← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

أَنْ يُحَلِّلَهَا بِغَيْرِ المُجَامَعَةِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعندنا لا يقع التحليل بالقول؛ لأن التحلل في الأصل لا يقع إلا بفعل هو من محظورت الإحرام، فأما القول فلا يؤثر فيه. كذا في الإيضاح (١). وفي المبسوط: وإنما يرتفع الإحرام بارتكاب شيء من المحظورات؛ لأن هذا الإحرام لا يكون لازما في حق المشتري بمنزلة تحريمة الصلاة، وهي ترتفع بارتكاب المحظور من سلام أو كلام فكذا هذا (٢). وفي الإيضاح: لو أذن المولى للأمة المزوجة بالحج ليس لزوجها أن يمنعها؛ لأن حقه لا يظهر في المنع والإطلاق، وعند الشافعي يحتاج في الإحرام إلى أذنهما جميعًا حتى لو أحرمت بغير إذن المولى كان للزوج أن يحللها (٣). ولو أحرمت بغير إذن الزوج كان حكمها كحم الحرة إذا أحرمت بتطوع، فإن الحرة إذا أحرمت بالتطوع فيه قولان كما في الفرض: أحدهما: أن يحللها وأن يمنعها في الابتداء في الفرض. والثاني: ليس له أن يحللها فكذا في التطوع. وقال بعض أصحابه: والأصح أن يحللها في التطوع قولا واحدًا (٤)، وعندنا ومالك ليس له منعها في الفرض إذا وجدت مَحْرَمًا، والله أعلم.

стр. 2452

كِتَابُ النِّكَاحِ كتاب النكاح لما فرغ الشيخ ﵀ عن العبادات شرع في المعاملات؛ لأنها تالية لها؛ إذ بها بقاء العابد ووجود العبادة؛ إذ البقاء بسبب الكسب الحلال شريعة والكسب يتوقف على معرفة المعاملات. ثم قدم الشيخ النكاح وما يتبعها على سائر المعاملات؛ لأن فيه معنى العبادة، فإن النكاح سنة الأنبياء والمرسلين ﵈ وفيه تحصين نصف الدين. وقد تواترت الأخبار والآثار في توعيد من رغب عنه، قال ﵇: «النِّكاحُ سُنَّتِي» (١) الحديث، وقال ﵇: «من كانَ مِنْكُمْ ذا طَوْلٍ فليتزوج» (٢)، وقال ﵇: «من تزوّج فقد حصَّنَ نِصف دينِهِ، فليتَّقِ الله في النصف الثاني» (٣)، وقال ﵇: «خير هذه الأمة أكثرها نساء» (٤)، وقال ﵇: «أربع من سُننِ المُرسلين: الختان والتعطر والسواك والنّساء» (٥). وقال ﵇: «تزوجوا؛ فإنّ التزوج خير من عبادة ألف سنة» (٦).

стр. 2453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن عمر أنه قال: "لا يمنع من النكاح إلا فجور أو عجوز". وقال ابن عباس: "لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج"، وكان ابن مسعود يقول: "لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج". وأخر صاحب القدوري النكاح عن المعاملات؛ لأن الأفعال الداخلة تحت التكليف ثلاثة أنواع: عبادات محضة، وهو القصد من الفطرة؛ كالمعارف الدينية، والصلوات، والصدقات وما يضاهيها، ومعاملات محضة؛ كالبياعات، والإجارات، والضمانات وما يحكيها، وما هو جامع لها؛ كالأنكحة وما يتبعها، وتقديم البسيط على المركب من قضايا العقول. ثم النكاح لغة: الجمع والضم. ومن أمثال العرب: أَنْكَحْنَا الْفَرَا فَسَتَرَى، أي جمعنا بين حمار الوحش والأتان؛ لننظر ما يتولد منهما، يضرب مثلا لقومٍ يُجمعون على أمر لا يدرون ما يصدر عنه. وحكى المبرد عن البصريين، وغلام ثعلب عن الكوفيين أنه عبارة عن الجمع والضم، ويستعمل في الوطء؛ لوجود الضم فيه، ويستعمل في العقلي مجازا قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] والعقد موقوف على الإذن لا الوطء، ووطء الأيامى من بناتهم وأخواتهم حرام عليهم. وفي [شرح] (١) قاضي خان: النكاح في اللغة والشرع حقيقة في الوطء مجاز في العقد (٢). وقال الشافعي: أنه في الشرع عبارة عن العقد (٣)؛ لأنه تعالى حيث ما ذكره في القرآن أراد به العقد وهذا لا يصح؛ لأنه تعالى قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] أراد به الوطء بالإجماع.

