← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

فَفِيهَا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ تَظَلَّهُ، هُوَ يَقُولُ: الجَزَاءُ تَعَلَّقَ بِالقَتْلِ، وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ بِقَتْلِ، قوله: (ففيها)؛ أي: في الدلالة. (خلاف الشافعي)؛ فإن عنده لا جزاء على الدال، سواء كان القاتل محرمًا أو حلالا (١)، وبه قال مالك (٢)؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: «لا جزاء على الدال» (٣). (ليست بقتل)؛ ولهذا لو دل رجل رجلًا على قتل إنسان فلا كفارة على الدَّالِّ. والحكم الثابت بالنص لا يجوز إثباته في غير المنصوص إذا لم يكن في معناه، والدليل عليه: جزاء صيد الحرم يجب على القاتل الحلال، ولا يجب على الدال إذا كان حلالا بالإجماع، ولأن جزاء الصيد في حق المحرم لا يكون أقوى من حرمة مال المسلم ونفسه، ولا يضمن الدال عليهما شيئًا بسبب الدلالة، فكذا هاهنا كذا في المبسوط (٤). وقال أحمد: يجب الجزاء الواحد على الدَّال والقاتل إذا كانا محرمين (٥)، وإن كان أحدهما محرمًا يجب تمام الجزاء عليه (٦)؛ لظاهر الآية، فإنه يدل على جزاء واحد، وكلاهما جناية على محل واحد، بخلاف ما لو كان أحدهما محرمًا؛ فإن الجناية صدرت منه. ولنا: ما روينا من حديث أبي قتادة، وهو قوله ﵇: «هَلْ دَلَلْتُمْ؟ هَلْ أَعَنْتُم؟» الحديث متفق عليه (٧).

стр. 2277

فَأَشْبَهَ دَلَالَةُ الحَلَالِ حَلَالًا. وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁. وَقَالَ عَطَاءٌ ﵀: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِ الجَزَاءَ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهُ تَفْوِيتُ الأَمْنِ عَلَى الصَّيْدِ، إِذْ هُوَ آمِنٌ بِتَوَحُشِهِ وَتَوَارِيهِ فَصَارَ كَالإِتْلَافِ؛ وَلِأَنَّ المُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ التَزَمَ الِامْتِنَاعَ عَنِ التَّعَرُّضِ فَيَضْمَنُ بِتَرْكِ مَا التَزَمَهُ كَالمُودَعِ، بِخِلَافِ الحَلَالِ، وقال عطاء بن رباح تلميذ ابن عباس: أجمع الناس أي الصحابة أو العلماء - على أن على الدال الجزاء (١). فإنه سأل عمر رجلًا فقال: إني أشرت إلى ظبي وأنا محرم فقتله، صاحبي، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ماذا ترى عليه؟ قال: «أرى عليه شاة فقال عمر: وأنا أرى عليه ذلك» (٢). وسئل علي (٣)، وابن عباس (٤) عن محرم دل على بيض نعامة، فأخذها المدلول فشواها، فقالا: على الدَّال جزاء، والقياس يترك بقول فقهاء الصحابة على الخصوص؛ إذا كان مؤيدا بالحديث؛ لأنه كالمرفوع، ولا مدخل للقياس فيه. وما روي عن ابن عمر محمول على ما إذا دلَّ ولم يقبله المدلول الموافق قوله: اتفاق الصحابة. كذا في المبسوط (٥). قوله: (ولأن المحرم بإحرامه) جواب عما قاله الخصم: أن حرمة الصيد أقوى من حرمة مال المسلم. قوله: (ونفسه)؛ يعني: المحرم بالإحرام التزم الامتناع عن التعرض للصيد كالمودع، فإنه التزم الحفظ، وبالدلالة للسارق على سرقة الوديعة فوت ما التزمه فيضمن، فكذا هذا. كذا في المبسوط (٦).

стр. 2278

لِأَنَّهُ لَا التِزَامَ مِنْ جِهَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِيهِ الجَزَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالدَّلَالَةُ المُوجِبَةُ لِلْجَزَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ المَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ، وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى المُكَذِّبِ وَلَوْ كَانَ الدَّالُ حَلَالًا فِي الحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ العَامِدُ وَالنَّاسِي) (لا التزام من جهته)؛ أي: جهة الحلال. (على أن فيه)؛ أي: فيما باشره الحلال من الدلالة أن لا يكون المدلول عليه عالما بمكانه، حتى لو كان عالما بمكانه لا شيء على الدال؛ لأنه ما تمكن من قتله بدلالته. وفي المنشور: لو أمر غيره بقتله ينبغي أن يضمن، وإليه أشير في الإيضاح. وعلى هذا لو أعار المحرم سكينًا من غيره لقتل صيد، فإن لم يقتل به الصيد فعلى الغَيرِ الجزاء، وإلا فلا شيء عليه. كذا في المبسوط. (لا ضمان على المكذب) حتى لو دلَّ عليه آخر فصدقه وقتل الصيد؛ فالضمان على الدال الثاني إن كان محرما دون الأول، وكذا لو أمر المحرم إنسانًا بأخذ صيد، فأمر المأمور آخر؛ فالجزاء على الأمر الثاني؛ لأن المأمور الأول لم يمتثل من الأمر، والشرط الآخر أن يأخذ المدلول الصيد قبل أن ينفلت، حتى انفلت بعد تصديقه، ثم أخذه بعد ذلك؛ فقتله لا شيء على الدال؛ لأن ذلك بمنزلة جرح اندمل، وكذا يجب أن يكون الدَّال محرمًا حالة أخذ المدلول، حتى لو حلَّ الدال من إحرامه قبل أخذ المدلول؛ لا يجب الضمان عليه؛ لأن أخذه إنما يصير آخذه بالدلالة، ولو أخذه الحلال بنفسه لا شيء عليه. فكذا هذا. كذا في المبسوط (١). (لما قلنا)؛ وهو قوله: (ولا التزام من جهته). قوله: (وسواء في ذلك)؛ أي: في وجوب الضمان. (العامد والناسي): لا خلاف فيه للأئمة الأربعة، إلا ما روي عن بعض

стр. 2279

لِأَنَّهُ ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبَهُ الإِتْلَافُ، فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ أصحاب الشافعي أن في وجوب الضمان على العامد والناسي قولان، وكذلك في المخطئ. وقال ابن عباس: لا شيء على الخاطئ، وبه أخذ داود الأصبهاني، وسالم والقاسم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة ٩٥] قيده بالعمد، وروي عن سعيد بن جبير، وأحمد كذلك (١). وعن الحسن في الخطأ روايتان. وقلنا: (لأنه)؛ أي الجزاء (ضمان يعتمد وجوبه للإتلاف)؛ يعني: جزاء الفعل، فيجب على المخطئ والناسي، كالكفارة بقتل المسلم؛ لما أنه تعالى حرم قتل الصيد مطلقا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم﴾ [المائدة ٩٥]، وتقيده في الآية بالعمدية ليس لأجل الجزاء؛ بل للوعيد المذكور في آخر الآية، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥] ثم العمد للتنبيه؛ لما أن صفة العمدية مانعة لوجوب الكفارة في القتل لتمحض الحظرية، فذكره تعالى هاهنا؛ حتى يعلم أنه لما وجب الكفارة هاهنا بالعمد، فبالخطأ بالطريق الأولى؛ إذ في الآية دلالة بيان الجزاء في العمد، وليس فيها نفي الجزاء عن الخطأ، فكان حكمه موقوفا إلى قيام الدليل، وقد قام وهو قوله: «الضبع صيد وفيه شاةٌ» (٢)، ولم يفصل بين العمد والخطأ والصحابة أوجبوا الجزاء من غير قصد. وفائدة ذكر العمد في الآية: بيان شرعية التخيير في حالة العمد؛ لأنه لو ذكر الخطأ وأثبت التخيير لما ثبت التخيير في حالة العمد، كما في كفارة الحلق، ومذهبنا قول عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. كذا في المبسوطين، وهو مذهب عامة العلماء (٣).

стр. 2280

(وَالْمُبْتَدِئُ وَالعَائِدُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ المُوجِبَ لَا يَخْتَلِفُ. (وَالجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ فِي المَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ المَوَاضِعِ مِنهُ إِذَا كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ، فَيُقَوِّمُهُ ذَوَا عَدْلٍ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الفِدَاءِ: إِنْ شَاءَ ابْتَاعَ بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إِنْ بَلَغَتْ هَدْيًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ) عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِي الصَّيْدِ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ قوله: (والمبتدئ والعائد سواء) والمراد من المبتدئ: الجاني أول مرة، ومن العائد: الجاني ثانيًا، لا أن يكون المراد به العود إلى القتل بعد القتل. وقال ابن عباس: لا جزاء على العائد، وبه قال داود وشريح (١)، ولكن يقال: اذهب فينتقم الله منك؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥]. وقلنا: إن ضمان الجناية لا يختلف بالابتداء والعود؛ بل جناية العائد أشد، والمراد من الآية: ومن عاد بعد العلم بالحرمة، كما في آية الربا ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة ٢٧٦]، ومن عاد إلى المباشرة بعد العلم بالحرمة. كذا في مبسوط الإسبيجابي، والكافي (٢). قوله: (أن يُقوَّمَ الصيد)؛ أي: يقوم من حيث نفس الصيد، لا من حيث الصنعة، حتى لو قتل البازي المعلم؛ فعليه قيمته غير معلم؛ لأن كونه معلم عارضي، لا مدخل له في الصيدية. قوله: (ثم هو)؛ أي: القاتل (٣). وقال محمد (٤)، والشافعي (٥): يجب في الصيد النظير فيما له نظير، وبه

стр. 2281

نَظِيرٌ (*)، فَفِي الطَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَمِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ مَا يُشْبِهُ المَقْتُولَ صُورَةٌ؛ لِأَنَّ القِيمَةَ لَا تَكُونُ نَعَمًا. وَالصَّحَابَةُ ﵃ أَوْجَبُوا النَّظِيرَ مِنْ حَيْثُ الخِلْقَةُ وَالمَنْظَرُ فِي النَّعَامَةِ وَالظَّبْيِ وَحِمَارِ الوَحْشِ وَالأَرْنَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَقَالَ ﷺ : «الضَّبْعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» وَمَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ تَجِبُ فِيهِ القِيمَةُ، مِثْلُ العُصْفُورِ وَالحَمَامِ وَأَشْبَاهِهِمَا. وَإِذَا وَجَبَت القِيمَةُ كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا. قال مالك (١)، وأحمد (٢). والعناق: الأنثى من أولاد المعز. والجدي: الذكر وهو دون الجَذَع. والجفرة: هي العناق الذي بلغ أربعة أشهر. كذا في المغرب (٣). قوله: (والصحابة) إلى آخره: نقل ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي وابن مسعود ﵃ (٤). (على ما بينا)؛ وهو قوله: (وفي الظبي شاة) إلى آخره. قوله: (ومثله)، أي: مثل الصيد. قوله: (من النعم)، فالله تعالى أوجب الجزاء بمثل النعم المقتول، ثم فسر القتل بقوله: (مِنَ النَّعَمِ) [المائدة ٩٥]، فكان تنصيصًا على أن الواجب هو المثل من النعم، فمن أوجب من الدراهم فقد خالف النص؛ ولهذا حكم النبي وأصحابه بالمثل من النعم؛ ولأن حقيقة المثل ما يماثل الشيء صورة ومعنى، والنظير كذلك. أما الصورة فظاهر، وأما المعنى؛ فلأن المقصود من الصيد الانتفاع بلحمه، والنظير مثله في هذا المعنى.

