← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

(فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وفي الإيضاح: الوسمة ليست بطيب؛ لأنه ليس لها رائحة مستلذة، فإن خاف أن يقتل الدواب فعليه صدقة؛ لأنه يزيل الشعث (١). وعن أبي يوسف: لو خضب رأسه بالوسمة فعليه دم؛ لأنه غطَّى رأسه (٢). قوله: (فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ)، إنما خص الزيت؛ لأنه لو ادهن بالشحم أو بالسمن لا شيء عليه كذا في التجريد والإيضاح، وإليه أشير في المبسوط، فقال: وقال الشافعي لو استعمله في شعر الرأس واللحية عليه دم، وفي غيرهما لا (٣)، وكذا في كتبهم (٤). وفي أصح الروايتين عند أحمد لا يوجب الفدية استعمال الدهن وإن كان فيهما (٥) لأنه ليس بطيب لإزالة الشعث فإن استعماله فيهما يزيل الشعث، فيكون من قضاء التفث، فأما في غيرهما فليس فيه معناه ولا معنى لاستعمال الطيب؛ لأنه مأكول وليس بطيب، فيكون قياس الشحم والسمن، وبهذا احتج أبو يوسف ومحمد، لكنهما قالا: فيه معنى قتل الهوام فيكون بعضه جناية فتلزمه الصدقة (٦). وذكر في شرح أبي نصر: عندهما مأكول فلا يجب فيه دم كالسمن، فكان فيه اتفاق الرواية في أنه لا يجب شيء. وفي جامع الإسبيجابي: لهما ما روي أنه ﵇ «ادهن بزيت وهُوَ مُحرِم» (٧)، ولأنه يستعمل للغداء فصار كالشحم والسمن (٨).

стр. 2207

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الشَّعْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِانْعِدَامِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مِنْ الأَطْعِمَةِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ ارْتِفَاقًا بِمَعْنَى قَتْلِ الهَوَامٌ وَإِزَالَةِ الشَّعَثِ فَكَانَتْ جِنَايَةٌ قَاصِرَةٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ أَصْلُ الطَّيبِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ، وَيَقْتُلُ الهَوَامَ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيُزِيلُ التَّفَثَ وَالشَّعَثَ، فَتَتَكَامَلُ الجِنَايَةُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، فَتُوجِبُ الدَّمَ، وَكَوْنُهُ مَطْعُومًا لَا يُنَافِيهِ كَالزَّعْفَرَانِ، وَهَذَا الخِلافُ فِي الزَّيْتِ البَحْتِ وَالخَلِّ البَحْتِ. (ولأبي حنيفة) وبه (١) قال أحمد في رواية (٢) (أنه) أي: الزيت (أصل الطيب) فإن الروائح تلقى في الزيت لتصير غالية؛ فيجب باستعمال أصل الطيب ما يجب باستعمال الطيب كما في كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء؛ لأنه أصل الصيد كما في قتل الصيد، كذا في المبسوط (٣). وفي الإيضاح: هو أصل الطيب؛ ولهذا يتطيب بإلقاء الطيب فيه فجعل التطيب من وجه، فتكامل بهما معنى الجناية فيجب الدم (٤). قوله: (وكونه مطعومًا)، إلى آخره؛ جواب عن قولهما: إنه (من الأطعمة) وقياسهما على اللحم والشحم غير مستقيم؛ لما ذكرنا أنه أصل الطيب فيكون طيبا من وجه بخلاف الشحم والسمن. وأما ما روي أنه ﵇ فعل ذلك لعذر وليس في الخبر أنه لم يكفر. كذا في جامع الإسبيجابي. (وهذا الخلاف) أي: الخلاف المذكور بين العلماء (في الزيت البحت)؛ أي: الخالص (والخل البحت)، والكل دهن السمسم (٥). وقال مالك: لا يدهن بالزيت والشيرج الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين

стр. 2208

أَمَّا المُطَيِّبُ مِنهُ كَالبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّمُ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَهَذَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، (وَلَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ أَوْ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ أَصْلُ الطَّيبِ أَوْ طِيبٌ مِنْ وَجْهِ، فَيُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيِّبِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَدَاوَى بِالْمِسْكِ وَمَا أَشْبَهَهُ. والوجه ويدهن الأعضاء الباطنة، وتجب الفدية بالإدهان فيها (١). وقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال الشيرج في رأسه ولحيته أيضًا. (كالبنفسج) تعريب (بنفشه) (والزنبق) بالنون بوزن العنبر: دهن الياسمين. وعند الشافعي دهن البنفسج مبنى على البنفسج، وعنه أنه ليس بطيب (٢). وقال بعض أصحابه: إنه طيب قولا واحدًا، وبعضهم فيه قولان. (وما أشبههما كدهن الورد والبان المنشوش وهو المغلي بالمسك، وألبان الشجر؛ فيجب باستعمال الأدهان المطيبة الدم بإجماع العلماء (٣). قوله: (وهذا)، أي: ما ذكرنا من الخلاف إذا استعمله)، أي: الدهن، على وجه التطيب. قوله: (ولو داوى به)، أي: بالزيت البخت أو الخل البحت؛ (فلا كفارة عليه)؛ أي: لا شيء عليه، وبه صرح في المبسوط؛ لأن قصده التداوي وهو غير ممنوع عنه في الإحرام، وكذا لو أكله لا شيء عليه. كذا في المبسوط (٤). (وما أشبهه)؛ كالعنبر والكافور والزعفران؛ لأنها طيب بنفسها فيجب الدم، وكذا كل ما هو طيب بنفسه وإن استعملت على وجه التداوي. وفي المبسوط والإيضاح: يكره للمحرم أن يشم الريحان والطيب، هكذا روي عن ابن عمر، ولأنه متمتع برائحته، وكان ابن عباس: لا يرى به بأسا؛

стр. 2209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنه إنما يحرم عليه من الطيب وهذا يشم، فصار كمن اجتاز سوق العطارين، مع أن الريحان من جملة نبات الأرض لا من الطيب فصار كالتفاح والبطيخ ونحوهما، ولكنا نأخذ بقول ابن عمر؛ لأن في التطيب معنى الرائحة استعمال عين الطيب، والمقصود من الطيب رائحته، فما يوجد منه رائحة الطيب؛ يكره، وعن أبي يوسف في التفاح هكذا، والفرق في الظاهر أن المقصود في التفاح الأكل، فأما الريحان؛ فليس فيه مقصود سوى الرائحة فيمنع منه ولكن لا يجب عليه شيء؛ لأن الاستمتاع لا يتم بمجرد اشتمام الرائحة بمنزلة الجلوس عند العطارين، وعن عثمان أنه سئل هل يدخل المحرم البستان؟ فقال: نعم ويشتم الريحان (١). وعند الشافعي: الريحان الفارسي الذي يقال له: الضَّيْمَران من الطيب كالورد والبنفسج في الجديد وفي القديم لا (٢). وفي الوجيز: ومعنى الاستعمال إلصاق الطيب بالبدن والثوب، فإن عبق به الريح دون العين بجلوسه في حانوت عطار أو بيت تجمر ساكنوه فلا فدية. وفي شرحه: ولو عبق به الريح بأن جلس عطار أو عند الكعبة وهي مجمرة، أو بيت تجمر ساكنوه فلا فدية (٣). وفي شرحه: ولو عبق الريح وإن قصد لاشتمامها كره على الأصح ولا فدية وهو قولنا، وبعض الأصحاب أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية ولو مس طيبًا ولم يتعلق بيديه من عينه ولكن عبقت به الريح هل تلزمه الفدية؟ فيه قولان: أحدهما: وهو نقل المزني لا وهو قولنا؛ لأن الرائحة قد تحصل بالمجاورة فلا اعتبار لها. والثاني: يجب؛ لأن المقصود منه الرائحة وقد عبقت به، وذكر صاحب العدة وغيره أن هذا أصح القولين، وكلام الأكثر يميل إلى الأول (٤).

стр. 2210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو شم الورد أو الرياحين فقد تطيب به فتجب الفدية (١)، خلافًا لأبي حنيفة ولو شم ماءه لا (٢). وفي الحلية: حكى أبو حامد في كراهة الجلوس عند العطار وموضع فيه بخور وجهين (٣)، أحدهما: عنه يجوز أن يتبخر بالعود وغيره. ولو كان الطيب في طعام قد طبخ وتغيَّر فلا شيء في أكله؛ لأنه بالطبخ لغير معناه، ولو لم يطبخ كره ذلك إذا كان ريحه موجودًا ولا شيء عليه؛ لأنه ﵇ قاله، ولأنه غالب فصار الطيب مستهلكا (٤)، وبه قال مالك (٥). وقال الشافعي: إن ظهر عليه طعمه وريحه فاختلف فيه أصحابه؛ قال أبو إسحاق: يجوز قولًا واحدًا. وقال ابن سريج: فيه قولان، أصحهما: أنه لا فدية وإن طعمه من غير لون ولا رائحة فمن قال: لا فدية، ومنهم من قال: قولان، ومنهم من قال: تجب الفدية قولًا واحدًا، وهو الأصح. كذا في الحلية. وإن لم يبق له أثر؛ فلا شيء عليه (٦). وعن أحمد مثل مذهبه (٧)، وتفريعات الحنابلة مأخوذة من كتب الشافعية، ومذهبنا مروي عن ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعد بن جبير، وطاووس، فإنهم كانوا لا يرون بأسا بأكل الخُشْكَنانج (٨) الأصفر (٩)، وبه قال مالك (١٠). وفي الإيضاح: والطيب يتكرر في مجلس واحد يوجب فدية واحدة، وفي

стр. 2211

(وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، مجالس لكل طيب كفارة (١)، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣). وقال محمد: كفارة واحدة ما لم يُكَفِّر الأول، وهكذا الخلاف في محظور الإحرام كالجماع وغيره. وجه قول محمد: أن اتحاد الجناية والمجني عليه يستدعي اتحاد الواجب كما في كفارة الصوم (٤). وقلنا: اتحاد الجهة مع كون الجناية متعددة في نفسها إنما يؤثر في إثبات الشبهة، وهذه الكفارة لا تسقط بالشبهات بخلاف كفارة الصوم، وهكذا القياس في مجلس واحد إلا أن لاتحاد المجلس أثرًا في إثبات الجمع. ولو اكتحل بكحل فيه طيب مرة أو مرتين فعليه صدقة، وإن كان أكثر فعليه دم (٥)، وعند الشافعي: في الكل دم (٦)، وعن مالك: لا تجب الفدية (٧). ولو تطيب ناسيا لإحرامه أو جاهلًا لتحريم الطيب يجب الدم عليه، وبه قال مالك (٨)، والمزني وأحمد في رواية. وقال الشافعي (٩)، وأحمد في رواية (١٠): لا تجب الفدية وسيجيء بعد. قوله: (يوما كاملا)، وفي الأسرار ومبسوط فخر الإسلام: أو ليلة كاملة، ولو لبس اللباس كله من القميص والسراويل والقبا والخفين يومًا كاملًا (فعليه دم) واحد، وكذا لو دام أيامًا أو كان ينزعه من الليل ما لم يعزم على تركه؛ لأن اللبس قد اتحد. كذا ذكره التمرتاشي والولوالجي، وكذا في الإيضاح (١١).

