← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ)، … مناسبة بسؤر الحمار خصوصًا على أصل محمد، فإنه لما وقع الإشكال في أن خبر النبيذ مقدم أم لا؟ وقع الشك، فإنه لو كان مقدمًا على آية التيمم لكان منسوخا بها ولو كان متأخرًا وأنه من المشاهير كان زيادة على الكتاب، والتاريخ مجهول، فأوجب ذلك شكا فيه، فوجب ضم التيمم إليه كما في سؤر الحمار. ثم الكلام فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: في جواز التوضي به، والثاني في وقته، والثالث: في نفسه. أما الأول: فعن أبي حنيفة ثلاث روايات ذكر في الجامع الصغير والزيادات: يتوضأ ولا يتيمم، وذكر في كتاب الصلاة: إن توضأ به ويتيمم كان أحبّ إليّ، وهو قول محمد (١)، وفي جامع الكردري: لم يرد به الترتيب، بل أراد به الجمع بينهما، والثالث: أنه لا يتوضأ به ويتيمم، وهو قول أبي يوسف. قال قاضي خان: هو الصحيح (٢)، واختاره الطحاوي. ورو نوح ابن مرم (٣) عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف (٤)، وهو قول زفر، والشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧) وغيرهم من العلماء. وفي الحلية: النبيذ نجس عندنا (٨). وفي شرح الوجيز: الجمادات كلها على الطهارة إلا الخمر والنبيذ

стр. 247

لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الجِنِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ لَمْ يَجِد الْمَاءَ، المسكر، والحيوانات كلها على الطهارة إلا الكلب والخنزير وفروعهما (١). وفي جامع الكردري عن أبي طاهر الدَّبّاس أنه قال: إنما اختلفت أجوبة أبي حنيفة ﵁ لاختلاف الأسئلة، فإنه سئل: إذا كانت الغلبة للحلاوة فيه؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ، وسئل عنه أيضًا: إذا كانا على السواء؟ قال: بالجمع بينهما، وسئل عنه أيضًا: إذا كانت الغلبة للماء؟ قال: يتوضأ ولا يتيمم، ولا خلاف في الحقيقة (٢). وذكر القدوري في شرحه عن أصحابنا أنه لا يجوز التوضؤ به إلا بالنية لأنه بدل عن الماء كالتراب، حتى لا يجوز الوضوء به حال وجود الماء، وينتقض الوضوء به أيضًا عند وجود الماء كالتيمم. وأما الثاني: قال أبو حنيفة: كل وقت يجوز التيمم فيه يجوز التوضؤ به وإلا فلا. وأما الثالث: فذكر محمد في النوادر: يلقى في الماء تميرات فتخرج حلاوتها، فلو توضأ به قبل خروج الحلاوة يجوز، وبعده إن كان رقيقًا يسيل على الأعضاء يجوز أيضًا. قوله: (لحديث ليلة الجن)، وقضيته ما روى أبو رافع وابن المعتمر، عن ابن عباس: أنه ﵇ خطب ذات ليلة، ثم قال: «لِيَقُمْ مَعِي مَنْ لَمْ يَكُنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقام ابن مسعود، فحمله النبي ﵇ مع نفسه، فقال عبد الله بن مسعود خرجنا من مكة، وخط النبي ﵇ حولي خطا، وقال: «لا تَخُرج من هَذا الخَطّ فإنك [إن] (٣) خَرَجْتَ عَنهُ لَم تَلْقَنِي إِلَى يوم القيامة»، ثم ذهب يدعو الجن إلى الإيمان ويقرأ عليهم القرآن حتى طلع الفجر، ثم رجع بعد طلوع الفجر وقال لي: «هل معك ماء أتوضأ به؟» فقلت: لا، إلا نبيذ التمر في إدارة، فقال ﵇: «تمرة طيبة، وماء طهور»،

стр. 248

(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَظْلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ للهُ عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا أَقْوَى، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا، لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَلَيْلَةُ الجِنِّ كَانَتْ مَكَّيَّةٌ. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ) (*)، لِأَنَّ فِي الحَدِيثِ اضْطِرَابًا، وأخذ وتوضأ به وصلى الفجر (١). قوله: (عملا بآية التيمم)، فإنها تنقل التطهير من الماء إلى التراب عند عدم الماء المطلق والنبيذ: ماء من وجه فيكون الحديث مردودا بها. (لأنها)، أي الآية أقوى من الحديث، وهو ظاهر. (أو هو)، أي الحديث، (منسوخ بها) أي بالآية. فإن قيل: نسخ الكتاب بالسنة، أو السنة بالكتاب لا يجوز عند الشافعي، فكيف يستقيم قوله: (أو هو منسوخ بآية التيمم). قلنا: يجوز أن يكون إثبات النسخ على قول أبي يوسف لا على قول الشافعي؛ لأن عنده في الحديث اضطرابا فلا يعمل به، بل يعمل بالآية. وقوله: (لأنها أقوى)، دليله ودليل أبي يوسف أيضًا. قوله: (اضطرابًا)، بيانه أن مدار هذا الحديث على أبي زيد مولى عمرو بن الحريث، روى عنه أبو فزارة نباذًا روى هذا الحديث ليهون أمر النبيذ على الناس، وأبو زيد كان مجهولاً عند النقلة، ولأنه روى عن [أبي] (٢) عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قيل له: هل كان أبوك مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ولوددت أن لو كان أبي صاحب رسول الله (٣)، ولو كان هو مع النبي ﵇

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكان فخرًا له عظيمًا، ومنقبة لعقبه بعده، فأنكر كون أبيه مع النبي ﵇، ولو كان لكان لا يخفى على ابنه، وعن علقمة: أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇ ليلة الجن (١). وقلنا: مداره كما كان على أبي فزارة كان على كبار الصحابة الذين لا طعن فيهم، مع أنه غير مطعون، فإن مصنف الصحيح ذكر أن اسمه كان راشد بن كيسان الزاهد، سمي زاهدًا لديانته وبيع النبيذ لا يوجب طعنا لجواز أنه باع نبيذا اتفق الناس على إباحته. وقوله: (وأبو زيد كان مجهولًا) (٢)، قلنا: لا، بل هو من كبار أئمة التابعين، وكان معروفًا عن الكرخي، عن يعقوب بن شيبة أنه قال في كتاب الطبقات: أن أبا زيد لقي عبد الله بن مسعود وسمع منه، وكان من علماء التابعين من طبقات الأولى بعد أصحاب رسول الله ﷺ (٣). وأما ما روي أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﵇، فقلنا: لا، بل كان معه فإن [محمد بن] (٤) إسماعيل البخاري أثبت كونه مع النبي ﵇ باثني عشر وجها، ومعنى قول ابنه أنه لم يكن مع النبي ﵇، أي لم يكن معه حالة الخطاب والدعوة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وجامع

стр. 250

وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةٌ فَوَجَبَ الجَمْعُ احْتِيَاطًا. قُلْنَا: لَيْلَةَ الجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَالحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَبِمِثْلِهِ … ... … المحبوبي (١). وفي شرح المصابيح: ويحتمل أنه لم يكن مع النبي ﵇ حين خرج، ثم لحقه بعد فراغه من دعوة الجن في ليلته لما في بعض طرق علقمة، عن ابن مسعود أن علقمة قال لابن مسعود: هل صحبت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال ما صحبته، ولكن فقدناه ذات ليلة، فلما كان في وجه الصبح أو في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وكذا أورده مسلم في كتابه، ولا ينافي بينه وبين قوله: (قلنا لي ليلة الجن)؛ لأن سحر تلك الليلة منها. قوله: (وفي التاريخ جهالة)، وفي جامع قاضي خان: تكلموا في انتساخ هذا الحديث لجهالة التاريخ، قال بعضهم: نسخ ذلك بآية التيمم، وقال بعضهم: لم ينسخ لأنها نزلت في شأن الأسفار، والنبيذ يستعمل في العادات فيما قرب من الأمصار فيجب الجمع احتياطا. (غير واحدة)، أي ليال، فيحتمل أن تكون ليلة الجن بعد آية التيمم عملت به الصحابة؛ فإنه روى الحارث عن علي ﵁ أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء، وروي عنه من طرق مختلفة أنه لا يرى بأساً بالوضوء به. وروى عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "توضؤوا بنبيذ التمر، ولا تتوضؤوا باللبن"، وروي عنه من طرق مختلفة بأنه لا يرى بأساً بالوضوء به (٢). وعن ابن مسعود: يجوز التوضؤ به، وهم كانوا من أئمة الفتوى فيكون قولهم مقدمًا على القياس. (وبمثله)، أي بمثل الحديث المشهور.