стр. 2282

وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُوجِبُ فِي الحَمَامَةِ شَاةَ، وَيُثْبِتُ المُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ أما القيمة فمثل في المالية، فكانت مثلاً معنويا بجهة أخرى، فكان الأول أولى؛ لأنه بمنزلة الحقيقة، والقيمة بمنزلة المجاز، ولأنه تعالى جعل الصيود محرماً بالإحرام بصورها لا بماليتها؛ إذ المال لا يصير محرمًا به، فكان اعتبار الصورة أولى مع أنه مثل له في المعنى كما بينا، أما لو تعذر اعتبار النظير يصار إلى القيمة للضرورة، وإنما يصار إلى الترجيح عند التعارض، وقد عدم. كذا قرره شيخي، وإليه أشير في المبسوط (١). والشافعي يوجب في الحمامة شاة، وكذا ما في معناها من القمري والفواخت، وكلّما عبَّ وهدرَ، وفيما دونه القيمة، وفيما فوقه قولان، أحدهما: القيمة، والثاني: إلحاقه بالحمامة. كذا في الوجيز وغيره (٢). وقال الشافعي: وروي ذلك عن جماعة من الصحابة مثل: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعاصم، وعطاء، وابن المسيب (٣). وقال بعض الأصحاب: الوجه فيه لما بينهما من المشابهة، فإن كل واحد منهما يألف بالبيوت، ويأنس بالناس (٤). والأصح فيه التوقيف، وعن الشافعي: وما عبَّ في الماء عبا فهو حمام. كذا في شرح الوجيز (٥). وفي الحلية: وقال مالك: إن كانت حمامة مكية تضمنها بشاة، وإن كانت مجلوبة من الحل إلى الحرم يضمن قيمتها (٦). وعن أحمد مثله (٧). وفي المُغرِب: العَبُّ: أن يشرب الماء بمرة من غير أن يقطع الجرع،

стр. 2283

وَاحِدٌ مِنْهُمَا يَعُبُّ وَيَهْدِرُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ المِثْلَ المُطْلَقَ هُوَ المِثْلُ صُورَةً وَمَعْنَى، وَلَا يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلَيْهِ، فَحُمِلَ عَلَى المِثْلِ مَعْنَى … ... … وَالحَمَامُ يشرب هكذا، بخلاف سائر الطيور، فإنها تشرب شيئًا فشيئًا (١). هَدَرَ الْبَعِيرُ وَالْحَمَامُ: صَوَّتَ، ويقال: إن الكبش حين يشرب ماء يهدر، ويكون صوته كصوت الحمام. قوله: (ولأبي حنيفة وأبي يوسف): هما أخذا بقول ابن عباس؛ فإنه فسر المِثْلَ بالقيمة، وهكذا قال جماعة من الصحابة والتابعين. (أن المثل المطلق)؛ أي: الكامل؛ إذ المطلق ينصرف إليه الحمل (٢). قوله: (عليه)؛ أي: على المثل صورة ومعنى؛ لأن الحيوان قيمي لا مثلي بالإجماع (٣). وفي الخبازية: لا يمكن الحمل عليه بوجهين: أحدهما: أنه لا يجب في النعامة نعامة، مع أن المماثلة مع اتحاد الجنس أبلغ. والثاني: أنه لا تصير المماثلة عندنا في المنظر، وعنده بالقيمة، فإنه يعتبر المنظر لا غير، وعلم أنه لا يمكن الحمل على المثل صورة ومعنى بالاتفاق، فتعين المثل المعنوي، وفيه تأمل. ولأن المثل صورة لم يحتج إلى الحكمين؛ لأن ذلك معلوم بطريق المشاهدة، والله تعالى جعل الجزاء مثلًا يثبت بحكم الحكمين، فيكون ذلك تخصيصًا، وإنما يحتاج إليهما في القيمة التي تختلف باختلاف الأماكن والأزمان. وإليه أشير في الأسرار والمحيط (٤). ولأنه تعالى قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة ٩٥] معناه: أو مثل كفارة إطعام، وقد أجمعوا أن المماثلة في الطعام تكون في القيمة، وكانت هي المراد بالمثل المذكور.

стр. 2284

لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي حُقُوقِ العِبَادِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُرَادًا بِالإِجْمَاعِ، قوله: (لكونه)، أي: لكون المثل المعنوي (معهودًا في الشرع) لا المثل الصوري، فإنه مشاهد في قوله، فإن في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة ١٩٤]، المراد: المثل المعنوي بإجماع الفقهاء فيما له مثل له، فيحمل المذكور في جزاء الصيد عليه؛ ردًّا للمختلف على المتفق. (أو لكونه)؛ أي: المثل المعنى (مرادًا بالإجماع) فيما لا نظير له، كالعصفور ونحوه، فلا يكون المثل صورة مرادًا، ولا يلزم عموم المشترك؛ لأن المثل من الأسماء، فمن ضرورة كون الشيء مثلًا لغيره؛ أن يكون ذلك الغير مثلًا له. كذا في المبسوط (١). وفي الفوائد الشاهية: فلا يبقى المثل صورة مرادًا؛ كيلا يؤدي إلى الجمع بين المجازين المختلفين (٢). فإن قيل: لا نسلم أن المثل مشترك؛ بل هو مطلق، فيتناولها، كما في اسم الرقبة يتناول الكافرة والمؤمنة بإطلاقه، فيجب الصوري فيما له نظير، والمعنوي فيما لا نظير، كما في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة ١٩٤]، حيث دخل الصوري والمعنوي في إطلاقه، حتى وجب الصوري في ذوات الأمثال، والمعنوي في ذوات القيم. قلنا: إنه ليس بمطلق؛ لأن نفس المثل غير مراد بالإجماع، حتى لا تخرج عن العهدة بأي مثل وجد؛ بل المراد المثل المقيد بالمعنوي، وهو الذي يماثله في الماهية، والمقيد بالصورة، وهو الذي يماثله في الهيئة؛ ولهذا لا تخرج بأداء النعامة للنعامة، وكان في معنى المشترك؛ لأن ما يدل عليه المثل معنيان مختلفان لا يمكن الجمع بينهما، فإذا ارتدَّ أحدهما كان الآخر منفيًّا، بخلاف المثل في تلك الآية، فإن القول بإطلاقه ممكن؛ لأن المثل هو المثل صورة ومعنى، وكان الواجب عند القدرة، وذلك في ذوات الأمثال. فأما في ذوات القيم؛ فقد سقط اعتبار الصورة للعجز، فبقي المعنى معتبرا؛

стр. 2285

أَوْ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْمِيمِ، وَفِي ضِدِّهِ التَّخْصِيصُ. وَالمُرَادُ بِالنَّصّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَجَزَاءُ لأنه كالجزء من الواجب، فكان اعتبار المثل المعنوي بهذا الطريق، إلا أن النص تناوله قصدًا، فأما فيما نحن فيه؛ فالنص لم يحتمل إلا المثل القاصر، وهو الصوري بلا معنى، أو المعنوي بلا صورة، وهما مختلفان كما بينا. كذا قرره شيخي. قوله: (أو لما فيه)؛ أي: في المثل المعنوي بلا صورة وهما مختلفان. (من التعميم)؛ لتناوله ما له نظير وما لا نظير له، والمثل صورة لا يتناولهما، فإن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة ٩٥] عام يتناول ما له نظير، وما لا نظير له. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة ٩٥] ينصرف إلى المذكور، فكان بيان الحكم على سبيل العموم؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ الآية؛ لبيان الجزاء، فوجب أن يكون الجزاء المرتب على المذكور، وهو الصيد عاما في جميع الصيود، وذلك يحمل المثل على القيمة؛ إذ لو حمل على النظر يلزم أن يكون الشرط عامًا والجزاء خاصا، فيكون المراد المثل المعنوي؛ لأنه عام في جنس الصيود؛ ليطابق الشرط الجزاء. إليه أشير في شرح التأويلات (١). وأما أخبار الصحابة ففيها اختلاف؛ فقد روي عن ابن عباس أنه أوجب المثل قيمة، والمراد مما قالوا: تقدير النظائر لا باعتبار أعيانها، بل باعتبار القيمة؛ لأنهم كانوا أرباب المواشي، وكان ذلك أيسر عليهم من النقود، وهو نظير ما قال علي في ولد المغرور: الغلام بالغلام، والجارية بالجارية، والمراد القيمة. والدليل عليه: أنهم أوجبوا في الحمامة شاة، ولا تشابه بينهما في المنظر، فدل أنهم أوجبوها بالقيمة. وإذا ثبت هذا؛ فاعلم: أن قوله: (فَجَزَاءُ) مثل قُرِئ برفعهما وتنوين الأول؛ أي: فعليه جزاء يماثل ما قيل من النعم، وهو قيمة الصيد، والجزاء: ما

