المَقَامِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵊، وَيَدْعُو بِحَاجَتِهِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ
فيقوم ويحمد الله ويثني عليه، ويهلل ويكبر ويصلي على النبي ﵊، ويدعو بحاجته، يريد بقوله: (ثم يأتي المقام) إلى آخره؛ أعلى الوادي، ثم يرمي الجمرة الوسطى. كذا في الإيضاح والمبسوط (١).
وفي المستصفى: للجمرة التي تلي مسجد الخيف أربعة أسامي:
أحدها: الجمرة الأولى؛ لأنها أول جمرة من الجمار. وجمرة الدنيا، تأنيث الأدنى لهذا المعنى. وجمرة القصوى؛ لأنها أقصى الجمار من مكة.
والحاصل: أن الإمام في اليوم الثاني من النحر يُصلّي الظهر في مسجد الخيف -وهو مسجد إبراهيم ﵇ ويخطب بعدها خطبة ما بقي من مناسكهم؛ لأنها آخر الخطب الثلاث، ثم يأتى الجمار والجمرة التي تلي المسجد.
(ويقف عندها) أي: عند الجمرة الأولى.
(عند الجمرتين) (٢) أي: الأولى والوسطى.
(في المقام الذي يقف فيه الناس) يريد به أعلى الوادي. كذا في المحيط (٣).
(ويدعو بحاجته) وفي المحيط: لم يؤقت محمد في الدعاء.
وذكر أبو يوسف في مناسكه لهارون الرشيد ويقول: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورًا، اللهم إليك أفضتُ، ومن عذابك أشفقتُ، وإليك رهبتُ، فاقبل نسكي، وعظم أجري وارحم تضرعي واقبل توبتي، واستجب دعائي، وأعطني سؤلي.
ثم يأتي جمرة الوسطى ويصنع كما في الأولى.
ولو لم يقف عند الجمرتين؛ لم يلزمه شيء.
стр. 2137
مِنْ جُمْلَتِهَا عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ، وَالمُرَادُ رَفْعُ الأَيْدِي بِالدُّعَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي دُعَائِهِ فِي هَذِهِ المَوَاقِفِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ
ويرفع يديه للدعاء حذو منكبيه: نص عليه محمد.
ويجعل بطون كفيه إلى السماء بخلاف الافتتاح.
قال ابن المنذر: رفع اليدين بالدعاء في المقامين إجماع، ولا نعلم أحداً أنكر ذلك غير مالك، واتباع السنة أولى، وقد ثبت ذلك عنه ﵇ في المقامين (١).
وقال الكرماني والمرغيناني: يرفعهما حذو منكبيه بسطاً.
وفي الينابيع: يرفعهما عقيب كل حصاة بالدعاء (٢).
(من جملتها) أي: من جملة سبعة مواطن (الجمرتين). في المبسوط: فهذا دليل على أنه يقف عندهما ولا يقف عند جمرة العقبة (٣).
ثم لا يشترط الترتيب عندنا في المكان، وعند الشافعي (٤)، وأحمد يشترط (٥)، وتفسيره ما قال في شرح الوجيز: إن رمى الجمرة التي تلي المسجد أيام التشريق ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، حتى لا يعتد بالثانية قبل تمام الأولى، وبالثالثة قبل تمام الأوليين (٦).
وعندنا: لو بدأ بجمرة العقبة؛ جاز، ولو رمى من كل جمرة أربعة أتمها.
ويستأنف الثانية عنده، ومذهبه أفضل عندنا (٧).
وجه قوله: أنه لو ترك الترتيب قبل الإتمام لا يجوز كما لو أتى من كل واحدة بثلاث.
ولنا: أنه قد أتى بأكثرها، وللأكثر حكم الكل، فصار كأنه أتى بالكل على
стр. 2138
لِلْحَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحَاجُّ» ثُمَّ الأَصْلُ أَنَّ كُلَّ رَمْيِ بَعْدَهُ رَمْيٌ يَقِفُ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ فِي وَسَطِ العِبَادَةِ فَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ فِيهِ، وَكُلُّ رَمْيِ لَيْسَ بَعْدَهُ رَمْيٌ، لَا يَقِفُ لِأَنَّ العِبَادَةَ قَدِ انْتَهَتْ، وَلِهَذَا لَا يَقِفُ بَعْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَيْضًا.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ مِنْ الغَدِ رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ النَّفْرَ إِلَى مَكَّةَ نَفَرَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي اليَوْمِ
الترتيب؛ لأنه - أي الرمي - عبادة، وإذا كان في وسطها ينبغي أن يقف؛ لأن اللائق فيها الوقار والسكينة، بخلاف ما إذا لم يكن بعده رمي؛ لأن العبادة لا تبقى.
فإن قيل: الأصل أن الدعاء بعدها كما في الصلاة.
قلنا: لا، بل الأصل أن يكون الدعاء مقترنا بها، وإنما أخرت في حق الصلاة لعدم جواز التكلم فيها. كذا قيل.
والأولى أن يتمسك فيه بفعل النبي ﵇؛ فإنه ﵇ وقف عند الجمرتين، ووقوفه في الوسطى أكثر مما وقف في الجمرة الأولى، ولم يقف عند جمرة العقبة.
(وإذا كان من الغد) وهو اليوم الثالث من أيام النحر.
(النفر): الرجوع والذهاب إلى مكة.
(وإن أراد أن يقيم) أي: بمنى.
وفي الخلاصة: أيام النحر ثلاثة، والتشريق ثلاثة، وستة أيام تمضي بأربعة أيام؛ فإن اليوم الأول: نحر خاص، واليوم الثاني والثالث: نحر وتشريق، والرابع: تشريق خاص، ويسمى اليوم الأول يوم النحر.
ويوم القَرِّ الثاني من النحر؛ لأن الناس يقرّون في ذلك اليوم بمنى للنحر والرمي، وسماه في الحديث: يوم الرؤوس؛ لأن الناس يأكلون فيه الرؤوس.
واليوم الثالث من النحر سماه في الحديث يوم الأكارع؛ لأنهم يأكلون فيه الكارع ويسمى اليوم الثالث من النحر: يوم النفر الأول، واليوم الرابع من التشريق يوم النفر العام.
стр. 2139
الرابعُ بعدَ زَوَال الشَّمْسِ) لِقَوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُقِيمَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالسَّلامَ صَبَرَ حَتَّى رَمَى الجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي اليَوْمِ الرَّابع». وَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ مِنَ اليَوْمِ الرَّابِعِ، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ لِدُخُولِ وَقْتِ الرَّمْيِ، وَفِيْهِ خِلافُ الشَّافِعِيِّ ﵀.
(فِي يَوْمَيْنِ) أيام النحر؛ أي: فمن عجل النفر؛ واستعجل النفر، وتعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، ومتعديتين، والمطاوعة أوفق؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. كذا في الكشاف.
ومعنى الآية؛ أي: من نفر بعد ما رمى الجمار الثلاث اليوم الثاني من أيام التشريق فلا إثم عليه.
فإن قيل: أليس المتأخر بأفضل.
قلنا: بلى، ويجوز التخيير بين الفاضل والمفضول كما خير المسافرين بين الصوم والإفطار مع أن الصوم أفضل.
وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين، منهم من يجعل التعجيل إثماً، ومنهم من جعل التأخير إثماً، فورد القرآن بنفي المآثم عنهما.
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: ذلك التخيير ونفي المآثم فيهما للحاج المتقي الذي يتقي معاصي الله تعالى.
خلافاً للشافعي فإن عنده ينقطع خيار النفر بغروب الشمس من اليوم الثالث حتى لو غربت لم ينفر؛ بل يثبت ويرمي في اليوم الرابع (١). وبه قال: مالك (٢)، وأحمد (٣)، وأبو حنيفة في رواية (٤)؛ لما روي عن عمر أنه قال: "من أدرك المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس (٥) ".
стр. 2140
(وَإِنْ قَدَّمَ الرَّمْيَ فِي هَذَا اليَوْمِ) يَعْنِي: (اليَوْمَ الرَّابِعَ قَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الأَيَّامِ (*)، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي رُخْصَةِ النَّفْرِ، فَإِذْ لَمْ يُتَرَخَصِ التَّحِقَ بِهَا، وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ أَثَرُ التَّخْفِيفِ فِي هَذَا اليَوْمِ فِي حَقِّ التَّرْكِ، فَلَأَنْ يَظْهَرَ فِي جَوَازِهِ فِي الأَوْقَاتِ كُلِّهَا أَوْلَى، بِخِلَافِ اليَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي، حَيْثُ لَا يَجُوزُ الرَّمْيُ
ولأن المنصوص الذي عليه الخيار اليوم، وامتداده إلى الغروب.
وقلنا: الليل ليس بوقت رمي اليوم الرابع؛ لأن ليلة يوم الرابع ملحقة باليوم الثالث في حق الرمي؛ بدليل أنه لو ترك رمي اليوم الثالث ورمي في هذه الليلة يجوز، فصارت هذه الليلة بمنزلة اليوم فيكون خياره في الثغر ثابتا فيه كما قبل الغروب؛ بخلاف ما بعد طلوع الفجر فإنه وقت الرمي فلا يبقى خياره بعد ذلك، وقد عرف أن الليالي فيها تابعة للأيام الماضية، فكما كان خياره ثابتا في اليوم الثالث فكذا في الليلة التي بعده.
وما روي عن عمر غير مشهور، ولو ثبت يحمل على بيان الأفضلية.
(وقالا: لا يجوز) وبه قال: الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، اعتبارًا بسائر الأيام، ولأنه ﵇ رمى فيه بعده وكان الرمي عبادة لا تعرف بالقياس فيقتصر على مورد النص.
(ومذهبه) أي: مذهب أبي حنيفة (مروي عن ابن عباس) فإنه قال: " إذا افتتح النهار أيام التشريق؛ جاز الرمي " فهذا قول روي عنه ولم يرو عن أقرانه خلافه، فحل محل الإجماع. كذا في المبسوط (٤).
وعن أحمد في رواية مثل قول ابن عباس (٥).
стр. 2141
فِيهِمَا إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ فِي المَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فِيهِمَا فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ المَرْوِيِّ. (فَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَأَوَّلُ وَقْتِ الرَّمْيِ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَوَّلُهُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ،
قوله: (المشهور من الرواية)، وهو ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة: لو رمى فيهما قبل الزوال جاز وهو رواية المنتقى كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمحيط (١).
وفي المبسوط: روى الحسن عنه أنه من كان قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلا بعده؛ لأنه إذا كان من قصده التعجيل فربما يلحقه بعض الحرج في تأخير الرمي إلى ما بعده بألا يصل إلى مكة إلا بالليل فهو محتاج إلى أن يرمي قبله ليصل إلى مكة بالنهار فيرى موضع نزوله فيرخص له في ذلك، ويحمل فعله ﵇ على الأفضل (٢).