стр. 2454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي شرح الإسْبِيجابي النكاح لغة: الجمع المطلق، وشرعًا: العقد بشرائطه. وقال فخر الإسلام: النكاح العقد الشرعي، ويذكر ويراد الوطء (١). ثم قيل: إنه حقيقة فيهما؛ لوجود معنى الضم فيهما، والأصح أنه حقيقة في الوطء خاصة لوجود معنى الضم فيه حقيقة، ولا يجوز أن يكون حقيقة في العقد؛ لأنه يؤدي إلى الاشتراك، وهو خلاف الأصل، وعليه فحول أهل اللغة. وفي المغرب (٢)، والمبسوط (٣)، والنهاية الشفاهية: النكاح لغة: الوطء، ومنه قول النجاشي: وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا … وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا وقولهم: النكاح الضم مجاز كما في العقد؛ لأنه سببه. قال صاحب الْمُجْتَبى: والصحيح ما ذهب إليه خاتم المجتهدين أبو الحسين القدوري، وصاحب المغرب المطرزي (٤)؛ لأنه حيث ما حمل على العقد في القرآن إنما حمل عليه بدلالة قرينة كما في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]؛ إذ الوطء لم يشرع باعتبار الطيب. وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى﴾ [النور: ٣٢]. وحقيقة الوطء ما يتبادر الفهم إليه في صورة عرا به عن القرينة في مبادئ استعماله، غاية الأمر أن أفهام العجم وبعض العرب تتبادر إلى العقد؛ لكن لشهرة هذا المجاز وكثرة استعماله يغلب الحقيقة، ويسمى المجاز المتعارف والعقد متعارف عند الفقهاء إليه أشير في المبسوط (٥). ثم هذا العقد لا ينعقد إلا بوجود ركنه من أهله مضافًا إلى محله كسائر العقود، فالركن الإيجاب والقبول، وأهله من هو أهل كسائر العقود، ولا عليه

стр. 2455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شرائط على ما عرف، ومحله ما هو قابل له، وهو شرط الانعقاد أيضا؛ لأن المحال شروط. وله شروط الصحة - وسيقف عليها في خلال المسائل-، وله أحكام ومقاصد، فما ثبت بنفس العقد يسمى حكمة من الملك والحل والوصلة الحكمية، وما يتصل إليه بهذه الأحكام من السكن، والو لد، وقيام كل واحد منهما بمصالح الآخر مقصود. وله محاسن من تحصيل وجود المؤمنين المخلصين، وكسر الشهوة الغدارة، والتزام كفاية من لا كفاية له، والاستنان بسنة الأنبياء ﵈، ويحمل سوء الخلق فإن ذلك من أخلاق الأبرار. ونقل عن العلامة مولانا حافظ الملة والدين ﵀ أنه قال: ما اتفق في حكم من أحكام الشرع مثل ما اتفق في النكاح من اجتماع دواعي الشرع، والعقل، والطبع. وأما دواعي الشرع: فالكتاب، والسنة، والإجماع. وأما دواعي العقل: فلأن كل عاقل يجب أن يبقى أثره ونسبه، وذلك غالبا ببقاء النسل. أما الطبع: فإن فيه استيفاء اللذة بإذن الشرع فيرغب فيه المطيع، والعاصي (١). ثم اختلف العلماء في صفة النكاح، فقال أصحاب الظاهر داود ومن تابعه: هو فرض عين، حتى أن من قدر على الوطء والإنفاق يأثم بتركه (٢). وقال أصحابنا: فقيل: هو فرض كفاية (٣)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه سبب إحياء المسلم والإسلام كالجهاد. وقيل: مستحب، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.

