← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

حَتَّى لَا يَجُوزُ الأَكْلُ مِنهُ، فَيَخْتَصُّ بِالمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ كَسَائِرِ دِمَاءِ الكَفَّارَاتِ، بِخِلَافِ دَمِ المُتْعَةِ وَالْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ، وَبِخِلَافِ الحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِ الحَجِّ وَهُوَ الوُقُوفُ يَنْتَهِي بِهِ. قَالَ: (وَالمُحْصَرُ بِالحَجِّ إِذَا تَحَلَّلَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) … ... وفي جامع قاضي خان: هذا دم شرع للتحلل قبل أوانه؛ لدفع ضرر الإحصار رخصة وتخفيفا فلا يتوقف بيوم النحر؛ كيلا يبطل معنى التخفيف (١). قوله: (ينتهي به) أي: بوقت الحلق. قال فخر الإسلام: التحلل نوعان في أوانه وقبل أوانه. فأما في أوانه فلابد من التوقيت بيوم النحر؛ لأن الركن الأصلي هو الوقوف وإنما تنتهي مدة الوقوف بطلوع الفجر يوم النحر فلابد من أن يقع يوم النحر، فأما إذا وقع التحلل في غير أوانه فلا يتوقف على أداء الأفعال التي هو بها مؤدّ للحج إلى يوم النحر، فلا يتوقف على يوم النحر لعدم الضرورة التي ذكرنا. وفي الأسرار: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة ١٩٦] مطلق ولم يتقيد بزمان فلا يجوز الزيادة عليه بالقياس وخبر الواحد، أما المكان أريد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى مَحِلَّهُ﴾ [البقرة ١٩٦] فلا يكون الزمان مرادا؛ لأنهما مختلفان فلا يجتمعان مرادين بلفظ على ما عرف وقياسهم باطل؛ لأنه يزيد على النص، أو لأنه قياس منصوص على منصوص (٢). قوله: (و المحصر بالحج … ) إلى آخره، وعندنا هذا الحكم سواء في حج التطوع أو الواجب (٣)، وبه قال أحمد في رواية (٤). وقال الشافعي: إذا تحلل المُحصَر فإن كان في حج واجب بقي الواجب ولا عمرة عليه، وإن كان في حج التطوع أو في سنة الإمكان؛ لم يلزمه

стр. 2382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القضاء (١) وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣)؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدي﴾ [البقرة ١٩٦] ولأنه أحرم بالحج، فإن كان واجبًا ولم يؤده فعليه الحج فلا يلزمه العمرة، كما لو حج من عامه ذلك، وإن كان تطوعًا فلا يلزمه بالشروع. وفي شرح المجمع: قال أبو حفص في المنظومة: ومُحصَرُ الحَجِّ عَلَيْهِ حَجَّةٌ … بِلا اعتمار لانعدام الحُجَّة ومقتضى هذا أن مذهب الشافعي ﵁ أن على المحصر بالحج القضاء، ولكن ذكر في الوجيز: لا قضاء عليه (٤). وفي المنظومة أيضًا: وما على المُحصَرِ في النَّفْلِ قَضاءُ وتخصيصه بالنفل دليل على أن المحصر بالحج الفرض عليه القضاء، والصحيح من مذهبه ما قلناه، ومذهبه في الحج أن الشروع فيه أيضًا بخلاف الصوم والصلاة إلا أن القضاء لا يجب على المحصر للعذر وهو الإحصار؛ إذ هو عذر من قبله بتقصير، وأكثر أصحابنا في الشروع اعتبروا مذهبه هاهنا في أن الشروع غير ملزم عنده، وسبب عدم وجوب القضاء ما ذكرنا لا ما ذكروا. يؤيده ما ذكر في الوجيز: من فاته الوقوف بعرفة بسبب؛ فعليه أن يتحلل بأفعال العمرة ويلزمه القضاء ودم الفوات بخلاف المحصر فإنه معذور ولو أحصر فاختار طريقًا أطول ففاته أو صابر على الإحرام على مكانه توقعا لزوال الإحصار ففاته؛ ففي القضاء قولان لتركب السبب من الإحصار والفوات (٥). ولو صُدَّ عن لقاء البيت بعد الوقوف؛ لم يجب القضاء على الصحيح كما قبل الوقوف والتمكن، ولو صُدَّ عن عرفة ففي وجوب القضاء قولان؛ هذا حاصل مذهبه.

стр. 2383

هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَلِأَنَّ الحَجَّةَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَالعُمْرَةَ لِمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الحَجِّ وَعَلَى المُحْصَرِ بِالعُمْرَةِ (هكذا روي … ) إلى آخره (١) وفي جامع قاضي خان: ومذهبنا مروي عن العبادلة الثلاثة، ولأن العمرة الحجة الصغرى قال ﵇: «العُمرَةُ هيَ الحَجَّةُ الصُّغرى» (٢) فإذا عجز عن الكبرى يلزمه الخروج بالصغرى فيلزمه الحج في الابتداء بهذا الإحرام وعند العجز تلزمه العمرة، فإذا لم يأت بهما يلزمانه كما لو أحرم بهما. (في معنى فائت الحج)؛ أي: من حيث أن في كل واحد منهما خروجًا عن الإحرام بعد الشروع قبل أداء الأفعال، ثم فائت الحج يتحلل بالعمرة ويقضي الحج كما يجيء؛ فكذا هذا. فإن قيل: العمرة في فائت الحج للتحلل، وهاهنا تحلل بالهدي فلا حاجة إلى إيجاب العمرة. قلنا: الهدي لأجل التحلل لا يسقط العمرة الواجبة بعد تحقق الإحصار كما أن المحصر في معنى فائت الحج والعمرة واجبة عليه. كذا ذكره مولانا حميد الدين. وفي المستصفى: الهدي شُرع لتعجيل التحلل عن الإحرام لا التحلل عنه؛ لأنا لو شرطنا توقف تحلله بالعمرة يؤدي إلى إلحاق الضرر به؛ لعجزه عنها بواسطة الإحصار، ولأن العمرة وجبت للتحلل إلا أنها قربة مقصودة بنفسها حتى صح النذر بها، والتحلل بالهدي إن حصل بقربه العمرة لم يحصل فيجب على المحصر قضاء العمرة؛ لتحصل قربة العمرة لا للتحلل وعلى فائت الحج وجب الأمرين جميعًا للتحلل والقربة، وعلى المحصر بالعمرة القضاء خلافًا للشافعي وأحمد كما بينا (٣).

стр. 2384

القَضَاءُ وَالإِحْصَارُ عَنْهَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّتُ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَأَصْحَابَهُ ﵃ أُحْصِرُوا بِالحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا عُمَّارًا؛ وَلِأَنَّ شَرْعَ التَّحَلُّلِ لِدَفْعِ الحَرَجِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي إِحْرَامِ العُمْرَةِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الإِحْصَارُ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ إِذَا تَحَلَّلَ كَمَا فِي الحَجِّ. (وَعَلَى القَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) أَمَّا الحَجُّ وَإِحْدَاهُمَا فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُ قوله: (عنها)، أي: عن العمرة (يتحقق عندنا) (١) وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣). (لأنها)؛ أي العمرة لا تتوقف ولا يتحقق فيها الفوات، والتحلل بالإحصار شرع؛ لئلا يؤدي بقائه في الإحرام من غير فائدة الأداء، وهذا المعنى يتحقق في الوقتية وهي غير مؤقتة فلا يتوقت الإحرام فيها. كذا في المبسوط (٤). ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] عقيب قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦] ولأنه ﵇ حين أحصر بالحديبية وكانوا عمارًا حتى قضى ﵇ عمرته وكانت تسمى عمرة القضاء، وما روينا في حديث ابن مسعود في معتمر لُدِغَ. وفي المنظومة: أن الإحصار بالعمرة لا يتحقق عند الشافعي، ولكن الصحيح من مذهبه تحققه. وصرح أصحابه في كتبهم من غير ذكر خلاف؛ فلهذا ترك ذكر الخلاف صاحب المجمع (٥)، والعمار جمع المعتمر. قوله: (وهذا)، أي: الحرج (موجود في إحرام العمرة)؛ لأنه عاجز عن المضي فيها وفي بقائه على إحرامه في المدة الطويلة حرج بين فيباح له التحلل كالمحصر بالحج فلما بينا، وهو أن المحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة وقد بينا الخلاف فيه.

стр. 2385

خَرَجَ مِنهَا بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا. (فَإِنْ بَعَثَ القَارِنُ هَدْيًا وَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ زَالَ الإِحْصَارُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الحَجَّ وَالهَدْيَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ، بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِنَحْرِ الهَدْيِ لِفَوَاتِ المَقْصُودِ مِنْ التَّوَجُهِ وَهُوَ أَدَاءُ الأَفْعَالِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ لِيَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ العُمْرَةِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَائِتُ الحَجِّ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الحَجَّ وَالهَدْيَ لَزِمَهُ التَّوَجُهُ) لِزَوَالِ العَجْزِ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالخَلَفِ، (وَإِذَا أَدْرَكَ هَدْيَهُ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ)؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَقَدْ كَانَ عَيَّنَهُ لِمَقْصُودٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الهَدْيَ دُونَ الحَجِّ يَتَحَلَّلُ لِعَجْزِهِ عَنِ الأَصْلِ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الحَجَّ دُونَ الهَدْيِ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا قوله: (فإن بعث القارن … ) إلى آخره ذكر القارن هنا وقع غلطا من النساخ؛ لأنه يجب على القارن بعث الهديين، ولما أن المصنف جمع بين روايتي القدوري والجامع الصغير والمذكور فيهما المحصر بالحج. والصواب أن يقال: فإن بعث المحصر ويمكن أن يكون المراد من قوله؛ أي لكل واحد من الحج والعمرة، أو يكون أراد بالهدي الجنس كما في قول الراوي: «قضى رسول الله ﷺ بشاهد ويمين» (١)، أي: بجنس الشاهد عند إقامة البينة، وباليمين عند عدم البينة، وإنما يحتاج إلى المواعدة على مذهب أبي حنيفة كما بينا لا يلزمه أن يتوجه؛ بل يصبر. فإن قيل: ينبغي أن يلزمه التوجه ليتحلل بأفعال العمرة وأنه واجب وله القدرة على ذلك. قلنا: لأنه قد فاته المقصود الأعظم وهو الحج، وقد رُخص له التحلل ببعث الهدي، فجاز له أن يتحلل. فإن قيل: وجب أن يأتي بالعمرة التي وجبت عليه بالشروع في القران وهو قادر عليها. قلنا: لا يقدر على أداء ما وجب بالقران؛ لأن العمرة الواجبة به هي التي يتعقبها أفعال الحج، وبفوات الحج يفوت ذلك.

