← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

تَقْدِيمًا لِلْإِحْرَامِ عَلَى وَقْتِ الجَمْعِ، وَفِي أُخْرَى يُكتَفَى بِالتَّقْدِيمِ عَلَى الصَّلَاةِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الصَّلَاةُ. قَالَ: (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى المَوْقِفِ فَيَقِفُ بِقُرْبِ الجَبَلِ وَالقَوْمُ مَعَهُ عَقِيبَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَالجَبَلُ يُسَمَّى جَبَلَ الرَّحْمَةِ، وَالمَوْقِفَ الأَعْظَمَ. قَالَ: (وَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَرَفَاتٌ وفي رواية قبل الصلاة؛ لأن اشتراط الإحرام لأجلها لا لأجل الوقت، حتى إن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام، ثم أحرم فصلى العصر، أو المحرم بالعمرة صلى الظهر مع الإمام ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه؛ لم تجزئه العصر إلا في وقتها. وحاصله: أن جواز الجمع معلق بإحرام الحج عندهما، وعند أبي حنيفة: به، وبالجماعة، وبالإمام الأكبر، وهذا قول زفر أيضًا غير أنه يشترط هذه الشروط في العصر لا غير، وأبو حنيفة فيهما جميعًا. كذا في المبسوطين. وعند الشافعي: الشرط: السفر لا غير. (بقرب الجبل) أي بعد صلاة العصر. فصل (وعرفات) هي علم للموقف، سمي بجمع كأذرعات، وإنما صرف وإن اجتمع التعريف والتأنيث؛ [لأن التاء التي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث. ولا يصح تقدير التاء فيها] (١)؛ لأ اختصاصها بجمع المؤنث مانع من تقديرها كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت. وسمي هذا الموضع بعرفات؛ لتعارف الناس بعضهم لبعض فيه. وقيل: سميت بها؛ لأن جبريل لما أرى المناسك لإبراهيم قال: أعرفت؟ قال: عرفت فسمي بها. وقيل: سميت بها؛ لأن الناس يعترفون بذنوبهم فحينئذ يغفر لهم. (بَطْنَ عُرَنَةَ) وهو واد عن يسار الموقف، وقد رأى عليه [الصلاة

стр. 2102

كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَالمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ وَادِي مُحَسِّرٍ». قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَدَمَيْهِ جَازَ) وَالأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا بَيَّنَّا (وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: «خَيْرُ المَوَاقِفِ مَا اسْتُقْبِلَتْ بِهِ القِبْلَةُ» (وَيَدْعُو وَيُعَلِّمُ النَّاسَ والسلام] (١) الشيطان فيه، فنهي عن الموقف فيه احترازا عنه، وهذا النهي نظير في ظرف الزمان في حق الصلاة في الأوقات الثلاثة. (وارتفعوا) للارتفاع (بلندن شدن وإن جاي برامدن). وشد مالك وجوز الوقوف ببطن عرنة وأوجب معه دما (٢). وسميت المزدلفة: [مزدلفة من] (٣) اجتماع الناس فيها، من أزلف أي: جمع. وقيل: من الازدلاف بمعنى التقرب، سمي بها لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. و (محسر) - بكسر السين وتشديدها - وهي: بين مكة وعرفات عن يسار الموقف. (والأول أفضل لما بينا) وهو أنه ﵇ وقف على راحلته. وبه قال الشافعي في القديم (٤)، وأحمد (٥). وقال في الأم: لا مزية للركوب على غيره؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفات باسطا يديه في نحره كالمستطعم المسكين» (٦).

стр. 2103

(المَنَاسِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَدْعُو يَوْمَ عَرَفَةَ مَادًّا يَدَيْهِ كَالمُسْتَطْعِمِ المِسْكَيْنِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ» وَإِنْ وَرَدَت الآثَارُ بِبَعْضِ الدَّعَوَاتِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا (ويدعو بما شاء) يُقَدِّم الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه لتكون أقرب إلى الإجابة، وليس في عرفة دعاء مؤقت؛ فيدعو بما أحب، (وإن وردت الآثار ببعض الدعوات) عن علي أنه ﵇ قال: «إنّ أكثر دُعائي ودعاء الأنبياء مِنْ قبلي عَشيّة عرفة: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له» إلى قوله: «على كلّ شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح صدري ويسر لي أمري، وأعوذُ بِكَ من وسواس الصدور، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في البحر، وشر ما تهب به الرياح» (١) كذا في المبسوط والمجتبى (٢). وفي الفتاوى الظهيرية: وليكن عامة دعائه بعرفات «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» إلى آخره، «لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه» إلى قوله: «المشركون»، اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم وأنت لا تخلف الميعاد، اللهم هذا مقام المستجير العائذ بك من النار فأجرني من النار، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى تقبضني وأنا عليه، ووفقني لما افترضت عليَّ، وأعِنِّي على طلب رضاك وأداء حقك، واجعلني من أعظم عبادك نصيبًا من خير تقسمه في هذه العشية بين عبادك الصالحين من نور تهدي به، أو رحمة تنشرها، أو رزق تبسطه، أو بلاء تدفعه، أو فتنة تصرفها، اللهم آمن روعتي واستر عورتي، وأقلني عثرتي، واقض عني ديوني، واغفر لي ولوالدي وقرابتي وأحبتي، اللهم إنك دعوت إلى الحج ووعدت المغفرة على شهود مناسكك وقد أجبناك ولكل وفد جائزة، فاجعل جائزتي من موقعي هذا أن تغفر لي ذنوبي وتعطيني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (٣).

стр. 2104

تَفْصِيلُهَا فِي كِتَابِنَا المُتَرْجَمُ بِـ[عُدَّةِ النَّاسِكِ فِي عِدَّةٍ مِنْ المَنَاسِكِ] بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَقِفُوا بِقُرْبِ الإِمَامِ) لِأَنَّهُ يَدْعُو وَيُعَلِّمُ فَيَعُوا وَيَسْمَعُوا (وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الإِمَامِ) لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِيَّةِ، لِأَنَّ عَرَفَاتٍ كُلَّهَا مَوْقِفٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الوُقُوفِ بعرفة، وَيَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ) أَمَّا الاغْتِسَالُ فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ، وَلَو اكْتَفَى بِالوُضُوءِ جَازَ كَمَا فِي الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ وَعِنْدَ الإِحْرَامِ، وَأَمَّا الاجْتِهَادُ فَلِأَنَّهُ ﷺ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذَا المَوْقِفِ. (المُترجم) المسمى (بعُدة الناسك) بضم العين (في عدة من المناسك) بكسر العين، والعِدّة: السلاح، بالفارسية: شمار، وفي بعض النسخ: في عدة من المناسك وهو الأصح. وفي التحفة: كل من كان وقوفه إلى الإمام أقرب فهو أفضل؛ لأنه يعلم الناس المناسك فيقرب منه حتى يسمعه؛ فيقفون إلى غروب الشمس؛ فيكبرون ويُهللون ويحمدون الله تعالى ويُصلّون على النبي ﵇ ويسألون الله حوائجهم فإنه وقت مرجو، قال ﵇: «أفضل الدعاء أهلُ عرفة»، وعنه ﵇ أنه قال: «إِنَّ الله تعالى يباهي بأهل عرفة المَلائِكَةَ فيقول: انظروا يا ملائكتي إلى عِبادِي يَأتونَ شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فج عميق اشهدوا أَنِّي قد غفرت لهم فيرجعون كيوم ولدتهُمْ أُمَّهُمْ». وقيل: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف، وقد صح عن النبي ﵇ أنه [قال]: «أفضل الأيام عرفة إذا وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين حجَّةٍ في غير جمعة» ذكره في تجريد الصحاح بعلامة الموطأ (١).

стр. 2105

لِأُمَّتِهِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، إِلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالمَظَالِمِ (وَيُلَبِّي فِي مَوْقِفِهِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ كَمَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ، لِأَنَّ الإِجَابَةَ بِاللِّسَانِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالْأَرْكَانِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وَلِأَنَّ التَّلْبِيَّةَ فِيهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ، فَيَأْتِي بِهَا إِلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الإِحْرَامِ. قَالَ: (فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفَاضَ الإِمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَلَى هَيِّنَتِهِمْ حَتَّى يَأْتُوا وفي المحيط: ويرفع الأيدي بسطًا مستقبل القبلة بوجهه ويديه والمستحب في دعاء الرغبة: أن يجعل بطون كفيه إلى السماء، وكذا في المزدلفة (١). (إلا في الدماء)؛ لتعلق حق العباد بها. (كما يقف بعرفة) وعند مالك في رواية: يقطعها عند الإفاضة من عرفات؛ لما روى أسامة بن زيد أنه ﵇ «قطعها عند الإفاضة» (٢). قوله: (ولنا ما روي) عن ابن مسعود أنه لبّى عشية عرفة فقال له رجل: يا شيخ ليس هذا موضع التلبية، فقال ابن مسعود: «أجَهِلَ الناس أم طال بهم العهد؟ لبيك عدد التراب، لبيك وسعديك، حججت مع رسول الله ﵇ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة». كذا في المبسوط (٣). وهكذا رواه علي، والفضل بن عباس أخرجاه في الصحيحين، وأخرجه الأربعة أيضًا في سننهم وأحمد في مسنده (٤). (آخر جزء من الإحرام)، وذلك عند الرمي يكون. كذا في المبسوط (٥). (أفاض) أي: رجع، وإنما قال: أفاض؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ﴾ [البقرة ١٩٨]. (على هيئتهم)؛ أي: وهو السكينة والوقار، قال ﵇: «ليس البِرُّ

