← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ الأَوَّلُ) (*) فَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي اعْتِبَارِ الثُّلُثِ وقال بعض المشايخ: لو أوصى أن يحج عنه من ثلث ماله فجواب محمد فيه كجواب أبي يوسف، ولو أوصى أن يحج عنه من ثلث عنه، أو أوصى بأن يحج عنه ولم يزد عليه، عند محمد إن بقي شيء من النفقة يحج، وإن لا يبطل. وأما في الموت يحج رجل آخر من وطن للموصي وهو خراسان، وعند محمد من حيث مات المأمور (١). وأصل المسألة ما لو خرج حاجا بنفسه فمات في الطريق وأوصى بأن يحج عنه نص على الخلاف في هذا الباب، فقال: فعلى قوله يحج عنه من وطنه، وعلى قولهما من حيث مات. وقال في الجامع الكبير: القياس أن يحج عنه من وطنه (٢)، وفي الاستحسان من حيث مات ولم يذكر فيه خلافًا، وأجمعوا على أنه لو كان في وطنه أو خارجا عنه في غير سفر الحج وأوصى به يحج عنه من وطنه، وهذا الخلاف بينهم إذا سرق المال أو هلك في يد النائب، أما لو هلك في يد الوصي قبل الدفع إلى النائب بعدما قاسم الورثة يحج عنه من ثلث ما بقي بالإنفاق ثم، وثم إلى أن بقي المال حبة (٣). وقال الشافعي (٤)، وأحمد (٥): لما وجب الحج وتمكن من أدائه ولم يحج ومات وجب أن يحج عنه من رأس ماله أوصى به أو لم يوص فيحج عنه من ثلث ماله، وبه قال مالك (٦)، والشافعي في رواية شاذة، وجه قوله ظاهر قوله ﵇: «لو كان على أبيك دَيْنٌ» الحديث (٧)، وقضاء الدين لا يحتاج،

стр. 2417

وَفِي مَكَانِ الحَجِّ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ المَالِ المَدْفُوعِ إِلَيْهِ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا بِتَعْيِينِ المُوصِي، إِذْ تَعْيِينُ الوَصِيِّ كَتَعْيِينِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ هُوَ المَحَلُّ لِنَفَاذِ الوَصِيَّةِ. وعندنا الحج عبادة، والعبادات تسقط بالموت؛ كالزكاة، والصلوات، والصوم على ظاهر مذهبه لو قال: حجوا عني يعتبر رأس المال في وجه من الثلث، ولو لم يَفِ الثلث يكمل من رأس المال، ولو قال: حجوا عني من ثلث مالي من بلدي يستأجر أجيرًا من بلده، فإن لم يَفِ فمن الميقات، وإن لم يَفِ منه يكمل من رأس المال، ولو عين أجيرًا يحج عنه، فمات الأجير يستأجر أجيرًا آخر منه، كذا في تتمتهم (١). أما الأول وهو اعتبار الثلث يتعين الموصي، ولو عين الموصي مقدارًا ودفعه إلى رجل في الحج في مرضه ثم مات أو سرقت نفقته لا يعطى من مال الميت مرةً أخرى، كذلك هاهنا. (لأنه)، أي: الثلث الأول محل نفاذ الوصية فيجب تنفيذها منه، ولا يوجد ثلث آخر؛ لأن ذلك يؤدي إلى إتلاف المال على الورثة إلى الوجه الذي سماه وهو الحج، وهذا لأن القسمة لا تتم إلا بالتسليم للموصى له، وهاهنا الموصى له بالحج معنى فلا تتم القسمة إلا بالصرف إليه. ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله لفلان فبعثوا إليه فهلك قبل الوصول إليه يبعث إليه ثلث ما بقي، وكذا لو هلك ثانيًا، وثالثًا إلى أن تبقى حبة بالاتفاق، فكذلك هاهنا. فإن قيل: الحاج النائب هو الموصى له؛ لأن منفعة هذا المال يرجع إليه فهلك وهو الإنفاق على نفسه. قلنا: لا يصلح النائب أن يكون الموصى له؛ لأنه مجهول، وجهالة الموصي تمنع صحة الوصية.

стр. 2418

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ قِسْمَةَ الوَصِيِّ وَعَزْلَهُ المَالَ لَا يَصِحُ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الوَجْهِ الَّذِي سَمَّاهُ المُوصِي، لِأَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ لِيَقْبِضَ وَلَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ إِلَى ذَلِكَ الوَجْهِ فَصَارَ كَمَا إِذَا هَلَكَ قَبْلَ الإِفْرَازِ وَالعَزْلِ فَيُحَجُّ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ القِيَاسُ: أَنَّ القَدْرَ المَوْجُودَ مِنْ السَّفَرِ قَدْ بَطَلَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، قَالَ ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا ونظير ما قال أبو حنيفة: رجل أوصى أن يعتق عنه نسمة فاشتروا عبدًا بمقدار، فمات العبد قبل أن يعتق فعليهم أن يشتروا عبدًا آخر من ثلث ما بقي ثُمَّ، وثَمَّ إلى أن يبقى المال حبة، والفقه فيه ما ذكرنا أن القسمة إنما تصح بالتسليم إلى الوجه الذي سماه (١)؛ لأنه لا خصم ليقض، والحاج النائب لا يصلح خصمًا؛ لأنه لا يكون موصا له لجهالته قبل الإقرار والعزل، يعني هاهنا يحج عنه بثلث ما بقي، فكذلك هاهنا يجعل ما هلك كأن لم يكن. وأما الجواب عن قوله: (يؤدي ذلك إلى إفناء المال على الورثة)، فنقول: إن حق الورثة ما يبقى بعد تنفيذ الوصية، وما نفذت الوصية هاهنا لما ذكرنا فلا يكون إفناء حقهم، إليه أشير في جامع قاضي خان (٢). (وأما الثاني)، وهو اعتبار المكان. («انقطع عمله»)، أراد به عملًا دخل فيه ولم يُتِمَّه؛ لأن الانقطاع هاهنا يكون لأنه لا يتصور انقطاع عمل قد أتمه، ولم يدخل فيه فدل أنه أراد به عملًا لم يتمه، كذا في جامع أبي اليسر. وإذا بطل عمله في أحكام الدنيا وتنفيذ الوصية منها، فوجب الاستئناف، ألا ترى أنه لو أحرم ثم مات ينقطع ذلك الإحرام حتى لا يثنى عليه عندنا (٣)، وفي قول من الشافعي يثنى عليه (٤)؛ ولأنه لو مات علم أن سفره كان سفر موت

стр. 2419

مِنْ ثَلَاثِ الحَدِيثَ، وَتَنْفِيذُ الوَصِيَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَبَقِيَتِ الوَصِيَّةُ مِنْ وَطَنِهِ كَأَنْ لَمْ يُوجَد الخُرُوجُ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا - وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ -: أَنَّ سَفَرَهُ لَمْ يَبْطُلْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآيَةَ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الحَجِّ، كُتِبَ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ سَفَرُهُ اعْتُبِرَتِ الوَصِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَأَصْلُ الاخْتِلَافِ فِي الَّذِي يَحُجُّ بِنَفْسِهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ المَأْمُورُ بِالحَجِّ. قَالَ: (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَبَوَيْهِ يُجْزِئِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَجْعَلُ ثَوَابَ حَجَّهِ لَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَدَاءِ الحَجِّ، فَلَغَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَصَحَّ جَعْلُهُ ثَوَابَهُ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الأَدَاءِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ عَلَى مَا فَرَّقْنَا مِنْ قَبْلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. لما جاء في الحديث: «إذا أرادَ اللهُ قَبْضَ عبد بأرض جعل له إليها حاجةً» (١)، فصار كأنه خرج للتجارة ثم أدركه الموت كذا في جامع قاضي خان (٢). ثم تأخير تعليلها عن تعليل أبي حنيفة يدل على أن اختيار المصنف قولهما لما أنه استحسان والمأخوذ في الغالب الاستحسان، ولهذا ذكر القياس والاستحسان في الجامع الكبير من غير ذكر قياس خلاف كما بينا، فظاهر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ﴾ [النساء ١٠٠] يعضد قولهما، ولأن الواقع للميت ثواب الإحجاج، فإذا لم تبطل السفرة في حق الثواب اعتبرت الوصية من ذلك المكان. (المبرورة): المقبولة. (بخلاف المأمور)، أي عن آمرين. (على ما فَرَّقْنَا) (٣)، أي: في مسألة من أمره رجلان أن يحج عن كل واحد منهما.

стр. 2420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسائل تتعلق بهذا الباب لا خلاف لأحد أن الوارث إذا تطوع بالحج عن الميت يجوز، قال محمد: لو حج عن أبيه وأمه أجزأه إن شاء الله لحديث الخثعمة (١)، وقيد هاهنا بالاستثناء، وفي كثير من الأحكام الثانية بخبر الواحد لم يقيد بالاستثناء لأنه حجة فيما يوجب العمل، وهاهنا طريقه العلم وهو سقوط حجة الإسلام عن الميت بأداء الوارث؛ فإنه أمر فيما بينه وبين الله تعالى، فلهذا قيد الجواب به. روى ابن عباس أنه ﵇ قال: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبويه، أو قضى عنهما مَعْرَمًا بُعِثَ يوم القيامةِ مع الأبرار» (٢)، وعن جابر أنه ﵇ قال: «مَنْ حج عن أبيه أو أمه فقد قَضَى عنهُ بِحَجَّتِهِ وكانَ لهُ فضلُ عَشْرِ حِجَجٍ» (٣)، وعن زيد بن أرقم عنه ﵇ أنه قال: «إذا حجَّ الرجل عن والديهِ تُقُبِّلَ منهُ ومنهما، واستبشَرَتْ أرواحُهُما، وكُتِبَ عندَ اللهِ تعالى برا» (٤). أخرجهن الدار قطني. وفي المبسوط: لو أنفق المدفوع من مال نفسه، وفي مال الميت وفاء بحجه رجع به في ماله؛ لأنه قد يبتلى بالإنفاق من ماله نفسه في بعض الطريق (٥). فلو نوى الحاج أن يقيم بمكة بعد النفر خمسة عشر يوما يطلب نفقته من مال الميت؛ لأن بهذه النية صار مقيمًا بمكة لحاجة نفسه لا لحج الميت، ولو أقام أقل منهما فهو مسافر فنفقته في مال الميت.