стр. 2212

وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ دَمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَوَّلًا (*). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجِبُ الدَّمُ بِنَفْسِ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ يَتَكَامَلُ بِالاشْتِمَالِ عَلَى بَدَنِهِ. وَلَنَا: أَنَّ مَعْنَى التَّرَفُّقِ مَقْصُودٌ مِنْ اللُّبْسِ، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ المُدَّةِ؛ لِيَحْصُلَ عَلَى الكَمَالِ وَيَجِبُ الدَّمُ، فَقُدِّرَ بِاليَوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُلْبَسُ فِيهِ ثُمَّ يُنْزَعُ عَادَةٌ، وَتَتَقَاصَرُ فِيمَا دُونَهُ الجِنَايَةُ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ ﵀ أَقَامَ الأَكْثَرَ مَقَامَ الكُلِّ. (وَلَو ارْتَدَى بِالقَمِيصِ أَوْ اتَّشَحَ بِهِ أَوِ ائْتَزَرَ. (وقال الشافعي: يجب الدم بنفس اللبس) (١) وبه كالجماع والتطييب. كذا في المبسوط (٢). (فلا بد من اعتبار المدة)؛ وذلك أن معنى الترفق دفع الحر والبرد؛ لأن اللبس أعد لهذا قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]، وهذا المعنى إنما يحصل بلبس ممتد لا بلبس ساعة بخلاف سائر المحظورات، فإن ما هو المطلوب منها يحصل في ساعة غير أنا قدرنا الامتداد بيوم أو ليلة؛ لأن العادة في اللبس هذا، فإن من لبس ثوبا يليق بالنهار ينزعه في الليل، ولو لبس ثوبا يليق بالليل ينزعه بالنهار فقد حصل عند ذلك رفق كامل، وما دون ذلك يسير فيجب عليه صدقة؛ لأن الجناية اليسيرة في هذا الباب توجب الصدقة. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ارتدى)، أي: جعله رداء. قوله: (أو اتشح)، أي: يدخل ثوبه تحت يده اليمنى ويلقيه على كتفه الأيسر. (أو ائتزر): وفي المغرب: اتزر عامي، والصواب ائتزر افتعل من الإزار، وأصله ائتزر بهمزتين، الأولى: للوصل، والثانية: فاء افتعل (٤).

стр. 2213

بِالسَّرَاوِيلِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ المَخِيطِ (وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي القَبَاءِ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الكُمَّيْنِ) خِلَافًا لِزَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ مَا لَبِسَهُ لُبْسَ القَبَاءِ وَلِهَذَا يَتَكَلَّفُ فِي حِفْظِهِ. وَالتَّقْدِيرُ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ مِنْ حَيْثُ الوَقْتُ مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا غَطَّى جَمِيعَ رَأْسِهِ يَوْمًا كَامِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وَلَوْ غَطَّى بَعْضَ رَأْسِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الرُّبُعَ اعْتِبَارًا بِالحَلْقِ وَالعَوْرَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَتْرَ البَعْضِ اسْتِمْتَاعٌ مَقْصُودٌ يَعْتَادُهُ بَعْضُ النَّاسِ، (لم يلبسه لبس المخيط) فيكون غير معتاد فلا يتحقق الارتفاق (١). (خلافًا لزفر) والشافعي يوافقه (٢) (لأن لبس القباء) هكذا معتاد. وفي حاويهم: إن كان من أقبية خراسان قصير الذيل ضيق الكمين؛ فعليه الفدية، وإن كان من أقبية العراق طويل الذيل واسع الكمين؛ فلا فدية عليه حتى يدخل يديه في كميه (٣)، والصحيح هو الأول. كذا في الحلية (٤). (ما لبسه لبس القباء) فإن العادة في لبس القباء الضم إلى نفسه، وبقوله قال مالك (٥)، وأحمد (٦). (ولهذا يتكلف في حفظه) حتى لو زر عليه بلا إدخال يديه كان لابسا ويجب الفدية؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف في حفظه. كذا في المبسوط (٧). قوله: (والتقدير) إلى آخره، إنما أعاد هذا؛ ليبني الفروع على ما بينا، وهو قوله: (ولو غطى رأسه يوما كاملا). (اعتبارًا بالحلق) في المبسوط: ما يتعلق بالرأس، فللربع فيه حكم الكل. (يعتاده بعض الناس) فإن الأتراك والعراقيين [يغطون رؤوسهم] بالقلانس

стр. 2214

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ. (وَإِذَا حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ، أَوْ رُبُعَ لِحْيَتِهِ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الرُّبُعِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا يَجِبُ إِلَّا بِحَلْقِ الكُلِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجِبُ الصغار، ويعدون ذلك ارتفاقا كاملا فيجب فيه الدم (١). وعن محمد: يجب الدم في حلق عُشر رأسه احتياطا (٢)؛ لأنه أقل السُّنَّة الصحيحة وبعده لا يخفى. قوله: (اعتبارًا للحقيقة)، فإن أصل أبي يوسف أن القليل مغلوب، وهو معدوم (٣). قوله: (وإذا حلق)، إلى قوله: (فعليه دم)، هذا مخالف لما ذكر في جامع السرخسي وقاضي خان وشرح الطحاوي حيث ذكر فيها على قول أبي يوسف ومحمد: إن حلق جميع الرأس واللحية؛ فعليه دم، وإن حلق أقل من ذلك فعليه طعام (٤)، وهو قول مالك (٥). وذكر في جامع المحبوبي: الصحيح ما ذكره عامة المشايخ، وهذا المذكور في الهداية: (إلا بحلق الكل)؛ لظاهر النص، ولأن العادة لم تجر بذلك، فلا يقام الربع مقام الكل (٦). وفي تتمتهم: قال مالك: الفدية تتعلق بحلق قدر ما يتعلق به إماطة الأذى (٧). وفي الحلية: وقال داود ومالك في رواية (٨): لا يتعلق بحلق شعر البدن

стр. 2215

بِحَلْقِ القَلِيلِ اعْتِبَارًا بِنَبَاتِ الحَرَمِ. وَلَنَا: أَنَّ حَلْقَ بَعْضِ الرَّأْسِ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ شيء. (بحلق القليل) وذلك ثلاث شعرات. في تتمتهم: إذا حلق ثلاث شعرات أو نتفها وجب الدم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] والرأس لا تحلق وإنما الشعر يحلق فكان التقدير: لا تحلقوا شعور رأسكم، والشعور جمع وأقله ثلاثة، وبه قال أحمد في رواية (١)، وفي رواية: اعتبر الرابع (٢). وفي شرح الوجيز: في شعرة واحدة مُدٌّ من طعام في قول، وفي قول درهم، وفي قول ثالث: دم، وفي قول: دم كامل. (اعتبارًا بنبات الحرم)، فإن الشعر نبات استفاد الأمان بالإحرام فكان كنبات الحرم فاستوى قليله وكثيره (٣). كذا في جامع البزدوي. (لأنه معتاد) فإن الأتراك أوساط رؤوسهم، وبعض العلوية يحلقون نواصيهم لابتغاء الزينة والراحة وعامة العرب يمسكون شعورهم وإنما يحلقون نواصيهم وأقفيتهم وما أشبه ذلك من الأجزاء المتفرقة التي ورد الشرع بالنهي عنها، وهذا النهي عن التنازع، وإذا كان هذا الأمر مقصودًا يتم بذلك رفقهم، فألحق الربع بالكل احتياطا. كذا في جامع البزدوي (٤). وفي الفوائد الظهيرية وحلق اللحية متعارف فإن الأكاسرة يستعملون حلق اللحى لشجعانهم، وكذلك بعض القضاة يفعلون ذلك (٥). وفي الأسرار: عامة مشايخنا حملوا هذه المسألة على مسح الرأس في الوضوء (٦)، وهذا البناء غير صحيح؛ لأنه تعالى أمر بالمسح مقرونا بحرف الباء

стр. 2216

فَتَتَكَامَلُ بِهِ الجِنَايَةُ وَتَتَقَاصَرُ فِيمَا دُونَهُ، بِخِلَافِ تَطَيُّب رُبُعِ العُضْوِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَكَذَا حَلْقُ بَعْضِ اللَّحْيَةِ مُعْتَادٌ بِالعِرَاقِ وَأَرْضِ العَرَبِ (وَإِنْ حَلَقَ الرَّقَبَةَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مَقْصُودٌ بِالحَلْقِ. (وَإِنْ حَلَقَ الإِبْطَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِالحَلْقِ لِدَفْعِ الْأَذَى وَنَيْلِ الرَّاحَةِ فَأَشْبَهَ العَانَةَ. في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والباء في المحل يقتضي التبعيض، وهاهنا ذكر بغير حرف الباء، فيكون المحظور بالنص كمال الرأس فالبعض لا يقوم مقامه إلا بدلالة. فبقوله: (ارتفاق كامل) (١) أثبت المذهب، وبقوله: (فتتكامل به الجناية) نف مذهب مالك، وبقوله: (وتتقاصر فيما دونه) نفي مذهب الشافعي. وأما استدلالهم بالآية بأن المراد شعور رؤوسكم إلى آخره غير صحيح؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع ينقضي انقسام الآحاد على الآحاد فيكون كل واحدٍ مأمورًا بحلق شعر رأسه والشعر: اسم جنس يتناول الأقل أو الكل، وبالإجماع لا يجب بحلق شعرة واحدة دم، فيكون المراد الكل إلا أن الربع يقوم مقام الكل لما ذكرنا؛ ولهذا قالوا في الأصلع شعره أقل من الربع فحلقه: فعليه صدقة، وإن بلغه الربع فحلقه؛ فعليه دم. (لأنه) أي: تطيب ربع العضو (غير مقصود)، فإن العادة في الطيب الاقتصار على الربع، فصار العضو الكامل فيه كالربع في الحلق في الكفارة. كذا في المبسوط (٢). (لأنه عضو مقصود بالحلق) كما ذكرنا أن العرب يحلقون الأقفية والرقبة منها. وقال الشافعي (٣)، وأحمد (٤): الحكم في سائر الشعور كما في شعر الرأس قياسًا عليه؛ لما في إزالة الشعر ترفيه وتنظيف. كذا في تتمتهم. (فأشبه العانة) وفي جامع قاضي خان (٥): إن كان شعر العانة كثيرًا ففي حلق ربعها دم.