стр. 2286

قِيمَةِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ الوَحْشِيِّ. وَاسْمُ النَّعَمِ يَنْطَلِقُ عَلَى الوَحْشِيِّ وَالأَهْلِيِّ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالأَصْمَعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالمُرَادُ بِمَا رُوِيَ: التَّقْدِيرُ بِهِ دُونَ إِيجَابِ المُعَيَّنِ. يماثل الشيء ويقاومه. قوله: (من النعم) متعلق (بما) لا بالمثل؛ أي: الذي قتله من الصيود من النعم، فإنها نعم وحشية كالنعم الأهلية. كذا في التيسير، وهكذا نقل عن أبي عبيدة والأصمعي (١). أو المراد من النعم: الأهلية. قوله: (من النعم) متعلق بالمثل، لا على أنه تفسير للمثل كما ظن؛ لكن على أنه بيان للهدي المشترى بالمثل المفسر بالقيمة، فإن من أوجب القيمة على القاتل؛ خيَّره بين أن يشتري بها هديًا أو طعامًا، أو يصوم كما خيره الله تعالى نعم في الآية، فكان قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بيانًا للهدي المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير؛ لأن من قَوَّمَ الصيد واشترى بالقيمة هديًا؛ فقد جزي بمثل ما قتل من النعم. إليه أشير في الكشاف. أو هو متعلق بجزاء على ما ذكر في الأسرار: أن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يجعل موصولا بقوله: ﴿فَجَزَاءُ﴾، كأن الله تعالى قال: ومن قتل منكم متعمدا؛ فجزاء مثل ما قتل من النعم هديًا، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما؛ ليذوق مثل المقتول وهو القيمة، فيكون الواجب مثل ما قتل أي: صيد- قتل كما في سائر الأعيان المذكورة المضمونة قياسًا صحيحًا، وتعديله إلى الحكمين كما في سائر الإتلاف، ثم جعل أداء ذلك المثل -وهو القيمة- من النعم أو بالطعام أو بالصيام؛ ليستقيم عطف الكفارة على الجزاء، والتخيير بكلمة (أو)، وإيجاب الجزاء على نمط واحد عن قتل الصيود كلها من غير ترك مقايسة، وتفريق بين صيد وصيد، لا أن المثل يضير مؤخرًا عن صدر الآية، وهذا جائز في كلامهم؛ وهو أنه من زيادة قيد ليس في الآية فإنها نسخ، وبه فرق بين الطعام والهدي في اعتبار القيمة لأحدهما دون الآخر؛ يعني: لو جعل قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ تفسيرًا للمثل - على ما زعم الخصم لا بد من زيادة على

стр. 2287

ثُمَّ الخِيَارُ إِلَى القَاتِلِ الشرط، وهو قوله: ومن قتل الصيد الذي له نظير أو في الجزاء، وهو فجزاؤه مثل ما قتل من النعم؛ ليستقيم ترتيب الجزاء على الشرط، وحينئذ يلزم النسخ؛ لأن قيد الإطلاق نسخ على ما عرف، ويلزم من الفرق بين الطعام والهدي كما ذكر، أو هو تعلق يحكم به على أنه بيان للضمير، فقدم عليه، كما أشير إليه في شرح التأويلات؛ أي: يحكم العدلان بالمثل الواجب؛ وهو القيمة من النعم هديا بالغ الكعبة. وقُرِئَ: ﴿فَجَزَاءُ مِثْلُ﴾ كما قرأ به السلمي، بمعنى: فعليه أن يجزى مثل، كما نقول: عجبتُ من ضرب زيد ثم ضرب زيد. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] أو بمثل ما قتل ذو حكمان عدلان، وإنما يصار إليه في معرفة المثل من حيث التقويم؛ لأن القيم تختلف باختلاف أحوال العبيد واختلاف الزمان، فيحتاج في كل حين وكل صيد إلى تقويمهما، وفيه دليل على أن حمل المثل على القيمة أولى؛ لأن التقديم إلى النظر والاجتهاد والعدالة كما ذكرنا. فإن قيل: لا بد من التحكيم في بيان الأوصاف؛ فإن الصيد يختلف في نفسه سمنًا وهزالا، وصغرًا وكبرًا، فلا بد في إيجاب النظر من رعايتها؛ ولهذا لا يصح أن يجب في والد النعامة أو النعامة الصغيرة إيجاب بدنة لكبره. قلنا: إنه تعالى جعل أصل المثل مع صفاتها مما لا يثبت إلا بحكمهما، وفيما يقول الخصم المثل ثابت فيها بدنة بغير حكمهما، وإنما يثبت بحكمهما صفات المثل، فيكون تخصيصا؛ فلا يجوز بالرأي وخبر الواحد. كذا في الأسرار (١). قوله: (ثم الخيار إلى القاتل)، يعني: يحكم الحكمان بالقيمة، ثم يختار القاتل ما شاء من هدي أو طعام أو صيام.

стр. 2288

فِي أَنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا أَوْ صَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الخِيَارُ إِلَى الحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ حَكَمًا بِالهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَهُمَا: أَنَّ التَّحْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الخِيَارُ قوله: (أن يجعله)، أي المثل. وقال محمد (١)، والشافعي (٢)، ومالك (٣): الخيار إلى الحكمين في تعيين النوع، حتى لو حكما بهدي لا يجوز الإطعام والصيام. ذكر في الهداية: والتيسير قول الشافعي مع محمد، والمذكور في كتب أصحابه: أن الخيار القاتل كما هو قولهما، ولم يذكر في المبسوط والأسرار وشرح التأويلات قوله؛ بل اقتصر فيها على قول محمد. وفي الحلية: وما حكمت الصحابة فيه بالمثل لا يحتاج إلى اجتهاد، وما لم يحكم فيه لا بد من حكمين، ثم هل يجوز أن يكون القاتل أحدهما؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، وهو المذهب. وقال مالك: لا بد من حَكَمين في الجميع (٤). وفي تتمتهم: لا يتعين على القاتل إخراج المثل من النعم، ولكنه يخير إن شاء قَوَّمه وصرف قيمته إلى الطعام، ويتصدق به على كل مسكين مدًا، وإن شاء صام بدل كل مدّ يوما. وعن أحمد: لا يخرج الطعام، وإنما التقويم به لمعرفة قدر الصيام (٥). (فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف)؛ وهو إيجاب المثل بطريق المعنى، ويشتري به طعامًا ويتصدق (٦).

стр. 2289

إِلَيْهِ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ اليَمِينِ. وَلِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] الآيَةَ، ذُكِرَ الهَدْيُ مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَمَفْعُولٌ لِحُكْمِ الحَكَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالصِّيَامَ بِكَلِمَةِ «أَوْ» فَيَكُونُ الخِيَارُ إِلَيْهِمَا. قُلْنَا: الكَفَّارَةُ عُطِفَتْ عَلَى الجَزَاءِ لَا عَلَى الهَدْيِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، (لأنه)؛ أي: الهدي تفسير لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ فإن الهاء في (به) مجمل، ففسره بقوله: ﴿هَدْيًا﴾، فكان نصبًا على التفسير، فكأنه قال: (يحكم ذوا عدل منكم بالهدي)، فثبت أن المثل إنما يصير هديًا بحكمهما واختيارهما. كذا في الجامع البكري. (أو مفعول لحكم الحكم) على أنه بدل عن الضمير، محمول على المحل كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَيْنِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ الآية [الأنعام ١٦١]، فكان معناه في التقدير بحكم الهدي، فيكون قوله: ﴿هَدْيًا﴾ تنصيص على أن التعيين إلى الحكم، ثم لما ثبت ذلك في الهدي ثبت في الطعام والصيام؛ لانعقاد الإجماع على أن لا فصل بين هذه الأشياء. (ثم ذكر الطعام والصيام بكلمة ﴿أَوْ﴾)؛ أي: عطفا على هدي، بدليل قراءة عيسى بن عمير (أو كفارة) بالنصب. (قلنا: الكفارة عطفت)؛ يعني: الحاجة إلى الحكمين لإظهار قيمة الصيد، فبعد ما ظهرت القيمة؛ فهي كفارة واجبة على المحرم، فإليه تعيين ما يؤدي الواجب، كما في كفارة اليمين، وكما في ضمان المتلفات، فإن تعيين ما يؤدي به الضمان إليه دون المقومين. ولا تمسك لمحمد في الآية؛ لأن حكم الحكم مقتصر على بيان المثل، فإن الضمير في ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ يرجع إلى المثل، ونصب هديًا على الحال عن جزاء؛ لأن وصفه بالمثل خصصه وقربه إلى المعرفة، أو عن الضمير في ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ لا على المفعولية، ثم وصف هديًا بكونه بالغ الكعبة؛ لأن إضافته عن حقيقته. وفي شرح المجمع: ﴿هَدْيًا﴾ حال من الضمير في ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ العائد إلى الجزاء المماثل للمقتول، والحال يقارن الحال في الزمان؛ أي: في زمان أنه هدي يبلغ الكعبة لا يوجد إمكان الحكم منهما، فلا يكون العامل بحكم كما قال محمد؛ لأنهما يفترقان زمانًا؛ فوجب أن يكون العامل فيه معنى المثل المحكوم به لها،

стр. 2290

وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] مَرْفُوعٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ اخْتِيَارِ الحَكَمَيْنِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إِلَيْهِمَا فِي تَقْوِيمِ المُتَلَفِ، ثُمَّ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ عَلَيْهِ، وَيُقَوَّمَانِ فِي المَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُ لِاخْتِلَافِ القِيمِ بِاخْتِلَافِ الأَمَاكِنِ، بكونه موجودًا في زمان كونه هديًا، ضرورة وجود التماثل بين الهدي والمقتول. وأما قراءة الإضافة؛ فالمعنى: فعليه جزاء مثل ما قتل؛ أي: فعليه أن تجزئ فيه ما قتل من النعم الوحشي، هذا إن جعل الجزاء مصدرًا، وإن عبر عنه عن المفعول؛ أي: المجزي به وهو الفداء فالمعنى على قراءة التنوين: فعليه جزاء يماثل ما قتل من النعم الوحشي، قيمة يحكم به ذوا عدل، وعلى الإضافة: فعليه فداء مثل المقتول قيمة. قوله: ﴿فَكَفَرَتُهُ﴾ عطف. وقوله: ﴿طَعَامُ مِسْكِينَ﴾ عطف بيان، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي طعام مساكين. وقرئ على الإضافة وهي إضافة بيان كأنه قيل: أو كفارة من طعام مساكين، كقولك: خاتم فضة. أو عدل ذلك: والعدل ما يعادل الشيء من غير جنسه كالصوم والإطعام، وذلك إشارة إلى الطعام. وصيامًا تمييز للعدل، كقولك: لي مثله رجلا. (باختلاف الأماكن): وقال الشعبي: يقوم بمكة أو مِنِّي، ومذهب العامة أنه يقوم في موضع الإتلاف؛ لأن الضمان يجب به كما في سائر الأموال. وفي مبسوط شيخ الإسلام: وكذلك يعتبر الزمان الذي أصابه فيه؛ لأن القيمة تختلف باختلاف الأزمان أيضًا (١). وقيل: يعتبر الإتيان هاهنا؛ أي: في قيمة الصيد، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤).

