(وَإِذَا أَتَى الكُوفِيُّ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ وَلَبَّى بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الوَقْتِ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ مُحْرِمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبٌّ) (*). وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَسْقُطُ محرمًا لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَرْتَفِعْ بِالعَوْدِ،
قوله: (فإن رجع)؛ أي: محرما، أما لو رجع قبل الإحرام من الميقات لا شيء عليه عندنا (١)، والشافعي (٢).
والتخصيص بذات العرق لظاهر حال الكوفي، وإلا فالرجوع إليه وإلى غيره من المواقيت سواء في سقوط الدم في ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف أنه قال: يُنْظَرُ إن عاد إلى ميقات آخر، وذلك الميقات يحاذي الميقات الأول، أو أبعد سقط الدم، وإلا فلا.
وقالا: إن رجع محرما فلا شيء عليه، لبى أو لم يُلب (٣)، وبه قال الشافعي في قول (٤).
(وقال زفر: لا يسقط محرمًا لبى أو لم يلب) (٥) وبه قال الشافعي في قول (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨)؛ لأن جنايته وهو ترك إنشاء الإحرام من الميقات لا يرتفع بالعود؛ وهذا لأن الواجب عليه إنشاء تلبية واجبة عند الميقات، ووجوبها عند الإحرام لا بعده، فهو وإن لبى من الميقات فإنما أتى تلبية غير واجبة، فلا يصير متداركًا لما فاته، بخلاف ما إذا أعاد فأحرم من الميقات قبل الشروع في الأفعال.
стр. 2347
وَصَارَ كَمَا إِذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ الغُرُوبِ. وَلَنَا: أَنَّهُ تَدَارَكَ المَتْرُوكَ فِي أَوَانِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الأَفْعَالِ فَيَسْقُطُ الدَّمُ، بِخِلَافِ الإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَارَكَ المَتْرُوكَ عَلَى مَا مَرَّ. غَيْرَ أَنَّ التَّدَارُكَ عِنْدَهُمَا بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ حَقَّ المِيقَاتِ، كَمَا إِذَا مَرَّ بِهِ مُحْرِمًا سَاكِنًا.
وَعِنْدَهُ ﵀: بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا؛
وإنما قلنا: إن أوانه قبله فيه؛ لأن مراعاة حق الوقت بإنشاء الإحرام عند الوقت، فما دام في الأفعال فهو في حال الابتداء تقديرًا، فإذا عاد إليه قبل الشروع صار كالمنشئ منه. كذا في المبسوط (١).
(المتروك على ما مر)؛ وهو استدامة الوقوف إلى الغروب، على ما مر في الجنايات.
قوله: (إذا مرَّ به)؛ أي: بالميقات محرمًا؛ لأن الواجب عليه أن يكون محرمًا عند الميقات، إلا أن يكون منشئًا للإحرام؛ بدليل أنه لو أحرم قبل الميقات ثم مرَّ به ولم يُلَبِّ؛ لا يلزمه شيء، فكان العود محرما بغير تلبية متداركا لما هو الواجب عليه، وهو كونه محرمًا عند الميقات. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وعنده)؛ أي: عند أبي حنيفة (بِعَوْدِهِ محرمًا مُلبّيًا)؛ لحديث ابن عباس أنه قال لذلك الرجل: «رجع إلى الميقات ولَبٌ فلا حجّ لك» (٣).
والمعنى: أنه لما انتهى إليه حلالا وجب عليه التلبية عنده وللإحرام، فإذا ترك ذلك بالمجاوزة حتى أحرم وراء الميقات ثم عاد، فإن لبى فقد أتى بجميع ما هو مستحق عليه، فيسقط عنه الدم، وإن لم يلب فلم يأت بجميع ما استحق عليه، وهذا بخلاف من أحرم قبله؛ لأن ميقاته هناك من موضع إحرامه، وقد لبى عنده، فقد خرج الميقات المعروف من أن يكون ميقانًا في حقه؛ فلهذا لا يضره ترك التلبية عنده، بخلاف ما نحن فيه على ما بينا. كذا في المبسوط.
стр. 2348
لِأَنَّ العَزِيمَةَ فِي الإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا تَرَخَّصَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى المِيقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهِ بِإِنْشَاءِ التَّلْبِيَةِ، فَكَانَ التَّلَافِي بِعَوْدِهِ مُلَبِّيًا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافُ إِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ بَعْدَ المُجَاوَزَةِ مَكَانَ العُمْرَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ عَادَ بَعْدَمَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ، وَاسْتَلَمَ الحَجَرَ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالاتِّفَاقِ، وَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ قَبْلَ الإِحْرَامِ
(لأن العزيمة في الإحرام)؛ أي: في إحرام الآفاقي.
(من دويرة أهله): قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ [البقرة ١٩٦] على ما بينا في فصل المواقيت، فكان التأخير إلى الميقات ترخيصا لتعيين آخر الغايات.
(وجب عليه قضاء حقه) من الميقات بإنشاء الإحرام؛ إذ الإحرام بدون التلبية شرعًا.
قيل: والصواب الأفقي؛ لأن الآفاق جمع أفق، والنسبة تكون إلى المفرد دون الجمع، ولم يسمع في كتب اللغة للآفاقي.
وعن الأصمعي وابن السكيت: الأفقي بفتحتين.
قوله: (فكان التلافي)؛ أي: التدارك (في عوده ملبيا)، فإذا عاد ملبيا فقد أتى بجميع المستحق عليه. إليه أشير في المبسوط.
(بالاتفاق)؛ أي: اتفاق علمائنا، والشافعي في قول، ومالك، وأحمد؛ لأن ما وقع معتدًا به، فبالعود إلى الميقات لا يعود إلى حكم الابتداء، فلا يسقط عنه الدم. كذا في الإيضاح (١).
والفاء في قوله: (واستلم) تفسير للشروع في الطواف.
وفي شروح الطحاوي وكذا لو لم يعد إلى الميقات، وأفسد إحرامه بالجماع حتى وجب عليه القضاء، سواء كان الإحرام للحج أو للعمرة، سقط ذلك الدم عنه، وكذا لو فاته الحج يتحلل بالعمرة وعليه قضاء الحج؛ سقط ذلك الدم عنه، خلافًا لزفر، فإنه يقول: الواجب لا يسقط بفوات الحج، كالدم الواجب بالتطيب أو لبس المخيط (٢).
стр. 2349
يَسْقُطُ بِالاتِّفَاقِ (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ أَوْ العُمْرَةَ، فَإِنْ دَخَلَ البُسْتَانَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَوَقْتُهُ البُسْتَانُ، وَهُوَ وَصَاحِبُ المَنْزِلِ سَوَاءٌ)؛ لِأَنَّ البُسْتَانَ غَيْرُ وَاجِبِ التَّعْظِيمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الإِحْرَامُ بِقَصْدِهِ، وَإِذَا دَخَلَهُ التَحَقَ بِأَهْلِهِ، وَلِلْبُسْتَانِيِّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامِ لِلْحَاجَةِ فَكَذَلِكَ لَهُ.
وقلنا: لما فاته الحج لزمه القضاء والقضاء يحرم من الميقات، فينعدم المعنى الذي لأجله لزمه الدم، بخلاف المحظورات؛ لأن المعنى الموجب لا ينعدم بفوات الحج. كذا في المبسوط (١).
قوله: (غير واجب التعظيم)؛ إذ ليس في البستان ما يوجب التعظيم.
(فإذا دخله)؛ أي: البستان (التحق بأهله)؛ أي: بأهل البستان، سواء نوى الإقامة خمسة عشر يوما أو لم ينو.
وعن أبي يوسف: لو نوى المقام خمسة عشر يوما؛ فالجواب على ما ذكروا، وإن نوى دون ذلك؛ فليس له أن يدخلها بغير إحرام؛ لأنه لم يصر له وطنا. كذا في المبسوط (٢).
وجه ظاهر الرواية وهو قول الشافعي (٣)، ومالك -: أنه حصل بالبستان قبل قصد دخول مكة، وقصد دخولها حدث بعد الوصول إليه، فيكون حاله كحال أهله.
وقال أحمد: يلزمه العود إلى ميقات بلده والإحرام منه، فإن لم يفعل وجب عليه دم (٤).
قوله: (ومن دخل مكة بغير إحرام):
اعلم: أن دخول مكة بغير إحرام للآفاقي لا يجوز عندنا، سواء قصد النسك أو التجارة أو غيرهما، أو لم يقصد شيئًا. وللمكي وإن كان داخل الميقات يجوز.
стр. 2350
وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «وَوَقْتُهُ البُسْتَانُ» جَمِيعُ الحِلِّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَرَمِ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، فَكَذَا وَقْتُ الدَّاخِلِ المُلْحَقِّ بِهِ (فَإِنْ أَحْرَمَا مِنْ الحِلِّ، وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ) يُرِيدُ بِهِ البُسْتَانِيَّ وَالدَّاخِلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَحْرَمَا مِنْ مِيقَاتِهِمَا.
وعند الشافعي في هذه المسألة تفصيل، ذكره في شرح الوجيز فقال: من قصد مكة لا للنسك له حالتان: أحدهما: أن لا يكون ممن يتكرر دخوله؛ بأن دخلها لزيارة أو تجارة أو رسالة، فهو كالمكي إذا دخلها عائدًا من سفره، فهل يلزمه الإحرام بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان أصحهما على قولين: أحدهما: يلزمه. والثاني: يستحب.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب.
والحال الثاني: أن يكون ممن يتكرر دخوله فيها، كالحطابين والصيادين ونحوهم.
فإن قيل: في الحالة الأولى لا يلزمه، فهاهنا أولى، وإلا فالمذهب لا يلزمه أيضًا (١).
ولنا: قوله ﵇: «لا يتجاوز أحد الميقات إلَّا مُحرِمًا» (٢)، والمكي خُصَّ من هذا؛ لأن المقصود من الإحرام عند الميقات تعظيم المكة التي شرفها الله تعالى، والمكي باستيطانه لها أو لما حولها جعل نفسه تبعا لها، فقد عظمها، بخلاف الآفاقي؛ فإنه لم يوجد منه المعنى، فلابد من الإحرام لتعظيمها، ولأن كل من كان داخل الميقات يكثر حاجته إلى دخول مكة، فيلزمه الحرج بالإحرام في كل مرة، فالتحق بأهلها، بخلاف ما إذا قصد النسك؛ لأن ذلك يتحقق أحيانًا، فلم يلزمه الحرج.
والشافعي لا يفرق في أحد القولين بين الآفاقي والمكي، في حق من يريد النسك في أنه لا يدخل إلا محرمًا (٣).
ولنا: حديث ابن عباس أنه ﵇ «رخص للحطابين أن يدخلوها بغير
стр. 2351
(مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ إِلَى الوَقْتِ، وَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ دُخُولِهِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامِ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُجْزِيهِ، وَهُوَ القِيَاسُ اعْتِبَارًا بِمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ النَّذْرِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَحَوَّلَت السَّنَةُ.
