيفة ومحمد: يكره الجمع بين الأسبوعين. وبه قال مالك (٢). وعند الشافعي: الأفضل الفصل بين كل أسبوعين بركعتين على ما بينا (٣)، وهو قوله ﵇: «يُصلّي الطائف لكلِّ أسبوع ركعتين»؛ لأنهما للفصل بين الأطوفة. قوله: (فَإِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ) وهو اليوم السابع من ذي الحجة؛ لأن يوم التروية الثامن. كذا في المغرب (٤). وبقولنا قال الشافعي (٥). وعند أحمد: أنه لا يخطب اليوم السابع (٦). روي أن إبراهيم ﵇ رأى ليلة الثامن كأن قائلا يقول: إن الله يأمرك أن تذبح ابنك، فلما أصبح رَوِيَ في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمِنَ الله تعالى أمْ مِنَ الشيطان؟ فمن ذلك سُمِّيَ يوم التروية.

стр. 2092

خَطَبَ الإِمَامُ خُطْبَةً يُعَلَّمُ فِيْهَا النَّاسُ الخُرُوْجَ إِلى مِنى، وَالصَّلَاةَ بِعَرَفَاتٍ وَالوُقُوْفَ وَالإِفَاضَةَ) وَالحَاصِلُ: أَنَّ فِيْ الحَجِّ ثَلَاثَ خُطَبٍ: أَوَّلُهَا: مَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِيَةُ: بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالثَّالِثَةُ: بِمِنًى فِيْ اليَوْمِ الحَادِيَ عَشَرَ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ خُطْبَتَيْنِ بِيَوْمٍ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَخْطُبُ فِيْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوَّلُهَا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، لِأَنَّهَا أَيَّامُ المُوْسِمِ وَمُجْتَمَعُ الحَاجِّ. وَلَنَا: أَنَّ المَقْصُوْدَ مِنْهَا التَّعْلِيْمُ. وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمَا اشْتِغَالٍ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْفَعُ وَفِيْ القُلُوْبِ أَنْجَعُ فلما رأى الليلة الثانية؛ عرف أنه من الله تعالى؛ فمن ثم سمي يوم عرفة. فلما رأى الليلة الثالثة هم بنحره فسمي يوم النحر. كذا في الكشاف (١). وقيل: سمي يوم التروية؛ لأن الناس يروون إبلهم فيه أي: يسقون. وسميت العرفة عرفة؛ لأن آدم ﵇ عرف حواء فيها. وسميت المزدلفة مزدلفة؛ لأن آدم وحواء ازدلفا أي: اجتمعا فيها. وسميت المنى منى؛ لأن الحيوانات يصيبون إلى مناياهم، والمنايا: جمع المنية. وقيل: سمي منى؛ لما تمني فيه من الدماء - أي: تراق-، وهي قرية فيها ثلاث سكك بينها وبين مكة فرسخ، وهي في الحرم لأنها منحر، والمنحر يكون في الحرم، والغالب عليه التذكير والصرف وقد تكتب بالألف (٢). (خطبة) أي: خطبة واحدة من غير جلسة بين الخطبتين بعد صلاة الظهر، وكذا في الخطبة الثانية التي يخطب بها بمنى، وأما في خطبة عرفات فيجلس بين الخطبتين وهي قبل صلاة الظهر. كذا في مبسوط فخر الإسلام وشرح الطحاوي (٣). (وفي القلوب: أنجع) بالفارسية جاي كيرندة تر. وقد روى ابن مسعود أنه ﵇ "كان يتخولنا من الموعظة مخافة