стр. 2421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا الجواب في زمانهم لأنه كان يقدر على الخروج من مكة متى شاء، أما في زماننا لا يقدر على الخروج إلا مع الناس فكان انتظاره في مكة لخروج القافلة ينفق من مال نفسه، ولو بدا له بعد ما نوى المقام أن يرجع فنفقته في مال الميت؛ لأنه استحق النفقة في ماله لتأخر الرجوع، فإذا أخذ الرجوع عادت نفقته فيه كالناشزة التي عادت إلى بيت زوجها. وعن أبي يوسف لا تعود نفقته فيه؛ لأن الأصل عدم الوجوب في نفقة الرجوع؛ لأنه عامل لنفسه فيه ولكن ترك هذا الأصل، باعتبار أن أصل سفره كان لعمل الميت فما بقي ذلك السفر كانت في ماله، فإذا نوى الإقامة خمسة عشر يوما فقد انقطع ذلك السفر، وسقطت النفقة من ماله فبعد ذلك أنشأ السفر لحاجة نفسه، وهو رجوعه إلى وطنه فلا يستوجب به النفقة في مال الميت، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا وصل إلى مكة قبل الحج بيوم أو يومين ما حاله في الإنفاق. وفي النوادر: عن أبي يوسف، ومحمد: لو قدم في أيام العشر فنفقته في مال الميت، وقبيل ذلك ينفق من مال نفسه إلى أن تدخل أيام العشر (١)؛ لأن العادة أن قدوم الحاج بمكة يتقدم ويتأخر، ولكنهما في أيام العشر وقبيل أيام العشر قدوم مخالف للعادة، وليس بعمل للميت فتكون نفقته في مال نفسه. ولو أوصى بأن يحج عنه بمال معين يبلغ ذلك حججا فالوصي بالخيار إن شاء دفع كل سنة لحجة، وإن شاء دفع رجالا في سنة، وهذا أفضل؛ لأن هذه الوصية بمنزلة الوصية بالتصدق بمال مقدر، وفي ذلك الوصي بالخيار والتأخير والتعجيل أفضل؛ لأنها أقرب إلى تحصيل مقصود الموصي وأبعد عن فوات مقصوده بهلاك المال، الكل من المبسوط (٢). وفي الإيضاح: ولو أوصى بأن يحج عنه من بلده؛ لأن الوصية تنصرف إلى ما فرض الله تعالى، وأصل الفرض كان من بلده ولو لم يوص لم يلزم الوارث

стр. 2422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو حج عنه حج عنه من بلده وأرجو أن يجزئه إن شاء الله، وقد بينا وجه تقيده بالاستثناء. ولو أوصى بأن يحج عنه بمال يسمى، فإن بلغ الحج عن بلده يحج عنه وإلا حج من حيث تبلغ والقياس أن تبطل الوصية؛ لأنه لا يمكن تنفيذها، كما لو أوصى بغير تسمية والثلث لا يبلغ ذلك فإنها تبطل، وفي الاستحسان لا تبطل؛ لأن الوصية بالحج لا تستغرق المسمى ألا ترى أنه لو تفضل مع الحاج شيء يجب الرد على الوارث، وإذا لم يختص بالمبلغ المسمى كان التنفيذ أولى من الإبطال. ولو كان للموصي وطنان حج عنه من أقربهما، وإن لم يكن له وطن فمن حيث مات، ولو حج الوصي من غير بلده فإن كان على مقدار ما يخرج ويرجع إليه قبل الليل جاز ذلك؛ لأنه بمنزلة اختلاف المحلات في بلدة واحدة (١). ولو أمر بالإفراد بحجة أو عمرة فَقَرَنَ فهو مخالف في قول أبي حنيفة ويقع الحج عنه (٢)، وبه قال الشافعي (٣)، وقال أبو يوسف ومحمد: يقع عن الميت (٤)؛ لأنه أتى بما أمر به وزيادة خير فجاز. ولأبي حنيفة أنه أمره يتجرد السفر للحج ولم يفعل وما قرن به عن العمرة لا يقع عن الأمر فيصير كأنه حج عنه واعتمر لنفسه فيصير مخالفا (٥). ولو اعتمر المأمور بالحج ثم حج من مكة فهو مخالف بالاتفاق؛ لأنه أدى بالسفرة غير المأمور به وأتى بالحج من غير السفرة. ولو اعتمر بالعمرة ثم حج من نفسه لم يكن مخالفًا؛ لأنه أتى بالسفرة العمرة كما أمر به، فتشاغله بعد ذلك بحج لا يصير مخالفا كما لو اشتغل

стр. 2423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالتجارة، إلا أن النفقة في مقدار مقامه للحج في مال نفسه، ولو [حج] (١) المأمور ماشيًا فقد خالف لما ذكرنا أن الأمر ينصرف إلى ما فرض الله عليه، وذلك الحج راكبًا، ولو حج على حمار كره ذلك والبعير أفضل؛ لأن النفقة في ركوب البعير أكثر، ولو أنفق من ماله ومال الميت فإن كان كره وعامة نفقته منه جاز، وإلا فهو ضامن؛ لأن القليل من الإنفاق لا يكون معتدًا به، فيكون تابعًا للأكثر. وفي المحيط: هذا إذا لم يكن فيه وفاء بالنفقة، فإن كان فيه وفاء بها لا يصير مخالفًا ويرجع بما أنفق بمال الميت استحسانًا (٢). ولو مرض المأمور في الطريق لم يجز أن يدفع النفقة إلى غيره إلا بإذن الأمر، ولو ضاع قبل إحرامه فأنفق من عنده لم يجز عن الميت، ولو ضاع بعد الإحرام جازت الحجة عن الميت ولم يرجع بما أنفق على أحد. ولوصي الميت أو وارثه أن يسترد المال عنه ما لم يحرم، ولو أحرم حين أراد الأخذ منه فله أن يأخذه، ويكون إحرامه عن الميت، فإن استرد فنفقته إلى بلده في مال الميت، وإن استرد لخيانة ظهرت منه فالنفقة في ماله، ولو استرد لجهالته بأمور المناسك، أو بضعف رأي منه فالنفقة في مال الميت. أوصى أن يحج رجل على بعيره فدفع إليه فأكراه الرجل فأنفق الكراء على نفسه في الطريق وحج ماشيًا جاز عن الميت استحسانًا وإن خالف أمره وهو الأصح، ثم يرد البعير إلى الورثة، الكل من المحيط (٣). وفي جمع النوادر، وجامع شمس الأئمة: استعير للحج فحج عن الميت يجوز، وله من الأجر مقدار نفقة ذاهبًا وجائيًا في طعامه، وشرابه، وثيابه، ومركبه، وما لا بد منه بحسب العادة نفقة وسطًا، ويرد الفضل على الورثة، إلا إذا تبرع الورثة بتركة عليه.

стр. 2424

بابُ الهَدْي (الهَدْيُ أَدْنَاهُ شَاةٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الهَدْيِ فَقَالَ: «أَدْنَاهُ شَاةٌ» قَالَ: (وَهُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعِ: الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ) لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا جَعَلَ الشَّاةَ أَدْنَى، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَعْلَى، وَهُوَ البَقَرُ وَالجَزُورُ، وَلِأَنَّ الهَدْيَ مَا يُهْدَى إِلَى الحَرَمِ لِيُتَقَرَّبَ بِهِ فِيهِ، وَالأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ فِي هَذَا المَعْنَى (وَلَا يَجُوزُ فِي الهَدَايَا إِلَّا مَا جَازَ فِي الضَّحَايَا) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَعَلَّقَتْ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ كَالأُضْحِيَّةِ، فَيَتَخَصَّصَانِ بِمَحَلِّ وَاحِدٍ (وَالشَّاةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: مَنْ طَافَ طَوَافَ الزَّيَارَةِ جُنُبًا، وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ وفي فتاوى قاضي خان: استأجر المأمور من يخدمه وهو ممن لا يخدم نفسه، فأمره في مال الميت وإلا فمن ماله ولو أحجوا امرأة أو عبدا بإذن المولى أو بغير إذنه جاز وأساؤوا، ولا بأس بخلط المأمور نفقته مع الرفقة أمر بذلك الميت أم لا (١). ولو أنكر الورثة أو الوصي حجه فالقول قوله مع يمينه، إلا إذا كان للميت دين على إنسان وقال: حج عني بهذا المال، فحج عنه بعد موته لا يصدق، إلا بنية؛ لأنه يدعي الخروج عنه والورثة ينكرونه ولو رجع عن الطريق، وقال: مُنِعْتُ، لم يصدق ويضمن جميع النفقة إلا إذا كان أمرًا ظاهرا (٢). باب الهدي هذا الباب يتعلق بجميع الأبواب؛ لأن الهدي إما واجب أو تطوع فلهذا أعقبه جميع الأبواب والهدي: اسم لما يُهدى إلى الكعبة في هذا المعنى، وهو التقرب بإراقة الدم. (فيتخصصان)، أي: الهدي والأضحية. (بمحل واحد)، أي: كل واحد من أنواع الثلاثة السالم عن المعيب، وبين ذلك في موضعه. وفي بعض النسخ: (بمكان وارد به محل إراقة الدم)، والأول أصح فيما

стр. 2425

الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إِلَّا البَدَنَةُ) وَقَدْ بَيَّنَّا المَعْنَى فِيمَا سَبَقَ وَيَجُوزُ الأَكْلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالمُتْعَةِ وَالقِرَانِ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ، فَيَجُوزُ الأَكْلُ مِنهَا بِمَنْزِلَةِ الأُضْحِيَّةِ، وَقَدْ صَحَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ هَدْيِهِ وَحَسَا مِنْ المَرَقَةِ» (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنهَا) … ... سبق وهو قوله بعد ذكر رواية ابن عباس: (ولأن الجنابة أغلظ من الحدث) (١)، وقوله: ولأنه أنواع الارتفاقات (٢). قوله: (ويجوز الأكل)، أي: للمهدي، وللأغنياء (٣)، وبه قال أحمد (٤)، وعطاء؟، أما الأغنياء فيجوز الأكل من كل الهدايا، وهذا إذا ذبح هدي التطوع في محله، وهو مكة أما لو ذبحه في الطريق أو عطب لا يجوز للمهدي الأكل من التطوع، ويجوز من الواجب على ما يجيء. وفي مبسوط شيخ الإسلام: ونوع من الهدايا لا يجوز الأكل منها، وهي: دماء الكفارات في المنذور، وهدي الإحصار، وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله منها، أي: من هدي التطوع والمتعة والقران (٥). وقال الشافعي: ما وجب من الدماء جبرانا لا يجوز الأكل منه (٦)، ودم التمتع والقرآن دم جبر عنده، وعندنا دم نسك فيجوز الأكل منهما. (أن يأكل منها)، أي: من دم التطوع والمتعة، والقرآن، وبه قال أحمد، لما روينا وهو أن أصله الأكل من لحم هديه، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج ٣٦]، وأدنى الأمر الاستحباب، ولا يستحب أن يتصدق بأكثر من الثلث، ولا ينبغي أن يتصدق بأقل من الثلث، هكذا روى ابن مسعود، كذا في المبسوط (٧).