стр. 251

يُزَادُ عَلَى الكِتَابِ. وَأَمَّا الاغْتِسَالُ بِهِ فَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالوُضُوءِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّه فَوْقَهُ، وَالنَّبِيذُ المُخْتَلَفُ فِيهِ … ... (يزاد على الكتاب) كما في المُطلقة ثلاثًا فإنه يزاد الدخول على الكتاب بالحديث المشهور، وفي كون الحديث مشهورا تأمل. والجواب عن تعلقه بالآية أنها تشهد لنا؛ لأن (ما) نكرة في النفي فتعم، فيتناول بعمومه كل ماء، وفي نبيذ التمر ماء فيتناوله ظاهر الآية، كذا ذكره شيخ الإسلام، وفيه تأمل قوله: (وأما الاغتسال به)، أي بالنبيذ اختلف فيه، فقيل: لا يجوز؛ لأن الأثر جاء في الوضوء خاصة، والأصح أنه يجوز؛ لأن المخصوص من القياس بالنص يلحق به ما في معناه من كل وجه، كذا في المبسوط (١). (لأنه)، أي للاغتسال فوق الوضوء، وفي جامع قاضي خان: الجنابة فوق الحدث فلا يجوز إلحاقها بالحدث فيما يثبت بخلاف القياس. قوله: (والنبيذ المختلف فيه)، وفي بعض النسخ: (المختلف فيه)، ما ذكره محمد في النوادر أن يلقى في الماء تميرات حتى صار الماء حلوا رقيقا ولا يكون مشتدا ومسكرًا، كذا في جامعي قاضي خان، والكردري (٢). ولو اشتد وصار مرا لا يجوز الوضوء به بالإجماع لأنه صار مسكرًا، والوضوء بالمسكر لا يجوز. وإن طبخ أدنى طبخة ثم غلا واشتد لا يجوز الوضوء به عند أبي يوسف؛ لأن عنده بغير المشتد لا يجوز، فبالمشتد أولى، وعند محمد لا يجمع عنده لأن شربه حرام، وعند أبي حنيفة يجوز لأن شربه حلال عنده، كذا في جامع الكردري (٣).

стр. 252

أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الأَعْضَاءِ كَالمَاءِ، وَمَا اشْتَدَّ مِنهَا صَارَ حَرَامًا لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ فَمَا دَامَ حُلْوًا رَقِيقًا فَهُوَ عَلَى الخِلَافِ، وَإِنْ اشْتَدَّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، لِأَنَّهُ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يُتَوَضَّأُ لِحُرْمَةِ شُرْبِهِ عِنْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ جَرْيًا عَلَى قَضِيَّةِ القياس. بَابُ التَّيَمُّمِ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً قوله: (بسائر الأنبذة)، قال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة قياسًا على نبيذ التمر، وقال ابن أبي ليلى: يجوز التوضؤ بماء العنب إذا لم يكن مشتدا كما في التمر (١). وقلنا: لا يجوز، لأن جواز الوضوء به مخصوص من القياس بالأثر فلا يقاس عليه غيره، كذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (٢). ويبتنى على اختلافهم في النبيذ مسألة ذكرها في الشافي وهي: أنه لو شرع في الصلاة بالتيمم ثم وجد النبيذ، فعند محمد يمضي فيها، ويعيدها بالوضوء، وقال أبو يوسف: يمضي فيها ولا يعيدها، وعند أبي حنيفة يقطعها، وفي وجود سؤر الحمار فيها جواب الكل كجواب محمد كذا ذكره التمرتاشي (٣). [بَابُ التَّيَمُّمِ] ابتدأ بالوضوء، ثم ثنى بالغسل، ثم ثلث بالتيمم تأسيًا بكتاب الله تعالى، أو ابتدأ بالوضوء لأنه للأعم والأغلب، ثم بالغسل لأنه الأنذر، ثم بالآلة التي بها يحصلان وهو الماء المطلق، ثم بالعوارض التي تعرض عليه من مخالطة طاهر أو نجس، ثم بالخلف وهو التيمم. ثم أتبع التنزيل في هذا الباب من قوله: (ومن لم يجد الماء)، إلى قوله:

стр. 253

وَهُوَ مُسَافِرٌ، أَوْ خَارِجَ المِصْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ (والتيمم ضربتان)، حيث بين الحكم في أربعة نفر كما بين في الآية من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولكن قوله: (الخارج المصر) يقابل قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦]. ثم شرعية التيمم بهذه الآية رخصة مخصوصة بهذه الأمة، والرخصة فيه من حيث الآلة حيث اكتفى بالصعيد الملوث حقيقة، وفي محله حيث اكتفى فيه بشطر أعضاء الوضوء، وقيل: إنما اكتفى فيه بالمسحتين لأن الأصل في أركان الوضوء غسل الوجه والذراعين بحيث لا ينوبهما شيء من المسح، بخلاف الرأس والرجل فإن المسح فيهما ينوب عن الغسل فلذا اكتفى بهما. فإن قيل: كيف ترك التأسي بكتاب الله تعالى في تقديم المسافر أو خارج المصر على المريض، وفيه قدم المريض عليهما؟ قلنا: قال العلامة: إنما قدم المسافر أو خارج المصر لأن الحاجة إلى ذكرهم أمس لكونهما أعم لكثرة وقوعهما من المرض، أو لأن عدم الماء فيهما حقيقي، وفي المريض حكمي، وذكر في الآية عدم وجدان الماء ويتناول الكامل وكامله في حقهما، أما الآية لبيان شرعية الرخصة مرحمة للعباد، والمريض أحق بها. ولأن المرض عارض ثبت من الله تعالى بلا اختيار، والسفر باختيار العبد فقد بيان الحكم فيما جاء من قبله، وفي الرواية انعدم المعنيان في حقهما عدم الماء حقيقي وفي حقه حكمي فلذا قدمهما، كذا في البدرية (١). وفي المبسوط: التيمم لغة القصد (٢). ومنه قول الشاعر (٣): فما أدري، إذا يممت أرضا أريد … الخير، أيهما يليني؟ أم الخير الذي أنا أبتغيه، … أم الشر الذي هو يبتغيني؟

стр. 254

مِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. أَي قصدت، وقال آخر (١): وَلَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ … إِذَا طَلَبا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا وَفي الشريعة: القصد إلى الصعيد للتطهير، وفي الاسم الشرعي معنى اللغة، وفيه تأمل إذ التيمم فعل الضرب شرعًا كما فسره النبي ﵇، والقصد من لوازمه. وثبوت التيمم بالكتاب والسنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ونزول الآية في غزوة المريسيع حين عرس النبي ﷺ ليلة أي نزلت في آخر ليلة فسقطت من عائشة ﵂ قلادة لأسماء، فلما ارتحلوا فذكرت ذلك لرسول الله فبعث رجلين في طلبها ونزلوا ينتظرونها، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والمسلمين على غير ماء، فنزلت آية التيمم. فلما صلوا جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة - أي خيمتها - ويقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر (٢). وفي رواية قال: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجًا (٣). وأما السنة فما روي أنه ﵇ قال: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِدًا وطهورًا، أينما أدركت الصلاةَ تيممتُ وصلَّيتُ» (٤)، وقال ﵇: «التيمم طهور المسلم ولَوْ إلى عشرِ حِجَجٍ ما لم يَجِدِ الماءَ» (٥).

стр. 255

[المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ ﵊: «التَّرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ فإن قيل: الله تعالى ذكر الماء نكرة في موضع النفي فيتناول كل جزء منه فيكون مخاطبًا في حق ذلك القدر بالاستعمال؛ لأنه طهور حقيقةً وحكمًا، فصار كالعاري إذا وجد ثوبًا يستر بعض عورته يلزمه ستر ذلك القدر، وكذا إذا كان نجاسة حقيقية يجب استعماله في ذلك القدر ينبغي أن يجب في النجاسة الحكمية أيضًا كما هو مذهب الشافعي؛ فإن عنده لو وجد ما لا يكفيه في الوضوء لزمه استعماله على أظهر القولين، ويتيمم لما بقي في وجهه ويديه بعد استعماله. وفي قول: لا يجب استعماله (١)، وهو قولنا، وقول مالك (٢)، وداود (٣)، واختيار المزني (٤)، وعن أحمد روايتان كقول الشافعي (٥). وعن عطاء، والحسن البصري: لو وجد من الماء ما يكفيه لوجهه ويديه غسلهما وأغناه عن التيمم (٦). ولأن الضرورة لا تتحقق إلا بعد استعمال ذلك القدر، كما لو أصاب الرجل مخمصة ومعه لقمة من الحلال لا يجوز له أن يتناول الميتة، ولا يبعد الجمع بين التيمم واستعمال الماء كما في سؤر الحمار. قلنا: المراد من الماء في الآية ما يكفي للوضوء لأنها سيقت لبيان الطهارة الحكمية، وكان قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] أي ماء طهورا محلّلا للطهارة، فإن وجود الماء النجس لا يمنعه عن التيمم بالإجماع، وباستعمال ذلك القدر لم يثبت شيء من الحل يقينا على الكمال؛ فإن الحل حكم، والعلة غسل الأعضاء كلها، وشيء من الحكم لا يثبت ببعض العلة كبعض النصاب في حق الزكاة، وكبعض الرقبة في حق الكفارة، بخلاف النجاسة الحقيقية، وستر