وَلَنَا: أَنَّهُ تَلَافي المَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ هَذِهِ البُقْعَةِ بِالإِحْرَامِ، كَمَا إِذَا أَتَاهُ مُحْرِمًا بِحَجَّةِ الإِسْلَامِ فِي الابْتِدَاءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَحَوَّلَت
إحرام» (١)، وما روي أن ابن عمر خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ إلى قديد بلغه فتنة من المدينة، فرجع إلى المدينة بغير إحرام. كذا في المبسوط (٢).
إذا عرفت هذا؛ جئنا إلى مسألة الكتاب، وهي أن الآفاقي إذا دخل مكة بغير إحرام؛ لزمه بسببه إما حجة وإما عمرة، خلافًا للشافعي في قول.
(ثم خرج من عامه ذلك)؛ يعني: خرج إلى الميقات وأحرم بحجة عليه، أو العمرة التي وجبت بدخول مكة، حتى يسقط ذلك عندنا، ينوب خلافًا لزفر، ويسقط الدم الذي وجب بسبب المجاوزة، خلافًا له أيضًا.
له: أن ما لزمه بسبب المجاوزة وبسبب دخول مكة صار دينا عليه، فإذا الفرض لا ينوب عنه، فلا يسقط كالمنذور، ولا يسقط بإحرامه حجة الإسلام، وهو القياس.
(وصار كما إذا تحولت السنة)؛ يعني: أقام بمكة إلى سنة أخرى، فأحرم قاضيًا عمَّا لزمه من أحد النسكين، أو أحرم لحجة الإسلام؛ لا يسقط عنه ما وجب عليه بالاتفاق.
(تعظيم هذه البقعة)؛ يعني: لما انتهى إلى الميقات؛ كان حقه أن يتجاوزه بإحرام يؤدي أفعاله في تلك السنة، لا في سنة أخرى، وقد قضى حقه بالعود في تلك السنة لا في سنة أخرى، وأتى بما عليه، كما لو انتهى إلى الميقات وهو محرم بحجة عليه، بخلاف ما إذا لم يعد وأقام بمكة وأحرم بحجة؛ حيث ما أتى بما عليه، وبخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأنه لم يصر متلافيًا للمتروك.
стр. 2352
السَّنَةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَتَأَدَّى إِلَّا بِإِحْرَامٍ مَقْصُودٍ كَمَا فِي الاعْتِكَافِ المَنْذُورِ، فَإِنَّهُ يَتَأَدَّى بِصَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دُونَ العَامِ الثَّانِي (وَمَنْ جَاوَزَ الوَقْتَ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَفْسَدَهَا، مَضَى فِيهَا وَقَضَاهَا)؛ لِأَنَّ الإِحْرَامَ يَقَعُ لَازِمًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَفْسَدَ الحَجَّ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الوَقْتِ) وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ زُفَرَ لَهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الاخْتِلَافِ فِي فَائِتِ الحَجِّ إِذَا جَاوَزَ الوَقْتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَفِيمَنْ جَاوَزَ الوَقْتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَأَحْرَمَ بِالحَجِّ ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّتَهُ، هُوَ يَعْتَبِرُ المُجَاوَزَةَ هَذِهِ بِغَيْرِهَا مِنْ المَحْظُورَاتِ. وَلَنَا: أَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا حَقَّ المِيقَاتِ بِالْإِحْرَامِ مِنهُ فِي القَضَاءِ، وَهُوَ يَحْكِي الفَائِتَ وَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ غَيْرُهُ … ...
قوله: (لأنه)؛ أي: ما وجب بسبب دخول مكة بغير إحرام، فلا يتأدى إلا بالإحرام مقصودًا؛ لأن الواجب لا يتأدى بواجب آخر؛ ألا ترى أنه أحرم بالحج في السنة الأولى، لم يكن له أن يؤدي الحج في السنة الثانية بذلك الإحرام.
(كما في الاعتكاف المنذور)؛ يعني نذر اعتكاف هذا الرمضان، فصام ولم يعتكف، وقضى ذلك الرمضان الثاني لم يجز؛ لأن الصوم صار مقصودا به بخروج رمضان، وصار دينًا في ذمته، فلا يتأدَّى بوجه آخر، وهو معنى قول المصنف: (دون العام)، والمسألة مستقصاة في الأصول.
قوله: (ومن جاوز الميقات) وفي بعض النسخ: الوقت وكلاهما واحد. (وعلى قياس قول زفر: لا يسقط): وقد بينا اختلاف العلماء فيها.
قوله: (وهو)؛ أي: الاختلاف في هذه المسألة.
قوله: (بغيرها)؛ أي: بغير المجاوزة من المحظورات؛ لأن الدم الواجب بها لا يسقط بقضاء الحج أو العمرة، فكذا هذا.
قوله: (وهو)؛ أي: القضاء يحكي الغائب، فينعدم المعنى الذي لأجله وجب الدم، وهو أداء الإحرام بعد مجاوزة الميقات.
قوله: (ولا ينعدم به)؛ أي: بالقضاء (غيره)؛ أي: غير هذا المحظور من المحظورات؛ لأن الدم الواجب بها بالنقصان تمكن في الإحرام الأول، والجبر لا يقع بأصل العبادة، كسجدة في الصلاة يقع بها الجبر، وبأصل الصلاة لا
стр. 2353
مِنْ المَحْظُورَاتِ فَوَضَحَ الفَرْقُ.
(وَإِذَا خَرَجَ المَكِّيُّ يُرِيدُ الحَجَّ، فَأَحْرَمَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الحَرَمِ، وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ)؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ الحَرَمُ، وَقَدْ جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إِحْرَامِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الحَرَمِ وَلَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ فَهُوَ عَلَى الاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْآفَاقِيِّ (وَالمُتَمَتِّعُ إِذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الحَرَمِ فَأَحْرَمَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ وَأَتَى بِأَفْعَالِ
يقع، أما هاهنا الدم وجب بترك أصل الإحرام من الوقت، وقد أتى بأصل الإحرام منه في القضاء، فينوب عما ترك؛ لأن أصل الصلاة ينوب عن الأصل، وأما الأصل لا ينوب عن السعي. كذا في المبسوط (١)، وهو معنى قول المصنف: (فوضح الفرق).
قوله: (وإذا خرج المكي)؛ أي: من الحرم.
وإنما قيد بقوله: (يريد الحج)؛ لأنه لو خرج منه لحاجة ثم أحرم بحج؛ لا شيء عليه، عاد أو لم يعد؛ لأنه لما خرج إلى ذلك الموضع لحاجة صار من أهله. كذا في جامع الإسبيجابي.
(ووقف بعرفة فعليه شاة)؛ أي: بالإجماع.
(لأن وقته)؛ أي: وقت المكي الحرم، وقد مر.
(ذكرناه في الآفاقي)؛ أي: في مسألة إتيان الكوفي بستان بني عامر. (فأحرم)؛ أي: المتمتع.
(ووقف بعرفة)؛ أي: بلا عود إلى الحرم.
(فعليه دم)؛ أي: دم الجناية مع دم التمتع.
مسائل تتعلق بهذا الباب
في المبسوط: عبد دخل مكة بغير إحرام، ثم أذن له مولاه فأحرم بالحج؛ فعليه دم إذا أعتق لترك الوقت؛ لأنه مخاطب كالحرّ، فيتحقق منه السبب الموجب للدم؛ لكن ليس له مال قبل العتق فيتأخر إلى ما بعده؛ بخلاف
стр. 2354
العُمْرَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ المَكِّيّ، وَإِحْرَامُ المَكِّيّ مِنْ الحَرَمِ لِمَا ذَكَرْنَا فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ
النصراني أو الصبي يدخل مكة بغير إحرام، ثم أسلم وبلغ الصبي فيُحرم بالحج، فإن هناك لا يلزمه الدم؛ لأنهما غير مخاطبين وقت المرور، فلا يتحقق تأخير الإحرام الواجب (١).
وقال المزني، وأحمد في رواية: في الكافر مثل قولنا (٢).
وقال الشافعي: يلزمه دم؛ لأن الكفار مخاطبون عنده بالشرائع، ولا خلاف في الصبي (٣).
ولو مر الصبي الوقت محرما، ثم بلغ قبل أن يطوف، وقبل أن يقف بعرفة؛ لم يجزه من حجة الإسلام عندنا (٤)، وبه قال الشافعي في قول (٥)، ومالك (٦).
[وفي قول] (٧): يجزئه عن حجة الإسلام.
وهل يلزمه دم بتأخير الإحرام؟ فيه طريقان (٨)، في أصحهما: لا دم عليه، وفي وجه: عليه دم؛ لأنه اجتاز الميقات غير محرم بالفرض، وترك صفة العبادة كترك العبادة، فصار كما لو اجتازه غير محرم. كذا في تتمتهم.
ولو مر العبد مُحرِما، فعلى هذا الخلاف عنده وعندنا لا يجزئه وإن جدد الإحرام بعد العتق؛ لأن إحرامه لازم في حقه؛ لكونه مخاطبا، فلا يتمكن بعده من فسخ ذلك الإحرام، وإنما طريقة خروجه منه أداء الأفعال، فلا يجزئه عن حجة الإسلام، بخلاف الصبي إذا أحرم بعد البلوغ على ما بينا أنه غير مخاطب.
فإن قيل: لو مر الصبي على الميقات محرمًا ثم بلغ؛ ينبغي أن يجزئه عن
стр. 2355
عَنْهُ (فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الحَرَمِ فَأَهَلَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَهُوَ عَلَى الخِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآفَاقِيِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابُ إِضَافَةِ الإِحْرَامِ إِلَى الإِحْرَامِ
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا أَحْرَمَ المَكِّيُّ
حجة الإسلام؛ لأن الإحرام شرط عندنا؛ ولهذا يصح الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج عندنا.
قلنا: حين أحرم لم يكن من أهل أداء الفرض، فانعقد إحرامه لأداء النفل، فلا يصح أداء الفرض به، كما في الضرورة إذا أحرم بنية النفل، عندنا لا يجزئه أداء الفرض (١)، وعند الشافعي ينعقد إحرامه للفرض (٢).
والإحرام وإن كان من الشرائط، ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان، ومع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين؛ فلهذا لا يجزئه حجة الإسلام إلا أن يجدد الإحرام قبل الوقوف؛ لأن الإحرام الذي باشره في الصغر كان تخلفًا، ولم يكن لازمًا عليه، فيتمكن من فسخه بتجديده، بخلاف العبد إذ جدد الإحرام على ما بينا.