стр. 2106

المُزْدَلِفَةَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ دَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ مُخَالَفَةِ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَمْشِي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي الطَّرِيقِ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَإِنْ خَافَ الرِّحَامَ فَدَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ وَلَمْ يُجَاوِزُ حُدُودَ عَرَفَةَ أَجْزَاهُ، في إيجافِ الخَيلِ ولا في إيضاع الإبل، عليكم بالسكينة والوقار». (إظهار مخالفة المشركين) روي أنه خطب عشية عرفة فقال: «أيها الناسُ إنّ أهل الجاهلية والأوثان كانوا يدفعون من عرفة غروب الشمس إذا تعممت بها رؤوس الجبال كعمائم الرّجالِ في وجوههم، وإنّ هَدْيَنا ليسَ كهديهم فادفعوا بعد غروب الشمس» فقد باشر ذلك إظهاراً لمخالفة المشركين، فليس لأحد أن يخالف ذلك. كذا في المبسوط (١). وفيه: زعم بعض الناس أن الإبضاع في بطن الوادي سُنَّة؛ لأن جابر روي أنه ﵇ أوضع راحلته فيه وجعل يقول: «إِلَيْكَ تَغْدُو سَلَمًا وَضِينُهَا … مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا … مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا» (٢)، ولسنا نقول به، وتأويله أن راحلته كلت في هذا الموضع فنخسها فانبعثت كما هو عادة الدواب لا أن يكون قصده الإبضاع (٣). وقال المحبوبي: السنة في المشي أن يتقدم الإمام على القافلة، وإن تقدم واحد على الإمام والقافلة؛ فعليه دم. وفي الفتاوى الظهيرية: فإذا غربت مشى على هيئته ويقول: "لا إله إلا الله والله أكبر، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، اللهم إليك أفضتُ ومن عذابِكَ أشْفَقْتُ، وإليك رَغِبْتُ، ومنك رَهِبْتُ، فَاقْبَلْ نُسُكِي، وَامْحُ حَوبَتي، وأعظم أجري، وزوّدني التقوى، وسلم ديني، وزدني علمًا وحلمًا " (٤).

стр. 2107

لِأَنَّهُ لَمْ يُفِضْ مِنْ عَرَفَةَ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ فِي مَقَامِهِ كَيْ لَا يَكُونَ آخِذًا فِي الأَدَاءِ قَبْلَ وَقْتِهَا، (فَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِفَاضَةِ الإِمَامِ لِخَوْفِ الزِّحَامِ فَلَا بَأسَ بِهِ). لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ بَعْدَ إِفَاضَةِ الإِمَامِ دَعَتْ بِشَرَابٍ فَأَفْطَرَتْ ثُمَّ أَفَاضَتْ. قَالَ: (وَإِذَا أَتَى مُزْدَلِفَةَ فَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بِقُرْبِ الجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ المِيقَدَةُ يُقَالُ لَهُ: قُزَحٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا الجَبَلِ، وَكَذَا عُمَرُ ﵁، وَيَتَحَرَّزُ فِي النُّزُولِ عَنْ الطَّرِيقِ كَيْ لَا يَضُرَّ بِالمَارَّةِ، فَيَنْزِلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الإِمَامِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. (لأنه لم يفض من عرفة)؛ فإنه لو جاوز قبل الإمام وقبل الغروب يجب عليه الدم، ولكن إن علا قبله ثم دفع مع الإمام منها بعده سقط الدم عنه. وتجيء هذه المسألة في الجنايات. (وإذا أتى مزدلفة) وقد بينا وجه قسمة المزدلفة؛ (فالأفضل) وفي بعض النسخ: (فالمستحب). (الميقدة يقال له قزح)، موضع بالمشعر الحرام كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار. وقزح: غير منصرف للعدل والعلمية كعمر من قزح الشيء ارتفع. كذا في المغرب (١). (لما بينا في الوقوف بعرفة) وهو قوله: (لأنه يدعو ويعلم). ويستحب أن يدخل مزدلفة ماشيًا؛ تعظيمًا لها. ويغتسل في الليل؛ للوقوف. وفي الفتاوى الظهيرية: فإذا أتى مزدلفة يقول: اللهم هذا جمع أسألك أن ترزقني فيه جوامع الخير كله، اللهم رب المشعر الحرام ورب الركن والمقام، ورب البلد الحرام، ورب المسجد الحرام؛ أسألك أن تُبَلِّغَ روح محمد مني السلام، أسألك بنور وجهك الكريم أن تغفر لي ذنوبي، وترحمني، وتجمع على الهدي أمري وتجعل على التقوي زادي وذخري، والجنة مابي، وهب لي رضاك عني في الدنيا والآخرة، يا من هو خير كله أعطني من الخير

стр. 2108

قَالَ: (وَيُصَلِّي الإِمَامُ بِالنَّاسِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِأَذَانِ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: بِأَذَانِ وَإِقَامَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِالجَمْعِ بِعَرَفَةَ. وَلَنَا: رِوَايَةُ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ كله، واصرف عني الشر كله، اللهم حرّم لحمي وعظمي وشحمي وسائر جوارحي على النار برحمتك يا أرحم الراحمين (١). وجمع اسم مزدلفة سمي به؛ لما ذكرنا من الاجتماع وهو بدون الألف، ويجوز بالألف في النصب، ويجوز صرفه؛ لأنه لم يجتمع فيه سببان. (بأذان وإقامة) أي: في وقت العشاء. (وقال زفر: بأذان وإقامتين) واختاره الطحاوي (٢)، وبه قال الشافعي في قول (٣)، وأبي ثور وابن الماجشون المالكي (٤)؛ لأنه مروي من فعله ﵇. وفي قول: بإقامتين دون أذان؛ لما روى ابن عمر أنه ﵇ صلاها كذلك (٥). وقال مالك: بأذانين وإقامتين (٦)، رُوي ذلك عن علي ﵁. (ولنا: رواية جابر) (٧)، وابن عمر (٨)، وخزيمة بن ثابت (٩) أنه ﵇ صلاها بأذان وإقامة. وما رواه عن ابن عمر محمول على الأذان والإقامة، ويسمى الأذان إقامة؛ لأن كل واحد يسمى باسم صاحبه؛ قال ﵇: «بينَ كُلِّ أذانين صلاةٌ لِمَنْ شاء» (١٠) يريد بين الأذان والإقامة. كذا في المبسوط.

стр. 2109

النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانِ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» وَلِأَنَّ العِشَاءَ فِي وَقْتِهِ فَلَا يُفْرَدُ بِالإِقَامَةِ إعْلَامًا، بِخِلَافِ العَصْرِ بِعَرَفَةَ، لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى وَقْتِهِ، فَأَفْرَدَ بِهَا لِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ (وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالجَمْعِ، وَلَوْ تَطَوَّعَ أَوْ تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ أَعَادَ الإِقَامَةَ لِوُقُوعِ الفَصْلِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ (ولأن العشاء في وقته) أي: مؤداة في وقتها؛ فاكتفى بإقامة واحدة. (لأنه) أي: العصر (مقدَّم على وقته) فلم يكن من الإعلام. ولهذا لم يشترط في هذا الجمع الجماعة بخلاف الجمع بعرفة وإن صح أنه ﵇ أفرد لها الإقامة فتأويله أنه اشتغل بين الصلاتين بنفل أو شغل آخر، وعندنا في مثل هذا الموضع تفرد الإقامة للعشاء، وقد ذكر في بعض روايات ابن عمر أنه بعد المغرب تعشى ثم أفرد الإقامة له. كذا في المبسوط (١). قوله: (ولو تطوع أو تشاغل)، قال شيخي: أي سوى بين التطوع والتشاغل بشيء آخر في إعادة الإقامة، وهو موافق ما ذكر في المبسوط، لكن أشير في مبسوط الإسبيجابي الذي اختصر من مبسوط البزدوي إليها في التطوع، وإلى إعادة الأذان والإقامة في التعشي وغيره (٢). فقيل: قال زفر: يعيدهما فيه؛ لأنه وقع الفصل به فتفرد الثانية بهما كما إذا فصل بالعشي، وفيه حديث عمر وابنه أنهما تعشيا بعد المغرب ثم صليا العشاء بأذان وإقامة (٣). ولكنا نقول: الجمع واجب ما أمكن، وتحقيق الاكتفاء بأذان واحد كما في الجمع بعرفة. قوله: (لوقوع الفصل) غير مسلّم؛ لأن التطوع بينهما تابع للمغرب بخلاف التعشي، إلا أنه أقيم ثانيًا ليتأهبوا للشروع مع الإمام، وتبين بهذا أن قوله: (وكان ينبغي أن يعيد الأذان) إلى آخره؛ إشارة إلى الجواب عن كلام زفر، إلا

стр. 2110

كَمَا فِي الجَمْعِ الأَوَّلِ بِعَرَفَةَ، إِلَّا أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِإِعَادَةِ الإِقَامَةِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى المَغْرِبَ بِمُزْدَلِفَةَ ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ أَفْرَدَ الإِقَامَةَ لِلْعِشَاءِ»، (وَلَا تُشْتَرَطُ الجَمَاعَةُ لِهَذَا الجَمْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ المَغْرِبَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ أَنَّ تمسكه بفعل النبي ﵇ مشكل (١)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا أنه ﵇ جمع بأذان وإقامة واحدة، واحتج به على زفر في إفراد الإقامة؛ فكان ذلك هو الثابت الصحيح عنده ضرورة، وبعد ثبوته لا يمكنه التمسك بما ذكره بعد؛ لأنه ﵇ لم يحج إلا مرة واحدة، فإذا لا يكون كلاهما، ولا يمكن حمل كل واحد من الروايتين على حالة حتى يتمسك بأحدهما في حال عدم الفصل كما هو المعروف في دفع التعارض؛ لأن الحمل إنما يستقيم إذا تصور الجمع وهاهنا غير ممكن؛ لأنه حكاية فعل ولا عموم له، فإذا ثبت أحدهما انتفى الآخر لا محالة؛ فلا سبيل فيه إلى الترجيح، وذلك في رواية جابر؛ لأنه ظهر عمل الصحابة على وفاق روايته مثل عمر وعلي وابن مسعود فإنهم يجمعون بأذان وإقامة واحدة. ذكر شيخ الإسلام: وإذا ترجحت هذه الرواية انتفت الأخرى وحملت على سهو الراوي، فلا يصح التمسك به لمن يثبت ترجيحه عنده؛ بل الصحيح أَنَّ هذا مروي عن عمر وابنه ﵄ كما ذكرنا دون النبي فحينئذ يصلح التمسك به (٢). قوله: (ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع عند أبي حنيفة) وهو إجماع؛ لأن صلاة العشاء مفعولة في وقتها وصلاة المغرب مؤخرة عن وقتها، ولو أخر بعذر آخر جاز القضاء منفردًا فكذا هاهنا، بخلاف الصلاة بعرفة فإن العصر مقدم على وقته، فلا يصح التقدم إلا على الوجه الذي ورد به الشرع، ولكن الأفضل أن يصلي مع الإمام بالجماعة؛ لأن الأداء بها أولى. كذا في الإيضاح (٣).

