← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

أَحْرَمَ بِالحَجِّ مِنْ المَسْجِدِ) وَالشَّرْطُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الحَرَمِ، أَمَّا المَسْجِدُ فَلَيْسَ بِلَازِم؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المَكِّيِّ، وَمِيقَاتُ المَكِّيِّ فِي الحَجِّ الحَرَمُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وعن عمر أنه قال: «يا أهلَ مكَّةَ إذا أهل ذو الحِجَّةِ فأهلوا بالحَجِّ، فلا يحسن أن يجيء الناسُ يلبُّونَ وأنتم سكوت» (١). وأنه إحرام بالحج في وقته فكان الأفضل تعجيله. وما رواه كان في السنة التي قصد ﵇ التخفيف فيها؛ ولذلك أمرهم بالتحلل، أو لأنه أراد أن يبين آخر وقت الإحرام، كما بين جواز التعجيل فيما رويناه، وإنما جعل آخر هذا اليوم آخر وقت إحرام الحج؛ لأنه يبدأ بأفعال الحج فيه فلا يجوز تأخير الإحرام عنه. قوله: (أما المسجد فليس بلازم). [يمكن أن تأوّل المسجد بالحرم؛ لما أن المراد منه المسجد الحرام، والمسجد الحرام عبارة عن جميع] (٢) الحرم؛ لقوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. قيل: المراد الحرم؛ لكن ذكر المسجد الحرام؛ لما أن الإحرام منه أفضل. (على ما بينا) أي: في المواقيت. (ما يفعله الحاج المُفرد) في مبسوط شيخ الإسلام: غير أنه لا يطوف طواف التحية؛ لأنه لما حل صار هو والمكي سواء، ولا تحية للمكي، فكذا له بخلاف القارن؛ لأن ميقاته في حجته وعمرته كان من الحل؛ فلم يصر بمعنى المكي؛ فيطوف طواف التحية، أما هو صار في معنى المكي في حق الميقات (٣). وفي المبسوط: خير محمد المتمتع بين أن يطوف للتحية، وبين أن يترك ولم يخير القارن؛ لأن المتمتع: مكّي حكمًا في حق الميقات بإحرام الحج، آفاقي حقيقة، فإن اعتبر الحكم لم يطف، وإن اعتبر الحقيقة طاف، بخلاف

стр. 2172

(وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الحَاجُ المُفْرِدُ)؛ لِأَنَّهُ مُؤَدِّ لِلْحَجِّ، إِلَّا أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَيَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوَّلُ طَوَافٍ لَهُ فِي الحَجِّ، بِخِلَافِ المُفْرِدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَعَى مَرَّةً، وَلَوْ كَانَ هَذَا المُتَمَتِّعُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالحَجِّ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى مِنِّى، لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِذَلِكَ مَرَّةً (وَعَلَيْهِ دَمُ المُتَمَتِّعِ) لِلنَّص الَّذِي تَلَوْنَاهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) عَلَى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي القِرَانِ (فَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، ثُمَّ اعْتَمَرَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الثَّلَاثَةِ)؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الصَّوْمِ التَّمَتَّعُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلْ عَنْ الهَدْيِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ (وَإِنْ صَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ جَازَ عِنْدَنَا). القارن: فإنه آفاقي حقيقة وحكمًا؛ لأن ميقاته في الحج والعمرة من الحل فيكون عليه طواف التحية. (بعد ما أحرم بالحج طاف) أي: طواف التحية؛ وهذا دليل على أنه مشروع للمتمتع حتى اعتبر رميه وسعيه فيه. وفي الخبازية: بخلاف المفرد، فإن [عليه] (١) طواف القدوم، وفيه يأتى بالرمل بخلاف المتمع؛ فإنه لا يأتي بطواف القدوم. (لم يرمل) أي: سوى رمل التحية أولاً، فإن رمل فظاهر، وإن لم يرمل فكذلك؛ لأن الرمل ما شرع إلا مرة فلا يسعى ولا يرمل؛ للنص الذي رويناه وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٦]. قوله: (ثم اعتمر)، أي: أحرم للعمرة، وهو في هذه الحالة غير متمتع لا حقيقة ولا حكمًا. أما حقيقة؛ فظاهر، وأما حكما؛ فلأنه لم يحرم بها. (جاز عندنا)، وبه قال أحمد في رواية (٢). وفي رواية عنه: تجوز بعد التحلل من العمرة، وبه قال الشافعي لا يجوز

стр. 2173

خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لَهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَنَا: أَنَّهُ أَدَّاهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، وَالمُرَادُ بِالحَجِّ المَذْكُورِ فِي النَّصِّ وَقْتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَالأَفْضَلُ: تَأْخِيرُهَا إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِمَا بَيَّنَّا) فِي القِرَانِ. قبل إحرام الحج (١)؛ لأن الصوم عبادة بدنية فلا يتقدم على وقت وجوبها كالصلاة، ولأن هذا الوقت ليس بوقت للهدي وهو الأصل فلا يكون وقتا لبدله. كذا في شرح الوجيز وتتمتهم. (ولنا أنه) أي: المتمتع (أداه) أي: الصوم (بعد انعقاد سببه) فإن السبب ما ذكره الله تعالى وهو التمتع بالعمرة إلى الحج، وأصل العلة: التمتع بالعمرة بالشروع فيها في وقت الحج، ووصلها بالحج؛ لما أن العرب ترى العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فنسخ بالإسلام، وكان المتمتع ارتفاقًا بإباحة الشروع في وقت الحج، فكان الوصل في الحج بمنزلة وصف كالنماء للمال. كذا في الأسرار. وفي جامع فخر الإسلام: أبيحت العمرة في أشهر الحج على أن تكون تكملة للحج، والسبب الموجب لهذا الحكم التمتع، ويكون على هذا العمرة في باب التمتع أصل؛ لما أن الترفق والترفه يحصل بشرعيتها في أشهر الحج لا بشرعية الحج في وقته، فكان السبب منعقد بالنظر إلى الأصل فيجوز ما أداه بعد انعقاد سببه. وفي الكافي: بعد ما أحرم للعمرة بفرضية أن يصير متمتعًا ويصير وسيلة إلى إحرام الحج. وفي الخبازية: وهذا الخلاف يبتني على أصل، وهو: أن الدم الذي كان الصوم خلفًا عنه دم شكر النعمة توفيق الجمع بينهما، وعنده دم جبر؛ لما تمكن من النقصان في سفر الحج، وقبل الإحرام بالحج لا يتحقق النقص (٢). (على ما بينا) أي في القران. قوله: (تأخيرها) أي: تأخير صيام الثلاثة أيام.

стр. 2174

(وَإِنْ أَرَادَ المُتَمَتِّعُ أَنْ يَسُوقَ الهَدْيَ أَحْرَمَ وَسَاقَ هَدْيَهُ) وَهَذَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَ الهَدَايَا مَعَ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْدَادًا وَمُسَارَعَةٌ (فَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً قَلَّدَهَا بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ. وَالتَّقْلِيدُ أَوْلَى مِنْ التَّجْلِيلِ؛ لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي الكِتَابِ وَلِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ وَالتَّجْلِيلُ لِلزِّينَةِ، وَيُلَبِّي ثُمَّ يُقَلِّدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ الهَدْيِ وَالتَّوَجُّهِ مَعَهُ عَلَى مَا سَبَقَ وَالأَوْلَى: أَنْ يَعْقِدَ الإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ وَيَسُوقَ الهَدْيَ. وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَقُودَهَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بِذِي الحُلَيْفَةِ وَهَدَايَاهُ تُسَاقُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّشْهِيرِ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَا تَنْقَادُ فَحِينَئِذٍ يَقُودُهَا. قَالَ: (وَأَشْعَرَ البَدَنَةَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، (وهذا) أي: سوق الهدي (أفضل) من عدم السوق. (فإن كانت) أي: هديه (بدنة) أنثه باعتبار الخبر. قوله: (والتقليد): أن يعلق البعير قطعة نعل أو مزادة؛ ليعلم أنه هدي. (على ما رويناه) أي: في فصل قبل باب القران؛ أنها قالت: كنت أفتل قلائد بدن رسول الله ﵇. (لأن له ذكرًا في) كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة ٢]. (ويلبي) [أي: الأفضل أن يلبي (١)] (ثم يقلد). (على ما سبق) أي: في فصل باب القران. (والأولى أن يعقد) إلى آخره؛ لأنه لو قلد قبل الإحرام فتحضره النية يصير شارعًا في الإحرام لا بالطريق المسنون، فكان التأخير أفضل؛ احترازًا عن هذا. كذا في المبسوط (٢). قوله: (وأشعر البدنة) وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)؛ فإن

стр. 2175

وَلَا يُشْعِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُكْرَهُ) (*) وَالإِشْعَارُ: هُوَ الإِدْمَاءُ بِالجَرْحِ لُغَةً (وَصِفَتُهُ: أَنْ يَشُقَّ سَنَامَهَا) بِأَنْ يَطْعَنَ فِي أَسْفَلِ السَّنَامِ (مِنْ الجَانِبِ الأَيْمَنِ أَوْ الأَيْسَرِ) قَالُوا: وَالأَشْبَهُ هُوَ الْأَيْسَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَعَنَ فِي جَانِبِ اليَسَارِ مَقْصُودًا، وَفِي جَانِبِ الأَيْمَنِ اتِّفَاقًا، وَيُلَطِّخُ سَنَامَهَا بِالدَّمِ إعْلَامًا، وَهَذَا الصُّنْعُ مَكْرُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَعِنْدَهُمَا: حَسَنٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الإشعار عندهم مستحب. الإشعار عندهم مستحب. لكن عندهما: من قبل اليمين، وعند غيرهما: من قبل اليسار. وعند أبي حنيفة: يكره الإشعار (١). وفي المبسوط: الإشعار الإعلام، سمي هذا الفعل بذلك؛ لأنه إعلام لها (٢). (والأشبه) أي: الأشبه إلى الصواب في الرواية (الأيسر)؛ لأنه ذكر فخر الإسلام في جامعه وتفسير الإشعار عندهما: الطعن بالرمح في أسفل السنام من قبل اليسار، وعند الشافعي من قبل اليمين (٣)، وكل ذلك مروي من فعل النبي ﵇، والأشبه من قبل اليسار؛ وذلك لأن الهدايا كانت مقبلة إلى رسول الله، فكان يدخل بين كل بعيرين من قبل الرؤوس، وكان الرمح بيمينه لا محالة، وكان يقع طعنه عادة أولًا على يسار البعير الذي هو يسار رسول الله، ثم كان يعطف ويشعر الآخر من قبل يمين البعير اتفاقًا لا قصدًا إليه، فصار الأصل القصدي أحق بالاعتبار في الهدي إذا كان واحدًا وليس بعدد، وإنما ذلك خدش مدمي. (وهذا الصنع) أي: الإشعار (مكروه عنده، وعندهما حسن) أي: أن تركه لا يضره. وفي جامع الإِسْبِيجابي: الإشعار عندهما، وعند الشافعي سنة؛ لكن ذكره