стр. 2217

ذَكَرَ فِي الإِبْطَيْنِ الحَلْقَ هَاهُنَا، وَفِي الأَصْلِ النَّتْفُ وَهُوَ السُّنَّةُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا حَلَقَ عُضْوًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَطَعَامٌ) أَرَادَ بِهِ الصَّدْرَ وَالسَّاقَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِطَرِيقِ التَّنوُّرِ فَتَتَكَامَلُ بِحَلْقِ كُلِّهِ وَتَتَقَاصَرُ عِنْدَ حَلْقِ بَعْضِهِ (وَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فَعَلَيْهِ طَعَامُ حكومةِ عَدْلٍ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُنْظَرُ أَنَّ هَذَا المَأْخُوذَ كَمْ (هاهنا) أي: في الجامع الصغير. (وفي الأصل) أي: المبسوط وهو أي: النتف (السنة) (١). وفي الكافي: العمل بالسنة أحق. وقيل: لو حلق الإبطين ينبغي أن يجب عليه دمان؛ إذ كل إبط عضو مقصودة بالحلق. قلنا: الأصل في الجنايات إذا كانت من جنس واحد أن يجب ضمان واحد؛ ألا ترى أن تنوير جميع بدنه يلزم دم واحد؟ (وقال أبو يوسف ومحمد) قبل قولهما بيان قول أبي حنيفة لا أنه خالفهما في ذلك، وإنما خُصًا بالذكر؛ لأن الرواية محفوظة عنهما. كذا في الكافي (٢). قوله: (أراد به)، أي: بقوله: (عضوًا) هذا مخالف لما ذكر في المبسوط حيث ذكر في الأصل أنه متى حلق عضوًا مقصودًا بالحلق (فعليه دم)، وإن حلق عضوًا غير مقصود فعليه صدقة، فما ليس بمقصود حلق شعر (الصدر والساق) ولم يذكر الخلاف فيه، وما أشبه ذلك كالفخذ والإبط دون الرأس واللحية، ولهذا قالوا: عبدٌ مُحرِم خبز فاحترق بعض شعر بدنه في التنور؛ فعليه صدقة إذا أعتق؛ لأن جنايته يسيرة، وإن طلى من غير أذى؛ فعليه دم إذا أعتق؛ لأن جنايته غليظة (٣). (التنور): الإزالة بالنورة، ولا فرق بين الحلق والنتف، والنورة في الأشعار في وجوب الفدية عند الأئمة الأربعة (٤). قوله: (وإن أخذ من شاربه)، ذكر هاهنا حكم بعض الشارب، وكذا الحكم

стр. 2218

يَكُونُ مِنْ رُبُعِ اللَّحْيَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَثَلًا مِثْلَ رُبُعِ الرُّبُعِ لَزِمَهُ قِيمَةُ رُبُعِ الشَّاةِ، وَلَفْظَةُ الأَخْذِ مِنْ الشَّارِبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لو أخذ كله وهو رواية الجامع الصغير. وفي المبسوط: قال أصحابنا: إذا حلق الشارب كله -وهو رواية الجامع الصغير - يلزمه الدم (١)، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، ومالك في رواية (٤)؛ لأنه مقصود بالحلق يفعله الصوفية وغيرهم، ولكن هو رواية عن أبي حنيفة (٥). والأصح عندي: أنه لا يلزم الدم؛ لأنه طرف من أطراف اللحية، وهو مع اللحية كعضو واحدٍ، وأنه دون ربع اللحية ليس له حكم الكل فلا يجب بما دون ربعه دم؛ بل تكفيه الصدقة بحسب ذلك (٦). حتى لو كان الشارب ربع اللحية (يلزمه قيمة ربع الشاة)، ففي ربع ربعها ربع الشاة، وإنما اعتبر الشارب باللحية؛ لأنه أقرب إليها. ولذلك قيل: إنه طرف من أطرافها. قال عبد الله الجرجاني: هذا قول محمد -أي: الاعتبار بربع اللحية قول محمد والأصح أنه تجب الصدقة وهو نصف الصاع (٧)؛ لأن عند أبي حنيفة فيما دون العضو يجب نصف الصاع، ومحمد يحتاج إلى الفرق بين ما إذا حلق أقل من ربع الرأس أو أقل من ربع اللحية، وبين ما إذا أخذ أقل من ربع الشارب فإنه اعتبر في أقل من ربع الرأس أو اللحية جزء، ولم يعتبر جزء في الدم في أقل من ربع الشارب حيث قال: فيه الصدقة. ووجهه: أن المأخوذ من الشارب إذا كان أقل من ربع اللحية لا يكون معتبرا في الشرع لقلته.

стр. 2219

هُوَ السُّنَّةُ فِيهِ دُونَ الحَلْقِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَصَّ حَتَّى يُوَازِيَ الإِطَارَ. قَالَ: قوله: (هو السنة)، أي: الأخذ والقص. وفي جامع المحبوبي: السنة قص الشارب وإعفاء اللحى وهو تركها حتى تطول (١). والسنة عند أصحابنا مقدار قبضة (٢)، كذا روي عن ابن عمر (٣)، ومن الناس من قال: الحلق بدعة، وهو مذهب بعض المتأخرين من مشايخنا، وبه قال مالك ورأى أن يوجع ضربًا فاعله؛ لما روي أنه ﵇ قال: «عَشرٌ مِنْ فِطْرَتي وفِطْرَةِ إبراهيم ﵇» وذكر من جملتها: «قَصُّ الشّارِبِ» (٤)؛ ولأنه تبع اللحية والمشروع فيها القص دون الحلق؛ إذ الحلق يشينه فكذا في الشارب. كذا في الجامع الصغير (٥). وذكر الطحاوي في شرح الآثار: أنَّ حلقه سنة، ونسب ذلك إلى العلماء الثلاثة (٦). وفي المختار: حلقُهُ سُنّة، وقصهُ حَسَن (٧). وفي المحيط: الحلق أحسن من القص، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه (٨)، والقص حتى يوازي الحرف الأعلى من الشفة العليا سنة بالإجماع. وفي فتاوى العتابي: ولا يحلق ما على الحلقوم من الشعر. وفي الْمُجْتَبَى: حلق الأجزاء المتفرقة من الرأس منهي عنه. وفي المغرب: إطار الشفة ملتقى جلدتها مستعار من إطار المنخل

стр. 2220

(وَإِنْ حَلَقَ مَوْضِعَ المَحَاجِمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) (*)؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْلِقُ لأجلِ الحِجَامَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ المَحْظُورَاتِ فَكَذَا مَا يَكُونُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ شَيْءٍ مِنْ التَّفَثِ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: والدف (١). قوله: (وإن حلق موضع المحاجم)، وفي بعض النسخ: المحجم، وفي بعض مواضع المحاجم في المغرب: المحجمة بالكسر: قارورة الحجام، وكذا المحجم بطرح الهاء، والمحجم بالفتح موضع المحجمة من العنق عن الليث والأزهري، ومنه قوله: ويجب غسل المحاجم؛ يعني: مواضع الحجامة من البدن (٢). وفي البدرية: وليس جمع محجم - بفتح الميم هاهنا - بدليل ذكر المحاجم بلفظ الجمع؛ لاختلاف عادات الناس في موضع الحجامة؛ فإن العرب يحتجمون على الرأس والفرس بين الكتفين، وأهل الهند على البطن. (وهي) أي: الحجامة (ليست من المحظورات)؛ لما روي أنه ﵇ «احْتَجَم وَهُوَ مُحرِم» (٣)، وما كان يرتكب في إحرامه الجناية المتكاملة؛ ولأن ذلك الموضع غير مقصود بالحلق وإنما يحلق ليتمكن منها فصار بمنزلة حلق الصدر والساق فلا يلزم الدم. كذا في المبسوط (٤). وبه قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦). وحكي الأبهري عن مالك أنه تجب الصدقة فيه (٧) كقولهما؛ لأنه أماط به أذى عن نفسه. قال الشافعي: قول مالك باطل، ولو كان إماطة الأذى يوجب الفدية

стр. 2221

أَنَّ حَلْقَهُ مَقْصُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى المَقْصُودِ إِلَّا بِهِ، وَقَدْ وُجِدَ إِزَالَةُ التَّفَثِ عَنْ عُضْوٍ كَامِلٍ فَيَجِبُ الدَّمُ. (وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَعَلَى الحَالِقِ الصَّدَقَةُ، وَعَلَى المَحْلُوقِ دَمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِأَنْ كَانَ نَائِمًا؛ لِأَنَّ لأوجبها بالبول والغائط (١). وقيل في جوابه: هذا من الضرورات اللازمة، فلا يلزمنا. (أن حلقه) أي موضع الحجامة (مقصود) وهو ما (لا يتوصل) إلى الحجامة (إلا به) أي: بالحلق، وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصودا. كذا في الكافي. وفي المبسوط: لم ينقل أنه ﵇ حلق موضع الحجامة، وإنما نقل عنه الحجامة وليس من ضرورته الحلق، فإن الحجام إذا كان حاذقا شرط طولا فلا يحتاج إلى الحلق، وكذلك إذا لم يكن المحجوم أشعر البدن ولم ينقل أنه ﵇ أشعر البدن (٢). والدليل عليه أنه ﵇ كان يتحرز عن الجناية الموجبة للصدقة كما كان يتحرز عن الجناية الموجبة للدم. قوله: (وإن حلق) أي: المحرم (رأس محرم) هكذا نص عليه في المبسوط (٣). (وقال الشافعي: لا يجب) أي: على المحلوق دم (٤). وفي شرح الوجيز: لو حلق حلال أو محرم المحرم بغير أمره ينظر إن كان - أي المحرم - نائما أو مكرها أو مغمى عليه؛ ففيه قولان، أصحهما: أن الفدية على الحالق، وبه قال مالك وأحمد؛ لأنه المقصر ولا تقصير من جهة المحلوق. والثاني: أنها على المحلوق، وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني؛ لأنه هو