стр. 2386

التَّقْسِيمُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا فِي المُحْصَرِ بِالحَجِّ؛ لِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ عِنْدَهُمَا يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ يُدْرِكُ الحَجَّ يُدْرِكُ الهَدْيَ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَفِي المُحْصَرِ بِالعُمْرَةِ يَسْتَقِيمُ بِالاتِّفَاقِ؛ لِعَدَمِ تَوَقْتِ الدَّمِ بِيَوْمِ النَّحْرِ. وَجْهُ القِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀، أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ الحَجُّ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالبَدَلِ، وَهُوَ الهَدْيُّ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ التَّوَجَّهَ لَضَاعَ مَالُهُ؛ لِأَنَّ المَبْعُوثَ عَلَى يَدَيْهِ الهَدْيُ يَذْبَحُهُ وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ، وَحُرْمَةُ المَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَلَهُ الخِيَارُ إِنْ شَاءَ صَبَرَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ أَوْ فِي غَيْرِهِ لِيُذْبَحَ عَنْهُ فَيَتَحَلَّلُ، وَإِنْ شَاءَ تَوَجَّهَ لِيُؤَدِّيَ النُّسُكَ الَّذِي التَزَمَهُ بِالإِحْرَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ … ... … .. قوله: (استغنى عنه) (١) أي: عن المقصود، وهو التحلل بذبح الهدي. (وجه القياس) وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة و (قول زفر): حصول المقصود بالبدل كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة، وكالمريض إذا قدر على الوطء في مدة الإيلاء يبطل الفيء باللسان، وكالمكفر بالصوم إذا أيسر قبل إتمام الكفارة، وحرمة المال كحرمة النفس فلما كان الخوف على نفسه عذرا له في التحلل، فكذا الخوف على ماله كذا في المبسوط (٢). قوله: (وهو)، أي: التوجه أفضل (بما وعد) (وهو الحج)؛ لأنه شرع فيه ووَعَدَ أداءَهُ بقوله: اللهم إني أريد الحج. قوله: (لا يكون محصرًا)، أي: عندنا (٣)، وبه قال مالك (٤). وعند الشافعي (٥)، وأحمد (٦): لو أحصر عن طواف الزيارة ولقاء البيت يكون محصرًا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية [البقرة ١٩٦]. وقلنا: حكم الإحصار ثبت عند خوف الفوات وبعد الوقوف بعرفة لا يخاف

стр. 2387

(وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أُحْصِرَ لَا يَكُونُ مُحْصَرًا) لِوُقُوعِ الأَمْنِ عَنْ الفَوَاتِ. (وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ الطَّوَافِ وَالوُقُوفِ فَهُوَ مُحْصَرٌ)؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإِثْمَامُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أُحْصِرَ فِي الحِلِّ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ) الفوت؛ لقوله ﵇: «مَنْ وقف بعرَفَةَ فقد تمّ حَجَّهُ» (١) فكان المنع بعد التمام فلا يكون محصرًا. ومعنى قوله تعالى: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة ١٩٦] أي: منعتم عن إتمام الحج والعمرة، ولكنه يبقى محرمًا إلى أن يطوف للزيارة والصدر ويحلق أو يقصر وعليه دم؛ لترك الوقوف بمزدلفة ولرمي الجمار دم، ولتأخير الطواف دم، ولتأخير الحلق دم عند أبي حنيفة، فكان عليه أربعة دماء عنده، وعندهما ليس لتأخير الطواف شيء لما بينا (٢). فإن قيل: أليس إنكم قلتم: إذا ازداد عليه مدة الإحرام ثبت حكم الإحصار في حقه. قلنا: وقد ثبت زيادة مدة الإحرام هنا، فلماذا لم يثبت حكم الإحصار في حقه؟ قلنا: لا كذلك فإنه متمكن من التحلل بالحلق إلا في حق النساء وإن كان يلزمه بعض الدماء فلا يتحقق العذر الموجب للتحلل هنا. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ومن أحصر بمكة) لا يتحقق الإحصار بمكة عندنا إلا إذا منع عن الوقوف والطواف جميعًا (٤). وقال الشافعي: يتحقق الإحصار بمكة مطلقا سواء قدر على أحدهما أو لا (٥)؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] والنهي عن الحلق مُغيًّا ببلوغ الهدي الحرم دليل على أنه خارج الحرم، ولا يقاس المحصر بمكة؛ لأن العجز عن تكميل الأفعال خارج الحرم غالب الوجود وبمكة نادر، ولا يقاس النادر على الغالب. قوله: (فليس بمحصر)، أي: لا يتحلل بالدم؛ لأنه بأيهما أحصر فله أن

стр. 2388

أَمَّا عَلَى الطَّوَافِ فَلِأَنَّ فَائِتَ الحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِهِ وَالدَّمُ بَدَلَّ عَنْهُ فِي التَّحَلُّلِ، وَأَمَّا عَلَى الوُقُوفِ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالصَّحِيحُ مَا أَعْلَمْتُكَ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. يأتي بالآخر ويحلق ويتحلل، فلا يمتد عليه حكم الإحرام. قوله: (فائت الحج يتحلل به)، أي: بالطواف. قوله: (والدم) بدل عنه، أي: عن الطواف في حق المحصر في التحلل؛ لعجزه عن الطواف فيمتد إحرامه فشرع الهدي في حقه؛ لدفع ضرر امتداد الإحرام، وهاهنا أمكن له التحلل بما هو الأصل فيه فلا يشرع له التحلل بالخلف فلما بينا وهو قوله: (ومن وقف بعرفة ثم أحصر لا يكون محصرًا) (١) (٢)، في هذه المسألة خلاف وهو ما ذكره علي بن الجعد عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن المحرم يحصر في الحرم؟ فقال: لا يكون محصرًا. وقلت: أليس أن النبي ﵇ أحصر بالحديبية وهي من الحرم فقال: إن مكة كانت دار الحرب يومئذ، فأما اليوم فهي دار الإسلام، فالمنع عن جميع أفعال الحج نادر فلا يتحقق الإحصار فيها. قال أبو يوسف: فأما أنا فأقول إذا غلب العدو على مكة حتى حالوا بينه وبين البيت فهو محصر، والأصح أنه إن منع عن الطواف والوقوف فهو محصر، وإن منع أحدهما فليس بمحصر؛ لأنه إن لم يكن ممنوعا من الطواف والسعي. كذا في المبسوط والمحيط (٣). فروع تتعلق بهذا الباب إذا أحرمت المرأة بحجة الإسلام وليس لها مَحْرَمٌ؛ فهي ممنوعة عن الخروج شرعًا، فكانت بمنزلة المحصر يبعث بهدي ويتحلل، وكذا لو أحرمت بحجة التطوع. ولو أرادت حجة الإسلام مع المَحْرَمِ ليس لزوجها المنع من خروجها (٤)،

стр. 2389

بَابُ الفَوَاتِ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَفَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ)؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ وَقْتَ الوُقُوفِ يَمْتَدُّ إِلَيْهِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَتَحَلَّلَ وبه قال الشافعي في قول (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لأن بسبب عقده النكاح لا يثبت له ولاية المنع من أداء الفرائض كما في الصلاة والصوم، وفي أصح قولي الشافعي له المنع (٤)؛ لما روي أنه ﵇ قال في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها زوجها في الحج: «ليسَ لَها أن تنطلق إلا بإذن زوجها (٥)»، ولأن بالعقد ثبت له حق الاستمتاع بها، وبالإحرام يمنع حقه على الفور، والحج على التراخي بخلاف الصلاة والصوم؛ لأن مدتهما لا تطول. وقلنا: حق الزوج لا يؤثر في الفرائض سواء كانت واجبة على الفور أم لا، مع أن الحج يجب على الفور عند أبي يوسف وروايته عن أبي حنيفة بخلاف ما إذا لم تجد محرمًا؛ لأن الحج لم يجب عليها لانعدام المحرم، وبخلاف حجة التطوع فإن الخروج لأجله لم يصر مستثنى من حق الزوج، وسيأتي باقي هذه المسألة. بَابُ الفَوَاتِ قدم الإحصار؛ لأن فيه إحرام بلا أداء وفي الفوات إحرام مع الأداء مع تعسر فكان الإحصار كاملًا في العارضية، فقدم في بيان العوارض. (يمتد إليه)؛ أي: إلى طلوع الفجر بالإجماع. قوله: (ويتحلل)، أي: بالحلق. وعن مالك: يبقى محرمًا حتى يقف بعرفة

стр. 2390

وَيَقْضِيَ الحَجَّ مِنْ قَابِلٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ)؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ في العام القابل (١)، واختلف أصحاب الشافعي في أن التحلل بماذا؟ قال بعضهم: يتحلل بطواف وسعي وحلق قولا واحدًا، وقال بعضهم: في المسألة قولان: أحدهما: وهو الصحيح أن عليه طوافًا وسعيًا وحلقا؛ لقول عمر لأبي أيوب: اصنع كما يصنع المعتمر بعد الطواف، وقال ابن عمر فيمن فاته الحج: «يطوف ويسعى بين الصفا والمروة سبعًا ثم يحلق أو يقصر»، ولأن السعي من أعمال العمرة فيؤمَرُ به من فاته الحج كالطواف والحلق. والثاني: أنه عليه سعي؛ لقول عمر لأسود حين فاته الحج: اذهب إلى مكة وطف وانحر، ويسقط عنه المبيت والرمي، وقال المزني: لا يسقط (٢)، وبه قال مالك؛ لأنه يتحلل بأفعال الحج فيأتي بالجميع كذا في كتبهم (٣). قوله: (ويقضي الحج من قابل)، وقال الشافعي: إن كان الحج فرضا يبقى في ذمته ويحج من قابل وإن كان تطوعًا لا يلزمه القضاء (٤)، وعن أحمد: لا قضاء في رواية (٥). ثم لا ينقلب إحرام من فاته الحج عمرة إلا عند أحمد (٦)، وأبي يوسف (٧)، وبعض أصحاب الشافعي في وجه ضعيف فيتحلل بالعمرة (٨)؛ لأن التحلل بأفعال العمرة إنما يكون بأفعال العمرة. قلنا: لا يمكن جعله إحرامه للعمرة إلا بفسخ إحرام الحج ولا طريق لنا في ذلك، بدليل أن المكي لو فاته الحج يتحلل بها من غير أن يخرج من الحرم،