стр. 2093

(فَإِذَا صَلَّى الفَجْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمَكَّةَ خَرَجَ إِلَى مِنَى فَيُقِيمُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الفَجْرَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى الفَجْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمَكَّةَ، السآمة" (١). كذا في الكافي. قال المرغيناني والكرماني: خرج بعد ما طلعت الشمس إلى منى، [وبه] قال الشافعي: في الأصح؛ لما روى جابر أنه ﵇ «راح إلى منى بعد طلوع الشمس (٢) (٣)». وفي المحيط: يستحب أن يتوجه إلى مِنَى بعد الزوال، وهو أحد قولي الشافعي؛ لما روي أنه ﵇ خرج إلى مِنَى عشية يوم التروية. وقال ابن عباس: إذا زاغت الشمس يخرج إلى منى (٤). وفي المبسوط: سمي التروية؛ لأن الحجاج يروون فيه بمنى، أو يروون ظهورهم فيه بمنى، ففي هذه التسمية ما يدل على أنه ينبغي لهم أن يكونوا بمنى يوم التروية (٥). (وَالفَجْرَ) أي: من يوم عرفة؛ لما روي أن جبريل أتى الخليل ﵇ يوم التروية، فخرج إلى منى فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا إلى عرفات، وهكذا فعله النبي ﵇ (٦). وفي الفتاوى الظهيرية: إذا دخل منى قال: اللهم هذا مِنَى وهو مما دللتنا عليه من المناسك، فمُنَّ علينا بجوامع الخيرات كما مننت على أوليائك وأهل طاعتك، وإنما أنا عبدك وابن عبدك، اللهم ناصيتي بيدك تفعل بي ما أردت، اللهم وإياك أدعو ومنك أرجو؛ فبلغني صالح أملي واغفر لي ذنبي وقني عذاب النار (٧).

стр. 2094

فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ رَاحَ إِلَى مِنّىً فَصَلَّى بِمِنَى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ والفَجْرَ، ثُمَّ رَاحَ إِلَى عَرَفَاتٍ» (وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَصَلَّى بِهَا الفَجْرَ ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَاتٍ وَمَرَّ بِمِنّىً أَجْزَأَهُ) لأَنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِمِنّىً فِي هَذَا اليَوْمِ إِقَامَةُ نُسُكٍ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ بِتَرْكِهِ الاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَرَفَاتٍ فَيُقِيمُ بِهَا). لَمَّا رَوَيْنَا، وَهَذَا بَيَانُ الأَوْلَوِيَّةِ. أَمَّا لَوْ دَفَعَ قَبْلَهُ: جَازَ؛ لأَنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا المَقَامُ حُكْمٌ. قَالَ فِي الأَصْلِ: وَيَنْزِلُ بِهَا مَعَ النَّاسِ؛ لأَنَّ الانْتِبَاذَ تَجَبُّرٌ ويبيت بمنى، ويصلي الفجر يوم عرفة بغلس (١)؛ ثم يأتي عرفات ما طلعت الشمس. (لما روينا) وهو أنه ﵇ «صَلَّى الفَجْرَ بِمَكَّةَ فَلَمَّا طلعت» الحديث. (أما لو دفع قبله) أي: قبل طلوع الشمس إلى عرفات، ومن حق الكلام أن يقول: أما لو دفع قبل طلوع الشمس؛ لأنه لم يتقدم ذكر الطلوع، ولكن اتبع لفظ الإيضاح فإنه ذكر هنا الضمير بعد طلوع الشمس حيث قال: (وإذا طلعت الشمس) إلى أن قال: (وإن دفع قبله جاز)، فالأول أولى؛ لما فيه من الاقتداء بالنبي ﵇. (وهذا) أي: الذهاب بعد طلوع الشمس؛ (لأنه): الضمير للشأن بهذا المقام؛ أي هنا حكم من أحكام المناسك فيجوز الذهاب قبل الطلوع. وفي الفتاوى الظهيرية: وإذا توجه إلى عرفات يقول: اللهم إليك توجهت وعليك توكلت وبك اعتمدت وإياك أردت، أسألك أن تبارك لي في سفري، وأن تقضي لي بعرفات حاجتي، وأن تغفر لي ذنوبي يا أرحم الراحمين (٢). (قال في الأصل) في المبسوط (ويَنْزِلُ بها) أي: بِعَرَفَةَ (مَعَ النَّاسِ؛ لأَنَّ الانْتِيَاذَ) أي: الإِفْرَادُ (تَجَبُّرٌ) (٣).

