← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ فَيَتَغَلَّظُ مُوجِبُهُ. (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِبَقَاءِ إِحْرَامِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دُونَ لُبْسِ المَخِيطِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَخَفَّتْ الجِنَايَةُ فَاكْتَفَى بِالشَّاةِ. (وَمَنْ جَامَعَ فِي العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ، فَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِذَا جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ فِي الوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، اعْتِبَارًا بِالحَجِّ، إِذْ (لقول ابن عباس)؛ وهو ما روينا، وهذا الحكم لا يعرف قياسًا، فيحمل على السماع من النبي ﵇، روي عنه أنه قال: «لا تجبُ البَدَنَةُ إِلَّا في موضِعَينِ: مَنْ جَامَعَ بعد الوقوف، ومن طاف للزيارة جُنُبًا» (١). كذا في المبسوط (٢). وفي الإيضاح، وجامع التمرتاشي: لو جامع ثانيًا بعد ذلك فعليه شاة؛ لأن الوطء صادف إحرامًا ناقصًا فيكتفي، وكذا لو فعل مرارًا يجب عن كل واحد شاة، وقد مر أقوال الشافعي فيه وما أشبه كالتطيب (٣). قوله: (وقال الشافعي: تفسد في الوجهين) للحج بحلال، يحصل أحدهما بعد الرمي والحلق، والآخر بعد طواف الزيارة، ثم لا أثر للجماع بين التحللين في إفساد الحج. وعن مالك (٤)، وأحمد (٥): يفسد ما بقي في إحرامه كما قبل التحلل. وفي الحلية، وتتمتهم: عند مالك بالجماع يفسد إحرامه فيما بقي من الأفعال، ولكنه يمضي فيه، فإذا فرغ يُحرم بالعمرة من أدّى الحل، ويكون بدلا عما فسد (٦)، وبه قال أحمد (٧).

стр. 2242

هِيَ فَرْضٌ عِنْدَهُ كَالحَجِّ وَلَنَا: أَنَّهَا سُنَّةٌ فَكَانَتْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنهُ فَتَجِبُ الشَّاةُ فِيهَا وَالبَدَنَةُ فِي الحَجِّ إِظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ. والشافعي (١) في وجوب الفدية فيه قولان: أحدهما: أنه يجب عليه بدنة؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: «من وطئ بعد التحلل فقد تم حجه وعليه بدنة» (٢)، ولأنه وطء محرم في الإحرام فيكون كالطيب واللباس. والثاني: أنه يجب شاة؛ لنقصان الإحرام بعد التحلل الأول لوجهين، وهو: إذا جامع بعد ما طاف أربعة أشواط، أو بعد ما طاف أقل منها؛ فإن عنده الجماع قبل التحلل يفسده وعليه بدنة، وبه قال مالك؛ لأنها فريضة كالحج عنده (٣). وقال أحمد: يجب بالوطء القضاء وشاة إذا وجد في الإحرام (٤)، فالشافعي يعتبر فسادها بفساد الحج في وجوب القضاء والبدنة؛ لأنها فريضة عنده (٥) (ولنا: أنها)؛ أي: العمرة (سُنّة). وفي المبسوط: وهذا بخلاف طواف الزيارة، فإنه لو جامع بعد أربعة أشواط لا يجب شيء، مع أن الحج فريضة؛ لأنه حل بالحلق قبل الطواف، إلا أنه تأخر حكمه في حق النساء لما ذكرنا؛ وهو أن يكون ركن الحج مؤدى في الإحرام، ولما كان كذلك قام أكثره مقام كله؛ لأن به يتم الركن، فلا يجب شيء؛ ولهذا لو لم يكن حلق قبل الطواف ثم جامع بعد أربعة أشواط؛ يجب عليه الدم، وكذا في العمرة؛ لأن الحلق مؤخر عن طوافها، فلم يقع التحلل بالطواف، سواء كان قبل الأكثر أو بعده (٦).

стр. 2243

(وَمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا كَانَ كَمَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ جِمَاعُ النَّاسِي غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ وَكَذَا الخِلافُ فِي جِمَاعِ النَّائِمَةِ وَالمُكْرَهَةُ. هُوَ يَقُولُ: الحَظْرُ يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، فَلَمْ يَقَع الفِعْلُ جِنَايَةٌ. وَلَنَا: أَنَّ الفَسَادَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي الإِحْرَامِ ارْتِفَاقًا مَخْصُوصًا، وَهَذَا لَا يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، وَالحَجُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ؛ قوله: (ومن جامع ناسيًا)؛ أي: الإحرامه (كان كمن جامع متعمدا)؛ أي: في حق إفساد الحج والإحرام، إلا في حق الإثم، وبه قال مالك (١)، والشافعي (٢)، في القديم واختاره المزني. وفي الجديد: لا يفسد بالنسيان، إلا أن يعلم فيدوم عليه، وكذا الخلاف في جماع النائمة والمكرهة؛ لأن إكراه الرجل على الوطء ممتنعة. قوله: (هو)؛ أي: الشافعي (يقول) في الجديد: إن الوطء محذور فيفترق الحكم بين الناسي والعامد، كالأكل في الصوم. (بهذه العوارض)؛ وهي النسيان والإكراه والنوم، ويحتج بالحديث المعروف وهو قوله: «رُفِعَ عَنْ أمتي» (٣) الحديث، وقد مر جوابه. (ارتفاقا مخصوصا)؛ وهو الارتفاق بالجماع، والفساد متعلق بعينه، وأثر هذه العوارض في انعدام المأثم لا في إعدام أصل الفعل؛ ولهذا يلزم به الاغتسال مع وجود هذه العوارض، وتثبت به حرمة المصاهرة، ويستوي فيه الصغير والكبير والعاقل والمجنون. كذا في المبسوط (٤). والنوم لا ينافي الجماع؛ ألا ترى أن النائم يحتلم، ويمكن أن تصل اللذة إليها ولم تعلم، فإن وصلت تحقق الجماع في حقها، فيكون الجماع موجودا في حق النائمة مع النائمة، مع أنه ﵇ أوجب الدم فيمن جامع مطلقًا. قوله: (والحج ليس في معنى الصوم) إلى آخره جواب عن اعتبار الشافعي

стр. 2244

لِأَنَّ حَالَاتِ الإِحْرَامِ مُذَكِّرَةٌ بِمَنْزِلَةِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ القُدُومِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُعْتَدُّ بِهِ الحج بالصوم، وبيانه أن النسيان جائز المؤاخذة عند أهل السنة، خلافًا للمعتزلة؛ لكنه يعذر فيه إذا لم يكن له مذكّر، وفي الحج مذكر من هيئة الإحرام، كما في الصلاة، بخلاف الصوم؛ فإنه ليس فيه مذكّر، فعليه صدقة، وكذا لو طاف جنبًا. وفي مبسوط شيخ الإسلام: لا شيء عليه؛ لأن أصله سنة، وفي تركه لا يجب شيء، فكذا في ترك أصله، وهكذا ذكر في شرح الطحاوي (١). وفي الإيضاح: تجب بتركه الصدقة (٢). وعن أحمد: أن الطهارة في الطواف ليس بشرط مثل قولنا (٣). (فصل) (وقال الشافعي: لا يعتد به)؛ أي: لا يعتبر طوافه، فإنها فيه شرط عنده (٤)، وبقوله: قال مالك (٥)، وأحمد (٦). وجه تمسكه بالحديث: أنه ﵇ اشتغل بالاستثناء لإباحة الكلام، فدل على تعميم الحظر. وقلنا: الطواف صلاة حكمًا، أي: اقتضى ولا عموم للمقتضي عندنا، فثبت كونه صلاة في حق تعلق الجواز بالبيت، كما في الصلاة، وأما الاستثناء فذاك كلام مبتدأ، كأنه قال: ولكنه أبيح فيه الكلام؛ لإزالة أشكال الحرمة؛ ألا ترى أنه أبيح فيه المشي والانحراف عن البيت، بخلاف الصلاة، مع أن يَحْيَى

стр. 2245

لِقَوْلِهِ ﷺ : «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ المَنْطِقَ» فَتَكُونُ الطَّهَارَةُ مِنْ شَرْطِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ تَكُنْ فَرْضًا، ثُمَّ قِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ، وَالأَصَحُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الجَابِرُ؛ وَلِأَنَّ الخَبَرَ يُوجِبُ العَمَلَ، فَيَثْبُتُ بِهِ الوُجُوبُ، ابن معين ضعف الحديث، وقال: إنه منقطع. (من غير قيد الطهارة): وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. (ثم قيل: هي سنة)؛ أي: الطهارة؛ لما ذكر في الأصول، والقائل: محمد ابن شجاع، لكن قال: يجوز أن يجب بتركها جابر، كما قال محمد فيمن أفاض من عرفة قبل الإمام أنه ترك سنة الدفع، فأوجب عليه دما. (لوجوب الجابر بتركها)؛ أي: بترك الطهارة، والقائل بالوجوب: أبو بكر الرازي من أصحابنا. ثم المراد من الحديث: تشبيه الطواف بالصلاة في الثواب دون الحكم؛ ألا ترى أن الكلام غير مفسد له، وأنه يتأدَّى بالمشي، والمشي مفسد للصلاة، ولأن الطواف من حيث إنه ركن للحج يستدعي الطهارة كسائر الأركان، ومن حيث إنه يتعلق بالبيت يستدعي الطهارة كالصلاة، وما تردد بين أصلين يوفر حظه عليهما؛ فلشبهه بالصلاة تكون الطهارة فيه واجبًا، ولكونه ركنا من أركان الحج يعتد بلا طهارة. كذا في المبسوط (١). وفي جامع الإسبيجابي: معنى قوله ﵇: «الطواف صلاة» أي: كالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب ٦] أي: كأمهاتهم. وقوله ﵇: «الواحد شيطان» (٢) الحديث؛ أي: كالشيطان. وكقول الشاعر (٣):