стр. 2291

فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بَرًّا لَا يُبَاعُ فِيهِ الصَّيْدُ، يُعْتَبَرُ أَقْرَبُ المَوَاضِعِ إِلَيْهِ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ وَيُشْتَرَى. قَالُوا: وَالوَاحِدُ يَكْفِي، وَالمُثَنَّى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ عَنِ الغَلَطِ، كَمَا فِي حُقُوقِ العِبَادِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ المُثَنَّى هَهُنَا بِالنَّص. (وَالهَدْيُ لَا يُذْبَحُ إِلَّا بِمَكَّةَ) قيل: يشترط عند مالك أن يكونا فقيهين (١)، والفقه ليس بشرط عند الجماعة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة ٩٥]. وفي المبسوط: على طريقة القياس: يكفي الواحد للتقويم، كما في حقوق العباد، وإن كان المثنى أحوط، ولكن تعتبر حكومة المثنى بالنص (٢). وبيانه في حديث عمر: فإن رجلين أتياه وقال أحدهما -وهو قبيصة بن جابر -: إن صاحبي هذا كان محرمًا، فرمى إلى ظبي فأصاب حشاه -وهو العظم الناتئ خلف الأذن- فماذا يجب عليه؟ فسأل عمر ابن عوف وشاوره، ثم قال: عليه شاة، فلما خرجا قال السائل: إن فتوى عمر لا تغني عنك شيئًا؛ أما ترى أنه لم يعرفه حتى سأل غيره، فأرى أن تنحر راحلتك فتعظم شعائر الله، فسمع ذلك عمر فدعاه وعلاه بالدرة، فقال يا أمير المؤمنين: إني لا أحِلُّ لك شيئًا من نفسي، حرَّم الله عليك فانظر لنفسك، فقال: أراك حسن اللهجة والبيان، أما سمعت قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلِ﴾ [المائدة ٩٥] فأنا ذو عدل، وعبد الرحمن ذو عدل، ومن يعمل بكتاب الله يسمى جاهلا فيكم، فتاب الرجل من مقالته (٣). قوله: (والهدي لا يذبح إلا بمكة)؛ أي: الحرم؛ لأنه تابع مكة، وبه قال الشافعي في الأصح (٤)، وفي قول: لا يختص به، حتى إذا ذبحه خارج الحرم ونفل اللحم إليه، وتصدقه على مساكين الحرم جاز؛ إذ المقصود منه اللحم

стр. 2292

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] … توسعة على سكانه. وقال في القديم: إن ما أنشأ سببه في الحل يجوز ذبحه في الحل، وتفريقه فيه كدم الإحصار (١)، وبه قال أحمد (٢). وقال مالك: لا يختص ما يجب من الفدية بالإحرام بمكان (٣). ولنا: قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وصفه بكونه بالغ الكعبة، والمراد من الكعبة: الحرم، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لأن عينها غير مراد بالإجماع؛ لأنها تصان عن إراقة الدماء؛ فأريد بها ما حولها؛ وهو الحرم الذي له حرمتها. فأما التصدق لا يختص بها، فيتصدق حيث شاء، وعند الشافعي (٤)، وأحمد: تختص بمساكين الحرم (٥) على ما عُرف، وبقولنا قال مالك (٦). وفي خزانة الأكمل: لا يجوز أن يتصدق بجزاء الصيد على أبويه وأجداده، وجداته وأولاده وإن سفلوا، ولا يأكل منه، فإن أكل منه ضمنه (٧). ودفعه إلى فقراء الذمة يجوز، وفقراء المسلمين أحب. وقال أبو يوسف (٨)، والشافعي (٩)، وأحمد (١٠): لا يجوز دفعه إليهم.

стр. 2293

(وَيَجُوزُ الإِطْعَامُ فِي غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالهَدْيِ، وَالجَامِعُ التَّوْسِعَةُ عَلَى سُكَانِ الحَرَمِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الهَدْيُ قُرْبَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ، أَمَّا الصَّدَقَةُ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ (وَالصَّوْمُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ)؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ (فَإِنْ ذَبَحَ الهَدْيَ بِالكُوفَةِ أَجْزَأَهُ عَنِ الطَّعَامِ) مَعْنَاهُ: إِذَا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ وَفِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الإِرَاقَةَ لَا تَنُوبُ عَنْهُ. (وَإِذَا وَقَعَ الاخْتِيَارُ عَلَى الهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِئهُ فِي الْأَضْحِيَّةِ) لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الهَدْيِ مُنْصَرِفُ إِلَيْهِ. ولو دفع إلى فقير يظنه، فظهر غنيًّا؛ يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، كما في الزكاة (١)، وعند أبي يوسف وأبي ثور: لا يجزئه (٢)، وعنده كالمذهبين (٣)، وعن أحمد روايتان (٤). (في غيرها): في غير مكة، والصوم يجوز في كل مكان، أي: بالإجماع. قوله: (وفاء بقيمة الطعام)؛ يعني: إنما يخرج عن العهدة بالتصدق في هذه إذا أصاب كل مسكين من اللحم ما يبلغ قيمته نصف صاع من بر، على قياس كفارة اليمين، أو أكسى عشرة مساكين ثوبًا واحدًا أغناه عن الطعام؛ إذا أصاب كل مسكين منه ما قيمته قيمة نصف صاع من البر، لأن هذا التصدق لما قام مقام الإطعام؛ يعتبر في كل مسكين نصف صاع، ولا كذلك في المذبوح في الحرم؛ لعدم قيامه مقام الطعام. قوله: (لا ينوب عنه)؛ أي: عن الواجب، حتى لو سُرِقَ المذبوح أو ضاع قبل التصدق لا يخرج عن العهدة، وبقي الواجب كما كان، وفي المذبوح بمكة يخرج عن العهد بعد السرقة؛ لأن الإراقة قربة مقصودة بمكان وزمان، كما ذكرنا. قوله: (منصرف إليه)؛ أي: إلى ما يجزئ الأضحية، وذلك في هدي

стр. 2294

وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُ صِغَارُ النَّعَمِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَوْجَبُوا عَنَاقًا وَجَفْرَةٌ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: يَجُوزُ الصِّغَارُ عَلَى وَجْهِ الإِطْعَامِ (*) يَعْنِي: إِذَا تَصَدَّقَ، وَإِذَا وَقَعَ الاخْتِيَارُ عَلَى الطَّعَامِ، يُقَوَّمُ المُتْلَفُ بِالطَّعَامِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ المَضْمُونُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (وَإِذَا اشْتَرَى بِالقِيمَةِ طَعَامًا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ القربان لا في هدي الصدقة، فإنه يقع على الثوب كما في قوله: إن فعلت كذا فثوبي هدي. والمراد بالمطلق: أن لا يكون مشارًا إليه، وفي الصدقة إنما يقع على الثوب إذا كان مشارًا بأن قال: ثوبي أو هذا الثوب، أما لو قال: إن فعلت كذا فعلي هدي بلا إشارة يقع على شاة؛ لأن الهدي يقع على الإبل والبقر والغنم، والشاة أدناه. كذا في المبسوط والأسرار (١). وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز الصغار على وجه الإطعام (٢). وذكر في المبسوط، والأسرار، وشروح الجامع الصغير لفخر الإسلام، وقاضي خان، وغيرها: قول أبي يوسف مثل قول محمد والشافعي وأحمد. عموم قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة ٩٥] فإنه صادق على الصغير والكبير، والعناق قد يُهدى ويُضحى تبعا لأمه (٣). ولأبي حنيفة (٤)، وبه قال مالك (٥): إن إراقة الدم ليست بقربة إلا في سنّ مخصوص وزمان مخصوص، أو مكان مخصوص، وإذا لم يوجد شروط كونها قربة لا تكون قربة، فكم نسكًا في مقابلة الجناية على الإحرام أو الحرم، وأما صلاحيته للهدي والأضحية تبعًا لأمه؛ فلوجود الموجب لذلك وهو قيام الصفة الشرعية بالأم حالة الولادة، وأنها على الانسحاب حكمها على ما

стр. 2295

صَاعٍ مِنْ بُرِّ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ المِسْكِينَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعِ)؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ المَذْكُورَ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ المَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ (وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ يُقَوَّمُ المَقْتُولُ طَعَامًا، ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرِّ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ يَوْمًا)؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الصِّيَامِ بِالمَقْتُولِ غَيْرُ مُمْكِن، إِذْ لَا قِيمَةَ لِلصِّيَامِ فَقَدَّرْنَاهُ بِالطَّعَامِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ مَعْهُودٌ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي بَابِ الفِدْيَةِ (فَإِنْ ولدت؛ لحدوث تلك الصفة فيه، فلكونه جزء الأم، وكون الحيوان أضحية أو هديًا صفة شرعية، فإذا قامت بالأم تبعها الولد وهاهنا انتفى الموجب لكون العناق أصلا لا تبعًا، فافترقا. وما ورد من الأثر محمول على التصدق به دون إراقة دمه، حتى لو تصدّق بالمذبوح وقيمته مثل قيمة المذبوح؛ أجزأه. والمراد بقوله: (عندنا) أبو حنيفة، وأبو يوسف (١)، وهو قول مالك (٢)، فإن عند محمد (٣)، والشافعي (٤): المعتبر قيمة الواجب؛ لأن أصلهما أن الواجب هو النظير، وإنما يحوله إلى الطعام باختياره فيعتبر قيمة الواجب وهو النظير. وعندنا: الواجب قيمة الصيد من الأصل كما بينا، فإذا اختار أداء الواجب به يعتبر قيمة الصيد؛ لأنه هو الواجب الأصلي. كذا في المبسوط (٥). وقال مالك: إن لم يخرج المثل عن المثليّ يقوم الصيد لا المثل؛ لأنه هو الأصل (٦). وعن أحمد: أنه لا يخرج الطعام، وإنما التقويم به لمعرفة قدر الصيام كما مر. (المعهود في الشرع)؛ وهو نصف صاع من بُرّ، أو صاع من شعير (٧)؛ لأنه

