← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

عَلَى المُحْرِمِ فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَقَالَ زُفَرٌ: يَجِبُ الجَزَاءُ اعْتِبَارًا بِالجَمَلِ الصَّائِلِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَتَلَ سَبْعًا وَأَهْدَى كَبْشًا وَقَالَ: إِنَّا ابْتَدَأْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لَا عَنْ دَفْعِ الأَذَى، وَلِهَذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ المُتَوَهَّمِ مِنْ وقال زفر: تجب قيمته إلا في الذئب (١)؛ لأن فعل الصيد هدر؛ إذ فعل العجماء صار بالحديث، فكان وجوده كعدمه في وجوب الجزاء، فما كان هدرًا في حق الضمان الواجب لحق العباد كالجمل الصائل، فكذا فيما يجب لله تعالى. ولنا: ما روينا من قوله: «يقتلُ المُحرمُ السَّبُعَ العادِي» (٢)، وقال عمر ﵁: «الضبع إذا عدا على المحرم يقتله، ولو قتله قبل أن يعدو عليه؛ فعليه شاة مُسنّة» (٣) وعنه: أنه يقتل ما خشي المحرم على نفسه، وروي أنه قتل سبعًا في الإحرام فأهدى كبشًا، وقال: «إنا ابتدأناه» (٤)، فلو قلنا بالضمان عليه؛ لم يكن لهذا التعليل فائدة. والاستدلال بالخمس الفواسق؛ فإنه لما جاز قتلهن لتوهم الأذى، وتحقق الأذى بالابتداء منه، حتى لو أمكنه دفعه بغير سلاح فقتله؛ فعليه الجزاء. ذكره الطحاوي (٥)، فصار كالضرب مع التأفيف، فلما صار قتله مأذونا بدلالة النص؛ لا يكون موجبًا للضمان، بخلاف ضمان العباد؛ فإنه وجب لحقهم، ولم يوجد الإذن عمن له الحق مطلقا حتى يسقط الضمان. وفي الإسبيجابي عن أبي يوسف: لا شيء في الجمل الصائل (٦)، وهو قول الشافعي، وبخلاف قتل القمل، وإن كان يؤذيه لا ضمان، بمعنى قضاء التفث بإزالة ما هو من بدنها، لا لأنها مؤذية؛ ألا ترى أنه لو قتل قملة وجدها على الطريق لا يجب عليه شيء، وبخلاف المحرم إذا كان مضطرا بقتل صيد؛ لأن

стр. 2312

الأَذَى كَمَا فِي الفَوَاسِقِ، فَلَأَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ المُتَحَقَّقِ مِنهُ أَوْلَى، وَمَعَ وُجُودِ الإِذْنِ مِنْ الشَّارِعِ لَا يَجِبُ الجَزَاءُ حَقًّا لَهُ، بِخِلَافِ الجَمَلِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إِذْنَ مِنْ صَاحِبِ الحَقِّ وَهُوَ العَبْدُ. (فَإِنْ أُضْطُرَّ المُحْرِمُ إِلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ)؛ لِأَنَّ الإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ عَلَى مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. الإذن هناك مقيد وليس مطلق، فإنه في حق المضطر ثبت بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى﴾ [البقرة ١٩٦]، وللإذن عند الأذى ثابت مطلقا، فلا يكون موجبًا للضمان كذا قرره شيخي، وإليه أشير في الأسرار أيضًا. وبخلاف الملتقط أيضًا فإنه مأذون بالتصدق شرعًا، ومع هذا لو جاء مالكها يضمن؛ لأن ذلك الإذن لم يثبت من مالكها، كما في مسألتنا. إليه أشير في الأسرار أيضًا (١). وهذا معنى قول المصنف: (لأنه لا إذن من صاحب الحق وهو العبد) ألزم العبد إذا صال بالسيف ليقتله، فقتله المصول عليه؛ حيث لا يضمن، مع أنه لم يوجد الإذن من مالكه؛ لأن العبد مضمون في الأصل، فإنه آدمي مكلف كالحر؛ ألا ترى لو ارتدَّ فأقرَّ بقتل آخر عمدًا، أو أقرّ بالقتل؛ يصير مباح الدم، حتى لو قتل سقطت ماليته تبعًا لضمان النفس، فكذلك هاهنا لما سقط ضمان الأصل لمبيح جاء من قبل صاحبه؛ سقط ضمان المالكية تبعًا. كذا في الأسرار. (على ما تلوناه من قبل)؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾، وإنما قيد بهذا؛ لأنه إذا اضطر إلى قتله عند صياله فقتله لا شيء عليه؛ لما ذكرنا أن الإذن هناك مطلق غير مقيد بالكفارة وهاهنا مقيد بها بالنص. ولو وجد صيدًا وميتة؛ يأكل الميتة (٢)، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤) والثوري.

стр. 2313

(وَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالبَقَرَةَ وَالبَعِيرَ وَالدَّجَاجَةَ وَالبَطَ الأَهْلِيَّ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِصُيُودٍ؛ لِعَدَمِ التَّوَحُشِ، وَالمُرَادُ بِالبَرِّ الَّذِي يَكُونُ فِي المَسَاكِنِ وَالحِيَاضِ؛ لِأَنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الخِلْقَةِ (وَلَوْ ذَبَحَ حَمَامًا مُسَرْوَلًا فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ) خِلَافًا لِمَالِكِ ﵀. لَهُ: أَنَّهُ أَلُوفٌ مُسْتَأنَسٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِجَنَاحَيْهِ لِبُطْءِ نُهُوضِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الحَمَامُ مُتَوَحِّشُ بِأَصْلِ الخِلْقَةِ مُمْتَنِعُ بِطَيَرَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَطِيءَ النُّهُوضِ، وَالِاسْتِثْنَاسُ عَارِضُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ. وقال أبو يوسف والشعبي: يأكل الصيد (١)، واختاره ابن المنذر (٢). وفي المبسوط والمحيط: فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يأكل منه ويؤدي الجزاء (٣). وفي الذخيرة: جعل الأول رواية الحسن عن أبي حنيفة (٤). وفي الخزانة عن ابن سماعة: الغصب أولى من الميتة، واختاره الطحاوي. وعند الكرخي: مخير (٥). قوله: (والبط الأهلي) وفي بعض نسخ القدوري: البط الكسكري، وهو المنسوب إلى كسكر ناحية من نواحي بغداد، والمراد الأهلي. الحمام المسرول -بفتح الواو: وهو ما في رجليه ريش، من سَرْوَلْتُهُ إِذا ألبسته سراويل فتسَرْوَلَ (٦)، وبقولنا: قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨). (والاستئناس عارض فلم يعتبر): فعلى هذا لو رمى إلى برج حمام فأصاب حمامًا فمات؛ ينبغي أن لا يحل واختلف فيه، فقيل: لا يحل.

стр. 2314

(وَكَذَا إِذَا قَتَلَ ظَبْيًا مُسْتَأَنَسًا)؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ فِي الأَصْلِ، فَلَا يُبْطِلُهُ الِاسْتِثْنَاسُ كَالبَعِيرِ إِذَا نَدَّ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الصَّيْدِ فِي الحُرْمَةِ عَلَى المُحْرِمِ. (وَإِذَا ذَبَحَ المُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ: يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ … ... … ... … ... … ... . وقيل: يحل، فإنه لا يدل على أنه ليس بصيد؛ لأن الحل بذكاة الاضطرار يتعلق بالعجز لا بكونه صيدا، ولم يكن في مبسوط شيخ الإسلام؛ ولهذا لو ند بعير أو ثور يحل بذكاة الاضطرار وليس بصيد. وكذا إذا قتل ظبيًا مستأنسًا؛ يجب الجزاء عند عامة العلماء، خلافًا لمالك (١)، كما ذكرنا في الحمامة المسرولة، ولا يحل أكلها، وكذا لو ذبحه الحلال في الحرم. ذكره في الإيضاح، وبه قال الشافعي في الصحيح (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). قال النواوي: لا خلاف فيه (٥). (لأنه)؛ أي: المحرم (عامل له)؛ أي: لغيره. وهذا التعليل يشير إلى أن اللام في (لغيره) يتعلق بقوله: (ذبحه)، وهكذا ذكر أيضًا في الإيضاح لا بقوله: يحل، ولكن ما ذكر في المبسوط يدل على أنه حلال لغيره، سواء ذبحه لأجل غيره، أو لأجل نفسه (٦). وفي وجيزهم وتتمتهم ما يدل على هذا؛ حيث قال: ما ذبحه المحرم بنفسه فأكله حرام عليه، وهل هو ميتة في حق غيره؟ ففيه قولان (٧)، في الجديد: يكون ميتة، وبه قال مالك (٨)، وأبو حنيفة (٩)؛ لأن ذبحه لا يفيد الحل كذبح المرتد.

стр. 2315

فَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إِلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ الزَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ، فَلَا يَكُونُ ذَكَاةٌ كَذَبِيحَةِ المَجُوسِيِّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ المَشْرُوعَ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَ المُمَيِّزِ بَيْنَ الدَّمِ وَاللَّحْمِ تَيْسِيرًا فَيَنْعَدِمُ بِالْعِدَامِهِ. وفي القديم: يحل لغيره؛ لأن المحرم من أهل الذكاة، بدليل أنه لو ذبح النعم حل أكله، فكان من أهل الذبح كالحلال، بخلاف المرتد. (وهذا)؛ أي: قتل المحرم الصيد فعل حرام؛ فلا يكون ذكاة، كذبيحة المجوسي والمرتد. فإن قيل: يشكل على هذا ذبح شاة الغير بغير أمره؛ فإنه حرام، ومع ذلك يحل تناولها. قلنا: النهي في معنى الذبح، ولم يصر الذبح حرامًا لعينه؛ بل لصيانة حق الغير؛ ولهذا يحل ذبحه بإذن المالك، فكان الذبح مشروعًا في نفسه، أما هاهنا نفس الفعل حرام لعينه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة ٩٥]. توضيحه: أنه تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة ٩٦] فقد وصف الصيد بالحرمة كما في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء ٢٣]، وهذا الوصف يدل على خروج المحل عن قبول الفعل الحلال شرعًا كالنكاح؛ وهذا لأن الفعل الحسي لا يتصور إلا بفاعل ومحل، وكذا الفعل الشرعي، فيكون الانعدام لعدم المحلية، كالانعدام لعدم الأهلية، كما في المجوسي. إليه أشير في الأسرار (١). (قام مقام المميز)؛ يعني: الذبح المشروع عرف سببًا للتمييز بين الدم المسفوح واللحم، وهو يفيد الحل بالنص، بخلاف القياس؛ لأن بالذبح خروج الدم النجس؛ ليتميز الخبيث من الطيّب وهو المحل، فإن الميتة حرام باعتبار الدم المسفوح باللحم، إلا أن الشرع أقام الذبح مقامه تيسيرًا؛ ولهذا لو ذبح ولم يسل الدم حل أكله، ولو ذبح المجوسي وسال الدم لم يحل أكله، فبقي ما لم يكن مشروعًا على أصل القياس. (فينعدم)؛ أي: الميز أو الحل (بانعدامه)؛ أي: الفعل المشروع وهو