وفي ظاهر الرواية: هذا اليوم الثالث نظير اليوم الثاني؛ فإنه ﵇ رمى فيه بعد الزوال؛ فلا يجزئه الرمي قبله؛ لأن كون الرمي عبادة خلاف القياس فينتهي إلى ما أنهانا الشرع إليه.
(على الأصل المروي) وهو ما روى جابر أنه ﵇ رمى العقبة قبل الزوال يوم النحر، ورمى في بقية الأيام بعد الزوال.
قوله: (من وقت طلوع الفجر) وبه قال: مالك (٣)، وأحمد في رواية (٤)، والثوري والنخعي ومجاهد.
(وقال الشافعي) (٥) وأحمد (٦)، وعطاء: (أوله بعد نصف الليل)؛ أي: ليلة النحر؛ لكن المستحب أن يرمي بعد طلوع الشمس اقتداء بالنبي ﵇.
стр. 2142
لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ العَقَبَةِ إِلَّا مُصْبِحِينَ»
وجه جوازه بعد نصف الليل: أنه ﵇ (رخص للرعاء) جمع راعي (أن يرموا ليلًا). وأن عائشة روت أنه ﵇: أرسل بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الصبح فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون النبي ﵇ عندها. رواه أبو داود (١).
وروي أن أسماء كانت ترمي بالليل وقالت: كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ (٢).
وقال مجاهد والنخعي والثوري: أول وقته طلوع الشمس؛ لحديث ابن عباس أنه ﵇ قدم ضعفة أهله من المزدلفة، وجعل يَلْطَحُ - بالحاء غير المعجمة؛ أي: يضرب بلين - أفخاذهم ويقول: «يَا أُغَيْلَمَةَ بنِي عبد المطلبِ لَا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحِينَ» (٣)، والإصباح: يوجد بعد الفجر؛ فيعمل بالحديثين فنقول: يثبت أول الوقت بحديثنا، ووقت الأفضل؛ لحديث ابن عباس، ويحمل ما رواه الشافعي على الليلة الثانية والثالثة. كذا في المبسوط (٤).
ولأنه ﵇ أمر أم سلمة أن تُفِيض بالليل، وصلت صلاة الصبح [بمكة] (٥) قبل إفاضة النبي ﵇، ثم رجعت بالنهار وترمي، وقد روي هذا الحديث بطرق، وليس فيه أنه ﵇ أمرها أن ترمي ليلا، ولأن بين مكة وجمرة العقبة ميلين؛ فيجوز أن تكون رمت أول الصبح، ثم صلت الصبح بمكة، وحديث أسماء منقطع (٦).
قال ابن المنذر: دفع أحمد حديث أم سلمة، ولا أحسب ثبت عن أسماء ذلك. كذا في الإشراف.
стр. 2143
وَيُرْوَى: «حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» فَيَثْبُتُ أَصْلُ الوَقْتِ بِالأَوَّلِ وَالأَفْضَلِيَّةُ بِالثَّانِي. وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، وَلِأَنَّ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَقْتُ الوُقُوفِ، وَالرَّمْيِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ وَقْتُهُ بَعْدَهُ ضَرُورَةً. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَمْتَدُّ هَذَا الوَقْتُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا اليَوْمِ الرَّمْيُ»، جَعَلَ اليَوْمَ وَقْتًا لَهُ وَذَهَابَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا. (وَإِنْ أَخَّرَ إِلَى اللَّيْلِ رَمَاهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ الرُّعَاءِ. (وَإِنْ أَخَّرَ إِلَى الغَدِ رَمَاهُ) لِأَنَّهُ وَقْتُ جِنْسِ الرَّمْيِ، (وَعَلَيْهِ دَمُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ.
(وقته) أي: وقت الرمي (بعده) أي: بعد الوقوف (ضرورة)؛ لأن الرمي مرتب عليه بالإجماع، ولأن القول بأن وقته بعد النصف من الليل يؤدي إلى خرق الإجماع فإنه لو رمى أول النصف الثاني ثم طاف وحل قبل الفجر -وهو وقت الوقوف فأحرم بحجة ثانية ولحق بعرفات؛ فقد حصل له حجتان: فرض ونفل في عام واحد، وهو خلاف الإجماع.
(يمتد هذا الوقت)؛ أي: وقت الرمي في اليوم الأول من أيام النحر (إلى وقت الزوال) أي: زوال الشمس من يوم النحر؛ لأن الوقت يعرف بتوقيت الشرع، والشرع ورد بالرمي قبل الزوال؛ فلا يكون ما بعده وقتًا له.
وفي الإيضاح: وأصل محمد في وقت الرمي كأصل أبي حنيفة.
(والحجة عليه)؛ أي: على أبي يوسف (ما روينا) وهو قوله ﵇: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذا اليومِ الرَّمْيُ» فالحاصل أن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس وقت الجواز مع الإساءة، وما بعده إلى الزوال وقت مسنون، وما بعده إلى الغروب وقت الجواز من غير إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة. كذا في المبسوط شيخ الإسلام (١).
(مذهبه) أي: مذهب أبي حنيفة، ويأتيك بيانه.
стр. 2144
قَالَ: (فَإِنْ رَمَاهَا رَاكِبًا أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ فِعْلِ الرَّمْيِ (وَكُلُّ رَمْيِ بَعْدَهُ رَمْي فَالأَفْضَلُ أَنْ يَرْمِيَهُ مَاشِيًا، وَإِلَّا فَيَرْمِيهِ رَاكِبًا) لِأَنَّ الأَوَّلَ بَعْدَهُ وُقُوفٌ وَدُعَاءُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَيَرْمِيهِ مَاشِيًا، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى التَّضَرُّعِ، وَبَيَانُ الْأَفْضَلِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
(فإن رماها) أي: الجمار. وفي المبسوط والمحيط: قال أبو حنيفة: يجوز الرمي راكبًا وماشيًا (١) (لحصول فعل الرمي).
وفي جمل النوازل عن أبي يوسف: إن رمى يوم النحر راكبًا أفضل، وفيما بعده من الأيام راحلا (٢)؛ لأنه كذا روي عن فعله ﵇.
وقال الشافعي: المستحب أن يرمي يوم النحر وآخر أيام التشريق راكبًا؛ لأنه ﵇ رمى فيهما راكبًا. هكذا ذكره في الإملاء (٣).
والصحيح أن الأولى أن يرمي غير راكب في أيام التشريق كلها كما روي عن أبي يوسف؛ لأن ابن عمر روى أنه ﵇ «يأتي الجمرات بعد يوم النحر ماشيًا ويفعل هو هكذا» (٤). كذا في تتمتهم، وهو قول مالك (٥).
واستحب أحمد الرمي ماشيًا (٦).
(مروي عن أبي يوسف) حكي عن إبراهيم الجراح أنه قال: دخلت على أبي يوسف في مرضه الذي مات فيه، ففتح عينيه وقال: الرمي أفضل راكبًا أم ماشيًا؟ فقلت: ماشيًا، فقال: أخطأت، فقلت: راكبًا، فقال: أخطأت، ثم قال: كل رمي بعده رمي كجمرة الأولى والوسطى فالرمي فيه ماشيًا أفضل، وما بعده رمي كجمرة العقبة فراكبا أفضل، ثم قال في الفرق بينهما: إن الانصراف مستحق بعدهما والماشي أمكن لذلك، فقمت من عنده فلما انتهيت
стр. 2145
(وَيُكْرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ بِمِنّى لَيَالِي الرَّمْيِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بَاتَ بها، وَعُمَرُ ﵁ كَانَ يُؤَدِّبُ عَلَى تَرْكِ المَقَامِ بِهَا. (وَلَوْ بَاتَ فِي غَيْرِهَا مُتَعَمِّدًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَنَا)، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّهُ وَجَبَ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ الرَّمْيُ فِي أَيَّامِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ فَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ الجَابِرَ.
إلى عتبة الدار سمعت الصراخ بموته فتعجبت من حرصه في التعليم والتعلم (١).
والذي رواه جابر أنه ﵇ "رَمَى الجمارَ كُلَّها راكِبًا" إنما فعله كذلك؛ ليكون أشهر للناس حتى يقتدوا به؛ ألا ترى أنه ﵇ قال: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُم فَلَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُ بعد هذا العام». كذا في المبسوط (٢).
(في غيرها)؛ أي: في غير منى.
(خلافًا للشافعي) له في المبيت بمنى ليالي الرمي قولان: أحدهما: أنه يجب حتى وجب بتركه دم (٣). وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥)؛ لأنه نسك، وقال ﵇: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ»، و (لأنه ﵇ «بات بها» أي بالبيتوتة، وعمر [كان] يؤدب على ترك المقام بها) (٦)، ولأنه من خصائص الحج فإذا تركه في ثلاث ليال فعليه دم، وفي أقله صدقة.
وعن بعض أصحابه: لو ترك البيتوتة ليلة فعليه مُدٌّ، ولو ترك ليلتين فعليه مُدَّان، ولو ترك ثلاث ليال فعليه دم، ولأنه قياس ترك البيتوتة بترك الرمي.
والثاني: أنه مستحب. وبه قال: مالك (٧)، وأحمد في رواية (٨)، وهو
стр. 2146
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الرَّجُلُ ثَقَلَهُ إِلَى مَكَّةَ وَيُقِيمَ حَتَّى يَرْمِيَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَمْنَعُ مِنْهُ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ (وَإِذَا نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ نَزَلَ بِالمُحَصَّبِ) وَهُوَ الأَبْطَحُ، وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعِ قَدْ نَزَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ
قولنا (١)؛ لحديث ابن عباس أنه استأذن رسول الله في البيتوتة بمكة في ليالي الرمي لأجل السقاية فأذن له (٢)، ولو كان واجبًا لما رخص له؛ إذ الواجب لا يسقط بالعذر كالحلق.
ولأن هذه البيتوتة غير مقصودة؛ بل هي تبع للرمي في هذه الأيام؛ إذ الرمي يسهل نهارًا فكان مرادًا لغيره فلم يكن من أفعال الحج كالبيتوتة بمزدلفة ليلة النحر؛ فلا يلزم بتركه دم إلا أنه يُكره تركها لمخالفة السنة.
وأما مطلق فعله؛ فغير موجب لِمَا عُرِف، وتأديب عمر ﵁ لا يوجب البيتوتة كتأديبه عند تقديم الثَّقَل، مع أن تقديم الثقل لا يكره عند مالك.
قوله: "نسك " مسلم؛ لكن غير مقصود كما بينا فلا يوجب تركه دما.
(ثقله) - بفتح الثاء والقاف: متاع المسافر وأهله، والجمع أثقال.
(ولأنه) أي: تقديم الثقل يشغل (قلبه) فيمنعه من إتمام سُنّة الرمي، ولا يأمن أن يضيع شيء من أمتعته.
ولأنه ﵇ قال: «المَرْءُ حيثُ رَحْلُهُ»، فاقتضى ظاهره أن تقديم رحله كخروجه بنفسه، وخروجه بنفسه مكروه. فكذا هذا.