стр. 2111

الجَمْعِ بِعَرَفَةَ، لِأَنَّ العَصْرَ مُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهِ. قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى المَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ تُجْزِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا مَا لَمْ يَطْلُعُ الفَجْرُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُجْزِيهِ وَقَدْ أَسَاءَ (*)، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا صَلَّى بِعَرَفَاتٍ لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا، فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، إِلَّا أَنَّ التَّأخِيرَ مِنْ السُّنَّةِ فَيَصِيرُ مُسِيئًا بِتَرْكِهِ. وَلَهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِأَسَامَةَ ﵁ فِي طَرِيقِ مُزْدَلِفَةِ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» مَعْنَاهُ: وَقْتُ الصَّلَاةِ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّأْخِيرَ وَاجِبٌ، وقال المحبوبي: لا يشترط الإحرام والسلطان أيضًا عنده - أي عند أبي حنيفة - (١). (ومحمد) وبه قال زفر والحسن. (وقال أبو يوسف: يجزيه) وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد. وعن مالك: [ل] (٢) يعيد إلا بعذر. (وعلى هذا الخلاف إذا صلى) أي: المغرب (بعرفات). وفي الإيضاح: وكذا لو صلى العشاء الآخرة بعد دخول وقتها في الطريق؛ لأنها مرتبة على المغرب، فإذا لم تجز المغرب فما رتب عليه أولى بتركه أي: ترك التأخير المسنون (٣). (قال لأسامة) روي أنه ﵇ أردف أسامة، وقيل: نزل رسول الله ﷺ (في طريق مزدلفة) وقضى حاجته فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله فقال: («الصلاةُ أمَامَكَ» معناه) وقتها أو مكانها؛ لأنها فعل المصلي وفعله لا يتصور أن يكون أمامه؛ ولكن الصلاة ذكر ويراد وقتها. قال ﵇: «إنّ للصّلاةِ أوّلاً وآخراً» (٤) فإذا أداها في الطريق فقد

стр. 2112

وَإِنَّمَا وَجَبَ لِيُمْكِنَهُ الجَمْعُ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ بِالمُزْدَلِفَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مَا لَمْ يَطْلُع أداها قبل الوقت الثابت بهذا الخبر فوجبت الإعادة، كما إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة فإنه يؤمر بالقضاء حتى يأتي على الوجه الأكمل. فإن تعذر ذلك؛ يقع مجزئًا عنه، فكذا هاهنا. كذا في المختلفات. وفي الإيضاح: إلا أن الخبر من الآحاد فيوجب العمل لا العلم، فأمرناه بالإعادة ما دام وقت العشاء قائمًا، فإذا ذهب الوقت فلو أمرناه بها لحكمنا بفساد ما أدى، وهذا من باب العلم، وخبر الواحد لا يوجبه، فأما وجوبها في الوقت من باب العمل والأخذ بالاحتياط؛ فيعيد (١). وفي شرح المجمع: فتأخيره ﵇ إما لعدم الوقت أو لخلل فيه، أو لتقديم الإفاضة، وليس للأولين بدليل وقوعها صحيحة لعدم وجوب الإعادة بعد طلوع الفجر؛ إذ الفاسد لا ينقلب جائزا، فتعين أن يكون لتقديم الإفاضة. فإذا قدمها عليها يمكن فيها النقصان فأمرناه بالإعادة ما دام الوقت باقيًا جبرا له، فإذا فات وقتها؛ سقطت الإعادة كالأربع قبل الظهر تقضى ما دام الوقت باقيًا لإكمال الفرض وجبر نقصانه، فإذا فات الوقت لا تقضى. (وإنما وجب) أي: التأخير (ليمكنه الجمع) يعني: أنه مأمور بالتأخير عن وقته بالاتفاق، وذلك للجمع (بالمزدلفة)؛ لأن في الاشتغال بالصلاة في الطريق قطع مسيره، فإنها في الوقت فريضة فلا تسقط بهذا العذر، وهذا المعنى يفوت بأداء المغرب في الطريق؛ ولهذا تجب الإعادة بفوت وقت العشاء؛ لعدم إمكان إدراك فضيلة الجمع. فإن قيل: قوله ﵇: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ» (٢) الحديث خبر واحد يوجب الترتيب وتجب عليه الإعادة [وإن ذهب الوقت وهاهنا لم يجب بعد الوقت. قلنا: وجوب الإعادة] (٣) هناك؛ لوجوب الترتيب، وهو قائم ما لم يدخل

стр. 2113

الفَجْرُ لِيَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا، وَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لَا يُمْكِنُهُ الجَمْعُ فَسَقَطَت الإِعَادَةُ. حد الكثرة، وهاهنا وجوبها لرعاية الجمع فيفوت إمكان الجمع بفوات وقت العشاء، فلو قلنا بها بعد الوقت كان ذلك من باب العلم وهو لا يوجبه. وفيه تأمل (١). فإن قيل: قوله ﵇: «لَا صَلاةَ إلا بفاتحة الكتاب» (٢) لا يوجب الإعادة لو صلى بدونها ناسيًا أو عامدًا، وهاهنا وجبت ما دام الوقت باقيًا. قلنا: خبر الواحد يوجب العمل على وجه لا يؤدي إلى إبطال الكتاب، ثم هاهنا الإعادة من باب العلم ما دام الوقت باقيًا لما أنه صلى الوقت الثابت بخبر الواحد، وقبل الوقت لا يجوز؛ فتجب الإعادة كما في مسألة الترتيب. وأما خبر الفاتحة فقد عملنا به كما يليق بحاله حيث قلنا بوجوب سجدتي السهو إذا تركها ساهيًا، وبالإثم إذا تركها عامدًا، أما لو قلنا بالإعادة كان خبر الواحد مبطلاً لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل ٢٠] وذلك لا يجوز. فإن قيل: ففي حديث أسامة أيضًا القول بوجوب الإعادة في الوقت موجب لإبطال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]. قلنا: الإعادة فيه لنوع فساد اقتضاه خبر الواحد؛ لأن الفساد أقوى فلو قلنا بها بعد الوقت لكنا قائلين بالفساد القوي؛ فحينئذ كنا مبطلين موجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٠٣] ولا نقول به، ومثل هذا جائز؛ ألا ترى أنهم قالوا جميعًا في طواف المحدث: أنه [يعيد] (٣) عملا بخبر الواحد ما دام يمكن، وأن إطلاق قوله: ﴿وَلْيَطَوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يوجب الجواز، فإذا رجع؛ لم تلزمه الإعادة؛ لأنا لو أمرنا بذلك حتما لكان بسبب ما أدى وهو من باب العلم وخبر الواحد لا يوجبه. وعن هذا خرج الجواب عن قول أبي يوسف: أن من صلى المغرب في

стр. 2114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقته وقع صحيحًا أم فاسدًا؟ فإن وقع صحيحًا؛ لا تجب الإعادة أصلا، وإن وقع فاسدًا؛ تجب الإعادة في الوقت وبعده؛ لأن ما وقع فاسدًا لا ينقلب صحيحًا بمضي الوقت؛ لأنا نقول: أمره موقوف لنوع فساد اقتضاه خبر الواحد على وجه يظهر أثره في تأني الحال كما في طواف المحدث. على ما ذكرنا وهو المذكور في الأسرار وفي فوائد شيخي. فإن قيل: خبر أسامة خبر واحد؛ فلا يجوز تأخير المغرب عن وقته؛ لأن محافظة الوقت واجبة بالدلائل القطعية ولو كان من المشاهير يجب الإعادة على الإطلاق؛ لأنه مؤدٍ للمغرب قبل وقته الثابت بالحديث المشهور كما لو أداها قبل غروب الشمس. قلنا: وجوب التأخير ثبت بخير الجمع بمزدلفة، وهو أنه ﵇ جمع بينهما وهو من المشاهير فيجوز الزيادة به على الكتاب فصار العصر بعرفات والمغرب بمزدلفة وقتين أحدهما ثابت بالدليل القطعي والثاني ثابت بالسنة المشهورة إلا أنه مأمور بالأداء في الوقت الثابت بالسنة، فإذا أداها في الوقت الثابت في الكتاب ثبت له أصل الجواز وكان مسيئا؛ لمخالفة السنة المشهورة فيؤمر بالإعادة تحقيقا للجمع. فإذا فات وقت الجمع؛ لا فائدة في الأمر بها بعد ما ثبت جواز الأداء، وهذا كمن صلى الظهر يوم الجمعة ثم فاتت الجمعة لا يؤمر بالإعادة؛ لعدم الفائدة فعلم أن التأخير عن الوقت المقطوع لم يثبت بخبر الواحد؛ بل يثبت بالخبر المشهور، ووجوب الإعادة الثابت بالخبر لتحقق معنى الجمع لا لعدم الجواز، فلا تجب الإعادة بعد الفجر وعلم أن خبر أسامة من المشاهير؛ لتلقي الأمة إياه بالقبول، فتجوز الزيادة به أيضًا فسقطت الإعادة (١). وفي المبسوط: فلهذا قلنا: إذا بقي في الطريق حتى صار بحيث يعلم أنه لا يصل إلى المزدلفة قبل طلوع الفجر يصلي المغرب فيه ولا يؤخرها بعد ذلك (٢).