стр. 2426

لِمَا رَوَيْنَا، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي عُرِفَ فِي الضَّحَايَا (وَلَا يَجُوزُ الأَكْلُ مِنْ بَقِيَّةِ الهَدَايَا) لِأَنَّهَا دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ، وَقَدْ صَحَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُحْصِرَ بِالحُدَيْبِيَةِ وَبَعَثَ الهَدَايَا عَلَى يَدَيْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ لَهُ: «لَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَرِفْقَتُكِ ولا يجوز الأكل للمهدي والأغنياء من بقية الهدايا، وبه قال الشافعي (١)، وقال مالك: يجوز الأكل من كل الدماء الواجبة، إلا جزاء الصيد وفدية الأذى (٢). (ناجية الأسلمي)، هو ناجية بن جندب الأسلمي، وفي سنن أبي داود، والترمذي وابن ماجه عن ناجيه الخزاعي، وفي المغني لابن قدامة: ناجية بنت كعب (٣)، وقيل: اسمه ذكوان فسماه النبي ﵇ ناجية؛ لأنه نجا من قريش، والهاء للمبالغة كالرواية. روي أنه ﷺ أمره أن يسلك بها الفجاج والأودية حتى يخرج بها إلى منى فينحرها، فقال: ماذا أصنع بما أبدع عليَّ منها، فقال ﵇: «إِنحَرْها واضبع نعلها بدمها أي قلائدها - واضْرِبْ بها صفحَة سَنامِها، ثم خَلّ بينها وبين الناس، ولا تأكل ولا أحدٌ من رفقتك منها شيئًا» (٤). وإنما نهاه عن التناول؛ لأنه كان غنيا مع رفقته، كذا في المبسوطه (٥). والمعنى في ذلك أن الكفارة شرعت جزاء للجناية فيليق بها الحرمان عن الانتفاع بهديه لزيادة الزجر، ولو جاز له الانتفاع به لانقلب العسر يسرا. ولو أكل منه وهو غني ضمن ما أكله (٦)، وبه قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨)،

стр. 2427

مِنهَا شَيْئًا» (وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ) قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: (وَفِي الأَصْلِ: يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ القُرْبَةَ فِي التَّطَوُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا هَدَايَا، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِتَبْلِيغِهَا إِلَى الحَرَمِ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ جَازَ ذَبْحُهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ مَعْنَى القُرْبَةِ فِي إِرَاقَةِ الدَّمِ فِيهَا أَظْهَرُ، أَمَّا دَمُ المُتْعَةِ وَالقِرَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وَقَضَاءُ التَّفَثِ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، … ... … . وداود (١)، وقال مالك: لو أكل لقمة يغرم كله (٢)، وفي النذر أن يطعم المساكين، قال ابن قاسم: لا أرى فيه إلا قبل ما أكل فيها (٣) أي في مكة- أظهر؛ لأنها خصت بالقرابين والهدايا، فيكون لها زيادة شرف. قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٤) وقضاء التفث هو الحلق، مختص بيوم النحر بالاتفاق، وعطف قضاء التفث على إطعام الفقير فيكون الذبح مختصا بيوم النحر، وعطف بحرف ثُمَّ لأنه حالة الإطعام والأكل فيكون بعدهما لا محالة. فإن قيل: العطف بحرف ثُمَّ في التراخي، فربما يكون الذبح قبل يوم النحر، وقضاء التفث متراخيا عنه في يوم النحر. قلنا: موجب ثُمَّ فيه يتحقق بالتأخير ساعة، فلو جاز الذبح قبل يوم النحر بيوم أو بيومين مثلا، فينبغي أن يجوز قضاء التفث بعده بساعة قبل يوم النحر، وبالإجماع لا يجوز قضاء التفث قبله، علم أنه مؤقت بيوم النحر. فإن قيل: ينبغي أن يجوز ذبحه قبل طلوع الفجر بساعة من ليلة النحر، ثم يحلق بعد ما طلع الفجر.

стр. 2428

وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالْأُضْحِيَّةِ. وَيَجُوزُ ذَبْحُ بَقِيَّةِ الهَدَايَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ اعْتِبَارًا بِدَمِ المُتْعَةِ وَالقِرَانِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ دَمُ جَبْرٍ عِنْدَهُ. وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ، فَلَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ كَانَ التَّعْجِيلُ بِهَا أَوْلَى لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، بِخِلَافِ دَمِ المُتْعَةِ وَالقِرَانِ، لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ. قلنا: أفعال الحج شرعت، مُرتّبة، فلو قلنا: بجواز الذبح في الليل يقع الخلل بين الوقوف بعرفة، والوقوف بمزدلفة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وهو المزدلفة، والفاء في فَاذْكُرُوا للتعقيب بلا تراخ، فإن كان ليلة النحر زمان الوقوف يقع، والخلل في الترتيب، وهذا لا يجوز، كذا نقل عن مولانا حميد الدين، وفيه تأمل. (الْبَأْسِ) (١) شديد الحاجة. (ولأنه دم نسك)، أي: قربة حتى حل التناول منها كالأضحية، وقال الشافعي: لا يجوز إلا في يوم النحر، هذا مخالف لما ذكر في كتبهم، فإنه ذكر في الوجيز وشرحه والتتمة وغيرها: أن الدماء الواجبة في الإحرام إما لارتكاب محظور، أو جبر الترك مأمور لا يختص بزمان، فيجوز في يوم النحر وغيره، وإنما الضحايا هي التي تختص بالحرم، وأيام التشريق (٢). وفي شرح المجمع: مذهب الشافعي أنه لا تختص بيوم النحر من الدماء ولا الضحايا، وفي وقت ذبح الهدي وجهان: الصحيح أنه يختص بيوم النحر كالأضحية، والثاني: أنه لا يختص بزمان كدماء الجبران، وقد [ذكر] (٣) صاحب الهداية الخلاف معه في بقية الهدايا، والصحيح من مذهبه ما نقلنا أن دماء الجبران لا تختص بيوم (٤).

стр. 2429

قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ الهَدَايَا إِلَّا فِي الحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْياً بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَصَارَ أَصْلًا فِي كُلِّ دَمٍ هُوَ كَفَّارَةٌ، وَلِأَنَّ الهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى مَكَانَ، وَمَكَانُهُ الحَرَمُ، قَالَ ﷺ : «مِنّى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرُ» (وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الحَرَمِ وَغَيْرِهِمْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ قُرْبَةٌ. قوله: (ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم) (١) وبه قال الشافعي في الأصح (٢)، وقال في القديم: ما أنشأ سببه في الحل يجوز ذبحه في الحل، وبه قال أحمد، وقد مر، وقال مالك: ما يجب من الفدية بالإحرام لا تختص بمكان كما لا تختص بزمان (٣). وحكي عن القديم هذا القول عن الشافعي؛ لأن المقصود منه التصدق، والتصدق قربة في كل مكان، وحكي عن الشافعي أن السبب الموجب للدم إن كان مباحا كالحلق بعذر لا يختص ذبحه ولا تفريق لحمه بمكان، وحكي عنه لو حلق قبل انتهاء الحرم ذبح وفرق لحمه حيث حلق، وهما ضعيفان؛ لأن قوله تعالى: ﴿هَدْياً بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] لم يفصل، كذا في شرح الوجيز (٤)، (فصار)، أي: جزاء الصيد أصلا في كل دم كفارة؛ إذ لا تفاوت بين الكفارات في معنى الجزاء والزجر، فإذا أوجب بثبوت التبليغ في البعض بالنص وجب في غيره بدلالة النص. (الفجاج) جمع فج، وهو الطريق الواسع بين الجبلين، وهذا منه ﵇ بيان الحكم لا الحقيقة، خلافا للشافعي فإن عنده يجب صرفها إلى مساكين الحرم، حتى لو فرق القادر على دخول مكة لحمها على غير مساكين الحرم لا يجوز؛ لأن الذبح إنما شرع في الحرم للتوسعة على فقراء الحرم، ولأن اللحم أحد مقصودي الهدي فيختص بالحرم كالمقصود الآخر وهو

стр. 2430

قَالَ: (وَلَا يَجِبُّ التَّعْرِيفُ بِالهَدَايَا) لِأَنَّ الهَدْيَ يُنْبِئُ عَنِ النَّقْلِ إِلَى مَكَان لِيَتَقَرَّبَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فِيهِ، لَا عَنْ التَّعْرِيفِ، فَلَا يَجِبُ، فَإِنْ عُرِفَ بِهَدْيِ المُتْعَةِ فَحَسَنُ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَعَسَى أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُمْسِكُهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَرِّفَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ، فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْهِيرِ، بِخِلَافِ دِمَاءِ الكَفَّارَاتِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَسَبَبُهَا الجِنَايَةُ فَيَلِيقُ بِهَا السَّتْرُ. قَالَ: (وَالأَفْضَلُ فِي البُدْنِ النَّحْرُ، وَفِي البَقَرِ وَالغَنَمِ الذَّبْحُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ الجَزُورُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ الإراقة (١). وقلنا: إن التصدق قربة في كل مكان فلا يختص بمكان، بخلاف الإراقة فإنه لا يكون إلا في مكان مخصوص، أو زمان مخصوص، ولأن قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج ٢٨] مطلق لا يفصل بين فقير وفقير، فلا يجوز تقيده بالقياس، وقد بينا مذهب مالك، وأحمد فيه. قوله: (وَلَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِالْهَدَايَا)، وقد ذكرنا أن للتعريف معاني التشبه بأهل عرفة، والذهاب بالهدايا إلى عرفة والوقوف معها. وتعريف الهدايا: إعلامها بعلامة مثل التقليد، وهو الإشعار، والكل ليس بواجب؛ لقول عائشة، وابن عباس: فَعَرِّفْ، وإن شئت فلا. ثم هاهنا يحتمل أن يراد به الثاني، بدليل قوله: (لا يجد) إلى آخره، ويحتمل أن يراد به الأخير بدلالة قوله: (ولأنه دم نسك) إلى آخره. وفي مبسوط شيخ الإسلام: وإن عرَّف بهدي المتعة فحسن، وإن تركه لا تضره، يريد به إخراجه إلى عرفات؛ لأن فيه زيادة إشهار، والسنة في الواجبات الإشهار، ولهذا سن رفع الصوت بالتلبية (٢). (قيل في تأويله الجزور)، ولأن موضع النحر من الإبل أرق فيكون النحر سنة.