وقال ﵇: «مَنْ قَدَّمَ ثَقَلَهُ فَلَا حَجَّ لَهُ» (٣)، أراد به نفي الفضيلة؛ لأن التفرغ إلى العبادة أقرب إلى الإخلاص.
قوله: (نزل بالمحصب) وهو موضع بقرب مكة ويقال له: (الأبطح) أيضًا، وهي أرض ذات حصباء، ويقال له: الخَيْف أيضًا وهو: فناء مكة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤).
стр. 2147
نُزُولُهُ قَصْدًا، هُوَ الأَصَحُّ، حَتَّى يَكُونَ النُّزُولُ بِهِ سُنَّةٌ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّا نَازِلُونَ غَدًا بِالخَيْفِ، خَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمَ المُشْرِكُونَ فِيهِ عَلَى شِرْكِهِمْ» يُشِيرُ إِلَى عَهْدِهِمْ عَلَى هُجْرَانِ بَنِي هَاشِمٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ إِرَاءَةٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ لَطِيفَ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَصَارَ سُنَّةٌ كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ. قَالَ: (ثُمَّ
والتحصيب: النزول به.
وفي شرح أبي نصر البغدادي: التحصيب نسك. هكذا روي عن عمر.
وفي المبسوط: التحصيب سُنّة عندنا حتى لو تركه يكون مسيئًا (١).
وقال الشافعي: التحصيب مستحب - وبه قال مالك (٢) - وليس سنة (٣)؛ لأن عائشة قالت: «نزل رسول الله ﷺ بالمحصب وليس بسُنّة فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله» (٤).
وقال ابن عباس: إن نزول رسول الله به اتفاقًا لا قصدًا، وبه قال الشافعي (٥).
قوله: (وهو الأصح) احتراز عنه، وأراد صاحب النافع بقوله (وليس بنسك)؛ أي: ليس بنسك مفروض (٦).
ولنا: أنه ﵇ نزل به (قصدًا).
(إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به) من الفتح والنصرة، وإهانة للمشركين فكان (سُنّة كالرمل في الطواف).
قوله: (بالخيف خيف بني كنانة)، وفي بعض النسخ: (بالخيف خيف بني كنانة)، والخيف بسكون الياء: المكان المرتفع.
وفي الصحاح: الخيف ما انحاز عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء،
стр. 2148
دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ لَا يَرْمُلُ فِيهَا، وَهَذَا طَوَافُ الصَّدَرِ) وَيُسَمَّى طَوَافَ الوَدَاعِ، وَطَوَافَ آخِرِ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ، لِأَنَّهُ يُوَدِّعُ البَيْتَ وَيَصْدُرُ بِهِ
ومنه سمي مسجد الخيف بمنى والخيف خيفان: خَيْفٌ مِنى وخَيْفُ بني كنانة، وهو المحصّب، وسمّي المحصّب؛ لأن السيل يحمل الحصباء من موضع الجري فيقف فيه؛ فكأن قوله: خيف بني كنانة عطف بيان (١).
(حيث تقاسم) (٢)؛ أي: تعاهد وتحالف؛ روي أن قريشا وبني كنانة اجتمعوا بالمحصَّب فتحالفوا ألا يخالطوا بني هاشم ولا بني عبد المطلب ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يضطروا فيُسَلِّموا رسول الله ﷺ إليهم، فهذا معنى قوله: (تقاسم المشركون). كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ووجه الاستدلال: أنه ﵇ أخبر أنه نزل به لمخالفتهم فإنهم نزلوا للمعصية ونحن نجتمع فيه للطاعة، وما فعله ﵇ في المناسك على وجه مخالفتهم يكون سنة كالدفع من عرفات بعد الغروب، والدفع من مزدلفة قبل الطلوع. كذا في شرح الأقطع ومبسوط شيخ الإسلام (٣).
وفي الفوائد: قوله: (على شركهم)؛ أي: مع شركهم، و (على) (٤) بمعنى «مع» كما يقال: فلان يقول الشعر على صغر سنه؛ أي: مع صغر سنه؛ وذلك لأن المشركين يكونون مع الشرك لا محالة يحلفون مع شركهم لا أنهم كانوا شركاء وفي وقت الحلف كانوا مسلمين.
روي أنهم حبسوا بني هاشم في واد سبع سنين، فالنبي ﵇ أراد بقوله: «إنّا نازلون» إلى آخره؛ إظهار لطفه تعالى فيكون النزول قصدًا، وإلا لم يكن لقوله: «إنا نازلون» فائدة.
(لا يرمل فيها)؛ أي: في السبعة أشواط.
(ويصدر به)؛ أي: يرجع عن المبيت بهذا الطواف، وفي بعض النسخ: (يصدر به)؛ أي يرجع عن البيت، والأول أجود.
стр. 2149
(وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ الطَّوَافُ» وَرَخَّصَ لِلنِّسَاءِ الحُيَّضِ تَرْكَهُ. قَالَ: (إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ).
قوله: (خلافًا للشافعي) له قولان أصحهما: أنه واجب (١)، وهو قولنا وأحمد (٢).
والثاني: أنه يستحب (٣)، وهو قول مالك (٤).
وقيل: يستحب قطعًا، وقيل: ليس طواف الوداع من المناسك؛ بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيًّا أو آفاقيًا، وهذا أصح تعظيمًا وتشبيها لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله الإحرام.
ولأنهم اتفقوا على أن المكي إذا حج وهو على أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطواف الوداع، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد الإقامة بمكة لا وداع عليه، ولو كان من جمله المناسك لعم الحجيج. ذكر هذه الجملة في شرح الوجيز.
لنا: (قوله ﵇ في رواية ابن عباس في المشهور: «مَنْ حَجَّ البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ [بالبيت] الطَّوَافُ» (٥)، والأمر للوجوب، ويجوز رفع الآخر ونصب الطواف وبالعكس.
(ورخص)؛ أي: النبي ﵇ (للنساء الحيض تركه) وتخصيص الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضًا، وهذا طواف الوداع فيجب على من يُوَدِّع البيت دون من لا يودعه. كذا في المبسوط.
وفي المختلف: لفظ الرخصة لا يطلق إلا في ترك الواجب، وفيه تأمل.
(إلا على أهل مكة)؛ فإنه غير واجب عليهم، وكذا على من وراء الميقات وعلى من اتخذ مكة دارًا ثم بدا له الخروج، وكذا لا يجب على فائت الحج؛ لأن العود مستحق عليه.
стр. 2150
لِأَنَّهُمْ لَا يَصْدُرُونَ وَلَا يُوَدِّعُونَ، وَلَا رَمَلَ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ شُرِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَيُصَلِّي رَكْعَتَي الطَّوَافِ بَعْدَهُ لِمَا قَدَّمْنَا ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ اسْتَقَى دَلْوَا بِنَفْسِهِ فَشَرِبَ مِنهُ ثُمَّ أَفْرَغَ بَاقِيَ الدَّلْوِ فِي البِئْرِ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ البَابَ وَيُقَبِّلَ العَتَبَةَ ثُمَّ يَأْتِي المُلْتَزَمَ)، وَهُوَ مَا بَيْنَ الحَجَرِ إِلَى البَابِ (فَيَضَعُ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ عَلَيْهِ وَيَتَشَبَّتُ بِالْأَسْتَارِ
ولأنه صار بمنزلة المعتمر في حق الأفعال وليس على المعتمر الآفاقي طواف الوداع؛ لأن الطواف ركن العمرة فكيف يصير مثل ركنه تبعا له؟ وفيه نوع تأمل.
وكذا لا يجب على الحائض والنفساء؛ لأنه ﵇ رخص للنساء الحُيَّضِ تركه ولم يأمرهنَّ بإقامة شيء مقامه. كذا في التحفة.
(لما بينا) وهو قوله: «وليُصَلِّ الطائف لكلِّ أسبوع ركعتين».
(ويأتي زمزم)؛ أي: بعد الصلاة وسمي زمزم؛ لأن هاجر أم إسماعيل زمت أي: حبست - ماءَه؛ كيلا يسيل فيشرب من مائها ويصب منه على جسده؛ هكذا روي عنه ﵇، ويغتسل منه إن أمكنه.
ومما يؤثر عند الشرب: اللهم رزقا واسعًا، وعلما نافعًا، وشفاء من كل داء، برحمتك يا أرحم الراحمين. كذا في المحيط (١).
وفي الفتاوى الظهيرية: ويقول: اللهم هذا غياث ولد إبراهيم ﵉ فأغثني من كذا وكذا.
(ويتشبث بالأستار)؛ أي: بأستار الكعبة، ويلصق جسده بالجدار إن أمكنه ذلك.
وفي الفتاوى الظهيرية ويقول عند أخذ العتبة: " أنا السائل ببابك، نسألك من فضلك ومعروفك ونرجو رحمتك "، ويكثر التضرع والدعاء.
стр. 2151
سَاعَةً ثُمَّ يَعُودُ إِلَى أَهْلِهِ) هَكَذَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَعَلَ بِالمُلْتَزَمِ ذَلِكَ. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ وَهُوَ يَمْشِي وَرَاءَهُ وَوَجْهُهُ إِلَى البَيْتِ مُتَبَاكِيًا مُتَحَسّرًا عَلَى فِرَاقِ البَيْتِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ المَسْجِدِ. فَهَذَا بَيَانُ تَمَامِ الحَجِّ.
ويقول عند خروجه من المسجد ووداعه: اللهم لك حججْتُ، وبك آمنتُ وعليك توكلْتُ ولك أسلمتُ وإياك أردتُ؛ فتقبّل نُسُكي واغفر لي ذنوبي وكفر عني سيئاتي وثبتني في طاعتك أبدًا ما أبقيتني وأعذني من النار، اللهم إني استودعك ديني وأمانتي وخواتيم عملي فاحفظها عليَّ وعلى كل مؤمن ومؤمنة إنك سميع الدعاء، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد من بيتك وارزقني العود إليه ثم عودة بعد عودة، وأحسن أوبَتِي حتى تُبَلِّغني أهلي واكف مؤنتي ومؤنة [عيالي] (١) وجميع خلقك آيبون تائبون عابدون ساجدون وللرب حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا شريك له (٢)، وزاد [في شرح المجمع: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله] (٣).
وفي شرح الوجيز ويقول عند المُلتَزَم: «اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخَّرْتَ لي من خَلقِكَ حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك؛ فإن كنت رضيت عني فازداد عني رضاك، وإلا فمن الآن قبل أن أتنائي عن بيتك، اللهم فأصحِبْنِي العافية في ديني وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني» ولو زاد فحسن وزيد فيه: "واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك قادر على ذلك"، ثم يصلي على النبي ﵇ (٤).
(فهذا) أي: ما ذكرنا في الباب (بيان تمام الحج) الذي أراده رسول الله ﷺ بقوله: «من حج البيت فلم يرفث» الحديث. ذكره في المبسوط (٥).