стр. 256

مَا لَمْ يَجِد الْمَاءَ»، … العورة؛ لأن الواجب الذي يزال فيهما أمر حسي، وإذا كان حسيًا اعتبر الزوال حسًا، والزوال حسا بقدر الماء معه، وبقدر الثوب الذي معه يزول انكشاف العورة إليه، أشير في الأسرار (١). أما قوله: (لأن الضرورة لا تتحقق قبل الاستعمال)، قلنا: الضرورة قبله حاصلة؛ لأن الشرع علق جواز التيمم بعدم ما يطهره، وعدم ما يطهره حاصل قبل الاستعمال، ولا نقول في مسألة المخمصة أنه يلزم مراعاة الترتيب؛ فإن ما معه من الحلال إذا كان لا يكفيه ليسد الرمق فله أن يتناول معه، ولأن الأصل لا يرفى بالبدل لأنهما لا يلتقيان كما لا يكمل التكفير بالمال بالتكفير بالصوم، فلو قلنا بالجمع يلزم رفو الأصل بالبدل بخلاف سؤر الحمار، فإن الجمع هنا عندنا للاحتياط لا لرفوء الأصل بالبدل، كذا في المبسوط (٢). قوله: (أو خارج المصر) (٣)، يجوز رفع (خارج)، ونصبه عطفًا على لفظ: (وهو مسافر)، ومحله نصب فإنه جملة حالية ليكون انتصابه على الحال، ويجوز أن يكون منتصبًا على أنه مفعول فيه؛ لأن تقديره وهو في مكان خارج المصر فعلى هذا الخارج صفة للمكان، لكن الوجه الأول أولى؛ لأن نظير ذلك بعينه مذكور في "الكشاف" (٤) في قوله ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية [النساء: ٤٣]، فإنه عطف على قوله: ﴿وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] وهو جملة حالية كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا. وقيل: لما جاز عطف الجملة الحالية على المفرد من الحال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أي مضطجعين على جنوبهم جاز عكسه. ثم قوله: (أو خارج المصر)، احتراز عن قول من قال: لا يجوز التيمم

стр. 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أولا للمسافر، فحينئذ يكون معناه يجوز التيمم لمن هو خارج المصر وإن لم يرد سفرًا، وفيه أيضًا نفي لجواز التيمم في الأمصار إلا في ثلاثة مواضع: عند خوف فوت صلاة الجنازة والعيد، وعند خوف الجنب من البرد عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، قال التمرتاشي: لا يجوز التيمم في المصر؛ لأن عدم الماء فيه نادر (١). وفي الأسرار: يجوز التيمم في المصر لو تحقق عدم الماء لأن الشرط عدم الماء إلا أنهم بنوا الأمر على عادات الأمصار فإن عدم الماء فيها نادر، وأعرضوا عن الشذوذ، فعلى هذا خرج قوله: (أو خارج المصر) على وفاق العادة، ونص في المبسوط على عدم جوازه في المصر (٢). (بينه وبين المصر) (٣)، وفي بعض النسخ: (بينه وبين الماء). وقوله: (وأكثر) (٤) للتأكيد، كما قوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، قال الكاثي: فيه نظر، أو نقول: المسافة تعرف بالحذر والظن فقال: لو كان في وطنه أن بينه وبين الماء ميل أو أقل لا يجوز له التيمم، وإنما يجوز له التيمم أن لو تيقن نحو ميل فلذا قال: (ميل أو أكثر). أو نقول: تقديرات الشرع أربعة: ما يمنع الأكثر لا الأقل كمدة النفاس، أو على العكس كنصاب الزكاة، أو يمنعهما كمقادير الصلوات المفروضات، أو لا يمنعها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فذكر قوله: (أو أكثر) ليعلم أن هذا من قبيل ما يمنع النقصان لا الزيادة، كذا قيل. وفي فتاوى قاضي خان: قليل السفر وكثيره سواء في التيمم، والصلاة على الدابة، وإنما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثة: في قصر الصلاة،

стр. 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والإفطار، والمسح على الخفين (١). وفي البدرية: قوله: (أو أكثر) لنفي رواية الحسن، عن أبي حنيفة؛ فإنه روى: إن لم يكن الماء قدامه فالمسافة ميل، وإن كان قدامه فميلان، وهو اختيار السَّرَخْسِي. فالمصنف بقوله: (أو أكثر) أثبت التسوية بين الميل والأكثر في إثبات الرخصة مطلقا (٢). قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]، قال الكردري: الفاء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] للعطف على الشرط، وفي ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] لجواب الشرط، وفي ﴿وَامْسَحُوا﴾ [المائدة: ٦] لتفسير التيمم والمراد من الوجود القدرة، أي: فلم تقدروا على استعماله؛ لأن لفظة الوجود كما تستعمل في الظفر بالشيء تستعمل للقدرة عليه، يقال: وجد الشيء ظفر به، ووجده إذا قدر عليه، فحملناه على القدرة هاهنا لاعتماد التكليف عليه، لا الوجود مطلقا. والعجز حقيقةً يثبت بفوت سبب من أسباب القدرة، وبفوت آلة، حتى أن مقطوع اليدين إذا لم يقدر على الوضوء بنفسه، ولا يجد من يوضئه يباح له التيمم، وكذا الواقف على رأس البئر وليس معه آلة الاستسقاء يباح له التيمم (٣). فإن قيل: النص مطلق عن اشتراط المسافة فلا يجوز تقييده بها بالرأي. قلنا: المسافة القريبة غير مانعة بالإجماع والبعيدة مانعة بالإجماع. فجعلنا الفاصل بينهما الميل لأنه يلحقه الحرج بسبب الدخول منه في المصر وهو منفي، والماء معدوم حقيقة والمراد من قوله: «وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ» الكثرة لا نفس العشرة فإن الحكم إلى ما فوقها كذلك، واستعمل العشرة لمعنى الكثرة لأنها منتهى عدد الآحاد، وما فوقها من العقود [ولا يخلو] (٤) من عقد الآحاد فلذلك استعمل في مكان الكثرة كذا قاله الكاثي.

стр. 259

وَالمِيلُ هُوَ المُخْتَارُ فِي المِقْدَارِ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الحَرَجُ بِدُخُولِ المِصْرِ، وَالمَاءُ مَعْدُومٌ قوله: (الميل هو المختار)، الميل في كلام العرب منتهى مد البصر، وقيل: للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير منتهى البصر، كذا في الصحاح، والمغرب (١). والمراد هنا: ثلث الفرسخ، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، وفسر ابن شجاع الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع. والغلوة: ثلاثمائة ذراع، كذا في الذخيرة (٢). وفي الينابيع: الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعًا. وفي بحر المحيط: الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، والميل ثلاثة آلاف ذراع إلى أربع ألاف (٣). وعن محمد: البعد عن المصر مقدار ميلين، وهو اختيار الفضلي، وعن الكرخي إن كان في موضع يسمع صوت أهل الماء فهو قريب، وإلا فهو بعيد، وبه أخذ أكثر المشايخ، كذا في فتاوى قاضي خان (٤). وقال الحسن بن زياد: إذا كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة أو يسرة أو خلفه فميل، وقال أبو يوسف: بحيث لو ذهب إليه تذهب القافلة وتغيب عن بصره، وهذا حسن جدا كذا في الذخيرة (٥). وفي الْمُجْتَبى: وقيل: بحيث لا يسمع أذان البلد، وقيل: بحيث لا يسمع صوت المنادي من أقصى البلد، وقيل: قدر غلوة وعن محمد الغلوة مقدار رمية سهم (٦).

стр. 260

حَقِيقَةٌ، وَالمُعْتَبَرُ المَسَافَةُ دُونَ خَوْفِ الفَوْتِ، لِأَنَّ التَّفْرِيطَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ. (وَلَوْ كَانَ يَجِدُ المَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ مَرِيضٌ يَخَافُ إِنْ اسْتَعْمَلَ المَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ: يَتَيَمَّمُ)، لِمَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي زِيَادَةِ المَرَضِ فَوْقَ الضَّرَرِ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ المَاءِ، وَذَلِكَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَهَذَا أَوْلَى. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ خَوْفَ التَّلَفِ، وجه المختار أن رخصة التيمم باعتبار دفع المشقة الحاصلة بالدخول في المصر، وهذا موجود في هذا المقدار غالبًا. قوله: (والمعتبر المسافة دون خوف الوقت)، هذا احتراز عن قول زفر فإنه يعتبر خوف الوقت لما تلوناه وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، فإن صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] يفيد الجواز، إلا أن المريض لما تفاوت في لحوق الضرر باستعمال الماء وعدمه كأنه سياق الآية دليلا على أن شرعية التيمم لرفع الحرج بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] اعتبرنا فيه لحوق الحرج والضرر وزيادة المرض قد تقضي إلى التلف وكأن اعتبارها أولى. قوله: (لأن الضرر)، إلى آخره وذلك أن ثمن الماء مال، والمال خلق وقاية للنفس فكان تبعًا، فلما كان الحرج مرفوعًا عن الوقاية التي هي تبع بالإجماع؛ لأن يكون مرفوعاً عن الموقى الذي هو أصل بالطريق الأولى. (أن يشتد مرضه)، بالتحريك كالمبطون، والمبتلى من العرق المدني، أو باستعمال الماء كالجدري والحصبة. قوله: (واعتبر الشافعي خوف التلف)، في السهيلي له فيه قولان: أحدهما: مثل قول أبي حنيفة، وهو قوله القديم، وقال في الجديد: ليس له أن يتيمم لمرض إلا أن يخاف على نفسه أو عضوه (١). وفي شرح الوجيز: أما مرض يخاف زيادة العلة وبطء البرء فقد حكموا فيه

стр. 261

وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ النَّص. ثلاثة طرق أظهرها: أن في جواز التيمم له قولين: أحدهما: المنع، وهو قول أحمد؛ لأن المبيح للتيمم مرض يخاف فوت نفس أو عضو؛ لأنه نقل عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]: إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله تعالى، أو قروح، أو جدري فشجت ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم. وأظهرها الجواز، وهو قول الإِصْطَخْرِي وعامة أصحابه، وقول مالك، وقول أبي حنيفة (١). وفي الحلية: وهو الأصح. فإن كان مرض لا يلحقه باستعمال الماء ضرر كالصداع، والحمى لا يجوز له التيمم، وقال داود يجوز، ويحكى ذلك عن مالك. وعن عطاء، والحسن البصري: أنه لا يجوز التيمم للمريض إلا عند عدم الماء، ولو خاف من استعمال الماء شيئًا في المحل، قال أبو العباس: لا يجوز له التيمم، على مذهب الشافعي، وقال غيره وإن كان الشين كأثر الجدري والجراحة ليس له التيمم، وإن كان تشوه من خلقه وتسود من وجهه كثيرًا فيه قولان (٢). والثاني من الطرق: أنه لا يجوز قطعًا، والثالث: أنه يجوز قطعا. وأجمعوا على أنه لو خاف على نفسه الهلاك، أو على عضوه، أو منفعته يباح له التيمم. (وهو) أي اعتبار الشافعي مردود بظاهر النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] فإنه يفيد الجواز المطلق المرض، لا لمرض يلحقه ضرر وهو خوف التلف كاستعمال الماء لسياق الآية كما بينا (٣).