стр. 2296

فَضَلَ مِنْ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ فَهُوَ مُخَيَّرُ: إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا)؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ غَيْرُ مَشْرُوعِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الوَاجِبُ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ، يُطْعِمُ قَدْرَ الوَاجِبِ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا كَامِلًا لِمَا قُلْنَا. هو المعهود في الشرع، كما هو صدقة الفطر وكفارة اليمين والظهار، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي: يتصدّق على كل مسكين مُدًّا منه، وتقدير الطعام عنده بالمد (١)، وعندنا: بالصاع (٢)، ومذهبه مروي عن ابن عباس ومجاهد، وهو بناء على الاختلاف في طعام الكفارة (٣). ومذهبنا أيضًا مروي عنهما، وإبراهيم وعطاء، ومقسم وقتادة (٤)؛ لأن صوم أقل من يوم غير مشروع، وهكذا عند الشافعي إذا قصد أقل من مد، إن كان الواجب دون طعام، بأن قتل عصفورا أو برغونا قيمته لا تبلغ نصف صاع أو مد. (لما قلنا)؛ وهو قوله: (لأن صوم أقل من يوم ليس مشروع). ثم جزاء الصيد يجب على التخيير عند عامة العلماء، حتى جاز أن يختار الصيام مع القدرة على الهدي والإطعام. وعند زفر (٥)، والشافعي في رواية أبي ثور عنه، وهو خلاف ظاهر مذهبه (٦)، وأحمد في رواية ضعيفة عنه: يجب على الترتيب (٧)، وهو رواية عن ابن عباس (٨)، حتى لا يجوز الصوم مع القدرة على الهدي والإطعام؛ لأن (أو) تستعمل للترتيب أيضًا، كما في حد قطاع الطريق.

стр. 2297

(وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنهُ، ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ) اعْتِبَارًا والدليل أخبار الصحابة في تعيين الهدي، ولأن هذا الفعل جناية، والواجب مؤاخذة على ما قال تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة ٩٥]، فالذي يلائمه التغليظ، وهو الترتيب دون التخيير؛ إذ فيه تخفيف. وقلنا: المذكور في الآية كلمة «أَوْ»، ولأنها لأحد الأشياء، فكان التخيير حقيقة، فلا يعدل عنه إلى الترتيب الذي هو مجاز بلا دليل، وما ذكر لا يصلح دليلًا؛ لأن أقوال الصحابة لبيان المثل هو مشكل لا للتعيين، وأما اعتبار المؤاخذة فواجب بقدر ما ورد الشرع، والزيادة على ذلك باطل، وذوق الوبال يحصل مع التخيير، فعرفنا أنه لا ينافيه، فلا يجوز ترك الحقيقة به. وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة ٩٥] متعلق بقوله: ﴿فَجَزَاء﴾، أي: فعليه أن يجازى، أو يُكفّر ليذوق سوء عاقبة هتك الإحرام، وثقل ما جوزي به في بدنه أو ماله، وأصل الوبال الثقل. وأما فصل قطاع الطريق، فالأحوال ثمة مختلفة، فوزعت العقوبة على الأحوال، غليظها لغليظها، وخفيفها لخفيفها، والجناية جناية واحدة؛ لأنه هتك حرمة الإحرام بقتل الصيد، فلا يمكن حمل «أَوْ» هاهنا على اختلاف الأحوال، فوجب إعمالها في حقيقتها، عملًا بالمقتضي السالم عن المعارض. قوله: (ولو جرح صيدا أو نتف شعره) إلى آخره في المبسوط: جرح صيدا أو نتف شعره أو قلع سنّه فنبتت كما كان، ونبتت سنه مكانها؛ فلا شيء عليه عندهما، وعند أبي يوسف: يلزمه صدقة الألم (١). وإن غاب الصيد ولم يعلم هل مات أو برأ؛ يضمن النقصان قياسا؛ لأنه وجد سبب الضمان، ولم يعلم، بروءه، وقيمته كاملة إنما تجب إذا علم بموته، ولم يعلم فلا شك. وفي الإسبيجابي: تلزمه جميع القيمة؛ احتياطًا لمعنى العبادة والكفارة، كمن أخذ صيدًا من الحرم، ثم أرسله ولم يعلم دخوله الحرم (٢).

стр. 2298

لِلْبَعْضِ بِالكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ العِبَادِ (وَلَوْ نَتَفَ رِيشَ طَائِرٍ، أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ صَيْدٍ، وفي الخزانة: لو قطع المحرم يد الصيد، ثم قطع آخر رجله؛ فعلى الأول ما نقصه جرحه، وعلى الثاني ما نقصه جرحه من قيمته وبه الجرح الأول. وقالت المالكية: جرح صيدًا واندمل لا شيء عليه (١). وقال أشهب: يضمن النقص (٢)، وهو قول الشافعي (٣)، وأحمد (٤). ولو خلص حمامة من سنور أو سبع أو شبكة، أو أخذ الصيد ليخلص صيدًا من رجله فقطعت؛ فلا شيء عليه عند الجمهور؛ لأنه أراد به إصلاحه، وكذا في كل فعل قصد إصلاحه. وقال قتادة: يضمن؛ لأن القصد ليس بشرط، فأما قصد الإصلاح مندوب، والإتلاف من غير قصد غير مأذون فيه (٥). وفي المبسوط: نفر الصيد منه بغير صُنعه فانكسرت رجله؛ لا شيء عليه، ولو نفر بتنفيره فوقع في بئر أو صدمه على شيء؛ فعليه الجزاء، وكذا لو كان راكبًا أو سائقًا أو قائدًا، فأتلفت الدابة بيدها أو رجلها أو فمها صيدًا؛ فعليه الجزاء، وكذا لو نفد السهم منه فقتل آخر؛ يجب عليه جزاؤهما، ولو تعلق بطنب فسطاط المحرم، أو حفر بئرًا للماء أو تنورًا للخبز فعطب فيها؛ فلا شيء عليه (٦). وقالت الشافعية: لو حفر بئرًا في الحرم في محل عدوان؛ لزمه ضمان ما تلف (٧). وعن ابن القاسم المالكي: يضمن في الفسطاط، كما لو عطب برمحه المذكور، ولو فرّ من فرعه فعطب، لا يضمن كحفر البئر، وعند مالك

стр. 2299

فَخَرَجَ مِنْ حَيْزِ الامْتِنَاعِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَامِلَةً)؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الامْتِنَاعِ، فَيَغْرَمُ جَزَاءَهُ. يضمن (١)، وهو ضعيف جدا؛ لعدم الصنع، وقد رده سحنون المالكي (٢). ثم عند الشافعي: لو نقص من قيمة العشر مثلا، لو كان ظبيا فعليه عشر ثمن شاة (٣). وقال المزني - تخريجًا -: عليه عُشر شاة، فقال أكثر أصحابه: الأمر على ما قاله المزني؛ لأن كل ظبية مثلا تقابل بالشاة، فيقابل بعضها ببعضها تحقيقا للمقابلة، وقالوا: إنما ذكر الشافعي القيمة؛ لأنه قلما يجد شريكا في ذبح شاة، فأرشد إلى ما هو الأسهل (٤). وجه المنصوص عليه: أن الجزء يتعذر، فعدلنا إلى القيمة، كما في خمس من الإبل؛ حيث لم يوجد جزءًا من بعير، ولكن عدلنا غير الجنس، فأما إذا كان الصيد لا يضمن بالمثل؛ فعليه ما نقص من القيمة كما قال أبو حنيفة. كذا في تتمتهم، وشرح الوجيز (٥). قوله: (حَيّز الامتناع): فالامتناع قد يكون بالطيران، وقد يكون بالعَدْوِ، وقد يكون بدخوله في حجره. قوله: (فعليه قيمته)؛ أي: قيمة الصيد كاملة (٦)، وبه قال الشافعي في أصح قوليه (٧). وعن ابن سريج من أصحابه: أنه يجب عليه قدر النقصان (٨)؛ لأنه لم يهلك بالكلية.

стр. 2300

(وَمَنْ كَسَرَ بَيْضَ نَعَامَةٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٌّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَلِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ، وَلَهُ عَرَضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا … ... … . (فعليه قيمته)؛ أي: قيمة البعض، وبه صرَّح في مبسوط شيخ الإسلام، وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢). وقال المزني وداود: لا يجب فيه شيء؛ لأنه لم يكن شيء أي: صيد حقيقة (٣). وقال مالك: يضمنه بعشر قيمة الطير الناقص؛ تشبيها بجنين الأمة. كذا في تتمتهم (٤). وفي مبسوط الإِسْبِيجابي: وقال مالك: إن كانت البيضة صحيحة غير مدرة؛ يضمن عشر قيمة ما يخرج منه، كما في الجنين الميت؛ حيث يلزمه عشر قيمة الأم (٥). وقال ابن أبي ليلى: عليه درهم (٦). ولنا: قوله ﵇ في المحرم يكسر بيضة: «إِنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَها» (٧)، ولأنه أتلف متقوَّمًا، فيضمن قيمتها بالغة ما بلغت، كالبيضة المملوكة. ومذهبنا مروي عن علي وابن عباس (٨). (وله عرضية)؛ يعني: يعطى له حكم الصيد في إيجاب الجزاء، كما أن الماء في الرجم يعطى له حكم الولد في حكم العتق والوصية، لأنه منع حدوث الصيد به، فيجعل كالمتلف بعد الحدوث بمنزلة الْمَغْرُورِ يضمن قيمة الولد؛ لأنه منع حدوث الرق فيه. كذا في المبسوط (٩).