стр. 2095

وَالحَالُ حَالُ تَضَرُّعِ وَالإِجَابَةُ فِي الجَمْعِ أَرْجَى وَقِيلَ: مُرَادُهُ أَنْ لَا يَنْزِلَ عَلَى الطَّرِيقِ كَيْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى الْمَارَّةِ. قَالَ: (وَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يُصَلِّي الإِمَامُ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، فَيَبْتَدِئُ بالخُطبَةِ فَيَخْطُبُ خُطْبَةً يُعَلِّمُ فِيهَا النَّاسَ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيَ الجِمَارِ وَالنَّحْرَ وَالحَلْقَ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ، يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ كَمَا فِي وفي الفتاوى الظهيرية: وينزل بعرفات في أي موضع شاء، إلا أنه لا ينزل على الطريق، وبه قال الشافعي في قول؛ قال ﵇: «إياكُمْ والمَلاعِنُ» (١) وقيل في معناه: التغوط في الطرقات. وقرب جبل الرحمة أفضل. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): بطنُ نَمِرَةَ أفضلُ؛ لنزوله ﵇ فيه. وقلنا: نمرة من عرنة وقد قال ﵇: «ارتفعُوا عن بطن عرنة» (٥) ونزوله ﵇ فيه لم يكن عن قصد. قوله: (فإذا زالت الشمس) أي: بعرفات. (ويخطب خطبتين) أي: قبل الصلاة. وبه قال الشافعي (٦). وفي الإيضاح: فإذا زالت الشمس اغتسل إن أحب، وهو سنة وليس بواجب كما في الجمعة والعيد، ويخطب الإمام خطبتين قائما يجلس بينهما جلسة خفيفة وعنده مقدار سورة الإخلاص (٧).

стр. 2096

الجُمُعَةِ) هَكَذَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵊. وَقَالَ مَالِكُ ﵀: يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا خُطْبَةُ وَعْظٍ وَتَذْكِيرِ فَأَشْبَهَ خُطْبَةَ العِيدِ. وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ المَقْصُودَ مِنهَا تَعْلِيمُ المَنَاسِكِ وَالجَمْعِ مِنهَا. وَفِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ: إِذَا صَعِدَ الإِمَامُ المِنبَرَ فَجَلَسَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ كَمَا فِي الجُمُعَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُؤَذِّنُ بَعْدَ الخُطْبَةِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا خَرَجَ وَاسْتَوَى عَلَى نَاقَتِهِ أَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَيُقِيمُ المُؤَذِّنُ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنْ الخُطْبَةِ، لِأَنَّهُ أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ الجُمُعَةَ. قَالَ: (وَيُصَلِّي بِهِمْ الظَّهْرَ والعَصْرَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَذَانِ وَإِقَامَتَيْنِ) وَقَدْ وَرَدَ وفي حمل النوازل: ويلبي فيهما أيضًا. (ما روينا) وهو قوله: (هكذا فعله رسول الله). (ولأن المقصود منها) أي: من الخطبة (تعليم المناسك). وعن أبي يوسف: أنه يؤذن قبل خروج الإمام؛ لأن هذا الأذان لأداء الظهر كما في سائر الأيام. (وعنه) أي: عن أبي يوسف أنه يؤذن بعد الخطبة وبه قال مالك (١). وقال الشافعي: إذا فرغ من الخطبة الأولى يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم ويفتتح الخطبة الثانية، والمؤذنون يأخذون في الأذان معه، ويخفف بحيث يكون فراغه مع فراغهم من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيم بهم في الحال ويصلي بهم العصر؛ لأنه روي عن جابر أنه ﵇ فعل ذلك (٢). وقلنا: الروايات عنه ﵇ متعارضة فنعمل بالقياس، وهو أن يؤذن قبل الخطبة كما في الأذان في الجمعة. قوله: (ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر). وفي جامع قاضي خان في آخر وقت الظهر، ويصليهما ركعتين إن كان