стр. 2246

فَإِذَا شُرِعَ فِي هَذَا الطَّوَافِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، يَصِيرُ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ وَيَدْخُلُهُ نَقْصُ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ، فَيُجْبَرُ بِالصَّدَقَةِ إِظْهَارًا لِدُنُو رُتْبَتِهِ عَنْ الوَاجِبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَكَذَا الحُكْمُ فِي كُلِّ طَوَافٍ هُوَ تَطَوُّعٌ. (وَلَوْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي الرُّكْنِ، فَكَانَ أَفْحَشَ مِنْ الأَوَّلِ، فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ (وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ … إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ يعني: كأنك شمس. والدليل عليه: أن منة الطواف خلاف هيئة الصلاة، والفائدة في هذا: أنهم كانوا في الابتداء يطوفون عُريًا ويتكلمون بالفحش، فأخبر ﵇: «أنّ الطواف صلاة» (١)، أي: له حرمة الصلاة، وبه نقول، لا أنه صلاة حقيقة. قوله: (وإذا شرع في هذا الطواف) إلى آخره جواب سؤال، وهو أن يقول: لما كان أصله سنة وتركه لا يوجب دما - على ما ذكر في شرح الطحاوي - أو يوجب صدقة - على ما ذكر في الإيضاح -؛ ينبغي أن لا يجب في الحدث شيء؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين تركه وبين الإتيان به محدثًا، فقال: وهو - أي: طواف القدوم - سنة؛ لكنه يصير واجبًا بالشروع، إلا أن كل طواف تطوع حكمه هكذا فيصير كطواف الصدر (٢). قوله: (وإظهارا لدنو رتبته). فإن قيل: الدم في الحج بمنزلة سجدة السهو في الصلاة جابِرَيْنِ، ثم لا فرق بين النفل والفرض والنفل، فينبغي أن يكون كذلك هاهنا. قلنا: جابرها واحد يتعين شرعًا، بخلاف الحج فإن جابره مختلف، قد يكون بالدم، وقد يكون بالفدية، وقد يكون بالصدقة، فيمكن إظهار التفاوت على مقتضى القياس في كل طواف هو تطوع. وعن بعض مشايخ العراق: يلزم الدم اعتبارًا بالواجب.

стр. 2247

عَبَّاسٍ ﵄، وَلِأَنَّ الجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الحَدَثِ، فَيَجِبُ جَبْرُ نُقْصَانِهَا بِالبَدَنَةِ إِظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ، وَكَذَا إِذَا طَافَ أَكْثَرَهُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا، لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُ كُلِّهِ (وَالأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَلَا ذَبْحَ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ. وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالإِعَادَةِ فِي الحَدَثِ اسْتِحْبَابًا، وَفِي الجَنَابَةِ إِيجَابًا لِفُحْشِ النُّقْصَانِ بِسَبَبِ الجَنَابَةِ، وَقُصُورِهِ بِسَبَبِ الحَدَثِ، ثُمَّ إِذَا أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الإِعَادَةِ لَا يَبْقَى إِلَّا شُبْهَةُ النُّقْصَانِ، (له حكم كله)؛ أي: تركًا وتحصلا (١). وفي مبسوط الإسبيجابي: إنما كان للأكثر حكم الكل في الحج؛ لأن الشرع أقامه مقام الكل في وقوع الأمن عن الفوات؛ احتياطًا وصيانة وتحقيقا. بيانه: أنه ﵇ قال: «مَنْ وقَفَ بعرفة فقد تمَّ حَجُّهُ» (٢)، وكذا لا يفسد بالجماع بعد الرمي بالإجماع، ولو حلق أكثر الناس صار محلّلا، ولما كان الأمر على هذا الوجه للتيسير؛ جرينا على هذا الأصل، فأقمنا الأكثر مقام الكل في باب التحلل وما يجري مجراه؛ صيانة للحج عن الفوات؛ لما كان الطواف أحد سنتي التحلل كالحلق، والأفضل أن يعيد الطواف ليحصل الجبران بجنسه (٣). (وفي بعض النسخ)؛ أي: نسخ المبسوط. (والأصح أنه يؤمر بالإعادة)؛ أي: استحسانًا. (لفحش النقصان بسبب الجنابة)؛ ألا ترى أن المحدث لا يمنع عن تلاوة القرآن والجنب يمنع ولأن المنع من الجنابة من وجهين: من حيث الطواف ومن حيث دخول المسجد، ومنع الحدث من وجه واحد؛ فلتفاحش النقصان هاهنا يلزمه الجبر بالبدنة، كما روي عن ابن عباس (٤). قوله: (إلا شبهة النقصان)؛ أي: شبهة التأخير لا حقيقة التأخير؛ لأنه أداه

стр. 2248

وَإِنْ أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِالتَّأْخِيرِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ لكن بالحدث، فيكون تأخيرًا بطريق الشبهة؛ لأن النقصان عدم من وجه أو بعض العدم. كذا في الكافي (١). قوله: (فلا شيء عليه). وفي المبسوط: تسقط عنه البدنة (٢)، واختلف مشايخنا في أن المعتبر طوافه الثاني أو الأول؛ قال الكرخي: المعتبر هو الأول والثاني جبر له، بدليل أن محمدًا قال في الكتاب: لو طاف لعمرته جنبًا في رمضان، ثم أعاد طوافه في أشهر الحج وحج من عامه ذلك؛ لا يكون متمتعًا، ولو كان المعتبر هو الثاني لكان متمتعًا؛ لأن المعتد به ما يتحلل به من الإحرام، والتحلل حصل بالطواف الأول، فكان هو المعتد به، والثاني جبر له. وقال أبو بكر الرازي: المعتد به هو الثاني، وهو الأصح، بدليل أنه لو أعاده بعد أيام التشريق لزمه الدم عند أبي حنيفة؛ لتأخير طواف الزيارة عن وقته، ولو كان المعتد به هو الأول لم يلزمه الدم؛ لأنه مؤدى في وقته (٣). وأما مسألة التمتع فلأنه لما طاف في رمضان وقع الأمن عن فساد العمرة، وإذا أمن فسادها قبل دخول وقت الحج لا يكون بها متمتعًا؛ ولهذا لو لم يعده كان هو معتدا به في التحلل. كذا في المبسوط (٤). ورجح في الإيضاح قول الكرخي، وهو أقرب إلى الفقه؛ لأن فيه تقرير ما حكم بالاعتداد به، فهذا أولى من النسخ (٥). أما في طواف المحدث فلم يختلفوا في أن الإعادة لرفع النقصان؛ لأن النقص يسير، فجرى مجرى مختلف الوصف عن الأصل، فهذا إتماما للأول استدراكًا له؛ لأنه صار بمنزلة المعدوم باعتبار كثرة النقصان، ويعود بإحرام

стр. 2249

مَذْهَبِهِ، وَلَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا، عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ كَثِيرٌ، فَيُؤْمَرُ بِالعَوْدِ اسْتِدْرَاكَا لَهُ، وَيَعُودُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ. وَإِنْ لَمْ يَعُدْ وَبَعَثَ بَدَنَةٌ أَجْزَأَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ جَابِرٌ لَهُ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ العَوْدُ. وَلَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا، إِنْ عَادَ وَطَافَ جَازَ، وَإِنْ بَعَثَ بِالشَّاةِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ خَفَّ مَعْنَى النُّقْصَانِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَصْلًا حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ بِذَلِكَ الإِحْرَامِ، لِانْعِدَامِ التَّحَلُّلِ مِنْهُ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَنِ النِّسَاءِ أَبَدًا حَتَّى يَطُوفَ. (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الصَّدَرِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) لِأَنَّهُ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ جديد؛ لأنه قد تحلل بوجه. كذا في المبسوط؛ لأن أصل الطواف قد وجد، وهو معتد به في حق التحلل، وليس له أن يدخل مكة، فيلزمه إحرام جديد لدخول مكة، بخلاف ما إذا لم يطف أصلا؛ حيث له أن يعود بذلك الإحرام؛ لأنه ما وجد التحلل بوجه. كذا في المبسوط. (لما بينا)؛ وهو قول ابن عباس، ولأن الجناية غلط، فيبعث البدنة جابرًا له، إلا أن الأفضل هو العود ليكون الجابر من جنسه. وفي المحيط: طاف للزيارة جنبًا أو حائضًا ورجع إلى أهله، فإن شاء عاد بإحرام جديد فيطوف للزيارة، وإن شاء بعث بدنة؛ لأن الطواف وقع معتدًا به لكنه مع النقصان، فله أن يعيده كاملا بإحرام جديد، وله أن يجبر النقصان بالبدنة وهو أفضل؛ لأن منفعة الإعادة تخصه، ومنفعة البدنة تعود إلى الفقراء، وما يعود نفعه إليهم أفضل، وهذا مخالف لما ذكره صاحب الهداية (١). قوله: (ومن طاف طواف الصدر محدثًا فعليه صدقة). فإن قيل: ينبغي أن يجب الدم؛ لئلا يؤدي إلى التسوية بينه وبين طواف الصدر وهو واجب، وبين طواف القدوم وهو سنة. قلنا: لو أوجبنا الدم يلزم التسوية بينه وبين طواف الزيارة وهو فرض، أو يلزم التسوية بينه وبين إذا ما طاف جنبًا للصدر، وذا لا يجوز.