стр. 2431

﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ﴾ [البقرة: ٦٧] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَالذَّبْحُ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ الإِبِلَ وَذَبَحَ البَقَرَ وَالغَنَمَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ نَحَرَ الإِبِلَ فِي الهَدَايَا قِيَامًا وَأَضْجَعَهَا، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْحَرَهَا قِيَامًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ نَحَرَ الهَدَايَا قِيَامًا، وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَنْحَرُونَهَا قِيَامًا مَعْقُولَةَ اليَدِ اليُسْرَى، (وَلَا يَذْبَحُ البَقَرَ وَالغَنَمَ قِيَامًا) لِأَنَّ فِي حَالَةِ الاضْطِجَاعِ المَذْبَحَ أَبْيَنُ، فَيَكُونُ الذَّبْحُ أَيْسَرَ، وَالذَّبْحُ هُوَ السُّنَّةُ فِيهِمَا. وعن علي معنى: ﴿وَانْحَرْ﴾ ضع يدل على نحرك في الصلاة، وعن بعض الصحابة معناه وجه نحرك إلى القبلة، وعن عطاء: أمر أن يسوى بين السجدتين جالسًا حتى يبدو نحره، كذا في التيسير. وقيل: هواك ونفسك وشيطانك في الصلاة، وأي ذلك فعل فهو حسن؛ لما روي أن ابن عمر كان ينحر بدنته قائمًا، وربما ينحرها باركة (١)، وقد نقل عن غيره من الصحابة كلا الأمرين معقولة اليد، وبه قال الشافعي (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج ٣٦] ما يدل على أنه لا بأس بأن ينحرها قائما؛ لأن وجوب الجنب السقوط من القيام، وروى أنه ﵇ «نحر خمس أو ست هدايا فطفِقْنَ يَرْلِفْنَ إليه بأيتهنّ يبدأ» (٣)، فدل أنه نحر هديه قيامًا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: نحرت بيدي بدنة فكدت أن أهلك قيامًا من الناس؛ لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركة معقولة، أو أستعين بمن هو أقوى مني عليه، كذا في المبسوط (٤). (فيكون الذبح أيسر)، فإنه مندوب في كل نوع أن يذبح على وجه يكون أيسر على المذبوح، قال ﵇: «إذا ذبحتُم فأحسنوا الذَّبحة» (٥).، كذا في

стр. 2432

قَالَ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَهَا بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ ذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَنَحَرَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ بِنَفْسِهِ، وَوَلَّى البَاقِيَ عَلِيًّا ﵁»، وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَالتَّوَلِّي فِي القُرُبَاتِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الخُشُوعِ، إِلَّا أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ لَا يَهْتَدِي لِذَلِكَ وَلَا يُحْسِنُهُ فَجَوَّزْنَا تَوْلِيَتَهُ غَيْرَهُ. المبسوط (١). (نيفا)، النيف بالتشديد والتخفيف ما بين العقدين، وعن المبرد: من واحد إلى ثلاث، وقيل: بالتشديد ما بين كل عقدين. (والتولي في القربات أولى)، قال ﵇: «مناولة المسكين تقي ميتة السوء» (٢)، وفيه أن يتولى الإنسان أمور القربات بنفسه، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، ولهذا يستحب أن يتولى أضحيته بنفسه، وقال مالك: يكره أن يتولى ذلك غيره فيجوز توليته غيره؛ لأن فعل الغير بأمره كفعله بنفسه، واستحب الجمهور استقبال القبلة بها، وكان ابن عمر، وابن سيرين يكرهون أكل ما لم يستقبل به القبلة (٦). ولو استناب يهوديا، أو نصرانيا يجوز، ولكن يكره، وبه قال الشافعي (٧)، وأحمد (٨)؛ لقوله ﵇: «إنا لا نستعين على أمر ديننا»، كذا في المبسوط (٩)، وقال مالك: لا يقع قربة بظاهر الحديث (١٠). وقلنا: لما جاز الاستنابة بحديث علي فتجوز استنابة كل من هو من أهل

стр. 2433

قَالَ: (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الجَزَّارِ مِنهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيِّ ﵁: «تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَبِخَطْمِهَا وَلَا تُعْطِ أَجْرَ الجَزَّارِ مِنهَا» (وَمَنْ سَاقَ بَدَنَةً فَاضْطُرَّ إِلَى رُكُوبِهَا رَكِبَهَا، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْكَبُهَا) لِأَنَّهُ جَعَلَهَا خَالِصَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَنَافِعِهَا إِلَى نَفْسِهِ إِلَى أَنْ الذبح، إلا أنه يكره استنابتهما لظاهر الحديث، ولأن هذا باب القربة فلا يستعان الكافر فيه. (الجلال) جمع الجل، و (الخطام) حبل يجعل في عنق البعير، ويثنى في خطمه، أي في أنفه، وبه قال الشافعي. (أجرة الجزار منها)، أي: من الهدايا، وبه قال الشافعي وغيره (١)، البضعة التي جعلت أجرة بمنزلة قفيز الطحان؛ لأنها من منافع عمله فلا يكون أجره، ويجوز أن يتصدق على الجزار منها سوى أجرته عند الأكثر، وإن أعطاه شيئًا منها لجزارته ضمنه؛ لأنه إتلاف ومعارضة. (وإن استغنى عن ذلك)، أي: عن الركوب، وبه قال الشافعي، ولكن قال: يركبها ركوبًا لا يؤدي إلى الإجحاف والاحتراز (٢)؛ لما روي عن أبي الزبير أنه سأل جابرًا عن ركوب البدنة؟ فقال سمعت النبي ﵇ يقول: «إركبها بالمعروفِ؛ إذ ألجئتَ إليها حتى تَجِدَ ظهرًا»، رواه مسلم (٣)، كذا في تتمتهم. ولأنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج ٣٢]، فقد جعل تعظيم الهدي من تقوى القلوب، والركوب ينافي التعظيم. وفي شرح المجمع: وأجاز الشافعي ركوبها مطلقًا، وقال مالك، وأحمد، وداود، والماوردي من الشافعية: يركبها من غير حاجة إلا أن يهزلها، وعلى هذا حمل متاعه، فلو ركبها فانتقص بركوبها ضمنها، وقال الشافعي: ويتصدق بها على الفقراء (٤).

стр. 2434

يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى رُكُوبِهَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا مُحْتَاجًا، وَلَوْ رَكِبَهَا فَانْتَقَصَ بِرُكُوبِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلِبْهَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنهَا فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ (وَيَنْضَحُ ضَرْعَهَا بِالمَاءِ البَارِد حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ) وَلَكِنْ هَذَا إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ، يَحْلُبُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِلَبَنِهَا كَيْ لَا يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا، وَإِنْ صَرَفَهُ … (ويلك أن تركب)، وفي رواية «ويحك»، وهي كلمة ترحم، أي ويلك للتوعد، معناه اركب كيلا يفضي إلى إهلاكك، قدم الركوب وهذا دليل على للتوعد، معناه اركَب كيلا يفضي إلى إهلاكك، قدم الركوب، وهذا دليل على أن [الركوب] (١) يجوز عند العجز، فلهذا قال: وتأويل كذا وكذا ما روي عن جابر يدل على ذلك التأويل، والدليل عليه أيضًا أنه ﵇ قال في آخر الحديث: «اركبها ولا تُجْهد نفسك» (٢). قوله: (لم يحلبها)، وبه قال الشافعي، وفي تتمتهم: إلا أن يفضل عن ري الولد، أو يموت الولد، فحينئذ يجوز له أن يحلبها؛ لأن ترك الحلب يضر بها (٣). (النضح)، الرش، من حد ضرب، كذا في الصحاح (٤). (يضر ذلك بها)، أي بالبدنة أضر لازم تصدق بمثله أو قيمته، وقال الشافعي: هل له أن يتناول منه؟ يبني حكمه على حكم لحمه، فإن جوزنا له تناول لحمه كان له أن يشرب اللبن بلا شيء (٥)، وبه قال أحمد (٦)، وإن لم يجوز له أكل لحمه لا يشرب اللبن، ولكن إن قدر على تجفيفه ونقله إلى مكة

стр. 2435

إِلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ (وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِأَنَّ القُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذَا المَحَلِّ وَقَدْ فَاتَ (وَإِنْ كَانَ فعل، وإلا تصدق على الفقراء كما في لحمه، كذا في تتمتهم. وهذا في هدي الواجب عنده وعلى قياس قول مالك يجوز شربه كما يجوز أكل لحمه؛ لأنه مضمون عليه؛ إذ اللبن جزء من أجزاء الهدي، وقد لزمه الإراقة بجميع أجزائه، وبالحلب والضرب إلى حاجة نفسه عجز عن الإراقة فيه فكان عليه التصدق كما لو عجز عن إراقة الكل. ولأن الهدي بجميع أجزائه صار حقا لله تعالى، وقد تلف حقه بغير إذنه فيضمن، فيسري حكم الهدي إلى الولد بإجماع الأئمة، وكذا لو جز صوفها يتصدق به أو قيمته، وقال أشهب المالكي: لو باع ولد الهدي عليه بدنة كبيرة، وهذا بعيد جدا (١). قوله: (وقد فات)، فإن الواجب إذا كان متعلقا بمحل يفوت بفوات ذلك المحل، كالفقير إذا اشترى شاة للأضحية فماتت الشاة لا يجب عليه ثانيا؛ لأن الواجب في ذلك لا في الذمة وقد فات، وعند الشافعي هدي التطوع باق على ملكه يتصرف فيه كيف شاء، وله أن يشرب لبنه وأن يركبه (٢)؛ لأنه لم يؤخذ منه إلا نية الصدقة وبالنية لا تلزمه وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤). وعن بعض أصحاب مالك أنه يصير بالتقليد واجبًا (٥)، وقال الشافعي في القديم: لو اشترى بدنة وقلّدها ونوى أنها هدي صارت هديًا فعليه أن يقيم غيره مقامه، وبه قال الشافعي (٦)، وأحمد (٧)، وإن أصابه عيب كثير بأن ذهب أكثر من