стр. 2115

قَالَ: (وَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ يُصَلِّي الإِمَامُ بِالنَّاسِ الفَجْرَ بِغَلَسٍ) لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّاهَا يَوْمَئِذٍ بِغَلَسِ» وَلِأَنَّ فِي التَّعْلِيسِ دَفْعَ حَاجَةِ الوُقُوفِ فَيَجُوزُ كَتَقْدِيمِ العَصْرِ بِعَرَفَةَ (ثُمَّ وَقَفَ وَوَقَفَ مَعَهُ النَّاسُ وَدَعَا) (وإذا طلع الفجر) أي: من يوم النحر. (لرواية ابن مسعود) عنه أنه قال: " ما صلى رسول الله ﷺ صلاة إلا بوقتها إلا صلاة العصر بعرفة والمغرب بجمع - أي: المزدلفة-، وصلاة الفجر يوم النحر؛ فإنه صلاها يومئذ قبل وقتها بغلس (١) أي: وقتها المعهود في سائر الأيام، وهو وقت الإسفار لا قبل الوقت، فإن في حديث جابر في الصحيحين: «فصَلَّى الفجرَ حِينَ تبيَّنَ الصّبحُ إلى أن قال: فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدا فدفع» (٢). (فيجوز كتقديم العصر) على وقتها للحاجة إلى الوقوف بعدها، فلأن يجوز التغليس بالفجر وهو وقتها كان أولى. قوله: (ثم وقف) أي: حيث شاء إلا وادي مُحَسِّر. وهذا إجماع. (ووقف معه الناس) أي: وراء الإمام. وفي الإيضاح: إن استطاع أن يكون موقفهم على الجبل الذي يقال له قزح، يعلوه ويدعو الله تعالى ويرفع يديه ويستقبل بهما وجهه بسطا؛ إليه [أشار] (٣) قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٩٨] والمشعر: موضع العلامة وهو جبل يقال له قزح (٤). وبه قال الشافعي (٥). وروى جابر أنه ﵇ ركب ناقته القصواء حتى أتى المشعر الحرام فوقف عليه واستقبل القبلة فحمد الله وهلل وكبر ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدا. وقيل: يكون من دعائه فيه: اللهم كما وفقتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك

стр. 2116

لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ فِي هَذَا المَوْضِعِ يَدْعُو، حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ فَاسْتُجِيبَ لَهُ دُعَاؤُهُ لِأُمَّتِهِ حَتَّى الدِّمَاءُ وَالمَظَالِمُ ثُمَّ هَذَا الوُقُوفُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِنَّهُ رُكْنٌ. كما هديتنا، واغفر لنا وارْحَمْنا كما وعَدْتَنا بقولك وقولك الحق، ثم قرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ٩٨]. ويستحب أن يقول في دفعه من المزدلفة: اللهم إليك أفضتُ، ومن عذابك أشْفَقْتُ، وإليك توجَّهْتُ، ومنك رَهِبتُ، اللهم تقبّل نسكي، وعظم أجري، وارحم تضرّعي، ويصلي على النبي عيه السلام. فإذا بلغ بطن محسر: أسرع إن كان ماشيًا، وحرَّك دابته إن كان راكبًا قدر رمية حجر. ذكره الكرماني، وهو إجماع (١). (حتى الدماء والمظالم) بالرفع فيهما. والمظالم جمع مظلمة وهو الظلم واسم للمأخوذ، وظلمًا يعني استجيب دعاؤه في الدماء والمظالم أيضًا، والأصل أن لا يستجاب لتعلق حقوق العباد بها. قيل في جوابه: يرضي الله الخصوم بالازدياد في مثوباتهم حتى تركوا خصوماتهم فيهما واستوجبوا المغفرة. عن ابن عباس بن مرداس عن النبي ﵇ أنه دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب: أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه، قال ﵇: «أي رَبِّ إِنْ شِئتَ أعطيت المظلوم من الخير وغفرت للظالم» فلم يُجَبْ، فلما أصبح بالمزدلفة دعا وأعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل» أخرجه ابن ماجه. قوله: (وقال الشافعي: إنه ركن) ثم نسبة هذا القول إليه وقع سهوا من الكاتب؛ لما أنه ذكر في كتبهم أنه سنة.

стр. 2117

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَبِمِثْلِهِ تَثْبُتُ الرُّكْنِيَّةُ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَدَّمَ ﷺ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ، وَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَالمَذْكُورُ فِيمَا تَلَا: الذِّكْرُ، وَهُوَ لَيْسَ بِرُكْنِ بِالإِجْمَاعِ، وذكر في المبسوط: الليث بن سعد مكان الشافعي. وفي الأسرار: علقمة، وفي فتاوى قاضي خان مالكًا مكانه. وذكر في المحيط: مالكا والشعبي وعلقمة مكانه، ونسبة هذا القول إليه سهو أيضًا؛ لأن الصحيح من مذهبه أن الوقوف بها سنة والنزول فيها واجب. وذكر في التحفة، والإيضاح، وغيرهما: الوجوب من غير ذكر خلاف. وذكر في الحلية: أنه ركن عند الشعبي والنخعي (١). (وبمثله تثبت الركنية)؛ لأنه أمر بالذكر عنده، والذكر يكون مع الوقوف فرضًا، ولو كان ركنا لما فعل ذلك؛ لأن ما هو ركن لا يجوز تركه للعذر. وفي الإيضاح: الركن لا يثبت إلا بدليل مقطوع به، وقد أجمعت الأمة أن الوقوف بعرفة وطواف الزيارة من جملة الأركان، وفي الوقوف بمزدلفة لم ينعقد الإجماع؛ بل الحديث ورد به، ولأنهم أجمعوا على فساد الحج قبل الوقوف بعرفة وبعده لا، وعدم الإدراك لوقته المعين مفوت للحج بخلاف سائر الأفعال (٢). وفي الأسرار: أصل الحج ثابت بالكتاب يقينا، وهو عبارة عن أركان فلا يثبت ركنه إلا بالطريق الذي [ثبت أصله. وقوله ﵊] (٣) «الحج عرفة»؛ فمثل هذه الصيغة صالح لإثبات الركنية فيلحق بالكتاب فيه دون غيره. (وهو) أي: الذكر (ليس بركن بالإجماع) فكيف تثبت ركنية الوقوف يعني: والإجماع منعقد على عدم ركنيته- المقتضى وهو الذكر-؛ فكيف تثبت

стр. 2118

وَإِنَّمَا عَرَفْنَا الوُجُوبَ بِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا المَوْقِفَ وَقَدْ كَانَ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ فَقَدْ تَمَّ حَجَّهُ عَلَّقَ بِهِ تَمَامَ الحَجِّ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَمَارَةٌ لِلْوُجُوبِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَهُ بِعُذْرٍ بِأَنْ يَكُونَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتِ امْرَأَةٌ تَخَافُ الرِّحَامَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا رَوَيْنَا. قَالَ: (وَالمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا وَادِيَ مُحَسّرٍ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ. قَالَ: (فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَفَاضَ الإِمَامُ وَالنَّاسُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتُوا مِنًى) قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ ركنية المقتضى وهو الوقوف مع أنه تبع للمقتضى، فلا يجوز أن يكون التبع أقوى حالاً من المتبوع، وهذا جواب للخصم عما استدل به. (وهذا) أي: تعليق تمام الحج به مع تقديم أهله لعذر الزحام (يصلح أمارة للوجوب) لما روينا وهو أنه ﵇ «قدِّم ضعفةَ أهله» (١). (لما روينا من قبل) وهو قوله ﵇: «ومزدلفة كلُّها موقفٌ وارتفعوا عن وادي مُحَسّر» (٢). وفي المحيط: وقت الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن أسفر جدا. وفي الإسبيجابي: لو جاوز حد المزدلفة قبل طلوع الفجر فعليه دم إلا لعلة أو ضعف، فخاف الزحمة؛ فدفع منها ليلا، ولو مر بها من غير أن يقف كالوقوف بعرفة جاز وفي التحفة: لو مر في جزء من أجزائها جاز. والمشعر الحرام والجمع: المزدلفة (٣). ومُحَسِّر بكسر السين وتشديده: اسم فاعل من حسَّر بالتشديد؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه: أي: أعيا وكلَّ عن السير - وهو واد بين منى والمزدلفة، وحكمه الإسراع فيه مخالفة للنصارى فإنه موقفهم.

стр. 2119

اللَّهُ تَعَالَى: هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ «المُخْتَصَرِ» وَهَذَا غَلَطٌ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْفَرَ أَفَاضَ الإِمَامُ وَالنَّاسُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. (إذا أسفر أفاض) وفي المبسوط: إذا أسفر جدا أفاض؛ لأن الكفار في الجاهلية كانوا يدفعون منها بعد طلوع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير، وهو اسم جبل؛ فأمر النبي ﵇ أصحابه بالدفع قبل الطلوع؛ مخالفة لهم كما في الدفع من عرفات، كذا روى عنه ﵇ جابر وابن عمر. وعن محمد: حد الإسفار أن يبقى إلى الطلوع مقدار الركعتين. وفي الكافي: يجوز أن يُؤَوّل، ويقال: جاز أن يراد بقوله: (وإذا طلعت) (١) أي: قربت إلى الطلوع، فإنه رُوي أنه ﵇ وقف بالمشعر الحرام حتى إذا كانت الشمس تطلع ثم دفع إلى منى، فكأنه اختار هذه العبارة لتفيد هذه الفائدة، وقال مالك: لا يقف إلى الإسفار جدًّا؛ بل يدفعون قبل ذلك (٢)، وخالف فيه الجماعة (٣). وفي الإيضاح: البيتوتة بالمزدلفة سُنّة (٤)، وقال الشافعي في القديم: مستحب (٥)، وهو رواية عن أحمد؛ فلا يجب بتركه دم (٦). وقال الشافعي في الجديد (٧)، ومالك (٨)، وأحمد في رواية (٩): واجبة حتى يجب بتركها دم؛ لأنه ﵇ بات بها وقال: «من ترك نسكًا فعليه دم» (١٠). ولنا أن ابن عباس قال: "كنت فيمن قدم بضعفة أهله من المزدلفة " (١١)،