стр. 2152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الفتاوى الظهيرية: ثم يستحب أن يأتي المدينة على قصد زيارة روضة النبي ﵇، فإذا أتاها استعد لزيارته، وليكن على سكينة ووقار وهيبة وإجلال؛ لأنها محل النبي ﵇ ومهبط الوحي ومتنزل الملائكة، وليقل: اللهم رب السموات وما أظلَلْنَ، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الرياح وما ذَرَيْنَ، أسألك خير هذه البلدة وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر أهلها، اللهم هذا حرم رسولك فاجعل دخولي فيه وقاية من النار، وأمانا من النار وسوء الحساب.
وإذا دخل المسجد يقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، اللهم اجعلني اليوم من أوْجَهِ مَنْ توجّه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وَأَنْجَحَ من دعاك فابتغى رضاك"، ثم يصلي ركعتين حيث شاء من المسجد.
ولو أراد المكان الذي صلَّى فيه رسول الله بالناس: أتى المنبر وعن يساره تابوت موضوع فيصلي خلف التابوت؛ فذاك مقام رسول الله ﷺ .
فإذا صلى ركعتين توجه إلى الروضة على تؤدة وسكون ووقار وفراغ قلب من أمور الدنيا فيذهب إلى موضع من وجه الروضة، وفي ذلك الموضع رخامة بيضاء مركبة في حائط القبر فيكون فوق رأسه قنديل كبير معلق فإذا وقف هنالك فقد وقف على وجه رسول الله ثم يقول: السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك رسول الله قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في أمر الله حتى قبضك الله تعالى حميدًا محمودًا، فجزاك الله عن صغيرنا وكبيرنا خير الجزاء، وأصلّي عليك أفضل الصلاة وأزكاها وأتم التحيات وأنماها، اللهم اجعل نبينا يوم القيامة أقرب النبيين إليك، وأعطه الدرجة والوسيلة والفضيلة وأوردنا حوضه، واسقنا من كأسه وارزقنا شفاعته واجعلنا من رفقائه يوم القيامة، اللهم لا تجعل آخر العهد بقبر بنبيك هذا وارزقنا العود إليه يا ذا الجلال والإكرام.
ويدعو لصاحبيه أبي بكر وعمر ويقول: السلام عليكما، ويسأل حاجته.
стр. 2153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويكثر الصلاة في المدينة ما دام فيها كما جاء في الآثار «أن الصلاة في مسجد رسول الله تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد» (١).
قالوا: ليس في هذا الموقف دعاء، وما ذكرنا من الأدعية، بعضها في هذا الباب مروي عن رسول الله وبعضها عن الصحابة والتابعين.
وليلزم قراءة كتاب الله تعالى ما دام جالسا، والتسبيح ما دام راكبا وماشيا، والدعاء ما دام خاليا.
وفي شرح الوجيز: يستحب أن يزور قبر النبي ﵇ بعد الفراغ من الحج؛ لأنه ﵇ قال: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زار قبري فله الجنة»، وقال ﵇: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» وقال ﵇: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر، ثم يأتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة من الحرمين»، وقال ﵇: «الصلاة بمسجد قباء كعمرة» (٢) أخرجه الترمذي وأحمد (٣).
وكره مالك أن يقول: زرنا النبي ﵇ وأن يسمي ذلك؛ لأن شأن الزائر التفضل والفضل على المزور (٤). وترد عليه الأحاديث المتقدمة وما قالوه غير مسلم؛ بل المطلوب من زيارته ﵇ التبرك لا الفضل.
ويقف مستقبل القبلة [بينه] (٥) وبين القبر أربع أذرع، ولا يضع يده على الحضرة، ولا يقبلها ولا يطوف بقبره ﵇.
ويكره الإلصاق بالبطن والصدر والظهر بجدار قبره ﵇ ومسحه باليد وتقبيله، وبه قال الشافعي (٦)، وأحمد (٧).
стр. 2154
فَصْلٌ: [في بيانِ مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ أَفْعَالِ الحَجِّ]
(وَإِذا لَمْ يَدْخُلُ المُحْرِمُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَاتٍ وَوَقَفَ بِهَا) عَلَى مَا بَيَّنَّا (سَقَطَ عَنْهُ طَوَافُ القُدُومِ) لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي ابْتِدَاءِ الحَجِّ عَلَى وَجْهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَفْعَالِ، فَلَا يَكُونُ الإِنْيَانُ بِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ سُنَّةٌ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ،
وقال الكرماني: وعن أصحابنا وأصحابه وغيره أنه يقف وظهره إلى القبلة ووجه إلى الحضرة، وهو قول أحمد.
والصحيح الأول؛ لأنه جمع بين العبادتين، وخير الأمور ما استقبلت به القبلة.
ويضع يمينه على شماله ولا يرفع صوته ويغض بصره؛ لأنه مقام الهيبة والإجلال، ويصلي تحية المسجد عند سارية فيها عمود منبره.
وقال الكرماني: يسجد بعدها سجدة شكر الله تعالى على وصوله تلك البقعة الشريفة، فإن عند مالك وجماعة المدينة أفضل من مكة بوجود النبي فيه (١).
وقال جمهور العلماء والفقهاء: مكة أفضل من المدينة، وأجمعوا على فضلهما على غيرهما (٢).
وقال بعض المالكية: موضع قبره ﵇ أفضل لا كل المدينة (٣).
مسائل شتى
لما ذكر أفعال الحج على التفصيل والترتيب وأتمها ألحقها بمسائل شتى منها، [ذكرها] بفصل على حدة ليتم بيانها.
(على ما بينا) [من أحكام الوقوف بعرفة.
(لأنه) أي: طواف القدوم (سُنّة) وقد بينا] (٤) اختلاف العلماء.
стр. 2155
وَبِتَرْكِ السُّنَّةِ لَا يَجِبُ الجَابِرُ (وَمَنْ أَدْرَكَ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِهَا إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ) فَأَوَّلُ وَقْتِ الوُقُوفِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَنَا،
(بعد الزوال عندنا) وبه قال: الشافعي (١)، ومالك (٢).
وما وقع في بعض نسخ أصحابنا (أن عند مالك أول وقته بعد طلوع الشمس) ما وجدته في الكتب المعتبرة لبيان الخلاف وذكر في كتب [أصحاب] (٣) الشافعي أن القائل به أحمد.
ووجه قوله: [قوله] (٤) ﵇: «مَنْ وَقَفَ بعرفة ساعةً من ليل أو نهار فقد تمَّ حَجُّهُ» والنهار: اسم للوقت من الطلوع إلى الغروب، وسُمّي نهارًا؛ لجريان الشمس فيه كالنهر يسمى نهرًا؛ لجريان الماء فيه.
ولنا: ما رُوي أنه ﵇ وقف بعد الزوال وكذلك الصحابة وأهل الأمصار إلى يومنا هذا، والنبي ﵇ مبينًا وقت الوقوف بفعله؛ فدل أن وقته بعده. كذا في المبسوط (٥). وفيه تأمل.
وفي النهاية الشاهية: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ﴾ [البقرة ١٩٨]
مجمل في حق الوقت، فوقوف النبي ﵇ يكون بيانًا كذلك المجمل، ولكل وقت فعل أول وآخر، وليس هذا بآخره، فيكون أولا ضرورة؛ لأن الظاهر من حاله ﵇ عدم تأخير الوقوف مع أنه معظم أركان الحج، وفيه ترك الاستدامة التي هي واجبة، وفعله في المجمل كقوله.
ولأنه لو كان قبل الزوال جائزا لما اتفق الصحابة والتابعون على تركه، وما رواه مطلق يحمل على ما بعد الزوال ولا يبعد أن يقال: سمي اليوم بهذا الاسم وإن كان الوقوف بعد الزوال؛ كيوم الجمعة فإنها تؤدى بعد الزوال مع أن اليوم يسمى بهذا الاسم. إليه أشير في المبسوط (٦). وفي الكل، تأمل.
стр. 2156
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا بَيَانُ أَوَّلِ الوَقْتِ.
وَقَالَ ﵊: مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ وَهَذَا بَيَانُ آخِرِ الوَقْتِ. وَمَالِكٌ ﵀ إِنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ وَقْتِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَهُوَ مَحْجُوجٌ عَلَيْهِ بِمَا رَوَيْنَا (ثُمَّ إِذَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَأَفَاضَ مِنْ سَاعَتِهِ أَجْزَاهُ) عِنْدَنَا، لِأَنَّهُ ﷺ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةٍ «أَوْ» فَإِنَّهُ قَالَ: «الحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةٌ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ قَدْ تَمَّ حَجَّهُ» وَهِيَ كَلِمَةُ التخيير.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئِهِ إِلَّا أَنْ يَقِفَ فِي اليَوْمِ وَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ (وَمَنِ اجْتَازَ بِعَرَفَاتٍ نَائِمًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا عَرَفَاتُ جَازَ عَنِ الوُقُوفِ) لِأَنَّ مَا هُوَ الرُّكْنُ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الوُقُوفُ،
قوله: (وجزء من الليل) بأن تكون إفاضته بعد الغروب.
قيل: هذا سهو من صاحب الكتاب؛ بل قول مالك: أن المعتبر الوقوف بالليل دون النهار حتى لو ترك الوقوف نهارًا ووقف ليلا لا يلزمه شيء عنده (١)، وكذا في كتب أصحابه واستدل بما روينا من قوله ﵇: «من أدرك الوقوف بعرفة» الحديث.
قلنا: زيادة قوله: «ومن فاتَهُ عرفة بليل فقد فاته الحج» غير مشهور؛ بل المشهور «ومن فاته عرفة فقد فاته الحَجُّ، وفيما روينا وهو قوله ﵇: ساعة من ليل أو نهار» دليل على أن نفس الوقوف في وقته يعتبر لإدراك الحج. كذا في المبسوط (٢).
(جاز عن الوقوف)؛ أي: بالإجماع، وعن ابن الوكيل من أصحاب الشافعي: ولو وقف ولم يعلم أنها عرفة لم تُجْزِهِ؛ لعدم العلم، وفي الحلية: وهذا ليس بشيء.
стр. 2157
وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِالإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ كَرُكْنِ الصَّوْمِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى مَعَ الإِغْمَاءِ، وَالجَهْلُ يُحِلُّ بِالنِّيَّةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِكُلِّ رُكْنٍ (وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ
(وَلا يمتنع ذلك بالإغماء والنوم)؛ لأن المقصود من الوقوف [حصوله] (١) في ذلك المكان، وقد وجد الإحرام السابق جامع للأفعال فاعتبرت النية عنده ولم يعتبر عند كل فعل كما في الصلاة (٢).