стр. 2250

كَانَ وَاجِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِ التَّفَاوُتِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ تَجِبُ شَاةٌ، إِلَّا أَنَّ الأَوَّلَ أَصَحُ (وَلَوْ طَافَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ نَقْصُ كَثِيرٌ، ثُمَّ هُوَ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، فَيُكْتَفَى بِالشَّاةِ. (وَمَنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِتَرْكِ الْأَقَلِّ يَسِيرٌ، فَأَشْبَهَ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الحَدَثِ فَتَلْزَمُهُ شَاةٌ، فَلَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قوله: (وإن طاف جنبًا فعليه شاة)؛ لأن النقصان فاحش وكان كالتارك. وعن أبي حفص: أنه سوى بين الحدث والجنابة في وجوب الصدقة؛ لأن طواف الجنب معتد به؛ ولذلك يحصل التحلل به في طواف الزيارة، فلا يجب بسبب هذا النقصان ما يجب بتركه أصلا. كذا في المبسوط (١). (لأن النقصان بترك الأقل يسير)؛ لرجحان جانب الوجود. وعند الشافعي: إكمال عدد السبع شرط، حتى لو ترك طوفة واحدة أو خطوة من طوفة لم يُجْزِهِ، ولا يتحلل من إحرامه (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)؛ لأن تقدير الطواف بالعدد السبع ثابت بالنصوص المتواترة، فإنه ﵇ طاف سبعًا وقال: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُم» (٥)، فكان كالمنصوص في القرآن، وما يقدر شرعًا بقدر لا يكون لما دون ذلك القدر حكم ذلك القدر، كما في الحدود وأعداد الركعات، فإنه لا يقوم الأكثر منهما مقام الكل، فكذا في الطواف. قلنا: إنه في القرآن الطواف، وهو الدوران حول البيت، ولا يقتضي ظاهره التكرار، إلا أنه ثبت عن النبي ﵇ قولا وفعلا التقدير بسبعة أشواط، فيحتمل أن يكون ذلك التقدير للإتمام على وجه الكمال، ويحتمل أن يكون

стр. 2251

أَجْزَأَهُ أَنْ لَا يَعُودَ، وَيَبْعَثُ بِشَاةٍ لِمَا بَيَّنَّا (وَمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ بَقِيَ مُحْرِمًا أَبَدًا حَتَّى يَطُوفَهَا) لِأَنَّ المَتْرُوكَ أَكْثَرُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أَصْلًا. (وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدَرِ، أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنهُ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الوَاجِبَ أو الأَكْثَرَ مِنْهُ، وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُؤْمَرُ بِالإِعَادَةِ إِقَامَةً لِلْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ (وَمَنْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ الأعداد به، فيثبت القدر المتيقن به، وهو أن يجعل ذلك شرطا للإتمام، ولئن كان ذلك شرط للاعتداد؛ فالأكثر يقوم مقام الكل لترجح جانب الوجود، ومثله في الشرع كثير، فإن من أدرك الإمام في الركوع يكون مدركًا لتلك الركعة، وكما قلنا في النية قبل الزوال في الصوم. من أصحابنا من يقول: الطواف من أسباب التحلل، يقوم الأكثر مقام الكل كالحلق، إلا أن هاهنا اعتبرنا الأكثر؛ لترجح جانب الوجود، فإنه عبادة مقصودة، والحلق ليس كذلك، فيقام الربع هناك مقام الكل. كذا في المبسوط (١). (أجزأه أن لا يعود)؛ لأنه وجد الأكثر، وله حكم الكل. (لما بينا)؛ وهو قوله: (لأنه خف معنى النقصان وفيه نفع الفقراء). وفي المبسوط: لو طاف للزيارة ثلاثة أشواط ولم يطف للصدر، ورجع إلى أهله؛ فعليه أن يعود بالإحرام الأول؛ لأنه باق في حق النساء، ولا يحتاج إلى إحرام جديد عند العود، ولا يقوم الدم مقام ما بقي عليه، ولكن يلزمه العود، ويقضي بقية طواف الزيارة، ثم يريق دما عند أبي حنيفة لتأخيره؛ لأن تكثير أكثر الأشواط عن أيام النحر كتأخير الكل (٢). ويطوف للصدر، ولو طاف أربعة أشواط؛ أجزأه أن لا يعود، ولكن يبعث شاتين: إحداهما لما بقي عليه من أشواط الطواف، لا ما بقي أقل وهو شرط الكمال، فيقوم الدم مقامه، والدم الآخر للصدر، ولو اختار العود إلى مكة يلزمه إحرام جديد؛ لأن التحلل قد حصل له بطواف الأكثر، وأعاد ما بقي من طواف

стр. 2252

أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الصَّدَرِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الوَاجِبِ فِي جَوْفِ الحِجْرِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ) لِأَنَّ الطَّوَافَ وَرَاءَ الحَطِيمِ وَاجِبٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. الزيارة، وأجزأه طواف الصدر، وكان عليه لتأخيره كل شوط من أشواط طواف الزيارة صدقة؛ لأن تأخير الكل لما يوجب الدم فتأخير الأقل يوجبه، ولكن يوجب الصدقة. وفي كل موضع يلزمه صدقة فالمراد منه: طعام مسكين مدين من حنطة، إلا أن يبلغ قيمة ذلك قيمة الشاة، فحينئذ ننقص منه ما أحب، ولو ترك الأكثر من الزيارة وطاف للصدر في آخر أيام التشريق؛ يكمل طواف الزيارة منه؛ لأن استحقاقه عليه أقوى، فما أتى به مصروف إلى الكمال وإن نواه إلى غيره، وبه قال الشافعي (١). وقال أحمد: لا بد من تعيين النية (٢)، وعليه لتأخير ذلك دم عند أبي حنيفة (٣)، ثم قد بقي من طواف الصدر ثلاثة أشواط، فصار تاركًا للأكثر، فكان كترك الكل، فعليه دم لذلك، ولو كان المتروك من طواف الزيارة الأقل كمل منه كما بينا، وعليه لكل شوط منه صدقة بسبب التأخير، وقد بقي منه أربعة أشواط، فيكفيها صدقة لكل شوط؛ لأن الدم يجب في ترك الكل، فلا يجب في ترك أقله ما يجب بترك كله. ولو طاف للزيارة وفي ثوبه أو بدنه نجاسة كان مسيئًا ولا يلزمه شيء (٤)، وعند الشافعي لم يعتد (٥)، وبه قال مالك (٦)، وأحمد في رواية (٧). وكذا الخلاف لو طاف عريانًا، فعندهم لا يعتد به، وعندنا يعتد ولكن يؤمر بالإعادة، وإن لم يعد فعليه الدم؛ لأن ستر العورة من واجبات الطواف،

стр. 2253

وَالطَّوَافُ فِي جَوْفِ الحِجْرِ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ الكَعْبَةِ وَيَدْخُلَ الفُرْجَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الحَظِيمِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدْخَلَ نَقْصًا فِي طَوَافِهِ، فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ كُلَّهُ، لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلطَّوَافِ عَلَى الوَجْهِ المَشْرُوعِ (وَإِنْ أَعَادَ عَلَى الحِجْرِ) خَاصَّةً (أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ تَلَافَى مَا هُوَ المَتْرُوكُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ خَارِجَ الحِجْرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى والكشف مُحرَّم لأجل الطواف، قال ﵇: «أَلَا لَا يَطوفَنَّ بالبيتِ عُريانٌ وَلَا مُشْرِكٌ» (١)، فبسبب الكشف يتمكن النقصان منه، فأما اشتراط الطهارة الثوب والبدن ليس لأجل الطواف المنصوص، فلا يتمكن نقصان فيه، وعلى هذا الطواف المنكوس؛ بأن استلم الحجر ثم أخذ على يسار الكعبة، فطاف كذلك سبعة أشواط، عندهم لا يعتد به وعندنا يعتد به في حكم التحلل، وعليه الإعادة ما دام في مكة، فإن رجع إلى أهله؛ فلا إعادة عليه، فإن بدايته ﵇ باليمين؛ لبيان صفة الإتمام لا لبيان الركنية، فكانت هذه الصفة واجبة في هذا الركن بمنزلة شرط الطهارة عندنا، فتركه لا يمنع الاعتداد، ولكن يمكن فيه نقصان فيجبر بالدم. هذا كله من المبسوط (٢). قوله: (وهو أن يأخذ) إلى آخره: هذا بيان كيفية الإعادة على الحجر خاصة. وفي الجامع: ويتصور بطريق آخر من خارجه، وهو أنه إذا انتهى إلى آخر الحجر يرجع ثم يبتدئ، لكن لا يعد الرجوع شوطًا، هكذا سبع مرات. وعند الأئمة الثلاثة: تفسيره: أن يتسور الحائط فيطوف حول الحطيم خاصة؛ لأن الحائط ليس منه (٣). هكذا ذكره النواوي وغيره من الشافعية (٤). وفي المغني: لا يجزئ الطواف عند الحنابلة إلا من خارج الحائط؛ لأنه ﵇ هكذا فعله (٥). قلنا: فعله لا يدل على الركنية. قوله: (في جوف الحِجْرِ)، أي: الحطيم، وقد بينا أن الطواف فيه لا يعتد

стр. 2254

آخِرِهِ، ثُمَّ يَدْخُلَ الحِجْرَ مِنْ الفُرْجَةِ وَيَخْرُجَ مِنْ الجَانِبِ الْآخَرِ، هَكَذَا يَفْعَلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. (فَإِنْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يُعِدْهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ نُقْصَانٌ فِي طَوَافِهِ بِتَرْكِ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الرُّبُعِ، وَلَا تُجْزِيهِ الصَّدَقَةُ. (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَطَوَافَ الصَّدَر فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ طَاهِرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ كَانَ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ) (*) لِأَنَّ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ لَمْ يُنْقَلْ طَوَافُ الصَّدَرِ إِلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِعَادَةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِسَبَبِ الحَدَثِ غَيْرُ وَاجِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبُّ، فَلَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ. وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي يُنْقَلُ طَوَافُ الصَّدَرِ إِلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الإِعَادَةَ فَيَصِيرُ تَارِكًا لِطَوَافِ الصَّدَرِ مُؤَخِّرًا لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ به عند الشافعي، ومالك، وأحمد، وعندنا يعتد به (١)، وقد مر الدلائل من الجانبين. ولكن يمكن النقصان على ما قدمناه، وهو قوله ﵇ لعائشة: «الحَطيمُ مِنَ البيت» (٢). قوله: (قريب من الربع) أي: ربع البيت. (لأنه)؛ أي: طواف الصدر. (فلا ينقل إليه): فبقي النقصان في طواف الزيارة، فيجبر بالدم في الوجه الثاني؛ وهو ما إذا ما طاف للزيارة جنبًا. (لأنه)؛ أي: طواف الزيارة (مُستحِق)؛ أي: واجب الإعادة، فيقع عما هو المستحق به وإن نواه غيره. وفي إقامة هذا الطواف مقامه فائدة: وهي إسقاط البدنة. كذا في المبسوط (٣).