стр. 2316

(فَإِنْ أَكَلَ المُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا أَكَلَ (*)، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ مَيْتَةٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِأَكْلِهَا إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَكَلَهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ حُرْمَتَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَيْتَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَحْظُورُ الذكاة؛ لما بينا أن الانعدام لعلة الحلية كالانعدام بعلة الأهلية، كما في المجوسي. قوله: (فإن أكل المحرم الذابح الصيد)؛ أي بعد ما أدى ضمانه، أما إذا لم يؤدّ ضمانه فأكل يدخل ضمان ما أكل في الجزاء. كذا ذكره التمرتاشي (١). وفي المبسوط: أوجب قيمة ما أكل، ولم يفصل بين ما إذا كان قبل أداء الصيد أو بعده، فدل هذا الوضع على أنه لا يضمن عنده قبل أداء الجزاء (٢). وقيل: إنه يضمن هاهنا، غير أنه يدخل في ضمان الكل. (وقالا: ليس عليه جزاء ما أكل) (٣) وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وأكثر أهل العلم (٧). قوله: (بأكلها)؛ أي بأكل الميتة إلا الاستغفار؛ لأنه معصية، وفي المعاصي يجب الاستغفار فقط، كما لو أكله مُحرم غيره، أو أكله حلال، أو أكل ذبيحة المجوسي، وكما لو ذبح الحلال صيد الحرم فأدى جزاءه ثم أكل منه، وكما لو كسر المحرم البيض، فإذا جزأه ثم شواه فأكله؛ حيث لا يلزمه شيء. كذا في المبسوط (٨). (ولأبي حنيفة: أن حرمته)؛ أي: حرمة الأكل (باعتبار كونه)؛ أي:

стр. 2317

إِحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ المَحَلِّيَّةِ، وَالذَّابِحَ عَنِ الْأَهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ، فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ بِهَذِهِ الوَسَائِطِ مُضَافَةٌ إِلَى إِحْرَامِهِ، بِخِلَافِ مُحْرِمِ آخَرَ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ إِحْرَامِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ المُحْرِمُ لَحْمَ صَيْدٍ اصْطَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ، إِذَا لَمْ يَدُلَّ المُحْرِمُ عَلَيْهِ، وَلَا أَمَرَهُ بِصَيْدِهِ) خِلَافًا لِمَالِكِ ﵀ فِيمَا إِذَا اصْطَادَهُ؛ لِأَجْلِ المُحْرِمِ. المذبوح بهذه الوسائط، وهي كونها ميتة، والأكل من محظورات إحرامه (١). وخروج الصيد عن المحلية والذابح عن الأهلية؛ يعني: إنما صار ميتة بحرمة قتله؛ وهي بسبب خروج الصيد عنها، والذابح عن الأهلية وكل ذلك بسبب إحرامه، فأسند حرمة تناول هذه الميتة إلى إحرامه بهذه الوسائط، فجاز إضافة حرمة الأكل إلى الإحرام؛ لأن الحكم كما يضاف إلى العلة يضاف إلى علة العلة، كما في شراء القريب، حتى قال الجصاص: لو أطعم كلابه منه يضمنه أيضًا؛ لإضافته إلى إحرامه. (بخلاف محرم آخر فإن تناوله ليس من محظورات إحرامه): وبخلاف الحلال في الحرم؛ لأن وجوب الجزاء هناك باعتبار الأمن الثابت بسبب الحرم، وذلك للصيد لا للحم، وبخلاف البيض؛ فإن وجوب الجزاء فيه باعتبار أنه أصل الصيد، وبعد الكسر ينعدم هذا المعنى. تقدر آخر: أن المقتول في حق القاتل كالحي؛ حتى لا يرث منه، وكالميت من وجه حتى يعتق أم ولده، وإن قتلت مولاها ففيما بُنِي أمره على الاحتياط جعلناه كالحي في حق القاتل وهو جزاء الإحرام فيلزمه بالتناول جزاء آخر. وأما جزاء صيد الحرم؛ فغير مبني عليه في الإيجاب؛ فلهذا اعتبرنا فيه معنى الحديث اللحمية فلا يوجب عليه الجزاء. كذا في المبسوط (٢). قوله: (خلافًا لمالك فيما إذا اصطاده لأجل المحرم) بأن نوى بقلبه أن هذا الاصطياد له، سواء أمره المحرم بذلك أو لا، وبه قال الشافعي (٣)،

стр. 2318

لَهُ: قَوْلُهُ ﷺ : «لَا بَأْسَ بِأَكْلِ المُحْرِمِ لَحْمَ صَيْدِ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ»، وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَذَاكَرُوا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ المُحْرِمِ، فَقَالَ ﷺ : «لَا بَأْسَ بِهِ» وَاللَّامُ فِيمَا رُوِيَ لَامُ تَمْلِيكِ، … ... … ... … ... … وأحمد (١)، وأبو ثور، فإنه ذكر في تتمتهم وغيره: فلو قصد اصطياده للمحرم لا يحل (٢). (أو يُصد له): وفي المبسوط: أنه ﵇ قال للمحرمين: «صيد البر حلال لكم إلا ما اصطدتموه أو صيد لكُم» (٣). (ولنا: ما روي): قال طلحة: تذاكرنا لحم الصيد، فارتفعت أصواتنا والنبي ﵇ في حجرته نائم، فخرج إلينا، فقال: «فيم كنتُم؟» فذكرنا ذلك لرسول الله، فقال ﵇: «لا بأس به» (٤). وروي أنه ﵇ مر بالروحاء مع أصحابه وهم محرمون، فرأى حمار وحش عقير وفيه سهم ثابت، فأراد الصحابة أخذه، فقال ﵇: «دعوه حتى يأتي صاحبه»، فجاء رجل وقال: هذه رميتي، فهو لك يا رسول الله، فأمر أبا بكر أن يقسم بين الرفاق. كذا في المبسوط (٥). قال الطحاوي: إن كان بأمره يحرم عليه عندنا أيضًا (٦). وقال أبو عبد الله الجرجاني: لا يحرم. قال القدوري: هذا غلط، واعتمد على رواية الطحاوي (٧). (واللام فيما روي؛ أي: مالك في قوله: (أو يصد له). لام تمليك)؛ فإنما يتناول ما يكون مملوكًا للمحرم صيدا، وما اصطاده الحلال لنفسه أو للمحرم لم يصر مملوكًا للمحرم، وإنما يصير مملوكًا له حين

стр. 2319

فَيُحْمَلُ عَلَى أَنْ يُهْدَى إِلَيْهِ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ، أَوْ مَعْنَاهُ: أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ شَرَطَ عَدَمَ الدَّلَالَةِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ مُحَرَّمَةٌ، قَالُوا: فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَوَجْهُ الحُرْمَةِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. (وَفِي صَيْدِ الحَرَمِ إِذَا ذَبَحَهُ الحَلَالُ … يهديه إليه بعد الذبح، وهو عند ذلك لحم لا صيد؛ فلهذا حلّ تناوله. كذا في المبسوط (١). وروي: (أو يصاد) بالرفع، فحينئذ لا تمسك له بهذه الرواية؛ لأنه يقتضي الحل إذا صار غيره لأجله؛ لأنه صار معطوفًا على الْمُغَيَّا لا الغاية، وظاهر العربية (أو يُصَدْ له) (٢). هكذا رواه في المصابيح وابن تيمية. ولكن في كتب الحديث مثل سنن أبي داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي: (أو يصاد) بالألف. قال النسائي: ويحيى بن معين هذا حديث ضعيف (٥). وقال الترمذي: منقطع، وعن مولانا حميد الدين: والصحيح عندي بالنصب. و (أو) هاهنا بمعنى إلى؛ أي: لا بأس إلى أن يصاد له، وحكم ما بين الغاية يخالف حكم ما قبلها، فيستقيم التمسك به حينئذ؛ لأنه صار تقديره: يحل للمحرم أكل لحم الصيود إذا لم يصد بنفسه حلا ممدودًا، إلى غاية اصطياد الغير لأجله. كذا في الخبازية. قوله: (قالوا فيه)؛ أي: في شرط عدم الدلالة لإباحة الأكل، أو كون الدلالة مُحرّمةً، وقد ذكرنا في باب الإحرام بقوله: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟ قوله: (الحلال): قيد بالحلال؛ لأن المحرم لو قتله تلزمه كفارة واحدة لأجل الإحرام، ولم يجب عليه شيء في جواب الاستحسان؛ لأن معنى تفويت

стр. 2320

قِيمَتُهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الفُقَرَاءِ)؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ اسْتَحَقَّ الأَمْنَ بِسَبَبِ الحَرَمِ. قَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (وَلَا يُجْزِئِهِ الصَّوْمُ)؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ وَلَيْسَتْ بِكَفَّارَةِ، الأمن إذا اعتبره مرة لإيجاب لضمان؛ لا يمكن اعتباره ثانيًا لإيجاب ضمان آخر، وإنما أوجبنا ضمان الإحرام؛ لأن فيه معنى الجزاء، وضمان الحرم يجب عوضا عن المحل لا غير، فكان ضمان الإحرام مشتملا على معنى ضمان الحرم، وضمان الحرم لا يشتمل على معنى ضمان الإحرام، فكان إيجاب ما هو مشتمل على المعنيين أولى؛ فلهذا أوجبنا ضمان الإحرام. كذا ذكره في الإيضاح (١). وقيل: إنما قيد به؛ لما أن على الحلال لا يجب الجزاء بقتل الصيد إلا في الحرم، فكان هو المختص بهذا المحرم. وفي المبسوط: ذبح الحلال صيد الحرم؛ فعليه قيمته عند العلماء، إلا على قول أصحاب الظاهر؛ فإنه لا شيء عليه عندهم، ولا اعتبار لهذا القول؛ لأنه مخالف الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ويقال في اللغة: أحرم إذا دخل في الحرم (٢). وأما الحديث: فما روي عن ابن عباس أنه ﵇ قال: «إنَّ مكة حرام، حرمها الله تعالى يومَ خِلقَ السموات والأرض، لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلَّت لي ساعةً من النهار، لا يُختلى خلالها ولا يُعضد شوكها ولا يُنفّر صيدها»، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر لصناعتنا وقبورنا وبيوتنا، فقال ﵇: «إلا الإذخر». رواه البخاري (٣). فإذا حرم التنفير فالقتل الأولى، والاختلاء: القطع، والخلاء: الرطب من المرعى، وبالمد: المكان الخالي، والحشيش: هو اليابس من الكلا، والعضد: القطع من حد ضرب، وعضده ضرب عضده من حد دخل.