стр. 2176

النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃. وَلَهُمَا: أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ التَّقْلِيدِ أَنْ لَا يُهَاجَ إِذَا وَرَدَ مَاءً أَوْ كَلَا أَوْ يُرَدُّ إِذَا ضَلَّ وَإِنَّهُ فِي الإِشْعَارِ أَتَمُّ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمُ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ يَكُونُ سُنَّةٌ، إِلَّا أَنَّهُ عَارَضَهُ جِهَةُ كَوْنِهِ مُثْلَةٌ فَقُلْنَا بِحُسْنِهِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَلَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحَرِّم، في الكتاب - أي الجامع الصغير - حسن، ولم يذكر أنه سنة (١). قوله: (ألا يهاج)؛ أي: لا ينفر ولا يُطرد عن الماء والكلأ؛ لكون هذا البعير معظمًا. (لأنه) أي: الإشعار (ألزم)؛ لأن القلادة ربما تنقطع من عنقه وتسقط، والإشعار لا يفارقه. (وأنه) أي: فعل المثلة (منهي عنه)؛ لما روي أنه ﵇ نهى عن المثلة، فقال: «لَا تُمَثِّلُوا» (٢). وفي المبسوط: معنى الإعلام يحصل بالتقليد، وهو لإكرام البدنة وليس في الإشعار معنى الإكرام؛ بل ذلك يؤذي البدنة، ولأن التحليل مندوب لدفع الذباب عنها، والإشعار من جوالب الذباب؛ فلذلك كرهه (٣). وفي جامع الإسبيجابي: الإحرام جعل علمًا للتحريم لما كان حلالًا له قبله، فلا يجوز أن يكون علمًا على تحليل ما كان حرامًا قبله، فلا يكون الإحرام علمًا لتحليله. (ولو وقع التعارض) يعني على تقدير ثبوت كون الإشعار سنة وقع التعارض بين كونه مثلة وكونه سنة، وإذا وقع التعارض بين المبيح والمحرّم؛ (فالترجيح للمُحرّم) بالحديث، والمعنى الفقهي: أن المبيح يوجب جواز الامتناع، والمحرم واجب الامتناع، والواجب أقوى من الجائز (٤).

стр. 2177

وَإِشْعَارُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لِصِيَانَةِ الهَدْيِ؛ لِأَنَّ المُشْرِكِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ تَعَرُّضِهِ إِلَّا بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ إِشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَخَافُ مِنهُ فإن قيل: ليس هذا في معنى المُثلة؛ بل هو مما أبيح فعله كالكي وشق أذن الحيوان؛ ليكون علامة، وكالختان والحجامة في الآدمي. قلنا: الكي وشق الأذن ليس بمثلة بخلاف الإشعار بالرمح والشفرة، حتى لو كان الإشعار بمبضع ونحوه كما ذكروه لا يكون مكروها عنده أصلا كالفصد والحجامة؛ إذ هو بالرمح يخشى منه السراية إلى الهلاك بخلاف الكي في الجلد؛ فإنه لا يسيل الدم، وكذا شق الأذن. أو لأن في الكي والشق والحجامة ضرورة، والإشعار يغني عنه التقليد فلا يكون ضرورة. وأما الختان؛ فإنه فرض عند الشافعي وأحمد. وعندنا، ومالك: سنة مؤكدة، وفارق بين الإسلام والكفر حتى لو اجتمع قوم على تركه قوتلوا عليه، ولا كذلك الإشعار، فإن الناس قد تركوه عن آخرهم ولم ينكر على ذلك أحد. وعن ابن عباس وعائشة أنهما رخصا في تركه، ولا يظن بهما الترخص في ترك سنة النبي ﵇، مع أنه ﵇ فعله مرة. وفي جامع الإسبيجابي: وإشعاره ﵇ قبل النهي عن المثلة مع أن معنى قول الراوي أن النبي ﵇ أشعر بدنته أعلمها بعلامة، ويمكن أن ذلك سوى الجرح (١). قوله: (وإشعار النبي ﵇ جواب عما روياه -يعني: على تقدير ثبوته - أشعر النبي ﵇؛ لصيانة الهدي إلى آخره، أي: بالإشعار وكان فيه صونها عن التعرض. قوله: (وقيل: إن أبا حنيفة) قال أبو جعفر الطحاوي: ما كره أبو حنيفة أصل الإشعار وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر فيه من الآثار، وإنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنه رآهم يبالغون في ذلك على وجه يخاف منه الهلاك بسريانه

стр. 2178

السِّرَايَةَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَرِهَ إِيثَارَهُ عَلَى التَّقْلِيدِ. قَالَ: (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَسَعَى) وَهَذَا لِلْعُمْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي مُتَمَتِّعِ لَا يَسُوقُ الهَدْيَ (إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : خصوصا في حر الحجاز، فرأى الصواب في سدّ هذا الباب على العامة؛ لأنهم لا يقفون على الحد المشروع، فأما من وقف على ذلك بأن قطع الجلد فقط دون اللحم فلا بأس به. كذا في المبسوط؛ ولهذا ذكر في الجامع البزدوي: وإنما ذلك خدش كما ذكرنا (١). (وقيل: إنما كره إيثاره) قال أبو منصور: إنما يكره الإشعار عنده إذا آثره (على التقليد) الذي هو مذكور في القرآن، أما إذا لم يؤثر لا يكره، كما كره إيثار نكاح الكتابية على نكاح المسلمة (٢). (فإذا دخل مكة) أي: المتمتع الذي ساق الهدي. (إلا أنه لا يتحلل)، وبه قال أحمد (٣). وقال مالك (٤)، والشافعي (٥): إذا فرغ من أعمال العمرة يتحلل كمن لم يسق الهدي، إلا أن عند مالك لا ينحر هديه إلا يوم النحر، وكذا القارن، وهو إجماع. وعند الشافعي المتمتع ينحر هديه عند المروة (٦). وروى أبو موسى أنه ﵇ قال: «من ساقَ مِنْكُمُ الهَدْيَ فَلْيَتَحَلَّل». ولنا: (قوله ﵇: «لو استقبلت») الحديث يوم التروية. وفي الخبازية: هذا ليس بلازم؛ حتى لو أحرم يوم عرفة أو قبل يوم التروية

стр. 2179

«لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَتَحَلَّلْتُ مِنهَا» وَهَذَا يَنْفِي التَّحَلَّلَ عِنْدَ سَوْقِ الهَدْيِ (وَيُحْرِمُ بِالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) كَمَا يُحْرِمُ أَهْلُ مَكَّةَ يجوز، ولكن إحرام أهل مكة يوم التروية؛ فلعله خصه به لهذا المعنى (١). («لو استقبلت من أمري»)؛ أي: لو عرفت أولا ما عرفت آخرًا. («لما سقت الهدي») وقصته: أنه ﵇ أمر أصحابه بأن يفسخوا إحرام الحج ويحرموا بالعمرة لما بلغوا مكة؛ تحقيقًا لمخالفة الكفرة، وكانوا لا يفسخون ولا يحلقون؛ ينتظرون رسول الله ﷺ [فاعتذر النبي ﷺ والسلام] (٢) وقال: «لو استقبلت … » الحديث، فبين أن سوق الهدي يمنعه عن التحلل. كذا في المبسوط (٣). قوله: («من أمري») يحتمل أن المراد منه سوق الهدي، ويحتمل شيئًا آخر. و"ما " في («ما استدبرت») بمعنى "الذي". («لجعلتها»)؛ أي: السفرة أو الحجة، أو الحج؛ أنثه باعتبار الخبر. («وتحللت منها»)؛ أي: من العمرة. يعني: لو علمتُ أن سوق الهدي مانع من التحلل لجعلت العمرة فحسب، واكتفيت بالعمرة وما شرعت في الحجة أصلا؛ فهذا كله دليل على أن سوق الهدي مانع من التحلل كذا في الكافي والمبسوط (٤). وفي المبسوط: قال ﵇ في حديث آخر: «أَمَا أَنِّي قلّدتُ هَدْيِي ولبدتُ رأسي؛ فلا أَحِلُّ حتَّى أَنْحَرَ» ومعنى ما رواه: فليتحلل يوم النحر. ولأن سوق الهدي يمنعه من التحلل؛ لقوله ﵇: «من ساقَ الهَدْيَ فليس له أن يَحِلَّ». ولأن للسوق تأثير في إثبات الإحرام ابتداء، فكان له أثر في استدامته

стр. 2180

عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَإِنْ قَدَّمَ الإِحْرَامَ قَبْلَهُ جَازَ، وَمَا عَجَّلَ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ المُسَارَعَةِ وَزِيَادَةِ المَشَقَّةِ، وَهَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ فِي حَقٌّ مَنْ سَاقَ الهَدْيَ، وَفِي حَقٌّ مَنْ لَمْ يَسُقْ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) وَهُوَ دَمُ المُتَمَتِّعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ حَلَّ مِنْ الإِحْرَامَيْنِ)؛ لِأَنَّ الحَلْقَ مُحَلِّلٌ فِي الحَجِّ كَالسَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَيَتَحَلَّلُ بِهِ عَنْهُمَا. أيضًا؛ بل أولى؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء. كذا في المستصفى (١). قوله: (على ما بينا)؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٦]. قوله: (وما عجل المتمتع)؛ لا خلاف في جواز التقديم على يوم التروية، والتقديم أفضل عندنا (٢). وقال الشافعي: يحرم بالحج يوم التروية بعد الزوال متوجها إلى منى (٣). وعن مالك: يستحب أن يحرم به من أول ذي الحجة عند رؤية هلاله (٤). قوله: (فقد حلّ من الإحرامين) فإن قيل: لو كان إحرام العمرة ثابتًا إلى وقت الحلق؛ ينبغي أن يجب على القارن لو قتل صيدًا بعد الوقوف قيمتان، كما لو قتل قبل الوقوف، وعندنا يجب عليه قيمة واحدة. قلنا: إحرام العمرة انتهى بالوقوف؛ لأنه تعالى جعل الحج غاية إحرام العمرة بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ والمغيَّا لا يبقى بعد وجود الغاية، ولكن بقي في حق التحلل لا غير؛ لأن التحلل يتصور بعد قيام الإحرام، وذلك كإحرام المُفرد؛ فإنه لا يبقى بعد الحلق في حق سائر المحظورات ويبقى في حق طواف الزيارة. كذا بالمبسوط (٥).