стр. 2301

مَا لَمْ يَفْسُدْ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ البَيْضِ فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيًّا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى البَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ. وَجْهُ الاسْتِحْسَانِ: أَنَّ البَيْضَ مُعَدٌّ؛ لِيَخْرُجَ مِنهُ الفَرْخُ الحَيُّ، وَالكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ، فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَعَلَى هَذَا إِذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا. (ما لم يفسد)؛ بأن كانت مذرة، فحينئذ لا شيء عليه؛ لأنه لم يتلف صيدًا ولا ما هو أصله. كذا في المبسوط (١). وقال الكرماني في مناسكه: إن كانت المذرة بيضة نعامة فعليه الجزاء؛ لأن قشر بيض النعامة لها قيمة. رد عليه: بأن بعد المذرة تبقى صلاحية كونها أصل الصيد، وإيجاب القيمة باعتبار ذلك (٢)، وقول الشافعي كقولنا فيه (٣)، واختلفت الحنابلة فيه. قوله: (فرخ ميت)، أي: لا يعلم أن موته بالكسر أم لا، ولو علم أنه كان ميتًا بغير الكسر لا شيء عليه. كذا ذكره التمرتاشي (٤). قوله: (فعليه قيمته)، أي: قيمة الفرخ لو كان حيًّا، وبه صرح في مبسوط الإسبيجابي (٥). قوله: (وجه الاستحسان) (٦): وبه قال الشافعي (٧)؛ لأن الظاهر أنه ينفخ فيه الروح فيمنعه، فيجعل كالمفوت للروح، كما في ولد المغرور فإنه مضمون وإن خلق حرا؛ لأنه حصل مانعًا من الرق، ولأن الكسر سبب لموته قبل أوانه، فإن ظهر الموت عقيب الكسر بحال أنه يضاف به، أي: بالموت عليه؛ أي: على الكسر. (فعليه قيمتهما)؛ أي: قيمة الظبية وجنينها.

стр. 2302

(وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الغُرَابِ وَالحِدَأَةِ وَالذِّنْبِ وَالحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ وَالفَارَةِ وَالكَلْبِ العَقُورِ جَزَاءُ)؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ الحِدَأَةُ وَالحَيَّةُ وَالعَقْرَبُ، وَالفَارَةُ وَالكَلْبُ العَقُورُ» وَقَالَ ﷺ : «يَقْتُلُ المُحْرِمُ الفَارَةَ وَالغُرَابَ وَالحِدَأَةَ وَالعَقْرَبَ وَالحَيَّةَ وَالكَلْبَ العَقُورَ» وَقَدْ ذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَقِيلَ: المُرَادُ بِالكَلْبِ العَقُورِ الذِّئْبُ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّ الذِّئْبَ فِي مَعْنَاهُ، وعند الشافعي في الأم المثل (١)، وفي الجنين ما ينقص من قيمتها بالوضع، وينبغي أن لا يجب قيمة الجنين، كما لو ضرب بطن جارية فألقت جنينا ميتا ثم ماتت هي؛ فإن عليه قيمة الجارية أو دية الحرة، لا ضمان الجنين، إلا أنه في حكم الجزء من وجه، وفي حكم النفس من وجه، فالضمان الواجب لحق العباد غير مبني على الاحتياط، فلا يجب في موضع الشك. أما جزاء الصيد؛ فمبني على الاحتياط؛ فلهذا يرجح جهة النفسية في الجنين، فأوجب عليه جزاءهما. كذا في المبسوط (٢). وقال مالك: لو ألقته ميتًا وسَلِمَت الأم؛ يجب عشر قيمة الأم، كغُرَّةِ جنين الأمة (٣)، ولو ألقته حيًّا ثم ماتا؛ يضمنهما جميعًا بالإجماع. وفي مناسك الكرماني: أتلف صيدا حاملا؛ فعليه قيمتها حاملا (٤). قوله: (قوله ﵇: «خَمسُ مِنَ الفَواسِقِ»): الفسق: هو الخروج عن الاستقامة، سميت هذه الحيوانات به؛ لخبثهن وخروجهن من الحرمة. وقيل: تفسيقها تحريم أكلها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام ١٢١]. كذا في المغرب (٥). وقيل: سميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها لأذى الناس وإفساد

стр. 2303

وَالمُرَادُ بِالغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الجِيَفَ وَيَخْلِطُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى، أَمَّا العُقْعُقُ فَغَيْرُ مُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالأَذَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحمة الله: أَنَّ الكَلْبَ العَقُورَ وَغَيْرَ العَقُورِ وَالمُسْتَأنَسَ وَالمُتَوَحِّشَ مِنْهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ المُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ أموالهم، وإنما أمر بقتل الحية؛ لأنها أبدت جوهرها الخبيث، حيث خانت آدم ﵇ بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها، ولو كانت تبرزه فلم يتركها رضوان أن تدخله، فأمر ﵇ بقتلها. والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى سفينة نوح ﵇ فقطعتها. والغراب أبدى جوهره، حيث بعثه نوح من السفينة؛ ليأتيه بخبر الأرض، فأقبل على جيفة وترك أمره؛ ولهذا قال ﵇: «من قتل وزعا في أوّل ضَربَةٍ كُتبَتْ له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثَةِ دون ذلك» (١)؛ لأن الوزغة نفخت على نار إبراهيم ﵇. ثم هذا حديث مشهور يجوز الزيادة والتخصيص به؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥]، ولئن كان خبر واحد فيجوز تخصيص العام به إذا خص منه البعض، وقد خص قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة ٩٥] بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة ٩٦]، فيجوز تخصيصه بعد ذلك بخبر الواحد. كذا في الأسرار. (والمراد بالغراب)؛ أي: الغراب المستثناة الذي يأكل الجيف، أو يخلط معه. كذا قاله أبو يوسف (٢). أما العُقعق فيجب الجزاء بقتله؛ لأنه لا يبتدئ بالإيذاء غالبًا. وقيل: في صوته سرور، وهذا استثناء معنوي من قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصيد﴾ [المائدة ٩٥]. (وعن أبي حنيفة) إلى آخره وفي فتاوى قاضي خان (٣)، والظهيرية: المختار ذلك؛ لأن جنس الكلب ليس بصيد؛ ولهذا يجوز قتل جنسه، فيستوي

стр. 2304

الجِنْسُ، وَكَذَا الفَارَةُ الأَهْلِيَّةُ وَالوَحْشِيَّةُ سَوَاءٌ. وَالضَّبُّ وَالْيَرْبُوعُ لَيْسَا مِنَ الخَمْسِ المُسْتَثْنَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْتَدِنَانِ بِالْأَذَى. (وَلَيْسَ فِي قَتْلِ البَعُوضِ وَالنَّمْلِ وَالبَرَاغِيثِ وَالقُرَادِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ البَدَنِ ثُمَّ هِيَ مُؤْذِيَةٌ بِطِبَاعِهَا، وَالمُرَادُ بِالنَّمْلِ السُّودُ أَوْ الصُّفْرُ الَّذِي يُؤْذِي، وَمَا لَا يُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهَا، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الجَزَاءُ لِلْعِلَّةِ الأُولَى. فيه الأهلي والوحشي، والعقور وغيره. (وكذلك الفأرة الأهلية والوحشية)؛ أي مستثناه، وكذا السنورُ الأهلي والوحشي كالأشياء الخمسة وروى هشام عن محمد: ما كان منه بريا فهو متوحش كالصيود، يجب الجزاء بقتله. كذا في المبسوط (١). قوله: (والضب): في المبسوط: الضب ليس في معنى الحية المستثناة (٢). قوله: (ليست بمتولدة من البدن)؛ احتراز عن القملة؛ فإن في قتلها شيئًا، على ما يجيء. (ثم هي)؛ أي: البعوض والنمل والبراغيث يحل قتلها؛ لعدم العلة؛ وهي أنها مؤذية. (للعلة الأولى)؛ وهي أنها ليست بصيود، وليست بمتولدة منه. وقال أبو يوسف: القرد والفيل إن ابتدأ بالأذى فلا شيء فيهما، وإلا فعليه الجزاء في قتلهما؛ لأنهما من جنس الصيد (٣). وقال زفر: لا جزاء في القرد والخنزير (٤)؛ لأنه كالكلب العقور، وقد ندب الشرع إلى قتله، قال ﵇: «بُعِثْتُ لِكَسْرِ الصَّليب وقتل الخنزير» (٥)،

стр. 2305

(وَمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) مِثْلَ كَفٌ مِنْ طَعَامٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ التَّفَثِ الَّذِي عَلَى البَدَنِ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَطْعَمَ شَيْئًا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكَيْنَا شَيْئًا يَسِيرًا عَلَى سَبِيلِ الإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْبِعًا. (وَمَنْ قَتَلَ جَرَادَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ)؛ لِأَنَّ الجَرَادَ مِنْ صَيْدِ البَرِّ، فَإِنَّ الصَّيْدَ مَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إِلَّا بِحِيلَةٍ وَيَقْصِدُهُ الْآخِذُ وَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: تَمْرَةٌ ولكنا نقول: إنه متوحش لا يبتدئ بالأذى غالبًا. كذا في المبسوط (١). قوله: (تصدق بما شاء)، وبه قال أحمد (٢)، وكذا إذا ألقاها على الأرض تصدق بما شاء، وهذا إذا أخذها من بدنه فقتلها أو ألقاها، أما لو كانت ساقطة عليها فقتلها؛ لا شيء عليه، كما في البرغوث. وقال الشافعي: لو ظهر القمل على بدنه أو ثيابه لم يكره تنحيه، ولو قتله لم يلزمه شيء، ويكره له أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فعل وأخرج منهما قملة وقتلها؛ تصدَّق بما شاء ولو بلقمة؛ لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس. كذا في شرح الوجيز (٣). وفي الجامع الصغير: أطعم شيئًا ككسرة خبز، هذا في الواحدة، وفي الاثنتين أو ثلاث كف من حنطة، هكذا روي عن ابن عباس، وفي الزيادة على الثلاث: نصف صاع من حنطة (٤). ولو ألقى ثيابه في الشمس لقتل القمل؛ فعليه نصف صاع منها إن كان القمل كثيرًا، ولو ألقاه ولم يقصد قتل القمل فمات القمل من حر الشمس لا شيء عليه. وعن أبي يوسف: في النملة كف من دقيق. كذا في المحيط، وقاضي خان (٥). (لقول عمر ﵁): وقصته أن أهل حمص أصابوا جرادًا كثيرًا في

стр. 2306

خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَبْحِ السّلَحْفَاةِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الهَوَامِّ وَالحَشَرَاتِ، فَأَشْبَهَ الخَنَافِسَ وَالوَزَغَاتِ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ، وَكَذَا لَا يُقْصَدُ بِالأَخْذِ فَلَمْ يَكُنْ صَيْدًا. إحرامهم، وجعلوا يتصدقون مكان كل جرادة بدرهم فقال عمر: أرى دراهمكم كثيرة يا أهل حمص، تمرة خير من جرادة (١). وعن ابن عباس وكعب بن عجرة وأبي سعيد الخدري: أن الجراد من صيد البحر (٢). وقال عروة: هو من نثرة حوت (٣). وقال جمهور العلماء والفقهاء: هو من صيد البر؛ لما روي عن عمر؛ ولهذا يموت في الماء (٤). قوله: (من نثره حوت)؛ أي: من أصله ولا اعتبار لذود الجبل متوحشة أنسها إسماعيل ﵇. كذلك الخنافس، جمع الخنفساء، بفتح الفاء ممدودة. وفي المحيط: ليس في قتل القنفد والخنفساء-بفتح الفاء ممدودة- والسلحفاة، والوزغ والذباب والزنبور والحلمة، وصاح الليل والصرصر، وأم حنين وابن عرس شيء؛ لأنها من هوام الأرض لا من الصيود، ولا بمتولدة من البدن (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، وأحمد (٧). وعن أبي يوسف في قتل الصيود أي: القنفد- روايتان في رواية: نوع من الفأرة فلا شيء فيه. وفي رواية: كاليربوع فيجب الجزاء فيه. كذا في المبسوط (٨).