باب إضافة الإحرام إلى الإحرام
قوله: (إذا أحرم المكي): وإنما قيد بالمكي؛ لأن الآفاقي لو أحرم بعمرة وطاف لها شوطًا، ثم أحرم بعمرة؛ مضى فيها ولا يرفض الحج؛ لأن بناء أعمال الحج على أعمال العمرة صحيح في حقه عندنا (٣)، وعند الشافعي يصح في حق المكي أيضًا (٤)؛ لمشروعية القرآن والتمتع عندهم، وقد مر.
وإنما قيد بالعمرة؛ لأن المكي إذا أهل بالحج وطاف شوطًا، ثم أحرم بالعمرة يرفض العمرة؛ لأن إحرام الحج قد تأكد، وقبل تأكده يؤمر برفض
стр. 2356
بِعُمْرَةٍ وَطَافَ لَهَا شَوْطًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالحَجِّ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ الحَجَّ، وَعَلَيْهِ لِرَفْضِهِ دَمٌ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: رَفْضُ العُمْرَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَقَضَاؤُهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ) (*)؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْضِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ المَكِّيِّ غَيْرُ مَشْرُوعِ، وَالعُمْرَةُ أَوْلَى بِالرَّفْضِ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا وَأَقَلُّ أَعْمَالًا وَأَيْسَرُ قَضَاءً لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، وَكَذَا إِذَا أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ بِالحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ العُمْرَةِ لِمَا قُلْنَا. فَإِنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالحَجِّ، رَفَضَ الحَجَّ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الكُلِّ، فَتَعَذَّرَ رَفْضُهَا كَمَا إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَهُ: أَنَّ إِحْرَامَ العُمْرَةِ قَدْ تَأَكَّدَ بِأَدَاءِ شَيْءٍ
العمرة، وبعده أولى. كذا في المبسوط (١).
وفيه: لو طاف المكي شوطين أو ثلاثة؛ فكذا الخلاف.
(غير مشروع)؛ أي: عندنا، وقد مر الخلاف فيه.
(أدنى حالا)؛ لأن العمرة سنة والحج فريضة، وهذا في حجة الإسلام ظاهر، وفي حجة التطوع تعلل بالوجهين الآخرين، وهما أقل أعمالًا وأيسر قضاء.
(لكونها)؛ أي: لكون العمرة (غير مؤقتة) فيمكنه أن يقضيها متى شاء، بخلاف الحج.
(وكذا إذا أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج)؛ أي: قبل أن يطوف شيئًا؛ فإنه يرفض العمرة بالاتفاق. ذكره في جامع السرخسي (٢).
(لما قلنا)؛ وهو أنه أيسر قضاءً وأقل أعمالًا وأدنى حالًا.
(أقل من ذلك)؛ أي: من أربعة أشواط.
(عند أبي حنيفة): وفي بعض النسخ: (عندهما) مكان أبي حنيفة؛ لأنه هو المثبت في نسخة المصنف.
стр. 2357
مِنْ أَعْمَالِهَا، وَإِحْرَامَ الحَجِّ لَمْ يَتَأَكَّدْ، وَرَفْضُ غَيْرِ المُتَأَكَّدِ أَيْسَرُ؛ وَلِأَنَّ فِي رَفْضِ العُمْرَةِ، وَالحَالَةُ هَذِهِ إِبْطَالَ العَمَلِ، وَفِي رَفْضِ الحَجِّ امْتِنَاعٌ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ بِالرَّفْضِ أَيُّهُمَا رَفَضَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ قَبْلَ أَوَانِهِ؛ لِتَعَذُّرِ المُضِيِّ فِيهِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُحْصَرِ،
وعن صاحب المنتخب: والصواب: وكذلك عند أبي حنيفة؛ لأنه هو المثبت في نسخة المصنف.
قال شيخي صاحب النهاية: وكذا وجدت بخط شيخي، ولكل وجه (١).
أما الثانية والثالثة؛ فظاهر، وأما الأول فهو لدفع سؤال سائل، يعني: لما أخذ الأكثر حكم الكل؛ ينبغي أن يكون الأقل كالمعدوم حكمًا، فصار كأنه لم يطف شيئًا، وهناك ترفض العمرة كما مر، فكذا في المعدوم الحكمي عند أبي حنيفة، فقال: لا كذلك؛ لأنه لما أتى بشيء من أفعالها؛ فقد تأكدت العمرة ولم يتأكد الحج، فكان رفض غير التأكد أسهل.
(والحالة هذه)؛ أي: أتى بشيء من أفعالها.
(امتناع عنه)؛ أي: عن الإبطال، والامتناع أهون من الإبطال، ولا كذلك إذا لم يفعل شيئًا، ولأنه إذا أتى بشيء من أفعالها فالحج أولى بالترك؛ لرجحانها عليه، باعتبار وجود البعض وعدم وجود فيه، ولا معارضة بين الموجود والمعدوم، وإنما يكون للأكثر حكم الكل في حق أداء الركن.
أما في حق عدم الاعتبار فلا؛ إذ الموجود وإن قل راجح على المعدوم وإن كثر، والموجود لا يكون تبعًا له في اعتبار الوجود، بخلاف ما إذا كان الموجود أكثر، حيث يكون الموجود القليل تبعًا للراجح الغالب، وأيضًا هذا رجحان بحسب الوجود، وما ذكر بحسب الحال، فالرجحان بحسب الوجود أولى قبل أوانه؛ لأن أداء الأفعال في معنى المحصر، من حيث إنه تعذر المضي فيه بعد الشروع، وهذا الدم دم جبر لا شكر؛ لأنه في معنى فائت الحج، وهو يتحلل بأفعال العمرة، قال ﵇: «مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ يحلُّ بعمرة لأجل إحرام الحج، فيلزمه حجة وعمرة». كذا في جامع قاضي خان.
стр. 2358
إِلَّا أَنَّ فِي رَفْضِ العُمْرَةِ قَضَاءَهَا لَا غَيْرُ، وَفِي رَفْضِ الحَجِّ قَضَاءَهُ وَعُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الحَجِّ (وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِمَا أَجْزَأَهُ)؛ لِأَنَّهُ أَدَّى أَفْعَالَهُمَا كَمَا التَزَمَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَالنَّهْيُ لَا يَمْنَعُ تَحَقَّقَ الفِعْلِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ النُّقْصَانُ فِي عَمَلِهِ لِارْتِكَابِهِ المَنْهِيَّ عَنْهُ، وَهَذَا فِي حَقِّ المَكِّيِّ دَمُ جَبْرٍ، وَفِي حَقِّ الآفَاقِيِّ دَمُ شُكْرٍ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ يَوْمَ النَّحْرِ بِحَجَّةٍ أُخْرَى، فَإِنْ حَلَقَ فِي الأُولَى لَزِمَتْهُ الأُخْرَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ فِي
(منهي عنهما)؛ أي: عن إحرام الحج والعمرة.
قال صاحب النهاية: وفي نسخة شيخي (عنها)؛ إذ هي المتعينة للرفض (١).
(تحقق الفعل)؛ أي: المنهي عنه.
(من أصلنا)؛ وهو أن المنهي بمعنى في غير المنهي يوجب مشروعيته، وهاهنا لغيره، وهو مزاحمة المكي الآفاقي في أشهر الحج في العمرة؛ لأنه لا ضرورة له في أداء العمرة في وقت الحج؛ لكونها مشروعة في جميع الأوقات.
وفي الكافي: فإن قيل: قد ذكر الشيخ في أول المسألة: أن الجمع بينهما في حق المكي غير مشروع، وهاهنا قال: النهي في تحقق المشروعية يثير تناقضا (٢).
قلنا: أراد بقوله: (غير مشروع) كاملا، كما في حق الآفاقي، فيندفع التناقض.
(في حق المكي دم جبر)؛ لارتكابه المحظور، فإنه يصير كالممتنع، وأنه منهي عن التمتع، فلا يحل له ولا لسائر الأغنياء، فيتصدق به على المساكين كسائر دماء الكفارات.
(وفي حق الآفاقي دم شكر)؛ لأن التمتع في حقه مشروع.
فإن قيل: ينبغي أن يجب عليه دمان؛ لدخول النقص في كل واحد من الإحرامين.
قلنا: هو ممنوع عن أحدهما، والنقصان كإدخال الثاني على الأول.
стр. 2359
الأُولَى لَزِمَتْهُ الْأُخْرَى وَعَلَيْهِ دَمٌ قَصَّرَ أَوْ لَمْ يُقَصِّرْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (*)؛ لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ إِحْرَامَي الحَجِّ، أَوْ إِحْرَامَي العُمْرَةِ …
قوله: (قصر)؛ أي: حلق بعد إحرام الحج الآخر ولم يحلق.
وعبر بالقصر عن الحلق؛ لأنه وضع المسألة بلفظة (من) بقوله: (ومن أحرم)، وبه يتناول الذكر والأنثى، فذكر أولا لفظ المطلق، وثانيا لفظ التقصير؛ لتشملها، إذ الحلق مختص بالرجال.
وفي بعض الروايات: (يحلق) مكان (قصر).
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد: إن قصر؛ فعليه دم، وإن لم يقصر؛ فلا شيء عليه، ولكن عليه دم للجمع عندنا (١).
أما إحرامه بالحج يوم النحر فصحيح؛ لأنه لما وقف بعرفة فقد تم حجه الأول؛ لقوله ﵇: «من وقف بعرفة ساعةً من ليل أو نهار فقد تم حجه» (٢)، وإنما أحرم للثانية بعد الفراغ عن الأول، فيصح إحرامه للثانية؛ لأن الإحرام قبل أشهر الحج عندنا (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥).
وقال الشافعي: لا يصح إحرامه للحجة الثانية؛ لأن عنده لا يصح تقديم الإحرام على أشهر الحج، وقد مر (٦).
وإذا صح إحرامه للثانية قبل وقته؛ يأتي بما بقي عليه من أعمال الحج الأول من الرمي والذبح، والإحرام لا يمنع ذلك عنه، وإن كان حلق قبل أن يحرم بالثانية؛ فليس عليه شيء.
أما لا يلزمه شيء لأجل الجمع؛ لأنه لم يصر جامعا بين الإحرامين، ولا
стр. 2360
بِدْعَةٌ،
بحكم الجناية؛ لأن الباقي بعد الحلق الرمي، وبذلك لا يصير جانيًا في الإحرام بالثانية وإن كان أحرم قبل أن يحلق، فإن حلق بعد ذلك؛ فهذا الحلق نسك في الإحرام الأول، جناية في الإحرام الثاني؛ لأنه حلق قبل أداء الأعمال في الإحرام، فيلزمه دم، وهل يلزمه دم بسبب الجمع بين الإحرامين؟
ذكر في المناسك أنه يلزمه، وعلى رواية هذا الكتاب لا يلزمه، فإن لم يأت بالحج في العام الثاني يلزمه الدم عند أبي حنيفة (١)؛ لأنه أخر الحلق في الحجة الأولى عن وقته، وتأخير الحلق يوجب الدم عنده خلافًا لهما، فكان الخلاف فيما إذا لم يحلق كذا في جامع قاضي خان.