стр. 2222

مِنْ أَصْلِهِ: أَنَّ الإِكْرَاهَ يُخْرِجُ المُكْرَهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذَا بِحُكْمِ الفِعْلِ وَالنَّوْمُ أَبْلَغُ مِنهُ. وَعِنْدَنَا: المرتفق به، وقد ذكر المزني أن الشافعي قد خط على هذا القول لكن الأصحاب نقلوه من البويطي ووجدوه غير مخطوط عليه (١). ولو حلقه بأمره؛ فالفدية عليه ولا شيء على الحالق قولا واحدا (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)؛ لأن فعل الحالق مضاف إليه سواء كان الحالق محرماً أو حلالا. وعندنا الحالق محرماً (عليه الصدقة) (٥) في الأمر وغير الأمر، وعلى المحلوق دم. في البدائع (٦): حلق رأس محرم أو حلال أو قلم أظافيره وهو محرم فعليه صدقة سواء كان بأمره أو بغير أمره، طائعا كان المحلوق رأسه أو مكرها. قوله: (فعندنا)، أي: في الحلق واللبس والتطيب والتقليم وقتل الصيد يستوي فيه العامد والناسي، والمخطئ والجاهل بالتحريم والعالم به، والمختار والمكره (٧)، وبه قال مالك (٨)، وأحمد في الأصح (٩)، وهو قول أكثر أهل العلم (١٠). وقال الشافعي: لبس أو تَطيَّب ناسياً أو جاهلا بتحريمه أو مكرها؛ فلا شيء عليه (١١)، وبه قال داود (١٢).

стр. 2223

بِسَبَبِ النَّوْمِ وَالإِكْرَاءِ يَنْتَفِي المَأْثَمُ دُونَ الحُكْمِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ سَبَبُهُ، وَهُوَ مَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ، ولو قلم أو حلق أو قتل ناسيًا أو جاهلا بتحريمه؛ فلا فدية عليه (١)، ولو جامع ناسيًا أو جاهلا؛ لا يفسد حجة وتلزمه الفدية (٢)، ومفزعه قوله ﵇: «رفع عن أمتي … » الحديث (٣). وجوابه: أن المراد به رفع الإثم، ولأنا نخص موضع الخلاف كما خص هو قتل الصيد والحلق والتقليم. وتعلق في الجهل؛ بحديث يعلى بن أمية حيث أمر النبي ﵇ بنزع الجبة عن الرجل، ولم يأمره بالفدية لجهله. وجوابه: أنه كان عالما بأحكام الحج ولم يذكر به الفدية لشهرته ذلك عندهم في الحج؛ ولهذا قال: كنت أنزع الجبة وأغسل الخلوق، ولا يلزم من عدم ذكرها فيه عدم الوجوب، فإنه ﵇ لم يوجب القضاء على المجامع في نهار رمضان وهو واجب. ويحتمل أن ذلك قبل تحريمه، ومن لبس قبل التحريم ثم حرم وهو عليه لا تجب الفدية، ولأن الرجل في حديث يعلى كان عامدًا ظانًا أن حكم العمرة أخف من حكم الحج؛ لأنها غير واجبة دون الحج في المحظور. (أبلغ منه) (٤)؛ أي: من الإحرام؛ لأن به لا ينعدم قصده ولا أصل العقل، وبالنوم ينعدمان. (تقرر سببه)؛ أي سبب وجوب الدم، (وهو) أي السبب (ما نال)؛ أي: المحلوق (من الراحة والزينة) بخلاف الدية حيث تجب بزوال الشعر؛ لأنه من الجمال، وهاهنا جعل عدمه من الزينة كما أنه في أصل الخلقة جمال؛ ولهذا

стр. 2224

فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ حَتْمًا، بِخِلَافِ المُضْطَرِّ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الْآفَةَ هُنَاكَ سَمَاوِيَّةٌ، وَهَهُنَا مِنْ العِبَادِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ المَحْلُوقُ رَأْسُهُ عَلَى الحَالِقِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إِنَّمَا لَزِمَهُ بِمَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ فَصَارَ كَالمَغْرُورِ فِي حَقِّ العُقْرِ، يتكلف في ستره من عدمه، أما هاهنا زواله من الزينة؛ لأن به يزول الشعث والتفل الناشئين من انتشار الشعر، وهذا أمر عارض فإنه يزيد صفرة الوجه. وفي شرح الطحاوي: كل موضع يلزمه الدم إذا فعل ذلك لعلة أو ضرورة يتخير إن شاء ذبح شاة، وإن شاء تصدق على ستة مساكين، وإن شاء صام ثلاثة أيام، وهذا معنى قوله: (بخلاف المضطر … ) إلى آخره (١). قوله: (حتمًا)، نفي لقول الشافعي، فإنه يقول: إذا حلق المحرم غير مضطر؛ فهو مخير بين الأشياء الثلاثة كما في حالة الضرورة (٢). قوله: (بما نال)، أي: بسبب ما نال المحظور؛ أي: المحلوق. (كالمغرور في حق العقر) حيث لا يرجع به على بائعه. صورته: اشترى جارية فاستولدها ثم استحقت يغرم قيمة الولد والعقر ويرجع بها على البائع ولا يرجع بالعقر؛ لأنه بسبب (ما نال من الراحة) بالوطء؛ ولهذا قيل: الصداق على من رفع الساق، وكما إذا أكره على أكل مال الغير فإن ثمة لا يرجع المكره بضمان ما أكل؛ وهذا لأنه لا يجوز أن يجمع بين الضمان والمضمون؛ لأنه يؤدي إلى أن يسلم له عوضان بمقابلة مضمون واحد، ولا وجه إليه في باب الضمان. وقال بعض العلماء: يرجع على الحالق، وهو أحد قولي الشافعي (٣)، وأبي حازم من أصحابنا وزفر إذا حلق بغير أمره ومكرها (٤)؛ لكن يرجع بأقل الأمرين من قيمة الشاة أو الطعام عنده؛ لأن الفدية على التخيير عنده فكان متطوعا في الزيادة.

стр. 2225

وَكَذَا إِذَا كَانَ الحَالِقُ حَلَالًا لَا يَخْتَلِفُ الجَوَابُ فِي حَقِّ المَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَأَمَّا الحَالِقُ تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «لَا شَيْءَ عَلَيْهِ» وَعَلَى هَذَا الخِلَافُ إِذَا حَلَقَ المُحْرِمُ رَأسَ حَلَالٍ لَهُ: أَنَّ مَعْنَى الارْتِفَاقِ لَا يَتَحَقَّقُ بِحَلْقِ شَعْرِ غَيْرِهِ وَهُوَ المُوجِبُ. وَلَنَا: أَنَّ إِزَالَةَ مَا يَنْمُو وجهه: أنه هو الذي أوقعه في هذه الورطة وألزمه هذا الغرم. وقلنا: أنه كَالْمَغْرُورِ كذا في المبسوط (١). قوله: (في مسألتنا)، أي: فيما إذا كان الحالق مُحرِّما (في الوجهين) أي: بأمره أو بغير أمره. (وقال الشافعي: لا شيء عليه) أي على الحالق (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، وعندنا: ينبغي ألا يجب. إليه أشير في المبسوط (٥). ولكن ذكر في الحلية: يجب على الحالق الحلال صدقة، وإليه يشير تعليل الكتاب. (وهو) أي: الارتفاق (الموجب) لحلق البهيمة بمنزلة نبات الحرم. في النهاية: هذا يقتضي أن الحلال إذا حلق رأس حلال في الحرم أن يجب على الحالق الجزاء كما في قطع نبات الحرم، ولكن ما وجدت رواية له؛ بل وجدت رواية: أنه لا يجب شيء. قيل: لا يقتضي؛ لأن شعر الحلال في الحرم لا يصير بمنزلة نبات الحرم، وإنما يصير بالإحرام فلا يلزم هذا، وعلى هذا الخلاف (إذا حلق المحرم … ) إلى آخره يعني تجب الصدقة عندنا وعنده لا تجب ما بيناه وهو أن (إزالة ما ينمو … ) إلى آخره.

стр. 2226

مِنْ بَدَنِ الإِنْسَانِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ؛ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأَمَانَ بِمَنْزِلَةِ نَبَاتِ الحَرَمِ، فَلَا يَفْتَرِقُ الحَالُ بَيْنَ شَعْرِهِ وَشَعْرِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ كَمَالَ الجِنَايَةِ فِي شَعْرِهِ (فَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِ حَلَالٍ أَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ أَطْعَمَ مَا شَاءَ) وَالوَجْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا. وَلَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ ارْتِفَاقِ؛ لَأَنْ يَتَأَذَّى بِتَفَثِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ التَّأَنِّي بِتَفَثِ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ الطَّعَامُ (وَإِنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ المَحْظُورَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ وَإِزَالَةِ مَا يَنْمُو عن البَدَنِ، فَإِذَا قَلَّمَهَا كُلَّهَا فَهُوَ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، (وَلَا يُزَادُ عَلَى دَمٍ إِنْ حَصَلَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ)؛ لِأَنَّ الجِنَايَةَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، قوله: (ولا يعرى عن نوع ارتفاق)، جواب عن قياس الشافعي حيث قال: لا يجب فيه شيء، وقاسه بإلباس غيره مخيطاً فقال: (يتأذى بتفث غيره)، فكان في إزالته ضرب ارتفاق له، بخلاف إلباس المخيط حيث لا يكون مزيلًا للتفث فلا يتحقق فيه ارتفاق ما. كذا في جامع قاضي خان. قوله: (وإن قص أظافير يديه ورجليه فعليه دم) بإجماع الأئمة الأربعة (١)، إلا عند الثلاثة، لكل يد أو رجل دم ولا تتداخل (٢). وقال عطاء: لا شيء عليه في قص الأظافير؛ لأنه من السنة كالختان وفيه لا يجب شيء بالاتفاق، فكذا في القص ولم يصح حديث في النهي عنه بسبب الإحرام، ومذهبنا مروي عن ابن عباس، ولأن القص (من قضاء التفث وإزالة ما ينمو عن البدن) بمعنى الزينة والراحة فكان كالحلق. كذا في المبسوط (٣). (ولا يزاد على دم)؛ أي دم واحد، ويزاد عند الأئمة الثلاثة و (إن حصل في مجلس واحد). وقال أبو القاسم الأنماطي: عليه دمان؛ لأن كل واحد من الارتفاق منه وهو شيء واحد فصار بمنزلة حلق الرأس. كذا في المبسوط (٤).