стр. 2120

قَالَ: (فَيَبْتَدِئُ بِجَمْرَةِ العَقَبَةِ، فهذا يدل على جواز النفر من غير بيتوتة، وفعله ﵇ لا يدل على الوجوب؛ بل على السنة. وقال الشعبي، والنخعي، وأبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو بكر بن خزيمة من أصحابه: إنها ركن؛ لقوله ﵇: «مَنْ ترك المبيت بالمزدلفة فَلَا حَجَّ له» (١). ولنا: ما روي عن عروة بن المضرس أنه ﵇ قال: «من صلى هذه الصلاة معنا -يعني صلاة الصبح - يومَ النَّحرِ وأتى عرفات قبل ذلك؛ فقد تم حجه» (٢) ولأن الركنية تثبت بالدليل القطعي ولم يوجد. وقوله: (لا حج له)؛ يحتمل نفي الكمال والفضلية وهو محمل لو صح. قوله: (فيبتدئ بجمرة العقبة) سميت جمرة العقبة؛ لأنها جبل في طريق منى. كذا في مبسوط البكري (٣). وفي المغرب: الجمرة الحجر الصغير، وجمعها الجمار، وبها سموا المواضع التي ترمى: جِمَارٌ أو جَمَرَات؛ لما بينهما من الملابسة، وقيل: سميت جمرة العقبة: لتجمع ما هنالك من الحصاة من تجمر القوم إذا اجتمعوا، وجمر شعره إذا جمعه على قفاه (٤). وفي مبسوط شيخ الإسلام: إنما سمي جمرة؛ لأن إبراهيم ﵇ لما أمر بذبح الولد جاء الشيطان يوسوسه، فكان إبراهيم ﵇ يرمي إليه الأحجار طردا له، وكان يجمر بين يديه أي: يسرع في المشي والإجمار: الإسراع في المشي (٥). الحذف رمي الحصاة بالأصابع. وفي تاج المصادر: الحذف (سنك انداختن تانكثت).

стр. 2121

فَيَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَتَى مِنِّى لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ»، وَقَالَ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الخَذْفِ لَا يُؤْذِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا»، (وَلَوْ رَمَى بِأَكْبَرَ مِنْهُ جَازَ) لِحُصُولِ الرَّمْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ وفي المغرب: أن يضع طرف الإبهام على السبابة، وفعله من باب ضرب، وقد يطلق على الذي يرمي (١). وفي المستصفى: سمي ما يرمي به حذفًا. (فيرميها) أي: جمرة العقبة (من بطن الوادي)؛ أي: من أسفله إلى أعلاه هكذا رواه ابن عمر وابن مسعود في الصحيحين، والترمذي عن ابن مسعود أنه ﵇ لما رمى جمرة العقبة جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وفي رواية: «أنه استبطن» وقال ابن مسعود: هذا المقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة " (٢) وعليه عمل أهل العلم. ولو رماها من أعلاها جاز والأول السُّنَّةُ، فإن عمر رماها من أعلاها لكن للزحام. وإنما خص سورة البقرة؛ لأن معظم مناسك الحج فيها. وسُمِّي المِنَى مِنّى؛ لأن جبريل ﵇ فارق آدم وقال له: تَمَنَّ، فقال آدم ﵇: أتمنى الجنة؛ فسُمِّي الموضع مِنَى (٣). (لم يُعَرِّج على شيء) أي: لم يقف عنده، يقال: مررت به فما عرجت عليه؛ أي: ما وقفت، وعرج بالمكان: أقام. («عَلَيْكُمْ بِحَصَى الخَذَفِ») وقال ابن عباس: قال ﵇: «ائْتِينِي بِسَبْعِ حصيات مثل حَصَى الخَذَفِ» (٤)، قال الحسن في مناسكه: حصى الخذف مثل النواة. وقال الشافعي: تكون أصغر من الأنملة طولا وعرضا. (بأكبر منه)؛ أي: من حصى الخذف؛ يجزئه (٥).

стр. 2122

لَا يَرْمِي بِالكِبَارِ مِنْ الأَحْجَارِ كَيْ لَا يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ (وَلَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِ العَقَبَةِ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ مَا حَوْلَهَا مَوْضِعُ النُّسُكِ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي لِمَا رَوَيْنَا (وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) كَذَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃ (وَلَوْ سَبَّحَ مَكَانَ التَّكْبِيرِ أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الذِّكْرِ، وَهُوَ مِنْ آدَابِ الرَّمْيِ وفي المحيط: لكن لا يستحب. وعن أحمد لو رمى بحجر كبير لا يجزئه. وهذا بعيد (١). وقال مالك: يستحب أن يكون أكبر من حصى الخذف (٢)، وأنكر القرطبي - المالكي والشافعي عليه، وقالا: بعد ما صح عن قول الشارع أنه مثل حصى الخذف لا معنى لأكبر من ذلك. (لما روينا) وهو أنه ﵇ رمى هكذا. وفي الإسبيجابي والتحفة: يأخذ حصى الجمار من المزدلفة أو من الطريق (٣). وفي مناسك الحصيري (٤): جرى التوارث بحمل الحصا من جبل على الطريق فيحمل منه سبعين حصاة (٥). وفي مناسك الكرماني: يرفع منها سبع حصاة، وقال قوم: سبعين حصاة، قال: وليس مذهبنا. وقد نقل عن الشافعي كلاهما، ويكره كسر الحجارة إلا من عذر، ويستحب التقاطها من الطريق (٦). وفي المرغيناني: يستحب التقاطها من قوارع الطريق، وكان ابن عمر يأخذ الحصى من جمع ويكبر مع كل حصاة فيقول: بسم الله والله أكبر رغمًا للشيطان وحزبه، اللهم اجعل حجي مبرورًا وسعيي مشكورًا وذنبي مغفورًا (٧).

стр. 2123

(وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقِفْ عِنْدَهَا (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ) لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَى بِهَا جَمْرَةَ العَقَبَةِ». ثُمَّ كَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ أَنْ يَضَعَ الحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَيَسْتَعِينُ بِالمُسَبِّحَةِ، (ولا يقف عندها) أي: عند جمرة العقبة. (ويقطع التلبية مع أول حصاة) خلافًا لمالك وقد مر. وفي المحيط: القارن يقطعها عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: أنه يلبي ما لم يحلق أو تزول الشمس يوم النحر. ولو لم يرم حتى زالت الشمس روى الحسن عنه: أنه يلبي حتى يرميها، إلا أن تغيب الشمس فيقطعها إذا استلم الحجر، وهو رواية عن محمد. وعنه: أنه يلبي حتى مضي أيام النحر، وقال أبو يوسف: يقطعها بعد الزوال من يوم النحر. ولو ذبح قبل الرمي يقطعها إذا كان دم قرآن أو متعة. والمعتمر يقطعها إذا استلم الحجر. وفائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطعها حين يأخذ في الطواف. ولو كان قارنا يقطعها حتى يأخذ في الطواف الثاني، ويقطعها المحصر إذا ذبح هديه (١). قوله: (ثم كيفية الرمي) اختلف المشايخ فيها قال بعضهم: يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة كأنه عاقد سبعين. وقيل: يأخذها بطرف إبهامه وسبابته كأنه عاقد ثلاثين ويرميها. وقال بعضهم: يُحلّق سبابته ويضعها على مفصل إبهامه كأنه عقد عشرة ويرميها (٢). وبه قال الشافعي (٣). وفي الفتاوى الظهيرية: قال مشايخ بخارى: كيفما رمى فهو جائز، والأول أصح. كذا في المحيط (٤).

стр. 2124

وَمِقْدَارُ الرَّمْيِ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّامِي وَبَيْنَ مَوْضِعِ السُّقُوطِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا، كَذَا رَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ طَرْحًا (وَلَوْ طَرَحَهَا طَرْحًا أَجْزَأهُ) لِأَنَّهُ رَمَى إِلَى قَدَمَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، (وَلَوْ وَضَعَهَا وَضْعًا لَمْ يُجْزِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَمْيِ، (وَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ الجَمْرَةِ يَكْفِيهِ) لِأَنَّ هَذَا القَدْرَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، (وَلَوْ وَقَعَتْ بَعِيدًا مِنهَا لَا يُجْزِئه) لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةٌ إِلَّا فِي مَكَانَ مَخْصُوصِ (وَلَوْ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ المَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ الأَفْعَالِ، (وَيَأْخُذُ الحَصَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الجَمْرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ) لِأَنَّ مَا عِنْدَهَا مِنْ الحَصَى مَرْدُودٌ، هَكَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ (يكون طرحًا) وفي الطرح يكون مسيئًا؛ (لمخالفته السنة) فإن ذلك يكره (١). وبه قال: الشافعي (٢)، ومالك (٣). وقال أحمد (٤)، وابن شعبان المالكي (٥): يجزئه. وقال المزني: لا يجوز أن يرمي بما رمى هو به، وإن رماه غيره يجزئه (٦). وهو عجب من مذهب مالك، فإنه يجوز التوضؤ بالماء المستعمل، ولا يجوز الرمي بما قد رمي به من الأحجار، ومعلوم أن صفة الرمي لا تغير صفة الحجر. كذا في المبسوط. نسب هذا القول إلى مالك، ومذهبه ليس كذلك كما بينا، ويمكن أن يكون ذلك مذهب ابن شعبان المالكي. (جاء في الأثر) قال ﵇: «مَنْ قُبِلَتْ حَجَّتُهُ رُفِعَتْ جَمرَتهُ» (٧)، وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ما بال الجمار تُرمى من وقتِ الخليل ولم تصر هضابا أي تلالًا - تسدُّ الأفق؟ فقال: أما علمت أن من يقبل حجه