стр. 2436

عَنْ وَاجِبٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ الوَاجِبَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ (وَإِنْ أَصَابَهُ عَيْبٌ كَبِيرٌ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ المَعِيبَ بِمِثْلِهِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الوَاجِبُ، فَلَا بُدَّ مِنْ غَيْرِهِ (وَصَنَعَ بِالمَعِيبِ مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ التَّحِقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَإِذَا عَطِبَتِ البَدَنَةُ فِي الطَّرِيقِ، ثلثي الأذن على قول أبي حنيفة، وعلى قولهما بأن ذهب أكثر من نصف الأذن، كذا في فتاوى قاضي خان (١). (يقيم غيره مقامه)، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد، إلا أن عند أحمد يجب ذبح المعيب مع بدله (٣)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٤)، وعندنا وأكثر أصحابه: أن المعيب يصير ملكه يصنع به ما شاء (٥)؛ لأنه التحق بسائر أملاكه فإنه إنما عينه لإقامة الواجب، ولم يبق صالحًا لذلك لحدوث العيب المانع، وانتقل الوجوب إلى البدل فصار الأول خاليًا عن حق الله تعالى، فالتحق بسائر أملاكه فله أن يصنع بالمعيب ما شاء، كذا في المبسوط (٦). (وإذا عطبت)، أي: قريب إلى العطب بفتحتين، وهو الهلاك، من حد علم. وفي الخبازية: صارت المسألة مكررة في الظاهر، والجواب: أن الأولى في الهدي، وهذه البدنة، وخصها بالذكر بعد ما دخلت في ذلك العموم كما هو دأبه من ذكر الأصول على الإبهام، ثم الشروع في بيان تفاصيلها. أو نقول: ذكر في الأولى أن عليه غيره أم لا، وفصل بين الواجب والتطوع في حق هذا الحكم، ولم يبين أنه ماذا يفعل بالذي عطب فأعاد لبيان ما يفعل به، وفصل في حق هذا الحكم أيضًا بينهما، غير أنه أعاد قوله: (وإن كانت واجبة أقام غيرها) تأكيدًا. ويحتمل أن الأولى في الذي عطب ولم يتهيأ له الذبح، ألا ترى أنه لم

стр. 2437

فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهَا وَصَبَغَ نَعْلَهَا بِدَمِهَا وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهَا وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الأَغْنِيَاءِ مِنهَا) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ ﵁ وَالمُرَادُ بِالنَّعْلِ قِلَادَتُهَا، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلُ مِنهُ الفُقَرَاءُ دُونَ الأَغْنِيَاءِ. وَهَذَا لِأَنَّ الإِذْنَ بِتَنَاوُلِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، إِلَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الفُقَرَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ جَزَرًا لِلسِّبَاعِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَقَرُّبِ، وَالتَّقَرُّبُ هُوَ المَقْصُودُ (فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَقَامَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا، وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِمَا عَيَّنَهُ، وَهُوَ مِلْكُهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ (وَيُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ يشتغل ببيان ما يصنع به (١). والثاني في الذي تهيأ له ذلك دون الأغنياء؛ لما روينا في حديث ناجية، وعند الشافعي لا يجوز له الأكل، ولا الفقراء رفقته، ولا للغني في الأظهر إن كان واجبًا (٢)، وفي وجه يجوز، وبه قال مالك كما لفقراء غير رفقته (٣). وهل يجوز الأكل بالعلامة من غير سماع الإباحة من المهدي؟ فيه قولان له، في قول: يباح، كقولنا، وفي قول: صح، لا يباح. ولو أخر ذبحه حتى مات أو أتلفه ضمن بأكثر الأمرين من القيمة أو الهدي مثله عند الشافعي (٤)، وعندنا يضمن قيمته لا غير. (بلوغه محله)، قال تعالى: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج ٣٦]، فإذا لم تبلغ محلها لا يباح له التناول منها؛ لأنه قصد بها التقرب إلى الله تعالى بالتصدق، وذلك بالتصرف إلى الفقراء دون الأغنياء، كذا في المبسوط (٥). (جزرا) بفتحتين، اللحم الذي تأكله السباع، هكذا نقل عن عائشة. (لأنه)، أي: الهدي لم يبق صالحًا لما عينه، فإنه قصد به إخراج الواجب

стр. 2438

وَالمُتْعَةِ وَالقِرَانِ) لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكِ، وَفِي التَّقْلِيدِ إِظْهَارُهُ وَتَشْهِيرُهُ فَيَلِيقُ بِهِ (وَلَا يُقَلِّدُ دَمَ الإِحْصَارِ وَلَا دَمَ الجِنَايَاتِ) لِأَنَّ سَبَبَهَا الجِنَايَةُ وَالسَّتْرُ أَلْيَقُ بِهَا، وَدَمُ الإِحْصَارِ جَابِرٌ فَيَلْحَقُ بِجِنْسِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الهَدْيَ، وَمُرَادُهُ البَدَنَةُ، لِأَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ الشَّاةَ عَادَةً. وَلَا يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا عِنْدَنَا، لِعَدَمِ فَائِدَةِ التَّقْلِيدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَسَائِلُ مَنْثُورَة (أَهْلُ عَرَفَةَ إِذَا وَقَفُوا فِي يَوْمٍ وَشَهِدَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ وَقَفُوا يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَهُمْ) عن ذمته، فإذا خرج عن الصلاحية لإسقاط الواجب عن ذمته بقي الواجب في ذمته كما كان، وهذا ملكه يصنع به ما شاء، كذا في المبسوط (١)، وهو أحد قولي الشافعي (٢)، ومالك (٣)، كما بينا. (والستر أليق بها)، أي بالجنايات، قال ﵇: «من أصاب شيئًا مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى» (٤). (بجنسها)، وهي الدماء الجائرة كدم الجنايات. (لا يقلد الشاة عادة)، والتقليد إنما يفيد فائدة التعريف فيما كان معتادًا بين الناس، وهذا غير معتاد فلا يفيد فائدته. قوله: (وقد تقدم)، إشارة إلى ما ذكره قبيل باب القرآن بقوله: (وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة)، وقد بينا اختلاف العلماء فيه مع وجوهه هاهنا. مسائل منثورة يعني: لم تدخل في الأبواب. قوله: (أجزأهم)، أي وقوفهم حتى يتم حجهم به. وفي جامع قاضي خان، وأبي اليسر: صورة ذلك: أن يشهدوا

стр. 2439

وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجْزِيَهُم اعْتِبَارًا بِمَا إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِزَمَانِ وَمَكَانٍ فَلَا يَقَعُ عِبَادَةٌ دُونَهُمَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ وَعَلَى أَمْرٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ أنهم رأوا هلال ذي الحجة ليلة كان اليوم الذي وقفوا فيه اليوم العاشر (١). وجه القياس أن الوقوف في حق الزمان كالمكان، فكما لا يكون الوقوف قربة في غير ذلك المكان لا يكون قربة في غير ذلك الزمان، ولهذا لو شهدوا أنهم وقفوا يوم التروية لا يجزئهم، وبه قال مالك (٢)، والشافعي في الأصح (٣)، وأحمد في رواية، والأصح عند أحمد: يجزئهم (٤)، فكذا هذا. (وجه الاستحسان)، وبه قال الشافعي (٥) وأحمد، ومالك. حرفان، أحدها: (أن هذه شهادة قامت على النفي)، وهو نفي جواز وقوفهم، وجواز حجهم، فلا يقبل؛ لأن المقصود من البينات الإثبات، وبالنفي لا يفيد العلم، ولا شهادة بدون العلم. فإن قيل: لو ادعت المرأة أن زوجها قال لها: أنتِ طالق، وادعى الزوج أنه استثنى بعد ذلك، فشهدوا على أنه لم يستثن؛ تُقبل. وكذا لو ادعت أنه قال: المسيح ابن الله، وادعى الزوج أنه وصل ذلك بقوله: قول النصارى؛ تقبل الشهادة على أنه لم يقل: قول النصارى، وهذا نفي. قلنا: هذه الشهادة قامت على أمر مشاهد معاين وهو السكوت. فإن قيل: هنا أيضًا قامت على أمر معاين، وهو هلال ذي الحجة. قلنا: لا كذلك؛ لأن رؤية الهلال لا تدخل تحت الحكم. وفي الخبازية: هذه الشهادة قامت على النفي، وعلى ما لا يدخل تحت الحكم، فقال هذا المجموع كيلا يكون يلزم النقض بما لو شهدوا على أنه لم

стр. 2440

الحُكْمِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنهَا نَفْيُ حَجْهِمْ، وَالحَجُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ فَلَا تُقْبَلُ، وَلِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى عَامَةً لِتَعَذَّرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ، يستثن الزوج عند قوله: " أنت طالق "، أو لم يقل: "قول النصارى" عند قوله: المسيح ابن الله؛ لأن هذه الشهادة وإن قامت على النفي؛ لكن فيما يدخل تحت الحكم، فلا يرد نقضا، وإنما لا يدخل الحج تحت الحكم؛ لأن القضاء شرع لقطع المنازعات، ولا منازعة فيه، ولأن الحج عبادة، وولاية إلزام العبادات الله تعالى لا للقاضي، وأما الحدود فليس من باب القضاء؛ بل من باب إقامة الزاجر نيابة عن الشارع (١). قوله: (ولأن فيه)، وهو الوجه الثاني من الاستحسان، وفي جامع الإسبيجابي: وهو الصح، يعني شهادتهم مقبولة؛ لأنها قامت على الإثبات صورة، وحجتهم جائزة؛ لأنه لم يظهر بهذه الشهادة أنهم لم يقفوا في وقته. قال ﵇: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وعرفتكم يوم تعرفون، وأضحاكُم يومَ تُضَحُّون» (٢)، أراد بذلك أن يوم الوقوف بعرفة هو عرفة عندكم، وقد وقفوا في ذلك اليوم، والمعنى فيه أن الاحتراز عن الاشتباه متعذر، والتدارك غير ممكن، فيجعل عفوا كيلا يكون تكليفا بما ليس في الوسع، بخلاف ما لو شهدوا أنهم وقفوا يوم التروية؛ لأن ثُمَّ عسى يزول الاشتباه، والتدارك ممكن في اليوم الثاني. الكل من جامع قاضي خان، وأبي اليسر، والمحبوبي (٣). والضمير في (فيه) يجوز أن يرجع إلى الخطأ في عرفة، أو إلى الوقوف يوم النحر، أو إلى عدم جواز الحج. و (البلوى) كدعوى غير منصرف للتأنيث، ولزومه. لتعذر الاحتراز عنه، أي: عن الوقوف في يوم النحر؛ لأنه يحتمل أن يكون غرة ذي الحجة يوم الغيم فظن الحاج أن غرة الشهر يوم السبت، والواقع أن الغرة يوم الجمعة فغلطوا في يوم عرفة، فلا يكون الاحتراز عن الوقوف في