стр. 2227

فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُلِ فَأَشْبَهَ كَفَّارَةَ الفِطْرِ، إِلَّا إِذَا تَخَلَّلَت الكَفَّارَةُ لِارْتِفَاعِ الأُولَى بِالتَّكْفِيرِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: تَجِبُ أَرْبَعَةُ دِمَاء (*) إِنْ قَلَّمَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ يَدًا أَوْ رِجْلًا؛ لِأَنَّ الغَالِبَ فِيهِ مَعْنَى العِبَادَةِ، فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُلُ بِاتِّحَادِ المَجْلِسِ كَمَا فِي آيِ السَّجْدَةِ. (لأن مبناها)؛ أي: مبنى هذه الكفارة (على التداخل)؛ ولهذا لو قتل المحرم صيد الحرم تجب كفارة واحدة، وإن كانت الجناية في حق الإحرام والحرم وما يبتني على التداخل فالمجلس الواحد والمجالس المتفرقة فيه سواء، كما إذا جامع امرأته في رمضان مرارًا فإن عليه كفارة واحدة، وإن حصل في مجالس متفرقة، وخرج عن هذا سجدة التلاوة؛ لأنها ليست بكفارة. وعند الشافعي إذا وجدت أفعال متفرقة من جنس واحد أو مجالس من غير تكفير ففي تداخل الكفارة قولان (١): أحدهما؛ في قول مثل قول محمد، وحكي عن مالك (٢)، وفي قول مثل قولهما. (لأن الغالب فيه) أي: في هذا التكفير (معنى العبادة) بدليل أن كفارات الإحرام تجب على المعذور كالمكره والخاطئ والناسي كالعبادات تجب عليه ولا تجب العقوبات بخلاف كفارة الفطر فإنها لا تجب على المعذور على ما عرفت، ولأنه إذا اتحد المجلس فالمقصود واحد والمحال مختلفة، فرجحنا جانب المقصود بسبب اتحاد المجلس؛ لأن له أثرًا في جمع المتفرقات، أما لو اختلفت المجالس يرجح جانب اختلاف المحال بمنزلة (آي السجدة) مرارًا في مجلس واحد تجب سجدة واحدة، وإن كان في مجالس مختلفة؛ فعليه لكل سجدة وبه فارق الحلق فإن محل الفعل هناك واحد. كذا في المبسوط (٣). وفي الغالب في كفارة المحرم معنى العبادة حتى لا تجب على الكافر، وتشترط النية ولا تسقط بالشبهة.

стр. 2228

(وَإِنْ قَصَّ يَدًا أَوْ رِجْلًا: فَعَلَيْهِ دَمٌ) إِقَامَةً لِلرُّبُعِ مَقَامَ الكُلِّ كَمَا فِي الحَلْقِ (وَإِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِيرَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) مَعْنَاهُ: تَجِبُ بِكُلِّ ظُفُرٍ صَدَقَةٌ. وَقَالَ زَفَرُ ﵀: يَجِبُ الدَّمُ بِقَصِّ ثَلَاثَةٍ مِنهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِي أَظَافِيرِ اليَدِ الوَاحِدَةِ دَمًا، وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا. وَجْهُ المَذْكُورِ فِي الكِتَابِ: أَنَّ أَظَافِيرَ كَفَّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مَا يَجِبُ الدَّمُ بِقَلْمِهِ، وَقَدْ أَقَمْنَاهَا مَقَامَ الكُلِّ، فَلَا يُقَامُ أَكْثَرُهَا مَقَامَ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى (معناه: تجب بكل ظفر صدقة) في المبسوط: وعن محمد أنه قال: في كل ظفر خُمس دم؛ لأنه لما وجب الدم بقص خمسة أظافر ففي كل ظفر بحساب ذلك (١). وقلنا: الجناية غير متكاملة فيه؛ لأن معنى الراحة والزينة لا تحصل بقص ظفر أو ظفرين وهو قول أبي حنيفة الأول استحسانًا (٢)، وبه قال الشافعي، ففي اليد الواحدة دما بالاتفاق فالأكثر منها يقوم مقام كلها (٣). ولكن أبو حنيفة رجع عن هذا وقال: الدم في الأصل إنما يجب بقص أظافير اليدين والرجلين، واليد الواحدة ربع ذلك ويجعل بمنزلة الكل احتياطا كربع الرأس في الحلق. (فلا يقام أكثرها) أي: أكثر اليد الواحدة (مقام كلها؛ لأنه) أي: جعل ذلك مقام الكل (تؤدي إلى ما لا يتناهى) فيقال: إن قص ظفرين فقد قص أكثر الثلاث، ثم إذا قصَّ ظفرًا ونصف ظفر فقد قص أكثر الظفرين، ولكن يقال: ما كان أدنى المقدار شرعًا لا يتعلق بما دونه الحكم المتعلق به. كذا في المبسوط (٤). وفي الكافي: المراد من عدم التناهي التعسر لا المذكور في أصول الدين

стр. 2229

(وَإِنْ قَصَّ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ: فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ دَمٌ) (*) اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ قَصَّهَا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، وَبِمَا إِذَا حَلَقَ رُبُعَ الرَّأْسِ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ كَمَالَ الجِنَايَةِ بِنَيْلِ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ وَبِالقَلْمِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يَتَأَذَّى وَيَشِينُهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ عَلَى مَا مَرَّ. في وجود جزء ما لا يتجزأ؛ لأنه لو كان وجوب الدم أو الصدقة في عشر الأصبع؛ لأن العشر أكثر بالنسبة إلى نصف العشر، وفي العشر لا يجب بالإجماع. وفي النهاية: في الربع شبهة الكل فأقيم مقام الكل، ثم لو أقمنا أكثر الربع مقامه لكان فيه اعتبار شبهة الشبهة لا شبهة الشبهة فيما يعمل بالشبهات (١). قوله: (خمسة أظافير متفرقة) بالجر كقوله ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف ٤٣] اعتبارًا بما لو قصها من كف واحدة؛ إذ المقصود قص خمسة أظافير، ولا فرق بين أن يكون ذلك من عضو واحد أو من عضوين أو من أعضاء كالحلق، فإنه لا اعتبار لحلق ربع الرأس من جانب واحد أو من جوانب متفرقة في إيجاب الدم، وكما في الأرش لا فرق بين قطع خمسة أصابع من يد أو يدين، وكما إذا تطيب بدنة في مواضع مختلفة بحيث لو جمع كان كثيرًا فاحشا وجب عليه الدم، وكذا النجاسة في مواضع متفرقة فإنه يضم بعضها إلى بعض. كذا في المبسوط (٢). (ويشينه) فإنه لا يحسن في النظر فيزداد له شغل القلب إلا أن ينال به الراحة. كذا في المبسوط (٣). (على ما مر)؛ أي في حلق الرأس في أن الأتراك وعامة العرب يفعلون ذلك، فكان في حلق بعضه ارتفاق كامل واعتبار الأظافير بالطيب لا يصح؛ لأن الطيب ليس له عضو مخصوص فيجعل البدن كله في حقه كعضو واحد، وعلى هذا حلق الرأس والنجاسة على البدن. كذا في المبسوط والجامع.

стр. 2230

وَإِذَا تَقَاصَرَت الجِنَايَةُ تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَيَجِبُ بِقَلْمٍ كُلِّ ظُفْرٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ مُتَفَرِّقًا، إلا أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا، فَحِينَئِذٍ يَنْقُصُ عَنْهُ مَا شَاءَ. قَالَ: (وَإِنْ انْكَسَرَ ظُفُرُ المُحْرِمِ وَتَعَلَّقَ فَأَخَذَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْمُو بَعْدَ وكذا الدية متعلقة بفوات العضو لا بالراحة والزينة. (ذلك)؛ أي: الطعام، دما فحينئذ ينقص عنه؛ أي عن الدم أو عن الطعام (ما شاء) في المبسوط: حتى لو قص ستة عشر ظفرًا من كل أربعة أربعة؛ فعليه لكل ظفر طعام مسكين نصف صاع من بر إلا إذا بلغت قيمة الطعام دما فحينئذ ينقص عنه ما شاء (١). وفي جمع المجمع واختلفوا في كيفية النقصان عن الدم كيلا يبلغ الواجب دما. قيل: ينقص من صاع أو نصفه شيء حتى ينقص به الواجب عن الدم، والأصح أن ينظر إلى أصوع من الشعير أو التمر فإن لم يبلغ ذلك دما أخرج، فيكون الواجب أنقص من الدم، ويكون التصدق بمقدار مقدّر شرعًا، وكذا في نصف صاع من بر (٢). قوله: (فلا شيء عليه)، في الإيضاح: يعني إذا كان مما لا يثبت ذلك، وفي تعليل الكتاب بقوله: (لا ينمو بعد) ذلك إشارة إليه فأشبه اليابس يعني صار كالشجر اليابس في الحرم وأغصان الشجر إذا يبس (٣). والشعر المقطوع: نزلت في المعذور وهو كعب بن عُجرة بضم العين وسكون الجيم قال كعب مر بي رسول الله ﷺ والقمل يتهافت على وجهي وأنا أوقد تحت قدر لي، وفي رواية: تحت بُرمةٍ لي، فقال ﵇: «أيُؤذيك هوام رأسكَ؟» قلت: نعم، فنزلت فقلت: ما الصيام يا رسول الله؟ فقال: «ثلاثة أيام» (٤). ولو لم يكن النص عليه لكنا نقدره بستة أيام؛ لأن صوم يوم بمنزلة طعام