стр. 2125

فَيُتَشَاءَمُ بِهِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ لِوُجُودِ فِعْلِ الرَّمْيِ. (وَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ عِنْدَنَا) خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لأَنَّ الْمَقْصُودَ فِعْلُ الرَّمْيِ، وَذَلِكَ ترفع حصاه، ومن لم تقبل ترك حصاه» (١) قال مجاهد: لما سمعت هذا منه جعلت على حصياتي علامة ثم توسطت الجمرة فطلبت من كل جانب فلم أجدها. كذا في المبسوط (٢). (فَيَتَشَاءَمُ) أي: يعد شؤمًا تفاؤلا. ويستحب غسل الأحجار على المذهبين (٣)؛ لما روي عن عمر أنه كان يفعل ذلك فقيل له: لماذا تغتسل؟ قال: طلبا للثواب. قوله: (خلافًا للشافعي) فإن عنده لا يجوز بغير الحجر (٤). وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦): اعتبارًا للمتعارف المنقول من الرمي بالحصى، وقال ﵇: «عَلَيْكُمْ بِحَصْيِ الْخَذْفِ». وقال داود: يجوز الرمي بكل شيء حتى لو رمى بعصفور ميت أو بعرة؛ أجزأه؛ لأن المقصود التشبيه بإبراهيم ﵇ في إهانة الشيطان وأنه حاصل (٧). ولنا قوله ﵇: «أولُ نُسُكِنَا في هذا اليوم: الرَّمْيُ» ولم يعين. كذا في الإيضاح. ولأنه ﵇ يرمي بما كان على وجه الأرض. كذا في المبسوط البكري (٨). (وَذلك) أي: فعل الرمي. فإن المقصود إهانة [الشيطان] (٩)، وهذا يحصل

стр. 2126

يَحْصُلُ بِالطِّينِ كَمَا يَحْصُلُ بِالحَجَرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَمَى بِالذَّهَبِ أَوْ الفِضَّةِ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى نَثْرًا لَا رَمْيًا. قَالَ: (ثُمَّ يَذْبَحُ إِنْ أَحَبَّ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ بما كان من جنس الأرض، والحديث ليس مجرى على ظاهره فإنه لو رمي بغير حصى الحذف يجوز بالإجماع، فعلم أن المقصود إهانته كما ذكر (١). فإن قيل: على هذا الرمي بالفيروزج والياقوت؛ فإنهما من أجزاء الأرض [حتى] (٢) جاز التيمم بهما وحيث لم يعتد الرمي بهما. قلنا: الرمي بكل ما كان من جنس الأرض جائز بشرط وجود الاستهانة برميه، ولا تقع الإهانة برميهما؛ ولهذا قال الفقيه أبو جعفر البلخي: لو كان كفا من تراب مكان حصاة جاز؛ لأنه بمنزلة الحصاة في الاستهانة. كذا في مبسوط الإسبيجابي (٣). (لا رميًا) والمقصود إهانة الشيطان لا إعزازه؛ ولهذا يجوز الرمي بالبعرة عند بعض الناس. قوله: (أو يُقَصِّر)، وفي المبسوط: إنما يخير بين الحلق والتقصير، إذا لم يكن شعره ملبدا أو معقوصًا أو مضفرا، فإن كان لا يخير بل يلزم الحلق (٤)، وبه قال الشافعي في القديم (٥)، وأحمد (٦). وقال في الجديد: يجوز التقصير كما قال الجماعة (٧)؛ لأن التقصير لا يتهيأ

стр. 2127

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَرْمِيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ ثُمَّ نَحْلِقَ» وَلِأَنَّ الحَلْقَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَكَذَا الذَّبْحُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِهِ المُحْصَرُ فَيُقَدِّمَ الرَّمْيَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ الحَلْقُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الذَّبْحُ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الذَّبْحَ بِالمَحَبَّةِ، لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ المُفْرِدُ تَطَوُّعُ وَالكَلَامُ فِي المُفْرِدِ (وَالحَلْقُ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ» الحَدِيث، ظَاهِرُ بِالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الحَلْقَ أَكْمَلُ فِي قَضَاءِ التَّفَثِ له إلا بالنقض؛ لأن المقراض لا يعمل فيه، ومتى نقض تناثر شعره. إلا بالحلق أو بالتقصير، وليس للمحرم إزالة شعره بغيرهما. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: "من لبد شعر رأسه أو ضفر أو عقص؛ فعليه الحلق" (١). ويستحب أن يقول عند الحلق: اللهم هذه ناصيتي بيدك، فاجعل لي بكل شعرة نورًا يوم القيامة، اللهم بارك لي في نفسي واغفر لي ذنوبي وتقبل مني عملي برحمتك يا أرحم الراحمين (٢). (وَالكَلَامُ فِي المُفْرِدِ) ولأنه مسافر ولا أضحية عليه، ولو تطوع به يستحب لكن يذبحه بعد الرمي قبل الحلق. (ظَاهِرُ بِالتَّرَحُّمِ) يقال: ظاهر فلان؛ تبين بدنه إذا طارق، والمراد هاهنا التلفظ به مرارًا يعني كرر عليه لفظ "رحمة الله"؛ لأنه لما قال: «رحم الله المحلقين» قيل: والمقصرين؟ فقال أيضًا: «رحم الله المحلقين» ثلاثًا، حتى قال في الرابعة: «والمقصرين» فدل أن الحلق أفضل. كذا في المبسوط (٣)، وهذا بالإجماع (٤). (في قضاء التفث) أي إزالة الوسخ؛ لأن قضاء التفث: قص الشارب

стр. 2128

وَهُوَ المَقْصُودُ، وَفِي التَّقْصِيرِ بَعْضُ التَّقْصِيرِ فَأَشْبَهَ الاغْتِسَالَ مَعَ الوُضُوءِ. وَيَكْتَفِي فِي الحَلْقِ بِرُبْعِ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا بِالمَسْحِ، وَحَلْقُ الكُلِّ أَوْلَى والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. والتفث: الوسخ، والمراد هنا إزالته. ثم اختلف فيمن وجب عليه الحلق وليس على رأسه شعر. قيل: يجب عليه إمرار الموسى على رأسه. وبه قال: أصحاب الشافعي (١)، ومالك (٢)؛ لأن الواجب عليه إمرار الموسى وإزالة الشعر إلا أنه عجز عن أحدهما وقدر على الآخر، فما قدر عليه بقي وما عجز عنه سقط. وقال بعضهم: مستحب. وبه قال: الشافعي (٣)، وأحمد (٤)؛ لأن المقصود هو قضاء التفث لا يحصل به. كذا في فتاوى الولواجي. (وحلق الكل أولى) أي: أفضل. وبه قال الشافعي، وعنده أقل ما يجزئ حلق ثلاث شعرات أو تقصيرها (٥). وقال مالك (٦) وأحمد (٧): يحلق الكل أو الأكثر بناء على مسح الرأس. وفي جمل النوازل: المسنون حلق كله، وفي التقصير: تقصير رؤوس كل شعرة مقدار الأنملة، وهذا القدر مروي عن ابن عمر وعليه إجماع الأئمة، والمرأة فيه كالرجل (٨). وفي الولوالجي: تقصر ربع رأسها مقدار الأنملة، وكذا الرجل كل قرن بقدر الأنملة، ولو تَنَوَّرَ حتى زال شعره فهو كالحلق. وبه قال الشافعي (٩). ومن لا شعر له لو أمر موسى لا يأخذ من لحيته أو شاربه (١٠).

стр. 2129

اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﵊. وَالتَّقْصِيرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رُؤُوسِ شَعْرِهِ مِقْدَارَ الأَنْمُلَةِ. قَالَ: (وَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) وقال الشافعي: يأخذ استحبابًا (١) وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لأن ابن عمر فعل ذلك. وقلنا: فعل اتفاقا لا قصدًا؛ فقد روي أنه ﵇ حلق رأسه وقص أظافره، ولو كان حلق اللحية سنة لما تركه تعليمًا، ولما تركه كبار الصحابة. ويبدأ الحلق من يمين الحالق، وعند الشافعي من يمين المحلوق (٤)، فاعتبرنا يمين الحالق وهو يمين المحلوق. قال الكرماني: ذكره بعض أصحابنا ولم يعزه إلى أحد؛ بل الأولى اتباع السنة فإنه ﵇ بدأ بيمينه في الصحيح، وقد أخذ أبو حنيفة بقول الحجام [حين] (٥) قال له: إذن بالشَّقِّ الأيمن من رأسك، وفيه حكاية معروفة (٦). ثم الحلق نسك عندنا. وعند مالك (٧)، وأحمد (٨)، والشافعي في الصحيح (٩)، وفي قول له: استباحة محظور وليس بعبادة (١٠). ثم الترتيب -وهو أن يرمي ويذبح ثم يحلق - واجب؛ لقوله ﵇: «إن أول نسكنا أن نرمي ثم نذبح ثم نحلق» فيفيد الترتيب، وضابطه: ر ذ ح. وبه قال أحمد (١١).

стр. 2130

وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: وَإِلَّا الطِّيبَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الجِمَاعِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ: «حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» وَهُوَ مُقَدَّمُ عَلَى القِيَاسِ، (وَلَا يَحِلُّ لَهُ الجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ عِنْدَنَا)، خِلَافًا وقال الشافعي: الترتيب سنة (١)؛ لأن الناس سألوا النبي ﵇ بمنى فقال رجل: حلقت قبل الذبح ولم أشعر به قال: «اذْبَحْ ولا حرج» وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي ولم أُشْعِرْ قال ﵇: «ارم ولا حرج»، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «افْعَلْ [ولا حرج]» (٢) كذا في الصحيحين (٣). وقال مالك: لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه، ولو قدمه على الرمي لزمه دم (٤). (وقال مالك: وإلا الطيب أيضًا) (٥). وبه قال الشافعي في قول (٦) (لأنه) أي الطيب (من دواعي الجماع) كالمَسِّ والقُبلة؛ ولهذا حرم الطيب على المعتدة لهذا المعنى، والجماع بدواعيه لا يحل حتى يطوف. وروي عن عمر أنه قال: لا يحل الطيب " (٧)) أيضًا. (ولنا قوله ﵊: «إذا رَمَيْتُمْ وحَلَقْتُم حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّساء» (٨) وفي رواية: «أُحِلَّ لَكُمْ الطيب والثياب وكلُّ شيء إلا النساء». وروي عن عائشة وابن عباس أنهما قالا: " إذا حلق الحاج حل له كل شيء إلا النساء " (٩)، وقالت عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ الإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت " (١٠)، فرجحنا قولهما؛ لأن عائشة رفعته فقالت:

стр. 2131

لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالنِّسَاءِ فَيُؤَخَّرُ إِلَى تَمَامِ الإِحْلَالِ (ثُمَّ الرَّمْيُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. هُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالحَلْقِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي التَّحْلِيلِ. وَلَنَا: أَنَّ مَا يَكُونُ مُحَلِّلًا يَكُونُ جِنَايَةٌ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ كَالحَلْقِ، وَالرَّمْيِ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، "طيبت إلى آخره". ولأن حظر الطيب من جنس حظر المخيط وقص الأظافر والصيد، بدليل أن ارتكابه قبل الحلق يوجب الكفارة دون الفساد فيزول حظره بالحلق استدلالا بجنسه، بخلاف حظر الجماع؛ لأنه أقوى لما تعلق به من الفساد (١). وأما قوله: من دواعي الجماع فتبقى حرمته كالقبلة، غير مسلم؛ فإن الاستبراء يحرم الجماع بدواعيه ولا يحرم الطيب، وقول عمر محمول على الاحتياط أو على ما بعد الرمي قبل الحلق. وقال الليث بن سعد والشافعي في قول: يحل له كل شيء إلا النساء وقتل الصيد (٢)؛ لأنهما محرمان بنص القرآن، فما دامت حرمة أحدهما باقية كانت حرمة الآخر باقية ضرورة. وقلنا: هذا غير مسلم؛ لأنه ليس نظير للجماع؛ ولهذا يفسد الإحرام به ولا يفسد بقتل الصيد فكان هو نظير سائر المحظورات يرتفع بالحلق. وعن هذا الأصل قال الشافعي في قول: النكاح واللمس بشهوة، والوطء فيما دون الفرج، وقتل الصيد والطيب يرتفع بالحلق؛ لأنها لا تفسد الإحرام (٣). وقلنا: ما يقصد منه قضاء الشهوة بالنساء فحله مؤخر إلى تمام الإحلال بالطواف شرعًا؛ لما روينا، وفي الجماع في الفرج وفيما دونه سواء. كذا في المبسوط والأسرار (٤). قوله: (ما يكون محللا يكون جناية في غير أوانه) فإن قيل: دم الإحصار

стр. 2132

بِخِلَافِ الطَّوَافِ، لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالحَلْقِ السَّابِقِ لَا بِهِ. قَالَ: (ثُمَّ يَأْتِي مَكَّةَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ الغَدِ أَوْ مِنْ بَعْدِ الغَدِ، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا حَلَقَ أَفَاضَ إِلَى مَكَّةَ فَطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ عَادَ إِلَى مِنِّى وَصَلَّى الظَّهْرَ بِمِنًى». (وَوَقْتُهُ أَيَّامُ النَّحْرِ)، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الطَّوَافَ عَلَى الذَّبْحِ، قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلْيَطَوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا. محلل، وليس بمحظور للإحرام. قلنا: الأصل فيما شرع محلّلًا أن يكون محظورا للإحرام، وأما دم الإحصار فليس بأصل في التحلل، وإنما صير إليه ضرورة المنع. قوله: (بخلاف الطواف) يوهم أنه محلل وليس بجناية في غير أوانه، فقال دفعًا له: (التحلل بالحلق السابق). وفي الأسرار: لا يحل به؛ بل بالحلق الذي مر عند الطواف، فصار كأن الحلق أوجب بعض التحلل معجلًا وبعضه مؤجّلًا إلى الطواف، ليقع الطواف الذي هو ركن في الإحرام، وليتبين أنه دون الوقوف حيث لم يشرع في مطلق الإحرام، فأما أن يكون التحلل فلا من يومه ذلك، وهو أول أيام النحر. (ووقته) أي: وقت الطواف. قوله: (ثم قال ﴿وَلْيَطَّوَفُوا بِالْبَيْتِ﴾) عطف على النحر، والنحر مؤقت بأيام النحر فكذا الطواف؛ لأن حكمه حكم المعطوف عليه. فإن قيل: هذا الطواف يجوز أداؤه بعد أيام النحر ولو كان مؤقتًا لما جاز القضاء بعد الوقت كرمي الجمار والوقوف بعرفة. قلنا: إنما لا يجوز قضاؤهما بعد الوقت لا لأنهما مؤقتان؛ بل؛ لأن القضاء شرع بالتطوع والتطوع بهما غير مشروع بخلاف الطواف، فإن التطوع به مشروع. كذا في مبسوط بكر (١). (وقتهما) أي وقت النحر والطواف إلا أن الأضحية لم تشرع بعد أيام

стр. 2133

(وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ)، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَقْتُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالطَّوَافُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَأَفْضَلُ هَذِهِ الأَيَّامِ أَوَّلُهَا كَمَا فِي التَّضْحِيَةِ. وَفِي الحَدِيثِ: «أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا» (فَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَقِيبَ طَوَافِ القُدُومِ، لَمْ يَرْمُلْ فِي هَذَا الطَّوَافِ، وَلَا سَعْيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقَدِّمِ السَّعْيَ رَمَلَ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَسَعَى بَعْدَهُ) لِأَنَّ السَّعْيَ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا مَرَّةً، وَالرَّمَلُ مَا شُرِعَ إِلَّا مَرَّةً فِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ هَذَا الطَّوَافِ) لِأَنَّ خَتْمَ كُلِّ طَوَافٍ النحر، والطواف مشروع بعد ذلك ولكن يكره تأخيره عن هذه الأيام، وعليه دم التأخير عنها عند أبي حنيفة. (وأول وقته) أي: وقت الطواف (بعد طلوع الفجر من يوم النحر) كما في الرمي، وبه قال مالك (١)، وآخر وقته اليوم الثاني من أيام التشريق. وفي شرح القدوري: آخره آخر أيام التشريق عند أبي حنيفة (٢). وعند أبي يوسف ومحمد: آخره غير مؤقت. وبه أخذ الشافعي (٣) وأحمد (٤). وقال مالك: آخره بمضي ذي الحجة ويجيء بعد الأول المذكور (٥). وفي المحيط: وقال الشافعي وأحمد وأول وقته من نصف الليل، وأفضله ضحى نهاره، وآخره غير مؤقت (٦). وأصل الاختلاف في وقت الرمي كما يجيء. قوله: (في طواف بعده سعي)؛ لأنه ﵇ إنما رمل في طواف العمرة وهو طواف بعده سعي، ولأنه لو ثبت في طواف آخر لا سعي بعده يكون بالدلالة؛ أي: قياسًا ولا اعتبار لها مع وجود النص بخلافها، وهو قوله عليه

стр. 2134

بِرَكْعَتَيْنِ فَرْضًا كَانَ لِلطَّوَافِ أَوْ نَفْلًا لِمَا بَيَّنَا. قَالَ: (وَقَدْ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ) وَلَكِنْ بِالحَلْقِ السَّابِقِ إِذْ هُوَ المُحَلَّل لَا بِالطَّوَافِ، إِلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ عَمَلَهُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ. قَالَ: (وَهَذَا الطَّوَافُ السلام: «عَليكُم بالسكينة والوقار» (١) وهذا يتناول كل فعل الله تعالى. كذا في مبسوط البكري (٢). وحاصله: أن الرمي ثبت بخلاف القياس؛ لأنه ينافيها فيقتصر على مورد النص. وفي الينابيع: تأخير الرَّمَلِ إلى طواف الزيارة أفضل لما بينا، وهو قوله ﵇: «وليُصَلِّ الطائف لكل أسبوع ركعتين» والأمر للوجوب لا بالطواف؛ إذ الطواف ركن الحج، والتحلل عن العبادة إنما شرع بما هو محظورها كالحلق والسلام في الصلاة. (إلا أنه) الضمير للشأن أو للحلق (أخر عمله)؛ أي: عمل الحلق؛ لما ذكرنا أن الطواف لا يصلح للتحلل، وهذا كالطلاق الرجعي فإنه يحرم إلا أنه أخر عمله إلى انقضاء العدة؛ فإن الفرقة بعد انقضائها تضاف إلى الطلاق لا إلى الانقضاء (٣). قوله: (وهذا الطواف) أي: طواف الزيارة. وفي المبسوط: هو الحج الأكبر في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة ٣] والأفضل أداؤه في أول أيام النحر بالإجماع (٤). ثم الركن أكثره ثلاثة أشواط، نص عليه محمد في المبسوط، وما زاد عليه واجب ينجبر بالدم (٥)، وعند الثلاثة: جميعه ركن، حتى لو ترك خطوة منه أو من السعي بطل عندهم (٦).

стр. 2135

هُوَ المَفْرُوضُ فِي الحَجِّ وَهُوَ رُكْنٌ فِيهِ، إِذْ هُوَ المَأمُورُ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَيُسَمَّى طَوَافَ الإِفَاضَةِ وَطَوَافَ يَوْمِ النَّحْرِ (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ هَذِهِ الأَيَّامِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِهَا (وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهَا لَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة) وَسَنُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الجِنَايَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنّى فَيُقِيمُ بِهَا) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَجَعَ إِلَيْهَا كَمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ الرَّمْيُ وَمَوْضِعُهُ بِمِنّى (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ، فَيَبْدَأُ بِالَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْمِي الَّتِي تَلِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ وَيَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ كَذَلِكَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) هَكَذَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ فِيمَا نَقَلَ مِنْ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ مُفَسِّرًا، (وَيَقِفُ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ فِي وأهل العراق يسمونه: طواف الزيارة. وأهل الحجاز: طواف الإفاضة. ويقال له: طواف يوم النحر وطواف الركن. وفي التنبيه للشيرازي: ويخطب الإمام يوم النحر بعد الظهر يُعَلِّمُ الناس النحر والرمي والإفاضة (١). وبه قال أحمد (٢)؛ لما روي أنه ﵇: خطب على ناقته العضباء يوم النحر (٣). وعندنا، ومالك (٤): لا خطبة يوم النحر لتقدمها يوم عرفة، وفي خطبته ﵇ يوم النحر اضطراب كبير فلا تكون حجة، وقد صح أنه ﵇ خطب يوم الثاني من النحر. (ثم يعود) أي: بعد طواف الزيارة كما روينا وهو قوله: «لما حلق أفاض إلى مكة» الحديث. (فيرميها) أي: من بطن الوادي ثم يأتي المقام الذي يصلي فيه الناس،