стр. 2391

فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلِ»، وَالعُمْرَةُ لَيْسَتْ إِلَّا الطَّوَافَ ولو انقلب للزمه الخروج إليه؛ لأن ميقات إحرام المكي للعمرة الحِلُّ، ولأنه لو لم يتحلل منه حتى دخل أشهر الحج يتحلل بعمل العمرة ثم حج من عامه لا يكون متمتعًا، ولو انقلب إحرامه عمرة لصار متمتعًا، ولأن التحلل من إحرام الحج يقتضي بقاء إحرامه؛ إذ لو زال وانفسخ لم يكن ذلك تحللًا منه فكيف يخرج منه بعد انفساخه وانقلابه إحرام عمرة. وفي المبسوط: بقي أصل إحرام الحج بدليل أنه لو أحرم بحجة أخرى يطوف للذي فاته ويسعى ويرفض الثانية، فلو لم يكن إحرامه باقيًا لم يكن جامعًا بين إحرامي الحج ولم يجب رفض الثانية (١). وفي المحيط: رفض الثانية قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يمضي في الحجة الثانية؛ لأن الأولى انقلب إحرام عمرة فكان هذا محرم بعمرة أضاف إليها حجة (٢). وقال زفر: ما يؤديه من الطواف والسعي بقايا أعمال الحج (٣)؛ لأنه بالإحرام به التزم أداء أفعاله وقد فات بعضها، ولا يفوت البعض فيسقط ما يفوت ويلزمه ما لا يفوت وهو الطواف والسعي. وقلنا: الطواف والسعي للحج إنما يتحلل بهما عن الإحرام بعد الوقوف، فأما قبله فلا وحاجته هنا قبل الوقوف فإنما يأتي بطواف وسعي يتحلل بهما عن الإحرام، وذلك طواف العمرة. كذا في المبسوط (٤). وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧)، والحسن بن زياد عليه دم؛ لما

стр. 2392

وَالسَّعْيَ، وَلِأَنَّ الإِحْرَامَ بَعْدَمَا انْعَقَدَ صَحِيحًا لا طَرِيقَ لِلْخُرُوجِ عَنْهُ إِلَّا بِأَدَاءِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ روي عن عمر أنه قال لأبي أيوب الأنصاري حين فاته الحج: «فإذا أدركت الحج من قابل فحج وأهد ما استيسر من الهدي (١)» وهكذا روي عن ابن عمر، ولأنه صار كالمحصر فيجب عليه دم قياسًا عليه (٢). ولنا: قوله ﵇: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج» (٣) وهذا دليل على أن الدم غير واجب؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، واللائق بمنصبه البيان في موضع الحاجة فإذا لم يبين علم أنه ليس بواجب. وروي عن الأسود أنه قال: سمعت عمر يقولك: من فاته الحج تحلل بعمرة ولا دم عليه وعليه الحج من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت بعد ذلك بثلاثين سنة فقال مثل ذلك، وعن عثمان مثله (٤). والمعنى فيه أن (الإحرام بعد ما انعقد صحيحًا) فطريق الخروج عنه (أداء أحد النسكين)؛ إما الحج أو العمرة، كمن أحرم إحرامًا منهما بأن قال: لبيك بما لبّي محمد وقال: لبيك بما لبى آخر. وقال علي: لبيك بما لبّى محمدا ﷺ ، أو قال: لبيك اللهم ولم يعين الحج أو العمرة، وهاهنا تعذر الخروج عنه بأفعال الحج إنما فاته الوقوف فتعين عليه الخروج بعمل العمرة، فصارت أعمال العمرة في حق الحج بمنزلة الدم في المحصر فلا يجمع بينهما؛ أي: بين أفعال العمرة والدم، أما المحصر فعاجز عن الأفعال فلا يقع تحلله إلا بالدم. كذا في المبسوط (٥). وما رواه الخصم معارض بما روينا، فيحمل ذلك على الاستحباب لا الوجوب جمعًا بين الروايتين مع أنه رواية شاذة، أو يحمل أثر عمر عليه وابن عمر مضطرب فيه جدًّا ذكره الثقات، وقياسه بالمحصر فاسد لما ذكرنا أن

стр. 2393

كَمَا فِي الإِحْرَامِ المُبْهَمِ، وَهَاهُنَا عَجَزَ عَنْ الحَجِّ فَتَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ العُمْرَةُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ وَقَعَ بِأَفْعَالِ العُمْرَةِ، فَكَانَتْ فِي حَقِّ فَائِتِ الحَجِّ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ فِي حَقِّ المُحْصَرِ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. (وَالعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ يُكْرَهُ فِيهَا المحصر عاجز فلا يعقد صحيحًا؛ أي: نافذا لازما. واحترز به عن إحرام العبد أو الأمة أو المرأة في التطوع بغير إذن المولى والزوج فإن لهما أن يحللهما بلا إتيان الأفعال، ولا يحترز عن الإحرام الفاسد فإن فيه يلزمه المضي في أفعاله؛ إذ الفاسد يأخذ حكمه من الصحيح. كذا في المبسوط (١) وفيه: ويقطع التلبية فائت الحج من يستلم الحجر في الطواف؛ لما أن هذا طواف العمرة وهذا وإن قطعها في حقه كما في المعتمر ولو كان قارنا يقطعها حين يأخذ في الطواف الثاني؛ لأن العمرة ما فاتته فيجعل كأنه طاف لها قبل الفوات فيقطعها في الذي يتحلل به ولو فاته الحج فمكث محرمًا حتى دخل أشهر الحج من قابل فتحلل بعمل العمرة ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا، وهذا أيضًا دليلٌ على أن إحرامه لم ينقلب إحرام عمرة ولو انقلب لكان متمتعًا كمن أحرم بعمرة في رمضان وطاف لها في شوال، وليس على فائت الحج طواف الصدر، ولأن العود للقضاء مستحق عليه، ولأنه صار بمنزلة المقيمين في حق الأعمال وليس على المقيم طواف الصدر. الكل من المبسوط (٢). قوله: (والعمرة لا تفوت) حتى لو أهل بعمرة في أشهر الحج فقدم مكة بعد يوم النحر يقضي عمرته ولا شيء عليه؛ لأن العمرة غير مؤقتة، فالحاصل أن جميع السنة وقتها، ولكن تكره في خمسة أيام. كذا في المبسوط (٣). وقال الشافعي (٤)، وأحمد (٥): لا يكره في وقت من السنة.

стр. 2394

فِعْلُهَا، وَهِيَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَهُ العُمْرَةَ فِي هَذِهِ الأَيَّام الخَمْسَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ الحَجِّ فَكَانَتْ مُتَعَيِّنَةٌ لَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِ رُكْنِ الحَجِّ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا قَبْلَهُ، وَالأَظْهَرُ مِنْ المَذْهَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ أَدَّاهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ صَحَّ وَيَبْقَى مُحْرِمًا بِهَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الكَرَاهَةَ لِغَيْرِهَا وَهُوَ تَعْظِيمُ أَمْرِ الحَجِّ وَتَخْلِيصُ وَقْتِهِ لَهُ فَيَصِحُ الشُّرُوعُ. (وَالعُمْرَةُ سُنَّةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فَرِيضَةٌ، لِقَوْلِهِ ﵊: وقال مالك: يكره في أشهر الحج؛ تعظيما لأشهر الحج (١). وجه قول الشافعي: إن أراد العمرة في هذه الأيام للقارن لا يكره بالإجماع فلا يكره الإحرام بها، وللأداء لها مفردًا في هذه الأيام؛ لأنها وقتها كسائر الأيام. ولنا: ما روي عن عائشة أنها تكره إلى آخره، وهذا كما لا يعرف عقلا، فكان كالمسموع من النبي ﵇. ولأن الله تعالى سمى هذه الأيام: أيام الحج الأكبر، والعمرة هي الحجة الصغرى كما ورد به الأثر، فيقضي أن يكون متعينًا للحج الأكبر، ولا يجوز الاشتغال فيها بغيره. كذا في المبسوط (٢). وهذا معنى قوله: (فكانت متعينة)، أي: للحج الأكبر، وفيه تأمل. وفي المستصفى والنهاية الشفاهية والمراد بقوله يكره فعلها؛ أي: انتفاء الإحرام في هذه الأيام، أما لو كان أو فائت الحج يجوز أداء أفعالها بلا كراهة فيها كما في سائر الأيام (٣). قوله: (والعمرة سنة)، أي: سنة مؤكدة. كذا في المستصفى (٤)، وبه قال

стр. 2395

«العُمْرَةُ فَرِيضَةٌ كَفَرِيضَةِ الحَجِّ» وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «الحَجُّ فَرِيضَةٌ وَالعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ»؛ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ بِوَقْتٍ وَتَتَأَدَّى بِنِيَّةِ غَيْرِهَا كَمَا فِي فَائِتِ الحَجِّ، وَهَذِهِ أَمَارَةُ النَّفْلِيَّةِ. مالك (١)، والشافعي في القديم (٢)، وقال في الجديد: إنها فريضة (٣)، وبه قال أحمد (٤)، والثوري والفضلي من أصحابنا إلا أنه قال: فرض كفاية (٥). وقال بعض مشايخنا: إنها واجبة (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦]. وفي جمل النوازل: وهو الصحيح. وفي التحفة الواجب والسنة المؤكدة متقاربان (٧). وجه قول الشافعي: قوله ﵇: «العُمرَةُ فريضة» (٨) الحديث. وعن جابر أنه ﵇ «الحج والعمرة فريضتان واجبتان» (٩)، وعن ابن عمر: «ليس أحدٌ إِلَّا وعليهِ حَجَّةٌ وعُمرةٌ» (١٠)، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦] فالعطف يقتضي أن إتمامها واجب كالحج ولا يتصور ذلك إلا بعد الشروع فيها، فكان الشروع فيها واجبًا، وكذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة ٣] يدل على أن من الحج ما هو الأصغر والحج مطلقا فريضة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧]. ولنا: قوله ﵇: («الحَجُّ فَرِيضَةٌ وَالعُمْرَةُ تَطَوُّع») (١١)، وعن جابر:

стр. 2396

وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِأَعْمَالِ كَالحَجِّ، إِذْ لَا تَثْبُتُ الفَرْضِيَّةُ مَعَ التَّعَارُضِ في الآثار. قَالَ: (وَهِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ التَّمَتَّعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أن أعرابيا أتى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله: أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ قال ﵇: «لا، وأن تعتَمِر خيرٌ لكَ»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه أحمد أيضًا (١). وعن أبي هريرة [قال] ﵇: «الحج جهاد، والعمرة تطوّع» (٢). قوله: (وهذا)، أي: كونها غير مؤقتة في العبادات التي لا تستغرق العمر لو كان فرضًا ينبغي أن يتعلق بوقت معين كالصلاة والصوم. (وتأويل ما رواه)، أي: الشافعي (أنها) أي العمرة، (مقدرة بأعمال)؛ أي: الفرض التقدير لغة، وأما الآية فتدل على وجوب الإتمام بعد الشروع. وقلنا: إنها واجب للإتمام بعده، وبهذا لا تثبت فرضيتها كما لا تثبت فرضية الحج بهذه الآية؛ بل بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦] قريب. والعمرة: بالرفع والنصب، وعلى تقدير الرفع والنصب، وعلى تقدير الرفع ابتداءً إخبار أن العمرة الله والنوافل الله تعالى، وعلى تقدير النصب لا يدل على فرضيتها كما ذكرنا. وأما قوله: ﴿الْحَجُّ الْأَكْبَرُ﴾ [التوبة ٣] فدليلنا؛ لأنه يدل على الصغرى، والصغرى دون الكبرى مرتبة ووجوبا، ولا يجوز صرف الأكبر من حيث الأفعال فإنه لا يقال: صلاة الظهر أكبر من صلاة الفجر. كذا في المبسوط، والأسرار (٣). والجواب عن حديث جابر الذي أخرجه ابن عدي في كامله من طريق

стр. 2397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عبد الله ابن لهيعة المصري، وحاله مكشوفة، والعجب في احتجابهم به مع علمهم بضعفه وتركه. قال عبد الحق: الصحيح أنه لا يصح في هذا الباب حديث صحيح. قال ابن عبد البر: إنه تعالى لم يوجب العمرة بنص، ولا أوجبها النبي ﵇ في ثابت النقل، ولا أجمع المسلمون على فرضيتها، والفروض لا تثبت إلا من هذه الوجوه، وقد ثبت في الصحيحين أنه ﵇ قال: «بني الإسلام على خمس» (١)، وذكر منها الحج لا العمرة، فلو كانت فريضة كما زعموا لذكرها (٢). قوله: متعلقة بهذا الباب، لا ينبغي لفائت الحج أن يقيم في منزله حرامًا من غير عذر ويبعث بالهدي، ولا يَحلُّ إن بعث به بلا خلاف؛ لأن التحلل بالهدي للمحصر، وهذا غير محصر، وقد تعين عليه التحلل بالطواف والسعي شرعًا، فلا يتحلل بغيره. ولو ساق القارن هديه ففاته الحج يصنع بهديه ما شاء؛ لأنه ملكه لفوات مقصوده، وكذا لو جامع وفسد حجه يصنع به ما شاء، ولو كان هديه وُلِدَ في الطريق ثم فاته، أو جامع، أو أحصر صنع بالولد ما شاء كالأم؛ لأنه جزاء الأم ولو لم يكن شيء مما ذكرنا ينحره مع أمه تبعًا له، حتى لو نحر الأم وباع الولد أو وهبه يلزمه قيمته، وكذلك إن ولد هذا الولد. ولو طاف المحرم بالحج ثم خرج إلى الربذة، ثم أُحصر بها ثم قدم مكة؛ فعليه أن يحل بعمرة ولا يكفيه الطواف الأول؛ لأن ذلك للتحية وليس له أثر في التحليل، ولأن التحليل بالطواف يكون يوم النحر أو بعده، وذلك الطواف قبل يوم النحر فلا يكون معتبرًا، ولو فاته الحج فأقام حرامًا حتى يحج القابل بذلك الإحرام لا يجزئه من حجته، ويستدل أبو يوسف به على أن إحرامه ينقلب للعمرة حتى لا يجوز أداء الحج به.

стр. 2398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقلنا: أصل إحرامه بقي؛ لكن يعتق عليه الخروج بأعمال العمرة فلا يبطل هذا التعيين بتحول السنة، ولو فاته الحج فأهل بحجة أخرى يطوف للفائت ويسعى ويرفض الأخرى، وعليه دم لرفضها، وقضاء الفائت أيضًا، وإنما رفضها لأن بقاء الإحرام الأول يصير جامعًا بين حجتين فيلزمه الرفض. ولو نوى بهذا الإهلال قضاء الفائت فهي هي، يعني لا يلزمه بهذا الإهلال شيء، ويتحلل بعمل العمرة عن الفائت وعليه قضاء الفائت فقط. ولو أهل بعمرة بعد ما فاته الحج رفضها أيضًا للجمع، ومضى في عمل الفائت فيصير جامعًا بين العمرتين من حيث العمل، وذلك لا يجوز فلزمه رفضها. ولو أهل بحجتين وفاته الحج يتحلل بعمل العمرة عليه عمرة وحجتان ودم؛ لأنه صار رافضًا لأحدهما فلزمه دم للرفض، وقضاء حجة وعمرة لها، ثم قد فاتته الأخرى يتحلل منها بعمل العمرة، ولا يجوز أن يتحلل منهما بعمل العمرتين؛ لأنهما لا يجتمعان عملا، وكما أخذ في عمل أحدهما صار رافضًا للأخرى. ولو أهل من فاته الحج صبيحة يوم النحر بحجة أخرى لزمته ويقضي ما بقي عليه من الأولى ويقيم حرامًا إلى أن يؤدي الحج بهذا الإحرام من قابل، وعليه دم للجمع؛ لأن إحرامه للحجة الأولى باقي ما لم يتحلل بعمل العمرة. الكل من المبسوط (١). في الإيضاح: ولو كان متمتعًا وساق الهدي وفاته الحج بطل تمتعه ويصنع بهديه ما شاء (٢).

стр. 2399

بَابُ الحَجِّ عَنِ الغَيْرِ الأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ أَنَّ الإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ غَيْرَهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ باب الحج عن الغير لما فرغ عن بيان أفعال الحج بنفسه مع عوارضه شرع في بيان الحج بغيره بطريق النيابة. قوله: (وعند أهل السنة)، وفي الْمُجْتَبى مذهب أهل العدل والتوحيد: ليس للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره؛ لأن الثواب نعمة دائمة خالصة مع التعظيم، ومعظم ركنه التعظيم وبه فارق أعراض الصبيان والمجانين والبهائم، وتعظيم المستحق لغير المستحق قبيح في العقل. ولو جوز أن يهب العالم، أو المتقي، أو العادل تعظيمه لجاهل، أو صبي، أو جماد فإنه يقبح تعظيمه عقلا، وإنكاره مكابرة، ولو جاز هذا فالأنبياء أحق الناس بهبة ثوابهم وأمهاتهم، وقد علم خلافه بالتواتر، حتى قال النبي ﷺ لفاطمة وسائر أولاده وأزواجه: «إنّي لا أملك من الله شيئًا يوم القيامة، ولا ينفعُكُم إلا أعمالكم» (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩]. قلنا: أما قوله: (قبيح عقلا) غير مسلم؛ بل يجوز في العقل تعظيم غير المستحق للتعظيم بواسطة محبته له باعتباره معنى وذلك استحقاق تعظيمه. وأما قوله: (قد علم خلافه) غير مسلم، ولئن سُلّم بذلك لفقد شرطه، أو بالمنع عن الله. وأما الجواب عن الآية فمن وجوه: أحدها: أنها سيقت على قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّ﴾ [النجم ٣٦ - ٣٧] فيكون إخبارًا عما في شريعتهما فلا يلزمنا،

стр. 2400

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ ضَحَّى == كيف وعن النبي ﵇ أنه قال لعلي: «هَذَا لقومِ موسى وإبراهيم، أما هَذهِ الأمة لهم ما سَعَوا وسَعِي لهم». والثاني: أنها منسوخة بقوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، أدخل الذرية الجنة بصلاح آبائهم، قاله ابن عباس. الثالث: قال الربيع بن أنس: المراد بالإنسان هاهنا بالكافر، أما المؤمن له أجر ما سَعَى وسُعِيَ له. الرابع: بجعل اللام بمعنى على أي: ليس على الإنسان إلا ما سعى، فيحمل عليه توفيقا بين الآية والأحاديث. والخامس: أنه سعى في جعل ثوابه عمله للغير فيكون له ما سعى. السادس: أن السعي أنواع، منها بفعله. قوله: ومنها، بسبب قرائنه، ومنها تصديق سعي في خلته، ومنها ما يسعى من أعمال الخير والصلاح وأمور الدين التي يحبه الناس بسببها فيدعون له، ويجعلون ثواب عملهم له، كل ذلك بسبب سعيه. السابع: أن اللام بمعنى على أي: ليس على الإنسان إلا ما سعى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء ٧]، أي فعليها، وكقوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر ٥٢]. الثامن: أن معنى ﴿مَا سَعَى﴾ [النجم ٣٩] ما نوى، قاله أبو بكر الوراق (١). وأما تأويل الحديث: لا أملك بغير إذن الله، ولا تنفعكم إلا أعمالكم والثواب الموهوب لكم. ثم عندنا (٢)، وأحمد (٣) يجوز أن يجعل الإنسان ثواب عمله لغيره صلاة كان، أو صومًا، أو صدقة أو غيرها من أنواع البر والعبادات، مالية كانت أو بدنية.