[فإن قيل]: يشكل هذا بالطواف؛ فإنه لو طاف طالبا لغريم أو خائفًا من سبع ولا ينوي الطواف؛ لا يجزئه مع أنه ركن بخلاف الوقوف، ما الفرق بينهما؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الوقوف ركن عبادة وليس بعبادة مقصودة؛ ولهذا لا يتنفل به بخلاف الطواف فإنه عبادة مقصودة؛ ولهذا يتنفل به فلابد من وجود أصل النية فيه.
وسقط اعتبار جهة النية؛ لتعينه حتى إن المحرم إذا طاف يوم النحر طوافا واجبًا عليه بالنذر أجزأه عن طواف الزيارة، ولم يجزئه عما وجد بالنذر؛ كما قلنا في صوم رمضان. كذا في المبسوط (٣).
وتمسك في الْمُجْتَبى في المسألة بحديث عروة بن مضرس قال: إني أضللت راحلتي وأجهدت نفسي وما تركت جبلا من جبال طيء إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال ﵇: «من صلَّى معنا هذهِ الصَّلاةَ ووقف معنا هذا الموقف - وقد كان وقف بعرفة قبل ذلِكَ - ساعةً من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضَى تَفَثَهُ». رواه الخمسة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، فعلم أن الوقوف يصح؛ عَلِم الموضع أو لم يعلم على أن الإغماء لا يمنع ركن الوقوف كما في الصوم، وهو حجة على مالك أيضًا في اعتباره الوقوف بالليل (٤).
قوله: (ومن أغمي عليه) أصل هذا أن الإحرام شرط عندنا بمنزلة
стр. 2158
فَأَهَلَّ عَنْهُ رُفَقَاؤُهُ
الوضوء وستر العورة في الصلاة، وليس بنسك؛ فاستقام القول فيه بالنيابة بعد وجود نية العبادة منه - وهو خروجه للحج -، وفي هذا الاختلاف عند علمائنا بأنه يتأدى بالنائب، كما لو أمر غيره بالتقليد فقلد المأمور صار الأمر محرما به (١).
وعند الشافعي: لا يتأدى به (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، سواء كان بأمره أو بغير أمره.
ولكنهم اختلفوا في أن المرافقة هل تكون إذنًا أو أمر به؟ فعند أبي حنيفة: يكون، وعندهما: لا يكون. ذكره فخر الإسلام (٥).
وأما سائر المناسك؛ فالأصح أن نيابتهم عنه في أدائه صحيحة ولكن الأولى أن يقفوا به وأن يطوفوا به؛ ليكون أقرب إلى أدائه لأنهم إذا أحضروه الموقف كان هو الواقف، وكذا إذا طافوا به كان هو الطائف؛ بمنزلة الطائف راكبًا بعذر، وبمنزلة من نوى الصلاة في ابتدائها، ثم يؤدي أفعالها من الركوع والسجود ولا يدري ما يفعل؛ حيث جازت صلاته لسبق النية؛ فكذا هاهنا. كذا ذكره فخر الإسلام.
ومن المشايخ مَنْ فَرَّق فقال: الإحرام بمنزلة الشرط فتجزئ النيابة في الشروط ولا تجزئ في الأفعال؛ لما أن العجز يتحقق في الإحرام دونها؛ لما بينا أنه يمكن أن يقفوا به ويطوفوا به. كذا في المبسوط (٦).
(فأَهَلَّ عنه رفقاؤه)؛ يعني: أحرموا عن أنفسهم بطريق الأصالة، وعن الرفيق بطريق النيابة؛ حتى لو قتل صيدًا يجب عليه دم واحد. كذا في المبسوط (٧).
стр. 2159
جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ (*)، وَلَوْ أَمَرَ إِنْسَانًا بِأَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ نَامَ، فَأَحْرَمَ المَأمُورُ عَنْهُ صَحَّ) بِالإِجْمَاعِ، حَتَّى إِذَا أَفَاقَ أَوْ اسْتَيْقَظَ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الحَجِّ جَازَ، لَهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِنَفْسِهِ وَلَا أَذِنَ لِغَيْرِهِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإِذْنِ، وَالدَّلَالَةُ تَقِفُ عَلَى العِلْمِ، وَجَوَازُ الإِذْنِ بِهِ لَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ الفُقَهَاءِ،
وصورة المسألة: أن الرفقاء إذا لبسوا الرداء وتجنبوا المحظورات صار هو مُحرِمًا، ويتداخل الإحرامين، وصار إحرامهم عنه كإحرام الأب عن ابن صغير له من حيث إن عبارته في الإحرام عن أبيه كعبارة أبيه، فكذا عبارة الرفقاء كعبارته كما لو أمرهم إفصاحا؛ فلا يلزمهم الجزاء باعتبار إحرامه.
فيجب على الرفيق جزاء واحد؛ لأن المحرم بإحرامه لا لنيابة المغمى عليه لا النائب، والتشبيه بالوضوء من حيث إنهما شرط يحتمل النيابة.
وفي الفوائد الظهيرية: قيد بقوله: رفقاؤه؛ ليكون متفقا عند المشايخ فإنه لو أهل عن رفقائه: قال أبو عبد الله الجرجاني: وكان الجصاص يقول: لا يجوز ثم رجع وقال يجوز، ولا يختص بذلك رفقاؤه؛ لأن هذا ليس من باب الولاية؛ بل هذا من باب الإعانة على البر قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] وفي هذا الرفقاء وغيرهم سواء.
ثم قولهما قياس؛ لأنه لم يأمر أصحابه، وليس لهم ولاية عليه بخلاف الأمر؛ ولهذا لا تتأدى سائر المناسك بأدائهم؛ فكذا الإحرام.
ولكن استحسن أبو حنيفة؛ لأنه لما عاقدهم عقد الرفقة إلى آخره؛ ثبت الإذن دلالة؛ لأنه يعقد الاستعانة بهم حال العجز والإغماء عجز لا يمكنهم إزالته بخلاف النوم؛ فإنه لا يدوم ويقدر على إزالته، وعقد الرفقة في حقه لإزالة النوم؛ ليعمل هو بنفسه لا الإذن في الإحرام.
ثم الإذن دلالة كالإذن إفصاحًا، كما في شرب ماء السقاية، وكمن نصب القدر على كانون وجعل فيها اللحم وأوقد النار فجاء إنسان وطبخه؛ لم يضمن لوجود الإذن دلالة.
стр. 2160
فَكَيْفَ يَعْرِفُهُ العَوَامُّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ صَرِيحًا. وَلَهُ: أَنَّهُ لَمَّا عَاقَدَهُمْ عَقْدَ الرُّفْقَةِ، فَقَد اسْتَعَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَالإِحْرَامُ هُوَ المَقْصُودُ بِهَذَا السَّفَرِ، فَكَانَ الإِذْنُ بِهِ ثَابِتًا دَلَالَةٌ، وَالعِلْمُ ثَابِتٌ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ وَالحُكْمُ يُدَارُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَالمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَالرَّجُلِ لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ كَالرَّجُلِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَكْشِفُ رَأسَهَا) لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ وَتَكْشِفُ وَجْهَهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «إِحْرَامُ المَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» (وَلَوْ أَسَدَلَتْ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهَا وَجَافَتْهُ عَنْهُ جَازَ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ
وأما سائر المناسك أن نيابتهم عنه في أدائه صحيحة إلا أن الأولى أن يقفوا به ويطوفوا كما ذكرنا، وجواز الإذن به أن يعقد الرفقة، وقيل بالإحرام بسبب عقد الرفقة، والأول أظهر.
(والحكم يدار عليه) أي: على الدليل؛ كما ذكرنا في شرب ماء السقاية وأمثاله.
(لأنها) أي: المرأة (مخاطبة كالرجل) فإن اسم الناس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران ٩٧] يقع على الرجال والنساء جميعًا، فلما استويا في الخطاب استويا في أفعال الحج؛ إذ هو الأصل.
وذكر الكرماني في مناسكه: الخنثى المشكل كالمرأة، فيشترط في حقه ما يشترط في حقها احتياطًا في الحرمات، ويجوز له المسافرة مع نساء محارمه وكذا الجلوس بينهن وبالأجنبيات لم يجز؛ لاحتمال أنه رجل.
(إحرام المرأة)؛ أي: إثر إحرامها (في وجهها) بالكشف.
(ولو سدلت)؛ أي: أرسلت من سدل الثوب؛ أي: أرسله، من باب طَلَبَ، وفي بعض النسخ (أسدلت)، وفي المغرب: أسدلت خطأً (١).
(وجافته) بالجيم- أي: باعدت ذلك الشيء عن وجهها، وهو مفاعلة من جفى جنبه عن الفراش: إذا نبا وارتفع.
وقيل: هو أن يلقيه على رأسه ويرخيه على منكبيه، عن عائشة: «كنا إذا
стр. 2161
عَائِشَةَ ﵂، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الاِسْتِظْلَالِ بِالمَحْمَلِ (وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الفِتْنَةِ (وَلَا تَرْمُلُ وَلَا تَسْعَى بَيْنَ المِيلَيْنِ) لِأَنَّهُ مُخِلٌّ بِسَتْرِ العَوْرَةِ (وَلَا تَحْلِقُ وَلَكِنْ تُقَصِّرُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الحَلْقِ وَأَمَرَهُنَّ بِالتَّقْصِيرِ» وَلِأَنَّ حَلْقَ الشَّعْرِ فِي حَقِّهَا مُثْلَةٌ كَحَلْقِ اللَّحْيَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ (وَتَلْبَسُ مِنْ
أحرمنا كشفنا وجوهنا، وإذا استقبلنا ركبًا أسدلنا خُمُرَنا على وجوهنا» (١).
وفي المحيط: ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها بلا ضرورة (٢).
(لأنه مخل) أي: الرَّمَلُ يخلُّ (بستر العورة)؛ إذ به يبدو ما بطن من عورتها فيكون حراما أو مكروهًا، والرمل سنة فلا يجوز أن يرتكب ما هو مكروه لإقامة السنّة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣).
وكذا رفع الصوت بالتلبية سنة، وستر العورة فريضة.
وكذا السعي؛ لأنها إذا أسرعت لا يؤمن كشف عورتها وهو حرام، ولأن السعي لإظهار الجلادة للقتال والمرأة ليست من أهله.
(في حقها)؛ أي: في حق المرأة (مثلة) والمثلة حرام، قال عمران بن الحصين وجابر: «ما قام رسول الله فينا خطيبًا إلا حثنا على الصدقة، ونهانا عن المثلة» (٤)، وإذا كانت حرامًا لا يجوز إقامة [السنة] (٥) بارتكابه.
قال المطرزي: المثلة: قطع بعض الأعضاء، وتسويد الوجه وتغيير الهيئة.
وهي تتزين بشعر رأسها كالرجل يتزين باللحية وحلقها مثلةٌ في حقه، فكذا حلق الشعر في حقها، ولكن تُقَصِّر مقدار أنملة من كل شعرة لا من بعض الشعور دون البعض.