стр. 262

(وَلَوْ خَافَ الجُنُبُ إِنْ اغْتَسَلَ أَنْ يَقْتُلَهُ البَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ فإن قيل: أنتم تركتم ظاهر النص أيضًا حيث قيدتموه بمرض مضر؟ قلنا: تقييده بسياق النص بقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] الآية [الحج ٧٨]. قوله: (ولو خاف الجنب)، ولم يذكر خوف المحدث، وفي الأسرار أنهما سواء على قول أبي حنيفة. وذكر قاضي خان: الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك للبرد جاز له التيمم على قوله، وأما المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال يجاز له التيمم بالاتفاق، وأما المحدث في المصر اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة (١). وفي المحيط في المحدث اختلاف الرواية فجوزه شيخ الإسلام ولم يجوزه الحلواني، قال مشايخنا: في ديارنا لا يجوز للمقيم أن يتيمم بالاتفاق لأن في عرف ديارنا أجر الحمام يعطى بعد الخروج فيمكنه أن يدخل الحمام ويغتسل ويتعلل بالعسرة (٢). وفي الْمُجْتَبى عن محمد مريض يجد من يوضئه ولا يستضر به يتوضأ بإعانته، قيل: بغير بذل، وقيل: ببذل يسير، ولو حرك للوضوء يستضر به تيمم (٣). وفي بحر المحيط: مريض له عبد يوضئه لا يتيمم عندنا فاختلف المشايخ على قول أبي حنيفة فمن سوى بين الحر والعبد، قال: ألا ترى أن العاجز عن القيام في الصلاة إذا كان له عبد يقيمه تجزيه الصلاة قاعدًا. قال أستاذنا: تلك المسألة أيضًا على الخلاف فإنه ذكر في صلاة المريض إذا كان له خادم يتكئ عليه قدر على القيام يقوم ويتكئ عليه خصوصاً على قولهما. وفي النظم: فإن لم يجد المريض معينًا يتيمم بالاتفاق، وإن وجد من

стр. 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يوضئه مجانا لا يتيمم بالاتفاق، وإن لم يوضئه إلا ببذل يتيمم عند أبي حنيفة قل الأجر أو كثر، وقالا: إن كان أكثر من ربع درهم تيمم، وإلا فلا، وقيل: الاختلاف في ثلاثة دراهم (١). ومن شلت يده ولا يجد أحدا يمسح يديه على الأرض ووجهه على الحائط؛ لأنه قادر عليه ويتيمم إذا كان يؤذيه الماء أذى شديدا، ولو كان عامة بدن الجنب أو عامة أعضاء المحدث جريحا يتيمم، وعلى عكسه يغسل الصحيح، ويمسح الجريح أو القرحة إن لم يضره المسح، وفي النصف اختلاف المشايخ. وكذا في اعتبار الكثرة، فقيل: تعتبر الكثرة في نفس كل عضو، وقيل: في أعضاء الوضوء. وفي الهاروني: جريح يخاف الماء والتيمم لا يصلي عند أبي حنيفة، وكذلك الجنب، وقال أبو يوسف: يغسل ما قدر ويصلي (٢). ويعيد المحبوس في السجن خارج المصر يصلي بالتيمم إذا لم يجد ماء ولا يعيد. وفي المصر لم يصل عند أبي حنيفة، ثم رجع إلى قولهما وقال: يصلي ثم يعيد، وإن لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا لم يصل عنده، وعن أبي يوسف: يومئ بغير طهارة تشبها احتراما للوقت، وعنه: يتيمم بالتراب النجس، وعنه: يصلي بركوع وسجود ثم يعيد، وعنه: لا يصلي (٣)، وقول محمد مضطرب. وكذا الأسير منعه الكفار عن الوضوء والصلاة يتيمم ويومئ، ثم يعيد، وكذا المقيد. قلت: بخلاف الخائف منهم؛ فإن الخوف من الله تعالى.

стр. 264

يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ)، وَهَذَا إِذَا كَانَ خَارِجَ المِصْرِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ فِي المِصْرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا (*) هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ تَحَقَّقَ هَذِهِ الحَالَةِ نَادِرٌ فِي المِصْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَلَهُ: أَنَّ العَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ. (وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ قوله: (يتيمم بالصعيد)، وفي الأحقاف (١): إن الله خلق ذرة ونظر إليها فصارت ماءً، وعلا الزبد عليه، فخلق الله تعالى الأرض منه، فيكون أصل الأرض من الماء، فكذا أقامه مقام الماء. قوله: (والتيمم ضربتان)، إنما اختار لفظة الضرب وإن كان الوضع جائزا لما أن الآثار جاءت بلفظ الضرب. وفي البدرية: والوضع جائز، ولكنه أولى مبالغةً في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (٢). وقيل: إنما قال ضربتان احترازا عن قول ابن سيرين فإن عنده ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين، وضربة للوجه والذراعين جميعًا، كذا في البدرية. وفي الحلية: عن ابن سيرين ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين (٣). وقال أحمد (٤)، وداود (٥)، ومالك في رواية (٦): ضربة واحدة تكفي للوجه والذراعين، وعندنا والشافعي في الجديد، ومالك في رواية: لا تكفي (٧).

стр. 265

وَبِالأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى المَرْفِقَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ»، .... ولو ضرب على الأرض فقبل المسح بهما أحدث ثم مسح جاز، كمن ملأ كفه ماءً للوضوء ثم أحدث، وقال السيد الإمام أبو شجاع والحلواني: لا يجوز؛ لأن الضربة من التيمم، وقد أتى ببعضه ثم أحدث فينقضه كما ينقض الكل، فصار كما لو أحدث في خلال الوضوء (١). قوله: (وبالأخرى يديه إلى المرفقين)، نفي لقول الزهري فإن عنده إلى الآباط (٢)، وكذا عند مالك في رواية (٣)، ولرواية الحسن عن أبي حنيفة أنه إلى الرسغ (٤). وروي ذلك عن ابن عباس، وهو رواية عبد الحكم، وابن نافع عن مالك، وقول القديم للشافعي، وقول الأوزاعي، والأعمش (٥). وروى ابن لبابة عن مالك: أنه في الجنابة إلى الكوعين، وفي الحدث الأصغر إلى المنكبين (٦). لهم إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، كما أطلق في قوله تعالى ﴿فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والقطع من الرسغ للإطلاق، وهكذا هاهنا، وبذلك ورد في حديث عمار. وفي النهاية: وجه رواية الحسن أن الأكثر يقوم مقام الكل، ولأن في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في مسح الخف والرأس. وفي ظاهر الرواية، والقول الجديد للشافعي لابد منه إلى المرفقين.

стр. 266

وَيَنْفُضُ يَدَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَتَنَاثَرُ التَّرَابُ كَيْ لَا يَصِيرَ مُثْلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِيعَابِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الوُضُوءِ، وَلِهَذَا قَالُوا: يُخَلِّلُ الأَصَابِعَ وَيَنْزِعُ الخَاتَمَ لِيُتِمَّ (لقيامه)، أي التيمم (مقام الوضوء)، يعني أنه خلف عن الوضوء، ووظيفة هذا العضو فيه الاستيعاب فكذا في خلفه، ولولا الخليفة لوجب المصير إلى وجوب المسح إلى المناكب عملا بالمقتضى للحقيقة، وهي ليست بمرادة في آية السرقة؛ لأنه تعالى حرَّم على السارق نعمة قوة الباطشة في مقابلة هذه الجناية، وهذه الفائدة تحصل من القطع من الزند فكان ذلك من باب إطلاق اسم الكل على البعض. وأما المسح في التيمم فلا يهتدي العقل إلى حكمته، فلا يعلم أن الحكمة تحصل بالبعض، والخليفة مانعة عن العمل بالحقيقة لئلا نزيد الخلف على الأصل فتعين الاقتصار على ما يجب غسله في الوضوء إعمالا للخليفة بقدر الإمكان، وعملا بالحديث المذكور في الكتاب. وحديث عمار ورد بالكل، ورجحنا روايته (إلى المرفقين) بما حكى ابن عمر و وجابر تيمم رسول الله ﷺ ، وعلم ﵇ الأسلغ (١) نحو ذلك، وفيه سؤال وجواب ذكرناهما في بيان الوصول في شرح الأصول. قوله: (وينفض يديه)، في الكاثي: وفيه اختلاف، قيل: ينفض مرة، وقيل: مرتين، والمثلة ما تمثل به مثلا في تبديل خليقته، وتغيير هيئته سواء كان بقطع عضو، أو تسويد وجه ويعتبره، كذا في الخبازية. وفي الزاد: الأحوط أن يضرب بيده على الأرض ثم ينفضهما حتى يتناثر التراب، فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى فينفضها، ويمسح بباطن أربع أصابعه يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمر بباطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، هكذا حكى ابن عمر وجابر تيمم رسول الله ﷺ ، وعلم ﵇ الأسلغ كذلك.