стр. 2307

(وَمَنْ حَلَبَ صَيْدَ الحَرَمِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ)؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ فَأَشْبَهَ كُلَّهُ. (وَمَنْ قَتَلَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الصَّيْدِ كَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهَا فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ) إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ الجَزَاءُ؛ لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى الإِيذَاءِ فَدَخَلَتْ فِي الفَوَاسِقِ المُسْتَثْنَاةِ، وَكَذَا اسْمُ الكَلْبِ يَتَنَاوَلُ السِّبَاعَ بِأَسْرِهَا لُغَةٌ. (من أجزاء الصيد): قال تعالى: ﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل ٦٦] و (من) للتبعيض، فيكون اللبن بعضه كالبيض، وبه قال أصحاب الشافعي (١)، وأحمد (٢). وقال بعض أصحابه: لا ضمان فيه، بخلاف البيض، وبه قال مالك (٣)، فإنه يعرض أن يكون صيدا. كذا في شرح الوجيز (٤). قوله: (كالسباع)، أي: سباع البهائم ونحوها كسباع الطير. وقال الشافعي: لا جزاء فيما لا يؤكل لحمه (٥)، وبه قال أحمد (٦). وقال مالك: السباع المبتدئة بالضرر من الطير والوحش كالفهد والذئب والغراب لا جزاء فيه، وفي غيرهم يجب (٧). (فدخلت في الفواسق المستثناة)؛ يعني: لا نسلم أن السباع من الصيد المحرم قتله، فإنه أسلم الضرب النشاب، والسباع إنما تقتل دفعا للشر لا اكتسابا، فلم يكن أخذه اصطيادا، كما لا يسمى أخذ شيء من الجمادات اصطيادا، ولئن سلم أنه صيد؛ لكنه خص الفواسق من النص بالإجماع والحديث المشهور، فيلحق بها سائر السباع؛ لأنها مؤذية طبعا كالفواسق؛ لأنه ﵇ استثنى الكلب، واسم الكلب يتناول السباع. قوله: (بأسرها)؛ أي: بجميعها لغة؛ ألا ترى أنه ﵇ حين دعا

стр. 2308

وَلَنَا: أَنَّ السَّبْعَ صَيْدٌ لِتَوَحُشِهِ، وَكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالأَخْذِ إِمَّا لِجِلْدِهِ أَوْ لِيُصْطَادَ بِهِ أَوْ لِدَفْعِ أَذَاهُ، وَالقِيَاسُ عَلَى الفَوَاسِقِ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ العَدَدِ، … ... … على عقبة بن أبي لهب فقال: «اللهم سَلّط علَيهِ كَلبًا مِنْ كِلابِكَ» (١)، فافترسه الأسد بدعائه ﵇، وأن الثابت بالنص حرمة ممتدة إلى غاية وهو الخروج من الإحرام، فإنه تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة ٩٦]، فهذا يتناول مأكول اللحم، فحرام التناول على الإطلاق، فلا يتناوله هذا النص، ولأنه ﵇ قال: «يقتلُ المُحرِمُ السَّبُعَ العَادِي». كذا في المبسوط (٢). ولنا: أن السبع صيد، فيتناوله قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لأن الصيد يسمى به لتنفره واستيحاشه وبعده عن أيدي الناس، وذلك موجود فيما لا يؤكل. فإن قيل: لا نسلم أن الحرام صيد. قلنا: الحرمة تثبت شرعًا، فأما من حيث اللغة فكل ما يتغذى به يؤكل؛ ولهذا كان العرب لا يعتقدوا تحريم السباع؛ بل كانوا يأكلون جميع الحيوان إلا أم حنين، فلو كان الاسم موضوعًا للمتاح؛ لتناول الجميع لاعتقادهم إباحته. وأما قوله: (الصيد كذا)؛ فمسلّم، ولكن هذا مما يتعدى في الجاهلية على ما عليه الطباع لولا الشرع، والواضع وَضَعَها على ما كانت عنده لا على عرف الشرع؛ ألا ترى أن الصيود تحرم بالإحرام بمنزلة ما لا يؤكل لحمه في حق المحرم، وبدخول الحرم في حق الجميع، ولم يقل أحد أن أخذه لم يكن اصطيادًا، كذا فيما نحن فيه. وإلحاقها بالفواسق غير مستقيم؛ لأنه ﵇ نص على الخمس، ولو علل بالإيذاء لتعدى حكمه إلى السباع، وخرج من أن يكون المستثنى محصورًا بعدد الخمس، فكان التعليل مبطلا للنص، وهو معنى قول المصنف: (والقياس على الفواسق ممتنع) إلى آخره. فإن قيل: قد أبطلتم عدد الخمس، حيث ألحقتم بالخمس غيرها.

стр. 2309

وَاسْمُ الكَلْبِ لَا يَقَعُ عَلَى السَّبُعِ عُرْفًا، وَالعُرْفُ أَمْلَكُ قلنا: ألحقنا ما هو في معناها بها، أما إلحاق السباع المتنفرة [عنائها] (١) بعلة الإيذاء غير مستقيم؛ لأن إيذاء الفواسق يتعدى إلينا، لأنها تسكن في بيوتنا، أما السباع فإيذاؤها لا يتعدى إلينا؛ فإنها لا تسكن في بيوتنا ولا بالقرب منا، فلم يكن في معنى المنصوص، فلا يلحق بها، ولأن من طبع الخمس البداية بالإيذاء، وما سواها لا يؤذي إلا أن يؤذى، فلا يلحق بها. وما قال: إن الحرمة مؤقتة إلى غاية. قلنا: الثابت بالنص حرمة الاصطياد لا حرمة التناول، وهي بهذه الصفة تثبت في غير المأكول كما تثبت في المأكول. كذا في المبسوط (٢)، وفيه بحث يعرف بالتأمل. أما الجلدة كالنمر، أو ليصطاد به كالفهد، أو لدفع أذاه كالأسد. قوله: (واسم الكلب) لا يقع جواب عن قوله: (إن اسم الكلب يتناول السباع بأسرها) (٣)، فقال: (اسم الكلب لا يقع عليها عرفًا)؛ بل وضعًا. (والعرف أملك)؛ أي: أضبط لصاحبه، وأقوى في استجلاب اللفظ إلى المتعارف، وهو أفعل من الملك، كأن المعروف تملك هذا اللفظ وتمسكه، ولا يحيله إلى محل آخر. كذا في المغرب (٤). والمراد من السبع العادي في الحديث: هو الذي عدى على المحرم، ولا يجب فيه شيء بالاتفاق، وقد أوجب الشافعي الجزاء في الوطواط والهدهد وهما لا يؤكلان، وكذا أوجب في السمع - بكسر السين وسكون الميم- وهو المتولد بين الذئب والضبع، وهو لا يؤكل عنده والضبع من السباع عندنا ومالك وكثير من أهل العلم (٥)؛ لأنه من الكواسب، وهي تنبش القبور وتأكل لحوم الموتى.

стр. 2310

(وَلَا يُجَاوَزُ بِقِيمَتِهِ شَاةٌ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتِ اعْتِبَارًا بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ : «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ الشَّاةُ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قِيمَتِهِ لِمَكَانِ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ، لَا لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ مُؤْذٍ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ لَا يُزَادُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ ظَاهِرًا. (وَإِذَا صَالَ السَّبُعُ وعند الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وعطاء: مباح (٣)، وكذا الثعلب منهما عندنا بقيمة شاة. ويجوز رفع الشاة (٤)؛ لأنه أسند إليه قوله: (لا يجاوز بقيمته شاة)، ويجوز النصب على أنه مفعول ثان، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور. (لا لأنه محارب)؛ يعني: أن الجزاء فيما لا يؤكل باعتبار الصيدية فقط، أما فيما يؤكل لحمه باعتبار إراقة الدم وإفساد اللحم، فتجب قيمته بالغة ما بلغت، وأما زيادة القيمة في الفهد والأسد لمعنى تفاخر الملوك، لا لمعنى الصيدية، وذلك غير معتبر في حق المحرم، كما لا يعتبر كونها معلمًا؛ لأن الصيد باعتبار الامتناع والتوحش، وينتقص بكونه معلّمًا، فلم تلزمه لذلك أكثر من شاة. كذا في المبسوط وغيره (٥). قوله: (وإذا صال السبع): وكذا الخلاف في غير السبع، إلا أنه ذكره؛ لما أن الصيال فيه غالب. كذا في المبسوط (٦). وبه قال الشافعي (٧)، ومالك (٨)، وأحمد (٩)، وأكثر أهل العلم (١٠).