стр. 2255

أَيَّامِ النَّحْرِ، فَيَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِ الصَّدْرِ بِالاتِّفَاقِ وَبِتَأْخِيرِ الْآخَرِ عَلَى الخِلَافِ، إِلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ طَوَافِ الصَّدْرِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَلَا يُؤْمَرُ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَمَنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَحَلَّ، فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُعِيدُهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَمَّا إِعَادَةُ الطَّوَافِ فَلِتَمَكُّنِ النَّقْصِ فِيهِ بِسَبَبِ الحَدَثِ. وَأَمَّا السَّعْيُ فَلِأَنَّهُ تَبَعُ لِلطَّوَافِ، وَإِذَا أَعَادَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ (وَإِنْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِيهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالعَوْدِ لِوُقُوعِ التَّحَلُّلِ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ إِذْ النُّقْصَانُ يَسِيرٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي السَّعْيِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى أَثَرِ طَوَافٍ مُعْتَدٌ بِهِ، وفي جامع فخر الإسلام لما وجبت الإعادة، وقد حصلت العزيمة في ابتداء الإحرام على الترتيب التي شرعت فبطلت نيته على خلاف ذلك، فوجب صرفه إلى ما عليه. (وبتأخير الآخر)؛ وهو طواف الزيارة (على الخلاف)، فعند أبي حنيفة يجب، وعندهما لا يجب على ما بينا، وهو قوله: (ومن ترك طواف الصدر) إلى آخره. (فلأنه)؛ أي: السعي (تبع للطواف)؛ لأنه شرع في موضع هو تبع للكعبة؛ لأن الصفا والمروة أفنية البيت، والفناء تبع للبيت، وإذا كان كذلك صار ما شرع فيه من العبادة تبعًا لما شرع في الأصل؛ اعتبارًا بالبقعة؛ ولهذا لم يكن قربة بدون الطواف، ولأنه متى طاف ثانيًا صار كأن لم يكن، فلو لم يسع ثانيًا بقي السعي قبله فلا يقع الاعتداد به كذا في الفوائد الظهيرية (١). قوله: (ليس عليه) معطوف على قوله: (فعليه دم لترك الطهارة)، وهذا جواب سؤال، وهو أن يقال: لما قام الدم مقام الطواف عند الرجوع إلى أهله صار كأنه أعاد الطواف، ولو أعاده لا يجب عليه إعادة السعي، فلما لم يعد السعي وجب الدم، كما إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي على رواية التمرتاشي وقاضي خان وغيره (٢)

стр. 2256

وَكَذَا إِذَا أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَمْ يُعِد السَّعْيَ فِي الصَّحِيحِ. (وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ) لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ الوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا، فَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ دُونَ الفَسَادِ. وأجاب عن السؤال في الفوائد الظهيرية فقال: إنما لزمه الدم لإعادة السعي؛ لأن في الإعادة ارتفع المؤدى، فيبقى السعي قبل الطواف، فلا يقع الاعتداد، فلا يلزم الدم، بخلاف ما إذا يعد الطواف وأراق الدم؛ حيث لا يرتفع المؤدى (١). قوله: (في الصحيح): احتراز عما ذكر في جامع التمرتاشي وقاضي خان وغيرهما: أنه لو أعاد الطواف ولم يعد السعي كان عليه دم؛ لأنه لما أعاده فقد نقض الطواف الأول، فإذا أنقض حصل السعي قبله، فلا يعتبر، ولكن اختار المصنف وشمس الأئمة والسرخسي والمحبوبي أن لا شيء عليه؛ لأن الطهارة ليست بشرط للسعي، وإنما كان شرطًا للطواف؛ لاختصاصه بالبيت، واعتباره بالصلاة من وجه؛ لما جاء في الحديث، وإنما الشرط فيه أن يأتي به على إثر طواف معتد به (٢). قوله: (على غير وضوء) (٣) يحتمل الجنابة، ولو طاف جنبًا في العمرة؛ فالقياس أن يلزمه أكثر من شاة لازم نقص كثير كترك الأشواط؛ ولأنه طواف ركن كطواف الزيارة، فلا تجزئ فيه الشاة، ولكن استحسنوا؛ لأن العمرة طواف وسعي، ويجوز أن تقوم الشاة مقام الطواف والسعي في الشرع؛ ألا ترى أن المحصر يجوز أن يتحلل بشاة، وهي قائمة مقام الذي يتحلل بهما فائت الحج، فإذا قامت الشاة مقام فائت العمرة؛ فلأن يقوم مقام بعضها كان أولى. كذا في الإيضاح (٤). قوله: (فيلزم) بتركه الدم دون الفساد احتراز عن قول الشافعي، ومالك، وأحمد؛ فإنه ركن عندهم، ويلزم بتركه الفساد كما مر، والله أعلم.

стр. 2257

فصل (وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الإِمَامِ مِنْ عَرَفَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَصْلُ الوُقُوفِ، فَلَا يَلْزَمُهُ. فصل (ومن أفاض قبل الإمام): ذكر القدوري في شرحه: لو دفع أحد قبله وقبل غروب الشمس وجاز عرفة قبل أن يدفع الإمام؛ فعليه دم (١). وذكر في شرح الطحاوي: وقف بعرفة ودفع منها قبل الغروب؛ فعليه دم، فهذا يدل على أن المراد من قوله: (قبل الإمام)؛ أي: قبل الإمام وقبل الغروب. يؤيده ما ذكره في المبسوط: وإن لم يستدم الوقوف إلى غروب الشمس. وكذا يؤيده تعليل الكتاب، إلا أن الغالب في الإمام أنه يدفع بعده فذكره قبله (٢). وقال الشافعي: لا شيء عليه، هذا أحد قوليه، وفي قوله الآخر: يجب دم كقولنا (٣)، وبه قال أحمد (٤). وقال مالك: إن لم يجمع بين الليل والنهار في الوقوف لا يكون مدركًا له إذا أدرك النهار (٥)؛ لما روي عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «من أدرك عرفات بالليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بالليل فقد فاته الحج، فليُحِلَّ بعمرة وعليه الحج» (٦)، وقد مر أن الجمع بينهما ليس بشرط عند مالك؛ بل يكفي جزء الليل لا النهار. ولنا: ما روي حديث عروة الطائي أنه ﵇ قال: «مَنْ صلَّى معنا هذه الصلاة -يعني صلاة الصبح من يوم النحر - وأتى عرفات قبله ليلًا أو نهارًا.

стр. 2258

بِتَرْكِ الإِطَالَةِ شَيْءٌ. وَلَنَا: أَنَّ الاِسْتِدَامَةَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَفَ لَيْلًا، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الوُقُوفِ عَلَى مَنْ وَقَفَ نَهَارًا لَا لَيْلًا، فَإِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ المَتْرُوكَ لَا يَصِيرُ فقد تم حجُّه» (١). كذا في تتمتهم. (بترك الإطالة شيء)؛ أي دم؛ لأن الجمع بين الليل والنهار ليس بواجب، فلا يوجب بتركه الدم؛ لقوله ﵇: «فادفعوا» الحديث، وقد روينا أنه ﵇ خطب عشية عرفة وقال: «أَيُّها الناسُ، ليسَ البِرُّ» إلى قوله: «فادفعوا» (٢) فقد فعله، وأمر بذلك إظهارا لمخالفة المشركين، فيكون واجبًا، وبترك الواجب يجب الدم. كذا في المبسوط (٣). وفي تتمتهم: الجمع بينهما من النسك؛ لأنه ﵇ جمع وأمر بالجمع. وقد رُوي عن ابن عباس أنه ﵇ قال: «مَنْ تركَ نُسُكًا فعلَيهِ دَمٌ» (٤)؛ لأن استدامة الوقوف على من وقف نهارًا لا ليلا بالإجماع، ولأن ظاهر قوله ﵇: «مَنْ وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد أدرك الحَجَّ» (٥) يقتضي أن لا تكون الاستدامة شرطًا، إلا أنا تركنا ظاهره بفعله وأمره، فبقي على ظاهره، ولأن إظهار مخالفة المشركين فيمن وقف بالنهار. قوله: (في ظاهر الرواية)؛ احتراز عما روى ابن شجاع عن أبي حنيفة (٦)، وعما ذكر الحسن بن زياد في مناسكه أنه يسقط؛ لأنه استدرك ما فاته، فإن الواجب عليه الإفاضة بعد الغروب، وقد أتى به فيسقط عنه الدم، وبه قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨).

стр. 2259

مُسْتَدْرَكًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ. (وَمَنْ تَرَكَ الوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ مِنْ الوَاجِبَاتِ. فصل (وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الحِمَارِ فِي الأَيَّامِ كُلِّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَحَقُّقِ تَرْكِ الوَاجِبِ، (وَيَكْفِيهِ دَمُ وَاحِدٌ)؛ وفي شرح القدوري: وهو الصحيح، وصار كمن جاوز الميقات حلالا ثم عاد إليه وأحرم؛ فإنه يسقط عنه الدم بالاتفاق (١). وذكر الطحاوي في مختصره: أنه لا يسقط، فكأنه جعل سبب وجوب امتداد الوقوف إلى الغروب، وأنه لم يصر مستدركًا بالعود إليها للضرورة. كذا في المبسوط (٢). (واختلفوا)؛ أي: العلماء الثلاثة، وعند زفر: لا يسقط، كما في مجاوزة الميقات بغير إحرام (٣)؛ لأن جنايته وهو ترك الاستدامة لا يرتفع بالعود، وعندنا، والشافعي (٤)، وأحمد (٥): يسقط؛ لتدارك المتروك في أوانه. (لأنه)؛ أي: الوقوف بالمزدلفة (من الواجبات) عندنا، وعند الشافعي نفس الوقوف سنة، والمبيت بها واجب، وقد مرت المسألة. قوله: (في الأيام كلها)؛ وهي أربعة أيام نحر خاص، وتشريق خاص، ويومين بينهما نحر وتشريق. قوله: (ويكفيه دم واحد)؛ لقول بعض المشايخ: إنه يلزمه الدم بترك رمي كل يوم (٦)، وهو أحد أقوال الشافعي أيضًا (٧)؛ لأن الجنايات وإن كانت جنسًا