стр. 2231

الانْكِسَارِ فَأَشْبَهَ الْيَابِسَ مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ (وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا، أَوْ حَلَقَ مِنْ عُذْرٍ، فَهُوَ مُخَيَّرُ: إِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَكَلِمَةُ «أَوْ» لِلتَّحْيِيرِ وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِمَا ذَكَرْنَا، وَالآيَةُ نَزَلَتْ فِي المَعْذُورِ، ثُمَّ الصَّوْمُ يُجْزِئِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فِي كُلِّ مَكَانَ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَا. وَأَمَّا النُّسُكُ فَيَخْتَصُّ بِالحَرَمِ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَهَذَا الدَّمُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَتَعَيَّنَ مسكين ولكن ثبت بيان رسول الله أن الصوم ثلاثة أيام وسقط كل قياس بمقابلته، وكذلك الجواب في كل ما اضطر إليه مما لو فعله غير المضطر يلزمه دم، فإذا فعله المضطر فعليه أي الكفارات الثلاث شاء؛ لأنه في معنى المنصوص من كل وجه كذا في المبسوط (١). (في أي موضع شاء) وهذا بإجماع الأئمة الأربعة (٢). قوله: (عندنا) احتراز عن قول الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، فإن الطعام عندهما لا يجزئه إلا في الحرم؛ لأن المقصود به رفق رفقاء الحرم لما بينا، وهو أنه عبادة في كل مكان. (وأما النسك) أي: النسيكة، وهي: ما يذبح في الحرم. كذا في المغرب. (بالاتفاق) (٥)، أي: بيننا وبين الشافعي. وقال مالك: لا يختص ما يجب من الفدية بمكان إلا في زمان كالأضحية، أو مكان كجميع الهدايا (لا يختص بزمان) (٦)؛ أي: بالارتفاق فتعين اختصاصه بالمكان وهو الحرم؛ ليتحقق معنى القربة فيه ليكون كفارة كفعله قال تعالى:

стр. 2232

اخْتِصَاصُهُ بِالمَكَانِ، (وَلَو اخْتَارَ الطَّعَامَ أَجْزَأَهُ فِيهِ التَّغْذِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ)، اعْتِبَارًا بِكَفَّارَةِ اليَمِينِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: لَا يُجْزِئُهُ (*)؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنْبِئُ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، ولأنه تعالى قال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥] وذلك واجب بطريق الكفارة فصار أصلا في كل هدي وجب بطريق الكفارة في اختصاصه بالحرم؛ لأنه تعالى قال بعد ذكر الهدايا: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ والمراد به الحرم، ومعلوم أنه ليس من المراد من الاختصاص عين إراقة الدم؛ لأن فيه تلويث الحرم إنما المقصود هو التصدق باللحم بعد الذبح تصدق بلحمه على فقراء الحرم، ولو تصدق على غيرهم أجزأه عندنا خلافًا للشافعي؛ لأن الصدقة قربة في كل مكان. كذا في المبسوط (١). وفي تتمتهم وشرح الوجيز في اختصاص الذبح بالحرم قولان: أصحهما: أنه يختص، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: لا يختص وهو قول مالك؛ لأن المقصود اللحم فإذا أوقع تفرقة على مساكين الحرم جاز؛ لأن المقصود إيصال اللحم إليهم فقد حصل الغرض ولكن الشرط النقل والتفريق قبل تغير اللحم، وبقوله قال أحمد (٢). ولو سرق المذبوح من الحرم لم يجب عليه شيء آخر عندنا؛ لأنه بالذبح فقد بلغ محله ووجوب التصدق بلحمه كان متعلقا بالدم فيسقط بهلاك العين كسقوط الزكاة بهلاك المال، وإن سُرِقَ قبل الذبح؛ فعليه بدله كما في الأضحية الواجبة؛ لأنه بلغ محله كذا في المبسوط (٣). وقال الشافعي: في سرقة المذبوح: عليه ذبح آخر والتصدق به أو شراء اللحم والتصدق به، وفيه وجه آخر أنه يكفيه التصدق بالقيمة، وكذا لو تغير رائحة لحم ما ذبح أو أُكِلَ اللحم لم يسقط الفرض عندهم (٤)؛ لأنه لم يصل نفع

стр. 2233

عن التَّمْلِيكِ وَهُوَ المَذْكُورُ. الهدي إلى المساكين. كذا في شرح الوجيز وتتمتهم اعتبارًا بكفارة الظهار بجامع أنهما كفارة، ولأن النص ورد بلفظ الإطعام؛ لقوله عليه [السلام] لكعب بن عجرة: «أو أطعم ستة مساكين» والإباحة تجزئه في كل ما ورد بلفظ الإطعام. (وهو المذكور)؛ أي في نص القرآن قال تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة ١٩٦]، وجاء في حديث كعب في رواية: «أو تصدّق بثلاثة أصوع من طعام» بخلاف كفارة اليمين فإن المذكور فيها لفظ الإطعام قال تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة ٨٩]. قوله: (لبس مَخِيطًا) (١) ثم نزعه بالليل ولم يعزم على تركه ثم لبسه عليه دم واحد، وإن لبس بعذر كالبرد والمرض؛ فعليه كفارة الضرورة كالحلق لعذر، وفي لبس القميص لعذر كفارة واحدة وكذا لو اضطر إلى تغطية رأسه فلبس قلنسوة ولف عمامة تلزمه كفارة واحدة، ولو وضع على رأسه قميصا وقلنسوة للضرورة يلزمه فدية وللقميص دم؛ إذ لا حاجة إليه للرأس لبس قميصا وخفين أحدهما للضرورة عليه دم وفدية؛ لاختلاف سبب الكفارة، ولو لم يختلف السبب تكفيه كفارة لبس قميصا للضرورة بعض اليوم ثم لبس قميصا آخر وقلنسوة بغير الضرورة حتى مضى اليوم ففي لبس القميص للضرورة أقل من يوم صدقة، وفي القلنسوة كفارة غير كفارة الضرورة، لبس للضرورة بعض يوم فتركه عليه حتى مضى اليوم فما دام في شك من الضرورة؛ فهو ضرورة كله فإن تيقن بزوالها فعليه كفارتان لاختلاف جهتها، مريض يحتاج إلى اللبس بالليل للبرد ويستغني منه بالنهار فينزعه فعليه فدية كالمجروح يداويه الطبيب مرة بعد مرة. ولو احتاج بالليل إليه ويستغني بالنهار، والعلة لازمة فعليه كفارة واحدة للضرورة، ولو كان به حمى غب (٢) فلبسه يومًا ويوما لا؛ فعليه واحدة ما لم يبرأ منها، ويأتيه غيرها وكذا لو لبس السلاح لعدو يقاتل بالنهار وينزعه بالليل؛ فهو لبس واحد ما لم يذهب العدو الأول ويجيء عدو غيره. الكل من المحيط (٣).

стр. 2234

فَصْلٌ: [في النَّظَرِ وَالمُبَاشَرَةِ لِلْمُحْرِمِ] (فَإِنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ المُحَرَّمَ هُوَ الجِمَاعُ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى (وَإِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ يَقُولُ: إِذَا مَسَّ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ وفي مناسك الكرماني: جمع بين اللباس والقميص والخفين والعمامة وغير ذلك في يوم فعليه دم واحد، فلو أراق الدم ثم لبس بعد ذلك؛ فعليه كفارة أخرى ولو تطيب أو داوى جرحًا لعلةٍ ثم حدث آخر قبل أن يبرأ الأول؛ فعليه كفارة واحدة، ولو حدث بعد زوال الأول؛ فعليه كفارتان وعند محمد واحدة ما لم يكفر للأول (١). فصل قوله: (امرأته) وكذا الحكم في غير امرأته إلا أن النظر إلى فرج أجنبية حرام ولا يظن بالمسلم الارتكاب بالمحرم، فراعى الأدب وقال: امرأته، والمراد من الفرج موضع البكارة ولا يمكن النظر إليها إلا إذا كانت متكئة، أما النظر إلى ظاهر الفرج ليس بشيء. كذا في الكافي (٢). والجامع بين النظر والفكر عدم إيصال الفعل منه بها منهما وهو إجماع، وكذا لو أطال النظر أو تكرر منه. وعن عطاء: لو أطال النظر فأمنى يفسد حجه، ولو دفق فعليه بدنة عند البصري والحج من قابل (٣)، وهو قول مالك (٤). وفي المغني: لو نظر فصرف بصره فعليه شاة عند أحمد، وإن كرر فعليه بدنة وحجة تام عند الأئمة الثلاثة (٥). قوله: (وفي الجامع)، وإنما أعاد لفظ الجامع بشرط الإمناء.

стр. 2235

يُنْزِلْ، ذَكَرَهُ فِي الأَصْلِ. وَكَذَا الجَوَابُ فِي الجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِنَّمَا يُفْسِدُ إِحْرَامَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِذَا أَنْزَلَ وَاعْتَبَرَهُ بِالصَّوْمِ. وَلَنَا: أَنَّ فَسَادَ الحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِالجِمَاعِ، وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِسَائِرِ المَحْظُورَاتِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجِمَاعٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالجِمَاعِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الاسْتِمْتَاعِ وَالارْتِفَاقِ بِالمَرْأَةِ، وَذَلِكَ مَحْظُورُ الإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ المُحَرَّمَ فِيهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِ الإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الفَرْجِ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجَّهُ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ، (وذكر في الأصل)؛ أي المبسوط، المس ولم يشترط الإمناء، والصحيح ما ذكره في الجامع كذا في جامع قاضي خان ذكر في الأصل (١). قال في المبسوط: واللمس والتقبيل بشهوة والجماع فيما دون الفرج لا يفسد الإحرام أنزل أو لم ينزل، وللشافعي قول: أنه إذا اتصل به الإنزال يفسد الإحرام على قياس الصوم فإنه يفسده التقبيل إذا اتصل بالإنزال، ولكن ذكر في عامة كتبهم أنه لا يفسد الحج ولكن يلزمه دم (٢). وقال مالك (٣)، وأحمد في أظهر الروايتين عنه (٤): إذا اتصل به الإنزال يفسد الحج قياسا على الصوم في جميع ذلك وهو اللمس والتقبيل والجماع فيما دون الفرج. (وهذا)؛ أي اللمس والتقبيل مع الإنزال. (فسد حجه) وكذا في حق المرأة. (يريقان دما)؛ أي: كل واحد منهما يريق دما، وفي الجماع يعتبر غيبوبة الحشفة، وكذا لو استدخلت ذكر الحمار أو ذكرا مقطوعا يفسد حجها بالإجماع. ولو لف ذكره بخرقة ثم أدخله إن وجد حرارة الفرج واللذة يفسد وإلا فلا،