стр. 2321

فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الأَمْوَالِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَفْوِيتِ وَصْفٍ فِي المَحَلِّ، وَهُوَ الْأَمْنُ، وَالوَاجِبُ عَلَى المُحْرِمِ بِطَرِيقِ الكَفَّارَةِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الحُرْمَةَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى فِيهِ وَهُوَ إِحْرَامُهُ، وَالصَّوْمُ يَصْلُحُ جَزَاءَ الأَفْعَالِ لَا ضَمَانَ المَحَالٌ. (لأنه)؛ أي: وجوب الضمان. (وصف في المحل)؛ وهو كونه صيد الحرم المستحق للأمن، فيكون بدل المحل؛ ولهذا لو اشترك حلالان في قتله؛ يجب عليهما ضمان واحد، بخلاف المحرمان؛ فإنه يجب على كل واحد قيمة واحدة؛ لما أنه جزاء الفعل. (لأنها غرامة) (١)؛ أي: وجوب الضمان غرامة. وفي بعض النسخ: لأنها؛ أي: القيمة. فإن قيل: لو غرامة، ينبغي أن يجب على الصبي والمجنون والكافر، كما في أموال الناس، وقد نص في الإيضاح على أنه لا يجب عليهم (٢). قلنا: وإن كان ضمان المحل؛ لكن فيه معنى الجزاء أيضًا، حتى لو أخذ حلال صيد الحرم فقتله في يده حلال آخر؛ فعلى كل واحد جزاء؛ لما أن كل واحد متلف بجهة: أحدهما بالأخذ، والآخر بالقتل، والأخذ المفوّت للأمن كالاستهلاك، ثم يرجع الأخذ على القاتل بما ضمن بالاتفاق. كذا في الإيضاح (٣). (فأشبه ضمان الأموال): فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يؤدي في ضمن جزاء الإحرام فيما إذا قتل المحرم صيد الحرم؛ كما لا يؤدي ضمان حق العبد في ضمن الجزاء فيمن قتل صيدًا مملوكًا في الحرم. قلنا: حرمة الحرم دخلت في حرمة الإحرام فيما نحن فيه؛ لأنها لإثبات الأمن للصيد، وكذا حرمة الإحرام، فكان الضمان الله تعالى في الحرمتين، فيجعل أحدهما تبعًا للآخر، بخلاف صيد المملوك؛ لأن ما يجب بإزاء الفعل

стр. 2322

وَقَالَ زُفَرُ: يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ اعْتِبَارًا بِمَا وَجَبَ عَلَى المُحْرِمِ، وَالفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَهَلْ حق الله تعالى فصار في حقه، كأن الضمان لم يستوف. كذا في الأسرار (١). وقال زفر: يجزئه الصوم (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)؛ لأن الواجب هنا كفارة كالواجب على المحرم؛ لأن الوجوب تمحض حق الله تعالى، فيكون الواجب جزاء الفعل بطريق الكفارة؛ بمنزلة ما يجب على المحرم، فكما أن ذلك يتأدى بالصوم إذا لم يجد المال، فكذا هذا. وعند الشافعي: معنى الغرامة والمقابلة يغلب على الفعلين (٦)؛ لأن الواجب مثل المتلف في الوجهين جميعًا بالنص، إما من جهة الصورة أو من جهة المعنى وهو القيمة، ومثل الشيء إنما يجب في الأصل ليقوم مقامه، فكان جانب المحل مراعى في الفعلين جميعًا، وقد ثبت في حق المحرم أن الواجب يتأدى بالصوم بالنص، فكذا في صيد الحرم. وقال صاحب المختلف: لا يجوز الصوم بالإجماع، وأطلق جواز الهدي، ويجوز أن يكون عن زفر روايتان، ولكن الصحيح هو الخلاف، كما ذكر صاحب الهداية. كذا في شرح المجمع. وقلنا: الواجب على المحرم بطريق الكفارة، والمعتبر فيه معنى جزاء الفعل؛ لأنه لا حرمة في المحل، وإنما المحرم في المباشر وهو إحرامه؛ ألا ترى أن بعد ما حلّ من إحرامه يحل له الاصطياد، وإن لم يتبدل وصف المحل، وجزاء الفعل يجب بطريق الكفارة. فأما في صيد الحرم وجوب الجزاء باعتبار وصف في المحل، وهو صفة الأمن الثابت للصيد بسبب الحرم؛ ولهذا يتغير هذا الحكم بتغير وصف المحل بخروجه إلى المحل؛ ولهذا كما يجب الجزاء بسبب صيد الحرم يجب ضمان

стр. 2323

يُجْزِئُهِ الهَدْي؟ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. (وَمَنْ دَخَلَ الحَرَمَ بِصَيْدٍ … الباقي من الأشجار في الحرم؛ لما فيها من حياة مثلها، وثبوت الأمن لها بسبب الحرم، وما يجب بقلع الأشجار يكون غرم المحل، فكذا ما يجب بقتل الصيد الحرم، فكان لغرامات الأموال أشبه، ولا مدخل للصوم فيها، وإن كان وجوبها لحق الله تعالى، كإتلاف مال الزكاة والعشر، فكذا لا مدخل للصوم فيه؛ بحقيقة أنه لما زال الأمن من محل أمن لحق الله تعالى؛ يلزمه بمقابلته صفة الأمن عن الجوع للمكسين حقا الله تعالى، وذلك يحصل بالطعام دون الصيام. فأما في صيد الإحرام لما كان الواجب لارتكابه فعلا محرمًا حقا الله تعالى؛ يتأدى بفعل هو قربة حقا الله تعالى وهو الصيام. كذا في المبسوط. (ففيه روايتان)؛ في رواية: يجزئه (١)، وبه قال زفر (٢)، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، حتى لو سرق بعد الذبح لا شيء عليه، ويشترط أن تكون قيمته عندنا مثل قيمة الصيد؛ لأن الهدي مال يجعله الله تعالى، وللإراقة طريق صالح لجعل المال الله تعالى خالصا بمنزلة التصدق. وفي رواية: لا يجزئه؛ بل يتأدى الواجب به باللحم، حتى لو سرق المذبوح لا يتأدى الواجب، ويشترط أن تكون قيمة اللحم بعد الذبح مثل قيمة الصيد؛ لأنه لا مدخل للإراقة في الغرامات، وإنما المعتبر فيه التمليك من المحتاج، وذلك يحصل باللحم. كذا في المبسوط (٦). قوله: (ومن دخل الحرم بصيد)؛ أي: دخله وهو حلال، حتى يظهر خلاف الشافعي؛ لأن وجوب الإرسال بمجرد الإحرام بالاتفاق.

стр. 2324

فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ فِيهِ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ) خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: حَقُّ الشَّرْعِ لَا يَظْهَرُ فِي مَمْلُوكِ العَبْدِ لِحَاجَةِ العَبْدِ. وَلَنَا: أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ فِي الحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، إِذْ صَارَ هُوَ مِنْ صَيْدِ الحَرَمِ، فَاسْتَحَقَّ الأَمْنَ لِمَا رَوَيْنَا: (فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ البَيْعَ فِيهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا)؛ لِأَنَّ البَيْعَ لَمْ يَجُزْ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ (وَإِنْ كَانَ فَائِتًا فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ)؛ لِأَنَّهُ تَعَرُّضُ لِلصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ قال الشافعي (١)، ومالك (٢): يمسكه ويذبحه، ويتصرف فيه كيف شاء. وعند علمائنا (٣)، وأحمد (٤): لا يمسكه ولا يذبحه، حتى لو ذبحه يلزمه الجزاء، كما في صيد الحرم. (فإنه)؛ أي: الشافعي (يقول): حق الشرع وهو الأمن بسبب الحرم يثبت في المباح دون المملوك؛ لحاجة العبد كالأشجار المملوكة في الحرم؛ حيث لا تثبت فيها الحرمة بالإجماع. وقلنا: في حق الصيد لحرمة الإحرام، فكما أن الحرمة بسبب الإحرام تثبت في حق الصيد المملوك حتى يجب إرساله، فكذلك الحرمة بسبب الحرم. كذا في المبسوط. (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «لا يُنفَرُ صيدها» (٥) بخلاف الأشجار؛ لأن ما ينبته الناس ليس بمحل لحرمة الحرم أصلا، بمنزلة الأهلي من الحيوانات كالإبل والبقر والغنم. فأما الصيد مملوكًا كان أو غير مملوك؛ فمحل الثبوت من الأمن له بسبب الحرم. كذا في المبسوط (٦). ولأنه تعالى قال: ﴿حَرَمًا آمِنَا﴾، والأمن لا يختص بالمملوك وغيره.

стр. 2325

الأَمْنِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ (وَكَذَلِكَ بَيْعُ المُحْرِمِ الصَّيْدَ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ) لِمَا قُلْنَا. (وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ صَيْدٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَرِّضُ لِلصَّيْدِ بِإِمْسَاكِهِ فِي مِلْكِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ. وَلَنَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يُحْرِمُونَ وَفِي بُيُوتِهِمْ صُيُودٌ (لما قلنا)؛ وهو أن البيع لم يجز؛ لما فيه من التعرض للصيد. قوله: (أو في قفص معه) ولفظ الجامع للصدر الشهيد وغيره: (ومعه قفص فيه صيد)، يحتمل أنه أراد: أنه معه في يده، أو مع خادمه، أو في رحله. لقائل أن يقول: لو كان في يده ينبغي أن يرسله؛ لأن القفص متى كان في يده، كان الطير في يده، كما أنه يصير غاصباً بغصب القفص. ولقائل أن يقول: لا يكون في يده، كما لو حمل الجنب مصحفاً وغلافه معه لم يكره. كذا ذكره الفقيه أبو جعفر. وإنما وضع في البيت أو في القفص إذا ما في يد المحرم يجب إرساله إجماعاً. وفي مجموع شيخ الإسلام: وفائدة الخلاف: في صيد بات في بيته بعد الإحرام يضمن عنده، وعندنا: لا يضمن، ولو كان في بيته صيد اصطاده في الإحرام يلزمه الإرسال بالإجماع (١). وعن أبي بكر الأعمش: لا يلزمه الإرسال، سواء كان القفص في يده فعليه إرساله على وجه لا يضيع، فإن إرسال الصيد ليس بمندوب كتسيب الدابة؛ بل هو حرام، إلا أن يرسله للعلف أو يتيح للناس أخذه. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وللشافعي فيه قولان (٣): أصحهما: يلزمه إرساله بأن يبعث إلى أهله ويقول: إني أحرمت يوم كذا، فأرسلوا ما في بيتي من الصيود، وهو رواية عن مالك (٤).