стр. 2181

قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتَّعُ وَلَا قِرَانٌ، وَإِنَّمَا لَهُمْ الإِفْرَادُ خَاصَّةً) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ قوله: (خلافًا للشافعي)؛ فإن عنده لا يُكره للمكي ومن كان من حاضري المسجد الحرام القرآن والتمتع، ولكن لا يجب عليه دم (١). وبه قال أحمد (٢)، ومالك في القران (٣). وقال عبد الملك بن ماجشون من أصحابه: يجب على المكي دم فيهما (٤). وجه قول الشافعي: أن القارن أو المتمتع يترفه بإدخال عمل أحد النسكين في الآخر، والمكي وغيره في هذا سواء؛ لكن لا يجب الدم؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ [البقرة ١٩٦] وذلك إشارة إلى وجوب الهدي أو الصوم، فلم يوجب على المكي شيئًا مع شرع تمتعه. ثم اختلف في حاضري المسجد الحرام؛ فعند الشافعي (٥)، وأحمد (٦): المكي ومن كان داره من مسافة القصر من مكة. وفي اعتبار مسافة القصر له وجهان: أحدهما: أنه من عمارة مكة؛ لأن المسجد الحرام يعتبر من عمارات مكة؛ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١] وأسرى به من بيت أم هانئ. والثاني: أنه يعتبر من الحرم؛ لأن المسجد الحرام يذكر ويراد به الحرم؛ قال تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة ٢٨] ولا يمكنون من دخول المسجد الحرام، وقال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥] والمراد به الحرم كذا في تتمتهم (٧). وعند مالك: هو سكان مكة وذي طوى (٨).

стр. 2182

وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ وَلِأَنَّ شَرْعَيْتَهُمَا لِلتَّرَفُّهِ. وعندنا: من كان داخل الميقات وأهل الحرم؛ بدليل أنهم يدخلون مكة بغير إحرام فيكونون تبعًا لهم. كذا في المبسوط (١). (والحجة عليه) أي: على الشافعي (قوله تعالى): ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وذلك إشارة إلى التمتع؛ إذ لو كان إشارة إلى وجوب الهدي لقيل ذلك على من دون لمن لم يكن أهله، والتمتع شرع لنا لا علينا إن شئنا فعلنا وإلا لا. أما الهدي أو الصوم بعد الشروع فعلينا لا اختيار لنا فيه، وذلك يصلح كناية عن المجموع فيُصرَف إلى الجميع - يعني المتمتع والقران- ووجوب الهدي أو الصوم لمن لم يكن حاضر المسجد الحرام فلا يخصه بواحد بلا دليل. كذا في الأسرار. فإن قيل: أخبر الله تعالى أن التمتع لغير الحاضرين وسكت عن الحاضرين، فلم لا يجوز التمتع لهم بدليل آخر؟ قلنا: علم جوازه للآفاقي بإخبار الله تعالى وإذنه، وهما معدومان في حق المكي فيبقى معدوما؛ لأن هذه قضية متلقاها من صاحب الشرع فيقتصر على مورد الشرع. كذا قيل، وفيه تأمل. وقيل في جوابه: إن اللام للتخصيص فيجب أن نخص شرعه لغير الحاضرين، ولأن المكي إذا قرن فقد أخل بأحد الميقاتين؛ لأن ميقات الحج في حقه جوف الحرم، وميقات العمرة خارج الحرم، فإذا قرن فقد أخل بأحدهما؛ فلهذا لم يشرع في حقه. كذا في الإيضاح. ومذهبنا مذهب ابن عمر. (ولأن شرعيتهما) أي: شرع القرآن والتمتع (للترفه) ومعنى الترفه فيهما في أداء [أحد] (٢) النسكين بسفر واحد لا في إدخال عمل أحدهما في الآخر، ومن

стр. 2183

بِإِسْقَاطِ إِحْدَى السَّفْرَتَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ، (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ المِيقَاتِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المَكِّيِّ، حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ مُتْعَةٌ وَلَا قِرَانٌ)، بِخِلَافِ المَكِّيِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى الكُوفَةِ وَقَرَنَ حَيْثُ يَصِحُ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ وَحَجَّتَهُ مِيقَاتِيْتَانِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْآفَاقِيِّ. (وَإِذَا عَادَ المُتَمَتِّعُ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ العُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ كان حاضر المسجد غير محتاج إلى السفر؛ إذ لا يلحقه به كثير مشقة، فلا يوجد معنى الترفه في حقه، وفي حق الآفاقي ذلك، فيوجد في حقه معنى الترفه. كذا في المبسوط (١). قوله: (بخلاف المكي) متصل بقوله: (وليس لأهل مكة تمتع ولا قران) (٢) ذكره في الكافي. (وقرن) يعني المكي إذا كان بالكوفة وانتهى إلى الميقات، وقرن بين الحج والعمرة وأحرم بهما؛ صح، ويلزمه دم القران؛ لأن صفة القارن أن تكون عمرته وحجته ميقاتين، وقد وجد هذا في حقه، فكان بمنزلة الآفاقي. كذا في المبسوط (٣). وإنما خصه بالقران؛ لأنه لو اعتمر هذا المكي في أشهر الحج وحج من عامه لا يكون متمتعًا، ساق الهدي أم لم يسق؛ لأن الآفاقي إنما يكون متمتعًا إذا لم يُلِمَّ بأهله إلمامًا صحيحًا بين النسكين، والمكي هنا ملم بأهله بينهما حلالا ساق الهدي أو لم يسق؛ لأن الآفاقي إنما يكون عوده غير مستحق، فمنع ذلك صحة إلمامه. وإنما يصح قرآن هذا المكي إذا خرج من الميقات قبل أشهر الحج؛ لأنه لو خرج بعد دخوله وهو بمكة؛ صار ممنوعًا عن القرآن شرعًا، فلا يتغير ذلك بخروجه من الميقات. هكذا روي عن محمد. كذا في المبسوط وجامع المحبوبي. ولكن ذكر في شرح المجمع مطلقًا: والمكي إذا خرج إلى الكوفة وقرن أو

стр. 2184

بَطَلَ تَمَتُّعُهُ)؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ فِيمَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ إِلْمَامًا صَحِيحًا، وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ التَّمَتَّعُ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، (وَإِذَا سَاقَ الهَدْيَ فَإِلْمَامُهُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا وَلَا تمتع؛ صح؛ لأن حجته وعمرته ميقاتين (١). قوله: (بطل تمتعه)؛ أي: بالإجماع. أما عند الشافعي [ومالك] (٢): بمجرد العود إلى الميقات لإحرام الحج، ساق الهدي أو لا؛ يبطل تمتعه ولا دم عليه (٣). وعندنا: لا يبطل حتى يلم بأهله (٤). وقد نقل أن في أحد قولي الشافعي: يكون متمتعًا، ويقول: لا أعرف الإلمام. والظاهر من مذهبه: أنه لو عاد إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه أو إلى مثله لم يكن متمتعا؛ فلذلك ترك صاحب المجمع ذكر الخلاف فيه. وعندنا: أن العمرة شرعت في أشهر الحج للمتمتع بصفة التكميل للحج فيصير الوقتُ باقيًا للحج، وذلك خلاف المشروع فيبطل تمتعه. كذا في جامع فخر الإسلام. واعتمادنا في ذلك حديث ابن عباس فإنه قال مثل مذهبنا. (عن عدة من التابعين) وروي ذلك عن الصحابة أيضًا فإنه عن عمر وابنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء وطاووس والنخعي: أن المتمتع إذا أقام بمكة؛ صح تمتعه، وإن عاد إلى أهله؛ بطل تمتعه. ذكره في المبسوط (٥). وقيد بقوله: لم يسق الهدي؛ لأنه إذا ساقه لا يبطل تمتعه عندهما كما ذكره في المتن، وقد بينا الإلمام الصحيح.

стр. 2185

يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَبْطُلُ (*)؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُمَا بِسَفْرَتَيْنِ. وَلَهُمَا: أَنَّ العَوْدَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ مَا دَامَ عَلَى نِيَّةِ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ فَلَمْ يَصِحَّ الْمَامُهُ، بِخِلَافِ المَكِّيِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى الكُوفَةِ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الهَدْيَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ العَوْدَ هُنَاكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، فَصَحَّ إِلْمَامُهُ بِأَهْلِهِ. (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ، فَطَافَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ دَخَلَتْ أَشْهُرُ الحَجِّ فَتَمَّمَهَا وَأَحْرَمَ بِالحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا)؛ (لأنه) أي: الذي ساق الهدي (أداهما) أي: العمرة والحجة (بسفرتين)؛ إذ الإلمام قد وجد. (والعود هناك غير مستحق عليه)؛ لأنه لو بدا له ألا يتمتع، كان له أن يمكث. قوله: (مستحق)؛ أي: واجب. (ما دام على نية التمتع) يعني: لأجل الحلق عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الحلق مؤقت عندهما بالحرم وجوبًا، وعند أبي يوسف استحبابًا فكان العود مستحقًا وجوبًا أو استحبابا، واستحقاق العود يمنع صحة الإلمام. كذا في الإيضاح (١). وكذا الخلاف لو طاف أربعة أشواط فرجع إلى أهله، ثم رجع إلى مكة وأتمها وحج من عامه أو فرغ من الطواف والسعي ورجع إلى أهله قبل الحلق إذا لم يكن سائقًا للهدي؛ فعند محمد يبطل تمتعه؛ لأنه أداهما بسفرتين؛ لوجود الإلمام بالأهل، وعندهما الإلمام غير صحيح؛ لبقاء إحرامه كما ذكرنا (٢). قوله: (كان متمتعًا)، وبه قال الشافعي في القديم. وقال في الجديد في الأم: لا دم عليه (٣)، وبه قال أحمد (٤).