стр. 2441

وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَفِي الأَمْرِ بِالإِعَادَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ عِنْدَ الاشْتِبَاهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ فِي الجُمْلَةِ بِأَنْ يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلِأَنَّ جَوَازَ المُؤَخَّرِ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا كَذَلِكَ جَوَازُ المُقَدَّمِ. قَالُوا: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَسْمَعَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَيَقُولَ: قَدْ تَمَّ حَجُّ النَّاسِ فَانْصَرِفُوا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا إِيقَاعُ الفِتْنَةِ. وَكَذَا إِذَا شَهِدُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الوُقُوفُ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ لَمْ يَعْمَلْ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ. يوم النحر ممكنًا، فلا تمكن شهادتهم، والتدارك غير ممكن؛ لأنه ليس في سعة أحد إعادة اليوم الماضي. (حرجًا بينا)؛ لأن في التزام القضاء إحباط قطع المسافات الطويلة وإنفاق الأموال الكثيرة. (أن يكتفي به)، أي: بالوقوف في يوم النحر عند الاشتباه، وهذا لأن في شهادتهم شبه الغفلة والكذب؛ لأن الشهود قوم يتصور تواطؤهم على الكذب، وتواطؤهم على الغفلة، والوقوف قد صح، والحج تم فلا يبطل بالشك، ولأن جواز المؤخر له نظير كقضاء الصلوات والصيامات، ولا كذلك جواز المقدم فلا يجوز قياس المؤخر - وهو الوقوف يوم النحر - على المقدم، وهو الوقوف يوم التروية، أما تقديم العصر على وقته في يوم عرفة بخلاف القياس فلا يقاس عليه. (إلا إيقاع الفتنة)، قال ﵇: «الفتنة نائمة لعنَ اللهُ مَنْ أيقظها». وعن محمد: جاز للشهود أن يقفوا مع الإمام، ويجوز حجهم عشية عرفة عن مولانا حميد الدين. تصوير المسألة: أن الحاج زعموا يومًا أنه اليوم الثامن من ذي الحجة، فشهدوا في عشية هذا اليوم أنه يوم عرفة بأن شهدوا برؤية هلال ذي الحجة في يوم يكون هذا اليوم يوم عرفة (١). (ولا يمكنه)، أي: الإمام أن يقف بقية الليل. (مع الناس)، أي: جميع الحاج أو أكثرهم فيفوت حجهم؛ لا يقبل

стр. 2442

قَالَ: (وَمَنْ رَمَى فِي اليَوْمِ الثَّانِي الجَمْرَةَ الوُسْطَى وَالثَّالِثَةَ وَلَمْ يَرْمِ الأُولَى، فَإِنْ رَمَى الأُولَى ثُمَّ البَاقِيَتَيْنِ فَحَسَنٌ لِأَنَّهُ رَاعَى التَّرْتِيبَ المَسْنُونَ وَلَوْ رَمَى الأُولَى وَحْدَهَا أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ تَدَارَكَ المَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّرْتِيبَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُجْزِئِهِ مَا لَمْ يُعِد الكُلَّ، لِأَنَّهُ شَرَعَ مُرَتَبًا … القاضي شهادتهم؛ لأن فيه تهييج الفتنة كما ذكرنا، ويقف الإمام مع الناس غدًا بعد الزوال. وفي المحيط: قال محمد: لو شهدوا عند الإمام عشية عرفة، فإن أمكنه الوقوف في بقية الليل مع الناس أو أكثرهم؛ وقف، وإلا لم يقبل تلك الشهادة، ووقف من الغد، وكذا لو شهدوا يوم عرفة أن اليوم يوم الأضحى؛ لم يقبل ويقف الشهود مع الناس من غد يجزئهم، ولو وقف واحد رأى الهلال لم يجزئه، وعليه أن يقف مع الإمام (١). قوله: (لأنه شرع مرتبًا)، فإن الترتيب في الرمي بين الجمرات واجب عنده (٢)، وبه قال أحمد (٣)، ومالك (٤)؛ لأن كون الرمي عبادة لا تعقل فيتبع فيها ورود الشرع، والنبي ﵇ ومن بعده رموا على الترتيب. وقلنا: كل واحد متعلق ببقعة معينة، والبقعة في باب الحج أصل في التعظيم، فكان ما شرع فيه أصلا، فلا يتعلق جواز البعض بالبعض، ألا ترى أنه لو أعاد على الترتيب كان مؤديا لا قاضيًا، إلا أن الترتيب مسنون بفعل النبي ﷺ ، وهو معنى قول المصنف: (أن كل جمرة مقصودة بنفسها) إلى آخره، حتى يجب بترك كل جمرة دم عندنا (٥)، وبه قال الشافعي في قول (٦). ثم هو يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الصلاة حيث قالوا بالترتيب فيها دون

стр. 2443

فَصَارَ كَمَا إِذَا سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ، أَوْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا، فَلَا يَتَعَلَّقُ الجَوَازُ بِتَقْدِيمِ البَعْضِ عَلَى البَعْضِ، بِخِلَافِ السَّعْيِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلطَّوَافِ لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَالمَرْوَةُ عُرِفَتْ مُنْتَهَى السَّعْيِ بِالنَّصِّ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا البُدَاءَةُ. قَالَ: (وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، … الرمي، ففرق الشافعي أن كل صلاة عبادة على حدة فلا تتعلق أحدهما بالأخرى؛ لأنه يصير تبعا. أما جمرات اليوم كلها واحدة بدليل أنه يجب بترك الكل واحد، فعلم أن للأخير مرتبة على الأولى ضرورة الاتحاد، وعلماؤنا قالوا: كل جمرة مقصودة بنفسها، فلا يكون تبعا للآخر، وهو القياس بالصلاة بالترتيب، وهو قوله ﵇: «فإن ذلك وقتها»، فيترك القياس به، كذا في الأسرار (١). قوله: (لأنه دونه)، أي: لأن السعي دون الطواف فإنه واجب، والطواف فرض، والواجب تبع للفرض مكمل له، ولهذا يخلو عن البيت، ولو ترك طواف الزيارة بقي محرما عن النساء أبدا، ولو ترك السعي تم حجه ولم يبق محرما عنها، وإن لزم بتركه دم فإذا كان السعي تبعا، فلو جاز قبل الطواف صار أصلا وهذا لا يجوز. قوله: (والمروة)، عرفت جواب قياس الخصم، يعني لم يجز أن تبدأ بالمروة؛ لأن السعي بين الصفا والمروة قرية واحدة. وبالنص عرفت بدايتها بالصفا وختمها بالمروة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال ﵇: «ابدأوا بما بدأ الله» (٢)، فلا تجوز البداية بالختم. (وفي الأصل) (٣)، أي: المبسوط خيره (٤)؛ لأن الحج ماشيا يكره، وراكبا أفضل، والقياس أن لا يجب المشي بالالتزام؛ إذ من شرطه أن يكون من جنسه واجبا، والمشي بواجب إلا أن القياس ترك بالنص الذي تبين، ولأن المشي

стр. 2444

فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) وَفِي «الأَصْلِ»: خَيَّرَهُ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالمَشْيِ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الوُجُوبِ، وَهُوَ الأَصْلُ، لِأَنَّهُ التَزَمَ القُرْبَةَ بِصِفَةِ الكَمَالِ فَتَلْزَمُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، كَمَا إِذَا نَذَرَ بِالصَّوْمِ مُتَتَابِعًا، وَأَفْعَالُ الحَجِّ تَنْتَهِي بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، فَيَمْشِي إِلَى أَنْ يَطُوفَهُ. واجب على الفقير الذي بمكة ولا يجد الراحلة، وتمكنه أن يمشي إلى عرفة. قوله: (وهذا)، أي قوله: (لا يركب حتى يطوف)، إشارة إلى الوجوب، فإنه إخبار عن المجتهد وإخباره معتبر بأخبار الشرع؛ لأنه نائبه في بيان الأحكام. قوله: (وهو) أي: المشي الأصل؛ لأنه ألزم القربة بصفة الكمال، وهو الحج ماشيًا، وهو أفضل بدليل قوله تعالى فإنه قدّم المشاة على الركبان فقال: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج ٢٧]، وأن ابن عباس قال بعد ما كُفَّ بصره: «ما تأسفتُ على شيء مثل تأسفي على أن لم أحج ماشيًا» (١)، وأن الحسين بن علي: كان يمشي في طريق الحج وجنائبه تقاد إلى جنبه، فقيل له: ألا تركب، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ يمشي في طريق الحج كُتِبَ له بكل خطوة حسنة من حسناتِ الحَرم». قيل: وما حسناتُ الحرم؟ قال: «الواحد بسبع مائة ضعف» (٢)، فأثبت أن المشي أفضل. كان الحج ماشيًا قربة بصفة الكمال، وإنما كره أبو حنيفة المشي في طريق الحج إذا كان يجمع بين الصوم والمشي لا مطلقا؛ لأنه إذا فعل ذلك ساء خلقه، فجادل رفيقه، والجدال في الحج منهي عنه. كذا في المبسوط، وجامع المحبوبي (٣). قوله: (إلى أن يطوف)، أي: طواف الزيارة، وعند الشافعي (٤)، ومالك (٥)، يلزمه المشي إلى أن يتحلل التحلل الثاني، وهو الرمي. ثم لم يذكر محمد في شيء من الكتب من أي موضع يبدأ بالمشي في النذر.