стр. 2097

النَّقْلُ المُسْتَفِيضُ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ بِالجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَفِيمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهُمَا بِأَذَانِ وَإِقَامَتَيْنِ»، ثُمَّ بَيَانُهُ: أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظَّهْرِ وَيُقِيمُ لِلظَّهْرِ ثُمَّ يُقِيمُ لِلْعَصْرِ، لِأَنَّ العَصْرَ يُؤَدَّى قَبْلَ وَقْتِهِ المَعْهُودِ فَيُفْرَدُ بِالإِقَامَةِ إِعْلَامًا لِلنَّاسِ (وَلَا يُتَطَوَّعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الوُقُوفِ وَلِهَذَا قُدِّمَ العَصْرُ عَلَى وَقْتِهِ، فَلَوْ أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مَكْرُوهًا وَأَعَادَ الأَذَانَ لِلْعَصْرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀، لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّطَوُّعِ أَوْ بِعَمَلٍ آخَرَ يَقْطَعُ فَوْرَ الْأَذَانِ الأَوَّلِ فَيُعِيدُهُ لِلْعَصْرِ (فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَجْزَاهُ) لِأَنَّ هَذِهِ الخُطْبَةَ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ. قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى الظَّهْرَ فِي رَحْلِهِ وَحْدَهُ مسافرا، ويخفي القراءة بإجماع الأئمة إلا عند مالك وقد مرَّ في الصلاة (١). (ولا يتطوع) أي: لا يشتغل الإمام والقوم بالسنة والتطوع فيما بينهما، فإن اشتغلوا بذلك أعاد المؤذن أذان العصر، ويخفي الإمام القراءة فيهما كما في سائر الأيام. كذا في التحفة (٢). وفي الذخيرة، والمحيط، وشرح الطحاوي: لا يشتغلون فيها بالنافلة غير سنة الظهر؛ لما يروى عن محمد فإنه يقول: لا يعاد الأذان؛ لأن الوقت جمعهما فيكفيهما أذان واحد (٣). وقلنا: الأذان إعلام وكل صلاة أصل بنفسها إلا أنه إذا جمع بينهما استغنينا عن الإعلام؛ فإذا قطع عاد الحكم الأصلي. كذا في الإيضاح. لأنها (ليست بفريضة)؛ إذ هي ليست بخلف عن ركن، بخلاف خطبة الجمعة (٤). قوله: (ومن صلى الظهر في رحله) وحده وبقولهما قال الشافعي (٥)

стр. 2098

صَلَّى العَصْرَ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا المُنْفَرِدُ) (*) لِأَنَّ جَوَازَ الجَمْعِ لِلْحَاجَةِ إِلَى امْتِدَادِ الوُقُوفِ، وَالمُنْفَرِدُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ المُحَافَظَةَ عَلَى الوَقْتِ فَرْضٌ بِالنُّصُوصِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، إِلَّا فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَهُوَ الجَمْعُ بِالجَمَاعَةِ ومالك (١)، وأحمد (٢). ومذهبهما مروي عن عائشة وابن عمر. والحرف الذي يدور الخلاف عليه أن الجمع لماذا؟ فعندهم: الامتداد الوقوف؛ فإن الحاج يحتاج إلى الدعاء؛ فامتد الوقوف وقدَّمت العصر؛ لأن لا يشتغل عن الدعاء إلى غروب الشمس؛ فإن بعد الغروب وقت الاشتغال بالدفع من عرفة؛ ولهذا لا جمع لمن لا وقوف عليه. وفيه تعظيم شأن الوقوف فقُدِّمَ العصر ليقع الوقوف من أوله إلى آخره متصلا ولم يتفرق ليكون أفضل، وهذا كنهي النبي ﵇ عن الصلاة بعد الفجر (٣) ليكون الوقت كالمشغول به لا لذهاب الوقت. وفي حق الوقوف المنفرد وغيره سواء، فيجوز له الجمع كما يجوز لمن يصلي بالجماعة. وعند أبي حنيفة: الجمع لأجل محافظة الجماعة لا لامتداد الوقوف؛ لأن النص المجمع عليه في التعجيل: جامع الجماعة. فأما المنفرد ففيه اختلاف على ما هو المروي عن ابن مسعود قال: يصلي المنفرد كل صلاة لوقتها؛ وذلك لأن فضيلة الجماعة لا يجوز تفويتها بحق الوقوف؛ لأن الجماعة تفوت لا إلى خلف وحق الوقوف يتأدى قبل وبعد أو معه، والناس يتفرقون في الموقف وهو موضع عريض وطويل فلا يمكنهم إقامة الجماعة إلا بالإجتماع، وأنه يتعذر مرتين في العادات فعجل العصر حتى لا تفوتهم فضيلة الجماعة، أما بقرب الوقوف يجوز بالأكل وبالحديث ولم يكره