стр. 2236

وَيَمْضِي فِي الحَجِّ كَمَا يَمْضِي مَنْ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَعَلَيْهِ القَضَاءُ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﵊ سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالحَجِّ قَالَ: «يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الحَجُّ مِنْ قَابِلِ» وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ ﵃. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَجِبُ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الوُقُوفِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ القَضَاءَ لَمَّا وَجَبَ وَلَا يَجِبُ إِلَّا وبه قال الشافعي في قول، وفي أصح قوليه يفسد به مطلقًا سواء وجد حرارة الفرج واللذة أو لا. (وعليهما الحج من قابل) ولا يلزمهما العمرة (١)؛ لأنه لا تفوت عنهما الحج، وهذا حكم من النبي ﷺ ﵇ بالفساد. ثم الجماع في الإحرام حرام بالنص، قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧] فقيل: هو الجماع، وبالحديث المذكور في المتن، وأجمع الصحابة والفقهاء على ذلك فلو جامع قبل الوقوف فسد حجهما وعلى كل واحد شاة عندنا (٢). وقال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥): بدنة؛ لأنه وطء صادف إحرامًا كاملا فيوجب البدنة كما بعد الوقوف. (والحجة عليه)؛ أي على الشافعي، (إطلاق ما روينا) وهو قوله ﵇: «يريقان دما» (٦)، وذكر الدم مطلقا ولم يقيده بشيء فيتناول الشاة؛ لأنه متيقن. فإن قيل: المطلق ينصرف إلى الكامل وهو البدنة. قلنا: إنه ينصرف إلى الكامل في الماهية مع حصول التيقن به، والشاة كامل فيجزئه ولا يجب القضاء لتدارك حجه وهو مصلحته وينبغي أن لا يجب الدم؛

стр. 2237

لاسْتِدْرَاكِ المَصْلَحَةِ، خَفَّ مَعْنَى الجِنَايَةِ فَيَكْتَفِي بِالشَّاةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ. ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (*): أَنَّ فِي غَيْرِ القُبُلِ مِنْهُمَا لَا يُفْسِدُ؛ لِتَقَاصُرِ مَعْنَى الوَطْءِ فَكَانَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ لأن القضاء أهم ما يجب في الحج فلا يجب القضاء كفارة، ولكن وجب الدم لأجل هذا الإخلال فالشاة تكفيه كما في المحصر. كذا في المبسوط (١)؛ لأنه لا قضاء هذا على إطلاقه ليس بحجة على الخصم، فإن عند الشافعي في الجماع بعد الوقوف قبل رمي جمرة العقبة مفسد (٢)، وعند مالك (٣)، وأحمد (٤): ما بقي الإحرام مفسد. (في غير القبل منهما)؛ أي من الرجل والمرأة، ومن السبيلين، كما لو لاط؛ لتقاصر معنى الوطء حتى لا يجب حد الوطء عنده ولا المهر بالإجماع، فصار كالوطء فيما دون الفرج، وفي رواية عنده يفسد (٥)؛ لأنه كامل من حيث أنه ارتفاق به وهو قولهما (٦). والشافعي، ومالك، وأحمد لا يوجب الحد عندهم، ولو أتى بهيمة لا يفسد حجه، وبه قال مالك (٧)؛ لأنه ليس بوطء مقصود فيتقاصر معنى الوطء، فصار كما لو وطء في غير الفرج. وعند الشافعي (٨)، وأحمد: يفسد (٩)؛ لأنه أولج في الفرج عامداً فيفسد كما لو وطء امرأة وعليه دم إن أنزل؛ لأن سببه الجماع وقد حصل باتصال

стр. 2238

فِي قَضَاءِ مَا أَفْسَدَاهُ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِمَالِكِ ﵀: إِذَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا. وَلِزُفَرَ ﵀: إِذَا أَحْرَمَا. وَلَلشَّافِعِيِّ ﵀: إِذَا انْتَهَيَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ. لَهُمْ: أَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ ذَلِكَ فَيَقَعَانِ فِي المُوَاقَعَةِ فَيَفْتَرِقَانِ. وَلَنَا: أَنَّ الجَامِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ النِّكَاحُ الإنزال به وإن لم ينزل لا شيء عليه. كذا في الإيضاح (١). ولو جامع مرارًا فعليه لكل جماع شاة؛ لأن الإحرام قائم كما أن الإحرام الفاسد بمنزلة الصحيح في المضي وفي الاجتناب عن محظورات الإحرام عندهما خلافًا لمحمد إلا أن يكون كفّر عن الوطء الأول فحينئذ يجب لكل وطء بالاتفاق (٢)، وللشافعي فيه أقوال (٣) أظهرهم: أنه يجب بالجماع الثاني كما قالا كفر أو لا. والثاني: أنه يجب بدنة، وبه قال أحمد (٤)، إن كفر عن الأول وإلا لا تجب عنده كما قلنا. والثالث: أنه لا يجب شيء وبه قال مالك في الوطء في رمضان فإنه لا تجب كفارة بالوطء الثاني مع وجود، الإمساك. والرابع: إن كفر الأول فدى الثاني وإلا فلا، والمذكور في المنظومة ثالث الأقوال. كذا في شرح المجمع وقد مر وجه قولنا لمالك إذا خرج من بيتهما، ولكن ذكر في شرح الوجيز وتتمتهم أن قول مالك يفترقان إذا أحرما كما هو مذهب زفر، ويحتمل أن يكون عنه روايتان إذا انتهيا إلى المكان الذي جامعها وهو قوله القديم، وبه قال أحمد. وفي الجديد: أن التفرق مستحب عنده كما هو مذهبنا كذا في تتمتهم (٥). (لهم)؛ أي: للشافعي وزفر ومالك. وفي بعض النسخ (له)؛ أي للشافعي.

стр. 2239

قَائِمٌ فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ الإِحْرَامِ لِإِبَاحَةِ الوَقَاعِ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ مَا لَحِقَهُمَا مِنْ المَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ بِسَبَبِ لَذَّةِ يَسِيرَةِ فَيَزْدَادَانِ نَدَمًا وَتَحَرُّزًا فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ. في المبسوط الأصل فيه أن الصحابة قالوا: إذا رجعنا للقضاء يفترقان معناه: يأخذ كل واحد غير طريق صاحبه حيث لا يرى أحدهما صاحبه. ومالك أخذ بظاهر اللفظ وقال: كما خرجا يفترقان، ولكن هذا بعيد من الفقه؛ لإباحة الوقاع قبل الإحرام والافتراق للتحرز عن المواقعة. وزفر يقول: الافتراق نسك بقول الصحابة وأوان أداء النسك بعد الإحرام، وهذا ليس بقوي فإنه ليس بنسك في الأداء فلا يكون نسكًا في القضاء؛ لأنه بصفة الأداء. وعند الشافعي: يفترقان في مكان المجامعة؛ لأنهما لا يأمنان أن يصلا إلى ذلك الموضع أن يهيج فيه لهما الشهوة فيفترقان للتحرز عن الوقاع، وهذا ليس بصحيح أيضًا؛ لأنه إنما جامعها في السنة الأولى بسبب النكاح وإذا وصلا إلى ذلك الموضع وتأملا ما لحقهما من المشقة ازداد ندمًا وتحرزًا لكيلا يصيبهما الآن مثل ما أصابهما في المرة الأولى. ومراد الصحابة أنهما يفترقان على سبيل الندب إن خافا لا أن يكون ذلك واجبًا كما يندب للشاب إلى الامتناع من التقبيل في حالة الصوم إذا لم يأمن على نفسه (١). وفي تتمتهم: وجه القول القديم ما روي عن عمر أنه قال: فإن كان من قابل حجا وتفرقا في المكان الذي أصابهما، وهكذا روي عن ابن عباس. ووجه قول مالك: ما روي عن علي أنه قال: فإذا أهلا بالحج تفرقا (٢). وفي شرح الوجيز (٣): يستحب الافتراق من حين الإحرام، ولكنا نقول: المراد الاستحباب فيحمل عليه؛ لأن مدة الإحرام تمتد وتطول ففي تكليفهما الافتراق من حين الإحرام، ولكنا نقول: المراد الاستحباب فيحمل عليه؛ لأن

стр. 2240

(وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ فِيمَا إِذَا جَامَعَ قَبْلَ الرَّمْيِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجَّهُ﴾ وَإِنَّمَا تَجِبُ البَدَنَةُ مدة الإحرام تطول وتمتد ففي تكليفهما الافتراق مشقة فلا تجب في أي موضع كان، وإليه أشير في الكافي. قوله: (خلافًا للشافعي فيما إذا جامع قبل الرمي)؛ فإنه يفسد عنده (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لأن إحرامه قبل الرمي، فإنه يفسد مطلقا؛ ألا ترى أنه لا يحل له شيء مما هو حرام على المحرم، والجماع في الإحرام المطلق مفسد للحج، كما قبل الوقوف بخلاف ما بعد الرمي، فقد جاء أوان التحلل، وحل له الحلق الذي كان حرامًا على المحرم. ولنا: قوله ﵇: «من وقف فقد تم حجه»، وبالاتفاق لم يرد التمام بأداء الأفعال؛ لأنه قد بقي عليه الأركان، وإنما أراد التمام من حيث إنه يأمن الفساد بعده، وهو المعنى الفقهي؛ لأن بالوقوف تأكد حجه؛ ألا ترى أنه يأمن الفوت بعد الوقوف، وكما ثبت حكم التأكيد في الأمن من الفوت؛ فكذلك في الأمن من الفساد، فأما قبله فحجه غير متأكد؛ ألا ترى أنه يفوت بمضي وقت الوقوف، فكذلك يفسد بالجماع؛ وهذا لأنه محظور الإحرام، فينبغي أن لا يكون مفسدا كسائر المحظورات، لكن تركنا هذا الأصل فيما إذا كان الجماع قبل تأكد الإحرام بدليل الإجماع، وما بعد التأكد ليس في معنى ما قبله، فيبقى على أصل القياس، وهذا على أصله ظاهر، فإن الصبي إذا بلغ قبل الوقوف؛ جاز حجه عن الفرض، بخلاف ما بعده. يؤيد ما قلنا: حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: «إِذا جَامَع قَبلَ الوقوفِ فَسَدَ نسكهُ وَعَليهِ دَمٌ، وإِذا جَامَع بعد الوقوفِ فحجَّهُ تامٌ وعَليهِ بَدَنةٌ» (٤)، وهكذا روي عن عدة من الصحابة. كذا في المبسوط (٥).