стр. 2260

لِأَنَّ الجِنْسَ مُتَّحِدٌ كَمَا فِي الحَلْقِ، وَالتَّرْكُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ؛ واحدًا تسمية، إلا أن الوقت مختلف، فصار بمنزلة ما لو لبس ثوبًا وداوم على ذلك أيامًا؛ فإنه يلزمه لكل يوم دم؛ لما قلنا، هكذا هذا. كذا في المبسوط (١). وفي قول منه: وجب عليه دمان؛ لما أن رمي يوم النحر منفرد بنفسه في وجه، ورمي أيام التشريق شيء واحد، والأصح: أنه يجب أربعة دماء. ذكره في شرح الوجيز (٢). (كما في الحلق)؛ أي: في حلق الرأس، فإن حلق ربعه في غير أوانه يوجب الدم، ثم حلق جميعه لا يوجب إلا دمًا واحدًا. كذا في المبسوط (٣). فصل (آخر أيام الرمي)؛ وهو اليوم الرابع. (لأنه)؛ أي: الرمي (لم يعرف قربة إلا فيها) إلا في هذه الأيام، يعني: معنى القربة غير معقول فيه، وإنما عرفناه قربة بفعله ﵇ في هذه الأيام، فلا يكون قربة في غيرها، كما لا يكون إراقة الدم قربة في غير أيام النحر، وإذا لم يكن قربة يكون عبثًا، فلا يشتغل به، وعليه دم واحد عندهم جميعًا؛ لأن الرمي كله نسك واحد، والدم واجب بترك النسك، ولا يبعد أن يكون ترك البعض موجبًا، ثم لا يجب بترك الكل إلا دم واحد كما في الحلق. كذا في المبسوط (٤). قوله: (والترك إنما يتحقق) إلى آخره: جواب سؤال، وهو أن يقال: لو حلق ربع رأسه ثم حلق ثلاثة أرباعه في أزمان متفرقة، تجب عليه أربعة دماء، فقال: (والترك … ) إلى آخره، يعني: عند غروب الشمس آخر أيام التشريق يتحد جنس الجناية، فاتحد الموجب، كما لو حلق جميع الرأس أو تطيب جميع بدنه

стр. 2261

لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةٌ إِلَّا فِيهَا، وَمَا دَامَت الأَيَّامُ بَاقِيَةً فَالإِعَادَةُ مُمْكِنَةٌ فَيَرْمِيهَا عَلَى التَّألِيفِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِهَا يَجِبُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا. وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ نُسُكٌ تَامٌ (وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ إِحْدَى الجِمَارِ الثَّلَاثِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) لِأَنَّ في زمان واحد بخلاف ما إذا حلق كله فيها، فإنه نزل ذلك منزلة اختلاف المكان في سجدة تلاوة آية سجدة واحدة فلا يتداخل، أما ترك الرمي إنما يتحقق في زمان واحد وهو غروب آخر الأيام، فصار بمنزلة تكرار تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد. كذا في الخبازية (١). قوله: (على التأليف)؛ أي: الترتيب، وبه قال الشافعي في قول، وقال في قول: يسقط رمي كل يوم بمضي ذلك اليوم (٢). وقلنا: هذا واجب فات عن وقته يسقط أصلا؛ لما أنه عرف قربة في ذلك اليوم. وقلنا: هذا واجب فات عن وقته، وله مثل مقدور في هذا الوقت، فيجوز أن يقضي ما عليه بالمثل المشروع، وإن لم يكن في النفل مشروعًا. وإنما قلنا: إن له مثلا مشروعًا؛ لأن هذه الأيام أيام الرمي، لكن شرعية الرمي لم تظهر في حق النوافل، فجاز أن تظهر في حق القضاء. نظيره المغرب إذا فات عن وقته، فإنه يُقضَى، مع أن التنفل بثلاث ركعات غير مشروع؛ لما قلنا: إنه من الجائز أن يكون مشروعًا، لكن لم يظهر في حقه، فظهر في حق القضاء أنه نسك تام. فإن قيل: هو مخير في اليوم الثالث بين النَّفْرِ وبين الإقامة بمنى، وهذا آية كونه تطوعًا، فكيف يجب بتركه الدم؟ قلنا: التخيير قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع، فأما بعد طلوعه وجب عليه الإقامة، ويجب بتركه الدم، كالتطوع إذا تركه بعد الشروع. قوله: (إحدى الجمار الثلاث): حتى لو ترك جمرة العقبة في اليوم الثاني

стр. 2262

الكُلُّ فِي هَذَا اليَوْمِ نُسُكٌ وَاحِدٌ فَكَانَ المَتْرُوكُ أَقَلَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِوُجُودِ تَرْكِ الأَكْثَرِ (وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَظِيفَةِ هَذَا اليَوْمِ رَمْيًا، وَكَذَا إِذَا تَرَكَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا (وَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ، إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَيُنْقِصَ مَا شَاءَ) لِأَنَّ المَتْرُوكَ هُوَ الأَقَلُّ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ. عليه صدقة؛ لأنه ثلث وظيفة هذا اليوم، ولو تركه من اليوم الأول يجب الدم؛ لأنه كمال الرمي فيه. ثم اعلم: أن وجوب الدم بترك الرمي، والصدقة بترك إحدى الجمار الثلاث إنما يستقيم إن لم يقضه في الأيام، أما لو قضى فيها يجب بالتأخير شيء عنده، خلافا لهما. (ترك الأكثر منها)؛ أي: جمرة العقبة. اعلم: أنا ذكرنا اختلاف العلماء في ابتدائها، وكذا يختلفون في آخرها، ففي ظاهر المذهب: آخر وقتها إلى غروب الشمس. رواه الحسن عن أبي حنيفة (١)، وبه قال الشافعي في قول (٢)؛ لقوله ﵇: «إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي» (٣)، وذهابه بالغروب. وقال في قول: أنها تمتد إلى آخر أيام التشريق، فلا يلزم بتركها في اليوم الأول والثاني والثالث شيء؛ لأن الرمي كله في حكم نسك واحد. وقال أبو يوسف: تمتد إلى زوال الشمس، وما بعده يكون قضاء كاليوم الثاني، إلا أنه لو رماه بالليل لا يلزمه شيء (٤)؛ لأنه ﵇ رخص للرعاة الرمي به. كذا في المبسوط (٥). (إلا أن يبلغ)؛ أي: صدقة أربع حصيات تبلغ دما، فحينئذ ينقص ما شاء؛

стр. 2263

(وَمَنْ أَخَّرَ الحَلْقَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا إِذَا لئلا يلزم التسوية بين الأقل والأكثر، وقد بينا وجه التنقيص. وللشافعي في ترك الحصاة وجهًا (١)، فعلى قوله: أن في الجمرة الواحدة ثلث الدم؛ ففي حصاة واحدة يجب جزء من إحدى وعشرين جزءًا من دم رعاية للتنقيص وعلى قوله: أن الدم يكمل في وظيفة الجمرة الواحدة كما في وظيفة جمرة يوم النحر؛ ففيه ثلاثة أقوال: أصحها: مُدّ من الطعام، والثاني: درهم، والثالث: ثلث مد. كذا في شرح الوجيز (٢). وعند مالك: في ترك حصاة دم (٣)، وفي الجمرة أو الجمار بدنة، فإن لم يجد فبقرة. ذكره ابن المنذر (٤). قوله: (ومن أخر الحلق) إلى آخره: اعلم أن ما يفعل في يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، وهذا الترتيب واجب أم لا؟ اختلف العلماء فيه، فقال أبو حنيفة (٥)، والشافعي (٦) في وجه، وأحمد (٧)، ومالك (٨): واجب، وعلى وجه آخر للشافعي: مستحب. أما لو قدم الحلق على النحر جاز، ولا يجب شيء عنده قولا وحدا (٩)، وكذا عندهما (١٠)، ولو قدمه على الرمي؛ لزمه الدم في قول عن الشافعي (١١). وعند مالك (١٢)، وأحمد (١٣): لو قدم كل واحد على الآخر ساهيًا أو

стр. 2264

أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الوَجْهَيْنِ (*)) وَكَذَا الخِلَافُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ وَفِي تَقْدِيمِ نُسُكِ عَلَى نُسُكِ، كَالحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَنَحْرِ القَارِنِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَالحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ، لَهُمَا: أَنَّ مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكُ بِالقَضَاءِ وَلَا يَجِبُ مَعَ القَضَاءِ شَيْءٌ آخَرُ. جاهلا لا شيء عليه، وإن كان عامدًا ففي وجوب الدم روايتان. وعند أبي حنيفة: التقديم والتأخير يوجب الدم ساهيًا أو جاهلا (١)، وبه قال زفر (٢)، ومالك (٣)، وعند أبي يوسف ومحمد: لا شيء فيهما، وإنما يجب في حلق القارن قبل الذبح دم (٤)؛ باعتبار أن الحلق في غير أوانه جناية على إحرامه، على ما يأتي في آخر هذا الفصل، لا باعتبارهما، وقولهما أصح قولي الشافعي. (مستدرك بالقضاء)؛ أي: بالاتفاق. (شيء آخر)؛ كما لو أخر الصلاة عن وقتها. روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه ﵇ وقف بالناس بمنى يسألونه، فجاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، حلقت قبل الذبح ولم أُشْعِرْ، فقال ﵇: «اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ»، وجاء آخر وقال: نحرت قبل الرمي، فقال ﵇: «اِفْعَلْ وَلَا حَرَجَ»، فما سئل ﵇ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «اِفْعَلْ ولا حَرَجَ» (٥)، والخبر مذكور في التخصيص. وتمسك أحمد بظاهر الحديث، يقول السائل: لم أُشْعِرْ، فأخرج الساهي والجاهل به. وقلنا: الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالنسيان كالترتيب في أفعال الصلاة، وفيه تأمل.