قال أبو الليث في جامعه: يحتاج إلى زيادة في جواب هذه المسألة التي قال في هذا الموضع: ولم يذكر هنا، وذكر في كتاب المناسك أن عليه دمًا؛ لإضافة الحج إلى الحج؛ لأنه أحرم بحجة أخرى قبل الفراغ من الأولى، فيجب عليه في قول أبي حنيفة دمان؛ دم لتأخير الحلق، ودم للجمع بينهما.
وفي قولهما: لا يجب للتأخير شيء، ولكن يجب عليه دم للجمع (٢).
وفي الكافي: في وجوب الدم لأجل الجمع روايتان: في رواية: لا يجب؛ لأنه إذا حلق يجب دمان، وفي رواية: دم لأجل الجمع، ودم لأجل الجناية على الإحرام.
قوله: (بدعة)؛ لأن الإحرام عقد على الأداء، وأداء الحجتين في سنة واحدة غير مشروع، وكذا أداء العمرتين في ساعة واحدة غير مشروع، ولأنه ﵇ عَدَّ الجمع بين إحرامي الحج والعمرة من أكبر الكبائر، فلو أحرم بحجتين لزمتاه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد (٣)، والشافعي (٤)،
стр. 2361
فَإِذَا حَلَقَ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ نُسُكًا فِي الإِحْرَامِ الأَوَّلِ فَهُوَ جِنَايَةٌ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ
ومالك (١)، وأحمد (٢)، وأبي ثور.
وكذا الخلاف لو أحرم بعمرتين تلزمه إحداهما، لكن عند الشافعي بناء على أن الإحرام ركن، فلا يجوز قبل وقته (٣).
وعند محمد: الإحرام شرط، ولكن شرع لأداء الأفعال، وأداء حجتين أو عمرتين لا يتصور، فلا يتصور الإحرام لهما أيضًا، كالتحريمة في الصلاة (٤).
وعندهما: الإحرام شرط محض، والتزام محض في الذمة، بدليل أنه يصح منفصلا عن الأداء، والذمة تسع حججًا كثيرة، فصار من هذا الوجه نظير النذر، بخلاف التحريمة للصلاة؛ لأنها لا تصح منفصلة عن الأداء، لكن لا بد من رفض أحدهما؛ لما ذكرنا أن الجمع بدعة، فيرفض أحدهما تورعًا، أو لتعذر الأداء جمعًا، ثم عنده إذا توجه عندهما يصير رافضًا للآخر، وعند أبي يوسف: إذا فرغ من الإحرامين يصير رافضًا أحدهما (٥).
وفائدة الخلاف: تظهر فيما إذا قتل صيدًا قبل أن يتوجّه إلى أحدهما؛ فعلى قول أبي حنيفة عليه قيمتان، وعلى قول أبي يوسف قيمة واحدة (٦).
وإذا عرفت هذا، ففي مسألة الكتاب: إذا حلق الأولى قبل إحرام الثانية؛ لزمته الثانية ولا شيء عليه، وإن لم يحلق في الأولى حتى أحرم بالثانية؛ لزمته الثانية وعليه دم عند أبي حنيفة، قصر أو لم يقصر بسبب التأخير، وعندهما: إن قصر في هذه السنة فعليه دم الجناية على الإحرام الثاني؛ لأن التأخير غير مضمون عندهما. كذا في الخبازية والإيضاح.
ولكن ينبغي أن لا يجب دم عند محمد؛ لعدم لزوم الآخر (٧).
стр. 2362
أَوَانِهِ فَلَزِمَهُ الدَّمُ بِالإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى حَجَّ فِي العَامِ القَابِلِ فَقَدْ أَخَّرَ الحَلْقَ عَنْ وَقْتِهِ فِي الإِحْرَامِ الأَوَّلِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَعَدَمِهِ عِنْدَهُ، وَشَرْطُ التَّقْصِيرِ عِنْدَهُمَا.
(وَمَنْ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ إِلَّا التَّقْصِيرَ، فَأَحْرَمَ بِأُخْرَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ الوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِحْرَامَي العُمْرَةِ، وَهَذَا مَكْرُوهُ، فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَهُوَ دَمُ جَبْرٍ وَكَفَّارَةٍ (وَمَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَزِمَاهُ)؛ لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ
قيل في جوابه: المسألة مصورة فيما إذا وقف في الحجة الأولى، فلا يكون جمعا بين الإحرامين، فيلزمه الإحرام الثاني؛ لكن تعذر الأداء، ولكن لا يستقيم هذا مع قوله: (لأن الجمع بين الإحرامين بدعة)، ولاختلاف الرواية في وجوب الدم بسبب الجمع.
قوله: (لأن الجمع بين الإحرامين) إلى آخره: دليل لقوله: (وعليه دم قصر أو لم يقصر) (١).
(في غير أوانه)؛ لأن أوان الحلق في الحجة الأخرى العام القابل، فيلزمه الدم بالإجماع؛ لأجل الجناية على الإحرام الثاني.
(على ما ذكرنا)؛ وهو أن التأخير لا يوجب شيئًا عندهما.
قوله: (فلهذا)؛ أي: فلأجل أن التأخير جناية عنده؛ سوى بين الحلق وعدمه.
قوله: (فعليه دم)؛ أي: بالاتفاق (لإحرامه قبل الوقت)؛ لأن وقته بعد الحلق عن الأول.
قوله: (وهذا)؛ أي: الجمع بين إحرامي العمرة (مكروه)؛ لما ذكرنا، ثم إن محمدًا سكت عن إيجاب الدم بسبب الجمع بين إحرامي الحج في الجامع، وأوجب ذلك في كتاب مناسك المبسوط، وقد ذكر بعض مشايخنا في ذلك روايتين، وذكر في الجامع وجوب الدم بسبب الجمع بين إحرامي العمرة من غير اختلاف الروايتين.
стр. 2363
الآفَاقِيِّ، وَالمَسْأَلَةُ فِيهِ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ قَارِنَا لَكِنَّهُ أَخْطَأُ السُّنَّةَ.
ووجه الرواية التي سوى بينهما: أن الجمع غير مشروع في الصورتين، فصار مدخلا للنقص في الإحرام؛ فلذا أوجب الدم.
ووجه الرواية التي فرق بين الجمع وبين إحرامي الحج وبين الجمع إحرامي العمرة: أن في الحج لا يصير جامعًا في الفعل؛ لأنه لا يؤدي الحج الآخر في هذه السنة، وإنما كره الجمع في الفعل، أما في العمرة تصير جامعًا بينهما في الفعل؛ لأن العمرة الثانية تؤدى في هذه السنة. كذا في جامع الكسائي، والفوائد الظهيرية، وجامع قاضي خان (١).
وفي الكافي: قيل: لا خلاف بين الروايتين؛ لأنه سكت في الجامع عن إيجاب الدم بسب الجمع وما نفاه. وقيل: بل فيه روايتين كما ذكر في جامع الكسائي.
قوله: (والمسألة فيه) أي: في الآفاقي، ومعنى المسألة: أنه إذا أحرم بحجة ثم بعمرة قبل أداء شيء من أفعال الحج لزماه؛ لصدوره من أهله؛ لأنه أمكن إتيان أفعال العمرة قبله، وإنما الترتيب فيما هو وسيلة، والعبرة للمقصود، ويصير قارنا؛ لأنه جمع بين النسكين؛ لكنه ترك السنة؛ لأن القارن من يحرم بالحج والعمرة معا، أو يقدّم إحرام العمرة لا عكسه.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٦]، لكن لم يكن أداء الحج صح؛ لأن الترتيب في الإحرام لا الأداء، فعليه تقديم أفعالها على أفعاله. كذا ذكره فخر الإسلام، وظهير الدين المرغيناني.
(وأخطأ السنة)؛ وهي ما روي عن علي أنه قال: «من السُّنَّة أن يضاف الحج إلى العمرة، ولا تضاف العمرة إلى الحج» (٢)؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٦]؛ فقد جعل الحج غاية العمرة.
وعن الشافعي (٣)، وأحمد (٤): يجوز إدخال العمرة على الحج قبل
стр. 2364
فَيَصِيرُ مُسِيئًا (فَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْعَالِ العُمْرَةِ فَهُوَ رَافِضٌ لِعُمْرَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا، إِذْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الحَجِّ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ (فَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ رَافِضًا حَتَّى يَقِفَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ (فَإِنْ طَافَ لِلْحَجِّ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَمَضَى عَلَيْهِمَا، لَزِمَاهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ عَلَى مَا مَرَّ فَيَصِحُ الإِحْرَامُ بِهِمَا، وَالمُرَادُ بِهَذَا الطَّوَافِ طَوَافُ التَّحِيَّةِ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا هُوَ رُكْنٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالِ العُمْرَةِ ثُمَّ بِأَفْعَالِ الحَجِّ، فَلِهَذَا لَوْ مَضَى عَلَيْهِمَا جَازَ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ دَمُ كَفَّارَةٍ وَجَبْرٍ، هُوَ الصَّحِيحُ؛
الوقوف، وبعده له قولان: في القديم: يصح، وفي الجديد: لا يصح (١)، وبه قال أحمد (٢).
(إذ هي) العمرة. و (مبنية): بالنصب على الحال، والعامل الإشارة.
وفي جامع قاضي خان: لما وقف بعرفة وتعذر عليه أعمال العمرة بعد الوقوع؛ لأنه لو فعل كان بانيًا أفعال العمرة على أفعال الحج، وذلك غير مشروع لما ذكرنا، فيكون رافضًا للعمرة ضمنا للتعذر بعد ذلك شرعًا، وقد ذكرناه في آخر باب القران قبيل باب التمتع، ولأن الحج يتم بالوقوف على وجه لا يحتمل الفساد، وبتمامه ترفض العمرة لا قبل تمامه، حتى لو بدا له أن يرجع من الطريق، فطاف للعمرة وسعى ثم وقف بعرفات كان قارنا. كذا في جامع قاضي خان (٣).
قوله: (فمضى عليهما)؛ أي: على الحج والعمرة؛ بأن يقدم أفعالها عليه كما هو المسنون.
قوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما اختاره شمس الأئمة، وقاضي خان، والمحبوبي: أنه دم شكر؛ لأنه دم القران لتحقق القرآن؛ لوجود الترتيب
стр. 2365
لِأَنَّهُ بَانَ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ وَجْهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفُضَ عُمْرَتَهُ)؛ لِأَنَّ إِحْرَامَ الْحَجِّ قَدْ تَأَكَّدَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَطُفْ لِلْحَجِّ، (وَإِذَا رَفَضَ عُمْرَتَهُ يَقْضِيهَا) لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِرَفْضِهَا (وَمِنْ أَهْلِ بَعْمُرَةٍ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَزِمَتْهُ) لِمَا قُلْنَا (وَيَرْفُضُهَا) أَيْ: يَلْزَمُهُ الرَّفْضُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى رُكْنَ الْحَجِّ، فَيَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، وَقَدْ كُرِهَتْ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيْضًا عَلَى مَا نَذْكُرُ …
المشروع في الأركان، وإنما فات الترتيب في طواف التحية وهو من التوابع، فصار كتركه في الإحرام. كذا في المبسوط (١).