стр. 2099

مَعَ الإِمَامِ، وَالتَّقْدِيمُ لِصِيَانَةِ الجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ يَعْسُرُ عَلَيْهِم الاجْتِمَاعُ لِلْعَصْرِ بَعْدَ مَا تَفَرَّقُوا فِي المَوْقِفِ، لَا لِمَا ذَكَرَاهُ إِذْ لَا مُنَافَاةَ، ذلك؛ فلأن لا يكره بالصلاة أولى فلم يجز ارتكاب محظور، وهذا تقديم الصلاة على وقتها؛ لإدراك اتصال الوقوف الذي ليس بواجب، ولا في حكم الواجب؛ أما الجماعة فإدراكها في حق الواجب حتى إن الثواب يتضاعف بها ويقاتل التاركون لها؛ أو الجماعة فرض عند البعض، فإضافة التقديم إلى فضيلة الجماعة. إليه أشير في الأسرار. والمروي عن عائشة وابن عمر محمول على الإمام الأجل وهو الخليفة بالنصوص، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] أي فرضًا مؤقتًا، فالمحافظة على الفرض فرض بيقين، فلا يجوز تركه إلا بيقين مثله، وهو الموضع الذي ورد فيه النص، وإنما ورد النص بجمع رسول الله بين الصلاتين والخلفاء من بعده، فلا يجوز الجمع إلا بتلك؛ لأن ما ثبت على خلاف القياس يقتصر على مورد النص (١). (مع الإمام) يعني: مع الإمام الأكبر، حتى لو صلَّى الظهر مع [غير] (٢) الإمام الأكبر لا يجوز الجمع عند أبي حنيفة كما في المنفرد. كذا في الخبازية. (إذ لا منافاة) أي: بين الوقوف والصلاة؛ فإن المصلي واقف، ولأن الوقوف عبادة يجوز معها سائر العبادات المباحات من الأكل والشرب وغيرهما والصلاة التي هي رأس الطاعات أولى، فعلم أن تقديم العصر (لصيانة الجماعة) لا لامتداد الوقوف. أو نقول: سلمنا أن جواز التقديم لامتداده؛ لكن المنفرد غير محتاج إليه لاستدامته؛ لأنه يمكنه أن يصلي العصر في وقته في موضعه الذي يقف فيه؛ إذْ لا ينقطع وقوفه بالصلاة بخلاف الجماعة، فإن في الموضع صعودا وهبوطا ولا يمكن تسوية الصفوف؛ فيحتاجون إلى الخروج والاجتماع لصلاة العصر فينقطع وقوفهم.