стр. 2326

وَدَوَاجِنُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إِرْسَالُهَا، وَبِذَلِكَ جَرَت العَادَةُ الفَاشِيَةُ، … وفي قول: لا يلزمه كما لا يلزم تسريح زوجته، وهو قولنا (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣). ثم على مذهبه في هذه المسألة والتي تلي بعدها، تفصيل وتفريع يحسن التنبيه عليه، وذاك أنه تقدم ابتداء البدء على الإحرام، بأن كان في يده صيد مملوك؛ لزمه إرساله على أحد قوليه، والثاني: لا يلزمه. وقيل: لا يلزمه مطلقا؛ بل يستحب، فعلى هذا هو على ملكه يبيعه ويهبه، لكن لا يقتله، فإن قتله لزمه الجزاء، كما لو قتله عبده تلزمه الكفارة. ولو أرسله غيره أو قتله؛ لزمه قيمته للمالك، وعلى تقدير وجوب الإرسال يزول ملكه عنه في أظهر قوليه، حتى لو قتله أو أرسله غيره لا شيء عليه، ولو أرسله المحرم فأخذه غيره ملكه، ولو لم يرسله حتى تحلل؛ لزمه إرساله على الصحيح المنصوص. وحكى إمام الحرمين على هذا القول وجهين (٤)، في أنه يزول ملكه بنفس الإحرام، أم الإحرام يوجب عليه الإرسال، فإذا أرسله زال ملكه حينئذ، وأولهما أشبه بكلام الجمهور. وفي قول: لا يزول ملكه، فعلى هذا ليس لغيره أخذه، فلو أخذه لم يملكه، ولو قتله ضمنه، وعلى القولين: لو مات الصيد قبل إمكان الإرسال وجب الجزاء على الأصح، ولا يجب تقديمه على الإحرام بلا خلاف. ولو مات بعد إمكانه لزمه الجزاء، إلا أنهما مفرّعان على وجوب الإرسال، وهو مقصر بالإمساك. كذا في كتبهم. قوله: (ودواجن): جمع داجن؛ وهو ما يألف البيت من الطير والظبي. (جرت العادة الفاشية) والفشوّ: الظهور، يعني: العادة المستمرة

стр. 2327

وَهِيَ مِنْ إِحْدَى الحُجَجِ؛ وَلِأَنَّ الوَاجِبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضِ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالبَيْتِ وَالقَفَصِ لَا بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ فِي مَفَازَةٍ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ المِلْكِ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ القَفَصُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهِ لَا يَضِيعُ. قَالَ: (فَإِنْ أَصَابَ حَلَالٌ صَيْدًا، ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ، يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ) (*)؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ … ... .. المشهورة؛ ألا ترى أنه يحرم الرجل وله بيت حمام لا يجب إرسالها. كذا في جامع قاضي خان (وهي)؛ أي: العادة (من إحدى الحُحَج)؛ لأنه بمنزلة الإجماع القولي. (فلا معتبر ببقاء الملك: ينبغي أن يجب الجزاء، أرسل أو لم يرسل، ولا يقول به أحد، فإن أرسله لا ينعدم ملكه على وجه لا يضيع، بأن يخليه في بيته أو أودعه عند حلال، وهذا لأنه ملكه ملكًا محترما، بدليل أنه لو أرسله وأخذه غيره؛ له أن يأخذه منه، فلم يكن مأمورًا بإبطال ملكه ملكًا محترما، بخلاف ما لو أخذه حالة الإحرام؛ حيث لا يملكه، حتى لو أخذه غيره بعد إرساله لا يسترده منه، وهذا الفقه وهو أن الأخذ حالة الإحرام يوجب الإرسال، على وجه يعود الأمن الذي استحقه الصيد بالإحرام، وبالإمساك في بيته لا يعود ذلك الأمن، بخلاف المأخوذ من قتل الإحرام؛ فإنه لا يستحق حالة الأخذ، وإنما يستحق ترك التعرض بالإحرام، وذلك يحصل بإزالة اليد الحقيقية دون ملك الرقبة، فيستحق إزالة اليد لا لإزالة الملك. قوله: (فأرسله من يده غيره): أي: نزعه يده مني، وتركه حتى فر، بحيث لا يقدر أن يأخذه من غير حيلة. كذا في الإسرار (١)، والمبسوط. ويضمن عند أبي حنيفة) (٢) وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، وقد مر الكلام

стр. 2328

آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاءٍ عَنِ المُنْكَرِ وَ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل﴾ [التوبة: ٩١] وَلَهُ: أَنَّهُ مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا مُحْتَرَمًا، فَلَا يَبْطُلُ احْتِرَامُهُ بِإِحْرَامِهِ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ فَيَضْمَنُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخَذَهُ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكُهُ. وَالوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ، وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ عَنْهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَنَظِيرُهُ الِاخْتِلَافُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ. في تفصيل مذهب الشافعي (١). (آمر بالمعروف)؛ لأن الإرسال واجب عليه. (ناه عن المنكر)؛ لأن الإمساك حرام عليه، فكان مقيما للخسة؛ فلا يكون ضامنا، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة ٩١]، وكما لو أصابه محرم فأرسله من يده غيره؛ فإنه لا يضمن بالاتفاق. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة (أنه)؛ أي: الحلال. (ملك الصيد ملكا محترما)؛ أي: معصومًا، احترز به عن المحرم، فإنه لو أخذ الصيد لا يملكه، فلا يبطل احترامه، كما في سائر أمواله، فيضمن بالإتلاف. قوله: (إنه آمر بالمعروف) ليس كذلك؛ لأن أثر الإحرام في حرمة التعرض لا في إبطال الملك؛ ولهذا لو كان له صيد في بيته لا يلزمه الإرسال، ورفع اليد عن الصيد ممكن بدون إبطال الملك، فإذا أبطل ملكه ضمن. وهذه المسألة ومسألة كسر المعازف سواء، بخلاف ما لو أخذه وهو محرم؛ لأنه مُحرَّمُ العين على المُحرِم، فلا يملكه بالأخذ، كالمسلم اشترى خمرا؛ ولهذا لو أخذ محرم ثم أرسله، ثم حلّ من إحرامه ثم وجده في يد غيره؛ لا سبيل له عليه، ولو أخذه وهو حلال ثم أحرم فأرسله، ثم حل فوجده في يد غيره؛ كان له أن يأخذه كذا في جامع قاضي خان، فعلى كل واحد منهما جزاؤه كاملا. وللشافعي فيه وجهان (٢)، أحدهما: أن الجزاء على القاتل؛ لأنه مباشر

стр. 2329

(وَإِنْ أَصَابَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالاتِّفَاقِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكُهُ بِالأَخْذِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ فِي حَقِّ المُحْرِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما﴾ [المائدة: ٩٦] فَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَى الخَمْرَ (فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فِي يَدِهِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاؤُهُ)؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَرِّضُ لِلصَّيْدِ الآمِنِ، وَالقَاتِلَ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ، وَالتَّقْرِيرُ كَالِابْتِدَاءِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ، كَشُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إِذَا رَجَعُوا (وَيَرْجِعُ الآخِذُ عَلَى القَاتِلِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الآخِذَ مُؤَاخَذْ بِصُنْعِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ. والممسك مسبب، ويتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب. والثاني: أن الجزاء عليهما؛ لأنه وجده في حق كل واحد سبب الضمان، ولكن اختلف أصحابه: قيل: الجزاء بينهما نصفان، وليس هذا بصحيح؛ لأن الضمان لا ينقسم على المباشر والمسبب. وقيل: يجب على كل ضمان كامل؛ لأن لوجود كمال سبب الضمان في حقهما، إلا أن الممسك إذا أخرج الضمان يرجع به على القاتل، وصار كما لو جاء إنسان وأتلف المغصوب؛ فيجوز للمالك تضمين كل واحد منهما، إلا إذا ضمن الغاصب يرجع على المتلف. كذا في تتمتهم (١). قوله: (والقاتل مقرر لذلك)؛ أي: التعرض الموجب لتفويت الأمن. قوله: (لأن الآخذ مُؤَاخَذْ بصنعه)؛ وهو تعرضه للصيد الآمن، يعني: ما أداه كل واحد مختص به؛ لأنه كفارة فعله، وهي مشتملة على معنى الستر والزجر، فامتنع الرجوع بجزاء ما هو مختص به على غيره؛ لأنه يستلزم تنزيل الراجع منزلة المالك بواسطة الضمان، والصيد غير قابل للملك في حق المحرم، فلا يرجع إلى أداء الضمان؛ كمسلم غصب خنزير ذمي فأتلفه من يده آخر، فأخذ الذمي من الغاصب؛ لم يرجع الغاصب على المتلف بشيء، كذا ها هنا.