ولكن اختاره المصنف أنه دم جبر، كما اختاره فخر الإسلام؛ لأنه خالف السنة، فكان كقران المكي، فلا يأكل هو منه ولا الغني، بخلاف ما إذا لم يطف فإنه لا يرفض العمرة؛ لأنه لا يكون بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج، وإنما انعدم الترتيب في الإحرام وهو شرط.
وإنما قال: (من وجه)؛ لأن طواف التحية من أفعال الحج، وعليه دم لرفضها؛ لأنه بالرفض يصير جانيا، فيلزمه الدم كالمحصر. كذا في المبسوط (٢).
(لما قلنا)؛ وهو قوله: (لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي) (٣) كما بينا.
(على ما نذكر)؛ أي: في باب الفوات؛ وهو أن الشروع فيها صحيح حتى لزمته العمرة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يجب قضاء العمرة التي شرع فيها؛ كما لا يجب في الصوم في يوم النحر ثم أفسده.
قلنا: بالشروع في الصوم في يوم النحر يصير مرتكبا للمنهي عنه؛ وهو ترك إجابة ضيافة الله تعالى، أما هاهنا بإحرام العمرة لا يصير مرتكبا للمنهي عنه؛
стр. 2366
فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ رَفْضُهَا، (فَإِنْ رَفَضَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِهَا، وَعُمْرَةٌ مَكَانَهَا) لِمَا بَيَّنَّا (فَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ)؛ لِأَنَّ الكَرَاهَةَ لِمَعْنَى فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ بِأَدَاءِ بَقِيَّةِ أَعْمَالِ الحَجِّ، فَيَجِبُ تَخْلِيصُ الوَقْتِ لَهُ تَعْظِيمًا (وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا) إِمَّا فِي الإِحْرَامِ أَوْ فِي الأَعْمَالِ البَاقِيَةِ، قَالُوا: وَهَذَا دَمُ كَفَّارَةٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: إِذَا حَلَقَ لِلْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ لَا يَرْفُضُهَا عَلَى ظَاهِرِ مَا ذَكَرَ فِي الأَصْلِ، وَقِيلَ: يَرْفُضُهَا احْتِرَازًا عَنِ النَّهْيِ.
قَالَ الفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَمَشَايِخُنَا رَحِمَهُم اللَّهُ تَعَالَى: عَلَى هَذَا (فَإِنْ فَاتَهُ الحَجُّ
لأن المنهي في يوم النحر أفعال العمرة لا إحرامها؛ لأن النهي باعتبار اشتغاله في هذه الأيام بأفعالها، وعدم تخليص الوقت لأداء أفعال الحج كما يجيء، وذلك بالأفعال لا بالإحرام، فيصح الإحرام، فيجب القضاء باعتبار صحته. كذا في جامع قاضي خان (١).
قوله: (لجمعة بينهما)؛ أي: بين الحج والعمرة.
قوله: (إما في الإحرام)؛ يعني على اعتبار أنه أحرم بالعمرة قبل الحلق.
(أو في الأعمال الباقية)؛ من رمي الجمار وغيره، على تقدير الإحرام بعد الحلق، قبل طواف الزيارة أو بعده.
فإن قيل: بعد طواف الزيارة كيف يكون جامعا؛ لأنه يتحلل عن الإحرام أصلا لطواف الزيارة؟
قلنا: بلى؛ لكن بقي عليه بعض واجبات الحج؛ وهو رمي الجمار في أيام التشريق.
قوله: (في الأصل)؛ أي: المبسوط، حيث قال: لا يرفضها مطلقا (٢).
وقال بعض مشايخنا يرفضها احترازًا عن المنهي عنه؛ وهو العمرة في هذه الأيام، على ما يجيء في باب الفوات.
قوله: (ومشايخنا على هذا)؛ أي: على أنه يرفضها.
стр. 2367
ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ فَإِنَّهُ يَرْفُضُهَا)؛ لِأَنَّ فَائِتَ الحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ العُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقَلِبَ إِحْرَامُهُ إِحْرَامَ العُمْرَةِ، عَلَى مَا يَأْتِيكَ فِي بَابِ الفَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ العُمْرَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الأَفْعَالُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَتَيْنِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الحَجَّتَيْنِ إِحْرَامًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَدَمٌ لِرَفْضِهَا بِالتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْإِحْصَارِ
(وَإِذَا أُحْصِرَ المُحْرِمُ بِعَدُوّ، أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ فَمَنَعَهُ مِنْ المُضِيِّ، جَازَ لَهُ
وفي جامع قاضي خان: وهذا أصح (١).
قوله: (من غير أن ينقلب إحرامه) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد (٢).
وقال أبو يوسف: إحرام العمرة (٣).
وفائدة الخلاف: تظهر في حق لزوم الرفض إذا أحرم بحجة أخرى، فعندهما يرفضها؛ لئلا يصير جامعًا بين إحرامي الحج، وعنده: لا يرفضها؛ بل يمضي فيها. كذا ذكره فخر الإسلام، وظهير الدين المرغيناني، وكذا في المبسوط (٤).
باب الإحصار
في الباب المتقدم بيان جناية المحرم على نفسه، وفي هذا الباب بيان جناية الغير عليه، ولأن في الأبواب المتقدمة إحرام مع الأداء، وفي هذا الباب إحرام بلا أداء؛ فلهذا أُخرَ.
في المغرب: يقال: أحصر الحاج؛ إذا منعه خوف أو مرض من الوصول لإتمام حجه أو عمرته، وإذا منعه سلطان أو مانع قاهر في حبس أو مدينة؛ قيل:
стр. 2368
التَّحَلُّلُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَكُونُ الإِحْصَارُ إِلَّا بِالعَدُوِّ؛
حصر هذا هو المشهور (١).
وفي الإيضاح: المحصر هو الذي أحرم بحج أو عمرة، ثم منع من الوصول إلى البيت لمرض أو عَدُوٌّ أو غير ذلك (٢).
قوله: (وقال الشافعي: لا يكون الإحصار إلا بالعدوّ)، أي: ليس للمحرم التحلل بعذر المرض (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥)؛ بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان بعمرة أتمها وإن كان محرمًا بحج وفاته؛ تحلل بعمل العمرة، هذا إذا لم يشترط.
أما لو شرط التحليل عند المرض وقت الإحرام بأن قال: إذا مرضت، أو قال: يعقبني تحلل؛ فقد نص في القديم: على صحة هذا الشرط، وقال في الجديد: لو يصح فيه الخبر: يصح (٦)، وبه قال أحمد (٧)، ومحمد في رواية (٨)، وداود (٩)، وجماعة من أهل الحديث؛ لحديث بنت الزبير ضباعة عمة رسول الله أنه ﵇ قال لها: «تُريدي الحَجَّ؟» فقالت: أنا شاكية، فقال ﵇: «حُجِّي واشْتَرطِي أنّ مُحَلِّيَ حيثُ حُبِسْتُ» (١٠).
قال النواوي: الصحيح بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية، وضباغة الأسلمية كما ذكره الغزالي غلط (١١).
стр. 2369
لِأَنَّ التَّحَلَّلَ بِالهَدْيِ شُرِعَ فِي حَقِّ المُحْصَرِ؛ لِتَحْصِيلِ النَّجَاةِ، … ... … ... … ..
وقلنا: الاشتراط لا يمنع أن يجب بدونه كاشتراط العوض في القرض، واشتراط الرد في العارية، واشتراط الأمانة في الوديعة. وفائدة اشتراطه: تعجيل التحلل ولو لم يشترط لتأخر تحلله إلى حين بلوغ الهدي محله.
قال الزهري وهو الراوي للحديث: لم يُخِلَّ أحد بالشرط؛ إذ لو تحلل من غير هدي لما شرع الهدي؛ لأن كل من أحرم كان يشترط (١).
قال إمام الحرمين: تأويل الحديث، أي: حبستني بالموت؛ أي: حيث أدركني الموت انقطع إحرامي (٢). قال النواوي: هذا التأويل باطل (٣).
ثم العدو لو منع المحرم من المضي من جميع الطرق كان له أن يتحلل عنده، والأولى أن لا يُعجِّل التحلل إن وسع الوقت، فربما يزول المنع فيتم النسك وإن كان ضيقًا فالأولى التعجيل، ولو احتاج المحرمون إلى القتال نظر إن كان المانعون مسلمين، لا يلزمهم القتال ولهم التحلل وإن قدروا عليه، وإن كانوا كفارا يجب القتال إذا لم يزدد عدد الكفار عن الضّعْفِ بشرط وجدان المحرمين أهبة القتال.
وقال الأكثرون: لا يجب القتال ولو كان العدو كفارا وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشرك.
ولو أحصر المحرم بالعمرة يجوز له التحلل وأيضًا عند العامة (٤)، خلافًا لمالك فإنه يقول: إنَّ المحرم بالعمرة لا يخاف فوتها فلا يتحقق الإحصار (٥).
وقلنا: إنه ﵇ أحصر بالحديبية وتحلل وهو محرم بالعمرة. في شرح الوجيز ولأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصر لتحصيل
стр. 2370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النجاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] والآية في الإحصار بالعدو بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٦] والأمان من العدو لا من المرض، وإنما يكون من المرض الشفاء، ولأنه ﵇ كان محصراً بالعدو وفيما لم يرد به النص يتمسك بالأصل وهو لزوم الإحرام إلى حيث أداء الأفعال إلا أن يشترط ذلك عنده لما روينا (١).
والمعنى أن ما روينا والمعنى فيه أن ما ابتلي به لا يزول بالتحلل بأن يرجع إلى أهله فيندفع شره عن نفسه كذا في المبسوط (٢).
(ولنا: أن آية الإحصار وردت في الإحصار بالمرض) (٣)، فإن أهل اللغة قالوا: لفظ الإحصار لا يكون إلا في المرض وفي العدو يقال: حصر فهو محصور، وفي المرض: أحصر فهو محصر.
قال أبو جعفر النحاس: جميع أهل اللغة على ذلك (٤).
وعن الفراء: لفظ أحصر في المرض والعدوّ جميعاً وحصر في العدو خاصة، فعرف أن لفظ الإحصار يتناول المرض (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] لا يمنع من حمله على المرض، ومعناه: إذا برأتم، قال ﵇: «الزُّكامُ؛ أمانٌ من الجُذام، والدمّلُ؛ أمانٌ من الطاعون» (٦)، وقال ﵇: «مَنْ سَبَقَ الْعَاطِسَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ؛ أَمِنَ من الشَّوْصِ وَاللَّوْصِ وَالْعِلَّوْصِ» (٧)، والشوص وجع السن، واللوص وجع الأذن، والعلوص وجع البطن، فكان المراد من الإحصار مطلق المنع.