стр. 2456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: سنة مؤكدة. وقيل: واجب على الكفاية، وقال الشافعي: مباح حتى قال: التخلي لنوافل العبادة أفضل منه (١). وفي المبسوط: النكاح مسنون مستحب في قول جمهور العلماء (٢). وقال أصحاب الظاهر: واجب (٣)، وبه قال أحمد في رواية (٤) للأوامر المطلقة من قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا﴾ وغيره، ولقوله ﵇ لعكاف بن خالد: «ألك امرأةٌ؟» فقال: لا، قال ﵇: «تزوج فإنك من إخوان الشياطين»، وفي رواية: «إن كنتَ من رهبان النصارى فَالْحَقْ بهم، وإن كنتَ مِنا فتزوج، فإن المُهاجِرَ مِنْ أُمّتي من مات وله زوجة أو زوجتان أو ثلاثة» (٥)، وفي الباب أحاديث كثيرة، ولأن التحرز من الزنا فرض، وذا لا يحصل إلا بالنكاح غالبًا. وللجمهور أنه ﵇ ذكر أركان الدين من الفرائض والواجبات، ولم يذكر من جملتها النكاح، وقد كان في الصحابة من لم يتزوج ولم ينكر عليه أحد منهم فحل محل الإجماع. ولأن الصحابة ﵃ فتحوا البلاد ونقلو ما دق وجل من الفرائض ولم يذكروا في جملته النكاح، وكما يحصل التحرز من الزنا بالنكاح يحصل بالصوم؛ لقوله ﵇: «يا معشر الشبان عليكم بالنكاح، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّ الصوم لهُ وِجَاءُ» (٦). وتأويل ما رووا في حق من تتوق نفسه إلى النساء على وجه لا يصبر عنهم وبه نقول، أما إذا لم يكن بهذه فالنكاح سُنّة له؛ لقوله ﷺ : «ثلاثٌ مِنْ سُنَنِ

стр. 2457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المرسلين: النكاح، والتعطرُ، وحسنُ الخُلُقِ» (١)، وقوله ﵇: «النكاح سُنَّتي» (٢) الحديث. ولهذا قال علماؤنا: النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٣)، وأحمد (٤). وقال الشافعي: التخلي للعبادة أفضل منه إلا أن تتوق نفسه إلى النساء، ولا يجد الصبر على التخلي (٥). وقيل: قول مالك (٦)، كقول الشافعي، وهذا الخلاف في التعليم والتعليم مع النكاح. له قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩] فقد مدح يحيى ﵇ لكونه حصورًا، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على الإتيان، فدل أن التخلي أفضل، ولأن النكاح من المعاملات حتى يصح من المسلم والكافر والمقصود به قضاء الشهوة، وذلك مما يميل إليه الطبع فيكون بمباشرته عاملا لنفسه. وفي الاشتغال بالعبادة عاملا الله تعالى مخالفته هوى النفس، وهو المقصود الكلي قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، ولأن العبادة أشق من قضاء الشهوة فيكون أفضل، ولأنه جاء في البخاري من حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال يروي عن ربه تعالى: «لا يزالُ عَبدِي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحِبَّهُ (٧)» الحديث، ومثل هذا لم يوجد في النكاح، ولأنه جاء أنه ﵇ قال: «خيركم بعد المائتين الذي لا أهل له ولا مال» (٨)، وقال ﵇: «إذا كانَ سِنه خمس ومائةٌ فلأنّ يُربِّي أحدُكُم جَرو كلب خيرٌ له من أن