стр. 2401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الشافعي (١)، ومالك (٢): يجوز ذلك في الصدقة والعبادات المالية والحج، وإذا قُرِئ القرآن على القبر فللميت أجر المستمع، ومنعا وصول ثواب القراءة إلى الميت، وثواب الصلاة والصوم وجميع العبادات غير المالية. ولنا ما رواه الدارقطني: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما، فكيف لي أبرهما بعد موتهما؟ فقال ﵇: «إنَّ مِنَ البِرِّ أن تُصَلِّي لهما مَعَ صلاتِكَ، وأن تصوم لهما مع صيامِكَ» (٣). وعن علي ﵁ أنه ﵇ قال: «من مرَّ على المقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرّاتٍ، ثم وهب أجرها للأمواتِ أُعطي من الأجر بعددِ الأموات» (٤). رواه الدارقطني، وعن أنس قال ﵇: «من دخل المقابر وقرأ يس خُفِّفَ عنهم يومئذ، وكانَ لهُ بعددِ مَنْ فيها حسنات» (٥)، وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأوا على موتاكم يس» رواه أبو داود (٦)، وعنه «أنه ضحى بكبشين» (٧) الحديث، والأحاديث في الباب كثيرة.

стр. 2402

بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ، وَالآخَرَ عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ أَقَرَّ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَهِدَ لَهُ بِالبَلَاغِ جَعَلَ تَضْحِيَةَ إِحْدَى الشَّاتَيْنِ لِأُمَّتِهِ. وَالعِبَادَاتُ أَنْوَاعٌ: مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالزَّكَاةِ، وَبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ، وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا كَالحَجِّ، وَالنِّيَابَةُ تَجْرِي فِي النَّوْعِ الأَوَّلِ فِي حَالَتَي الاخْتِيَارِ وَالضَّرُورَةِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَلَا تَجْرِي فِي النَّوْعِ الثَّانِي بِحَالٍ لِأَنَّ المَقْصُودَ وَهُوَ إِتْعَابُ النَّفْسِ لَا يَحْصُلُ بِهِ، … قال المقدسي الحنبلي: ومن العجيب إنكار هذه المسألة، وحديث ابن عباس في الصحيحين أنه ﵇: «مر على قبرين» (١) الحديث. قال الخطابي: عند أهل العلم يحمل الحديث على أن الأشياء ما دامت رطبة تُسبِّحُ الله حتى تجف رطوبتها، فإذا خفف عن الميت بوضعه عليه الجريد الرطب على قبره فالقرآن الشريف بالطريق الأولى (٢). (كبش أملح)، ما فيه ملحة، وهي بياض تشقه شعرات سود. (شهد له بالبلاغ)؛ لأن الأمة صنفان: أمّة دعوة، فيدخل فيها جميع الناس، وأمة إجابة، فيكون المراد المسلمون هاهنا. (مالية محضة)، أي: المقصود الكلي منها صرف المال لسد خلّة المحتاج. (وبدنية محضة)، أي: المقصود منها التعظيم بالجوارح كالصلاة، أو إتعاب النفس الأمارة بالسوء لابتغاء مرضات الله تعالى. (في حالة الاختيار)، أي: الصحة. (والضرورة)، أي: المرض لحصول المقصود، وهو صرف المال لسد خلة المحتاج بحال، أي في الاختيار والضرورة. (إتعاب النفس)، أي: باستعمال الجوارح، أو تُمنع مشتهاها. (لا يحصل به)، أي: بفعل النائب.

стр. 2403

وَتَجْرِي فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ عِنْدَ العَجْزِ لِلْمَعْنَى الثَّانِي، وَهُوَ المَشَقَّةُ بِتَنْقِيصِ المَالِ، وَلَا تَجْرِي عِنْدَ القُدْرَةِ لِعَدَمِ إِنْعَابِ النَّفْسِ، وَالشَّرْطُ العَجْزُ الدَّائِمُ إِلَى وَقْتِ المَوْتِ، قوله: (للمعنى الثاني)، تقريره أن في الحج معنيين، أحدهما: إتعاب النفس بالذهاب والثاني: المشقة بتنقيص المال فتعمل بها فعند العجز تجزئ النيابة للمعنى الثاني وهو المشقة بتنقيص المال، ولا تجزئ للمعنى الأول وهو إتعاب النفس، وفي بعض النسخ: المعنى الأول وهو اعتبار كونه ماليًا، وهو أظهر بالنسبة إلى تقرير الكتاب. ولا تجزئ عند القدرة، حتى لو أحج صحيح رجلًا ثم عجز لم يجزه بالإجماع، وقد مرَّ بيان الخلاف في الوجوب على الزَّمن، والمعضوب، وهو المعلول الذي يرجى زواله، وفي كتبهم: لو أحج المعضوب غيره نظر إن شُفِيَ لم يُجْزِهِ ذلك قولا واحدًا عند الشافعي (١)، وإن مات فيه قولان، في قول: يجوز، وبه قال أبو حنيفة (٢)، وفي قول: لا يجوز، قال الأصحاب: وهو الأظهر. ولو كان مرضًا لا يرجى زواله فأحج غيره، ثم برأ لا يجزئه في الأظهر، وبه قال أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، ولو أحج الصحيح قبل العجز ثم عجز لم يُجْزِهِ بالإجماع. قوله: (والشرط العجز الدائم)، ولا يعتبر العجز للحال؛ لأنه فرض العمر فيعتبر فيه عجز مستغرق لجميع العمر ليقع به اليأس عن الأداء بالبدن، ولأنا عرفنا جوازه لحديث الخثعمية، وقد ورد في عجز الشيخوخة، وهو عجز دائم فيلحق به كل ما في معناه. وفي الإيضاح: فإن كان عاجزًا ببدنه، فإن كان عجز لا يزول مثل الزمانة،

стр. 2404

لِأَنَّ الحَجَّ فَرْضُ العُمْرِ، وَفِي الحَجِّ النَّفْلِ تَجُوزُ الإِنَابَةُ حَالَةَ القُدْرَةِ، لِأَنَّ بَابَ النَّفْلِ أَوْسَعُ، والعمى جاز أن يحج عنه؛ لأن العجز إذا لزم صار كالموت فجاز العجز عنه، ولو كان يرجى زواله كالمرض والحبس فالأمر موقوف، فإذا دام العجز إلى الموت حكم بوقوعه موضع الفرض، وقد استحكم ولو زال العجز وجب عليه الحج لزوال المعنى المُجَوّز، وبمذهبنا قال الشافعي وأحمد، والثوري، إلا أن عند الشافعي لا يجوز الاستنابة في مرض يرجى زواله وإن دام في قول، وقال: لا يجوز الاستنابة للحي؛ لأنه عاجز والحج يجب على من يستطيع بنفسه خاصة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] (١). فإن قيل: إذا زال العجز عن الأمر بعد فراغ المأمور عن الحج ينبغي أن لا يجب الإعادة على الأمر؛ كالمصلي بالمتيمم إذا قدر على الماء بعد الفراغ من الصلاة، وهو رواية المعلّى عن أبي يوسف (٢). قلنا: الأصل استمرار العجز عن الأصل؛ لجواز الخلف كما في الشيخ الفاني، ولكن تخلف الحكم عن هذا الأصل في باب التيمم لمانع يخصه، وهو أنه لو شرط استمرار العجز لجواز التيمم امتنع جوازه لاستحالة عدم وجدان الماء بقية عمره. (حال القدرة)، أي: بلا عجز مع وجود الصحة، وبه قال أحمد، ومالك، إلا عند مالك فإنه يكرهه، وعند الشافعي يجوز في أصح قوليه في التطوع مع العجز، وفي قول لا يجوز معه لبعد العبادات البدنية عن قبول النيابة، وإنما جوزنا في الفرض للضرورة، ولأن باب النفل أوسع، ولهذا تجوز صلاة النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام؛ لكن للآمر ثواب النفقة بالاتفاق؛ لأن وقوع الفعل عن الأمر بالنص على خلاف القياس، وهو حديث الخثعمية وهو ورد في الفرض؛ لأنها قالت: إن فريضة الحج أدركت أبي، فبقي النفل على أصل القياس.

стр. 2405

ثُمَّ ظَاهِرُ المَذْهَبِ أَنَّ الحَجَّ يَقَعُ عَنْ المَحْجُوجِ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ تَشْهَدُ الأَخْبَارُ الوَارِدَةُ فِي البَابِ كَحَدِيثِ الخَثْعَمِيَّةِ فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ فِيهِ: «حُجِّي عَنْ أَبِيكِ وَاعْتَمِرِي». وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّ الحَجَّ يَقَعُ عَنْ الحَاجِّ، وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ (ثم ظاهر المذهب)، في المبسوط: الصحيح من المذهب أن الحج يقع عن الأمر (١)؛ لما روى أن رجلا قال: يا رسول الله إن أبي مات ولم يحج، أفيجزيني أن أحج عنه، قال: «نعم»، وفي حديث الخثعمية مشهور، وفي رواية قال: «حجي عن أبيك واعْتَمري». (٢) قيل: هذه الرواية وما وقع في الكتاب سهوا؛ إذ ليس فيه: «واعتمري»، وإنما ذاك في حديث أبي رزين العقيلي، واسمه لقيط بن عامر روى أن رجلا من بني عامر قال: يا رسول الله، أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، قال ﵇: «أُحْجُجْ عَنْ أبيكَ واعْتَمِر»، رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث صحيح، وقال أحمد: لا أعرف حديثًا أجود من هذا في إيجاب العمرة (٣). وقلنا: هذا لا يدل على وجوب العمرة؛ لأن حجه وعمرته عن أبيه ليس بواجب عليه بالإجماع فلم يكن الأمر فيه للوجوب، ولأن من لا يستطيع بنفسه لا يجب الحج والعمرة عليه بالإجماع فلا يجب على ولده. فهذه الأخبار تدل على أن أصل الحج يقع عن المحجوج، وبه قال الشافعي (٤)، وأحمد (٥). (وعن محمد)، أي: في غير ظاهر الرواية أنه يقع عن الحاج (٦)، وبه قال