стр. 2371
وَبِالإِحْلَالِ يَنْجُو مِنْ العَدُوِّ لَا مِنْ المَرَضِ. وَلَنَا: أَنَّ آيَةَ الإِحْصَارِ وَرَدَتْ فِي الإِحْصَارِ بِالمَرَضِ …
وقد روى الحجاج بن عمر الأنصاري أنه ﵇ أنه قال: «من كُسِرَ أو عَرَجَ فعلَيْهِ الحجّ مِنْ قابل» فذكر ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. رواه الخمسة. قال الترمذي: حديث حسن (١).
وعن الأسود بن يزيد لُدِغَ صاحب لنا ونحن عُمَّار فإذا نحن بركب فيهم ابن مسعود فسألناه عن ذلك، فقال: «ليبعث صاحبكم بدم ويواعد فإذا ذبح عنه حل» (٢)، وهذا حُجّة على مالك، ولأن التحلل إنما يثبت للمحصر بالعدو لزيادة مدة الإحرام؛ لأنه إنما التزم الإحرام إلى أن يؤدي أعمال الحج، وبتعذر الأداء تزداد مدة الإحرام عليه ويلحقه في ذلك مشقة فرخص له التعلل، وهذا المعنى موجود في المرض مع المشقة في المرض في المكث محرمًا مع المرض أكثر فثبت له التحلل بالطريق الأولى.
قوله: (بالإحلال ينجو من العدو لا من المرض)؛ لأنه لا يمكنه أن يرجع إلى أهله، ومع ذلك يثبت له التحلل، فعرف أن المعنى ما ذكرنا.
وأما الذي ضل الطريق فعندنا محصر إلا أنه إن وجد من يبعث الهدي على يديه فهو يهديه إلى الطريق فلا يحتاج إلى التحلل، وإن لم يجد فهو عاجز عن تبليغ الهدي محله فلا يتحلل لهذا.
وأما من سرقت نفقته، فذكر ابن شجاع عن محمد أنه إذا كان يقدر على المشي لا يتحلل، وإن لم يقدر فهو محصر يتحلل بالهدي (٣). هكذا قال أبو يوسف (٤)، ولا يبعد أن لا يلزمه المشي في الابتداء ويلزمه بعد الشروع كالحج التطوع لا يلزمه ابتداءً ويلزمه بالشروع، وكالفقير لا يلزمه حجة الإسلام ابتداءً ويلزمه الإتمام بعد الشروع فيه. كذا في المبسوط (٥).
стр. 2372
بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الإِحْصَارُ بِالمَرَضِ وَالحَصْرُ بِالعَدُوِّ، وَالتَّحَلُّلُ قَبْلَ
قال صاحب الكشاف: الإحصار بمعنى المنع فيجوز له التحلل بمطلق المنع فلا يجوز تقييده بالعدو؛ لأنه نسخ الإطلاق وإن كان بمعنى المنع من المرض كما قال أهل اللغة فظاهر (١).
وإن كان بمعنى المنع من العدو كما قال الخصم؛ فيلحق المرض به دلالة، كذا في الكافي (٢).
ووجه الدلالة بيناه، وإذا جعل العدو عذرًا وهو من جهة العباد فالمرض أولى؛ لأنه من جهة صاحب الحق.
وقالت الشافعية في المحصر بالعدو: إذا وجد طريقًا أبعد من طريقه ونفقته لا تكفيه لذلك الطريق؛ فله التحلل فهذا إحصار بفقد نفقة الطريق من غير عدو (٣).
وقالت المالكية: لو أضر به الطريق الآخر جاز له التحلل (٤)، فهذا غير مذهبنا وهو تحلل من غير عذر.
قوله: (بإجماع أهل اللغة)، وحقه أن يقال بإجماع أهل التفسير؛ لعدم تعلق أهل اللغة بسبب النزول، ولكن هذا اللفظ منقول من الجامع لفخر الإسلام بضرب تغيير فذلك وقع نوع خلل، والمذكور فيه أن أصحابنا قالوا: المراد بالآية المرض كذلك قال أهل اللغة.
وفي الأسرار: كيف يستقيم حمل الآية على المرض، وإنما نزلت في رسول الله وأصحابه وكان منعهم بالعدو؟ فأجاب وقال: يعتبر عموم اللفظ ولا يحمل على السبب إلا إذا وقع موقع الجزاء؛ كقول الراوي: سها رسول الله فسجده (٥).
فإن قيل: إنه تعالى سبق قوله ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ﴾ [البقرة ١٩٦]
стр. 2373
أَوَانِهِ لِدَفْعِ الحَرَجِ الآتِي مِنْ قِبَلِ امْتِدَادِ الإِحْرَامِ، وَالحَرَجُ فِي الاصْطِبَارِ عَلَيْهِ مَعَ المَرَضِ أَعْظَمُ، وَإِذَا جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ يُقَالُ لَهُ: ابْعَثْ شَاةً تُذْبَحُ فِي الحَرَمِ وَوَاعِدْ مَنْ تَبْعَثُهُ بِيَوْمٍ بِعَيْنِهِ يَذْبَحُ فِيهِ، ثُمَّ تَحَلَّلَ وَإِنَّمَا يَبْعَثُ إِلَى الحَرَمِ؛ لِأَنَّ دَمَ الإِحْصَارِ قُرْبَةٌ، وَالإِرَاقَةُ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةٌ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان عَلَى مَا مَرَّ فَلَا يَقَعُ قُرْبَةٌ دُونَهُ فَلَا يَقَعُ
ولو كان أحصرتم عبارة عن المرض لما استقام نسق المرض ثانيا به.
قلنا: المراد من الإحصار مطلق المنع، ولئن كان المرض به يستفاد منه المريض الذي لا يتأذى به؛ يعني: إن منعتم بالمرض تحللتم بالدم ولا يباح به الحلق، وبالمرض الذي تتأذى به رأسه يباح له الحلق؛ يعني: إن منعتم بالمرض تحللتم بالدم، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكَفَّرتُم، فكان من قبيل عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوحٍ﴾ [الأحزاب ٧].
قوله: (في الاصطبار عليه)، أي: على الإحرام الممتد؛ يعني: الصبر على الإحرام في المرض أشد.
قوله: (وَوَاعِدْ) وإنما احتاج إلى المواعدة يعني إنما احتاج على المواعدة عند أبي حنيفة؛ لأن دم الإحصار عنده غير مؤقت، بزمان، أما عندهما مؤقت بيوم النحر فلا حاجة إلى المواعدة. كذا في المحيط (١).
وفي المبسوط: وأما في العمرة فمستقيم على قولهم جميعًا.
(ثم تحلل)، وبعد التحلل هو مخير إن شاء أقام مكانه وإن شاء رجع؛ لأنه لما صار ممنوعًا من الذهاب إلى مكة يخير بين المقام والانصراف. كذا في المبسوط (٢).
وفي جامع قاضي خان ولكن يبقى محرمًا ما لم يذبح حتى لو فعل قبل الذبح ما يفعله الحلال فقد ارتكب محظور إحرامه وإنما يبعث إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار يختص بالحرم عندنا (٣).
стр. 2374
بِهِ التَّحَلُّلُ، وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّ الهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى الحَرَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ؛
(محله) بكسر اللام: المكان كالمسجد، والمراد به الحرم بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] بعد ما ذكر الهدايا كذا في المبسوط (١).
قوله: (لما يهدى)، أي: ينقل إلى الحرم مأخوذ من الإهداء والهدية؛ ولهذا لو جعل ثوبه هديا لزمه تبليغه إلى الحرم. كذا في الأسرار (٢).
وقال مالك للمحصر: التحلل بلا دم إلا أن يكون معه هدي ساقه (٣)، وهو خلاف القرآن والحديث، وعند الشافعي: لو شرط التحلل عند المرض، فعلى قول صحة الشرط أن شرط التحلل بلا هدي فلا يجب عليه دم، وإن شرط التحلل بالهدي تحلل به، وإن شرط التحلل مطلقًا ففيه وجهان أظهرها لا يجب لمكان الشرط (٤).
وقال الشافعي في غير صورة الشرط: يجب دم الإحصار (٥)، وبه قال أحمد (٦) كما قلنا؛ لكن لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم؛ بل يذبحه حيث أحصر، وبه قال أحمد (٧)، ومالك في العمرة (٨)، وعن أحمد في الحج روايتان (٩).
قوله: (لا يتوقت به) أي: بالحرم؛ لما روي أنه ﵇ أحصر
стр. 2375
لِأَنَّهُ شُرِعَ رُخْصَةٌ، وَالتَّوْقِيتُ يُبْطِلُ التَّخْفِيفَ. قُلْنَا: المُرَاعَى أَصْلُ التَّخْفِيفِ لَا نِهَايَتُهُ، وَتَجُوزُ الشَّاةُ؛ لِأَنَّ المَنْصُوصَ عَلَيْهِ الهَدْيُ وَالشَّاةُ أَدْنَاهُ، وَتُجْزِئُهِ البَقَرَةُ.
بالحديبية فذبح هداياه وهو من الحل؛ لأن الحل موضع التحلل فكان موضعاً لذبح هديه كالحرم.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] المراد بالمحل الحرم لما ذكرنا.
(ولأن الإراقة لم تعرف قربة … ) (١) إلى آخره، ودم الإحصار قربة كدم التمتع فيختص بالحرم.
وأما ما روي فقد اختلفت الروايات في نحره ﵇ الهدايا حين أحصر روي أنه بعثها على يدي ناجية الأسلمي فينحرها في الحرم حتى قال ناجية: ما أصنع بما يعطب؟ فقال: «اذبَحْها واصبغ نعلها بدمها واضْرِبْ صَحْفَةَ سَنامِها وخَلَّ بينها وبين الناس، ولا تأكل أنتَ ولا رقيقك شيئاً منها» (٢)، وهذه الرواية أقرب إلى موافقة الآية؛ لقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وأما الرواية الثانية فإن صحت فنقول الحديبية من الحرم فإن نصفها في الحرم ومضارب رسول الله ﷺ في الحل ومصلاه في الحرم، وإنما سيقت الهدايا إلى جانب الحرم ونحرت فيه فلا يكون للخصم حجة.
وقيل: إن النبي ﵇ كان مخصوصاً بذلك؛ لأنه ﵇ ما كان يجد في ذلك الوقت من يبعث الهدايا مع يده إلى الحرم. كذا في المبسوط (٣).
قوله: (لا نهايته)، أي: نهاية التخفيف؛ لأنه لو كان نهاية التخفيف مراعى فيه لتحلل بالإحصار بلا دم، كما قال مالك.