ولأن التقصير هاهنا كالحلق في حق الرجل، وثمة الأفضل حلق الجميع
стр. 2162
المَخِيطِ مَا بَدَا لَهَا) لِأَنَّ فِي لُبْسِ غَيْرِ المَخِيطِ كَشْفُ العَوْرَةِ. قَالُوا: وَلَا تَسْتَلِمُ الحَجَرَ إِذَا كَانَ هُنَاكَ جَمْعٌ، لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَنْ مُمَاسَّةِ الرِّجَالِ، إِلَّا أَنْ تَجِدَ المَوْضِعَ خاليا.
قَالَ: (وَمَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً تَطَوُّعًا أَوْ نَدْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ الأَشْيَاءِ وَتَوَجَّهَ
فكذا هاهنا، ولو قصر البعض فإن ذلك بمقدار ربع الرأس يجوز، وفي الأقل لا يجوز كما في الحلق.
قوله: (ما بدا لها)، ولكن لا تلبس المصبوغ بورس أو زعفران أو عصفر إلا أن يكون قد غسل؛ لأن هذا يزين وهو من دواعي الجماع وهي ممنوعة عن ذلك في الإحرام كالرجل، ولها الضرورة في المخيط ولا ضرورة لها في المصبوغ. كذا في المبسوط (١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: كشف العورة ولبس المخيط حرام إلا أن حرمة الكشف أهم من حرمة لبس المخيط؛ لأنها مؤبدة وحرمة لبس المخيط مؤقتة بالإحرام، وقد تعذر إقامة الأمرين فكان رعاية حرمة الكشف وهي أهم وأولى (٢).
قوله: (أو جزاء صيد). فإن قيل: كيف يتصور جزاء الصيد قبل الإحرام؟
قلنا: هذا في حق السنة الماضية أو جزاء صيد الحرم؛ بأن قَتَلَ الحلال نعامة الحرم ووجبت قيمتها جزاء. كذا في جامع العتابي والفوائد الظهيرية.
(أو شيئًا من الأشياء) يريد به دماء وجبت جبرا لنقائص الحج كما لو طاف جنبًا طواف الزيارة، ووجب عليه الجزاء فاشترى بدنة في السنة الثانية وتوجه معها، أو يريد به البدنة للمتعة، أو للقران كذا في الفوائد الظهيرية.
ثم الأصل أن الشروع في الحج لا يحصل بمجرد النية عندنا حتى ينضم إليها تلبية أو سوق هدي؛ لأن الإحترام لأداء الأفعال والاجتناب عن المحظورات؛ فكان كتكبيرة الافتتاح فإنه لا يصير شارعًا ثمة بمجرد النية بلا تكبيرة، فكذا هاهنا.
стр. 2163
مَعَهَا يُرِيدُ الحَجَّ فَقَدْ أَحْرَمَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فَقَدْ أَحْرَمَ» وَلِأَنَّ سَوْقَ الهَدْيِ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَةِ فِي إِظْهَارِ الإِجَابَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ يُرِيدُ الحَجَّ أَوْ العُمْرَةَ، وَإِظْهَارُ الإِجَابَةِ قَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ كَمَا يَكُونُ بِالقَوْلِ، فَيَصِيرُ بِهِ
وعند الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣): يصير شارعًا بمجرد النية كالصوم لما أنه التزام كفّ عن المحظورات كالصوم فإنه كف عن المفطرات.
وقلنا: الصوم يصح بمجرد النية؛ لاقتصار نيته بالفعل وهو الإمساك. وقد مرت المسألة بوجوهها.
وفي شرح الطحاوي: قلد بدنة بلا نية لا يصير محرمًا، ولو ساق هديًا قاصدًا مكة يصير محرمًا نوى أو لم ينو.
قوله: (لقوله عليه الصلاة السلام: «من قلد بدنة فقد أحرم») المراد: قلدها وتوجه معها؛ بدليل ما روي عن عائشة.
وفي الإيضاح: لو قلدها وتوجه معها؛ يصير محرمًا وإن لم يُلَبِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] إلى أن قال ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ولم يجر ذكر الإحرام؛ فدل أنه يثبت الإحرام بالتقليد مع السوق (٤).
وفي جامع العتابي: إذ لو لم يدل لما كان النهي عن الإحلال بالتقليد معنى.
ثم ذكر في الإيضاح: وإنما السوق مع التقليد؛ لأنه من جملة الشعائر، وبالسوق يتحقق معنى الهدي فاعتبر السوق معه؛ ولهذا المعنى قلنا: إن السنة أن يقدم التلبية على التقليد؛ لأنه إذا قلدها فربما يسير فيصير شارعًا في الإحرام بلا تلبية، والسنة الشروع فيه بالتلبية.
(في إظهار الإجابة) أي: إجابة دعاء إبراهيم ﵇.
(قد يكون بالفعل) كما إذا قيل لك: يا فلان، فأسرعت إلى خدمته حتى مثلت بين يديه فهذه إجابة بالفعل.
стр. 2164
مُحْرِمًا لاتِّصَالِ النِّيَّةِ بِفِعْلٍ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الإِحْرَامِ. وَصِفَةُ التَّقْلِيدِ: أَنْ يَرْبِطَ عَلَى عُنُقِ بَدَنَتِهِ قِطْعَةَ نَعْلِ أَوْ عُرْوَةَ مُزَادَةٍ أَوْ لِحَاءَ شَجَرَةٍ (فَإِنْ قَلَّدَهَا وَبَعَثَ بِهَا وَلَمْ يَسُقُهَا لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْت أَفْتُلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَبَعَثَ بِهَا وَأَقَامَ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا» (فَإِنْ تَوَجَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا حَتَّى يَلْحَقَهَا) لِأَنَّ عِنْدَ التَّوَجُهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ هَدْيٌّ يَسُوقُهُ لَمْ يُوجَدْ مِنهُ إِلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، وَبِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، (فَإِذَا رَكَبَهَا وَسَاقَهَا أَوْ أَدْرَكَهَا فَقَدِ اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهُ بِعَمَلٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الإِحْرَامِ، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا) كَمَا لَوْ سَاقَهَا فِي الابْتِدَاءِ. قَالَ: (إِلَّا فِي بَدَنَةِ المُتْعَةِ، فَإِنَّهُ مُحْرِمٌ حِينَ تَوَجَّهَ) مَعْنَاهُ: إِذَا
(أو لحاء شجرة) بالمد وهو قشره. وفي مبسوط شيخ الإسلام روى ابن عباس «أنه ﵇ قلد هديه بنعل» (١)، وروي أنه ﵇ قلده بعروة مزادة، ولو قلد بشيء يشبهها يجزئه؛ لحصول المقصود وهو الإعلام (٢).
قوله: (فإذا رَكِبَها وساقها أو أدركها) وإنما ردد بين السوق وعدمه؛ لأن الرواية قد اختلفت فيه؛ فقد شرط في المبسوط: السوق مع اللحوق، ولم يشترطه في الجامع الصغير، والمصنف جمع بين الروايتين (٣).
وذكر فخر الإسلام في جامعه: قال في الأصل: ويسوقه ويتوجه معه وذلك أمر اتفاقي وإنما الشرط أن يلحقه؛ ليصير فاعلاً فعل المناسك على الخصوص (٤).
وفي المبسوط: والصحابة اختلفت في هذه المسألة منهم من يقول: لو قدمها صار محرمًا، ومنهم من يقول: إذا أدركها صار محرما فأخذنا بالمتيقن من ذلك؛ لأنه بمنزلة المجمع عليه (٥).
قوله: (إلا في بدنة المتعة) هاهنا قيد لا بد منه، وهو أنه يصير محرمًا
стр. 2165
نَوَى الإِحْرَامَ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، ووَجْهُ القِيَاسِ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذَا الهَدْيَ مَشْرُوعٌ عَلَى الابْتِدَاءِ نُسُكًا مِنْ مَنَاسِكِ الحَجِّ وَضْعًا لِأَنَّهُ مُخْتَصُّ بِمَكَّةَ، وَيَجِبُ شُكْرًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ، وَغَيْرُهُ قَدْ يَجِبُ بِالجِنَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَكَّةَ، فَلِهَذَا اكْتَفَى فِيهِ بِالتَّوَجُّهِ، وَفِي غَيْرِهِ تَوَقُّفٌ عَلَى حَقِيقَةِ الفِعْلِ (فَإِنْ جَلَّلَ بَدَنَةً أَوْ أَشْعَرَهَا أَوْ قَلَّدَ شَاةً لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا) لِأَنَّ التَّجْلِيلَ لِدَفْعِ الحَرِّ وَالبَرْدِ وَالذُّبَابِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِ الحَجِّ وَالإِشْعَارُ مَكْرُوهٌ
بمجرد التوجه بالتقليد بأن لو حصل التقليد في أشهر الحج، ولو حصل في غير أشهره لا يصير محرمًا ما لم يدركه ويسير معه. هكذا ذكر محمد في الرقيات؛ لأن تقليد هدي المتعة من أفعال المتعة فقبله لا يعتد به فيكون تطوعًا (١).
وفي هدي التطوع ما لم يسر معه لا يصير محرمًا. كذا في جامع قاضي خان (٢).
وفي الإيضاح: لهدي المتعة تأثير في بقاء الإحرام؛ ألا ترى أنه لو ساق هدي المتعة وأتى بأفعال العمرة؛ لم يمكنه أن يتحلل، وإذ كانت له زيادة قوة ظهر أثره.
(على الابتداء)؛ لأن التوجه بسبب من اللحاق، وللسبب شبهة المسبب فألحق به في هذا الموضع؛ ولهذا قالوا: وإنما يصير محرمًا حتى يلحق؛ لأن أحكام التمتع لا تثبت قبله؛ فصار هذا الهدي كهدي التطوع على الابتداء. (نسكًا) واحترز به عما وجب ابتداء جزاء.
(وضعًا) أراد به الوضع الشرعي، وذكر أبو اليسر: دم القرآن كدم المتعة؛ لمكان الاختصاص بمكة. (اكتفى فيه) أي: في بدنة المتعة.
وفي بعض النسخ: (فيه)؛ أي: في دم المتعة، وفي غيره؛ أي: في غير دم المتعة على حقيقة الفعل وهو السوق واللحاق.
قوله: (لدفع الحر) وفي جامع العتابي: وقد يكون للزينة فلا يكون من
стр. 2166
(وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِ عُمَرتِهِ) بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا) لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا فَأَشْبَهَ المُحْصَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب التَمَتُّعُ
(التَّمَتَّعُ أَفْضَلُ مِنْ الإِفْرَادِ عِنْدَنَا)
(وعليه قضاؤها) أي: قضاء العمرة المرفوضة؛ لأن هذا تحلل من إحرامه بغير طواف، فيكون كالمحصر؛ فعليه دم وقضاء؛ لأنه ﵇ لما أحصر عام الحديبية بعث البُدْنَ للنحر ورجع وقضى عمرته من قابل. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
(لصحة الشروع فيها) أي: في العمرة؛ فيجب القضاء والدم لرفضها كما ذكرنا
فإن قيل: لم قلت في هذه المسألة بارتفاض العمرة ولم تقل بارتفاض الوقوف؛ لأن تقديم طواف العمرة عليه واجب؟
قلنا: العمرة يجوز رفضها لأجل الحج؛ بدليل ما روينا عن عائشة ﵂ فعلم أنها محتملة للرفض، فارتفضت أيضًا بالشروع في أعمال الحج لفوات وقتها. كذا في شرح الإرشاد. وفيه تأمل.