стр. 2265

وَلَهُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكِ فَعَلَيْهِ دَمٌ»، وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ المَكَانِ يُوجِبُ الدَّمَ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالمَكَانِ كَالإِحْرَامِ، فَكَذَا التَّأْخِيرُ عَنِ الزَّمَانِ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتْ بِالزَّمَانِ. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة (حديث ابن مسعود) إلى آخره. قيل: الصحيح أنه حديث ابن عباس، يرفعه إلى النبي ﵇ (١). وعن عائشة أنه ﵇ قال: «إنّ أَوَّلَ نُسُكِنا في هذا اليوم أَنْ نَرْمِيَ ثُمَّ نذبَحَ ثُمَّ نَحلِقَ» (٢)، و (ثم) للترتيب، ولأن التأخير عن المكان كما لو جاوز الميقات بغير إحرام يوجب الدم بالإجماع. وفي قوله: (ولأن التأخير) جواب عن قولهما - يعني القياس، كما قالا: أن لا يجب شيء مع القضاء، إلا أنا تركناه استدلالا بتأخير الإحرام منه، والقياس بترك دلالة النص. كذا في المبسوط (٣). وفي الخبازية: تأخير الواجب في إيجاب الجبر؛ ملحق بترك الواجب في إيجاب سجود السهو في الصلاة، وقتها لو أخر ركنًا من أركانها يلزمه القضاء مع سجود السهو، فكذا لو أخر ركنا من أركان الحج وهو الطواف (٤). وفي المبسوط: وتأويل أنه ﵇ عذرهم ذلك الوقت؛ لقرب عهدهم بتعلم الترتيب، وما يلحقهم من المشقة في ذلك، أو معنى قوله ﵇: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»؛ أي: لا حرج فيما يأتي، وبه نقول، وإنما الدم عليه بما قدمه على وقته (٥). وفي المستصفى: كان هذا في ابتداء الإسلام حين لم تستقر أفعال المناسك، دل عليه أنه ﵇ سئل في ذلك الوقت سعيت قبل أن أطوف، فقال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»، وذلك لا يجوز بالإجماع، واليوم لا يفتى بمثله، ولأن

стр. 2266

(وَإِنْ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فِي غَيْرِ الحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنِ اعْتَمَرَ فَخَرَجَ مِنْ الحَرَمِ وَقَصَّرَ، فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (*) قَالَ ﵁: ذَكَرَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي المُعْتَمِرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الحَاجٌ. قِيلَ: هُوَ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ جَرَتْ فِي الحَجِّ بِالحَلْقِ بِمِنِّى وَهُوَ مِنَ الحَرَمِ. وَالأَصَحُ أَنَّهُ عَلَى الخِلَافِ، هُوَ يَقُولُ: الحَلْقُ غَيْرُ مُخْتَصُّ بِالحَرَمِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ أُحْصِرُوا بِالحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا فِي غَيْرِ الحَرَمِ». وَلَهُمَا: أَنَّ الحَلْقَ لَمَّا جُعِلَ مُحَلِّلًا صَارَ كَالسَّلَامِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، وَإِنْ كَانَ مُحَلِّلًا، فَإِذَا صَارَ نُسُكًا، اخْتَصَّ بِالحَرَمِ كَالذَّبْحِ، وَبَعْضُ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ الحَرَمِ، فَلَعَلَّهُمْ حَلَقُوا فِيهِ. نفي الحرج لا يقتضي انتفاء الكفارة، كما لو تطيب أو حلق من عذر (١). قوله: (في غير الحرم فعليه دم)؛ أي: عند أبي حنيفة ومحمد (٢)؛ لتأخره عن مكانه كما يلزمه الدم بتأخره عن وقته فخرج من الحرم وقصر وكذا لو حلق. (وقيل: هو)؛ أي: وجوب الدم في الحج (بالاتفاق). (هو يقول)؛ أي: أبي يوسف (٣). (فإذا صار)؛ أي: الحلق (نسكًا)؛ أي: عبادة (اختص بالحرم)؛ لأنه غير معقول المعنى، فيختص بمكان، وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥). قوله: (وبعض الحديبية الحرم) جواب عن تمسك أبي يوسف (٦)، وبه قال الشافعي في الأظهر (٧).

стр. 2267

فالحَاصِلُ: أَنَّ الحَلْقَ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ وَالمَكَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَ أَبِي (فالحاصل)؛ أي: حاصل الخلاف، أي: حاصل المسألة. (يتوقت)؛ أي: الحلق في الحج؛ لأنه في العمرة غير مؤقت بالإجماع. (بالزمان)؛ وهو أيام النحر، (والمكان)؛ وهو الحرم؛ لأن الحلق لا يعقل فيه معنى القربة، وعرف كونه قربة بفعله ﵇، وهو ما حلق في الحج إلا في الحرم في يوم النحر، فما وجد بهذه الصفة يكون قربة، وما لا فلا، يلزم الجبر بالدم، إلا أن حلقه معتد به؛ لأن محل فعله الرأس دون الحرم، فيحصل له التحلل، ولكنه جاني بتأخيره عن مكانه، فيلزم دم بالتأخير عن المكان، كما يلزم الدم بتأخيره عن وقته، وبالقياس على الطواف؛ فإنه محلل مختص بالطواف لمكان وهو المسجد. وأبو يوسف يقول: الحلق الذي هو نسك في أوانه؛ بمنزلة الحلق الذي هو جناية قبل أوانه، فكما أن ذلك لا يختص بالمكان والزمان، فكذلك هذا لا يختص بهما، ولأنه لو كان مختصا بهما؛ لم يكن معتدا به في غيرهما، كالوقوف بعرفة، فلا يلزمه شيء بالتأخير عنهما. ومحمد يقول: إن تعلق المناسك بالمكان أكد من تعلقها بالزمان؛ ألا ترى أن الطواف المختص به لا يعتبر في غير ذلك المكان، والموقف من الطواف بالزمان يكون معتدا به في غير ذلك الزمان، فعرفنا أن التعلق به أشد، فإذا أتي به خارج الحرم يتمكن فيه من النقصان فيجبر بالدم، وبتأخيره عن أيام النحر لا يتمكن فيه من النقصان فلا يلزمه الجبر بالدم. وزفر يقول: التحلل عن الإحرام معتبر بابتدائه، وابتداؤه مؤقت بالزمان دون المكان، حتى كان يكره له أن يحرم في غير أشهر الحج، ولا يكره أن يحرم بالحج في أي مكان شاء قبل أن يصل إلى الميقات، فكذلك التحلل عنه بالحلق يتوقف بالزمان، حتى لو أخره عن أيام النحر يلزمه الدم، ولو حلق خارج الحرم لا يلزمه شيء. هذا كله من المبسوط. وهذا الخلاف في حق التضمين لا في حق التحلل، فإنه يتحلل بالحلق كيف ما كان بالاتفاق؛ لكونه معتدا به بالاتفاق؛ لأن أصل العمرة، وهو ما هو

стр. 2268

يُوسُفَ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَتَوَقَّتُ بِالمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، وَعِنْد زُفَرَ: يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ دُونَ المَكَانِ. وَهَذَا الخِلافُ فِي التَّوْقِيتِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ بِالدَّمِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ، فَلَا يَتَوَقَّتُ بِالاتِّفَاقِ، (وَالتَّقْصِيرُ وَالحَلْقُ فِي العُمْرَةِ غَيْرُ مُوَقَّتِ بِالزَّمَانِ بِالإِجْمَاعِ)؛ لِأَنَّ أَصْلَ العُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ بِخِلَافِ المَكَانِ؛ لِأَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِهِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى رَجَعَ وَقَصَّرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) مَعْنَاهُ: إِذَا خَرَجَ المُعْتَمِرُ ثُمَّ عَادَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَكَانَ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ. (فَإِنْ حَلَقَ القَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) دَمٌ بِالحَلْقِ فِي غَيْرِ ركن فيها، وهو الطواف والسعي. (لا يَتَوَفَّتُ بها)؛ أي: بالزمان بالإجماع، فكذا الحلق فيها. (بخلاف المكان لأنه)؛ أي: الحلق خارج الحرم للعمرة، فعليه دم عند أبي حنيفة ومحمد كما في الحج، وعند أبي يوسف: لا شيء عليه كما بينا. كذا في المبسوط (١). (قال)؛ أي: محمد في الجامع الصغير. (معناه: إذا خرج المعتمر): وإنما وضع المسألة في المعتمر؛ لأن الحاج إذا خرج من الحرم ثم عاد إليه بعد أيام النحر، فحل أو قصر؛ يجب عليه الدم عند أبي حنيفة، بسبب تأخير الحلق، فلا يستقيم قوله: (فلا شيء عليه في قولهم جميعًا). (لأنه)؛ أي: المعتمر (أتى به)؛ أي: بالتقصير والحلق (٢). قوله: (فإن حلق القارن قبل أن يذبح) إلى آخره. في الكافي: اختلفت عبارات المشايخ في هذه المسألة، فذكر فخر الإسلام في جامعه: قارن حلق قبل أن يذبح عليه دمانِ، وقالا: ليس عليه إلا دم القران؛ لأن تأخير النسك عن وقته يوجب الدم عنده، ودم آخر للقرآن، وعندهما: لا

стр. 2269

أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الحَلْقِ. وَعِنْدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ (*)، يجب الدم، وهكذا ذكر محمد في الجامع والقاضي خان في جامعه. وقال بعضهم: دم القرآن واجب إجماعًا أيضًا بسبب الجناية على الإحرام؛ لأن الحلق لا يحل إلا بعد الذبح، ودم آخر عند أبي حنيفة بسبب تأخير الذبح عن الحلق، وهذا يشير على أن الواجب عليه دمان عند أبي حنيفة سوى دم القرآن، وإليه مال صاحب الكتاب حيث قال: دم للحلق قبل الذبح، ودم بتأخيره، وعندهما دم واحد، وهو الأول (١). وقال المحبوبي في جامعه: عليه دمان عنده: دم للقرآن، ودم للحلق قبله، وقالا: ليس عليه إلا دم واحد: دم القران. ثم قال: ولي إشكال على جميع ما ذكروا؛ لأن جناية القارن مضمونة بالدمين، فينبغي على ما ذكره محمد وفخر الإسلام وقاضي خان أن يجب عند أبي حنيفة ثلاثة دماء، وعلى ما ذكر صاحب الهداية خمسة دماء عنده، وثلاثة دماء عندهما (٢). وفي الخبازية: قال شيخ الإسلام في مبسوطه: عليه دمان: أحدهما دم القران، والآخر دم الجناية على أحد الإحرامين على سبيل التمام، فيكون جناية على الإحرام، ولم يجب بتأخير الذبح عن الحلق، وترك الترتيب لا يوجب الدم عنده، كما لو قَدَّم الطواف على الحلق، أو ترك الترتيب في الجمار لا يلزمه شيء، والدم الواجب به لا لتركه الترتيب بخروجه عن أحد الإحرامين على سبيل التمام بالحلق، وهو جناية على الإحرام الآخر، فيلزمه الدم لهذا لا لتركه الترتيب. يقرره: أن القارن والمتمتع الذي يسوق الهدي محرم بإحرامين، فاحتاج إلى الحلقين على كل واحدٍ من الإحرامين على سبيل التمام، ولا يمكنه التحلل