وفي المحيط: ولهذا لم يستحق التخفيف متى لم يجد الهدي؛
стр. 2376
وَالبَدَنَةُ أَوْ سُبْعُهُمَا كَمَا فِي الضَّحَايَا، وَلَيْسَ المُرَادُ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْثَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَعَذَّرُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِالقِيمَةِ حَتَّى تُشْتَرَى الشَّاةُ هُنَالِكَ وَتُذْبَحَ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ تَحَلَّلَ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ … ... …
بل يبقى محرمًا حتى يطوف ويسعى كما يفعله فائت الحج وهذا عندنا (١)، أما عند الشافعي يتحلل في الحال إذا لم يجد الهدي ولا ينتظر وجوده في قول، وفي قول يبقى محرمًا كقولنا، وفي قول: له بدل من الطعام أو الصوم (٢). وفي البدل له ثلاثة أقوال (٣):
أحدها: أن بدله الإطعام. والثاني؛ الصيام والثالث؛ أنه مخير بينهما، فعلى تقدير أن بدله الإطعام ففيه وجهان: أحدهما: طعام. والثاني: إطعام فدية الأذى لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وعلى تقدير أن بدله الصيام؛ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها؛ صيام التمتع. والثاني؛ صيام التعديل، والثالث؛ صيام فدية الأذى، وعلى تقدير أنه مخير بينهما مخير بين صيام فدية الأذى وبين إطعامها فيطعم ويتحلل وإن لم يجد الإطعام، فهل يتحلل أولاً حتى يجد الطعام؟ على القولين في الهدي.
وإن قلنا: يصوم، فهل يتحلل قبل الصوم؟ فيه [قولان] (٤) ووجهان (٥) كذا في كتبهم (٦).
وهو (قولهما)؛ أي قول أبي يوسف ومحمد (٧)، وفي بعض النسخ (كذلك عليه ذلك) (٨) أي: الحلق، وبه قال الشافعي في قول (٩)، ومالك (١٠)، وأحمد
стр. 2377
عَلَيْهِ الحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ «لِأَنَّهُ ﷺ حَلَقَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مُحْصَرًا بِهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ ﵃ بِذَلِكَ».
في رواية (١).
وفي الخبازية والكافي المراد من قوله: (عليه الحلق) استحبابا لا وجوبًا؛ بدليل قوله: (ولو لم يفعل لا شيء عليه)؛ لأن ترك الواجب يوجب الدم وترك السنة يوجب الإساءة، ولم يذكر واحد من الأمرين، ولأن الحلق في الحج كالتسليم في الصلاة؛ لأن كلاهما محللان ثم التحلل فيها متى وقع شيء آخر سوى السلام لا يبقى السلام بعده واجبًا ولا مسنونا ولا مندوبا، والقياس في الحلق كذلك إلا إنا تركناه بحديث الحديبية.
وقلنا: بالندب ومبسوط شيخ الإسلام على هذه الرواية لا يتحقق الخلاف، وإنما يتحقق على ما روي في النوادر أن عليه الحلق، وإن لم يحلق فعليه دم (٢).
(وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) روي أنه ﵇ أمرهم بالحلق بعد بلوغ الهدي محله، وكره لهم تأخير ذلك حتى ذكر ذلك لأم سلمة فقالت: ابدأ بنفسك يا رسول الله، فإنهم يظنون أن في نفسك رجاء الوصول إلى البيت للحال، فحلق ﵇، فلما رأوا ذلك منه بادروا إلى الحلق (٣)، ولأنه لو لم يحصر يتحلل به. فكذا بعد الإحصار كذا في المبسوط (٤)؛ لأنه من جملة المناسك وهو مقدور فيؤتى به.
فإن قيل: لا مطابقة بين الدليل والمدلول؛ لأن فعله ﵇ مع أمره فيما لا يعقل قربة دليل الوجوب فكيف يصح دليلًا على قوله: (فلو لم يفعل لا شيء عليه)؟.
قلنا: عن أبي يوسف في المسألة روايتان في رواية: يجب الحلق، وفي رواية: لا يجب ذكره المحبوبي، ثم ذكر المصنف ذكر دليل رواية الوجوب ولم
стр. 2378
وَلَهُمَا: أَنَّ الحَلْقَ إِنَّمَا عُرِفَ قُرْبَةٌ مُرَتَّبَا عَلَى أَفْعَالِ الحَجِّ، فَلَا يَكُونُ نُسُكًا قَبْلَهَا، وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِيُعَرِّفَ اسْتِحْكَامَ عَزِيمَتِهِمْ عَلَى الإِنْصِرَافِ.
قال: (وَإِنْ كَانَ قَارِنَا بَعَثَ بِدَمَيْنِ)
يذكر دليل رواية الأخرى؛ لأن دليلهما دليله (١).
فإن قيل: كيف يقولان له بالتحلل قبل الحلق مع صريح النهي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] وأنها نزلت في المحصر كذا ذكر في الكشاف.
قلنا: يقولان: إنه تعالى نهاه عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله كما في سائر المحظورات مع أن الحلق وجب عليه للإحلال والدم قام مقامه فيستغني بذلك عنه. كذا في المبسوط وجامع المحبوبي.
(عرفت قربة مرتبًا على أفعال الحج) وقيل: أداء الأفعال كان جناية لا نسكًا كالسلام في الصلاة، فإذا عجز عن ترتيب الحلق على الأفعال لا يلزمه أن يأتي به بدليل أنه تعالى نهاه عن الحلق قبل بلوغ الهدي محله، وذلك دليل الإباحة بعد البلوغ لا دليل الوجوب.
فأما حلقه ﵇ بالحديبية فقد ذكر أبو بكر الرازي أن عندهما إنما لا يحلق المُحصَر إذا حصر في الحل، أما إذا حصر في الحرم يحلق؛ لأن الحلق عندهما مؤقت بالحرم والنبي ﵇ أحصر بها وبعضها في الحرم على ما بينا أن مضاربه كانت في الحل ومصلاه في الحرم، وحلقه ﵇ في الحرم، وبه يقول علي إنه ﵇ أمرهم بالحلق ليتحقق به عزمهم على الانصراف ويأمن المشركون من جانبه فلا يشتغلون بمكيدة أخرى بعد الصلح. كذا في المبسوط والإيضاح (٢).
(وإن كان قارنا بعث بالدَّمَين) وهذا عندنا (٣)، وعند الشافعي (٤)، ومالك (٥)،
стр. 2379
لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى التَّحَلُّلِ مِنْ إِحْرَامَيْنِ، (فَإِنْ بَعَثَ بِهَدْيِ وَاحِدٍ لِيَتَحَلَّلَ عَنِ الحَجِّ وَيَبْقَى فِي إِحْرَامِ العُمْرَةِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنهُمَا)؛ لِأَنَّ التَّحَلَّلَ مِنهُمَا شُرِعَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ الإِحْصَارِ إِلَّا فِي الحَرَمِ، وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ
وأحمد (١): يكفيه دم لما عُرف من أصله أن جنايات القارن (واحد منهما)، أي: من الإحرامين في حالة واحدة من حقه وبالهدي الواحد لا يتحلل عندهما كما قاله ﵇ «فلا أحِلُّ حتى أحِلَّ منهما» (٢)، وإذا بعث بهديين لا يحتاج إلى تعيين أيهما للعمرة والآخر للحج؛ لأن هذا تعيين غير مفيد وإذا بعثهما وتحلل بهما؛ فعليه عمرتان وحجة يقضيهما بقران أو إفراد كما شاء، إحدى العمرتين تلزمه للتحلل عن العمرة، والأخرى عن إحرام كما في المفرد. كذا في المبسوط (٣).
فإن قيل: وجب أن يكتفي بهدي واحد؛ لأن الهدي شرع للتحلل، والتحلل عن الإحرامين يقع بتحلل واحد، كما لو حلق قبل الذبح بعد أداء الأفعال.
قلنا: ليس هذا كالحلق؛ لأن الحلق في الأصل محظور للإحرام، وإنما صار قربة بسبب التحلل فكان قربة لمعنى في غيره لا بعينه فينوب الواحد عن اثنين كالطهارة الواحدة تكفي للصلوات الكثيرة، وكالتسليم الواحد في باب الصلاة فإنه يكفي للتحلل عن صلوات كثيرة، فأما الهدي شرع للتحلل إلا أنها قربة بنفسها بدون التحلل كما في الأضحية وما شرع قربة مقصودة بنفسها فلا ينوب الواحد عن الاثنين كأفعال الصلاة.
وقيل: جهة الكفارة في دم الإحصار راجحة لهذا؛ ولهذا لا يجوز له الأكل من دم الإحصار، وتجب الكفارة بحسب الجناية والجناية هنا على الإحرامين، وفيه تأمل.
قوله: (ولا يجوز ذبح دم الإحصار)، وإنما أعاد هذه المسألة مع أنه ذكرها عن قريب في هذا الباب؛ ليبتني أن أمور الحج مختصة بالمكان والزمان لكن
стр. 2380
أَبِي حَنِيفَة، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ لِلْمُحْصَرِ بِالحَجِّ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ لِلْمُحْصَرِ بِالعُمْرَةِ مَتَى شَاءَ) (*) اعْتِبَارًا بِهَدْيِ المُتْعَةِ وَالقِرَانِ، وَرُبَّمَا يَعْتَبِرَانِهِ بِالحَلْقِ، إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَلَّلٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ دَمُ كَفَّارَةٍ، …
اختصاصه بالمكان أثبت لعدم الاختلاف في المكان، ووجود الاختلاف فيه عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي، حتى لو تواعد المبعوث على بدنة بأن يذبح منه في أول أيام العشر جاز عنده.
(متى شاء)، أي: بالإجماع؛ لأن عمل العمرة لا يختص بوقت فكذلك الهدي به يتحلل عن إحرامها بخلاف المحصر بالحج على قولهما فإن أعمال الحج مختصة بوقت، فكذلك الذي به يتحلل يوقت بيوم النحر كذا في المبسوط (١).
قوله: (اعتبارا) متصل بقوله: (إلا في يوم النحر).
قوله: (للمحصر بالعمرة متى شاء) حشو بينهما، والجامع أن كل واحد دم يتحلل به عن إحرام الحج، فيختص بيوم النحر كهما، وربما يعتبرانه بالحلق من حيث إن كل واحد شرع للتحلل فلا يجوز قبل أوانه كالحلق. كذا في جامع قاضي خان (٢).
قوله: (لأبي حنيفة أنه دم كفارة)؛ لأن هذا دم وجب لأجل الخروج عن الإحرام قبل أداء الأفعال، والخروج عنه قبل أداء الأفعال جناية، فيكون ما وجب لأجله كفارة كما في سائر الجنايات؛ ولهذا لا يباح له التناول منه بالاتفاق، والكفارات تختص بالمكان دون الزمان بالاتفاق بخلاف دم المتعة والقران فإنه دم نسك حتى يباح له التناول، ولأنه تعالى قال في هدي الإحصار: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فالتقييد بالزمان يكون زيادة عليه فلا يثبت بالرأي. كذا في المبسوط (٣).