стр. 2406

بَدَنِيَّةٌ، وَعِنْدَ العَجْزِ أُقِيمَ الإِنْفَاقُ مُقَامَهُ كَالفِدْيَةِ فِي بَابِ الصَّوْمِ. مالك (١)، لكن لا يسقط عنه فرض الحج؛ لأنه لا يتأدى إلا بنية الفرض، أو بمطلق النية، ولم توجد مطلق النية، ولا نية الفرض، إنما وجد نية الحج عن الأمر، كذا في المبسوط (٢). (أقيم الإنفاق مقامه)، أي: مقام أداء الأفعال، يعني الواجب عليه أداء الحج، وإنفاق المال في طريقه، فإن عجز عن الأداء بقي عليه مقدار ما يقدر وهو الإنفاق له في طريقه، ولكن الأول أصح؛ لأن فرض الحج لا يسقط عن الحاج ولو كان أكثر نفقته من مال نفسه حتى صار حجه عن نفسه ضمن ما أنفق من مال الميت. ولو كان له ثواب النفقة لم يتضمن ما أنفق من ماله؛ لأن ذلك للميت، فلما قال: (يضمن ويحج به عن الميت من حيث يبلغ) عرف أن الحج يكون عن الميت، كذا في المبسوط (٣). (كالفدية في باب الصوم)، فإنها أقيمت مقام الصوم في حق سقوطه، فكذا الإنفاق هاهنا يقوم مقام الأفعال، وهذا لأن الإنفاق سبب أداء الأفعال وإقامة السبب مقام المسبب أصل في الشرع. لكن في الخبازية: وفي المبسوط: لو استأجر رجلا ليحج لم تجز الإجارة (٤)، وبه قال أحمد (٥)؛ لكن ينفق على رجل بلا إجارة ليحج عنه وقت العجز يجوز، وعند الشافعي تجوز الإجارة (٦).، وبه قال مالك (٧)؛ لأنه عمل مقوم لم يفرض عليه فيجوز أخذ البدل، والعقد عليه كتفرقة الدقات في بناء

стр. 2407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القناطر والمساجد. وقلنا: إنه طاعة فلا يجوز الاستئجار على الطاعات، ويجيء في الإجارات، وفيه لو أراد أن يُحِجّ غيره فأحبُّ إليَّ أن يُحِجّ رجلًا قد حج عن نفسه؛ لأنه أبعد عن الاختلاف فإن إحجاج الضرورة لا يجوز عند الشافعي (١)، وأحمد (٢)، ويقع حجه عن نفسه وإن لبّى عن غيره، وعندنا يجوز (٣)، وبه قال مالك (٤). وللشافعي ما روى أنه ﵇ سمع رجلًا يلبي عن شبرمة، فقال ﵇: «مَنْ شبرمة؟»، فقال: أخ أو صديق، فقال ﵇: «حُجَّ عن نفسك ثم عن شبرمة» (٥)، وفي رواية أنه سمع رجلًا يلبي عن نبيشة، فقال ﵇: «من نبيشة؟» إلى آخر الحديث (٦). ولنا حديث الخثعمية؛ فإنه ﵇ جوز أن تحج عن أبيها ولم يستفسر أنها حجت عن نفسها أم لا، وفي الحديث الآخر تعارض فإنه روى أنه ﵇ قال: «إذا حَجَجْتَ عن نبيشة فحُجَّ عَنْ نفسِكَ» (٧). وتأويل اللفظ الآخر أن ذلك الرجل لم يحرم بعد، ولكن لبّى على سبيل

стр. 2408

قَالَ: (وَمَنْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَجَّةً، فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا، فَهِيَ عَنِ الحَاجِّ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ)؛ لِأَنَّ الحَجَّ يَقَعُ عَنِ الْآمِرِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ التعليم للكيفية في التلبية عن الغير، فأشار ﵇ بأن يبدأ عن الحج عن نفسه أولا. ونظير هذا الاختلاف، الاختلاف في الضرورة إذا حج عن نفسه بنية النفل، فعندنا يكون حجة نفلا (١)، وبه قال مالك (٢)، وقال الشافعي: يكون عن حجة الإسلام (٣)، وبه قال أحمد (٤)، وكذا لو أحرم بنية الآخر فعنده يكون عن حجة الإسلام، وعندنا ومالك عما نوى له أن نية النفل عنه قبل أداء الفرض نوع سفه، والسفيه يستحق الحجر جعلت نيته لغوًا تحقيقا لمعنى الحجر وتتأدى بمطلق النية (٥). وقلنا: وقته موسع فلا يتأدى الفرض بنية النفل كالصلاة، وتمامه مذكور في الأصول. قوله: (فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا)، أي: عن الرجلان بأن قال: لبيك عن فلان. (ويضمن النفقة)، أي: لهما؛ لأنه صار مخالفًا. قوله: (لأن الحج يقع عن الأمر)، وإن كان لا يوافق ما ادعاه بحسب الظاهر؛ لكنه من حيث التقدير دليل على مخالفته، وضمانه النفقة يعني لو كان موافقا للأمر ينبغي أن يقع الحج عن الأمر، ولا يقع عن الحاج، وهاهنا وقع عن المأمور فيكون مخالفًا فيضمن. (حتى لا يخرج)، بالرفع، أي المأمور؛ لأن هذا الحكم ثابت بالإجماع لا يمكن إيقاعه على أحدهما، ولا عن أحدهما أيضًا؛ لتعذر تصحيحه لهما لا يتجزأ فيبطل ضرورة، كما لو زوجت المرأة نفسها من رجلين. كذا في جامع

стр. 2409

الحَاجُّ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْلِصَ الحَجَّ لَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكِ، وَلَا يُمْكِنُ إِيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الأَوْلَوِيَّةِ، فَيَقَعُ عَنِ المَأْمُورِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيْهِمَا شَاءَ، لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا، فَيَبْقَى عَلَى خِيَارِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ سَبَبًا لِثَوَابِهِ، وَهُنَا يَفْعَلُ بِحُكْمِ الآمِرِ، وَقَدْ خَالَفَ أَمْرَهُمَا فَيَقَعُ عَنْهُ. وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ إِنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا، لِأَنَّهُ صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إِلَى حَجٌ نَفْسِهِ، (وَإِنْ أَبْهَمَ الإِحْرَامَ بِأَنْ نَوَى عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ، فَإِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا) لِعَدَمِ الأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ المُضِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ مَأْمُورُ بِالتَّعْيِينِ، وَالإِبْهَامُ يُخَالِفُهُ فَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ قاضي خان (١). (بعد ذلك)، أي: بعد وقوع الحج عن نفس الحاج أنه متبرع؛ إذ الوارث غير مأمور به، ومن حج عن غيره بغير أمره لا يكون حاجا عنه؛ بل يكون جاعلا ثوابه له، فإذا أهل بحجة عنهما لغت نيته في كون الحج لهما أن الحجة الواحدة لا تكون عن اثنين لعدم تجزئته، أما تبقى له أصل الحج وعمله يكون سببًا للثواب كما كان قبله. (أما هاهنا)، أي: في الأمر. (يفعل)، أي: المأمور بحكم الأمر، وكل واحد من الأمرين شرط عليه أن يفرده في الإحرام، فإذا لم يفعل صار مخالفًا ألا ترى أنه لو أحرم عن أبويه له أن يجعل الثواب لأحدهما هذا إذا أحرم عنهما أو عن أحدهما، ولو أحرم ولم ينو أحدهما، لا نص فيه قالوا: ينبغي أن يصح التعيين بالإجماع، كذا في جامع قاضي خان (٢). (قبل المضي)، قيد به لأن بعد المضي لا يحتمل التعيين كما يجيء.

стр. 2410

يُعَيِّنْ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً، حَيْثُ كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَا شَاءَ لِأَنَّ المُلْتَزَمَ هُنَاكَ مَجْهُولٌ، وَهَاهُنَا المَجْهُولُ مَنْ لَهُ الحَقُّ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الإِحْرَامَ شُرِعَ وَسِيلَةً إِلَى الأَفْعَالِ، لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ. وَالمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةٌ بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ، فَاكْتَفَى بِهِ شَرْطًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَدَّى الأَفْعَالَ عَلَى الإِبْهَامِ، لِأَنَّ المُؤَدَّى لَا يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ فَصَارَ مُخَالِفًا، قَالَ: (فَإِنْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرُنَ عَنْهُ فَالدَّمُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ) … (لأن الملتزم هناك)، أي: فيما إذا لم يعين حجة أو عمرة، وجهالة الملتزم صحة الأداء، كما إذا قال: لفلان عليَّ شيء، يصح الإقرار ويؤمر بالبيان، على أن الإبهام في الإحرام من غير تعيين ثبت جوازه بالنص، فإنه روى أن عليا لما قدم من اليمن عام حجة الوداع قال له النبي ﵇: «بما أهللت؟» قال: بما أهل به النبي ﵇ (١)، وهو غير معلوم له، فلم ينكر ﵇، فدل ذلك على جوازه. (وهنا)، أي: فيما إذا أحرم عن أحدهما المجهول من له الحق وجهالته تمنع الصحة، كما لو قال: لأحدكما عليَّ درهم. (لا مقصودًا بنفسه)، بدليل جواز تقديمه على وقت الحج. (والمبهم يصلح وسيلة)؛ لأنه شرط فيراعى وجوده، لا وجوده بصفة التعيين كالوضوء تجوز به الصلاة وإن لم يقع لها. (فاكتفى به)، أي: بالإحرام المبهم، فإذا التحق به التعيين أمكن إلحاقه بابتداء وجوده فيصح، كما لو أحرم ولا ينوي حجة ولا عمرة. فإن قيل: الإحرام بمنزلة التكبير في الصلاة، وفيه جهة الركنية، فينبغي أن يكون بمنزلة الشروع في الأفعال. قلنا: هو بمنزلة الوضوء عندنا، ولهذا يجوز قبل أشهر الحج. قوله: (يَقْرُنَ)، بضم الراء من حد نصر. (فالدم عليه)، أي: دم القرآن على المأمور، ولكن يقع القران عن الأمر،