وفي المحيط: لو طاف لعمرته ثلاثة أشواط ثم وقف؛ يصير رافضًا لعمرته أيضًا، أما لو طاف لها أربعة أشواط ثم وقف؛ أتمها يوم النحر وهو قارن.
ولو طاف أولا وسعى لحجته ثم وقف بعرفة؛ وقع طوافه وسعيه عن عمرته، وكذا لو قدَّم وأخر كان المقدم لعمرته والمؤخر لحجته.
ولو طاف القارن لعمرته ثلاثة أشواط وسعى لها ثم طاف لحجته كذلك، ثم وقف بعرفة فما طاف للحجة محسوبٌ من طواف العمرة، ويقضي شوطًا واحدًا من طواف العمرة، ويعيد السعي لهما للحجة واجبًا؛ لأن سعيها صار منقولا إلى العمرة، وللعمرة استحبابا؛ ليكون بعد طواف كامل، والله أعلم (١).
باب التمتع
بدأ أولا بالإفراد ثم بالقران؛ لأنه أفضل من التمتع.
стр. 2167
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الإِفْرَادَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ المُتَمَتِّعَ سَفَرُهُ وَاقِعٌ لِعُمْرَتِهِ، وَالْمُفْرِدَ سَفَرُهُ وَاقِعٌ لِحَجَّتِهِ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ فِي التَّمَتَّعِ جَمْعًا بَيْنَ العِبَادَتَيْنِ، فَأَشْبَهَ القِرَانَ ثُمَّ فِيهِ زِيَادَةُ نُسُكِ وَهِيَ إِرَاقَةُ الدَّمِ، وَسَفَرُهُ وَاقِعُ لِحَجَّتِهِ، وَإِنْ تَخَلَّلَتِ العُمْرَةُ؛ لِأَنَّهَا تَبَعُ الحَجِّ كَتَخَلَّلِ السُّنَّةِ بَيْنَ الجُمُعَةِ وَالسَّعْيِ إِلَيْهَا. (وَالمُتَمَتِّعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُتَمَتِّعُ يَسُوقُ الهَدْيَ، وَمُتَمَتِّعُ لَا يَسُوقُ الهَدْيَ) وَمَعْنَى التَّمَتَّعِ: التَّرَفُقُ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَهُمَا إِلْمَامًا صَحِيحًا،
وفي الخبازية والمبسوط: وقد صح عن عمر ﵁ «نهي الناس عن المُتْعَتَين كانتا على عهد رسول الله: متعة النساء ومتعة الحج»، وتأويله أنه كره أن يخلو البيت عن الزوار في غير أشهر الحج؛ فأمرهم أن يعتمروا في غيرها؛ كيلا يخلو البيت عن الزوار في شيء من الأوقات، لا أن يكون التمتع مكروها عنده بدليل حديث صُبي بن معبد.
(وعن أبي حنيفة: أن الإفراد أفضل)، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، وقد مر بيان الاختلاف بالقران.
(واقع لعمرته)؛ لأن المتمتع يحرم من الميقات للعمرة، ثم يدخل مكة ويبدأ بأفعالها، ثم يحرم للحج فيكون سفره واقعا لها فإن [بعد] (١) الفراغ من أفعالها يصير مقيمًا حكمًا كالمكي؛ ولهذا لا يطوف للتحية كالمكي.
(لأنها)؛ أي: العمرة (تبع للحج) لأنها سنة أو واجب وكلاهما مُكَمِّلان للفرض، فيقع سفره للحج كما يقع سعيه للجمعة وإن تخللت السنة بينها وبين السعي.
وقيل: نظيره شخص يضيف السلطان ويدفع الطعام إلى اشخاص أُخر قبله، فهذا لا يقدح أن الضيافة لم تكن لأجل السلطان.
قوله: (إلماما صحيحًا) احترازًا عن الإلمام الفاسد؛ فإنه لا يمنع صحة التمتع عند أبي حنيفة، وأبي يوسف.
والإلمام لغة: النزول، يقال: ألم بأهله؛ أي نزل، وهو يزورنا إلماما؛
стр. 2168
وَيَدْخُلُهُ اخْتِلَافَاتٌ نُبَيِّنُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَصِفَتُهُ: أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ المِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، فَيُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ، وَيَدْخُلَ مَكَّةَ فَيَطُوفَ لَهَا وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ،
أي: عناء، والإلمام الصحيح: النزول في وطنه من غير بقاء صفة الإحرام.
وعند مالك: البلد المساوي لبلده مثل بده (١)؛ لأن الترفه بعلة السير والترحال.
قلنا: بالرجوع إلى بلده ودخولها يصير مقيمًا فينقطع حكم سفره فيحتاج إلى إنشاء سفر جديد، فكان حجه وعمرته في سفر يكن متمتعًا، ولا كذلك مساويها، وليست العلة في ذلك كثرة السير وقلته.
وعند الشافعي (٢)، وأحمد (٣): الاعتبار للمسافة، وقد بينا بطلان ذلك في توجيه قول مالك، وهذا إنما يكون في المتمتع إذا لم يَسُقِ الهدي، فأما لو ساقه فإلمامه لا يكون صحيحًا، وذلك لا يمنع صحة التمتع عندهما خلافًا لمحمد، على ما يأتي.
وفي المحيط: الإلمام الصحيح: أن يرجع إلى أهله بعد العمرة، ولا يكون العود إلى مكة مستحقًا عليه (٤).
وعن هذا قلنا: لا يمنع لأهل مكة وأهل المواقيت ومن دونها إلى مكة، أما في أهل مكة فلا يتصور عدم الإلمام الصحيح بين عمرته وحجته؛ لأنه لما فرغ من العمرة فقد صار مُلِمًا بأهله إلماما صحيحًا. وأما أهل المواقيت ومن دونهم؛ فلأنهم ألحقوا بأهل مكة؛ ولهذا جاز لهم دخول مكة بغير إحرام فألحقوا بأهل مكة في حق هذا الحكم أيضًا.
(أو يقصر) وقد بينا أن التخيير في من لم يكن شعره ملبدًا أو معقوصا أو مضفرا.
стр. 2169
وَقَدْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ) وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ العُمْرَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُفْرِدَ بِالعُمْرَةِ فَعَلَ مَا ذَكَرْنَا، هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَلْقَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا العُمْرَةُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا، وَقَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ. نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا كَانَ لَهَا تَحَرُّمٌ بِالتَّلْبِيَةِ كَانَ لَهَا تَحَلُّلُ بِالحَلْقِ كَالحَجِّ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَّةَ إِذَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: كُلَّمَا
وظاهر كلام صاحب الكتاب وغيره: أن التحلل حتم لمن لم يسق الهدي.
وذكر الإسبيجابي والوبري: فهو بالخيار إن شاء أحرم بالحج بعد ما حل من عمرته بالحلق أو بالتقصير، وإن شاء أحرم قبل أن يحل من عمرته (١).
ولو ساق الهدي لا يحلق ولا يحل، وبقولنا (٢)، قال أحمد (٣). وعند الشافعي (٤)، ومالك (٥): المتمتع يحلق أو يقصر ساق الهدي أو لا، كما يجيء في عمرة القضاء.
وقصته: أنه ﵇ أحرم من المدينة عام الحديبية للعمرة، فلما وصل الحديبية منعه أهل مكة من الدخول فيها، فصالح وحلق وحل، ثم جاء سنة أخرى فأتى بالطواف والسعي، ثم حلق قضاء لتلك العمرة.
قوله: (ويتم به) (٦)؛ أي يتم الزيارة بوقوع البصر على البيت.
ولأنه ركن فيها كطواف الزيارة في الحج، فكما تقدم قطع التلبية هناك قبل الاشتغال به، فكذا هاهنا يقدم على الطواف. كذا في المبسوط (٧).
وفي المختلف رواية عمر عن النبي ﵇.
ولنا: رواية ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص
стр. 2170
وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى البَيْتِ؛ لِأَنَّ العُمْرَةَ زِيَارَةُ البَيْتِ وَتَتِمُ بِهِ.
وَلَنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حِينَ اسْتَلَمَ الحَجَرَ» وَلِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الطَّوَافُ، فَيَقْطَعُهَا عِنْدَ افْتِتَاحِهِ، وَلِهَذَا يَقْطَعُهَا الحَاجُّ عِنْدَ افْتِتَاحِ الرَّمْيِ.
قَالَ: (وَيُقِيمُ بِمَكَّةَ حَلَالًا)؛ لِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ العُمْرَةِ، قَالَ: (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ
مرفوعًا، وإذا تعارضت الروايات نعمل بالقياس كما ذكرنا في المتن.
وفي المستصفى عند مالك: يقطعها (إذا وقع بصره على البيت) إذا أحرم بالعمرة من الحرم، وإذا أحرم بها من الميقات يقطعها إذا دخل الحرم، (١) هكذا روي عن عمر.
(ويقيم بمكة حلالًا): يعني إذا أراد أن يقيم الحج من عامه، فليقم حلالا إلى وقت إحرام الحج لا على وجه الشرط، فإذا كان يوم التروية أحرم.
وفي المبسوط والمحيط: ولو قدَّم الإحرام عليه جاز؛ بل هو الأفضل لما أنه أشق، وفيه المسارعة إلى العبادة، وهذه الأفضلية ليست مختصة بسائق الهدي؛ بل تقديم إحرام الحج للمتمتع أفضل مطلقا، وبه قال مالك (٢).
وقال أصحاب الشافعي: لغير واجد الهدي مستحب أن يحرم به قبل اليوم السادس (٣).
وحكى الخياطي وجها: أنه إذا لم يتوقع هديًا يجب تقديم إحرام الحج على السابع؛ ليمكنه [صوم] (٤) الثلاثة قبل يوم النحر، والأفضل لسائق الهدي أن يحرم بالحج يوم التروية قبل الزوال؛ لما روى جابر أن النبي ﵇ أنه قال: «إذا توجهتم إلى منى رائحين فأهلوا بالحج» وذلك يكون يوم التروية قبل الزوال.
ولنا قوله ﵇: «من أراد الحج فليتعجل» (٥).