стр. 2186

لِأَنَّ الإِحْرَامَ عِنْدَنَا شَرْطٌ فَيَصِحُ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَشْهُرِ الحَجِّ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَدَاءُ الأَفْعَالِ فِيهَا، وَقَدْ وُجِدَ الأَكْثَرُ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ (وَإِنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَصَاعِدًا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا)؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الأَكْثَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَفْسُدُ نُسُكُهُ بِالجِمَاعِ، وفي تتمتهم: لا فرق في ظاهر المذهب بين أن يكون عبوره على الميقات قبل أشهر الحج أو بعد دخولها (١). وقال ابن سريج: إن عبر عليه قبلها لا يكون متمتعًا، ولو عبر في أشهر الحج يجعل متمتعًا؛ لأنه حصل في أشهر الحج محرمًا. وجه ظاهر المذهب: أنه لم يجمع بين النسكين فيها؛ لتقدم ركن العمرة - وهو إحرامها- عليها، فحينئذ لا تفاوت بين أن يكون العبور على الميقات فيها أم لا. وقال مالك: إذا لم يتحلل من العمرة حتى دخل أشهر الحج صار متمتعًا سواء طاف الأقل أو الأكثر؛ لبقاء الجمع بينهما باعتبار الإتمام (٢). (والإحرام، عندنا شرط) ومالك (٣)، وأحمد (٤)، فإنه عقد على الأداء كتكبيرة الافتتاح، ويعتبر الجمع في الأركان. (وللأكثر حكم الكل) وفي الكافي: هذا إذا لم يعارضه نص، كما في ثلاث ركعات الظهر حيث لا تكون بمنزلة الأربع؛ لأن النص ناطق بأن الظهر أربع ركعات. (وهذا) أي كون الأكثر في حكم الكل. (لا يفسد نسكه بالجماع) يعني: لو طاف الأكثر؛ لأن ركن العمرة هو الطواف؛ فيتأكد إحرامه بأداء الأكثر كما يتأكد إحرام الحج بالوقوف، ولكن عليه دم عندنا. كذا في المبسوط (٥).

стр. 2187

فَصَارَ كَمَا إِذَا تَحَلَّلَ مِنهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ. وَمَالِكُ ﵀ يَعْتَبِرُ الإِتْمَامَ فِي أَشْهُرٍ الحَجِّ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّ التَّرَفُّقَ بِأَدَاءِ الأَفْعَالِ، وَالمُتَمَتِّعُ مُتَرَفِّقٌ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ. قَالَ: (وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالُ وَذُو القَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ) ولكن هذا رد المختلف على المختلف؛ لأن عدم الفساد بالجماع بعد طواف الأكثر مذهبنا (١). أما عند الشافعي (٢)، ومالك (٣): يفسد بالجماع قبل التحلل. (والحجة عليه) أي: على مالك (ما ذكرناه) وهو أن للأكثر حكم الكل وصار بحال لا يفسد نسكه بالجماع، وقد وجد الأكثر في غير أشهر الحج فلا يكون جمعًا بين النسكين حقيقة، وهو ظاهر، وحكمًا؛ لما أن [الأكثر وجد في غير أشهر الحج، وهذا الخلاف يرجع إلى أن] (٤) للأكثر حكم الكل أم لا؟ (وأشهر الحج: شوال) ثم لما كان شرط التمتع أن يكون النسكان فيها؛ احتاج إلى بيان أشهره، فشرع في بيانه، فقال: أشهر الحج كذا. (وعشر من ذي الحجة)؛ أي: عشرة أيام، وبه قال أحمد (٥)، ومالك في رواية ابن حبيب (٦). وقال أبو يوسف: عشر ليال وتسعة أيام منه، فأما اليوم العاشر فليس بوقت الحج (٧). وبه قال الشافعي وأبو ثور (٨)؛ لأن فواته يتحقق بطلوع الفجر من يوم النحر.

стр. 2188

كَذَا رُوِيَ عَنِ العَبَادِلَةِ الثَّلَاثَةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ وقال مالك (١)، والشافعي في القديم (٢): تمام ذي الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة ١٩٧] والمراد وقت الحج بالإجماع؛ لأن الحج عبادة، والأشهر لا تكون عبادة وإنما تكون ظرفًا لأدائها، وأدنى الجمع المتفق عليه: ثلاث. ولنا: ما (روي عن العبادلة الثلاثة) وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. وهذا عند الفقهاء، وعند المحدثين العبادلة أربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير. فإن العبادلة وابن الزبير والصحابة قالوا: وعشر من ذي الحجة، وذكر أحد العددين من الأيام والليالي بلفظ الجمع يقتضي دخول ماء بإزائه من العدد الآخر. وكذا روي عن الضحاك والشعبي والنخعي، ولأنه تعالى قال: ﴿يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة ٣]، والمراد يوم النحر إلا أنه وقت الحج لأداء الطواف لا لأداء الوقوف؛ فلهذا يتحقق فوات الوقوف بطلوع الفجر منه لفوات وقت الوقوف. كذا في المبسوط (٣). وعن أبي يوسف: أن يوم النحر من أشهره؛ لما ذكرنا أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر، ولأن طواف الزيارة ركن وهو يومه يستحيل أداء الركن في غير الوقت (٤). وفي المستصفى: لا بد من الإضمار؛ إذ الحج أفعال فلا يكون أشهرًا. فقيل: معناه الحج في أشهر، والأفعال إنما تقع في خمسة أيام، فعلم أن المراد إحرام الحج في أشهر؛ ولهذا لا يجوز الشافعي الإحرام قبلها (٥).

стр. 2189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعندنا، ومالك (١)، وأحمد (٢): يجوز، ويكره. وأطلق اسم الجمع على الشهرين وبعض الثالث؛ لأن اسم الجمع قد يشترك فيه ما وراء الواحد قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم ٤]. وقيل: نزل بعض الشهر بمنزلة الكل؛ كما يقال: رأيتك سنة كذا، والمراد في ساعة منها. كذا في الكشاف. قيل: ما استشهد به ليس من نظير ما نحن فيه، فإن الاثنين لما كان لكل واحد قلب واحد، وأضاف القلبين إلى الاثنين كره أن يقال قلبا، كما أن المضاف مع المضاف إليه كشيء واحد، وتكثير الأمثال مستكثرة عندهم فعدلوا عن الجمع عند عدم اللبس، ولم يجوزوا ذلك عند اللبس. أما الأشهر: فجمع محقق وليس باسم جمع، لا يقال للشهرين أشهر، كما لا يقال للرجلين رجال. وكذا قوله: ينزل بعض الشهر منزلة الكل كما رأيتك سنة كذا، والمراد في ساعة. فقيل: ليس ذلك نظير ما نحن فيه؛ لأن إضافة ما لا يمتد يستلزم وجود جزء من المضاف إليه والرؤية منه، بخلاف ما يمتد؛ لأنه يستلزم استغراقه كما لو قال: لأصومن، فإنه يشترط استيعابه والحج مما يمتد إحرامه، فلا يكون نظير الرؤية. وأجيب بأن الأصل هذا؛ لكن هذا استعمل بطريق المجاز فلا يشترط فيه ما ذكرته. وفي المحيط: وفائدة هذا الخلاف تظهر في حق أفعال الحج، فإنها لا تصح إلا فيها، وفي حق المتمتع حتى لو طاف أربعة أشواط قبل أشهر الحج والباقي فيها لا يكون متمتعا كما ذكرنا (٣). وفائدة خلاف مالك تظهر أيضا في تأخير طواف الزيارة إلى آخر ذي الحجة.

стр. 2190

وَلِأَنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِمُضِيِّ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَمَعَ بَقَاءِ الوَقْتِ لَا يَتَحَقَّقُ الفَوَاتُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، لَا كُلُّهُ. (فَإِنْ قَدَّمَ الإِحْرَامَ بِالحَجِّ عَلَيْهَا جَازَ إِحْرَامُهُ وَانْعَقَدَ حَبًّا) فإن قيل: أداء الحج لا يصح في شوال ولا في ذي القعدة فكيف سميت أشهر الحج؟ قلنا: يجوز فيهما بعض أفعال الحج؛ ألا ترى أن الآفاقي إذا قدم مكة في شوال، وطاف طواف القدوم وسعى بعده؛ ينوب هذا السعي عن السعي الواجب في الحج، فإنه يجب مرة واحدة في أطواف الحج كلها. فإذا أتى به في طواف القدوم؛ لا يجب في طواف الزيارة ولا في طواف الصدر. ولو قدم في رمضان وفعل ذلك؛ لم ينب عن السعي؛ فظهر أنها محل لبعض أفعال الحج إلا أنه لا يجوز الوقوف ولا طواف الزيارة وغيرهما من الأفعال في شوال لا باعتبار أنه ليس بوقت؛ بل باعتبار أنها مختصة بأزمنة مخصوصة فيجب الإتيان بها على الوجه المشروع كالركوع والسجود، فلا يجوز تقديمه عليه لا باعتبار أنه أتى به في غير وقته؛ بل باعتبار أنه قدمه على غير الوجه المشروع. قوله: (ولأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة، ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات)، وفيه منع؛ لجواز أن يكون وقت الحج باقيا ومحلا لبعض أركانه، كطواف الزيارة لما قال مالك؛ إلا أنه يفوت باعتبار فوات ركنه الأعظم وهو الوقوف؛ لأنه مختص بوقت مخصوص فبفواته يفوت الحج لا بفوات الوقت. قوله: (فإن قدم الإحرام)، تقديمه على أشهر الحج جائز ومكروه عندنا، ومالك (١)، وأحمد (٢)، والشافعي في القديم (٣)؛ باعتبار أنه عقد على الأداء، فالأولى أن يأتي به في وقته، ولأنه لا يأمن مواقعة المحظورات إذا طال مكثه في الإحرام. كذا في المبسوط (٤).