стр. 2100

ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: الإِمَامُ شَرْطٌ فِي (*) الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: فِي العَصْرِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ هُوَ المُغَيَّرُ عَنْ وَقْتِهِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الإِحْرَامُ بِالحَجِّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ عُرِفَ شَرْعُهُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ العَصْرُ مُرَتَّبَةٌ عَلَى ظُهْرٍ مُؤَدَّى بِالجَمَاعَةِ مَعَ الإِمَامِ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي رِوَايَةٍ، وامتداد الوقوف في الموقف إلى غروب الشمس واجب. كذا في الخبازية. (ثم عند أبي حنيفة: الإمام شرط في الصلاتين) أو من يقوم مقامه. ذكره الطحاوي. (لأنه) أي: العصر (هو المغير عن وقته) واشتراط الإمام لوقوع التغير فيقصر على ما يقع فيه التغير. (ولأبي حنيفة) أن العصر في هذا اليوم كالتبع للظهر؛ لأنهما صلاتان أُدِّيَتَا في وقت واحد، والثانية مرتبة على الأولى؛ فكان بمنزلة العشاء مع الوتر؛ ولهذا لا يجوز العصر في هذا اليوم إلا بعد صحة الظهر حتى لو تبين في يوم الغيم أنهم صلوا الظهر قبل الزوال والعصر بعده لزمهم إعادتهما، ولو تبين أنهم صلوا الظهر بلا وضوء لزمهم إعادتهما، بخلاف سائر الأيام (١). وفي مبسوط البزدوي والقياس أن يصلي الظهر وحدها؛ لأن هذا من باب الترتيب، وهو يسقط بالنسيان. وفي الاستحسان: يعيدهما؛ لأنه صلى العصر في غير وقته؛ إذ وقته في هذا اليوم بعد الفراغ من الظهر فكان فساد العصر لعدم وقته لا لعدم الترتيب. ولما جعل الإمام شرطًا في التبع بالاتفاق ففي الأصل بالطريق الأولى. (ثم لا بد من الإحرام قبل الزوال في رواية)؛ لأن بالزوال يدخل وقت الجمع، ويختص بهذا الجمع المحرم بالحج، فيشترط تقديم الإحرام على الحج قبله.

стр. 2101

تَقْدِيمًا لِلْإِحْرَامِ عَلَى وَقْتِ الجَمْعِ، وَفِي أُخْرَى يُكتَفَى بِالتَّقْدِيمِ عَلَى الصَّلَاةِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الصَّلَاةُ. قَالَ: (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى المَوْقِفِ فَيَقِفُ بِقُرْبِ الجَبَلِ وَالقَوْمُ مَعَهُ عَقِيبَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَالجَبَلُ يُسَمَّى جَبَلَ الرَّحْمَةِ، وَالمَوْقِفَ الأَعْظَمَ. قَالَ: (وَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَرَفَاتٌ وفي رواية قبل الصلاة؛ لأن اشتراط الإحرام لأجلها لا لأجل الوقت، حتى إن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام، ثم أحرم فصلى العصر، أو المحرم بالعمرة صلى الظهر مع الإمام ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه؛ لم تجزئه العصر إلا في وقتها. وحاصله: أن جواز الجمع معلق بإحرام الحج عندهما، وعند أبي حنيفة: به، وبالجماعة، وبالإمام الأكبر، وهذا قول زفر أيضًا غير أنه يشترط هذه الشروط في العصر لا غير، وأبو حنيفة فيهما جميعًا. كذا في المبسوطين. وعند الشافعي: الشرط: السفر لا غير. (بقرب الجبل) أي بعد صلاة العصر. فصل (وعرفات) هي علم للموقف، سمي بجمع كأذرعات، وإنما صرف وإن اجتمع التعريف والتأنيث؛ [لأن التاء التي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث. ولا يصح تقدير التاء فيها] (١)؛ لأ اختصاصها بجمع المؤنث مانع من تقديرها كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت. وسمي هذا الموضع بعرفات؛ لتعارف الناس بعضهم لبعض فيه. وقيل: سميت بها؛ لأن جبريل لما أرى المناسك لإبراهيم قال: أعرفت؟ قال: عرفت فسمي بها. وقيل: سميت بها؛ لأن الناس يعترفون بذنوبهم فحينئذ يغفر لهم. (بَطْنَ عُرَنَةَ) وهو واد عن يسار الموقف، وقد رأى عليه [الصلاة