стр. 2136

المَقَامِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵊، وَيَدْعُو بِحَاجَتِهِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ فيقوم ويحمد الله ويثني عليه، ويهلل ويكبر ويصلي على النبي ﵊، ويدعو بحاجته، يريد بقوله: (ثم يأتي المقام) إلى آخره؛ أعلى الوادي، ثم يرمي الجمرة الوسطى. كذا في الإيضاح والمبسوط (١). وفي المستصفى: للجمرة التي تلي مسجد الخيف أربعة أسامي: أحدها: الجمرة الأولى؛ لأنها أول جمرة من الجمار. وجمرة الدنيا، تأنيث الأدنى لهذا المعنى. وجمرة القصوى؛ لأنها أقصى الجمار من مكة. والحاصل: أن الإمام في اليوم الثاني من النحر يُصلّي الظهر في مسجد الخيف -وهو مسجد إبراهيم ﵇ ويخطب بعدها خطبة ما بقي من مناسكهم؛ لأنها آخر الخطب الثلاث، ثم يأتى الجمار والجمرة التي تلي المسجد. (ويقف عندها) أي: عند الجمرة الأولى. (عند الجمرتين) (٢) أي: الأولى والوسطى. (في المقام الذي يقف فيه الناس) يريد به أعلى الوادي. كذا في المحيط (٣). (ويدعو بحاجته) وفي المحيط: لم يؤقت محمد في الدعاء. وذكر أبو يوسف في مناسكه لهارون الرشيد ويقول: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورًا، اللهم إليك أفضتُ، ومن عذابك أشفقتُ، وإليك رهبتُ، فاقبل نسكي، وعظم أجري وارحم تضرعي واقبل توبتي، واستجب دعائي، وأعطني سؤلي. ثم يأتي جمرة الوسطى ويصنع كما في الأولى. ولو لم يقف عند الجمرتين؛ لم يلزمه شيء.

стр. 2137

مِنْ جُمْلَتِهَا عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ، وَالمُرَادُ رَفْعُ الأَيْدِي بِالدُّعَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي دُعَائِهِ فِي هَذِهِ المَوَاقِفِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ويرفع يديه للدعاء حذو منكبيه: نص عليه محمد. ويجعل بطون كفيه إلى السماء بخلاف الافتتاح. قال ابن المنذر: رفع اليدين بالدعاء في المقامين إجماع، ولا نعلم أحداً أنكر ذلك غير مالك، واتباع السنة أولى، وقد ثبت ذلك عنه ﵇ في المقامين (١). وقال الكرماني والمرغيناني: يرفعهما حذو منكبيه بسطاً. وفي الينابيع: يرفعهما عقيب كل حصاة بالدعاء (٢). (من جملتها) أي: من جملة سبعة مواطن (الجمرتين). في المبسوط: فهذا دليل على أنه يقف عندهما ولا يقف عند جمرة العقبة (٣). ثم لا يشترط الترتيب عندنا في المكان، وعند الشافعي (٤)، وأحمد يشترط (٥)، وتفسيره ما قال في شرح الوجيز: إن رمى الجمرة التي تلي المسجد أيام التشريق ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، حتى لا يعتد بالثانية قبل تمام الأولى، وبالثالثة قبل تمام الأوليين (٦). وعندنا: لو بدأ بجمرة العقبة؛ جاز، ولو رمى من كل جمرة أربعة أتمها. ويستأنف الثانية عنده، ومذهبه أفضل عندنا (٧). وجه قوله: أنه لو ترك الترتيب قبل الإتمام لا يجوز كما لو أتى من كل واحدة بثلاث. ولنا: أنه قد أتى بأكثرها، وللأكثر حكم الكل، فصار كأنه أتى بالكل على

стр. 2138

لِلْحَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحَاجُّ» ثُمَّ الأَصْلُ أَنَّ كُلَّ رَمْيِ بَعْدَهُ رَمْيٌ يَقِفُ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ فِي وَسَطِ العِبَادَةِ فَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ فِيهِ، وَكُلُّ رَمْيِ لَيْسَ بَعْدَهُ رَمْيٌ، لَا يَقِفُ لِأَنَّ العِبَادَةَ قَدِ انْتَهَتْ، وَلِهَذَا لَا يَقِفُ بَعْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَيْضًا. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ مِنْ الغَدِ رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ النَّفْرَ إِلَى مَكَّةَ نَفَرَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي اليَوْمِ الترتيب؛ لأنه - أي الرمي - عبادة، وإذا كان في وسطها ينبغي أن يقف؛ لأن اللائق فيها الوقار والسكينة، بخلاف ما إذا لم يكن بعده رمي؛ لأن العبادة لا تبقى. فإن قيل: الأصل أن الدعاء بعدها كما في الصلاة. قلنا: لا، بل الأصل أن يكون الدعاء مقترنا بها، وإنما أخرت في حق الصلاة لعدم جواز التكلم فيها. كذا قيل. والأولى أن يتمسك فيه بفعل النبي ﵇؛ فإنه ﵇ وقف عند الجمرتين، ووقوفه في الوسطى أكثر مما وقف في الجمرة الأولى، ولم يقف عند جمرة العقبة. (وإذا كان من الغد) وهو اليوم الثالث من أيام النحر. (النفر): الرجوع والذهاب إلى مكة. (وإن أراد أن يقيم) أي: بمنى. وفي الخلاصة: أيام النحر ثلاثة، والتشريق ثلاثة، وستة أيام تمضي بأربعة أيام؛ فإن اليوم الأول: نحر خاص، واليوم الثاني والثالث: نحر وتشريق، والرابع: تشريق خاص، ويسمى اليوم الأول يوم النحر. ويوم القَرِّ الثاني من النحر؛ لأن الناس يقرّون في ذلك اليوم بمنى للنحر والرمي، وسماه في الحديث: يوم الرؤوس؛ لأن الناس يأكلون فيه الرؤوس. واليوم الثالث من النحر سماه في الحديث يوم الأكارع؛ لأنهم يأكلون فيه الكارع ويسمى اليوم الثالث من النحر: يوم النفر الأول، واليوم الرابع من التشريق يوم النفر العام.

стр. 2139

الرابعُ بعدَ زَوَال الشَّمْسِ) لِقَوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُقِيمَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالسَّلامَ صَبَرَ حَتَّى رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي اليَوْمِ الرَّابع». وَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ مِنَ اليَوْمِ الرَّابِعِ، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ لِدُخُولِ وَقْتِ الرَّمْيِ، وَفِيْهِ خِلافُ الشَّافِعِيِّ ﵀. (فِي يَوْمَيْنِ) أيام النحر؛ أي: فمن عجل النفر؛ واستعجل النفر، وتعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، ومتعديتين، والمطاوعة أوفق؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. كذا في الكشاف. ومعنى الآية؛ أي: من نفر بعد ما رمى الجمار الثلاث اليوم الثاني من أيام التشريق فلا إثم عليه. فإن قيل: أليس المتأخر بأفضل. قلنا: بلى، ويجوز التخيير بين الفاضل والمفضول كما خير المسافرين بين الصوم والإفطار مع أن الصوم أفضل. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين، منهم من يجعل التعجيل إثماً، ومنهم من جعل التأخير إثماً، فورد القرآن بنفي المآثم عنهما. ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: ذلك التخيير ونفي المآثم فيهما للحاج المتقي الذي يتقي معاصي الله تعالى. خلافاً للشافعي فإن عنده ينقطع خيار النفر بغروب الشمس من اليوم الثالث حتى لو غربت لم ينفر؛ بل يثبت ويرمي في اليوم الرابع (١). وبه قال: مالك (٢)، وأحمد (٣)، وأبو حنيفة في رواية (٤)؛ لما روي عن عمر أنه قال: "من أدرك المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس (٥) ".

стр. 2140

(وَإِنْ قَدَّمَ الرَّمْيَ فِي هَذَا اليَوْمِ) يَعْنِي: (اليَوْمَ الرَّابِعَ قَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الأَيَّامِ (*)، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي رُخْصَةِ النَّفْرِ، فَإِذْ لَمْ يُتَرَخَصِ التَّحِقَ بِهَا، وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ أَثَرُ التَّخْفِيفِ فِي هَذَا اليَوْمِ فِي حَقِّ التَّرْكِ، فَلَأَنْ يَظْهَرَ فِي جَوَازِهِ فِي الأَوْقَاتِ كُلِّهَا أَوْلَى، بِخِلَافِ اليَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي، حَيْثُ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ ولأن المنصوص الذي عليه الخيار اليوم، وامتداده إلى الغروب. وقلنا: الليل ليس بوقت رمي اليوم الرابع؛ لأن ليلة يوم الرابع ملحقة باليوم الثالث في حق الرمي؛ بدليل أنه لو ترك رمي اليوم الثالث ورمي في هذه الليلة يجوز، فصارت هذه الليلة بمنزلة اليوم فيكون خياره في الثغر ثابتا فيه كما قبل الغروب؛ بخلاف ما بعد طلوع الفجر فإنه وقت الرمي فلا يبقى خياره بعد ذلك، وقد عرف أن الليالي فيها تابعة للأيام الماضية، فكما كان خياره ثابتا في اليوم الثالث فكذا في الليلة التي بعده. وما روي عن عمر غير مشهور، ولو ثبت يحمل على بيان الأفضلية. (وقالا: لا يجوز) وبه قال: الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، اعتبارًا بسائر الأيام، ولأنه ﵇ رمى فيه بعده وكان الرمي عبادة لا تعرف بالقياس فيقتصر على مورد النص. (ومذهبه) أي: مذهب أبي حنيفة (مروي عن ابن عباس) فإنه قال: " إذا افتتح النهار أيام التشريق؛ جاز الرمي " فهذا قول روي عنه ولم يرو عن أقرانه خلافه، فحل محل الإجماع. كذا في المبسوط (٤). وعن أحمد في رواية مثل قول ابن عباس (٥).
следующие страницы →