стр. 2191

خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِنَّ عِنْدَهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، فَأَشْبَهُ الطَّهَارَةَ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ عَلَى الوَقْتِ؛ (خلافًا للشافعي)؛ فإن عنده في الجديد لا يصح تقديمه عليها، وتنعقد به العمرة (١)؛ لقوله ﵇: «المَهَلُّ بالحَجِّ في غير أشهر الحَجِّ مَهَلَّ بالعمرة» (٢)، ولأن الإحرام بالحج كالتكبير في الصلاة من حيث إنها عقد على الأداء، فكما لا يجوز الشروع فيها قبل وقتها فكذلك في الحج، أو لأنه ركن فلا يتأدى قبل وقته كسائر الأركان. وإذا لم يصح إحرامه به كان محرمًا بالعمرة؛ لأن الوقت وقت العمرة؛ ألا ترى أنه لو فات حجه بمضي الوقت يبقى إحرامه للعمرة، فكذا إذا حصل قبل وقته. ولنا: أنه مستدام إلى الفراغ منه كالطهارة في الصلاة والإيمان في كل وقت عبادة، وهذا حد شرط العبادة. فإن قيل: لو كان شرطًا كالطهارة لبقي بعد أدائه كما تبقى الطهارة والإيمان بعد الصلاة. قلنا: إنما تبقى الطهارة؛ لأنها لا تختص بالصلاة؛ بل هي لِمَعانٍ أُخَرُ شرطا لها، فبقيت وكذا الإيمان، أما الإحرام لا معنى له سوى الحج فلم يبق بعده. فإن قيل: لو كان شرطًا لما فات بفوات الحج ولبقي إلى القابل. قلنا: رفق من الشرع في دفع الضرر عن المكلف والمشقة عنه، وما جعل الله في الدين من حرج، ولأنه لا يتصل أداء الأفعال به فإنه يكون عند الميقات وأداؤها يكون بمكة. ولو أحرم في أول من شوال يصح أداؤها بعده بزمان طويل، فعرف أنه شرط فيجوز قبل الوقت كالطهارة بخلاف إحرام الصلاة، فإن الأركان هنا تتصل

стр. 2192

وَلِأَنَّ الإِحْرَامَ تَحْرِيمُ أَشْيَاءَ وَإِيجَابُ أَشْيَاءَ، وَذَلِكَ يَصِحُ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَصَارَ كَالتَّقْدِيمِ عَلَى المَكَانِ. بالتكبير، فإذا حصل قبل الوقت لا يتصل أداء الأركان به. أما هاهنا فأداء الأركان بعده بزمان [طويل] (١)، والحديث في الباب شاذ فلا يعتمد عليه. كذا في المبسوط (٢). وفي الإيضاح: الإحرام حقيقة: دخول في الحرم، كما يقال: أشتى؛ أي: دخل في الشتاء، وأنه عبارة عن ضروب حرمان والامتناع عن ارتفاقات نحو: قتل الصيد، ولبس المخيط، والارتفاق بالحلق، وما أشبه ذلك (٣). والدليل عليه: أنه ثبت بالنهي؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾ [البقرة ١٩٦] وموجب النهي الحرمة، ولا يجوز أن يكون من الحج؛ لأن الحج عبادة تتأدى بأفعال دون الحرمات غير أن الشرع شرع الأركان في هذه الحالة، وعليه نص رسول الله ﷺ فقال: «الحاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ». والأحوال من باب الشروط، وقد وافقنا الخصم على أن الإحرام شرط لصحة الأفعال وأفعال الحج مؤقتة دون الشروط، فأما اللزوم فموجب العقد على الأداء والعقد على الشيء لا يؤقت وهذا معنى قول المصنف (ولأن الإحرام تحريم أشياء وإيجاب شيء) إلى آخره. واستدل الخراسانيون من أصحابنا بقوله تعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]؛ أي: مواقيت للحج، فجعل جميعها مواقيت للناس، فوجب أن يكون جميعها مواقيت للحج. فإن قيل: [قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾] (٤) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة ١٩٧] والأشهر والنون [جمع] (٥) قلة.

стр. 2193

قَالَ: (وَإِذَا قَدِمَ الكُوفِيُّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَفَرَغَ مِنهَا وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ ثُمَّ اتَّخَذَ مَكَّةَ أَوْ البَصْرَةَ دَارًا، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة ١٩٧] من بين سائر الأشهر، فمن جعل السنة كلها وقتًا للحج لم تكن معلومات. قلنا: الإضمار لازم في الآية بالإجماع، فإن أضمرتم: وقت الإحرام بالحج أشهر، أضمرنا وقت أفعال الحج أشهرًا، وأفضل وقت الإحرام بالحج أشهر، وإضمارهم أيضًا محتمل أن يكون وقته الواجب أو وقته المستحب. وأما جمع القلة والنون؛ فمتروك بالاتفاق، فإن المراد بالأشهر شهران وبعض الثالث بالاتفاق كما بينا، مع أن استعماله مكان جمع الكثرة جائز، ودلالة النون على القلة غير لازمة. قاله الزمخشري في المفصل (١). والجواب عن قوله: ﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ أراد بها الفضيلة والكمال لا الوجوب كالتقديم على المكان بأن أحرم من دويرة أهله فإنه جائز بالإجماع، ولأن الصحابة قالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦] إتمامه أن يحرم بهما من دويرة أهله، وذلك لا يتأتى على العموم في أشهر الحج؛ لبعد بعض البلاد، والحمل على القرينة من غير دليل. قوله: (وقصر)، وكذا لو حلق؛ ولهذا قال في شرح المجمع: وحلق أو قصر، وإنما خَصَّ القصر؛ لأنه يعلم منه حكم الحلق بالطريق الأولى دون العكس. ثم الأصل أن المتمتع: من تتم له العمرة والحج في أشهر الحج بغير إلمام صحيح بينهما ولم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإذا عرف هذا؛ نقول: (كوفي قدم بعمرة في أشهر الحج) إلى آخره، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: في وجه: يكون متمتعا بالاتفاق، وهو بأن اعتمر فيها ومكث بمكة وحج في أيام الحج من عامه ذلك، فهو متمتع بالإجماع وعليه دم؛ لارتفاقه (بنسكين في سفر واحد) (٢). وفي وجه: لا يكون متمتعا بالإجماع، وهو أن يرجع إلى وطنه بغير العمرة

стр. 2194

أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ تَرَفَّقَ بِنُسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَقِيلَ: هُوَ بِالاتِّفَاقِ. وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَعِنْدَهُمَا: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا (*)؛ لِأَنَّ المُتَمَتِّعَ مَنْ تَكُونُ عُمْرَتُهُ مِيقَاتِيَّةٌ وَحَجَّتُهُ مَكَّيَّةٌ. ثم حج من عامه. وفي وجه اختلف فيه وهو: إن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى غير بلده - أي: البصرة أو الطائف أو نحو ذلك - وهذا الاختلاف اختيار الطحاوي (١). وقال الجصاص: هذا بالاتفاق أيضًا أنه متمتع (٢). وقيل: الأصح قوله؛ لأن محمدًا ذكر هذه المسألة في الجامع، وقال: إنه متمتع ولم يذكر الخلاف. وروي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وإبراهيم مثل ذلك (٣). وفي المبسوط: ذكر الطحاوي في هذا الفصل خلافًا بين أبي حنيفة وصاحبيه وهو الصحيح، فإن عنده يكون متمتعًا؛ لحديث يزيد الثقفي أنه سأل ابن عباس فقال: أتينا عمارًا فقضيناها، ثم زرنا القبر - أي: قبر النبي ﵇ ثم حججنا فقال: أهم متمتعون؟ ثم أمرهم بالهدي، فالأصل عنده أنه ما لم يصل إلى أهله فهو في حكم المتمتع كمن لم يجاوز الميقات (٤). وعندهما: من خرج إليه فهو كمن وصل إلى أهله في أنه لا يكون متمتعا (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨)، فإن عندهما لو عاد إلى الميقات وأحرم بالحج لا دم عليه. (أما الأول) وهو إذا ما اتخذ مكة دارًا. (وأما الثاني) وهو إذا ما اتخذ البصرة دارًا.

стр. 2195

وَنُسُكَاهُ هَذَانِ مِيقَاتِيَّانِ. وَلَهُ: أَنَّ السَّفْرَةَ الأُولَى قَائِمَةٌ مَا لَمْ يَعُدْ إِلَى وَطَنِهِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ نُسُكَانِ فِيهَا فَوَجَبَ دَمُ التَّمَتُّعِ (فَإِنْ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ فَأَفْسَدَهَا وَفَرَغَ مِنْهَا وَقَصَّرَ أَوْ حَلَق، ثُمَّ اتَّخَذَ البَصْرَةَ دَارًا، (ونسكاه هذان) وفي بعض النسخ هاهنا (ميقاتان) يعني: التمتع أداء العمرة والحج في أشهر الحج في عام واحد [بسفر واحد] (١) ولم يوجد؛ لأن حكم السفر الأول بطل باتخاذ البصرة دارًا، فكان حجه من البصرة بسفرة جديدة؛ لأنه خرج من أن يكون من أهل مكة وصار بمنزلة عوده إلى الكوفة وحجه منها فلا يصير متمتعا؛ لأن السفرة الأولى قائمة. وإن اتخذ البصرة دارًا وارتفاعها بالعود إلى أهله؛ فإن الإنسان إذا خرج من وطنه ما دام مترددًا في سفر؛ يعد ذلك كله سفرًا واحدًا، ولأن الأصل إن أنشأ السفر إنما يكون من وطنه؛ ولهذا لو أوصى بأن يحج عنه حج عن وطنه فبقي حكم السفرة الأولى إلى أن يعود إلى أهله؛ ألا ترى أنه لو اعتمر في أشهر الحج ثم جاوز الميقات لم يبطل التمتع إلا بالإلمام بالأهل، فكذا هذا. كذا في الإيضاح (٢). قوله: (نسكان فيها)؛ أي: في هذا السفر (فوجب دم التمتع) احتياطا لأمر العبادة، ثم كونهما ميقاتين لا يخرجه عن كونه متمتعًا؛ لأن هذه النكتة لبيان أن ميقات المتمتع في الحج ميقات أهل مكة، ولو أن المكي إذا خرج من الحرم وأحرم بالحج يصير محرمًا بالإجماع، وإن كان ميقاته الحرم فكذا هاهنا؛ وهذا لأن الأصل في التمتع أن تكون حجته مكية، ولكن لو أحرم يصير متمتعًا على أن المدعي شبهة حصول النسك في سفر واحد، والشبهة لا تسقط بعارض كونهما ميقاتيتين. كذا في الخبازية (٣). قوله: (فإن قدم بعمرة)؛ أي: بإحرام عمرة (فأفسدها) بأن جامع قبل أفعال العمرة. (ثم اتخذ البصرة دارًا) أي: في أشهر الحج، أما لو خرج إلى البصرة قبلها