стр. 2381
حَتَّى لَا يَجُوزُ الأَكْلُ مِنهُ، فَيَخْتَصُّ بِالمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ كَسَائِرِ دِمَاءِ الكَفَّارَاتِ، بِخِلَافِ دَمِ المُتْعَةِ وَالْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ، وَبِخِلَافِ الحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِ الحَجِّ وَهُوَ الوُقُوفُ يَنْتَهِي بِهِ.
قَالَ: (وَالمُحْصَرُ بِالحَجِّ إِذَا تَحَلَّلَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) … ...
وفي جامع قاضي خان: هذا دم شرع للتحلل قبل أوانه؛ لدفع ضرر الإحصار رخصة وتخفيفا فلا يتوقف بيوم النحر؛ كيلا يبطل معنى التخفيف (١).
قوله: (ينتهي به) أي: بوقت الحلق.
قال فخر الإسلام: التحلل نوعان في أوانه وقبل أوانه. فأما في أوانه فلابد من التوقيت بيوم النحر؛ لأن الركن الأصلي هو الوقوف وإنما تنتهي مدة الوقوف بطلوع الفجر يوم النحر فلابد من أن يقع يوم النحر، فأما إذا وقع التحلل في غير أوانه فلا يتوقف على أداء الأفعال التي هو بها مؤدّ للحج إلى يوم النحر، فلا يتوقف على يوم النحر لعدم الضرورة التي ذكرنا.
وفي الأسرار: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة ١٩٦] مطلق ولم يتقيد بزمان فلا يجوز الزيادة عليه بالقياس وخبر الواحد، أما المكان أريد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى مَحِلَّهُ﴾ [البقرة ١٩٦] فلا يكون الزمان مرادا؛ لأنهما مختلفان فلا يجتمعان مرادين بلفظ على ما عرف وقياسهم باطل؛ لأنه يزيد على النص، أو لأنه قياس منصوص على منصوص (٢).
قوله: (و المحصر بالحج … ) إلى آخره، وعندنا هذا الحكم سواء في حج التطوع أو الواجب (٣)، وبه قال أحمد في رواية (٤).
وقال الشافعي: إذا تحلل المُحصَر فإن كان في حج واجب بقي الواجب ولا عمرة عليه، وإن كان في حج التطوع أو في سنة الإمكان؛ لم يلزمه
стр. 2382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القضاء (١) وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣)؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدي﴾ [البقرة ١٩٦] ولأنه أحرم بالحج، فإن كان واجبًا ولم يؤده فعليه الحج فلا يلزمه العمرة، كما لو حج من عامه ذلك، وإن كان تطوعًا فلا يلزمه بالشروع.
وفي شرح المجمع: قال أبو حفص في المنظومة:
ومُحصَرُ الحَجِّ عَلَيْهِ حَجَّةٌ … بِلا اعتمار لانعدام الحُجَّة
ومقتضى هذا أن مذهب الشافعي ﵁ أن على المحصر بالحج القضاء، ولكن ذكر في الوجيز: لا قضاء عليه (٤).
وفي المنظومة أيضًا:
وما على المُحصَرِ في النَّفْلِ قَضاءُ
وتخصيصه بالنفل دليل على أن المحصر بالحج الفرض عليه القضاء، والصحيح من مذهبه ما قلناه، ومذهبه في الحج أن الشروع فيه أيضًا بخلاف الصوم والصلاة إلا أن القضاء لا يجب على المحصر للعذر وهو الإحصار؛ إذ هو عذر من قبله بتقصير، وأكثر أصحابنا في الشروع اعتبروا مذهبه هاهنا في أن الشروع غير ملزم عنده، وسبب عدم وجوب القضاء ما ذكرنا لا ما ذكروا.
يؤيده ما ذكر في الوجيز: من فاته الوقوف بعرفة بسبب؛ فعليه أن يتحلل بأفعال العمرة ويلزمه القضاء ودم الفوات بخلاف المحصر فإنه معذور ولو أحصر فاختار طريقًا أطول ففاته أو صابر على الإحرام على مكانه توقعا لزوال الإحصار ففاته؛ ففي القضاء قولان لتركب السبب من الإحصار والفوات (٥).
ولو صُدَّ عن لقاء البيت بعد الوقوف؛ لم يجب القضاء على الصحيح كما قبل الوقوف والتمكن، ولو صُدَّ عن عرفة ففي وجوب القضاء قولان؛ هذا حاصل مذهبه.
стр. 2383
هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَلِأَنَّ الحَجَّةَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَالعُمْرَةَ لِمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الحَجِّ وَعَلَى المُحْصَرِ بِالعُمْرَةِ
(هكذا روي … ) إلى آخره (١) وفي جامع قاضي خان: ومذهبنا مروي عن العبادلة الثلاثة، ولأن العمرة الحجة الصغرى قال ﵇: «العُمرَةُ هيَ الحَجَّةُ الصُّغرى» (٢) فإذا عجز عن الكبرى يلزمه الخروج بالصغرى فيلزمه الحج في الابتداء بهذا الإحرام وعند العجز تلزمه العمرة، فإذا لم يأت بهما يلزمانه كما لو أحرم بهما.
(في معنى فائت الحج)؛ أي: من حيث أن في كل واحد منهما خروجًا عن الإحرام بعد الشروع قبل أداء الأفعال، ثم فائت الحج يتحلل بالعمرة ويقضي الحج كما يجيء؛ فكذا هذا.
فإن قيل: العمرة في فائت الحج للتحلل، وهاهنا تحلل بالهدي فلا حاجة إلى إيجاب العمرة.
قلنا: الهدي لأجل التحلل لا يسقط العمرة الواجبة بعد تحقق الإحصار كما أن المحصر في معنى فائت الحج والعمرة واجبة عليه. كذا ذكره مولانا حميد الدين.
وفي المستصفى: الهدي شُرع لتعجيل التحلل عن الإحرام لا التحلل عنه؛ لأنا لو شرطنا توقف تحلله بالعمرة يؤدي إلى إلحاق الضرر به؛ لعجزه عنها بواسطة الإحصار، ولأن العمرة وجبت للتحلل إلا أنها قربة مقصودة بنفسها حتى صح النذر بها، والتحلل بالهدي إن حصل بقربه العمرة لم يحصل فيجب على المحصر قضاء العمرة؛ لتحصل قربة العمرة لا للتحلل وعلى فائت الحج وجب الأمرين جميعًا للتحلل والقربة، وعلى المحصر بالعمرة القضاء خلافًا للشافعي وأحمد كما بينا (٣).
стр. 2384
القَضَاءُ وَالإِحْصَارُ عَنْهَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّتُ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَأَصْحَابَهُ ﵃ أُحْصِرُوا بِالحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا عُمَّارًا؛ وَلِأَنَّ شَرْعَ التَّحَلُّلِ لِدَفْعِ الحَرَجِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي إِحْرَامِ العُمْرَةِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الإِحْصَارُ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ إِذَا تَحَلَّلَ كَمَا فِي الحَجِّ.
(وَعَلَى القَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) أَمَّا الحَجُّ وَإِحْدَاهُمَا فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُ
قوله: (عنها)، أي: عن العمرة (يتحقق عندنا) (١) وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣).
(لأنها)؛ أي العمرة لا تتوقف ولا يتحقق فيها الفوات، والتحلل بالإحصار شرع؛ لئلا يؤدي بقائه في الإحرام من غير فائدة الأداء، وهذا المعنى يتحقق في الوقتية وهي غير مؤقتة فلا يتوقت الإحرام فيها. كذا في المبسوط (٤).
ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] عقيب قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦] ولأنه ﵇ حين أحصر بالحديبية وكانوا عمارًا حتى قضى ﵇ عمرته وكانت تسمى عمرة القضاء، وما روينا في حديث ابن مسعود في معتمر لُدِغَ.
وفي المنظومة: أن الإحصار بالعمرة لا يتحقق عند الشافعي، ولكن الصحيح من مذهبه تحققه.
وصرح أصحابه في كتبهم من غير ذكر خلاف؛ فلهذا ترك ذكر الخلاف صاحب المجمع (٥)، والعمار جمع المعتمر.
قوله: (وهذا)، أي: الحرج (موجود في إحرام العمرة)؛ لأنه عاجز عن المضي فيها وفي بقائه على إحرامه في المدة الطويلة حرج بين فيباح له التحلل كالمحصر بالحج فلما بينا، وهو أن المحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة وقد بينا الخلاف فيه.
стр. 2385
خَرَجَ مِنهَا بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا.
(فَإِنْ بَعَثَ القَارِنُ هَدْيًا وَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ زَالَ الإِحْصَارُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الحَجَّ وَالهَدْيَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ، بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِنَحْرِ الهَدْيِ لِفَوَاتِ المَقْصُودِ مِنْ التَّوَجُهِ وَهُوَ أَدَاءُ الأَفْعَالِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ لِيَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ العُمْرَةِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَائِتُ الحَجِّ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الحَجَّ وَالهَدْيَ لَزِمَهُ التَّوَجُهُ) لِزَوَالِ العَجْزِ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالخَلَفِ، (وَإِذَا أَدْرَكَ هَدْيَهُ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ)؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَقَدْ كَانَ عَيَّنَهُ لِمَقْصُودٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الهَدْيَ دُونَ الحَجِّ يَتَحَلَّلُ لِعَجْزِهِ عَنِ الأَصْلِ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الحَجَّ دُونَ الهَدْيِ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا
قوله: (فإن بعث القارن … ) إلى آخره ذكر القارن هنا وقع غلطا من النساخ؛ لأنه يجب على القارن بعث الهديين، ولما أن المصنف جمع بين روايتي القدوري والجامع الصغير والمذكور فيهما المحصر بالحج.
والصواب أن يقال: فإن بعث المحصر ويمكن أن يكون المراد من قوله؛ أي لكل واحد من الحج والعمرة، أو يكون أراد بالهدي الجنس كما في قول الراوي: «قضى رسول الله ﷺ بشاهد ويمين» (١)، أي: بجنس الشاهد عند إقامة البينة، وباليمين عند عدم البينة، وإنما يحتاج إلى المواعدة على مذهب أبي حنيفة كما بينا لا يلزمه أن يتوجه؛ بل يصبر.
فإن قيل: ينبغي أن يلزمه التوجه ليتحلل بأفعال العمرة وأنه واجب وله القدرة على ذلك.
قلنا: لأنه قد فاته المقصود الأعظم وهو الحج، وقد رُخص له التحلل ببعث الهدي، فجاز له أن يتحلل.
فإن قيل: وجب أن يأتي بالعمرة التي وجبت عليه بالشروع في القران وهو قادر عليها.
قلنا: لا يقدر على أداء ما وجب بالقران؛ لأن العمرة الواجبة به هي التي يتعقبها أفعال الحج، وبفوات الحج يفوت ذلك.