стр. 2330

وَلَنَا: أَنَّ الْآخِذَ إِنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ اتِّصَالِ الهَلَاكِ بِهِ، فَهُوَ بِالقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةٌ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ العِلَّةِ، فَيُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ. ولنا: أن الصائد بأداء الضمان منزل منزلة المالك في بدل الصيد، وإن لم يمكن تنزيله مالكا للعين، كمن غصب مدبرًا فغصب آخر منه، فأخذ المولى الضمان من الأول؛ فإنه يرجع على الثاني، وينزل منزلة المالك في استحقاقه بدله؛ لتعذر استحقاق عينه، وكون المؤدى جزاء الفعلة لا ينافي معنى البدلية فيه؛ ألا ترى أنه يزيد بزيادة القيمة وينقص بنقصانها، فوجب اعتباره؛ لأنه لا تعارض بين المعنيين، فإن اعتبار البدلية لا يخل بمعنى كونه جزاء بخلاف ما قاس عليه؛ لأن الإسلام ينافي تقوم الخنزير في حق المسلم، فلو نزل منزلة المالك بأداء الضمان؛ لم يجب له ضمان لسقوط ماليته في حقه، أما الإحرام فلا ينافي تقوم الصيد؛ بسبب مالية الأعيان باعتبار معانيها وتعلق المصالح بها، وتقومها بحسب الرغبة فيها، وتقوم الصيد وماليته لا تظهر إن قبل الاستيلاء عليه؛ لعدم الإحراز، فإذا أحرز ظهر، أو للإحرام لا يسقطهما، وإنما موجبه إزالة اليد عنه تحقيقا لما استحقه من الأمن؛ ألا ترى أنه لو كان في يد المحرم صيد هو له؛ يجب عليه إرساله، ولو قتله آخر في يده ضمنه؛ وذلك لقيام التقوم والمالية، فأمكن تنزيله منزلة المالك في حق هذا البدل، إذا تعذر أن يقام مالكا لعينه، وهذا التقدير يصلح جوابًا لسؤال ذكر في الأسرار والمبسوط بقوله (١). فإن قيل: ليس الأخذ في الصيد ملك ولا يد محترمة، فكيف يرجع على القائل: والضمان يجب بأحد هذين الأمرين. قلنا: يده على الصيد معتبرة لحق الآخذ؛ لأنه يتمكن من إرساله وإسقاط الجزاء به عن نفسه، فالقاتل صار مُفوّتًا هذا اليد فيضمن إن لم يملكه الآخذ، كغاصب المُدَبَّر إذا قتله إنسان في يده فأدى الغاصب ضمانه؛ يرجع على القاتل بقيمته كما لو ملكه، وإن كان المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك عند اتصال الهلاك به بالآخذ؛ لأنه يتمكن من إرساله كما بينا. (فهو)؛ أي: الآخر بالقتل جعل فعل الآخذ عليه للضمان؛ ولهذا لو قتله

стр. 2331

(فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الحَرَمِ أَوْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ مجنون أو صبي، أو نصراني أو مجوسي؛ فلا ضمان عليهم، ويرجع الآخر بقيمته عليهم. ذكره في المحيط (١). وفي المشهور من مذهب الشافعي: يجب على الكافر جزاء صيد الحرم (٢). قوله: (وهو مما لا ينبته الناس)؛ لأنه إذا كان مما أنبته الناس لا يقال له حشيش الحرم ولا شجر الحرم؛ لأن المحرم هو المنسوب إلى الحرم بالحديث، ولا يكمل النسبة إلى الحرم إلا بقطعها من غيرها، فأما ما أنبته الناس ملكه فلا تكمل النسبة، وكذلك التحق ما يقصد إنباته بما أنبته الناس عادة، فيكون في التقدير كأنه أنبته الناس، فلم يكن منسوبًا إلى الحرم تقديرًا وحكمًا، وهذا قول المصنف؛ لأن حرمتهما بسبب الحرم، ولأن الناس يزرعون ويحصدون من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير. ويشترط النماء فيما يقطع؛ لأن الجاف منه ميت، واستحقاق الأمن عن القطع باعتبار النمو والزيادة، وكذا يشترط أن لا يكون منكسرًا لا ينمو ولا يزداد، والحرمة باعتباره، ولأن الناس يسمونه حطبًا لا شجرًا؛ فعليه قيمته. قال الشافعي في القديم (٣)، ومالك (٤)، وداود (٥): لا جزاء في قطع شجر الحرم كما في قطع شجر الحل. وقال في الجديد: يلزمه الجزاء (٦)، وبه قال مالك (٧)، وأحمد، لكن الجزاء عنده في الدوحة وهي الشجرة العظيمة (٨)؛ لأنه روي عن ابن الزبير وابن عباس هكذا.

стр. 2332

فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، إِلَّا فِيمَا جَفَّ مِنهُ)؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُمَا ثَبَتَتْ بِسَبَبِ الحَرَمِ، قَالَ ﵊: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» وَلَا يَكُونُ لِلصَّوْمِ فِي هَذِهِ القِيمَةِ مَدْخَلٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا بِسَبَبِ الحَرَمِ لَا بِسَبَبِ الإِحْرَامِ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ المَحَالٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَإِذَا أَدَّاهَا مَلَكَهُ كَمَا فِي حُقُوقِ العِبَادِ، وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ بَعْدَ القَطْعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ شَرْعًا، فَلَوْ أُطْلِقَ لَهُ فِي بَيْعِهِ لَتَطَرَّقَ النَّاسُ إِلَى مِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ البَيْعُ مَعَ الكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ، … وعندنا في الكل القيمة؛ لأن عمر ﵁ قطع دوحة كانت في موضع الطواف تؤذي الطائفين، وتصدق بقيمتها (١)، وذلك بمحضر من الصحابة، فحلّ محلّ الإجماع. ولأن حرمة أشجار الحرم كحرمة صيد الحرم، فإن صيده يأوي إلى أشجار الحرم، ويستظل بظلها، ويتخذ الوكر على أغصانها، فكما تجب القيمة في الصيد فكذا في الشجر. كذا في المسبوط (٢). والمراد التقدير بحسب القيمة على ما بينا، وهو قوله: لأنها غرامة وليست بكفارة. وفي المبسوط: لا يجزئ فيه الصيام، وإنما يهدي أو يطعم على ما بينا في صيد الحرم في حق الحلال، ولا أحب أن ينتفع بالشجرة المضمونة وإن ملكها بالضمان كما في حقوق العباد؛ لأنه لو أبيح لتطرق الناس إلى مثله، فلا تبقى أشجار الحرم، وفي ذلك إيحاش صيد الحرم، ولكنه لو انتفع به لا شيء عليه؛ لأنه ملكه بالضمان، كما لو ذبح صيد الحرم وأدى الجزاء ثم تناوله؛ لا يلزم شيء، فهذا مثله. كذا في المبسوط (٣). وفي المنتقى: لا بأس لغير القاطع من محرم أو حلال الانتفاع به. (بخلاف الصيد)؛ أي: لا يجوز بيع صيد اصطياد المحرم (٤).

стр. 2333

وَالفَرْقُ مَا نَذْكُرُهُ، وَالَّذِي يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً عَرَفْنَاهُ غَيْرَ مُسْتَحَقِّ لِلْأَمْنِ بِالإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ المُحْرِمَ المَنْسُوبَ إِلَى الحَرَمِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ عَلَى الكَمَالِ عِنْدَ عَدَمِ النِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ بِالإِنْبَاتِ. وَمَا لَا يَنْبُتُ عَادَةً إِذَا أَنْبَتَهُ إِنْسَانُ التَحَقَ بِمَا يَنْبُتُ عَادَةً. وَلَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَعَلَى قَاطِعِهِ قِيمَتَانِ: قِيمَةٌ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ حَقًّا لِلشَّرْعِ، وَقِيمَةٌ أُخْرَى ضَمَانًا لِمَالِكِهِ، كَالصَّيْدِ المَمْلُوكِ فِي الحَرَمِ، وَمَا جَفَّ مِنْ قوله: (والفرق ما نذكره)؛ وهو أن بيعه حيًّا تعرض للصيد، إلى آخره. قوله: (ولو نبت بنفسه)؛ أي: الشجر، أو ما لا ينبته الناس عادة. فإن قيل: الحشيش إذا نبت بنفسه في غير الحرم لا يملكه صاحب الأرض، فكيف يضمن في الحرم، وما لا ينبته الناس عام يتناوله، ولو كان المراد الشجر أو غيره؛ ينبغي أن لا يضمن؛ لأن الانتساب إلى مالكه يوجب نقصانا في انتسابه إلى الحرم، كما لا ينبت عادة إذا أنبته إنسان. قلنا: لا نسلم عود الضمير إلى الحشيش؛ بل إلى الشجر، والمراد بما لا ينبته الناس عادة الشجر، ولئن سلمنا العموم، فالفرق بين حشيش الحرم وغيره؛ أن الحشيش في أراضينا ينبت مباحًا غير مضمون بالتعرض، فلم يكن المالك أولى، بخلاف حشيش الحرم؛ فإنه ينبت مضمونًا عن التعرض، فيكون المالك أولى به من غيره. وأما الانتساب إلى المالك بالملك لا ينافي كونه نبات الحرم، كالصيد المملوك في الحرم، وإضافة النبات إليه ينتقص بالإنبات لا بالملك. كذا في الخبازية؛ لأنه ليس بتام؛ لأن ثبوت الحرمة بسبب الحرم لما يكون ناميا فيه. فإن قيل: قوله ﵇: «لَا تُختَلَى خَلَاها» (١) عام أو مطلق. قلنا: في أخذ ما جف زينة الحرم؛ لأنه إذا قطع ما جف نبت مكانه أخضر، فكان كهدم المسجد للبناء بأحسن من ذلك؛ ألا ترى أن الشوكة التي تنبت في المقابر لا يحل قطعها ما دامت خضراء؛ لأنها تُسَبِّحُ، وبعد ما جفت

стр. 2334

شَجَرِ الحَرَمِ لَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَامٍ. (وَلَا يُرْعَى حَشِيشُ الحَرَمِ، وَلَا يُقْطَعُ إِلَّا الإِذْخِرَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِالرَّعْيِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّ مَنْعَ الدَّوَابٌ عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا: مَا رَوَيْنَا، وَالقَطْعُ بِالمَشَافِرِ كَالقَطْعِ بِالمَنَاجِلِ، وَحَمْلُ الحَشِيشِ مِنْ الحِلِّ مُمْكِنٌ فَلَا ضَرُورَةَ، بِخِلَافِ جاز قطعها، ولأنه لو وجب الضمان فيه؛ لتضرر أهل الحرم في إيقاد النار، ولأن ما جف بمنزلة الميت من صيد الحرم. كذا في الخبازية (١). وقال أبو يوسف: لا بأس بالرعي (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، أما لا يقطع الحشيش على قول الشافعي، ولو قطعه فعليه الجزاء (٥)، خلافًا لمالك (٦). وعند أحمد: لا يجوز رعيه وقطعه (٧)، كمذهبنا. ولو قطع الحشيش ليعلف البهائم؛ فعنده لا يجوز في وجه، كمذهبنا، وأحمد؛ لعموم قوله ﵇: «لا يُختَلَى خَلاها» (٨)، والأظهر: الجواز عنده، كما لو رعاها فيه للضرورة، وبه قال ابن أبي ليلى، ولأن الهدايا كانت تساق في عصر النبي ﷺ وأصحابه، وما كانت تسد أفواهها، وما نقل عن أحد أنه ينقله من الحل إلى الحرم. قوله: (بالمشافر) من شفير البعير: شفته. قوله: (المناجل) جمع المنجل. قوله: (وحمل الحشيش) إلى آخره؛ جواب عما قال أبو يوسف إن فيه ضرورة؛ يعني: ليس فيه ضرورة؛ لأن الحمل ممكن، وإنما تعتبر البلوى والضرورة فيما فيه نص بخلافه، فأما مع وجود النص لا معتبر به. كذا في