стр. 2196

ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: هُوَ مُتَمَتِّعٌ) (*)؛ لِأَنَّهُ إِنْشَاءُ سَفَرٍ وَقَدْ تَرَفَّقَ فِيهِ بِنُسُكَيْنِ. وَلَهُ: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى سَفَرِهِ واعتمر وحج من عامه؛ فهو متمتع بلا خلاف. ذكره في مبسوط شيخ الإسلام والفوائد الظهيرية (١). قوله: (ثم اعتمر)؛ أي: قضى العمرة التي أفسدها. (لم يكن متمتعًا) عند أبي حنيفة، وهو قياس مذهب الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). (لأنه) أي: الخروج من البصرة (إنشاء سفر) وقد اجتمع فيه نسكين، فصار كما لو رجع إلى أهله وعاد فقضاها وحج؛ فإنه يكون متمتعا بالاتفاق، فكذا هذا؛ فكان الأصل أن خروجه إلى البصرة كخروجه إلى أهله عندهما، وعنده خروجه إليها بمنزلة المقام بمكة. ولو كان بمكة (لا يكون متمتعًا)؛ لما أن سفره الأول (انتهى بالعمرة الفاسدة) (٥)، فصار كواحد من أهل مكة، وليس للمكي تمتع ولا قران؛ لأن المتمتع من تكون عمرته ميقاتية وحجته مكية. كذا في المبسوط وجامع الإسبيجابي (٦). (وله أنه باق) أي: سفره للبصرة (على سفره) الأول، وهو قد انتهى بالعمرة الفاسدة، ولم يبق أهلا للتمتع باعتبار سفره الأول كما ذكرنا، ولم يحصل سفر جديد، وسفر البصرة تابع له؛ لأنه بنى عليه فيكون له حكم متبوعه فلا يكون متمتعا؛ ولهذا لو لم يخرج من مكة أو من الميقات حتى قضاها وحج من عامه

стр. 2197

مَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى وَطَنِهِ (فَإِنْ كَانَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّ هَذَا إِنْشَاءُ سَفَرٍ لِانْتِهَاءِ السَّفَرِ الأَوَّلِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ نُسُكَانِ صَحِيحَانِ فِيهِ، (وَلَوْ بَقِيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى البَصْرَةِ حَتَّى اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالاتِّفَاقِ)؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ مَكَّيَّةٌ، وَالسَّفَرَ الأَوَّلَ انْتَهَى بِالعُمْرَةِ الفَاسِدَةِ وَلَا تَمَتَّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ. (وَمَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَأَيُّهُمَا أَفْسَدَ مَضَى فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الإِحْرَامِ إِلَّا بِالأَفْعَالِ (وَسَقَطَ دَمُ المُتْعَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَفَّقْ بِأَدَاءِ نُسُكَيْنِ صَحِيحَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِذَا تَمَتَّعَت المَرْأَةُ فَضَحَتْ بِشَاةٍ لَمْ يُجْزِهَا عن دم المُتْعَةِ)؛ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ الوَاجِبِ، لا يكون متمتعا بالإجماع؛ فلهذا قال: (فإن كان رجع إلى أهله) إلى آخره. قوله: (صحيحان فيه)؛ أي: في السفر الثاني، والسفر الأول قد انتهى، فصار كالمكي لما ذكرنا. (وسقط دم المتعة)، أي: بإجماع العلماء. قوله: (وإذا تمتعت … ) إلى آخره؛ (لأنها) أي: المرأة (أتت بغير الواجب)؛ إذ الأضحية غير واجبة عليها؛ لأنها مسافرة ولم تنو دم التمتع، والتضحية إنما تجب بالشراء بنية الأضحية أو الإقامة ولم يوجد كلاهما. وعلى طريق وجوبها لم تُجزئ أيضًا عن دم التمتع، و كان عليها دمان سوى ما ذبحت: دم المتعة الذي كان واجبًا عليها، ودم آخر؛ لأنها إذا نوت عن أحدهما لم يجز عن الآخر. وإنما خصت المرأة وإن كان حكم الرجل كذلك؛ لأنها واقعة: امرأة سألت أبا حنيفة، فأجابها، فحفظها أبو يوسف، فأوردها محمد كذلك. كذا في الكافي (١). وفي النهاية وخصت المرأة؛ لأنها هي السائلة، أو لأن الغالب فيهن الجهل، وترك نية التمتع وهدي المتعة لا يكون إلا عن جهل، ثم لما نحرت عن المتعة كان عليها دمان سوى ما ذبحت: دم لأجل المتعة ودم آخر للجناية؛ لأنها

стр. 2198

وَكَذَا الجَوَابُ فِي الرَّجُلِ. (وَإِذَا حَاضَت المَرْأَةُ عِنْدَ الإِحْرَامِ اغْتَسَلَتْ وَأَحْرَمَتْ وَصَنَعَتْ كَمَا يَصْنَعُهُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ حَاضَتْ بِسَرِفٍ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ فِي المَسْجِدِ وَالوُقُوفَ فِي المَفَازَةِ، وَهَذَا الاغْتِسَالُ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ مُفِيدًا. (فَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، انْصَرَفَتْ مِنْ مَكَّةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا حلّت قبل الذبح. كذا في جامع المحبوبي وغيره (١). قوله: (بعد الوقوف)، والصحيح عند الإحرام وهو المذكور في شرح المختصر بدليل قوله: أحرمت، وتأويل المذكور في المتن: أحرمت بالإحرام إلى زمان الوقوف. كذا في الكافي (٢). قوله: (بِسَرِفٍ) على وزن كتف: هو جبل في طريق المدينة على عشرة أميال مكة. روي أنه ﵇ دخل عليها وهي تبكي وقد مرت قصته، فقال ﵇: «اِصْنَعي ما يصنَعُهُ الحاج غير أنكِ لا تطوفي بالبيت» (٣)، وبه قال الشافعي، وبهذا بالإجماع (٤)؛ لأنه رُوي أنه ﵇ أخبر أن صفية حاضت فقال ﵇: «عَقْرَى حَلْقَى أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فقال: «إنها قد طافَتْ طواف الزيارة»، وفي رواية: أفاضت، فقال ﵇: «فَلَتَنْفِرْ إِذَا» (٥)؛ فهذا دليل على أن الحائض ممنوعة عن طواف الزيارة، ولا شيء عليها في طواف الصدر. كذا في شرح الإرشاد والمبسوط (٦). ويدل الحديث على أنه ليس بركن؛ لجواز تركه بعذر الحيض. قوله: «عَقْرَى حَلْقَى» على فعلى؛ صفتان للمرأة إذا وصفت بالشؤم، وقيل:

стр. 2199

لِطَوَافِ الصَّدْرِ) لِأَنَّهُ ﵊ «رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ الحُيَّضِ فِي تَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ». (وَمَنِ اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدْرِ)؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَنْ يَصْدُرُ، إِلَّا إِذَا اتَّخَذَهَا دَارًا بَعْدَمَا حَلَّ النَّفَرُ الأَوَّلُ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَيَرْوِيهِ البَعْضُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِدُخُولِ وَقْتِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِنِيَّةِ الإِقَامَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. الألف للوقف وهو دعاء بقطع الرجل والحلق. وعن أبي عبيدة: عقر جسدها وأصيبت بداء في حلقها. وقيل: يقال للأمر الذي تُعجب منه: عَقْرَى حَلْقَى أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ أي أمانعتنا من الرجوع. أفاضت؛ أي: طافت طواف الزيارة؛ لأنه يسمى طواف الإفاضة. (لأنه) أي: طواف الصدر (على من يصدر: إلا إذا اتخذها)؛ أي: مكة (دارا) فحينئذ ليس عليه طواف الصدر؛ لأن من اتخذها دارا صار من أهلها، وهذا الطواف لا يجب على أهل مكة. وعند مالك: لا يجب على الآفاقي أيضًا (١). (النفر الأول): هو اليوم الثالث من أيام النحر، والنفر الثاني: آخر أيام التشريق. وقال أبو يوسف (٢)، والشافعي (٣): يسقط عنه طواف الصدر إلا إذا شرع فيه؛ لأن بدخول وقته لا يجب عليها، فدخول الوقت وعدمه سواء فيه كما لو حاضت بعد دخول وقت الصلاة حيث لا يلزمها. كذا في الإيضاح وجامع المحبوبي. قوله: (بعد ذلك)؛ أي: بعد دخول الوقت، كما لو أصبح صائما في رمضان وهو مقيم ثم سافر لا يحل له الإفطار.