стр. 2270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عنهما على سبيل التمام بالحلقين؛ لأن الحلق محظور الإحرام، وإنما يصير نسكًا بالتحلل، فإذا حلق ليتحلل عن أحدهما لا يتحلل عن الآخر، فيكون الحلق الأول جناية عن الإحرام الآخر، ولما عجز عن التحلل عن الإحرامين على سبيل التمام بالحلقين؛ علّق الشرع التحلل عن أحدهما بالذبح، والدم مما يقع التحلل به، كما في دم الإحصار، والتحلل الآخر بالحلق؛ إذ لا يقع التحلل على الوجه المشروع إلا بتقديم الذبح عليه، ليتحلل عن أحدهما بالذبح، وهو مشروع غير جناية، وعن الآخر بالحلق، فهو إذا قدم الحلق يصير نسكًا عن أحد الإحرامين، ويصير بعينه جناية على الإحرام الذي يقع به التحلل عنه، ولا يلزم على هذا التخريج أن تقديم الحلق وتأخير الذبح ينبغي أن يجب دمان، على ما هو الأصل في جناية القارن؛ لما ذكرنا أن الحلق منه يكون جناية عن أحدهما دون الآخر، والذبح ليس بجناية أصلًا، وإنما يلزم هذا الإشكال على من جعل الذبح والحلق جناية باعتبار فوات الترتيب، كما ذكره صاحب الهداية (١). ويمكن أن يجاب عنه: أنهما في يوم النحر ليس بجناية؛ من حيث إن كل واحد منهما موقت بيوم النحر، ولكنه جناية من أنه فوت الترتيب الذي نص عليه النبي ﵇ بقوله: «إنّ أولَ نُسُكِنا … » (٢) الحديث، فيكون جناية من وجه دون وجه، فلا يوجب إلا دمًا واحدًا، بخلاف سائر الجنايات. قوله: (القارن) (٣): قال شيخي: لا يلزم على ما ذكره العامة أن يجب عنده ثلاثة دماء؛ لأنه لما ثبت أن الحلق ليس بجناية عندهم وهو تأخير الذبح لا غير، والذبح من مناسك الحج لا العمرة، فكان هذا التأخير جناية واحدة، ولا يجب إلا دم واحد، وعلى ما ذكره البعض لا يلزم أن يجب خمسة دماء عنده، وثلاثة عندهما؛ بل يجب ثلاثة عنده ودمان عندهما؛ لأن الحلق وإن كان جناية على الإحرام عند هؤلاء؛ لكنه جناية بالنسبة إلى إحرام الحج لا إحرام العمرة؛ لأن

стр. 2271

وَهُوَ الأَوَّلُ، وَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ التَّأخِيرِ شَيْءٌ عَلَى مَا قُلْنَا. أفعال العمرة قد تمت، ولم يبق عليه شيء منها إلا الخروج عن الإحرام، وذلك بالحلق؛ لكنه أخر عن وقوعه جناية على إحرام الحج، فلا يكون الحلق جناية على إحرام العمرة بوجه، فلا يوجب إلا دمًا واحدًا، وتأخير الذبح الذي هو جناية عنده لا تعلق له بالعمرة كما بينا، فلا يوجب إلا دمًا واحدًا أيضًا؛ فيجب على قول هؤلاء ثلاثة دماء عنده، ودمان عندهما لا غير. قوله: (وهو الأول)؛ أي: دم الحلق في غير أوانه. (على ما قلنا)؛ وهو قوله: لهما: إن ما فات مستدرك بالقضاء إلى آخره. اعلم أن فرائض الحج ثلاث عندنا: الإحرام، والوقوف وهو ركن، وطواف الزيارة وهو ركن أيضًا (١). وعند الشافعي أركانه خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي، والحلق إن جعل نسكًا (٢). وعند مالك أركانه أربعة: الإحرام، وهو ركن عنده كقولنا، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي وزاد عبد الملك: جمرة العقبة (٣). وعن أحمد روايتان (٤): أحدهما: كقول الشافعي، والثانية: أن السعي بين الصفا والمروة سنة عنده. وواجباته على ما ذكره الحلواني في مبسوطه خمس: السعي، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق في وقته، وطواف الصدر (٥). وزاد في المحيط واجبًا آخر: وهو وقوف جزء من الليل، هذا في حق من وقف نهارًا (٦). وقيل: الواجبات سبعة عشرة: فهذه الستة، والسابع: للإحرام من الميقات

стр. 2272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في حق الآفاقي، ومن مكة في حق المكي، والثامن: الأشواط الزائدة على الأربعة في طواف الزيارة، والتاسع: القيام في الطواف، حتى لو طاف راكبًا أو على عنق إنسان أو في مِحفّة، إن كان بعذر؛ فلا شيء عليه، كما فعله ﵇ لوجع أصابه (١)، وبغير عذر تلزمه إعادته ما دام بمكة، وإن لم يعده فعليه دم. والعاشر: المشي فيه، وعند الشافعي مستحب (٢)، والحادي عشر: الطواف وراء الحطيم، والثاني عشر: الأخذ فيه على اليمين، وجعل البيت على اليسار، والثالث عشر: الطهارة، والرابع عشر: ستره العورة. وفي المنتقى: لو تنجس ثوبه كله فهو بمنزلة العريان (٣)، أما الطهارة من النجاسة المانعة للصلاة سنة. والخامس عشر: المشي بين الصفا والمروة في أكثر أشواطه واجب، يجبر الدم، والسادس عشر: أن يكون السعي بعد طواف معتد به، حتى لو خالف ذلك ورجع إلى أهله لزمه دم، والسابع عشر: طواف الزيارة في أيام النحر واجب عند أبي حنيفة، حتى لو أخره عنها لزمه دم. وفي خزانة الفقه لأبي الليث: خمسين خصلة توجب الدم، وهو لا يجب إلا بترك الواجب، أو فعل المحظور، وما عدا ما ذكرنا سنن وآداب. ومكروهاته كثيرة، مثل: إحرامه قبل أشهر الحج، وإنشاد الشعر في الطواف، والبيع والشراء فيه، والحديث إلا لحاجة، والنجاسة بثوبه أكثر من قدر الدرهم، واستقبال البيت في طوافه واستدباره، والمشي قهقرى، والأكل والشرب فيه، والتلثم فيه للرّجل دون النقاب للمرأة، وغير ذلك من المكروهات.

стр. 2273

فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ صَيْدَ البَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى المُحْرِمِ، وَصَيْدَ البَحْرِ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. (فَصْلٌ) اعلم: أن صيد البر محرَّم على المُحرِم، سواء كان مباحًا أو مملوكًا بالإجماع (١). وعن المزني: لا جزاء في الصيد المملوك؛ لنقصانه في الصيدية، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣). وقلنا: إن اسم الصيد لا يتبدل بالحكم الشرعي، وهو الملك بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمعوا على حل صيد البحر بالنص. وقال الكرماني: في مناسكه الذي يرخص للمحرم في صيد البحر السمك خاصة؛ لأنه هو الصيد الحلال عندنا، ولا يأخذ ما سواه، وكذا في خزانة الأكمل (٤). وفي المحيط: صيد البحر كل ما يعيش في الماء مأكولًا أو غير مأكول (٥)، ويحل قتله وصيده، وطير البحر كطير البر، ولا فرق بين صيد حيوان البحر المالح، وبين الأنهار والعيون، ومثواه في الماء، أما ما يأوي البحر ويتوالد في البر؛ فهو من صيد البر كالإوز وغيره، وما يتوالد في البحر ويكون في البر كالضفدع فهو من صيد البحر؛ لأن التوالد هو الأصل، والمكنونة بعد ذلك أمر عارض فيعتبر الأصل. كذا في الإيضاح (٦).

стр. 2274

وَصَيْدُ البَرِّ: مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي البَرِّ، وَصَيْدُ البَحْرِ: مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي المَاءِ. وَالصَّيْدُ: هُوَ المُمْتَنِعُ المُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الخِلْقَةِ، وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَمْسَ الفَوَاسِقَ وَهِيَ: الكَلْبُ العَقُورُ، وَالذَّئْبُ وَالحِدَأَةُ، وَالغُرَابُ وَالحَيَّةُ، وَالعَقْرَبُ، فَإِنَّهَا مُبْتَدِئَاتُ بِالأَذَى، وَالمُرَادُ بِهِ الغُرَابُ الَّذِي يَأْكُلُ الجِيَفَ، قوله: (هو الممتنع المتوحش)؛ قيد بالممتنع احترازا عن الدجاج والبط الأهلي، وقيّد بالمتوحش في أصل الخلقة؛ ليدخل الحمام المُسَرْوَلِ، ويخرج البعير المتوحش؛ فإنه لا يثبت له حكم الصيد؛ لأنه عارض إلا في حق الزكاة للضرورة. وأما البط الذي يطير في الهواء جنس آخر، وهو من جملة الصيود. كذا في الإيضاح (١). وقال مالك: لا جزاء في المستأنس كالحمام المُسَرْوَلِ والطبية؛ لخروجه عن الامتناع (٢). وقلنا: الاعتبار للأصل لا العارض، والكلب العقور في المبسوط: المراد منه: الذئب (٣). وقيل: الكلب والذئب واحد؛ لأن الكلب الذئب، وهذا من قبيل عطف الخاص على العام. وفي الفوائد الشاهية في الحديث الكلب العقور، لا الذئب، والمراد به الذئب؛ لأن الكلب المعروف أهلي وليس بصيد، ولا يحرم أخذه بالإحرام، ولا يدخل الأسد وإن صح أنه ﵇ سماه كلبا؛ لتضمنه إبطال العدد (٤). قوله: (والمراد به)؛ أي: بالغراب المستثنى الذي يأكل الجيف. ذكره أبو يوسف (٥)؛ لأنه هو الذي يبتدئ بالأذى، والعقعق غير مستثنى؛ لأنه لا يسمى

стр. 2275

هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀. قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ المُحْرِمُ صَيْدًا، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ) أَمَّا الْقَتْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية نَصُّ عَلَى إِيجَابِ الجَزَاءِ. وَأَمَّا الدَّلَالَةُ. غراباً ولا يبتدئ بالأذى. وفي الكافي: المراد بالغراب الأبقع الذي يأكل الجيف، وهكذا في حديث عائشة وحفصة (١). وفي المحيط، والبدائع: المستثنى الفواسق وهي: الذئب والأسد والفأرة والغراب والحدأة والعقرب والحية (٢). وزاد في البدائع: الفهد والنمر، وقال: العقرب يقصد باللدغ، وكذا الحية، والغراب يقع على دبر البعير وهو عقره والفأرة تنقب الغرائر، وتسرق أموال الناس وتضرم عليهم بيوتهم وهي: كثرة الفساد والكلب العقور شأنه الوثوب على الناس وعقرهم ابتداء (٣). قال: وهذا المعنى موجود في الأسد والنمر والفهد والذئب؛ بل أشد فكان ورود النص في الكلب العقور وزادوا فيما ذكرناه، ويدل عليه قوله ﵇: «والسَّبُعُ العادي» رواه أبو داود والترمذي (٤). وفي رواية: «السَّبُعُ العادي» وهو الذئب، وفي رواية عن ابن عمر في موضعه: «الذئب» (٥)، وقال أبو هريرة: الكلب العقور (٦). وفي عامة كتب أصحابنا: السُّبع مضمونة إذا لم تبتدئ بالأذى.