стр. 267

المَسْحُ (وَالحَدَثُ وَالجَنَابَةُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَكَذَا الحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا وقال الشافعي: إن علقت الكفان غبارًا كثيرًا نفض، وقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا، وقال أحمد: لا يضرك تركه. وقلنا: فيه مخالفة الرسول، وتمثيل بوجهه فلا يترك. وفي المستصفى: قال بعض مشايخنا: ينبغي أن يضع بطن كفه اليسرى على كفه اليمنى، ويمسح بثلاثة أصابع أصغرها ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يمسح باطنه بالإبهام والمسبحة إلى رؤوس الأصابع، ثم يفعل في اليد اليسرى (١). كذلك قالوا يخلل الأصابع عن محمد، في هذه الحالة يحتاج إلى ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة لتخليل الأصابع ونزع الخاتم. وفي المُجْتَبى: يحرك الخاتم والسوار، كذا روي عن محمد (٢). وفي شرح الطحاوي: فإن لم يكن له إلا الذراع تيمم لذراعيه، ولو كان مقطوعًا من المرفقين يتيمم لموضع القطع عندنا خلافًا لزفر، وقيل: يخلل أصابعه إذا لم يدخلها غبار. وفي المحيط: يمسح تحت الحاجبين. وفي الحلية: مسح من وجهه ظاهر البشرة وظاهر الشعر على الصحيح، ومن أصحابنا من قال: يجب إيصال التراب إلى باطن الشعور الأربعة كما يجب إيصال الماء في الوضوء. ولو أمر غيره حتى ييممه ونوى هو جاز، وقال ابن القاص: لا يجزئه (٣). قوله: (والحدث والجنابة فيه)، أي في التيمم. (سواء)، أي في الكيفية والكمية، وكذا في الحيض والنفاس، وعن النخعي أن الجنب يؤخر الصلاة حتى يجد الماء (٤).

стр. 268

جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: «إِنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمَالَ وَلَا نَجِدُ المَاءَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، وَفِينَا الجُنُبُ وَالحَائِضُ وَالنَّفَسَاءُ، فَقَالَ ﵊: عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ». وفي المبسوط: ما قال في الكتاب قول علي وابن عباس، وعائشة، وقال عمر، وابن مسعود: لا يجوز التيمم للجنب والحائض، وعن عمار قال لعمر: أما تذكر إذ كنت معك في الإبل فأجنبت فتَمعكتُ في التراب، ثم سألت رسول الله ﷺ فقال لي: «أصِرْتَ حِمَارًا، أما يكفيك ضربتان»، فقال عمر: اتق الله، فقال: إن شئت لم أذكره، فقال عمر: إن شئت فاذكره وإن شئت لا (١)، ولما ذكر لابن مسعود حديث عمار قال: لم يقنع به عمر (٢). وأصل الاختلاف راجع إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] ماذا؟ فقال عمر وابن مسعود: المراد منه المس باليد، فيجوز التيمم للمحدث خاصة بخلاف القياس فلا يباح للجنب، وقيل: أنهما رجعا عن ذلك. وقال علي وابن عباس: المراد منه الجماع (٣). فأباحا التيمم للجنب والمحدث، وبه أخذ أصحابنا ورجحوا قولهما بسياق الآية، وبأخبار موافقة له. أما سياق الآية: فإنه تعالى بين حكم المحدث والجنابة في آية الوضوء، ثم نقل الحكم إلى التراب حال عدم الماء، وذكر الحدث الأصغر بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] فتحمل ﴿لَّمَسْتُمُ﴾ [النساء: ٤٣] على الحدث الأكبر فتصير الطهارتان والحدثان مذكورين في آية البدن، كما في آية الوضوء ليكون آخر الآية موافق لأولها، وتمام هذا البحث مذكور في بيان الوصول.

стр. 269

(وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وأما الخبر فما روى أبو هريرة أن قوما جاءوا الحديث (١)، وما جاء في حديث أبي ذر أنه قال: اجتمعت إبل الصدقة عند النبي ﵇، فقال لي: «ابد بها»، فبدوت إلى نادية يقال لها ربذة فأصابتني الجنابة، فأتيت النبي ﵇ فقال: «مالك؟» فسكت، فقال: «ثكلتك أمك، مالك؟» فقلت: إني جنب، فأمر جارية سوداء فأتت بعس من الماء وسترتني بالثوب حتى اغتسلت، فكأني وضعت عن عانقي حملا، فقال ﵇: «كان يكفيك التيمم ولَو إِلَى عشر حجج ما لم تَجِدِ الماء» (٢). ثم الشافعي يحمل الآية على المس باليد، ويرى التيمم للجنب (٣)، فكان مخالفًا للطائفتين من الصحابة، وفيه نوع تأمل. وقوله: (بكل ما كان من جنس الأرض)، قيل كل ما يحترق بالنار ويصير رمادا كالشجر، أو ينطبخ ويلين كالحديد ليس من جنس الأرض، وما عدا ذلك منه، كذا في الزاد والتحفة (٤). وفي الإيضاح: عن محمد لا يجوز التيمم ببرادة الذهب والفضة، والحديد؛ لأنه ليس من جنس الأرض، وكذا بالبورق والملح لأنه ماء انجمد، وكذا بالرماد؛ لأنه أجزاء الخشب، وكذا باللؤلؤ المدقوق لأنه متولد من الحيوان، وليس من أجرابها (٥). وفي المغرب: همزة واو النورة خطأ (٦).

стр. 270

كَالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ وَالحَجَرِ وَالجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالكُحْلِ وَالرِّزْنِينِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا وفي المبسوط: وكان أبو يوسف أولا لا يُجَوِّزُ التيمم إلا بالتراب والرمل، ثم رجع وقال: لا يجوز إلا بالتراب الخالص، وهو قول الشافعي (١). وفي الحلية: لا يصح التيمم عندنا إلا بتراب طاهر، أو غبار يعلق باليد، وبه قال أحمد، وداود، وعند أبي حنيفة، ومحمد -، ومالك: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض، ولا يعتبر أن يتعلق بها غبار - إلا في رواية عن محمد، حتى قال مالك: يصح التيمم بالثلج. وعن مالك أنه قال: يصح بكل ما كان متصلا بالأرض من النبات، وعند أبي يوسف يصح بالتراب والرمل، وهو قول الشافعي في القديم، وعن بعض أصحاب الشافعي (٢): لا يصح إلا بتراب عذب تراب الحرث، وبه قال إسحاق لما روي عن ابن عباس: أن الصعيد الطيب تراب الحرث (٣). قال النواوي: الإنبات ليس بشرط في الأصح (٤). لأبي يوسف والشافعي قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، قال ابن عباس: الصعيد الطيب التراب الخالص، وقوله ﵇: «جُعِلَت لِيَ الأرض مسجدًا وطهورًا» (٥)، وقوله ﵇: "التّراب طهور المُسلم" الحديث (٦). وفي المبسوط: تخصيص التيمم بالتراب إظهار كرامة الآدمي لأنه مخلوق

стр. 271

يَجُوزُ إِلَّا بِالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ خاصةً) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالتُّرَابِ المُنْبِتِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] أَيْ: تُرَابًا مُنْبِتًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسِ ﵁، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ زَادَ عَلَيْهِ الرَّمَلَ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ سُمِّيَ بِهِ لِصُعُودِهِ، وَالطَّيِّبُ يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِمَوْضِعِ الطَّهَارَةِ، … ... من التراب والماء فخصا بكونهما طهورًا (١). وفي شرح التأويلات: الإنبات شرط عند أبي يوسف كما هو قول الشافعي؛ لأنه ذكر الطيب مطلقًا، ويذكر ويراد به المنبت قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨]، ويذكر ويراد به الحلال، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، والحلال لا يليق هاهنا، وفي الآية الطيب مقرون بالأرض فيكون الإنبات أليق إذ القرآن يفسر بعضه بعضًا، مع أنه روي عن ابن عباس: أن الصعيد الطيب تراب الحرث (٢). ولنا: أن الصعيد اسم لوجه الأرض، قال الأصمعي: فعيل بمعنى فاعل، أي صاعدًا، وهذه الأشياء صاعدة، كذا في الأسرار (٣) وقيل: فعيل بمعنى مفعول، أي: يصعد عليه فيعم جميع وجه الأرض ترابًا وغيره، وقال الزجاج: لا أعرف فيه اختلافًا من أهل اللغة (٤). والطيب يحتمل الطاهر، قال تعالى: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال ﵇: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ» (٥)، ويحتمل المنبت والحلال. (فحمل عليه)، أي على الطاهر، (لأنه أليق) بهذا الموضع؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال أيضًا: ﴿فَامْسَحُوا﴾ [المائدة:

стр. 272

أَوْ هُوَ مُرَادُ الإِجْمَاعِ. ٦] ولو كان المراد المنبت لقال (١) فازرعوا. وأما أثر ابن عباس فقلنا: لا يقيد المطلق بخبر الواحد فكيف بالأثر. وفي المبسوط: الصعيد: الأرض، قال ﵇: «يُحْشَرُ العلماء في صعيدٍ واحدٍ كأنها سبيكة فضة، فيقولُ اللهُ تعالى: يا معشر العُلَماء إني لم أضَعْ عِلْمِي فيكُمْ إِلَّا لِعِلْمِي بكُمُ، إِنِّي لم أضَعْ كَلِمَتي فيكم وأنا أريد أن أعذِّبَكُم، انطلقوا مغفوراً لَكُمْ» (٢)، وقال ﵇: «جُعِلَت لِيَ الأَرضُ مَسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاةُ تيممتُ وصَلّيتُ» (٣). ثم غير التراب في كونه مصلى أسوة، فكذا في كونه طهورًا، ثم إنه تعالى يسر على النبي وأمته فإنها كما تدركه في موضع التراب تدركه في غير موضع التراب فيجوز التيمم بالكل تيسيرًا (٤). قوله: (أو هو مراد)، أي الظاهر مراد بالإجماع، فينبغي أن لا يكون المنبت مرادًا لأن المشترك لا عموم له خصوصا في موضع الإنبات، وقد بين هذا الأصل في الأصول، وفيه تأمل. ثم حاصل مذهبنا أن كل ما كان من جنس الأرض يجوز التيمم به، وما لا فلا يجوز، بالذهب والفضة، والرصاص، والنحاس، والصفر، والحديد، وكل ما يذوب بالإذابة، وكذا بالملح لأنه يذوب بالماء. وقيل: يجوز بالملح الجبلي، وفي قاضي خان: لا يجوز على الأصح لأنه يذوب (٥).

стр. 273

ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غُبَارٌ ولا يجوز بالغضارة، لأنه مطلي بالصبغ والآنك، حتى لو لم يكن مطليا يجوز كالجباب، والكيزان، والآجر، ولا بما يصير رمادا، كذا في الأوضح، والزاد، وصلاة الجلابي. وكذا بالزئبق لأنه ليس من جنس الأرض، وكذا بالرماد لأنه ليس منه: وفي الْمُجْتَبى: في شرح قاضي صدر: قال أصحابنا يجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بالحديد والفضة والذهب والفيروزج والرصاص والنحاس والمغرة لأنها من أجزاء الأرض (١). وفي النظم: يجوز بالنحاس، والرصاص، والحديد، والذهب ما لم يسبك، فإذا سبك فإن كان عليهم غبار يجوز، ولا يجوز بالبورق، والرماد، والملح بالحديث الذي روينا، وهو قوله [عليه] (٢) السلام: «عليكم بأرضكم» (٣). وقوله: (ثم لا يشترط)، ذكر الولوالجي: إذا ضرب على صخرة لا غبار عليها، أو على أرض نزة ولم يتعلق بيده شيء يجوز عند أبي حنيفة، وبه قال مالك (٤). وفي المبسوط: يجوز التيمم بالكحل وَالْمَرْدَاءُ (٥) سَبَخٌ، وَالْآجُر كذلك لأنه مُسْتَحْجَرٌ عنده، وعن محمد روايتان في اشتراط الغبار، في رواية: لا يجوز بدونه (٦).

стр. 274

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (*) لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا (وَكَذَا يَجُوزُ بِالغُبَارِ وهو قول أبي يوسف، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وداود (٣) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، أي من التراب، وكلمة (من) للتبعيض، فأفادت الآية وجوب المسح بشيء من الأرض فينبغي أن يلتصق بيده شيء، وفيه تأمل لاحتمال عود الضمير في ﴿مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] إلى الحدث المذكور، وتحمل من على ابتداء الغاية كما يجيء. ولأن التصاق ما تحصل به الطهارة في الوضوء شرط، فكذا في التيمم لنقصان ما تحصل به الطهارة وهو التراب لأنه خلفه. وفي الإيضاح: ما ذكر في الأصل أنه يلطخ الثوب بالطين ويتيمم بعد الجفاف إذا كان في طين وردعه هو. قوله: (أما عند أبي حنيفة)، يجوز التيمم بالطين الرطب إذا لم يعلق بيده شيء منه. (لإطلاق ما تلونا)، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، والصعيد ما يصعد عليه أو الصاعد، وقال تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] جاء في التفسير: فحجر أملس؛ لأن التراب لا يكون زلقًا، ولهذا لو دق الحجر فتيمم بمدقوقه يجوز عند محمد، ولا تفصيل في الآية فيجري على إطلاقه، وهذا الشرط زيادة على النص فيكون نسخًا، ولأن في الإطلاق تكثيرًا للمصلحة المتعلقة بالصلاة، إليه أشار شيخ الإسلام (٤). ولأنه لو وجب ذلك لما استحب نفض اليدين قبل المسح. وأما الآية فالمراد بـ (من) ابتداء الغاية، كقولك: خرجت من البصرة، يعني ابتداء المسح من الصعيد بدليل قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾

стр. 275

مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الصَّعِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) (*) لِأَنَّهُ تُرَابٌ رَقِيقٌ. ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] بدون ﴿مِنْهُ﴾ [البقرة: ٦٠] فيجوز لعدم الالتصاق بإطلاق هذه الآية كذا نقل عن الكردري. وقيل: لا يستقيم هذا الاستدلال؛ لأن المطلق والمقيد إذا وردا في حادثة واحدة، في حكم واحد يجب حمله على المقيد بالاتفاق، وكذا قوله: (من) لابتداء الغاية عدول عن حقيقة هذه الكلمة؛ لأنها حقيقة للتبعيض، مجاز لغيره، وفيه تأمل. وفي المبسوط: روي ابن عمر أنه ﵇ بال، فسلم عليه رجل فلم يرد عليه سلامه حتى كاد الرجل أن يتوارى بحيطان المدينة، فضرب بيده على الحائط فتيمم، ثم [رد] (١) ﵇ (٢)، وحيطانهم كانت من الحجارة فثبت أن التيمم بالحجر، وفيه تأمل لجواز أن يكون عليها غبار وهو الظاهر، والتيمم جائز عند أبي حنيفة بالطين، وعن محمد روايتان إلا إذا كان مغلوبا بالماء (٣). وقوله: (مع القدرة على الصعيد)، نفي لقول أبي يوسف حيث لا يجوز عنده به مع القدرة عليه أو الرمل (٤)، وهذا حكي عن مالك أيضا. وفي الإيضاح أن أبا يوسف رجع عن ذلك وقال: ليس الغبار عندي من الصعيد (٥). وفي شرح الطحاوي: يجوز به حالة العجز من التراب والرمل؛ لأن الغبار ليس بتراب خالص لأنه مزج بالهواء، فكان ترابا من وجه دون وجه، فيجوز به

стр. 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عند العجز عنهما، كالعاجز عن الركوع والسجود يصلي بالإيماء. وفي المبسوط: واحتج أبو حنيفة ومحمد بحديث عمر؛ فإنه كان مع أصحابه في سفر فمطروا بالجابية، فأمرهم أن ينفضوا لبودهم وسروجهم وتيمموا بغبارها، ولأن الغبار تراب بدليل أن من ينفض ثوبه يتأذى جاره من التراب إلا أنه رقيق، فكما يجوز التيمم بالخشن منه في كل حال فكذا بالرقيق منه (١). صورته أن ينفض ثوبه أو لبده فيرفع يديه قريبًا من الغبار، فإذا وقع الغبار عليه تيمم، وكذا لو رفعه الهواء فوقع على وجهه ويديه تيمم. وفي تجنيس المصنف: لا يجوز بغبار الثوب النجس إلا إذا وقع في التراب بعدما يبس الثوب؛ لأنه حينئذ يكون الغبار طاهرا (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام: لا يجوز التيمم بالثوب بالإجماع. وفي الذخيرة: يشترط المسح بيده الغبار، ولو لم يجد الغبار يلطخ ثوبه بالطين حتى يجف ثم تيمم (٣). وفي المحيط: رمادًا اختلط بالتراب تعتبر الغلبة، فلو كان التراب غالبًا يجوز، وإلا فلا، وكذا لو خالط به ما ليس من أجزاء الأرض يعتبر فيه الغلبة (٤). ولا يجوز بالزجاج المتخذ من الرمل، ويجوز بالياقوت، والفيروزج، والمرجان، والزمرد، وباللؤلؤ المدقوق لا يجوز لأنه من الحيوان، ويجوز بالخذف إذا كان من طين خالص، وإن كان مخلوطا بما ليس من أجزاء الأرض لا يجوز. وفي الْمُجْتَبى: قام في هدم جدار فأصاب التراب وجهه ويديه لم يجز حتى يمسح، وكذا لو ذر التراب عليهما غيره، ولو أصابه غبار فمسح بنية التيمم جاز، والشرط وجود الفعل منه، ولو جعل التراب في كميه فأصاب ذراعيه