стр. 2335

الإِذْخِرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ وَرَعْيُهُ، وَبِخِلَافِ الكَمْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ النَّبَاتِ. المبسوط (١). (لأنه)؛ أي: الإذخر، وهو نبت. ذكره في الصحاح (٢). وفي المغرب: نبات كهيئة الكولان والكولان نبت يلقى في المساجد (٣). وقيل: الإذخر كأنه مكي. قوله: (لأنها)؛ أي: الكمأة ليست من النبات؛ بل هي مودعة؛ لأنها تنبت من ماء السماء لا من الأرض، والنبات ينبت من الأرض وما بها. كذا في الكافي (٤)، وبقولنا: قال الشافعي (٥)، وأحمد (٦). فإن قيل: النص عام وقد خص منه الإذخر بالنص أو الإجماع، فلم لا يجوز تخصيصه بغير الرعي والضرورة. قلنا: الإذخر خص بالاستثناء المتصل بالنص، والكمأة ليست بداخله، فلا يجوز تخصيصه بالضرورة، مع أنا بينا عدم الضرورة. فإن قيل: شرط الاستثناء الاتصال. قلنا: إنه تخصيص يعقبه الاستثناء، والتخصيص المتراخي يجوز عند بعض أصحابنا. كذا قيل. وفي المبسوط، والبدائع: تأويل الحديث: أنه ﵇ كان من قصده فيه الاستثناء، فسبقه العباس إليه، أو كان أوحي إليه ﵇ أنه يرخص فيما سبقه العباس، أو أنه ﵇ عمَّمه، فجاء جبريل ﵇ بالرخصة فقال: «إلا الإذخر» (٧).

стр. 2336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم لا بأس بأخذ أحجار الحرم وترابه ونقلهما، وكلما يجوز الانتفاع به في الحرم يجوز إخراجه منه (١). وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣): يكره إخراج حجره وترابه؛ لأنه روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كرها ذلك (٤)، ولا يجوز قطع ستر الكعبة ونقله وبيعه وشراؤه بالإجماع، أما لو سقط من الأستار شيء يُصرف إلى الفقراء، ثم لا بأس بأن يشتري منه. ويجوز إخراج ماء زمزم ونقله إلى البلاد بالإجماع، فإنه صح عن عائشة أنها كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أن النبي ﷺ كان يفعله (٥)، وحمله النبي ﵇ في القرب، ويصب ماء زمزم على المرضى ويسقيهم. وفي الإيضاح: المعتبر أصل الشجر لا فرعها، حتى لو كان الأصل في الحرم فهو من شجر الحرم، وإن كان في الحل فهو من شجر الحل، ولا عبرة لفروعها؛ لأن قيامها بالأصل، فإن كان بعض الأصل في الحل وبعضه في الحرم؛ لم يجز أخذه تغليبًا للحرمة، ولو رمى طائرًا على غصن؛ فالمعتبر مكان الصيد لا أصل الشجر، والمعتبر فيه قوائمه لا رأسه؛ لأن قوامه بالقوائم، ولو كان بعضها في الحل وبعضها في الحرم؛ رجحنا جانب الحرمة احتياطًا وأخذا بالحرمة (٦). وفي المبسوط: لو كان جزءًا منه في الحرم حالة النوم؛ فهو من صيد الحرم (٧).

стр. 2337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم ليس للمدينة حرم عندنا (١)، وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لها حرم، حتى إن من قتل صيدها فعليه الجزاء؛ لقوله ﵇: «إنّ إبراهيم ﵇ حَرَّم مكة، وأنا أُحرِّمُ ما بين لابتيها» (٥) يعني: المدينة. وقال ﵇: «حرم إبراهيم مكةَ وإني حرمت المدينة مثل ما حرَّم إبراهيم مكة، لا يُنفّرُ صيدها ولا يُعضَدُ شجرُها ولا يُختلى خلاها» (٦)، وقال ﵇: «مَنْ رأيتُموهُ يصطاد في المدينة فخُذوا ثيابه» (٧). وحكي عن الشافعي قول ووجه أنه مكروه (٨). فإذا قيل بالتحريم ففي الضمان قولان (٩): في الجديد: لا يضمن. وبه قال مالك (١٠)؛ لأنها ليس بمحل النسك، فلا يجب الضمان بقتل صيدها، وقياسًا على موضع الحمى، وعلى "وَجٌ " واد بالطائف، فإنه يكره فيه القتل، ولا يجب الضمان. وفي القديم: يجب، وبه قال أحمد (١١). وفي ضمانه وجهان: أحدهما: كحرم مكة، وأصحهما: أخذ السلب. وبه قال أحمد (١٢)؛ لما روي أن سعد بن أبي وقاص ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد

стр. 2338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غلامًا يقطع شجرا (١). وروي أنه أخذ صيدا فسلبه، وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ رَأَى رَجُلًا يصطادُ بالمدينةِ فُيسلبُهُ» (٢)، وروي أنهم كلموا سعدا في هذا السلب، فقال: ما كنت لأرد طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ (٣). وفي المراد بالسلب وجهان: أحدهما: كسلب القتيل من الكفار. والثاني: ثيابه فقط، وفي مصرفه أوجه: أصحهما: أنه للسالب كالقتيل، والثاني: للفقراء، والثالث: لبيت المال. وقلنا: وكل منهما خلاف الحديث؛ لأنه جعل للقاتل أو للسالب. ولنا: ما رُوي عن عائشة أنها قالت: «كانت لآل محمد بالمدينة وحوش يمسكونها» (٤). وقوله ﵇ لأخ أنس حين رآه حزينًا على نُغَيْرِه أعطاه فطار، فقال ﵇: يا أبا عُمَير، ما فعلَ النُّغَير؟ (٥) ونُغر: طير يشبه العصفور. قيل: هو البلبل يمازحه ﵇، ولو كان للصيد بالمدينة حرمة الحرم لما أعطاه. وعن سلمة بن الأكوع أنه كان يصيد الوحش، ويهدي لحمه إلى النبي ﵇، فقال ﵇: «يا أبا سَلَمةَ، من أين يكون؟» قال: تباعد من الصيد، فقال ﵇: «أما إنك لو كنتَ تصيدُ بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، فإني أحبُّ العقيق» (٦). قال الطحاوي وغيره: وهذا يخالف حديث سعد في صيد العقيق، وحديث

стр. 2339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سعد أصح رواية، لكن غير معمول به عند العلماء، فحديث سلمة أولى (١). وفي إثبات الحرم للمدينة اضطراب، فإن عند بعض الرواة ما بين لابتيها، وعند البعض: ما بين مارميها، وعند البعض: ما بين جبليها، وعند البعض: اثنا عشر ميلا حمى. ولأن هذه بقعة يجوز دخولها بغير إحرام، فتكون كسائر البلدان في الحرمة، بخلاف حريم مكة؛ فإنه ليس لأحد أن يدخله إلا محرمًا، وما رواه محمول على أنه نهاهم عن الصيد لا الأكل أو البيع، فإنها كانت دار الهجرة، وهذا مما يضيق على أهلها، فنهاهم عن الاصطياد على ذلك الوجه إرادة للتوسع عليهم فيه للانتفاع به؛ ألا ترى أن أخذ السلب ليس بواجب في حرم مكة، وهي محرمة بالإجماع، فدل ذلك على أنه ليس بإثبات شريعة، ولكن يحمل على التشديد لتتوفر الصيود. كذا في المبسوط (٢). وفي الكافي: عرف حل الاصطياد بالنص القاطع، فلا يحرم إلا بدليل قطعي، ولم يوجد، ومرويه محتمل (٣). قال ابن المنذر: قال الشافعي في الجديد، ومالك في المشهور، وأكثر من لقينا من علماء الأمصار: لا جزاء على قاتل صيده، ولا على قاطع شجره، وأوجب الجزاء ابن أبي ليلى، وابن أبي ذئب، وابن نافع المالكي، وهو القديم للشافعي، واختاره ابن المنذر (٤). قال النواوي: المختار: ترجيح القديم (٥). وقول النواوي خلاف مذهبه؛ لأن الشافعي غسل كتبه القديمة، وأشهد على نفسه بالرجوع عن قوله القديم. قال بعض أصحابه: من جعل قوله القديم مذهبًا له فقد كذب عليه.

стр. 2340

(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ القَارِنُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ عَلَى المُفْرِدِ دَمًا، فَعَلَيْهِ دَمَانِ: دَمٌ لِحَجَّتِهِ، وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَمٌ وَاحِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ قوله: (وقال الشافعي: دم واحد) (١) وبه قال مالك (٢)، وأحمد في أظهر الروايتين عنه (٣)؛ لأن إحرام العمرة في حكم التبع لإحرام الحج؛ ولهذا تحقق الجمع أداء، والأصلين لا يجتمعان أداء، كما إذا كانا حجتين أو عمرتين، وإذا كان تبعًا لا يظهر مع الأصل، كحرمة الحرم مع الإحرام؛ فإن المحرم لو قتل صيد الحرم يجب جزاء واحد؛ لأن حرمة الحرم تبع لحرمة الإحرام، فلا يظهر تأثيره مع الإحرام. كذا في المبسوط (٤). وفي تتمتهم: الأصل عندنا: أن القارن مُحرِم بنسك واحد، وعند أبي حنيفة بنسكين (٥). وقلنا: إن القارن محرم بإحرامين، فيلزمه كفارة لكل واحد منهما، كما لو انفرد؛ إذ كل واحد أصل يعم البقاع، فلا يكون تبعًا للآخر، ككفارة اليمينين، وأما اجتماع حرمة الإحرام والحرم؛ فلأن الإحرام أقوى في التحريم، فاستتبع الأضعف. كذا في المبسوط، والمجتبى (٦). وفي المستصفى: أن الشيئين إذا اجتمعا في إيجاب حكم واحد، وأحدهما أقوى من الآخر؛ يضاف الحكم إلى أقواهما، ويجعل ما دونه كالمعدوم، كالحافر مع الدافع، وليس كذلك الحج والعمرة؛ فإن حرمتهما في المحرمات سواء، فلم يتبع أحدهما الآخر وهكذا؛ لأن العمرة دون الحج في حق الأداء، فأما في حق الإحرام فهما سواء، فإن إحرامها يحرم جميع ما يحرمه إحرام الحج، وإذا استويا وجب إضافة الحرمة إليهما، كما لو جرح اثنان رجلًا واحدًا ومات، أضيف القتل إليهما، بخلاف الحرم والإحرام، فإن حرمة قتل الصيد من