стр. 2445

ثُمَّ قِيلَ: يَبْتَدِئُ المَشْيَ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ، وَقِيلَ: مِنْ بَيْتِهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ المُرَادُ، وَلَوْ رَكِبَا أَرَاقَ دَمًا، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِيهِ، قَالُوا: إِنَّمَا يَرْكَبُ إِذَا بَعُدَت المَسَافَةُ وَشَقَّ عَلَيْهِ المَشْيُ، وَإِذَا قَرُبَتْ وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَعْتَادُ المَشْيَ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْكَبَ … (قيل: من بيته)، وهو الأصح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (١)؛ لأنه هو المراد عرفًا، ولهذا كان الأفضل فيمن يحرم من بيته. وقيل: من الميقات، وبه قال عامة أصحابه؛ لأنه يحرم من الميقات. وقيل: من أي موضع يحرم فيه. (ولو ركب أراق دما)، وبه قال الشافعي في قول عند العجز (٢)؛ لحديث عقبة بن عامر الجهني أنه جاء إلى النبي ﵇، وقال: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج ماشية حافية، فقال ﵇: «إنّ الله تعالى لغَنِيٌّ عن تعذيب أختك فتركب ولتذبح لركوبها شاة» (٣). هذا إذا ركب في كل الطريق، فإن ركب في أقله فعليه صدقة بقدر من قيمة الشاة الوسط. قال أبو جعفر الهندواني: إنما يطلق له الركوب إذا كانت المسافة بعيدة بحيث لا يبلغ إلا بشدة عظيمة، فأما إذا كانت قريبة لا يجوز له أن يركب، كذا في [جامع] (٤) قاضي خان (٥). والدليل على وجوب المشي من بيته ما روي عن أبي حنيفة: لو أن بغداديا قال: إن كلمت فلانًا فعليَّ أن أحج ماشيًا، فلقيه بالكوفة وكلمه، فعليه أن يمشي من بغداد، كذا في جامع قاضي خان، والمحبوبي (٦). قوله: (ينبغي أن لا يركب)، أي: لا يجوز أن يركب، ويريق دما إذا كان

стр. 2446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يشق ذلك عليه. وفي المبسوط: لو حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام يلزمه حجة أو عمرة استحسانًا (١)، وبه قال الشافعي (٢). وتأتي التعريفات على المذهبين كما في مسألة الحج ماشيًا، إلا أنه لو اختار العمرة مشى إلى أن يحلق، ولو قال: عليَّ مَشْي، ولم يقل: إلى بيت الله، لا يلزمه شيء بالإجماع، وعن أحمد إذا نذر نذرًا مباحًا انعقد نذره، وكان بالخيار بين الوفاء وبين الكفارة (٣). ولو نذر المشي إلى المسجد الأقصى أو إلى مسجد المدينة، أو إلى بيت الله الحرام وأراد مسجدًا غير الكعبة لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شيء، وبه قال الشافعي في قول (٤)، وفي قول عنه ينعقد (٥)، وبه قال مالك (٦)، وأحمد (٧). ولو قال: عليَّ المشي إلى مكة، أو إلى الكعبة، فهو كقوله إلى بيت الله بإجماع الأئمة الأربعة، ولو قال: عليَّ المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام لا يلزمه شيء عند أبي حنيفة، كما لو قال: عليَّ المشي إلى الصفا والمروة، أو إلى مقام إبراهيم، فإنه لا يلزمه شيء بالإجماع، وعندهما يلزمه حجة أو عمرة، وبه قال الشافعي وأحمد استحسانًا، ولو قال: عليَّ السفر أو الذهاب أو الإتيان إلى مكة؛ لا يلزمه شيء بالاتفاق. والقياس في الألفاظ كلها واحد، ولكن فيما توارث الناس التزم النسك به، وتركنا القياس للعرف، وفيما لا عرف فيه أخذ بالقياس، ولو وصل الاستثناء بنذره؛ لم يلزمه شيء.

стр. 2447

(وَمَنْ بَاعَ جَارِيَةً مُحْرِمَةً قَدْ أَذِنَ لَهَا … . وفي الْمُجْتَبى: لو قال: الله عليَّ حجة فعليه حجتان، حجة الإسلام، والمنذور، وقيل: لا تجب المنذورة (١)، ولو قال: علي حجة الإسلام مرتين؛ لا يلزم بالنذر شيء؛ لأنه غير مشروع، ولو نذر حجتين في سنتين؛ عليه حجتان في سنتين، ولو قال: أنا أحج؛ لا حج عليه، ولو قال مرتين: إن دخلت الدار فأنا أحج؛ لزمه إن دخل، ولو قال: الله عليَّ ما به حجة؛ لزمته كلها عندهما، وقال محمد: بقدر عمرة. ولو قال: عليَّ ثلاثون حجة فبقدر عمره بالاتفاق؛ لأنه بمنزلة قوله: بالاتفاق؛ لأنه بمنزلة قوله: عليَّ أن أحج سنة كذا ومات قبله؛ لا يلزمه شيء، ولو أحج في هذه الصورة ثلاثين شخصًا في سنة واحدة، إن مات قبل أن يجيء وقت الحج جاز الكل؛ لأنه لم يستطع، وبعده يبطل حجة واحدة لقدرته، وكذا كل سنة على هذا، ولو قال: إن عافاني الله من مرضي فعلي حجة فبرأ، لزِمَتْهُ وإن لم يقل لله؛ لأنها لا تكون إلا لله. ولو قال: إن برأت فعلي حجة فبرأ وحج جاز عن حجة الإسلام؛ لأن الناس يريدون به ذلك، وإن نوى غيرها لزمته، فلو قال: الله علي أن أحج على جمل فلان، أو بمال فلان لزمته ولغت الزيادة. نذر أن يحج سنة كذا فحج قبله؛ جاز عند أبي حنيفة، خلافًا لمحمد (٢). وفي المبسوط: لو قال: أنا أمشي إلى بيت الله، فإن نوى العدة لا شيء عليه، ولكنه يندب إلى الوفاء بالوعد، وإن نوى به النذر كان نذرًا وكذا إن لم تكن له نية فهو نذر للعادة، ولو قال لآخر: الله علي حجة إن شئت، فقال: شئتُ؛ فهي عليه؛ لأن تعلق النذر بالشرط صحيح (٣). قوله: (ومن باع جارية مُحرِمة قد أذن لها) إلى آخره، الأصل أن العبد والأمة إذا أحرم بغير إذن المولى فله أن يمنعه، ويحلله بإجماع الفقهاء، ويحلله

стр. 2448

مَوْلَاهَا فِي ذَلِكَ، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحَلِّلَهَا وَيُجَامِعَهَا) وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ بغير هدي بأدنى ما نحراه عند الإحرام، وعليه هدي للإحصار وحجة وعمرة بعد العتق. وعند الشافعي يجوز أن يصوم بدل الهدي، وليس لمولاه أن يمنعه من الصوم في الأصح، وعلى قول ليس لدم الإحصار بدل كقولنا (١). وإحرام العبد منعقد عند الفقهاء خلافًا لأهل الظاهر (٢)، ولو أحرم بإذن المولى كره له تحليله عندنا (٣)، وعند الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وزفر ليس له أن يحلله، وهو رواته عن أبي يوسف (٧)؛ لأنه عقد بإذن مولاه عقدًالازما فلم يجز له أن يخرجه عنه كالنكاح. وكما لو أذن زوجته بإحرام الحج لنفل فأحرمت. وقلنا: إن المنافع مملوكة للمولى وقد بقي بعد الإذن كذلك، ولهذا لا يملك العبد منافعه، وإن ملك وبالإذن صار معيرا للمنافع إلى العبد، فكان له حكم الرجوع متى شاء كالعارية بخلاف المرأة، فإن منافعها مملوكة لها، وله حق فيها، وبالإذن رضي بإبطال حقه فلا يصح رجوعه بعد إسقاطه، ولو أحصر فعلى المولى بعث الدم ليتحلله؛ لأنه واجب على إحرام مأذون فكان بمنزلة النفقة. وفي الإيضاح: إن دم الإحصار على العبد في هذه الصورة أيضًا، وما ذكرناه رواية المبسوط (٨). ولو باع أحدهما بعد الإذن بالإحرام نفد بيعه وللمشتري منعهما عن الإتمام

стр. 2449

هَذَا عَقْدٌ سَبَقَ مِلْكَهُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِهِ كَمَا إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً مَنْكُوحَةً. وَلَنَا: أَنَّ المُشْتَرِيَ قَائِمٌ مَقَامَ البَائِعِ، وَقَدْ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُحَلَّلَهَا، فَكَذَا المُشْتَرِي، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَلْفِ الوَعْدِ، وَهَذَا المَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ المُشْتَرِي، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَهُ إِذَا بَاشَرَتْ بِإِذْنِهِ، فَكَذَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا بِالعَيْبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ: وتحليلهما علم بالإحرام أو لا. وقال الشافعي: إن علم به الشراء ليس له تحليلهما وإن لم يعلم فله الخيار (١)، وقال زفر: ليس له ذلك كالبائع؛ لأنه استفاد الملك من جهته ولكن له الرد بالعيب؛ لأن ما وجد منه عمل لا يجوز إبطاله كما لا يجوز إبطال عمل نفسه (٢). ولنا: أنه تعارض هاهنا حق الله تعالى وحق العبد فرجحنا حق العبد بإذن الشرع لحاجة العبد، فحق الله تعالى في إتمام الإحرام، وحق العبد في صرف منافع عبده أو أمته إلى نفسه، ولهذا كان له المنع ابتداء لما ذكر أن منافعه ملكه، فكذلك لا يكون للمشتري لا للمشترى بيانه أن النكاح حق العبد فيكون معارضًا لحق المشتري فيترجح بالسبق إلى الإحرام، فلزومه لحق الله تعالى لا لحق العبد وحق العبد في المحل مقدم على حق الله تعالى كما ذكرنا، فلهذا كان للمشتري تحليلها. قوله: (لا يتمكن من ردها بالعيب)، أي عيب الإحرام دون ما سواه. وفي جامع قاضي خان والمحبوبي: وكذلك الحرة لو أحرمت بحجة التطوع ثم تزوجت هل للزوج أن يحللها؟ ذكر في اختلاف زفر ويعقوب، على قول زفر ليس له أن يحللها، وعلى قول أبي يوسف له أن يحللها، وهو قياس قول أبي حنيفة (٣).