стр. 2200

بَابُ الجِنَايَاتِ (وَإِذَا تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ، فَإِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا فَمَا زَادَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) [باب الجنايات] وهي جمع جناية، والجناية: اسم لفعل محرم شرعًا سواء حل في مال أو نفس. ولكن في عُرف الفقهاء: اسم لفعل محرَّم حل في النفس والأطراف، والفعل المحرم إذا حلَّ في الأموال خُصُّوا بالغصب والعرف غيره كذا في المبسوط (١). وفي المغرب: الجناية ما تجنيه من شر أي تحدثه، تسمية بالمصدر من جنى عليه جناية وهو عام، إلا أنه خص بما يحرم من الفعل، وأصله من جني الثمر وهو أخذه من الشجر (٢). وفي البدرية: المراد بالجناية هاهنا الحاصل بالمصدر بدليل أنه جمعها، والمصدر لا يجمع أو جمعه؛ لأنه ذو أنواع (٣). ثم لما فرغ من أحكام المحرمين بدأ بما يعتريهم من العوارض كالجنايات والإحصار والفوات فقدم الجناية عليهما؛ لأن الأداء القاصر مقدم على غير الأداء. قوله: (إذا تطيب … ) إلى آخره، أجمل الطيب والكفارة أولا ثم شرع في تفصيله، فقال: (إن طيب عضوا). وفي بعض النسخ: فإن تطيب وهو الصحيح؛ لأن التطيب لازم وهو لصوق الطيب بعضوه. والطيب لغة: ما يتطيب به والمراد هنا ما له عين ورائحة طيبة، وبهذين المعنيين وقع الاحتراز عن شم الطيب؛ فإنه لا جزاء فيه عندنا (٤)، خلافًا

стр. 2201

وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَالفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الجِنَايَةَ تَتَكَامَلُ بِتَكَامُلِ الارْتِفَاقِ، وَذَلِكَ فِي العُضْوِ الكَامِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَمَالُ المُوجَبَ (وَإِنْ طَيَّبَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ)؛ لِقُصُورِ الجِنَايَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنَ الدَّمِ للشافعي (١)؛ لما سيأتي، وعنده الطيب كل ما تقتصد رائحته كالزعفران والورد والبنفسج والورس والياسمين، دون الفواكه كالتفاح والأترج والسفرجل والأدوية كالقرنفل والزنجبيل. ثم اعلم أن المحرم ممنوع من استعمال الدهن والطيب؛ لقوله ﵇: «الشَّعِثُ التَّفِلُ» (٢)، وقال: «يَأْتُونَ شُعْثًا غُبْرًا من كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (٣)، واستعمالها يزيل هذا الوصف وما يكون صفة العبادة يكره إزالتها، إلا أن في ظاهر الرواية لو استعمل الطيب في عضو كامل يلزمه دم، وقد فسره هشام عن محمد، وقال: كالفخذ والساق، وما أشبه ذلك كالرأس والوجه والعضد فيما دون ذلك عليه صدقة وعند محمد يخصه؛ لأن رائحة الطيب توجد منه، استعمله في عضو كامل أو ما دونه (٤). وقلنا: الجزاء إنما يجب بحسب الجناية والجناية تتكامل بما هو مقصود من قضاء التَّفَثِ، والمعتاد استعماله في عضو كامل كذا في المبسوط كمال الموجب (٥)، واعتبره بزنا المحصن فإن النعمة في حقه كاملة. وعن الهندواني: الكثرة تعتبر في نفس الطيب لا في العضو، فإن كان كثيرًا مثل كفين من ماء الورد وكف من الغالية والمسك بقدر ما يستكثره الناس يكون كثيرًا، وإن كان في نفسه قليلا، والقليل ما يستقله الناس وإن كان في نفسه

стр. 2202

اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالكُلِّ كثيرًا، وإلى كل قول أشار محمد (١). والصحيح أن يوفق بين الأقوال فنقول: إن كان الطيب قليلًا فالعبرة للعضو لا للطيب حتى لو تطيب بالقليل عضوًا كاملًا يجب فيه دم وفيما دونه صدقة، وإن كان الطيب كثيرًا فالعبرة له لا للعضو، حتى لو طيب به ربع عضو يلزمه الدم؛ وذلك لأن التطيب له محلّان: الطيب والعضو، فإن كان الطيب كثيرا والعضو كبيرًا، فقد كثر فعل التطيب باعتبار المحلين فيجب دم. وإن كان الطيب قليلًا والعضو صغيرًا كالعين أو كبيرًا، وطيب بعضه فقد قل التطيب باعتبار المحلين فيجب صدقة، وإن كبر أحد المحلين دون الآخر أوجبنا الدم احتياطا، وهذا كما قال محمد في تقدير النجاسة الكثيرة، فاعتبر المساحة في الرقيقة والوزن في الكثيفة. وفي الذخيرة: إن كان الطيب كثيرًا فاحشًا ففيه دم، وفي القليل صدقة، واختلفوا في حَدِّهِ؛ لاختلاف عبارة محمد، ففي بعض المواضع: جعل حد الكثرة في نفس العضو، وفي بعضها: في نفس الطيب فقال: اكتحل بكحل فيه طيب ففيه صدقة ما لم يفعله مرارًا، فإذا فعله مرارًا ففيه دم، فبعض المشايخ اعتبر الكبر في العضو كالفخذ والساق، وبعضهم بربع العضو الكبير (٢). وقال خواهر زاده: إن كان الطيب في نفسه قليلًا ومع أنه طيب عضوا كاملا فهو كثير، وإن كان كثيرًا لا يعتبر فيه العضو فأخذنا بالاحتياط، ولو مسه ولم يلتزق بيده منه شيء؛ فلا شيء عليه، ولو التزق؛ ففي الكثير دم وفي القليل صدقة (٣). وفي مناسك الكرماني: لو طيب جميع أعضائه فعليه دم واحد؛ لاتحاد الجنس، ولو طيب في أعضائه متفرقة يجمع ذلك فإن بلغ عضوا كاملًا فعليه دم وإلا صدقة (٤).

стр. 2203

وَفِي المُنْتَقَى: أَنَّهُ إِذَا طَيَّبَ رُبُعَ العُضْوِ فَعَلَيْهِ دَمُ اعْتِبَارًا بِالحَلْقِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ وَاجِبُ الدَّمِ يَتَأَدَّى بِالشَّاةِ فِي جَمِيعِ المَوَاضِعِ، إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ ولو مس طيبًا بإصبعه فأصابها عضوًا كلها؛ فعليه دم ولا يُعتبر قصده. وفي الذخيرة: جعل الإصبع عضوًا كبيرًا (١). ولو أكل كثيرًا بأن تلطخ جميع فمه فعليه دم عند أبي حنيفة (٢). وفي الزعفران في الطعام: إذا أكله فلا شيء عليه (٣)، وبه قال مالك. ولو جعل في الملح يعتبر الغالب، وإن لم يطبخ فيه كره أكله إن كان ريحه يوجد، ولا شيء فيه لقصور الجناية (٤). وقال الشافعي (٥)، وأحمد (٦): يجب الدم في البعض قليلا كان أو كثيرا؛ لأن رائحة الطيب توجد منه وهو محظور الإحرام فدخل بسببه نقص فيه ونقصانه يجبر الدم، والتقدير: لا يثبت إلا بإجماع أو نص أو قياس على أصل معلل، ولم يوجد عضو من أعضائه أنه لا يجب فيه الفدية. كذا في تتمتهم. وقلنا: ما تعلق به الفدية من محظورات الإحرام ففي كفارته الأعلى والأدنى كالحلق والجماع وقص الأظفار، وعكسه مجاوزة الميقات. (وفي المنتقى): في المبسوط ذكر في المنتقى: إذا طيب شاربه أو طرفًا من أطراف لحيته دون الربع فعليه صدقة (٧). ولو (طيب ربع) الرأس، أو (ربع عضو) آخر؛ (فعليه دم اعتبارًا بحلق) الرأس. (إلا في موضعين)، وهو إذا ما طاف جنبًا أو جامع بعد الوقوف ففيهما البدنة.

стр. 2204

نَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الهَدْيِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَكُلُّ صَدَقَةٍ فِي الإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرِّ، إِلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ القَمْلَةِ وَالجَرَادَةِ)، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀. قَالَ: (فَإِنْ خَضَبَ رَأسَهُ بِحِنَّاءٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لِأَنَّهُ طِيبُ. قَالَ ﷺ : «الحِنَّاءُ طِيبٌ». قوله: (فهي)، أي: الصدقة غير المقدَّرة (نصف صاع من بر)؛ لأنها تنصرف إلى المعهودة في الشرع وهو كفارة اليمين وصدقة الفطر. كذا في الإيضاح. (إلا ما يجب بقتل القملة والجرادة) فإنه يتصدق بقتلهما ما شاء كما يجيء (١). قوله: (بحناء) بالتنوين؛ لأنه فعال لا فعلى، بدليل ما ذكره الجوهري في باب الهمز لا في باب النون (٢). قال الشافعي: الحناء ليس بطيب ولا يجب باستعماله شيء (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد (٥). وقال مالك: في الحنة فدية في الكف (٦)؛ لما روى عكرمة أن عائشة وأزواج النبي ﵇ كن يختضبن بالحنة وهن محرمات، وسئلت عائشة عنه فقالت: كان خليلي لا يحب رائحته (٧)، ومعلوم أنه ﵇ كان يحب الطيب؛ لكن لا يستحب للمحرمة أن تختضب؛ لأن ذلك زينة ولا يستحب للمحرم التزين. كذا في تتمتهم. ولنا: أنه (طيب)؛ لقوله ﵇: «الحنّاء طيب» (٨).

стр. 2205

وَإِنْ صَارَ مُلَبَّدًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ دَمُ لِلتَّطَيِّبِ وَدَمٌ لِلتَّغْطِيَةِ. (وَلَوْ خَضَبَ رَأْسَهُ بِالوَسْمَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطِيبٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ نَقَلَهُ: أَنَّهُ إِذَا خَضَبَ رَأْسَهُ بِالوَسْمَةِ؛ لِأَجْلِ المُعَالَجَةِ مِنْ الصُّدَاعِ فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ وَهَذَا صَحِيحٌ (*). ثُمَّ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ رَأسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الرَّأْسِ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ، دَلَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ. وفي المبسوط: نهى النبي ﵇ المعتدة أن تختضب بالحناء قال: «الحناء طيب». رواه النسائي أيضًا. ولأن له رائحة مستلذة وإن لم تكن ذكية (١). وما رواه أثر لا يعتبر في مقابلة الخبر مع أنه شاذ، ويحتمل أنه كان قبل الإحرام أو لعذر، وحديث عائشة أنه لا يحب رائحته، لا أنه غير طيب. قوله: (وإن صار ملبّدًا بأن كان الحناء جامدًا فعليه دمان) قاله أبو جعفر، وهذا إذا غطاه يومًا إلى الليل، فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة. وكذا لو غطى ربع الرأس، أما إذا كان أقل من ذلك؛ فعليه صدقة. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وعند الشافعي: يجب دم واحد باعتبار التغطية لا باعتبار الطيب (٣). قوله: (يغلف)، أي: يغطي. (في الأصل)؛ أي: في المبسوط؛ فإنه ذكر فيه خضب رأسه بالوسمة؛ فعليه دم لا للخضاب؛ بل لتغطية الرأس، هذا هو الصحيح، فإن خضب لحيته به فليس عليه دم، ولكن إن خاف أن يقتل الدواب أطعم شيئًا؛ لأن فيه معنى الجناية من هذا الوجه؛ لكنه غير متكامل فتلزمه الصدقة (٤). قوله: (منهما)، أي: من خضاب الرأس فإنه (مضمون) بالدم، وخضاب اللحية فإنه مضمون بالصدقة. كما ذكر في المبسوط (٥).