стр. 277

(وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ) وَقَالَ زُفَرُ نَظَلُهُ: لَيْسَتْ بِفَرْضِ (*)، لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الوُضُوءِ فَلَا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ. وَلَنَا: أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ القَصْدِ فَلَا يَتَحَقَّقُ دُونَهُ، أَوْ جُعِلَ طَهُورًا فِي حَالَةٍ جَازَ (١). وقوله: (والنية)، في فتاوى الظهيرية: تفسير النية أن ينوي الطهارة، أو رفع الحدث، أو الجنابة، وقال شمس الأئمة: ظاهر ما في الكتاب يدل على أنه يشترط نية الصلاة، وعن أبي يوسف أن نية الطهارة تكفي، يعني عن القصد فإن التيمم هو القصد لغة (٢). فإن قيل: التيمم القصد لغة فلا حاجة إلى النية. قلنا: مطلق القصد غير مراد بالإجماع، بل المراد القصد الشرعي وذا لا يكون بدون النية، يعني النص يدل على اشتراط القصد إلى الصعيد للطهارة، فإنه تعالى أمر بالغسل بالماء الذي هو مطهر طبعًا لتحصل الطهارة، ثم أقام الصعيد مقامه عند عدمه في تحصيل ذلك المقصود بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، والتيمم: القصد، فكان المراد والله أعلم: فإن لم تجدوا ماءً للتطهير فاقصدوا إلى الصعيد للطهارة، فكان القصد إليه لها (٣) داخلا تحت الأمر بهذا الطريق فكانت النية شرطاً. (أو جعل طهورا)، قال شيخ الإسلام: التراب غير مطهر حقيقة، بل هو ملوث، فالشرع جعله طهورًا بشرطين بشرط عدم الماء، وبشرط أن يكون التيمم للصلاة؛ لأن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] بناءً على قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ﴾ [المائدة: ٦]، والأمر بالتوضي متوجه في حال القيام إليها فكان الأمر باستعمال التراب متوجها في هذه الحالة؛ لأن الخلف لا يفارق الأصل في الشروط، فبقي في غير هذه الحالة على طبعه، بخلاف الماء

стр. 278

مَخْصُوصَةٍ، وَالمَاءُ طَهُورٌ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا مَرَّ (ثُمَّ إِذَا نَوَى الطَّهَارَةَ أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَجْزَاهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ أَوْ لِلْجَنَابَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ المَذْهَبِ. فإنه مطهر طبعًا فلا يتغير بالنية وعدمه. أما التراب فغير طهور طبعًا، وإنما صار طهورا في حالة مخصوصة شرعًا بخلاف القياس فيقتصر عليهما. قال شيخي: النكتة الأولى تشير إلى أن القصد إلى الطهارة ثبت بالنص من غير تعرض لبيان طهوريته، والثانية تشير إلى أن طهوريته تثبت في وقت مخصوص من غير تعرض لبيان اشتراط القصد بالنص لكن يلزم منها أن النية شرط؛ لأن الحالة المخصوصة لا تثبت بلا نية. وأما قوله: (لا يفارقه)، أي الوضوء في وصفه. قلنا: بل الأصل أن الخلف لا يفارق الأصل، لكن قد يفارقه لاختلاف حالهما، ألا ترى الوضوء بالأعضاء الأربع بخلاف التيمم وسن التكرار في الوضوء دون التيمم. وقوله: (وهو الصحيح من المذهب)، احترازًا عن قول أبي بكر الرازي من أصحابنا فإنه يقول: يحتاج إلى نية التيمم للحدث أو للجنابة؛ لأن التيمم لهما بصفة واحدة فلا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالنية (١). وقلنا: إن التيمم طهارة في حالة مخصوصة، فإذا وجدت صار طهارة فلا يشترط التعيين؛ لأن الشروط يراعى وجودها لا غير، ألا ترى أنه لو توضأ للظهر يجوز أداء العصر به، وكذا على القلب، كذا في الخبازية. ولأنه لا يرفع الحدث فلا معنى لذكر أصناف الحدث، بل يكفي فيه نية استباحة الصلاة، كذا قيل وفيه تأمل. وفي الحلية: ينوي استباحة الصلاة ولو نوى رفع الحدث لم يصح تيممه في أصح الوجهين، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يرفع الحدث، ولابد في استباحة الفريضة من نية التيمم للفرض عند الشافعي، وهو قول مالك، وأحمد.

стр. 279

(فَإِنْ تَيَمَّمَ نَصْرَانِيٌّ يُرِيدُ بِهِ الإِسْلَامَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَكُنْ مُتَيَمِّمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ مُتَيَمِّمٌ) (*) لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِدُخُولِ المَسْجِدِ وَمَسِّ المُصْحَفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ. وَلَهُمَا: أَنَّ التَّرَابَ مَا جُعِلَ طَهُورًا إِلَّا فِي حَالِ إِرَادَةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ لَا تَصِحُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَالإِسْلَامُ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ تَصِحٌ بِدُونِهَا، بِخِلَافِ سَجْدَةِ التَّلَاوَةِ، لِأَنَّهَا وهل يفتقد إلى تعيين الفرض من ظهر وعصر؟ فيه وجهان، ففي قول يباح الفرض بنية صلاة مطلقة أو نافلة، ولو تيمم للفرض استباح به النفل قبل الفرض وبعده، وفي قول: لا يجوز به الفعل قبل الفرض، وبعده يجوز، وبه قال مالك، وأحمد. ولو تيمم لِمَسِّ المصحف، أو لقراءة القرآن، أو للوطء استباح ما نواه، وهل يبيح به النفل؟ فيه وجهان. شك في غايته ثم تيمم لها ثم تفكر أنها عليه، قيل: لا يجوز أن يصليها به، وفي هذا عندي نظر، ولو تيمم لفوائت جاز له أن يصلي واحدة منها في أصح الوجهين (١). قوله: (والإسلام قربة) إلى آخره، وفي النهاية في هذا اللفظ إشارة إلى أن الكافر لو نوى قربة لا تصح بدون الطهارة كان متيمما، وليس كذلك فإنه لو تيمم للصلاة ثم أسلم لا تجوز الصلاة بذلك التيمم نص عليه في مبسوط شيخ الإسلام، بل المعتمد في التعليل أن يقال: إن الكافر ليس بأهل للنية لأنها عبادة، والتيمم لا يصح بدونها. وعن هذا فرق أبو يوسف بين نية الإسلام ونية الصلاة فقال: يكون متيمما في الأول دون الثاني؛ لأنه أهل للإسلام وهو تصح منه فيصح منه نية التيمم للإسلام، بخلاف نية الصلاة لأنه ليس بأهل لها (٢).

стр. 280

قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ وَإِنْ تَوَضَّأَ لَا يُرِيدُ بِهِ الإِسْلَامَ ثُمَّ أَسْلَمَ. فَهُوَ مُتَوَضِّئٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ. (فَإِنْ تَيَمَّمَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ: فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: بَطَلَ وفي المبسوط: في تعليلها شرط التيمم نية الصلاة؛ لأن الشرع جعله طهورا في حالة إرادة الصلاة كما بينا، والكافر ليس بأهلها، ونية الإسلام غير معتبرة، ألا ترى أن المسلم لو تيمم بنية الصوم والصدقة لا يصح، فالكافر بالطريق الأولى؛ لأنها أي سجدة التلاوة قربة مقصودة (١). فإن قيل: هذا مخالف لما ذكر في الأصول حيث قال فيها أنها قربة غير مقصودة. قلنا: المراد بكونها مقصودة هاهنا أن لا يجب في ضمن شيء آخر بطريق التبعية، بل شرعت ابتداءً من غير أن تكون تبعًا لآخر، بخلاف مس المصحف، ودخول المسجد. والمراد بما ذكر في الأصول أن هيئة السجدة ليست بمقصودة لذاتها عند التلاوة، بل لاشتمالها على التواضع المحقق لموافقة المقربين، أو مخالفة المشركين، فلهذا لا تختص إقامة الواجب بهذه الهيئة بل ينوب الركوع منها. فإن قيل: يصح التيمم بنية الطهارة وهي ليست بمقصودة. قلنا: الطهارة شرعت للصلاة فكانت نيتها نية إباحة الصلاة، حتى لو تيمم لتعليم الغير لا تجوز به الصلاة في الأصح، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز، ولو تيمم لدخول المسجد، أو مس المصحف وقراءة القرآن، أو زيارة القبر، أو للأذان، أو للإقامة لا تجوز الصلاة به في قول عامة العلماء خلافًا لأبي بكر بن سعيد البلخي لصحة هذه الأشياء بدون الطهارة أو لم تكن مقصودة، كذا في الخبازية (٢). قوله: (وقال زفر)، فإن قيل: ينبغي أن لا تبطل بالارتداد على قوله لعدم

стр. 281

تَيَمُّمُهُ، لِأَنَّ الكُفْرَ يُنَافِيه، … ... … ... … احتياجه إلى النية عنده كما في الوضوء حيث لا يبطل بالارتداد بالاتفاق. قلنا: قال شيخ الإسلام: وهذه المسألة رواية من زفر أن التيمم لا يصح بدونها فكان عنه روايتان، فعلى أحدهما يبطل بالارتداد، أو بقول عدم جواز التيمم للكافر عنده لا لاشتراط النية، بل لأن الشارع جعله طهور المسلم بقوله ﵇: «التراب طهور المسلم»، وقوله ﵇: «التيمم طهور المسلم» الحديث، ولهذا لا يصح من الكافر بالاتفاق، فعلم أن الكفر مناف لطهوريته، وبالارتداد ارتفعت طهوريته، إليه أشار التمرتاشي (١). قوله: (لأن الكفر ينافيه)، وفي بعض الجوامع أن المنافاة بينهما باعتبار معنى العبادة فإنه شرع مطهّرًا غير معقول المعنى تعبدا فينافيه الكفر كسائر العبادات، وهذا في الجامع الحسابي. وفي المختلف أنه عبادة فلا يجامع الكفر، فعلى هذا لا يتصور الخلاف المذكور إلا في التيمم المنوي؛ لأن غيره وإن كان مفتاحا للصلاة عنده ليس بعبادة كالوضوء بلا نية فلا ينافيه الكفر فيبقى بعد الارتداد على أصله. والصحيح أن المنافاة بينهما باعتبار عدم الأهلية؛ فإن الكافر لو تيمم لا يصح نوى أو لم ينو؛ لأنه شرع لأداء الصلاة والتقضي عن عهدة التكليف، والكافر ليس من أهله (٢) بها فلا يكون التيمم مشروعًا في حقه، ويكون فعله كفعل البهيمة، فثبت أن الكفر مناف للتيمم فيستوي فيه البقاء والابتداء، فعلى هذا يبطل تيممه عنده نوى أو لم ينو. وفي الكافي: ويبطل عنده؛ لأنه عبادة فينافيه الكفر، ثم سيق الكلام إلى أن قيل: فإن قيل: إنما يصير عبادة بالنية وليست بشرط عنده. قلنا: الكلام في المنفي إذ في غيره لا خلاف.