стр. 2276

فَفِيهَا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ تَظَلَّهُ، هُوَ يَقُولُ: الجَزَاءُ تَعَلَّقَ بِالقَتْلِ، وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ بِقَتْلِ، قوله: (ففيها)؛ أي: في الدلالة. (خلاف الشافعي)؛ فإن عنده لا جزاء على الدال، سواء كان القاتل محرمًا أو حلالا (١)، وبه قال مالك (٢)؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: «لا جزاء على الدال» (٣). (ليست بقتل)؛ ولهذا لو دل رجل رجلًا على قتل إنسان فلا كفارة على الدَّالِّ. والحكم الثابت بالنص لا يجوز إثباته في غير المنصوص إذا لم يكن في معناه، والدليل عليه: جزاء صيد الحرم يجب على القاتل الحلال، ولا يجب على الدال إذا كان حلالا بالإجماع، ولأن جزاء الصيد في حق المحرم لا يكون أقوى من حرمة مال المسلم ونفسه، ولا يضمن الدال عليهما شيئًا بسبب الدلالة، فكذا هاهنا كذا في المبسوط (٤). وقال أحمد: يجب الجزاء الواحد على الدَّال والقاتل إذا كانا محرمين (٥)، وإن كان أحدهما محرمًا يجب تمام الجزاء عليه (٦)؛ لظاهر الآية، فإنه يدل على جزاء واحد، وكلاهما جناية على محل واحد، بخلاف ما لو كان أحدهما محرمًا؛ فإن الجناية صدرت منه. ولنا: ما روينا من حديث أبي قتادة، وهو قوله ﵇: «هَلْ دَلَلْتُمْ؟ هَلْ أَعَنْتُم؟» الحديث متفق عليه (٧).

стр. 2277

فَأَشْبَهَ دَلَالَةُ الحَلَالِ حَلَالًا. وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁. وَقَالَ عَطَاءٌ ﵀: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِ الجَزَاءَ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهُ تَفْوِيتُ الأَمْنِ عَلَى الصَّيْدِ، إِذْ هُوَ آمِنٌ بِتَوَحُشِهِ وَتَوَارِيهِ فَصَارَ كَالإِتْلَافِ؛ وَلِأَنَّ المُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ التَزَمَ الِامْتِنَاعَ عَنِ التَّعَرُّضِ فَيَضْمَنُ بِتَرْكِ مَا التَزَمَهُ كَالمُودَعِ، بِخِلَافِ الحَلَالِ، وقال عطاء بن رباح تلميذ ابن عباس: أجمع الناس أي الصحابة أو العلماء - على أن على الدال الجزاء (١). فإنه سأل عمر رجلًا فقال: إني أشرت إلى ظبي وأنا محرم فقتله، صاحبي، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ماذا ترى عليه؟ قال: «أرى عليه شاة فقال عمر: وأنا أرى عليه ذلك» (٢). وسئل علي (٣)، وابن عباس (٤) عن محرم دل على بيض نعامة، فأخذها المدلول فشواها، فقالا: على الدَّال جزاء، والقياس يترك بقول فقهاء الصحابة على الخصوص؛ إذا كان مؤيدا بالحديث؛ لأنه كالمرفوع، ولا مدخل للقياس فيه. وما روي عن ابن عمر محمول على ما إذا دلَّ ولم يقبله المدلول الموافق قوله: اتفاق الصحابة. كذا في المبسوط (٥). قوله: (ولأن المحرم بإحرامه) جواب عما قاله الخصم: أن حرمة الصيد أقوى من حرمة مال المسلم. قوله: (ونفسه)؛ يعني: المحرم بالإحرام التزم الامتناع عن التعرض للصيد كالمودع، فإنه التزم الحفظ، وبالدلالة للسارق على سرقة الوديعة فوت ما التزمه فيضمن، فكذا هذا. كذا في المبسوط (٦).

стр. 2278

لِأَنَّهُ لَا التِزَامَ مِنْ جِهَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِيهِ الجَزَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالدَّلَالَةُ المُوجِبَةُ لِلْجَزَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ المَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ، وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى المُكَذِّبِ وَلَوْ كَانَ الدَّالُ حَلَالًا فِي الحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ العَامِدُ وَالنَّاسِي) (لا التزام من جهته)؛ أي: جهة الحلال. (على أن فيه)؛ أي: فيما باشره الحلال من الدلالة أن لا يكون المدلول عليه عالما بمكانه، حتى لو كان عالما بمكانه لا شيء على الدال؛ لأنه ما تمكن من قتله بدلالته. وفي المنشور: لو أمر غيره بقتله ينبغي أن يضمن، وإليه أشير في الإيضاح. وعلى هذا لو أعار المحرم سكينًا من غيره لقتل صيد، فإن لم يقتل به الصيد فعلى الغَيرِ الجزاء، وإلا فلا شيء عليه. كذا في المبسوط. (لا ضمان على المكذب) حتى لو دلَّ عليه آخر فصدقه وقتل الصيد؛ فالضمان على الدال الثاني إن كان محرما دون الأول، وكذا لو أمر المحرم إنسانًا بأخذ صيد، فأمر المأمور آخر؛ فالجزاء على الأمر الثاني؛ لأن المأمور الأول لم يمتثل من الأمر، والشرط الآخر أن يأخذ المدلول الصيد قبل أن ينفلت، حتى انفلت بعد تصديقه، ثم أخذه بعد ذلك؛ فقتله لا شيء على الدال؛ لأن ذلك بمنزلة جرح اندمل، وكذا يجب أن يكون الدَّال محرمًا حالة أخذ المدلول، حتى لو حلَّ الدال من إحرامه قبل أخذ المدلول؛ لا يجب الضمان عليه؛ لأن أخذه إنما يصير آخذه بالدلالة، ولو أخذه الحلال بنفسه لا شيء عليه. فكذا هذا. كذا في المبسوط (١). (لما قلنا)؛ وهو قوله: (ولا التزام من جهته). قوله: (وسواء في ذلك)؛ أي: في وجوب الضمان. (العامد والناسي): لا خلاف فيه للأئمة الأربعة، إلا ما روي عن بعض

стр. 2279

لِأَنَّهُ ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبَهُ الإِتْلَافُ، فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ أصحاب الشافعي أن في وجوب الضمان على العامد والناسي قولان، وكذلك في المخطئ. وقال ابن عباس: لا شيء على الخاطئ، وبه أخذ داود الأصبهاني، وسالم والقاسم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة ٩٥] قيده بالعمد، وروي عن سعيد بن جبير، وأحمد كذلك (١). وعن الحسن في الخطأ روايتان. وقلنا: (لأنه)؛ أي الجزاء (ضمان يعتمد وجوبه للإتلاف)؛ يعني: جزاء الفعل، فيجب على المخطئ والناسي، كالكفارة بقتل المسلم؛ لما أنه تعالى حرم قتل الصيد مطلقا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم﴾ [المائدة ٩٥]، وتقيده في الآية بالعمدية ليس لأجل الجزاء؛ بل للوعيد المذكور في آخر الآية، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥] ثم العمد للتنبيه؛ لما أن صفة العمدية مانعة لوجوب الكفارة في القتل لتمحض الحظرية، فذكره تعالى هاهنا؛ حتى يعلم أنه لما وجب الكفارة هاهنا بالعمد، فبالخطأ بالطريق الأولى؛ إذ في الآية دلالة بيان الجزاء في العمد، وليس فيها نفي الجزاء عن الخطأ، فكان حكمه موقوفا إلى قيام الدليل، وقد قام وهو قوله: «الضبع صيد وفيه شاةٌ» (٢)، ولم يفصل بين العمد والخطأ والصحابة أوجبوا الجزاء من غير قصد. وفائدة ذكر العمد في الآية: بيان شرعية التخيير في حالة العمد؛ لأنه لو ذكر الخطأ وأثبت التخيير لما ثبت التخيير في حالة العمد، كما في كفارة الحلق، ومذهبنا قول عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. كذا في المبسوطين، وهو مذهب عامة العلماء (٣).

стр. 2280

(وَالْمُبْتَدِئُ وَالعَائِدُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ المُوجِبَ لَا يَخْتَلِفُ. (وَالجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ فِي المَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ المَوَاضِعِ مِنهُ إِذَا كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ، فَيُقَوِّمُهُ ذَوَا عَدْلٍ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الفِدَاءِ: إِنْ شَاءَ ابْتَاعَ بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إِنْ بَلَغَتْ هَدْيًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ) عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِي الصَّيْدِ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ قوله: (والمبتدئ والعائد سواء) والمراد من المبتدئ: الجاني أول مرة، ومن العائد: الجاني ثانيًا، لا أن يكون المراد به العود إلى القتل بعد القتل. وقال ابن عباس: لا جزاء على العائد، وبه قال داود وشريح (١)، ولكن يقال: اذهب فينتقم الله منك؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥]. وقلنا: إن ضمان الجناية لا يختلف بالابتداء والعود؛ بل جناية العائد أشد، والمراد من الآية: ومن عاد بعد العلم بالحرمة، كما في آية الربا ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٧٦]، ومن عاد إلى المباشرة بعد العلم بالحرمة. كذا في مبسوط الإسبيجابي، والكافي (٢). قوله: (أن يُقوَّمَ الصيد)؛ أي: يقوم من حيث نفس الصيد، لا من حيث الصنعة، حتى لو قتل البازي المعلم؛ فعليه قيمته غير معلم؛ لأن كونه معلم عارضي، لا مدخل له في الصيدية. قوله: (ثم هو)؛ أي: القاتل (٣). وقال محمد (٤)، والشافعي (٥): يجب في الصيد النظير فيما له نظير، وبه
следующие страницы →