стр. 2411

لِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا لِمَا وَفَقَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَالمَأْمُورُ هُوَ المُخْتَصُّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الفِعْلِ مِنهُ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ المَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ الحَجَّ يَقَعُ عَنْ المَأمُورِ (وَكَذَلِكَ إِنْ أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَالآخَرُ بِأَنْ يَعْتَمِرَ عَنْهُ، وَأَذِنَا لَهُ بِالقِرَانِ) فَالدَّمُ عَلَيْهِ … ... … ... … وبه قال الشافعي في قول، وفي أصح قوليه: يجب دم القران على الأمر (١)؛ لأنه مقتضى إحرامه أمره به فكأنه القارن بنفسه. (لأنه)، أي: الدم (يجب شكرًا) لما بينا. لأن حقيقة الفعل منه، أي: من المأمور، فكان هذا النسك عليه كسائر ما وجب نسكًا من الحلق والرمي وغيرهما. (وهذه المسألة تشهد)، قيل: لا تدل هذه المسألة عليه؛ لأن سائر الأفعال من الرمي وغيره يوجد منه حقيقة ويقع شرعًا عن الأمر، ووجوب هذا الدم من باب إقامة النسك، وإقامة المناسك عليه حقيقة وإن انتقل إلى الأمر حكمًا، وفيه تأمل. (وأذنا له)، قيد به لأنه لو لم يأذنا له وقرن لأجلهما يكون مخالفًا. فإن قيل: وجوب الدم عليه لا يتوقف على إذنهما؛ لما أنه على تقدير عدم الإذن لزمه الدم أيضًا، ولأن القران أفضل، فكيف يكون مخالفًا؟ قلنا: فائدة التقييد بالإذن لدفع وهم وجوب الدم على الأمر كما قال الشافعي في الأصح، وذلك الوهم يتأتى بالإذن؛ لأن على تقدير عدمه يصير مخالفًا فلا يجيء الوهم. وأما الجواب عن المخالفة: هو أن ثبوتها باعتبار أن المأمور ما أتى بسفر خالص لواحد منهما، وقد أمرا به، فلم يكن مستوجبًا للنفقة في مالهما؛ لأنه ما أتى بمأمورهما لا باعتبار الأفضلية وعدمها، ألا ترى أن المأمور بالحج لو قرن كان مخالفا عند أبي حنيفة، إليه أشير في المبسوط (٢).

стр. 2412

لِمَا قُلْنَا (وَدَمُ الإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَى الحَاجٌ) (*) لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلتَّحَلُّلِ دَفْعًا لِضَرَرِ امْتِدَادِ الإِحْرَامِ، وَهَذَا رَاجِعُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ الدَّمُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الآمِرَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ العُهْدَةِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ (فَإِنْ كَانَ يَحُجُّ عَنْ مَيِّتٍ فَأُحْصِرَ فَالدَّمُ فِي مَالِ المَيِّتِ) عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ (**) ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مِنْ ثُلُثِ مَالِ المَيِّتِ، (لما قلنا)، وهو أن المأمور [مختص بهذه النعمة] (١). [(راجع إليه)، أي: إلى المأمور] (٢)، وفي جامع قاضي خان: هذا الدم شرع للتحلل فكان من جملة المناسك كالحلق، ومنفعة التحلل تقود إليه فكان الدم عليه ولأنه لا يخلوا ما إن كان دم جناية، أو دم شكر، وبأيهما اعتبر يكون على المأمور. (فعليه)، أي: على الأمر خلاصه؛ لأن هذا الدم شرع للخلاص عن الإحرام، ألا ترى أنه لو ذهب إلى مكة ليتحلل كان نفقته في الذهاب والرجوع على الأمر، فكذا إذا بعث الهدي ليتحلل كذا في جامع قاضي خان. وهذا كالعبد إذا أحرم بإذن مولاه ثم أحصر كان على المولى إخراجه منه (٣). وقال الشافعي: إذا تحلل المحصر فعمَّن يقع ما أتى به؟ فيه وجهان: أصحهما عن المستأجر، كما لو مات أو لم يوجد من المأمور تقصير، والثاني: عن الأخير كما لو أفسده؛ لأنه لم يتحصل غرضه، فعلى هذا دم الإحصار على المأمور، كذا في شرح الوجيز (٤). في مال الميت، وهو على الخلاف الذي ذكرناه، والدلائل ما قلنا. (ثم قيل هو)، أي: الدم، (من ثلث المال)، أي: مال البيت.

стр. 2413

لِأَنَّهُ صِلَةٌ وفي جامع قاضي خان: اختلف المشايخ في قول: على الورثة، في قول محمد: على الورثة أن يبعثوا شاة من مال الميت، قال بعضهم: من ثلث مال الميت؛ لأن الوصية بالحج تُنفّذ من ثلث ماله، وهذا من توابعها. (لأنه)، أي: دم الإحصار، (صلة)، والصلة عبارة عن أداء مال ليس بمقابلته عوض مالي؛ كالزكاة وغيرها من النذور، والكفارات فإنها صلات تعتبر من الثلث، حتى لو أوصى أن تؤدى زكاة ماله تعتبر من الثلث، وكذلك الصلاة، والصوم، والكفارة. وقال بعضهم: من جميع مال الميت؛ لأنه دين وجب للمأمور حقًا على الميت فيقضى من جميع ماله، وهو نظير ما لو أوصى بأن يباع عبده ويتصدق بقيمته فباعه الوصي وقبض الثمن، وضاع من يده ثم استحق العبد، فإن المشتري يرجع بالثمن على الوصي؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد. ثم الوصي لا يرجع بذلك في مال الميت في قول أبي حنيفة الأول، وفي قوله الآخر: يرجع في جميع المال. وذكر محمد بن سلمة، عن محمد: أنه يرجع في ثلث ماله؛ لأن هذا من توابع الأمر بالصدقة فينفذ من الثلث. وجه قول أبي حنيفة أن الموصى ضمن بعقد باشره بأمره فكان ذلك دينا على الميت فيقضى من جميع ماله، والمسألة تأتي في كتاب الوصايا. وليس على المحصر ضمان ما أنفق قبل الإحصار؛ لأنه كان ممثلًا أمره، كذا في جامع قاضي خان (١). وعند الشافعي دم الإحصار بعد تحلله على الأجير إن كان ما أتى به من الأفعال يقع عنه (٢). وإن قلنا يقع العمل من المستأجر فالدم عليه.

стр. 2414

كَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ: مِنْ جَمِيعِ المَالِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَأْمُورِ فَصَارَ دَيْنًا (وَدَمُ الجِمَاعِ عَلَى الحَاجِّ) لِأَنَّهُ دَمُ جِنَايَةٍ وَهُوَ الجَانِي عَنْ اخْتِيَارِ (وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ) مَعْنَاهُ: إِذَا جَامَعَ قَبْلَ الوُقُوفِ حَتَّى فَسَدَ حَجَّهُ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ المَأْمُورُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا فَاتَهُ الحَجُّ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ، لِأَنَّهُ مَا فَاتَهُ بِاخْتِيَارِهِ. أَمَّا إِذَا جَامَعَ بَعْدَ الوُقُوفِ لَا يَفْسُدُ حَجَّهُ وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ، لِحُصُولِ مَقْصُودِ الأَمْرِ. قوله: (ودم الجماع على الحاج)، لأنه دم جناية وكفارة (١).، وبه قال الشافعي (٢). (لأن الصحيح)، أي: الحج الصحيح هو المأمور به، ثم عليه المضي في الحجة الفاسدة لأنه لا يخرج عن إحرام الحج إلا بأفعال الحج لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة ١٩٦] من غير فضل بين الجائز والفاسد، وعليه الحج من قابل. ولا يسقط الحج عن الميت إن حج المأمور في السنة الثانية على وجه الصحة قضاء الأول؛ لأنه لما خالف في الماضية صار الإحرام واقعا عن المأمور، والحج الذي يأتي به في السنة الثانية قضاء ذلك الحج؛ لأنه أوجبه على نفسه بالإحرام الأول فلا بد من قضائه فكان واقعًا، كذا في جامع قاضي خان (٣). وللشافعي في قضاء الحج قولان: أحدهما: أنه عن الأمر، وأصحهما أنه عن الأجير (٤)، فعلى هذا تلزمه حجة أخرى سوى القضاء للمستأجر فيقضي عن نفسه، ثم يحج عن المستأجر، وثبت من حج عنه، كذا في شرح الوجيز (٥).

стр. 2415

وَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي مَالِهِ لِمَا بَيَّنَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ دِمَاءِ الكَفَّارَاتِ عَلَى الحَاجِّ لِمَا قُلْنَا (وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأُحِجُّوا عَنْهُ رَجُلًا، فَلَمَّا بَلَغَ الكُوفَةَ مَاتَ أَوْ سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ وَقَدْ أَنْفَقَ النِّصْفَ، يَحُجُّ عَنْ المَيِّتِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي (لما بينا)، وهو أنه دم جناية. قوله: (فلما بلغ الكوفة مات، أو سرقت نفقته)، وفي جامع قاضي خان: أوصى أن يحج عنه بثلث ماله من خراسان فأحج الوصي رجلًا، فلما بلغ الكوفة مات، أو سرقت نفقته وقد أنفق النصف، وقيد النصف إنفاقي حتى لو أنفق الثلث أو السدس فالحكم كذلك هاهنا فضلًا فيذكر كل فصل على حدة (١). أما في السرقة، فعند أبي حنيفة من ثلث ما بقى من ماله هكذا أبدا إلى أن يعجز الثلث عن ماله الوفاء بالحج فتبطل الوصية، فيجعل الهالك كأن لم يكن (٢)، وعند أبي يوسف: يحج عنه من حيث مات بباقي الثلث الذي أفردت منه النفقة (٣)، وعند محمد تبطل الوصية ولا يحج عنه من ثلث الباقي؛ بل إن بقي من مال النفقة شيء بأن هلك بعض النفقة حج به، وإلا بطلت (٤). صورته: رجل مات وترك أربعة آلاف درهم، وأوصى بالحج عنه، وكان مقدار الحج، فأفرز الوصي الألف ودفعها إلى الذي يحج فسرقت، فعند أبي حنيفة يوجد ثلث ما بقي وهو ألف (٥)؛ لأن ما بقي ثلث الألف درهم فيحج عنه، فإن سرقت ثانيًا يؤخذ من ثلثه هكذا أبدًا إلى أن يعجز بالوفاء بالحج. وعند أبي يوسف يؤخذ ما بقي من ثلث مال الميت وهو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، فإن سرقت لا يؤخذ شيء (٦)، وعند محمد إذا سرقت في الأولى تبطل الوصية ولا يؤخذ شيء سواء بقي من الثلث الأول شيء أولا، فعامة المشايخ ذكروا الخلاف بينهم على هذا الوجه.