стр. 2311

عَلَى المُحْرِمِ فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَقَالَ زُفَرٌ: يَجِبُ الجَزَاءُ اعْتِبَارًا بِالجَمَلِ الصَّائِلِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَتَلَ سَبْعًا وَأَهْدَى كَبْشًا وَقَالَ: إِنَّا ابْتَدَأْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لَا عَنْ دَفْعِ الأَذَى، وَلِهَذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ المُتَوَهَّمِ مِنْ وقال زفر: تجب قيمته إلا في الذئب (١)؛ لأن فعل الصيد هدر؛ إذ فعل العجماء صار بالحديث، فكان وجوده كعدمه في وجوب الجزاء، فما كان هدرًا في حق الضمان الواجب لحق العباد كالجمل الصائل، فكذا فيما يجب لله تعالى. ولنا: ما روينا من قوله: «يقتلُ المُحرمُ السَّبُعَ العادِي» (٢)، وقال عمر ﵁: «الضبع إذا عدا على المحرم يقتله، ولو قتله قبل أن يعدو عليه؛ فعليه شاة مُسنّة» (٣) وعنه: أنه يقتل ما خشي المحرم على نفسه، وروي أنه قتل سبعًا في الإحرام فأهدى كبشًا، وقال: «إنا ابتدأناه» (٤)، فلو قلنا بالضمان عليه؛ لم يكن لهذا التعليل فائدة. والاستدلال بالخمس الفواسق؛ فإنه لما جاز قتلهن لتوهم الأذى، وتحقق الأذى بالابتداء منه، حتى لو أمكنه دفعه بغير سلاح فقتله؛ فعليه الجزاء. ذكره الطحاوي (٥)، فصار كالضرب مع التأفيف، فلما صار قتله مأذونا بدلالة النص؛ لا يكون موجبًا للضمان، بخلاف ضمان العباد؛ فإنه وجب لحقهم، ولم يوجد الإذن عمن له الحق مطلقا حتى يسقط الضمان. وفي الإسبيجابي عن أبي يوسف: لا شيء في الجمل الصائل (٦)، وهو قول الشافعي، وبخلاف قتل القمل، وإن كان يؤذيه لا ضمان، بمعنى قضاء التفث بإزالة ما هو من بدنها، لا لأنها مؤذية؛ ألا ترى أنه لو قتل قملة وجدها على الطريق لا يجب عليه شيء، وبخلاف المحرم إذا كان مضطرا بقتل صيد؛ لأن

стр. 2312

الأَذَى كَمَا فِي الفَوَاسِقِ، فَلَأَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ المُتَحَقَّقِ مِنهُ أَوْلَى، وَمَعَ وُجُودِ الإِذْنِ مِنْ الشَّارِعِ لَا يَجِبُ الجَزَاءُ حَقًّا لَهُ، بِخِلَافِ الجَمَلِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إِذْنَ مِنْ صَاحِبِ الحَقِّ وَهُوَ العَبْدُ. (فَإِنْ أُضْطُرَّ المُحْرِمُ إِلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ)؛ لِأَنَّ الإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ عَلَى مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. الإذن هناك مقيد وليس مطلق، فإنه في حق المضطر ثبت بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى﴾ [البقرة ١٩٦]، وللإذن عند الأذى ثابت مطلقا، فلا يكون موجبًا للضمان كذا قرره شيخي، وإليه أشير في الأسرار أيضًا. وبخلاف الملتقط أيضًا فإنه مأذون بالتصدق شرعًا، ومع هذا لو جاء مالكها يضمن؛ لأن ذلك الإذن لم يثبت من مالكها، كما في مسألتنا. إليه أشير في الأسرار أيضًا (١). وهذا معنى قول المصنف: (لأنه لا إذن من صاحب الحق وهو العبد) ألزم العبد إذا صال بالسيف ليقتله، فقتله المصول عليه؛ حيث لا يضمن، مع أنه لم يوجد الإذن من مالكه؛ لأن العبد مضمون في الأصل، فإنه آدمي مكلف كالحر؛ ألا ترى لو ارتدَّ فأقرَّ بقتل آخر عمدًا، أو أقرّ بالقتل؛ يصير مباح الدم، حتى لو قتل سقطت ماليته تبعًا لضمان النفس، فكذلك هاهنا لما سقط ضمان الأصل لمبيح جاء من قبل صاحبه؛ سقط ضمان المالكية تبعًا. كذا في الأسرار. (على ما تلوناه من قبل)؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾، وإنما قيد بهذا؛ لأنه إذا اضطر إلى قتله عند صياله فقتله لا شيء عليه؛ لما ذكرنا أن الإذن هناك مطلق غير مقيد بالكفارة وهاهنا مقيد بها بالنص. ولو وجد صيدًا وميتة؛ يأكل الميتة (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤) والثوري.

стр. 2313

(وَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالبَقَرَةَ وَالبَعِيرَ وَالدَّجَاجَةَ وَالبَطَ الأَهْلِيَّ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِصُيُودٍ؛ لِعَدَمِ التَّوَحُشِ، وَالمُرَادُ بِالبَرِّ الَّذِي يَكُونُ فِي المَسَاكِنِ وَالحِيَاضِ؛ لِأَنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الخِلْقَةِ (وَلَوْ ذَبَحَ حَمَامًا مُسَرْوَلًا فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ) خِلَافًا لِمَالِكِ ﵀. لَهُ: أَنَّهُ أَلُوفٌ مُسْتَأنَسٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِجَنَاحَيْهِ لِبُطْءِ نُهُوضِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الحَمَامُ مُتَوَحِّشُ بِأَصْلِ الخِلْقَةِ مُمْتَنِعُ بِطَيَرَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَطِيءَ النُّهُوضِ، وَالِاسْتِثْنَاسُ عَارِضُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ. وقال أبو يوسف والشعبي: يأكل الصيد (١)، واختاره ابن المنذر (٢). وفي المبسوط والمحيط: فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يأكل منه ويؤدي الجزاء (٣). وفي الذخيرة: جعل الأول رواية الحسن عن أبي حنيفة (٤). وفي الخزانة عن ابن سماعة: الغصب أولى من الميتة، واختاره الطحاوي. وعند الكرخي: مخير (٥). قوله: (والبط الأهلي) وفي بعض نسخ القدوري: البط الكسكري، وهو المنسوب إلى كسكر ناحية من نواحي بغداد، والمراد الأهلي. الحمام المسرول -بفتح الواو: وهو ما في رجليه ريش، من سَرْوَلْتُهُ إِذا ألبسته سراويل فتسَرْوَلَ (٦)، وبقولنا: قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨). (والاستئناس عارض فلم يعتبر): فعلى هذا لو رمى إلى برج حمام فأصاب حمامًا فمات؛ ينبغي أن لا يحل واختلف فيه، فقيل: لا يحل.

стр. 2314

(وَكَذَا إِذَا قَتَلَ ظَبْيًا مُسْتَأَنَسًا)؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ فِي الأَصْلِ، فَلَا يُبْطِلُهُ الِاسْتِثْنَاسُ كَالبَعِيرِ إِذَا نَدَّ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الصَّيْدِ فِي الحُرْمَةِ عَلَى المُحْرِمِ. (وَإِذَا ذَبَحَ المُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ: يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ … ... … ... … ... … ... . وقيل: يحل، فإنه لا يدل على أنه ليس بصيد؛ لأن الحل بذكاة الاضطرار يتعلق بالعجز لا بكونه صيدا، ولم يكن في مبسوط شيخ الإسلام؛ ولهذا لو ند بعير أو ثور يحل بذكاة الاضطرار وليس بصيد. وكذا إذا قتل ظبيًا مستأنسًا؛ يجب الجزاء عند عامة العلماء، خلافًا لمالك (١)، كما ذكرنا في الحمامة المسرولة، ولا يحل أكلها، وكذا لو ذبحه الحلال في الحرم. ذكره في الإيضاح، وبه قال الشافعي في الصحيح (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). قال النواوي: لا خلاف فيه (٥). (لأنه)؛ أي: المحرم (عامل له)؛ أي: لغيره. وهذا التعليل يشير إلى أن اللام في (لغيره) يتعلق بقوله: (ذبحه)، وهكذا ذكر أيضًا في الإيضاح لا بقوله: يحل، ولكن ما ذكر في المبسوط يدل على أنه حلال لغيره، سواء ذبحه لأجل غيره، أو لأجل نفسه (٦). وفي وجيزهم وتتمتهم ما يدل على هذا؛ حيث قال: ما ذبحه المحرم بنفسه فأكله حرام عليه، وهل هو ميتة في حق غيره؟ ففيه قولان (٧)، في الجديد: يكون ميتة، وبه قال مالك (٨)، وأبو حنيفة (٩)؛ لأن ذبحه لا يفيد الحل كذبح المرتد.

стр. 2315

فَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ الزَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ، فَلَا يَكُونُ ذَكَاةٌ كَذَبِيحَةِ المَجُوسِيِّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ المَشْرُوعَ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَ المُمَيِّزِ بَيْنَ الدَّمِ وَاللَّحْمِ تَيْسِيرًا فَيَنْعَدِمُ بِالْعِدَامِهِ. وفي القديم: يحل لغيره؛ لأن المحرم من أهل الذكاة، بدليل أنه لو ذبح النعم حل أكله، فكان من أهل الذبح كالحلال، بخلاف المرتد. (وهذا)؛ أي: قتل المحرم الصيد فعل حرام؛ فلا يكون ذكاة، كذبيحة المجوسي والمرتد. فإن قيل: يشكل على هذا ذبح شاة الغير بغير أمره؛ فإنه حرام، ومع ذلك يحل تناولها. قلنا: النهي في معنى الذبح، ولم يصر الذبح حرامًا لعينه؛ بل لصيانة حق الغير؛ ولهذا يحل ذبحه بإذن المالك، فكان الذبح مشروعًا في نفسه، أما هاهنا نفس الفعل حرام لعينه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة ٩٥]. توضيحه: أنه تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة ٩٦] فقد وصف الصيد بالحرمة كما في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، وهذا الوصف يدل على خروج المحل عن قبول الفعل الحلال شرعًا كالنكاح؛ وهذا لأن الفعل الحسي لا يتصور إلا بفاعل ومحل، وكذا الفعل الشرعي، فيكون الانعدام لعدم المحلية، كالانعدام لعدم الأهلية، كما في المجوسي. إليه أشير في الأسرار (١). (قام مقام المميز)؛ يعني: الذبح المشروع عرف سببًا للتمييز بين الدم المسفوح واللحم، وهو يفيد الحل بالنص، بخلاف القياس؛ لأن بالذبح خروج الدم النجس؛ ليتميز الخبيث من الطيّب وهو المحل، فإن الميتة حرام باعتبار الدم المسفوح باللحم، إلا أن الشرع أقام الذبح مقامه تيسيرًا؛ ولهذا لو ذبح ولم يسل الدم حل أكله، ولو ذبح المجوسي وسال الدم لم يحل أكله، فبقي ما لم يكن مشروعًا على أصل القياس. (فينعدم)؛ أي: الميز أو الحل (بانعدامه)؛ أي: الفعل المشروع وهو
следующие страницы →