стр. 2171
أَحْرَمَ بِالحَجِّ مِنْ المَسْجِدِ) وَالشَّرْطُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الحَرَمِ، أَمَّا المَسْجِدُ فَلَيْسَ بِلَازِم؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المَكِّيِّ، وَمِيقَاتُ المَكِّيِّ فِي الحَجِّ الحَرَمُ عَلَى مَا بَيَّنَّا
وعن عمر أنه قال: «يا أهلَ مكَّةَ إذا أهل ذو الحِجَّةِ فأهلوا بالحَجِّ، فلا يحسن أن يجيء الناسُ يلبُّونَ وأنتم سكوت» (١).
وأنه إحرام بالحج في وقته فكان الأفضل تعجيله.
وما رواه كان في السنة التي قصد ﵇ التخفيف فيها؛ ولذلك أمرهم بالتحلل، أو لأنه أراد أن يبين آخر وقت الإحرام، كما بين جواز التعجيل فيما رويناه، وإنما جعل آخر هذا اليوم آخر وقت إحرام الحج؛ لأنه يبدأ بأفعال الحج فيه فلا يجوز تأخير الإحرام عنه.
قوله: (أما المسجد فليس بلازم).
[يمكن أن تأوّل المسجد بالحرم؛ لما أن المراد منه المسجد الحرام، والمسجد الحرام عبارة عن جميع] (٢) الحرم؛ لقوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾.
قيل: المراد الحرم؛ لكن ذكر المسجد الحرام؛ لما أن الإحرام منه أفضل.
(على ما بينا) أي: في المواقيت.
(ما يفعله الحاج المُفرد) في مبسوط شيخ الإسلام: غير أنه لا يطوف طواف التحية؛ لأنه لما حل صار هو والمكي سواء، ولا تحية للمكي، فكذا له بخلاف القارن؛ لأن ميقاته في حجته وعمرته كان من الحل؛ فلم يصر بمعنى المكي؛ فيطوف طواف التحية، أما هو صار في معنى المكي في حق الميقات (٣).
وفي المبسوط: خير محمد المتمتع بين أن يطوف للتحية، وبين أن يترك ولم يخير القارن؛ لأن المتمتع: مكّي حكمًا في حق الميقات بإحرام الحج، آفاقي حقيقة، فإن اعتبر الحكم لم يطف، وإن اعتبر الحقيقة طاف، بخلاف
стр. 2172
(وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الحَاجُ المُفْرِدُ)؛ لِأَنَّهُ مُؤَدِّ لِلْحَجِّ، إِلَّا أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَيَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوَّلُ طَوَافٍ لَهُ فِي الحَجِّ، بِخِلَافِ المُفْرِدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَعَى مَرَّةً، وَلَوْ كَانَ هَذَا المُتَمَتِّعُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالحَجِّ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى مِنِّى، لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِذَلِكَ مَرَّةً (وَعَلَيْهِ دَمُ المُتَمَتِّعِ) لِلنَّص الَّذِي تَلَوْنَاهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) عَلَى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي القِرَانِ (فَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، ثُمَّ اعْتَمَرَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الثَّلَاثَةِ)؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الصَّوْمِ التَّمَتَّعُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلْ عَنْ الهَدْيِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ (وَإِنْ صَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ جَازَ عِنْدَنَا).
القارن: فإنه آفاقي حقيقة وحكمًا؛ لأن ميقاته في الحج والعمرة من الحل فيكون عليه طواف التحية.
(بعد ما أحرم بالحج طاف) أي: طواف التحية؛ وهذا دليل على أنه مشروع للمتمتع حتى اعتبر رميه وسعيه فيه.
وفي الخبازية: بخلاف المفرد، فإن [عليه] (١) طواف القدوم، وفيه يأتى بالرمل بخلاف المتمع؛ فإنه لا يأتي بطواف القدوم.
(لم يرمل) أي: سوى رمل التحية أولاً، فإن رمل فظاهر، وإن لم يرمل فكذلك؛ لأن الرمل ما شرع إلا مرة فلا يسعى ولا يرمل؛ للنص الذي رويناه وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٦].
قوله: (ثم اعتمر)، أي: أحرم للعمرة، وهو في هذه الحالة غير متمتع لا حقيقة ولا حكمًا. أما حقيقة؛ فظاهر، وأما حكما؛ فلأنه لم يحرم بها.
(جاز عندنا)، وبه قال أحمد في رواية (٢).
وفي رواية عنه: تجوز بعد التحلل من العمرة، وبه قال الشافعي لا يجوز
стр. 2173
خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لَهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَنَا: أَنَّهُ أَدَّاهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، وَالمُرَادُ بِالحَجِّ المَذْكُورِ فِي النَّصِّ وَقْتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَالأَفْضَلُ: تَأْخِيرُهَا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِمَا بَيَّنَّا) فِي القِرَانِ.
قبل إحرام الحج (١)؛ لأن الصوم عبادة بدنية فلا يتقدم على وقت وجوبها كالصلاة، ولأن هذا الوقت ليس بوقت للهدي وهو الأصل فلا يكون وقتا لبدله. كذا في شرح الوجيز وتتمتهم.
(ولنا أنه) أي: المتمتع (أداه) أي: الصوم (بعد انعقاد سببه) فإن السبب ما ذكره الله تعالى وهو التمتع بالعمرة إلى الحج، وأصل العلة: التمتع بالعمرة بالشروع فيها في وقت الحج، ووصلها بالحج؛ لما أن العرب ترى العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فنسخ بالإسلام، وكان المتمتع ارتفاقًا بإباحة الشروع في وقت الحج، فكان الوصل في الحج بمنزلة وصف كالنماء للمال. كذا في الأسرار.
وفي جامع فخر الإسلام: أبيحت العمرة في أشهر الحج على أن تكون تكملة للحج، والسبب الموجب لهذا الحكم التمتع، ويكون على هذا العمرة في باب التمتع أصل؛ لما أن الترفق والترفه يحصل بشرعيتها في أشهر الحج لا بشرعية الحج في وقته، فكان السبب منعقد بالنظر إلى الأصل فيجوز ما أداه بعد انعقاد سببه.
وفي الكافي: بعد ما أحرم للعمرة بفرضية أن يصير متمتعًا ويصير وسيلة إلى إحرام الحج.
وفي الخبازية: وهذا الخلاف يبتني على أصل، وهو: أن الدم الذي كان الصوم خلفًا عنه دم شكر النعمة توفيق الجمع بينهما، وعنده دم جبر؛ لما تمكن من النقصان في سفر الحج، وقبل الإحرام بالحج لا يتحقق النقص (٢).
(على ما بينا) أي في القران. قوله: (تأخيرها) أي: تأخير صيام الثلاثة أيام.
стр. 2174
(وَإِنْ أَرَادَ المُتَمَتِّعُ أَنْ يَسُوقَ الهَدْيَ أَحْرَمَ وَسَاقَ هَدْيَهُ) وَهَذَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَ الهَدَايَا مَعَ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْدَادًا وَمُسَارَعَةٌ (فَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً قَلَّدَهَا بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ. وَالتَّقْلِيدُ أَوْلَى مِنْ التَّجْلِيلِ؛ لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي الكِتَابِ وَلِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ وَالتَّجْلِيلُ لِلزِّينَةِ، وَيُلَبِّي ثُمَّ يُقَلِّدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ الهَدْيِ وَالتَّوَجُّهِ مَعَهُ عَلَى مَا سَبَقَ وَالأَوْلَى: أَنْ يَعْقِدَ الإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ وَيَسُوقَ الهَدْيَ. وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَقُودَهَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بِذِي الحُلَيْفَةِ وَهَدَايَاهُ تُسَاقُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّشْهِيرِ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَا تَنْقَادُ فَحِينَئِذٍ يَقُودُهَا. قَالَ: (وَأَشْعَرَ البَدَنَةَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ،
(وهذا) أي: سوق الهدي (أفضل) من عدم السوق.
(فإن كانت) أي: هديه (بدنة) أنثه باعتبار الخبر.
قوله: (والتقليد): أن يعلق البعير قطعة نعل أو مزادة؛ ليعلم أنه هدي.
(على ما رويناه) أي: في فصل قبل باب القران؛ أنها قالت: كنت أفتل قلائد بدن رسول الله ﵇.
(لأن له ذكرًا في) كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة ٢].
(ويلبي) [أي: الأفضل أن يلبي (١)] (ثم يقلد).
(على ما سبق) أي: في فصل باب القران.
(والأولى أن يعقد) إلى آخره؛ لأنه لو قلد قبل الإحرام فتحضره النية يصير شارعًا في الإحرام لا بالطريق المسنون، فكان التأخير أفضل؛ احترازًا عن هذا.
كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وأشعر البدنة) وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)؛ فإن
стр. 2175
وَلَا يُشْعِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُكْرَهُ) (*) وَالإِشْعَارُ: هُوَ الإِدْمَاءُ بِالجَرْحِ لُغَةً (وَصِفَتُهُ: أَنْ يَشُقَّ سَنَامَهَا) بِأَنْ يَطْعَنَ فِي أَسْفَلِ السَّنَامِ (مِنْ الجَانِبِ الأَيْمَنِ أَوْ الأَيْسَرِ) قَالُوا: وَالأَشْبَهُ هُوَ الْأَيْسَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَعَنَ فِي جَانِبِ اليَسَارِ مَقْصُودًا، وَفِي جَانِبِ الأَيْمَنِ اتِّفَاقًا، وَيُلَطِّخُ سَنَامَهَا بِالدَّمِ إعْلَامًا، وَهَذَا الصُّنْعُ مَكْرُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَعِنْدَهُمَا: حَسَنٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الإشعار عندهم مستحب.
الإشعار عندهم مستحب.
لكن عندهما: من قبل اليمين، وعند غيرهما: من قبل اليسار.
وعند أبي حنيفة: يكره الإشعار (١).
وفي المبسوط: الإشعار الإعلام، سمي هذا الفعل بذلك؛ لأنه إعلام لها (٢).
(والأشبه) أي: الأشبه إلى الصواب في الرواية (الأيسر)؛ لأنه ذكر فخر الإسلام في جامعه وتفسير الإشعار عندهما: الطعن بالرمح في أسفل السنام من قبل اليسار، وعند الشافعي من قبل اليمين (٣)، وكل ذلك مروي من فعل النبي ﵇، والأشبه من قبل اليسار؛ وذلك لأن الهدايا كانت مقبلة إلى رسول الله، فكان يدخل بين كل بعيرين من قبل الرؤوس، وكان الرمح بيمينه لا محالة، وكان يقع طعنه عادة أولًا على يسار البعير الذي هو يسار رسول الله، ثم كان يعطف ويشعر الآخر من قبل يمين البعير اتفاقًا لا قصدًا إليه، فصار الأصل القصدي أحق بالاعتبار في الهدي إذا كان واحدًا وليس بعدد، وإنما ذلك خدش مدمي.
(وهذا الصنع) أي: الإشعار (مكروه عنده، وعندهما حسن) أي: أن تركه لا يضره.
وفي جامع الإِسْبِيجابي: الإشعار عندهما، وعند الشافعي سنة؛ لكن ذكره