стр. 282

فَيَسْتَوِي فِيهِ الابْتِدَاءُ وَالبَقَاءُ كَالمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ. وَلَنَا: أَنَّ البَاقِيَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ صِفَةُ كَوْنِهِ ظَاهِرًا، فَاعْتِرَاضُ الكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيهِ، كَمَا لَو اعْتَرَضَ عَلَى الوُضُوءِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُ مِنْ الكَافِرِ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُ. قال شيخي: إن أراد به أنه لا خلاف في بقائه على الصحة بعد الكفر فهو غير مستقيم؛ لأن هذا التيمم لم يصح أصلا عندنا لعدم شرطه فكيف يبقى على الصحة. وإن أراد به أنه لا خلاف في بطلانه - وهو الظاهر -، فهو كما قال، إلا أن بناء قول زفر على كونه عبادة فينافيه الكفر غير مستقيم لما بينا أنه غير عبادة، فكيف يصح بنا بطلانه على كون الكفر منافيا للعبادة (١). قوله: (كالمحرمية في باب النكاح)، بأن كان الزوجان رضيعين وقد زوج كلا منهما أبواهما، ثم أرضعتهما امرأة، أو كانا كبيرين وقد مكنت المرأة ابن زوجها بعد النكاح حيث يرتفع النكاح فيهما بعد الثبوت كما لا ينعقد فيهما ابتداء، والأصل أن كل صفة منافية لحكم يستوي فيه الابتداء والبقاء كالردة والمحرمية في النكاح والحدث العمد في الصلاة. فإن قيل: لو سبقه حدث في الصلاة لا يفسدها فينبغي أن يفسدها لأنها لا تنعقد به ابتداء. قلنا: ذلك مخصوص بالنص وهو قوله ﵇: «من قاء أو رعف» (٢) الحديث. قوله: (فاعتراض الكفر لا ينافيه)، فإن قيل: أليس أن الردة تحبط عمله والتيمم عمل؟ قلنا: يحبط ثواب عمله، وذلك لا يمنع زوال الحدث، كمن توضأ على

стр. 283

(وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الوُضُوءَ) لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فَأَخَذَ حُكْمَهُ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ المَاءِ إِذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ)، لِأَنَّ القُدْرَةَ هِيَ المُرَادُ بِالوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ قصد مراءاة زال الحدث وإن كان لا يثاب عليه، كذا في المبسوط (١). قوله: (وينقضه أيضًا رؤية الماء)، أي رؤية الكافي للوضوء حتى لو لم يكف لا يلزم استعماله عندنا، وبه قال مالك (٢)، وقالت الشافعية في أحد قوليه: يلزمه استعماله ويتمم للباقي (٣)، وهو قول أحمد في الجنابة، وفي الوضوء له وجهان (٤)؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] عام لأن (ما) نكرة في موضع النفي فتعم الكافي وغيره، وصار كما لو وجد ما يكفي لإزالة بعض النجاسة، أو ثوبًا يستر بعض عورته. وقلنا: الغسل المأمور به هو المبيح للصلاة، فما لا يبيحها وجوده وعدمه سواء، ولأن الاشتغال باستعماله يصير عبثًا وتضييعًا للماء على الخصوص في موضع عزته، وتضييعه حرام، بخلاف النجاسة الحقيقية لأنها منجز، ويثبت العفو عن قليلها، وكذا ستر العورة بالوجود الذي هو غاية الوجود المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، وفي قوله ﵇: «ما لم يجد الماء» (٥)، لا الملك، بخلاف الوجود المذكور في قوله تعالى في الكفارات: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢] فالمراد به الملك لا القدرة، حتى لو عرض عليه الماء لا يجوز له التيمم، ولو عرض على الحانث المعسر الرقبة يجوز له التكفير بغير المال، كذا ذكره التمرتاشي. (هو غاية)، أي الوجود، وإنما سماه غاية من حيث المعنى لا من حيث

стр. 284

لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ، وَخَائِفُ السَّبُعِ وَالعَدُوِّ وَالعَطَشِ … ... … ... … ... .. الصيغة فإن لم ترد فيه كلمة الغاية؛ لأن قوله ﵇ «ما لم يجد الماء» ليس بغاية للتيمم حيث لم يقل إلى وجود الماء، بل فيه بيان مدة التيمم كما في قوله: اجلس ما دمت جالسًا، لكن معنياهما يلتقيان في أن الحكم بعد ذلك الوقت يخالف ما قبله فسمي باسم الغاية. وفي الخبازية: فإن قيل: لا يلزم من انتهاء طهورية التراب انتفاء الطهارة الحاصلة به كالماء يصير نجسًا بالاستعمال أو تنتهي طهوريته وتبقى الطهارة الحاصلة به. قلنا: التراب مُطهّر مؤقت حكمًا لا حقيقةً على معنى أنه يزول مطهريته بدون شيء يتصل به فتثبت به الطهارة المؤقتة على صفة المطهر، كالماء لما صار مطهرا حقيقةً على معنى أنه لا تزول مطهريته بدون شيء تتصل به الطهارة على التأبيد، على أن ما كان ضعيفًا شرط لبقائه ما يشترط الابتدائية، وعدم الماء شرط لابتداء التيمم فكذا لبقائه، وفيه تأمل؛ لأن كون التراب مطهرا مؤقتًا مُسلَّم، لكن الطهارة الحاصلة به مؤقت غير مسلم وهو أول المسألة. وفي الزيادات: القدرة على الماء تمنع الطهارة بالتيمم ابتداءً وبقاء؛ لأن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكم الخلف. وفي المستصفى: التمسك بالحديث مشكل لأنه لم يتعرض لانتقاض التيمم السابق، بل فيه بيان أن التيمم لا يجوز بعد رؤية الماء، وجاز أن تكون رؤية الماء منافية للابتداء لا للبقاء كعدم الشهود في النكاح فإنه يمنع ابتداء النكاح لا البقاء، بل الجواب أن نقول: الطهورية صفة راجعة إلى المحل، وقد عرف أن كل صفة راجعة إليه فإن الابتداء والبقاء فيه سواء كالمحرمية في باب النكاح [مع] (١) أن هذا بعض الحديث، وتمامه: «فإِذَا وَجَدت الماء فأَمسِسْهُ بَشرتك» (٢)، كذا في

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المصَابِيح، والمبسوط (١). قيل: قوله «فَلْتُمْسِسْهُ بشَرَتَكَ»، وهكذا لفظ المصابيح لا يدل على انتقاض الوضوء لأن هذا بطريق الاستحباب، بدليل أنه ﵇ قال في آخره: «فإنّ ذلك خير». ثم لو رأى المتيمم في صلاته الماء بطلت صلاته مطلقا، مسافرًا كان أو حاضرًا يتيمم لإعواز الماء، وعند الشافعي إن كل في الحضر بطلت صلاته، وإن كان في السفر لا تبطل (٢)، وبه قال مالك (٣)، وداود (٤)، وهو رواية عن أحمد (٥)، وهل يجوز الخروج منها؟ فيه وجهان أظهرهما أنه أفضل، والثاني: أنه لا يجوز. وعن بعض أصحابنا: الخروج منها مكروه، وعندنا يبطل تيممه وصلاته، وهو رواية عن أحمد، واختاره المزني، وقال الأوزاعي: تصير صلاته نفلا. ولو تيمم لشدة البرد في الحضر وجبت عليه الإعادة عند وجود الماء، وإن كان في السفر ففي وجوبها له قولان، كذا في الحلية (٦). وفي شرح المجمع: صلى بالتيمم في الحضر لإعواز الماء ففي بطلان صلاته عند الشافعي قولان أحدهما: أنه لا تبطل صلاته، والثاني: تبطل؛ لأنه مأمور بالإعادة عند وجود الماء، فلا معنى للاشتغال بها مع وجدان الماء، وإن كانت الصلاة مغنية عن القضاء فالمنصوص عليه لا يبطل تيممه ولا صلاته، ولو وجد الماء في النافلة فوجهان أيضًا: أحدهما: البطلان، والآخر عدمه كالفريضة.
следующие страницы →