стр. 2416

حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ الأَوَّلُ) (*) فَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي اعْتِبَارِ الثُّلُثِ وقال بعض المشايخ: لو أوصى أن يحج عنه من ثلث ماله فجواب محمد فيه كجواب أبي يوسف، ولو أوصى أن يحج عنه من ثلث عنه، أو أوصى بأن يحج عنه ولم يزد عليه، عند محمد إن بقي شيء من النفقة يحج، وإن لا يبطل. وأما في الموت يحج رجل آخر من وطن للموصي وهو خراسان، وعند محمد من حيث مات المأمور (١). وأصل المسألة ما لو خرج حاجا بنفسه فمات في الطريق وأوصى بأن يحج عنه نص على الخلاف في هذا الباب، فقال: فعلى قوله يحج عنه من وطنه، وعلى قولهما من حيث مات. وقال في الجامع الكبير: القياس أن يحج عنه من وطنه (٢)، وفي الاستحسان من حيث مات ولم يذكر فيه خلافًا، وأجمعوا على أنه لو كان في وطنه أو خارجا عنه في غير سفر الحج وأوصى به يحج عنه من وطنه، وهذا الخلاف بينهم إذا سرق المال أو هلك في يد النائب، أما لو هلك في يد الوصي قبل الدفع إلى النائب بعدما قاسم الورثة يحج عنه من ثلث ما بقي بالإنفاق ثم، وثم إلى أن بقي المال حبة (٣). وقال الشافعي (٤)، وأحمد (٥): لما وجب الحج وتمكن من أدائه ولم يحج ومات وجب أن يحج عنه من رأس ماله أوصى به أو لم يوص فيحج عنه من ثلث ماله، وبه قال مالك (٦)، والشافعي في رواية شاذة، وجه قوله ظاهر قوله ﵇: «لو كان على أبيك دَيْنٌ» الحديث (٧)، وقضاء الدين لا يحتاج،

стр. 2417

وَفِي مَكَانِ الحَجِّ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ المَالِ المَدْفُوعِ إِلَيْهِ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا بِتَعْيِينِ المُوصِي، إِذْ تَعْيِينُ الوَصِيِّ كَتَعْيِينِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ هُوَ المَحَلُّ لِنَفَاذِ الوَصِيَّةِ. وعندنا الحج عبادة، والعبادات تسقط بالموت؛ كالزكاة، والصلوات، والصوم على ظاهر مذهبه لو قال: حجوا عني يعتبر رأس المال في وجه من الثلث، ولو لم يَفِ الثلث يكمل من رأس المال، ولو قال: حجوا عني من ثلث مالي من بلدي يستأجر أجيرًا من بلده، فإن لم يَفِ فمن الميقات، وإن لم يَفِ منه يكمل من رأس المال، ولو عين أجيرًا يحج عنه، فمات الأجير يستأجر أجيرًا آخر منه، كذا في تتمتهم (١). أما الأول وهو اعتبار الثلث يتعين الموصي، ولو عين الموصي مقدارًا ودفعه إلى رجل في الحج في مرضه ثم مات أو سرقت نفقته لا يعطى من مال الميت مرةً أخرى، كذلك هاهنا. (لأنه)، أي: الثلث الأول محل نفاذ الوصية فيجب تنفيذها منه، ولا يوجد ثلث آخر؛ لأن ذلك يؤدي إلى إتلاف المال على الورثة إلى الوجه الذي سماه وهو الحج، وهذا لأن القسمة لا تتم إلا بالتسليم للموصى له، وهاهنا الموصى له بالحج معنى فلا تتم القسمة إلا بالصرف إليه. ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله لفلان فبعثوا إليه فهلك قبل الوصول إليه يبعث إليه ثلث ما بقي، وكذا لو هلك ثانيًا، وثالثًا إلى أن تبقى حبة بالاتفاق، فكذلك هاهنا. فإن قيل: الحاج النائب هو الموصى له؛ لأن منفعة هذا المال يرجع إليه فهلك وهو الإنفاق على نفسه. قلنا: لا يصلح النائب أن يكون الموصى له؛ لأنه مجهول، وجهالة الموصي تمنع صحة الوصية.

стр. 2418

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ قِسْمَةَ الوَصِيِّ وَعَزْلَهُ المَالَ لَا يَصِحُ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الوَجْهِ الَّذِي سَمَّاهُ المُوصِي، لِأَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ لِيَقْبِضَ وَلَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ إِلَى ذَلِكَ الوَجْهِ فَصَارَ كَمَا إِذَا هَلَكَ قَبْلَ الإِفْرَازِ وَالعَزْلِ فَيُحَجُّ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ القِيَاسُ: أَنَّ القَدْرَ المَوْجُودَ مِنْ السَّفَرِ قَدْ بَطَلَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، قَالَ ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا ونظير ما قال أبو حنيفة: رجل أوصى أن يعتق عنه نسمة فاشتروا عبدًا بمقدار، فمات العبد قبل أن يعتق فعليهم أن يشتروا عبدًا آخر من ثلث ما بقي ثُمَّ، وثَمَّ إلى أن يبقى المال حبة، والفقه فيه ما ذكرنا أن القسمة إنما تصح بالتسليم إلى الوجه الذي سماه (١)؛ لأنه لا خصم ليقض، والحاج النائب لا يصلح خصمًا؛ لأنه لا يكون موصا له لجهالته قبل الإقرار والعزل، يعني هاهنا يحج عنه بثلث ما بقي، فكذلك هاهنا يجعل ما هلك كأن لم يكن. وأما الجواب عن قوله: (يؤدي ذلك إلى إفناء المال على الورثة)، فنقول: إن حق الورثة ما يبقى بعد تنفيذ الوصية، وما نفذت الوصية هاهنا لما ذكرنا فلا يكون إفناء حقهم، إليه أشير في جامع قاضي خان (٢). (وأما الثاني)، وهو اعتبار المكان. («انقطع عمله»)، أراد به عملًا دخل فيه ولم يُتِمَّه؛ لأن الانقطاع هاهنا يكون لأنه لا يتصور انقطاع عمل قد أتمه، ولم يدخل فيه فدل أنه أراد به عملًا لم يتمه، كذا في جامع أبي اليسر. وإذا بطل عمله في أحكام الدنيا وتنفيذ الوصية منها، فوجب الاستئناف، ألا ترى أنه لو أحرم ثم مات ينقطع ذلك الإحرام حتى لا يثنى عليه عندنا (٣)، وفي قول من الشافعي يثنى عليه (٤)؛ ولأنه لو مات علم أن سفره كان سفر موت

стр. 2419

مِنْ ثَلَاثِ الحَدِيثَ، وَتَنْفِيذُ الوَصِيَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَبَقِيَتِ الوَصِيَّةُ مِنْ وَطَنِهِ كَأَنْ لَمْ يُوجَد الخُرُوجُ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا - وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ -: أَنَّ سَفَرَهُ لَمْ يَبْطُلْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآيَةَ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الحَجِّ، كُتِبَ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ سَفَرُهُ اعْتُبِرَتِ الوَصِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَأَصْلُ الاخْتِلَافِ فِي الَّذِي يَحُجُّ بِنَفْسِهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ المَأْمُورُ بِالحَجِّ. قَالَ: (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَبَوَيْهِ يُجْزِئِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَجْعَلُ ثَوَابَ حَجَّهِ لَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَدَاءِ الحَجِّ، فَلَغَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَصَحَّ جَعْلُهُ ثَوَابَهُ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الأَدَاءِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ عَلَى مَا فَرَّقْنَا مِنْ قَبْلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. لما جاء في الحديث: «إذا أرادَ اللهُ قَبْضَ عبد بأرض جعل له إليها حاجةً» (١)، فصار كأنه خرج للتجارة ثم أدركه الموت كذا في جامع قاضي خان (٢). ثم تأخير تعليلها عن تعليل أبي حنيفة يدل على أن اختيار المصنف قولهما لما أنه استحسان والمأخوذ في الغالب الاستحسان، ولهذا ذكر القياس والاستحسان في الجامع الكبير من غير ذكر قياس خلاف كما بينا، فظاهر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ﴾ [النساء ١٠٠] يعضد قولهما، ولأن الواقع للميت ثواب الإحجاج، فإذا لم تبطل السفرة في حق الثواب اعتبرت الوصية من ذلك المكان. (المبرورة): المقبولة. (بخلاف المأمور)، أي عن آمرين. (على ما فَرَّقْنَا) (٣)، أي: في مسألة من أمره رجلان أن يحج عن كل واحد منهما.

стр. 2420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسائل تتعلق بهذا الباب لا خلاف لأحد أن الوارث إذا تطوع بالحج عن الميت يجوز، قال محمد: لو حج عن أبيه وأمه أجزأه إن شاء الله لحديث الخثعمة (١)، وقيد هاهنا بالاستثناء، وفي كثير من الأحكام الثانية بخبر الواحد لم يقيد بالاستثناء لأنه حجة فيما يوجب العمل، وهاهنا طريقه العلم وهو سقوط حجة الإسلام عن الميت بأداء الوارث؛ فإنه أمر فيما بينه وبين الله تعالى، فلهذا قيد الجواب به. روى ابن عباس أنه ﵇ قال: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبويه، أو قضى عنهما مَعْرَمًا بُعِثَ يوم القيامةِ مع الأبرار» (٢)، وعن جابر أنه ﵇ قال: «مَنْ حج عن أبيه أو أمه فقد قَضَى عنهُ بِحَجَّتِهِ وكانَ لهُ فضلُ عَشْرِ حِجَجٍ» (٣)، وعن زيد بن أرقم عنه ﵇ أنه قال: «إذا حجَّ الرجل عن والديهِ تُقُبِّلَ منهُ ومنهما، واستبشَرَتْ أرواحُهُما، وكُتِبَ عندَ اللهِ تعالى برا» (٤). أخرجهن الدار قطني. وفي المبسوط: لو أنفق المدفوع من مال نفسه، وفي مال الميت وفاء بحجه رجع به في ماله؛ لأنه قد يبتلى بالإنفاق من ماله نفسه في بعض الطريق (٥). فلو نوى الحاج أن يقيم بمكة بعد النفر خمسة عشر يوما يطلب نفقته من مال الميت؛ لأن بهذه النية صار مقيمًا بمكة لحاجة نفسه لا لحج الميت، ولو أقام أقل منهما فهو مسافر فنفقته في مال الميت.
следующие страницы →