стр. 2102

كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَالمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ وَادِي مُحَسِّرٍ». قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَدَمَيْهِ جَازَ) وَالأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا بَيَّنَّا (وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: «خَيْرُ المَوَاقِفِ مَا اسْتُقْبِلَتْ بِهِ القِبْلَةُ» (وَيَدْعُو وَيُعَلِّمُ النَّاسَ والسلام] (١) الشيطان فيه، فنهي عن الموقف فيه احترازا عنه، وهذا النهي نظير في ظرف الزمان في حق الصلاة في الأوقات الثلاثة. (وارتفعوا) للارتفاع (بلندن شدن وإن جاي برامدن). وشد مالك وجوز الوقوف ببطن عرنة وأوجب معه دما (٢). وسميت المزدلفة: [مزدلفة من] (٣) اجتماع الناس فيها، من أزلف أي: جمع. وقيل: من الازدلاف بمعنى التقرب، سمي بها لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. و (محسر) - بكسر السين وتشديدها - وهي: بين مكة وعرفات عن يسار الموقف. (والأول أفضل لما بينا) وهو أنه ﵇ وقف على راحلته. وبه قال الشافعي في القديم (٤)، وأحمد (٥). وقال في الأم: لا مزية للركوب على غيره؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفات باسطا يديه في نحره كالمستطعم المسكين» (٦).

стр. 2103

(المَنَاسِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَدْعُو يَوْمَ عَرَفَةَ مَادًّا يَدَيْهِ كَالمُسْتَطْعِمِ المِسْكَيْنِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ» وَإِنْ وَرَدَت الآثَارُ بِبَعْضِ الدَّعَوَاتِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا (ويدعو بما شاء) يُقَدِّم الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه لتكون أقرب إلى الإجابة، وليس في عرفة دعاء مؤقت؛ فيدعو بما أحب، (وإن وردت الآثار ببعض الدعوات) عن علي أنه ﵇ قال: «إنّ أكثر دُعائي ودعاء الأنبياء مِنْ قبلي عَشيّة عرفة: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له» إلى قوله: «على كلّ شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح صدري ويسر لي أمري، وأعوذُ بِكَ من وسواس الصدور، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في البحر، وشر ما تهب به الرياح» (١) كذا في المبسوط والمجتبى (٢). وفي الفتاوى الظهيرية: وليكن عامة دعائه بعرفات «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» إلى آخره، «لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه» إلى قوله: «المشركون»، اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم وأنت لا تخلف الميعاد، اللهم هذا مقام المستجير العائذ بك من النار فأجرني من النار، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى تقبضني وأنا عليه، ووفقني لما افترضت عليَّ، وأعِنِّي على طلب رضاك وأداء حقك، واجعلني من أعظم عبادك نصيبًا من خير تقسمه في هذه العشية بين عبادك الصالحين من نور تهدي به، أو رحمة تنشرها، أو رزق تبسطه، أو بلاء تدفعه، أو فتنة تصرفها، اللهم آمن روعتي واستر عورتي، وأقلني عثرتي، واقض عني ديوني، واغفر لي ولوالدي وقرابتي وأحبتي، اللهم إنك دعوت إلى الحج ووعدت المغفرة على شهود مناسكك وقد أجبناك ولكل وفد جائزة، فاجعل جائزتي من موقعي هذا أن تغفر لي ذنوبي وتعطيني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (٣).