стр. 2206

(فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وفي الإيضاح: الوسمة ليست بطيب؛ لأنه ليس لها رائحة مستلذة، فإن خاف أن يقتل الدواب فعليه صدقة؛ لأنه يزيل الشعث (١). وعن أبي يوسف: لو خضب رأسه بالوسمة فعليه دم؛ لأنه غطَّى رأسه (٢). قوله: (فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ)، إنما خص الزيت؛ لأنه لو ادهن بالشحم أو بالسمن لا شيء عليه كذا في التجريد والإيضاح، وإليه أشير في المبسوط، فقال: وقال الشافعي لو استعمله في شعر الرأس واللحية عليه دم، وفي غيرهما لا (٣)، وكذا في كتبهم (٤). وفي أصح الروايتين عند أحمد لا يوجب الفدية استعمال الدهن وإن كان فيهما (٥) لأنه ليس بطيب لإزالة الشعث فإن استعماله فيهما يزيل الشعث، فيكون من قضاء التفث، فأما في غيرهما فليس فيه معناه ولا معنى لاستعمال الطيب؛ لأنه مأكول وليس بطيب، فيكون قياس الشحم والسمن، وبهذا احتج أبو يوسف ومحمد، لكنهما قالا: فيه معنى قتل الهوام فيكون بعضه جناية فتلزمه الصدقة (٦). وذكر في شرح أبي نصر: عندهما مأكول فلا يجب فيه دم كالسمن، فكان فيه اتفاق الرواية في أنه لا يجب شيء. وفي جامع الإسبيجابي: لهما ما روي أنه ﵇ «ادهن بزيت وهُوَ مُحرِم» (٧)، ولأنه يستعمل للغداء فصار كالشحم والسمن (٨).

стр. 2207

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الشَّعْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِانْعِدَامِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مِنْ الأَطْعِمَةِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ ارْتِفَاقًا بِمَعْنَى قَتْلِ الهَوَامٌ وَإِزَالَةِ الشَّعَثِ فَكَانَتْ جِنَايَةٌ قَاصِرَةٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ أَصْلُ الطَّيبِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ، وَيَقْتُلُ الهَوَامَ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيُزِيلُ التَّفَثَ وَالشَّعَثَ، فَتَتَكَامَلُ الجِنَايَةُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، فَتُوجِبُ الدَّمَ، وَكَوْنُهُ مَطْعُومًا لَا يُنَافِيهِ كَالزَّعْفَرَانِ، وَهَذَا الخِلافُ فِي الزَّيْتِ البَحْتِ وَالخَلِّ البَحْتِ. (ولأبي حنيفة) وبه (١) قال أحمد في رواية (٢) (أنه) أي: الزيت (أصل الطيب) فإن الروائح تلقى في الزيت لتصير غالية؛ فيجب باستعمال أصل الطيب ما يجب باستعمال الطيب كما في كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء؛ لأنه أصل الصيد كما في قتل الصيد، كذا في المبسوط (٣). وفي الإيضاح: هو أصل الطيب؛ ولهذا يتطيب بإلقاء الطيب فيه فجعل التطيب من وجه، فتكامل بهما معنى الجناية فيجب الدم (٤). قوله: (وكونه مطعومًا)، إلى آخره؛ جواب عن قولهما: إنه (من الأطعمة) وقياسهما على اللحم والشحم غير مستقيم؛ لما ذكرنا أنه أصل الطيب فيكون طيبا من وجه بخلاف الشحم والسمن. وأما ما روي أنه ﵇ فعل ذلك لعذر وليس في الخبر أنه لم يكفر. كذا في جامع الإسبيجابي. (وهذا الخلاف) أي: الخلاف المذكور بين العلماء (في الزيت البحت)؛ أي: الخالص (والخل البحت)، والكل دهن السمسم (٥). وقال مالك: لا يدهن بالزيت والشيرج الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين

стр. 2208

أَمَّا المُطَيِّبُ مِنهُ كَالبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّمُ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَهَذَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، (وَلَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ أَوْ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ أَصْلُ الطَّيبِ أَوْ طِيبٌ مِنْ وَجْهِ، فَيُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيِّبِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَدَاوَى بِالْمِسْكِ وَمَا أَشْبَهَهُ. والوجه ويدهن الأعضاء الباطنة، وتجب الفدية بالإدهان فيها (١). وقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال الشيرج في رأسه ولحيته أيضًا. (كالبنفسج) تعريب (بنفشه) (والزنبق) بالنون بوزن العنبر: دهن الياسمين. وعند الشافعي دهن البنفسج مبنى على البنفسج، وعنه أنه ليس بطيب (٢). وقال بعض أصحابه: إنه طيب قولا واحدًا، وبعضهم فيه قولان. (وما أشبههما كدهن الورد والبان المنشوش وهو المغلي بالمسك، وألبان الشجر؛ فيجب باستعمال الأدهان المطيبة الدم بإجماع العلماء (٣). قوله: (وهذا)، أي: ما ذكرنا من الخلاف إذا استعمله)، أي: الدهن، على وجه التطيب. قوله: (ولو داوى به)، أي: بالزيت البخت أو الخل البحت؛ (فلا كفارة عليه)؛ أي: لا شيء عليه، وبه صرح في المبسوط؛ لأن قصده التداوي وهو غير ممنوع عنه في الإحرام، وكذا لو أكله لا شيء عليه. كذا في المبسوط (٤). (وما أشبهه)؛ كالعنبر والكافور والزعفران؛ لأنها طيب بنفسها فيجب الدم، وكذا كل ما هو طيب بنفسه وإن استعملت على وجه التداوي. وفي المبسوط والإيضاح: يكره للمحرم أن يشم الريحان والطيب، هكذا روي عن ابن عمر، ولأنه متمتع برائحته، وكان ابن عباس: لا يرى به بأسا؛

стр. 2209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنه إنما يحرم عليه من الطيب وهذا يشم، فصار كمن اجتاز سوق العطارين، مع أن الريحان من جملة نبات الأرض لا من الطيب فصار كالتفاح والبطيخ ونحوهما، ولكنا نأخذ بقول ابن عمر؛ لأن في التطيب معنى الرائحة استعمال عين الطيب، والمقصود من الطيب رائحته، فما يوجد منه رائحة الطيب؛ يكره، وعن أبي يوسف في التفاح هكذا، والفرق في الظاهر أن المقصود في التفاح الأكل، فأما الريحان؛ فليس فيه مقصود سوى الرائحة فيمنع منه ولكن لا يجب عليه شيء؛ لأن الاستمتاع لا يتم بمجرد اشتمام الرائحة بمنزلة الجلوس عند العطارين، وعن عثمان أنه سئل هل يدخل المحرم البستان؟ فقال: نعم ويشتم الريحان (١). وعند الشافعي: الريحان الفارسي الذي يقال له: الضَّيْمَران من الطيب كالورد والبنفسج في الجديد وفي القديم لا (٢). وفي الوجيز: ومعنى الاستعمال إلصاق الطيب بالبدن والثوب، فإن عبق به الريح دون العين بجلوسه في حانوت عطار أو بيت تجمر ساكنوه فلا فدية. وفي شرحه: ولو عبق به الريح بأن جلس عطار أو عند الكعبة وهي مجمرة، أو بيت تجمر ساكنوه فلا فدية (٣). وفي شرحه: ولو عبق الريح وإن قصد لاشتمامها كره على الأصح ولا فدية وهو قولنا، وبعض الأصحاب أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية ولو مس طيبًا ولم يتعلق بيديه من عينه ولكن عبقت به الريح هل تلزمه الفدية؟ فيه قولان: أحدهما: وهو نقل المزني لا وهو قولنا؛ لأن الرائحة قد تحصل بالمجاورة فلا اعتبار لها. والثاني: يجب؛ لأن المقصود منه الرائحة وقد عبقت به، وذكر صاحب العدة وغيره أن هذا أصح القولين، وكلام الأكثر يميل إلى الأول (٤).

стр. 2210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو شم الورد أو الرياحين فقد تطيب به فتجب الفدية (١)، خلافًا لأبي حنيفة ولو شم ماءه لا (٢). وفي الحلية: حكى أبو حامد في كراهة الجلوس عند العطار وموضع فيه بخور وجهين (٣)، أحدهما: عنه يجوز أن يتبخر بالعود وغيره. ولو كان الطيب في طعام قد طبخ وتغيَّر فلا شيء في أكله؛ لأنه بالطبخ لغير معناه، ولو لم يطبخ كره ذلك إذا كان ريحه موجودًا ولا شيء عليه؛ لأنه ﵇ قاله، ولأنه غالب فصار الطيب مستهلكا (٤)، وبه قال مالك (٥). وقال الشافعي: إن ظهر عليه طعمه وريحه فاختلف فيه أصحابه؛ قال أبو إسحاق: يجوز قولًا واحدًا. وقال ابن سريج: فيه قولان، أصحهما: أنه لا فدية وإن طعمه من غير لون ولا رائحة فمن قال: لا فدية، ومنهم من قال: قولان، ومنهم من قال: تجب الفدية قولًا واحدًا، وهو الأصح. كذا في الحلية. وإن لم يبق له أثر؛ فلا شيء عليه (٦). وعن أحمد مثل مذهبه (٧)، وتفريعات الحنابلة مأخوذة من كتب الشافعية، ومذهبنا مروي عن ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعد بن جبير، وطاووس، فإنهم كانوا لا يرون بأسا بأكل الخُشْكَنانج (٨) الأصفر (٩)، وبه قال مالك (١٠). وفي الإيضاح: والطيب يتكرر في مجلس واحد يوجب فدية واحدة، وفي
следующие страницы →