стр. 2450

يَتَمَكَّنُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ عَشَيَانِهَا، (وَ) ذُكِرَ (فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ يُجَامِعُهَا) وَالأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَلِّلُهَا بِغَيْرِ الجِمَاعِ بِقَصِّ شَعْرٍ أَوْ بِقَلْمِ ظُفْرٍ ثُمَّ يُجَامِعُ، وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَلِّلُهَا بِالمُجَامَعَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْدِيمِ مَسٌ يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ، وَالأَوْلَى: والأصل فيه حديث عائشة أنه ﵇ قال: «ارْفُضِي عُمرَتَكِ وانقضي رأسكِ وامتشطي» (١). ولا خلاف للفقهاء في حج التطوع للزوج أن يحللها. (وذكر في بعض النسخ)، أي نسخ الجامع الصغير. (والأول) أي: المذكر بالواو - يدل على أنه يحللها بغير الجماع؛ لأنه عطف الجماع على التحليل، فينبغي أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه. (والثاني) أي: المذكور بكلمة أو لأنها أي المجامعة لا يبيح هذا جواب إشكال، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يجوز التحلل بالجماع؛ لأنه لو وقع التحلل به يلزم وقوع الجماع في الإحرام، فقال: التحلل هاهنا ليس بالجماع حقيقة؛ بل بفعل متقدم عليه من مس يلازمه (٢). ثم عند الشافعي للسيد أن يتحلله بأن يأمره بالتحلل لا أن يشتغل بما يحصل به التحلل (٣)، وذلك؛ لأنه بالأمر بارتكاب المحظور أو بفعله لا يرتفع الإحرام، فيتحلل العبد كالمحصر؛ لأنه بغير حق يجوز له التحلل، فالمحصر بالحق وهو العبد أولى ثم يتحلل إن ملكه المولى هديًا. إن قلنا: يملك فيذبح ويتحلل وإلا فهل هو كالحر، فيه طريقان: أحدهما: نعم حتى يتوقف تحلله على وجدان الهدي. إن قلنا: لا بدل لدم الإحصار، فيفتقر ذلك إلى العتق أو على الصوم. إن قلنا: إن دم الإحصار بدل وحكم أم الولد والمُدبّر ومعتق البعض حكم القن كذا في شرح الوجيز (٤).

стр. 2451

أَنْ يُحَلِّلَهَا بِغَيْرِ المُجَامَعَةِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعندنا لا يقع التحليل بالقول؛ لأن التحلل في الأصل لا يقع إلا بفعل هو من محظورت الإحرام، فأما القول فلا يؤثر فيه. كذا في الإيضاح (١). وفي المبسوط: وإنما يرتفع الإحرام بارتكاب شيء من المحظورات؛ لأن هذا الإحرام لا يكون لازما في حق المشتري بمنزلة تحريمة الصلاة، وهي ترتفع بارتكاب المحظور من سلام أو كلام فكذا هذا (٢). وفي الإيضاح: لو أذن المولى للأمة المزوجة بالحج ليس لزوجها أن يمنعها؛ لأن حقه لا يظهر في المنع والإطلاق، وعند الشافعي يحتاج في الإحرام إلى أذنهما جميعًا حتى لو أحرمت بغير إذن المولى كان للزوج أن يحللها (٣). ولو أحرمت بغير إذن الزوج كان حكمها كحم الحرة إذا أحرمت بتطوع، فإن الحرة إذا أحرمت بالتطوع فيه قولان كما في الفرض: أحدهما: أن يحللها وأن يمنعها في الابتداء في الفرض. والثاني: ليس له أن يحللها فكذا في التطوع. وقال بعض أصحابه: والأصح أن يحللها في التطوع قولا واحدًا (٤)، وعندنا ومالك ليس له منعها في الفرض إذا وجدت مَحْرَمًا، والله أعلم.

стр. 2452

كِتَابُ النِّكَاحِ كتاب النكاح لما فرغ الشيخ ﵀ عن العبادات شرع في المعاملات؛ لأنها تالية لها؛ إذ بها بقاء العابد ووجود العبادة؛ إذ البقاء بسبب الكسب الحلال شريعة والكسب يتوقف على معرفة المعاملات. ثم قدم الشيخ النكاح وما يتبعها على سائر المعاملات؛ لأن فيه معنى العبادة، فإن النكاح سنة الأنبياء والمرسلين ﵈ وفيه تحصين نصف الدين. وقد تواترت الأخبار والآثار في توعيد من رغب عنه، قال ﵇: «النِّكاحُ سُنَّتِي» (١) الحديث، وقال ﵇: «من كانَ مِنْكُمْ ذا طَوْلٍ فليتزوج» (٢)، وقال ﵇: «من تزوّج فقد حصَّنَ نِصف دينِهِ، فليتَّقِ الله في النصف الثاني» (٣)، وقال ﵇: «خير هذه الأمة أكثرها نساء» (٤)، وقال ﵇: «أربع من سُننِ المُرسلين: الختان والتعطر والسواك والنّساء» (٥). وقال ﵇: «تزوجوا؛ فإنّ التزوج خير من عبادة ألف سنة» (٦).

стр. 2453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن عمر أنه قال: "لا يمنع من النكاح إلا فجور أو عجوز". وقال ابن عباس: "لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج"، وكان ابن مسعود يقول: "لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج". وأخر صاحب القدوري النكاح عن المعاملات؛ لأن الأفعال الداخلة تحت التكليف ثلاثة أنواع: عبادات محضة، وهو القصد من الفطرة؛ كالمعارف الدينية، والصلوات، والصدقات وما يضاهيها، ومعاملات محضة؛ كالبياعات، والإجارات، والضمانات وما يحكيها، وما هو جامع لها؛ كالأنكحة وما يتبعها، وتقديم البسيط على المركب من قضايا العقول. ثم النكاح لغة: الجمع والضم. ومن أمثال العرب: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَتَرَى، أي جمعنا بين حمار الوحش والأتان؛ لننظر ما يتولد منهما، يضرب مثلا لقومٍ يُجمعون على أمر لا يدرون ما يصدر عنه. وحكى المبرد عن البصريين، وغلام ثعلب عن الكوفيين أنه عبارة عن الجمع والضم، ويستعمل في الوطء؛ لوجود الضم فيه، ويستعمل في العقلي مجازا قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] والعقد موقوف على الإذن لا الوطء، ووطء الأيامى من بناتهم وأخواتهم حرام عليهم. وفي [شرح] (١) قاضي خان: النكاح في اللغة والشرع حقيقة في الوطء مجاز في العقد (٢). وقال الشافعي: أنه في الشرع عبارة عن العقد (٣)؛ لأنه تعالى حيث ما ذكره في القرآن أراد به العقد وهذا لا يصح؛ لأنه تعالى قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] أراد به الوطء بالإجماع.

стр. 2454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي شرح الإسْبِيجابي النكاح لغة: الجمع المطلق، وشرعًا: العقد بشرائطه. وقال فخر الإسلام: النكاح العقد الشرعي، ويذكر ويراد الوطء (١). ثم قيل: إنه حقيقة فيهما؛ لوجود معنى الضم فيهما، والأصح أنه حقيقة في الوطء خاصة لوجود معنى الضم فيه حقيقة، ولا يجوز أن يكون حقيقة في العقد؛ لأنه يؤدي إلى الاشتراك، وهو خلاف الأصل، وعليه فحول أهل اللغة. وفي المغرب (٢)، والمبسوط (٣)، والنهاية الشفاهية: النكاح لغة: الوطء، ومنه قول النجاشي: وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا … وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا وقولهم: النكاح الضم مجاز كما في العقد؛ لأنه سببه. قال صاحب الْمُجْتَبى: والصحيح ما ذهب إليه خاتم المجتهدين أبو الحسين القدوري، وصاحب المغرب المطرزي (٤)؛ لأنه حيث ما حمل على العقد في القرآن إنما حمل عليه بدلالة قرينة كما في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]؛ إذ الوطء لم يشرع باعتبار الطيب. وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى﴾ [النور: ٣٢]. وحقيقة الوطء ما يتبادر الفهم إليه في صورة عرا به عن القرينة في مبادئ استعماله، غاية الأمر أن أفهام العجم وبعض العرب تتبادر إلى العقد؛ لكن لشهرة هذا المجاز وكثرة استعماله يغلب الحقيقة، ويسمى المجاز المتعارف والعقد متعارف عند الفقهاء إليه أشير في المبسوط (٥). ثم هذا العقد لا ينعقد إلا بوجود ركنه من أهله مضافًا إلى محله كسائر العقود، فالركن الإيجاب والقبول، وأهله من هو أهل كسائر العقود، ولا عليه

стр. 2455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شرائط على ما عرف، ومحله ما هو قابل له، وهو شرط الانعقاد أيضا؛ لأن المحال شروط. وله شروط الصحة - وسيقف عليها في خلال المسائل-، وله أحكام ومقاصد، فما ثبت بنفس العقد يسمى حكمة من الملك والحل والوصلة الحكمية، وما يتصل إليه بهذه الأحكام من السكن، والو لد، وقيام كل واحد منهما بمصالح الآخر مقصود. وله محاسن من تحصيل وجود المؤمنين المخلصين، وكسر الشهوة الغدارة، والتزام كفاية من لا كفاية له، والاستنان بسنة الأنبياء ﵈، ويحمل سوء الخلق فإن ذلك من أخلاق الأبرار. ونقل عن العلامة مولانا حافظ الملة والدين ﵀ أنه قال: ما اتفق في حكم من أحكام الشرع مثل ما اتفق في النكاح من اجتماع دواعي الشرع، والعقل، والطبع. وأما دواعي الشرع: فالكتاب، والسنة، والإجماع. وأما دواعي العقل: فلأن كل عاقل يجب أن يبقى أثره ونسبه، وذلك غالبا ببقاء النسل. أما الطبع: فإن فيه استيفاء اللذة بإذن الشرع فيرغب فيه المطيع، والعاصي (١). ثم اختلف العلماء في صفة النكاح، فقال أصحاب الظاهر داود ومن تابعه: هو فرض عين، حتى أن من قدر على الوطء والإنفاق يأثم بتركه (٢). وقال أصحابنا: فقيل: هو فرض كفاية (٣)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه سبب إحياء المسلم والإسلام كالجهاد. وقيل: مستحب، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
следующие страницы →