стр. 2104

تَفْصِيلُهَا فِي كِتَابِنَا المُتَرْجَمُ بِـ[عُدَّةِ النَّاسِكِ فِي عِدَّةٍ مِنْ المَنَاسِكِ] بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَقِفُوا بِقُرْبِ الإِمَامِ) لِأَنَّهُ يَدْعُو وَيُعَلِّمُ فَيَعُوا وَيَسْمَعُوا (وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الإِمَامِ) لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِيَّةِ، لِأَنَّ عَرَفَاتٍ كُلَّهَا مَوْقِفٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الوُقُوفِ بعرفة، وَيَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ) أَمَّا الاغْتِسَالُ فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ، وَلَو اكْتَفَى بِالوُضُوءِ جَازَ كَمَا فِي الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ وَعِنْدَ الإِحْرَامِ، وَأَمَّا الاجْتِهَادُ فَلِأَنَّهُ ﷺ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذَا المَوْقِفِ. (المُترجم) المسمى (بعُدة الناسك) بضم العين (في عدة من المناسك) بكسر العين، والعِدّة: السلاح، بالفارسية: شمار، وفي بعض النسخ: في عدة من المناسك وهو الأصح. وفي التحفة: كل من كان وقوفه إلى الإمام أقرب فهو أفضل؛ لأنه يعلم الناس المناسك فيقرب منه حتى يسمعه؛ فيقفون إلى غروب الشمس؛ فيكبرون ويُهللون ويحمدون الله تعالى ويُصلّون على النبي ﵇ ويسألون الله حوائجهم فإنه وقت مرجو، قال ﵇: «أفضل الدعاء أهلُ عرفة»، وعنه ﵇ أنه قال: «إِنَّ الله تعالى يباهي بأهل عرفة المَلائِكَةَ فيقول: انظروا يا ملائكتي إلى عِبادِي يَأتونَ شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فج عميق اشهدوا أَنِّي قد غفرت لهم فيرجعون كيوم ولدتهُمْ أُمَّهُمْ». وقيل: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف، وقد صح عن النبي ﵇ أنه [قال]: «أفضل الأيام عرفة إذا وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين حجَّةٍ في غير جمعة» ذكره في تجريد الصحاح بعلامة الموطأ (١).

стр. 2105

لِأُمَّتِهِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالمَظَالِمِ (وَيُلَبِّي فِي مَوْقِفِهِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ كَمَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ، لِأَنَّ الإِجَابَةَ بِاللِّسَانِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالْأَرْكَانِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وَلِأَنَّ التَّلْبِيَّةَ فِيهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ، فَيَأْتِي بِهَا إِلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الإِحْرَامِ. قَالَ: (فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفَاضَ الإِمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَلَى هَيِّنَتِهِمْ حَتَّى يَأْتُوا وفي المحيط: ويرفع الأيدي بسطًا مستقبل القبلة بوجهه ويديه والمستحب في دعاء الرغبة: أن يجعل بطون كفيه إلى السماء، وكذا في المزدلفة (١). (إلا في الدماء)؛ لتعلق حق العباد بها. (كما يقف بعرفة) وعند مالك في رواية: يقطعها عند الإفاضة من عرفات؛ لما روى أسامة بن زيد أنه ﵇ «قطعها عند الإفاضة» (٢). قوله: (ولنا ما روي) عن ابن مسعود أنه لبّى عشية عرفة فقال له رجل: يا شيخ ليس هذا موضع التلبية، فقال ابن مسعود: «أجَهِلَ الناس أم طال بهم العهد؟ لبيك عدد التراب، لبيك وسعديك، حججت مع رسول الله ﵇ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة». كذا في المبسوط (٣). وهكذا رواه علي، والفضل بن عباس أخرجاه في الصحيحين، وأخرجه الأربعة أيضًا في سننهم وأحمد في مسنده (٤). (آخر جزء من الإحرام)، وذلك عند الرمي يكون. كذا في المبسوط (٥). (أفاض) أي: رجع، وإنما قال: أفاض؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ﴾ [البقرة ١٩٨]. (على هيئتهم)؛ أي: وهو السكينة والوقار، قال ﵇: «ليس البِرُّ
следующие страницы →