стр. 2341

عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا بِإِحْرَامَيْنِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ المِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِالعُمْرَةِ أَوْ الحَجِّ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ) خِلَافًا لِزُفَرٍ ﵀، لِمَا أَنَّ المُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عِنْدَ المِيقَاتِ إِحْرَامٌ وَاحِدٌ، وَبِتَأْخِيرِ وَاجِبِ وَاحِدٍ لَا يَجِبُ إِلَّا جَزَاءُ وَاحِدٌ. (وَإِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ)؛ لِأَنَّ المُحرم في الحرام يضاف إلى الإحرام؛ لأنه أقوى في التحريم من الحرم؛ ألا ترى أنه يحرم على المحرم قتله في الأماكن كلها، وكذلك يحرم ما لا يحرمه الحرم من الحلق واللبس وغيرهما، والسببان إذا اجتمعا وأحدهما أقوى؛ يضاف الحكم إلى الأقوى، كما في الحافر مع الدافع، والخارج والقاتل. (وقد مر من قبل)؛ أي: في باب القِران (١). قوله: (خلافًا لزفر): فإن عنده عليه دمان (٢)؛ لأنه أخر الإحرامين من الميقات، وأدخل النقص في كل إحرام، فيجب بإزاء كل نقص جابر، فإن الإحرام من وراء الميقات كسائر المحظورات. قوله: (لما أن المستحق) دليلنا؛ ألا ترى أنه لو أحرم بالعمرة عند الميقات، ثم جاوز ثم أحرم بالحج؛ لا شيء عليه، مع أنه قارن، بخلاف سائر المحظورات؛ فإنه صار بجنايته مرتكبا محظور إحرامين، فيدخل النقص فيهما، وهاهنا ليس كذلك، وكذا لو أهل بعمرة بعد ما جاوز ثم أهل بحجة؛ فعليه دم واحد؛ لتأخيره إحرام العمرة؛ لأنه لما دخل به مكة فميقاته إحرامه الحج في الحرم، وقد أحرم به في الحرم. كذا في المبسوط (٣). قوله: (فعلى كل واحد منهما جزاء كامل) (٤): وبه قال مالك (٥)، والمتولي من الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧)، واختارها أبو بكر من الحنابلة.

стр. 2342

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّرِكَةِ يَصِيرُ جَانِيًا جِنَايَةً تَفُوقُ الدَّلَالَةَ، فَيَتَعَدَّدُ الجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الجِنَايَةِ (وَإِذَا اشْتَرَكَ حَلَالَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الحَرَمِ، فَعَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ)؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بَدَلُّ عَنْ المَحَلِّ، لَا جَزَاءٌ عَنْ الجِنَايَةِ، فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ المَحَلِّ، كَرَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا خَطَاً، تَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ. (وَإِذَا بَاعَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ أَوِ ابْتَاعَهُ، فَالبَيْعُ بَاطِلٌ)؛ (بتعدد الجناية)؛ كما إذا اشترك جماعة في قتل إنسان خطأ؛ فإنه يجب على كل واحد كفارة كاملة. وقال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وداود (٣) عليهم جزاء واحد؛ لأن المعتبر عنده المحل المتلف وهو واحد، كما لو اشترك المحرمان في قتل صيد الحرم، أو أتلفوا شاة إنسان، أو قتل الحلالان صيد الحرم. كذا في كتبهم. وقلنا: وجوب الجزاء باعتبار هتك الإحرام، فكل واحد جان على إحرامه، بخلاف صيد الحرم على ما بينا فيه أن المعتبر فيه المحل، وكذا في إشارة إنسان. وفي المحرم: جزاء الحرم الفعل بدل عن المحل؛ بدليل أن الحكم يتغير بتغير وصف المحل؛ ألا ترى أنه إذا أخرج من الحرم لا يجب الضمان، وإذا دخل فيه يجب الجزاء، بخلاف المحرم؛ لأن في حقه لا يتغير الحكم بالإخراج. قوله: (أو ابتاعه)؛ أي اشتراه، فلو عطب في يد المشتري فعليه جزاؤه بجنايته على الصيد بإثبات اليد عليه، ويجب على البائع أيضًا إذا كان محرما؛ لأنه جان على الصيد بتسليمه إلى المشتري، ومفوّتًا لما كان مستحقا عليه من تخلية سبيله. كذا في المبسوط (٤). فروع وهب محرم لمحرم صيدًا فأكله؛ يجب عليه ثلاثة أجزية عند أبي حنيفة:

стр. 2343

لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضُ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ، وَبَيْعَهُ بَعْدَمَا قَتَلَهُ بَيْعُ مَيْتَةٍ. جزاء لذبحه، وجزاء لأكله، وقيمته للواجب لفساد هبته (١). وعند محمد: قيمتان: قيمة للذبح، وقيمة للواجب، ولا شيء في أكله (٢)، وهو قياس قول أبي يوسف. ذكره في المحيط. وفي الخزانة: حلال دخل الحرم فباع صيدًا في الحل من حلال؛ جاز، ويسلمه بعد ما خرج إلى الحل. وعن محمد: لا يجوز بيعه في الحرم (٣). وفي الجامع: فأبو يوسف مع محمد، ولا يذبح صيد الحل في الحرم؛ لأن الحرم مانع كالإحرام (٤)، وبه قال أحمد (٥). وقال الشافعي (٦)، ومالك (٧): يذبحه فيه كالشجر. وقال ابن القاسم: يجب إرساله عليه، فلو أكله بعد خروجه من الحرم فداه (٨). ولا يجوز للحلال أن يدل المحرم على قتل الصيد، وعليه الاستغفار. وفي المنتقى: حلال غصب من حلال صيدًا، ثم أحرم الغاصب والصيد في يده؛ يلزمه إرساله، ويضمن قيمته لمالكه، فلو رده برئ من ضمانه وعليه الجزاء، ولو ردَّه بعد ما أحرم مالكه؛ فعلى كل واحد منهما جزاء، فلو عطب في الطريق برئ المالك من الجزاء (٩). ولو عطب في يد المالك؛ فعلى كل واحد جزاء أربعة من المحرمين نزلوا بمكة بيتًا، وفيه نوامض وحمام، فأمر ثلاثة منهم أن يغلق الباب، فأغلقه

стр. 2344

فصل (وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الحَرَمِ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا، فَمَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُنَّ)؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الإِخْرَاجِ مِنْ الحَرَمِ بَقِيَ مُسْتَحِقًا لِلْأَمْنِ شَرْعًا، وَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَتَسْرِي إِلَى الوَلَدِ … ... … ... … وخرجوا إلى منى، فلما رجعوا وجدوا الطيور ماتوا عطشا؛ فعلى كل واحد منهم الجزاء؛ لأن الأمر بالإغلاق تسبب موتها. فصل (ومن أخرج ظبية): ذكر بكلمة (من) ليتناول المحرم والحلال؛ ولهذا ذكر في المبسوط: محرم أو حلال أخرج ظبية من الحرم؛ يؤمر بالرد إلى الحرم وإرساله فيه (١)؛ لأنه كان آمنا، وقد أزال ذلك الأمن فعليه إعادته؛ لأن على كل فاعل متعد في فعله يجب فسخ ذلك الفعل، وفسخه بالرد؛ لأنه يصير بمنزلة الغاصب، قال ﵇: «عَلى اليَدِ ما أَخَذَتْ حتى تَردَّ» (٢). قوله: (وهذه صفة)؛ أي: كون الأم آمنة مستحقة للأمن. (صفة شرعية)؛ يعني: أثبتها الشرع بقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَا﴾، وبقوله ﵇: «لا يُنَفَّرُ صَيدُها» (٣). قوله: (فيسري)؛ أي: يتعدى إلى الولد كالكتابة والتدبير ونحو ذلك، وأمن الصيد في بعده عن أيدي الناس، فكان أخذ الأم سببًا لفوات الأمن على الأولاد، والسبب إذا كان تعديًا كان بمنزلة المباشرة، بخلاف رواية الغصب، فإن الغصوبية لا تسري إليها؛ فإنها ليست بصفة شرعية، فلا يتعدى إلى الولد. ولئن قال: المضمومية صفة شرعية، فينبغي أن يتعدى. قلنا: هي صفة غير لازمة، فلا تسري، بخلاف التدبير وغيره؛ فإنه لازمه. وفي جامع قاضي خان أن سبب وجوب الضمان في الغصب تفويت اليد،

стр. 2345

(فَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ، لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ الوَلَدِ)؛ لِأَنَّ بَعْدَ أَدَاءِ الجَزَاءِ لَمْ تَبْقَ آمِنَةٌ؛ لِأَنَّ وُصُولَ الخَلَفِ كَوُصُولِ الأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ مُجَاوَزَةِ الوَقْتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ولم يوجد ذلك في الأولاد لا حقيقة ولا حكمًا؛ لأن المالك لم يطالب الأولاد، حتى لو طالبه وامتنع كان ضامنًا، أما حق الرد الله تعالى يطالبه في كل ساعة، فإذا لم يرد ومنع صار ضامنًا. قوله: (جزاءها)؛ أي: جزاء الظبية، ثم ولدت ثم ماتت الأولاد. قوله: (لم تبق آمنة) أي: مستحقة الأمن؛ لأنه لما أدى جزاءها ملكها، فخرجت من أن تكون مستحقة الأمن أيضًا؛ لحدوثها على ملكه خارج الحرم، وهو معنى قوله: (لأن وصول الخلف وهو القيمة إلى الفقراء كوصول الأصل وهو الصيد إلى الحرم)؛ ألا ترى أنه لو غصب جارية فأدى قيمتها، ثم ولدت في يده أولادًا، فاستهلكها وأولادها لا يجب عليه شيء، فكذا هاهنا. كذا في جامع الإسبيجابي (١). باب مجاوزة الوقت بغير إحرام اعلم: أن مجاوزة الميقات بغير إحرام يوجب الدم عند عامة العلماء، إلا عند الحسن البصري والنخعي، حيث قالا: الإحرام من الميقات غير واجب (٢). ولنا: ما روى ابن عباس أنه ﵇ قال: «لَا تُجاوز الوقت إلّا مُحْرِمًا» (٣)، فلو جاوزها بغير إحرام ارتكب المنهي عنه، فيمكن النقصان. كذا في المبسوط (٤). ولو جاوزه وأحرم دونه انعقد إحرامه، إلا عند سعيد بن جبير فإنه قال: لا ينعقد إحرامه، فإن رجع إلى الميقات قبل التلبس بأفعال الحج سقط عنه الدم عند أكثر العلماء (٥).