стр. 2241

لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ فَيَتَغَلَّظُ مُوجِبُهُ. (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِبَقَاءِ إِحْرَامِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دُونَ لُبْسِ المَخِيطِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَخَفَّتْ الجِنَايَةُ فَاكْتَفَى بِالشَّاةِ. (وَمَنْ جَامَعَ فِي العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ، فَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِذَا جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ فِي الوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، اعْتِبَارًا بِالحَجِّ، إِذْ (لقول ابن عباس)؛ وهو ما روينا، وهذا الحكم لا يعرف قياسًا، فيحمل على السماع من النبي ﵇، روي عنه أنه قال: «لا تجبُ البَدَنَةُ إِلَّا في موضِعَينِ: مَنْ جَامَعَ بعد الوقوف، ومن طاف للزيارة جُنُبًا» (١). كذا في المبسوط (٢). وفي الإيضاح، وجامع التمرتاشي: لو جامع ثانيًا بعد ذلك فعليه شاة؛ لأن الوطء صادف إحرامًا ناقصًا فيكتفي، وكذا لو فعل مرارًا يجب عن كل واحد شاة، وقد مر أقوال الشافعي فيه وما أشبه كالتطيب (٣). قوله: (وقال الشافعي: تفسد في الوجهين) للحج بحلال، يحصل أحدهما بعد الرمي والحلق، والآخر بعد طواف الزيارة، ثم لا أثر للجماع بين التحللين في إفساد الحج. وعن مالك (٤)، وأحمد (٥): يفسد ما بقي في إحرامه كما قبل التحلل. وفي الحلية، وتتمتهم: عند مالك بالجماع يفسد إحرامه فيما بقي من الأفعال، ولكنه يمضي فيه، فإذا فرغ يُحرم بالعمرة من أدّى الحل، ويكون بدلا عما فسد (٦)، وبه قال أحمد (٧).

стр. 2242

هِيَ فَرْضٌ عِنْدَهُ كَالحَجِّ وَلَنَا: أَنَّهَا سُنَّةٌ فَكَانَتْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنهُ فَتَجِبُ الشَّاةُ فِيهَا وَالبَدَنَةُ فِي الحَجِّ إِظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ. والشافعي (١) في وجوب الفدية فيه قولان: أحدهما: أنه يجب عليه بدنة؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: «من وطئ بعد التحلل فقد تم حجه وعليه بدنة» (٢)، ولأنه وطء محرم في الإحرام فيكون كالطيب واللباس. والثاني: أنه يجب شاة؛ لنقصان الإحرام بعد التحلل الأول لوجهين، وهو: إذا جامع بعد ما طاف أربعة أشواط، أو بعد ما طاف أقل منها؛ فإن عنده الجماع قبل التحلل يفسده وعليه بدنة، وبه قال مالك؛ لأنها فريضة كالحج عنده (٣). وقال أحمد: يجب بالوطء القضاء وشاة إذا وجد في الإحرام (٤)، فالشافعي يعتبر فسادها بفساد الحج في وجوب القضاء والبدنة؛ لأنها فريضة عنده (٥) (ولنا: أنها)؛ أي: العمرة (سُنّة). وفي المبسوط: وهذا بخلاف طواف الزيارة، فإنه لو جامع بعد أربعة أشواط لا يجب شيء، مع أن الحج فريضة؛ لأنه حل بالحلق قبل الطواف، إلا أنه تأخر حكمه في حق النساء لما ذكرنا؛ وهو أن يكون ركن الحج مؤدى في الإحرام، ولما كان كذلك قام أكثره مقام كله؛ لأن به يتم الركن، فلا يجب شيء؛ ولهذا لو لم يكن حلق قبل الطواف ثم جامع بعد أربعة أشواط؛ يجب عليه الدم، وكذا في العمرة؛ لأن الحلق مؤخر عن طوافها، فلم يقع التحلل بالطواف، سواء كان قبل الأكثر أو بعده (٦).

стр. 2243

(وَمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا كَانَ كَمَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ جِمَاعُ النَّاسِي غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ وَكَذَا الخِلافُ فِي جِمَاعِ النَّائِمَةِ وَالمُكْرَهَةُ. هُوَ يَقُولُ: الحَظْرُ يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، فَلَمْ يَقَع الفِعْلُ جِنَايَةٌ. وَلَنَا: أَنَّ الفَسَادَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي الإِحْرَامِ ارْتِفَاقًا مَخْصُوصًا، وَهَذَا لَا يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، وَالحَجُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ؛ قوله: (ومن جامع ناسيًا)؛ أي: الإحرامه (كان كمن جامع متعمدا)؛ أي: في حق إفساد الحج والإحرام، إلا في حق الإثم، وبه قال مالك (١)، والشافعي (٢)، في القديم واختاره المزني. وفي الجديد: لا يفسد بالنسيان، إلا أن يعلم فيدوم عليه، وكذا الخلاف في جماع النائمة والمكرهة؛ لأن إكراه الرجل على الوطء ممتنعة. قوله: (هو)؛ أي: الشافعي (يقول) في الجديد: إن الوطء محذور فيفترق الحكم بين الناسي والعامد، كالأكل في الصوم. (بهذه العوارض)؛ وهي النسيان والإكراه والنوم، ويحتج بالحديث المعروف وهو قوله: «رُفِعَ عَنْ أمتي» (٣) الحديث، وقد مر جوابه. (ارتفاقا مخصوصا)؛ وهو الارتفاق بالجماع، والفساد متعلق بعينه، وأثر هذه العوارض في انعدام المأثم لا في إعدام أصل الفعل؛ ولهذا يلزم به الاغتسال مع وجود هذه العوارض، وتثبت به حرمة المصاهرة، ويستوي فيه الصغير والكبير والعاقل والمجنون. كذا في المبسوط (٤). والنوم لا ينافي الجماع؛ ألا ترى أن النائم يحتلم، ويمكن أن تصل اللذة إليها ولم تعلم، فإن وصلت تحقق الجماع في حقها، فيكون الجماع موجودا في حق النائمة مع النائمة، مع أنه ﵇ أوجب الدم فيمن جامع مطلقًا. قوله: (والحج ليس في معنى الصوم) إلى آخره جواب عن اعتبار الشافعي

стр. 2244

لِأَنَّ حَالَاتِ الإِحْرَامِ مُذَكِّرَةٌ بِمَنْزِلَةِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ القُدُومِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُعْتَدُّ بِهِ الحج بالصوم، وبيانه أن النسيان جائز المؤاخذة عند أهل السنة، خلافًا للمعتزلة؛ لكنه يعذر فيه إذا لم يكن له مذكّر، وفي الحج مذكر من هيئة الإحرام، كما في الصلاة، بخلاف الصوم؛ فإنه ليس فيه مذكّر، فعليه صدقة، وكذا لو طاف جنبًا. وفي مبسوط شيخ الإسلام: لا شيء عليه؛ لأن أصله سنة، وفي تركه لا يجب شيء، فكذا في ترك أصله، وهكذا ذكر في شرح الطحاوي (١). وفي الإيضاح: تجب بتركه الصدقة (٢). وعن أحمد: أن الطهارة في الطواف ليس بشرط مثل قولنا (٣). (فصل) (وقال الشافعي: لا يعتد به)؛ أي: لا يعتبر طوافه، فإنها فيه شرط عنده (٤)، وبقوله: قال مالك (٥)، وأحمد (٦). وجه تمسكه بالحديث: أنه ﵇ اشتغل بالاستثناء لإباحة الكلام، فدل على تعميم الحظر. وقلنا: الطواف صلاة حكمًا، أي: اقتضى ولا عموم للمقتضي عندنا، فثبت كونه صلاة في حق تعلق الجواز بالبيت، كما في الصلاة، وأما الاستثناء فذاك كلام مبتدأ، كأنه قال: ولكنه أبيح فيه الكلام؛ لإزالة أشكال الحرمة؛ ألا ترى أنه أبيح فيه المشي والانحراف عن البيت، بخلاف الصلاة، مع أن يَحْيَى

стр. 2245

لِقَوْلِهِ ﷺ : «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ المَنْطِقَ» فَتَكُونُ الطَّهَارَةُ مِنْ شَرْطِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ تَكُنْ فَرْضًا، ثُمَّ قِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ، وَالأَصَحُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الجَابِرُ؛ وَلِأَنَّ الخَبَرَ يُوجِبُ العَمَلَ، فَيَثْبُتُ بِهِ الوُجُوبُ، ابن معين ضعف الحديث، وقال: إنه منقطع. (من غير قيد الطهارة): وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. (ثم قيل: هي سنة)؛ أي: الطهارة؛ لما ذكر في الأصول، والقائل: محمد ابن شجاع، لكن قال: يجوز أن يجب بتركها جابر، كما قال محمد فيمن أفاض من عرفة قبل الإمام أنه ترك سنة الدفع، فأوجب عليه دما. (لوجوب الجابر بتركها)؛ أي: بترك الطهارة، والقائل بالوجوب: أبو بكر الرازي من أصحابنا. ثم المراد من الحديث: تشبيه الطواف بالصلاة في الثواب دون الحكم؛ ألا ترى أن الكلام غير مفسد له، وأنه يتأدَّى بالمشي، والمشي مفسد للصلاة، ولأن الطواف من حيث إنه ركن للحج يستدعي الطهارة كسائر الأركان، ومن حيث إنه يتعلق بالبيت يستدعي الطهارة كالصلاة، وما تردد بين أصلين يوفر حظه عليهما؛ فلشبهه بالصلاة تكون الطهارة فيه واجبًا، ولكونه ركنا من أركان الحج يعتد بلا طهارة. كذا في المبسوط (١). وفي جامع الإسبيجابي: معنى قوله ﵇: «الطواف صلاة» أي: كالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب ٦] أي: كأمهاتهم. وقوله ﵇: «الواحد شيطان» (٢) الحديث؛ أي: كالشيطان. وكقول الشاعر (٣):
следующие страницы →