стр. 2346

(وَإِذَا أَتَى الكُوفِيُّ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ وَلَبَّى بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الوَقْتِ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ مُحْرِمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبٌّ) (*). وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَسْقُطُ محرمًا لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَرْتَفِعْ بِالعَوْدِ، قوله: (فإن رجع)؛ أي: محرما، أما لو رجع قبل الإحرام من الميقات لا شيء عليه عندنا (١)، والشافعي (٢). والتخصيص بذات العرق لظاهر حال الكوفي، وإلا فالرجوع إليه وإلى غيره من المواقيت سواء في سقوط الدم في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه قال: يُنْظَرُ إن عاد إلى ميقات آخر، وذلك الميقات يحاذي الميقات الأول، أو أبعد سقط الدم، وإلا فلا. وقالا: إن رجع محرما فلا شيء عليه، لبى أو لم يُلب (٣)، وبه قال الشافعي في قول (٤). (وقال زفر: لا يسقط محرمًا لبى أو لم يلب) (٥) وبه قال الشافعي في قول (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨)؛ لأن جنايته وهو ترك إنشاء الإحرام من الميقات لا يرتفع بالعود؛ وهذا لأن الواجب عليه إنشاء تلبية واجبة عند الميقات، ووجوبها عند الإحرام لا بعده، فهو وإن لبى من الميقات فإنما أتى تلبية غير واجبة، فلا يصير متداركًا لما فاته، بخلاف ما إذا أعاد فأحرم من الميقات قبل الشروع في الأفعال.

стр. 2347

وَصَارَ كَمَا إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ الغُرُوبِ. وَلَنَا: أَنَّهُ تَدَارَكَ المَتْرُوكَ فِي أَوَانِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الأَفْعَالِ فَيَسْقُطُ الدَّمُ، بِخِلَافِ الإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَارَكَ المَتْرُوكَ عَلَى مَا مَرَّ. غَيْرَ أَنَّ التَّدَارُكَ عِنْدَهُمَا بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ حَقَّ المِيقَاتِ، كَمَا إِذَا مَرَّ بِهِ مُحْرِمًا سَاكِنًا. وَعِنْدَهُ ﵀: بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا؛ وإنما قلنا: إن أوانه قبله فيه؛ لأن مراعاة حق الوقت بإنشاء الإحرام عند الوقت، فما دام في الأفعال فهو في حال الابتداء تقديرًا، فإذا عاد إليه قبل الشروع صار كالمنشئ منه. كذا في المبسوط (١). (المتروك على ما مر)؛ وهو استدامة الوقوف إلى الغروب، على ما مر في الجنايات. قوله: (إذا مرَّ به)؛ أي: بالميقات محرمًا؛ لأن الواجب عليه أن يكون محرمًا عند الميقات، إلا أن يكون منشئًا للإحرام؛ بدليل أنه لو أحرم قبل الميقات ثم مرَّ به ولم يُلَبِّ؛ لا يلزمه شيء، فكان العود محرما بغير تلبية متداركا لما هو الواجب عليه، وهو كونه محرمًا عند الميقات. كذا في المبسوط (٢). قوله: (وعنده)؛ أي: عند أبي حنيفة (بِعَوْدِهِ محرمًا مُلبّيًا)؛ لحديث ابن عباس أنه قال لذلك الرجل: «رجع إلى الميقات ولَبٌ فلا حجّ لك» (٣). والمعنى: أنه لما انتهى إليه حلالا وجب عليه التلبية عنده وللإحرام، فإذا ترك ذلك بالمجاوزة حتى أحرم وراء الميقات ثم عاد، فإن لبى فقد أتى بجميع ما هو مستحق عليه، فيسقط عنه الدم، وإن لم يلب فلم يأت بجميع ما استحق عليه، وهذا بخلاف من أحرم قبله؛ لأن ميقاته هناك من موضع إحرامه، وقد لبى عنده، فقد خرج الميقات المعروف من أن يكون ميقانًا في حقه؛ فلهذا لا يضره ترك التلبية عنده، بخلاف ما نحن فيه على ما بينا. كذا في المبسوط.

стр. 2348

لِأَنَّ العَزِيمَةَ فِي الإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا تَرَخَّصَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى المِيقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهِ بِإِنْشَاءِ التَّلْبِيَةِ، فَكَانَ التَّلَافِي بِعَوْدِهِ مُلَبِّيًا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافُ إِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ بَعْدَ المُجَاوَزَةِ مَكَانَ العُمْرَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ عَادَ بَعْدَمَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ، وَاسْتَلَمَ الحَجَرَ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالاتِّفَاقِ، وَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ قَبْلَ الإِحْرَامِ (لأن العزيمة في الإحرام)؛ أي: في إحرام الآفاقي. (من دويرة أهله): قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ [البقرة ١٩٦] على ما بينا في فصل المواقيت، فكان التأخير إلى الميقات ترخيصا لتعيين آخر الغايات. (وجب عليه قضاء حقه) من الميقات بإنشاء الإحرام؛ إذ الإحرام بدون التلبية شرعًا. قيل: والصواب الأفقي؛ لأن الآفاق جمع أفق، والنسبة تكون إلى المفرد دون الجمع، ولم يسمع في كتب اللغة للآفاقي. وعن الأصمعي وابن السكيت: الأفقي بفتحتين. قوله: (فكان التلافي)؛ أي: التدارك (في عوده ملبيا)، فإذا عاد ملبيا فقد أتى بجميع المستحق عليه. إليه أشير في المبسوط. (بالاتفاق)؛ أي: اتفاق علمائنا، والشافعي في قول، ومالك، وأحمد؛ لأن ما وقع معتدًا به، فبالعود إلى الميقات لا يعود إلى حكم الابتداء، فلا يسقط عنه الدم. كذا في الإيضاح (١). والفاء في قوله: (واستلم) تفسير للشروع في الطواف. وفي شروح الطحاوي وكذا لو لم يعد إلى الميقات، وأفسد إحرامه بالجماع حتى وجب عليه القضاء، سواء كان الإحرام للحج أو للعمرة، سقط ذلك الدم عنه، وكذا لو فاته الحج يتحلل بالعمرة وعليه قضاء الحج؛ سقط ذلك الدم عنه، خلافًا لزفر، فإنه يقول: الواجب لا يسقط بفوات الحج، كالدم الواجب بالتطيب أو لبس المخيط (٢).

стр. 2349

يَسْقُطُ بِالاتِّفَاقِ (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ أَوْ العُمْرَةَ، فَإِنْ دَخَلَ البُسْتَانَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَوَقْتُهُ البُسْتَانُ، وَهُوَ وَصَاحِبُ المَنْزِلِ سَوَاءٌ)؛ لِأَنَّ البُسْتَانَ غَيْرُ وَاجِبِ التَّعْظِيمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الإِحْرَامُ بِقَصْدِهِ، وَإِذَا دَخَلَهُ التَحَقَ بِأَهْلِهِ، وَلِلْبُسْتَانِيِّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامِ لِلْحَاجَةِ فَكَذَلِكَ لَهُ. وقلنا: لما فاته الحج لزمه القضاء والقضاء يحرم من الميقات، فينعدم المعنى الذي لأجله لزمه الدم، بخلاف المحظورات؛ لأن المعنى الموجب لا ينعدم بفوات الحج. كذا في المبسوط (١). قوله: (غير واجب التعظيم)؛ إذ ليس في البستان ما يوجب التعظيم. (فإذا دخله)؛ أي: البستان (التحق بأهله)؛ أي: بأهل البستان، سواء نوى الإقامة خمسة عشر يوما أو لم ينو. وعن أبي يوسف: لو نوى المقام خمسة عشر يوما؛ فالجواب على ما ذكروا، وإن نوى دون ذلك؛ فليس له أن يدخلها بغير إحرام؛ لأنه لم يصر له وطنا. كذا في المبسوط (٢). وجه ظاهر الرواية وهو قول الشافعي (٣)، ومالك -: أنه حصل بالبستان قبل قصد دخول مكة، وقصد دخولها حدث بعد الوصول إليه، فيكون حاله كحال أهله. وقال أحمد: يلزمه العود إلى ميقات بلده والإحرام منه، فإن لم يفعل وجب عليه دم (٤). قوله: (ومن دخل مكة بغير إحرام): اعلم: أن دخول مكة بغير إحرام للآفاقي لا يجوز عندنا، سواء قصد النسك أو التجارة أو غيرهما، أو لم يقصد شيئًا. وللمكي وإن كان داخل الميقات يجوز.

стр. 2350

وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «وَوَقْتُهُ البُسْتَانُ» جَمِيعُ الحِلِّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَرَمِ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، فَكَذَا وَقْتُ الدَّاخِلِ المُلْحَقِّ بِهِ (فَإِنْ أَحْرَمَا مِنْ الحِلِّ، وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ) يُرِيدُ بِهِ البُسْتَانِيَّ وَالدَّاخِلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَحْرَمَا مِنْ مِيقَاتِهِمَا. وعند الشافعي في هذه المسألة تفصيل، ذكره في شرح الوجيز فقال: من قصد مكة لا للنسك له حالتان: أحدهما: أن لا يكون ممن يتكرر دخوله؛ بأن دخلها لزيارة أو تجارة أو رسالة، فهو كالمكي إذا دخلها عائدًا من سفره، فهل يلزمه الإحرام بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان أصحهما على قولين: أحدهما: يلزمه. والثاني: يستحب. والطريق الثاني: القطع بالاستحباب. والحال الثاني: أن يكون ممن يتكرر دخوله فيها، كالحطابين والصيادين ونحوهم. فإن قيل: في الحالة الأولى لا يلزمه، فهاهنا أولى، وإلا فالمذهب لا يلزمه أيضًا (١). ولنا: قوله ﵇: «لا يتجاوز أحد الميقات إلَّا مُحرِمًا» (٢)، والمكي خُصَّ من هذا؛ لأن المقصود من الإحرام عند الميقات تعظيم المكة التي شرفها الله تعالى، والمكي باستيطانه لها أو لما حولها جعل نفسه تبعا لها، فقد عظمها، بخلاف الآفاقي؛ فإنه لم يوجد منه المعنى، فلابد من الإحرام لتعظيمها، ولأن كل من كان داخل الميقات يكثر حاجته إلى دخول مكة، فيلزمه الحرج بالإحرام في كل مرة، فالتحق بأهلها، بخلاف ما إذا قصد النسك؛ لأن ذلك يتحقق أحيانًا، فلم يلزمه الحرج. والشافعي لا يفرق في أحد القولين بين الآفاقي والمكي، في حق من يريد النسك في أنه لا يدخل إلا محرمًا (٣). ولنا: حديث ابن عباس أنه ﵇ «رخص للحطابين أن يدخلوها بغير
следующие страницы →