стр. 2458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يُرَبِّي وَلَدًا» (١). أما لو كانت نفسه تواقة ففيه معنى تحصين الدين فكان في حقه النكاح أفضل. ولنا الآيات من قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا﴾ وغيره، وأدنى الأمر الاستحباب، والأحاديث الذي روينا، وأيضًا قوله ﵇: «من كان على ديني ودين داود وسليمان فليتزوج، فإن لم يجد إليه سبيلا فليُجاهد في سبيل الله» (٢)، فجعل النكاح من الدين وقدمه على الجهاد. وقد أنهى رسول الله ﷺ العدد المشروع له، ولا يجوز أن يقال: إنما فعل ذلك؛ لأن نفسه كانت تواقة إليهن، فإن في هذه المعنى ترتفع بالواحدة، ولما لم تكتف بها دل أن النكاح أفضل. ومات أبو بكر ﵁ عن ثلاث نسوة، وعمر ﵁ عن أربع، وعثمان ﵁ عن امرأتين، وعلي ﵁ عن اثنين وعشرين من حرة وأمة سرية وأم ولد، ومات الزبير عن أربع، وعبد الرحمن بن عوف عن أربع. وتزوج النبي ﷺ تسع عشر امرأة منهن لم يدخل بهن، وتوفي ﵇ عن تسع، ذكره الصفاقسي في شرح البخاري، والقوم يحبون متابعته ﵇. والاستدلال بحال رسول الله ﷺ أولى من الاستدلال بحال يحيى ﵇؛ لأنه من المرسلين مع أن حال يحيى ممدوح لا نذمه، ولكنا نقول: النكاح بإقامة شروطه أفضل من التخلي، مع احتمال العزلة كانت أفضل في شريعتهم، ونسخ في شريعتنا، وصارت العشرة خيرًا، قال ﵇: «لا رهبانية في الإسلام» (٣). وقد نقل أن يحيى ﵇ تزوج ولم يدخل، وقد بينا أن النكاح مشتمل

стр. 2459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على المحاسن والمقاصد، فالاشتغال به أولى من التخلي، وليس المقصود من هذا العقد قضاء الشهوة؛ بل المقصود منه ما بينا من المصالح، والقيام بالواجب؛ لكن الله تعالى علق به قضاء الشهوة أيضًا؛ ليرغب فيه المطيع لدينه، والعاصي لقضاء شهوته مع أن منفعة العبادة مقصودة على العابد، ومنفعة النكاح لا تقتصر الناكح؛ بل تتعدى إلى غيره، وما يكون أكثر نفعًا أفضل، قال ﵇: «خيرُ الناس من ينفعُ الناس» (١). الكل من المبسوط (٢). وفي الكافي: ورد الأمر بالنكاح في القرآن والحديث كثيرًا، والأمر لا يخلو إما أن يكون للوجوب كما الحقيقة أولاً، فإن كان للوجوب ثبت رجحانه على النوافل بالإجماع، وإن لم يكن للوجوب يكون للسنة؛ إذ الندب والإباحة انتفيا بقوله ﵇: «النكاحُ سُنّتي»، مع أن الأصوليين غير الكعبي على أن المباح غير مأمور، كذا قيل، وفيه تأمل. فإن قيل: هو سنة عندي إذا تاقت نفسه إليهن. قلنا: جعله النبي ﵇ سنة مطلقا لا مقيدة بما زعمت، والاشتغال بالسنة أفضل من الاشتغال بالنوافل بالإجماع، مع أن بعض ما يتضمنه النكاح فريضة كالنفقة عليها وعلى العيال والأطفال، والعدل في القَسْمِ وغيره، فلم يبق من المعاملات من كل وجه. وأما الجواب عن حديث مائتين وخمسين فإنهما موضوعان، ذكره ابن حزم وغيره. وعن قوله: أكثر مشقة يكون أكثر ثوابًا، فإن ثواب ركعتي فرض الفجر أكثر من أربع ركعات النافلة مع أنها أكثر مشقة. معنى أنا لا نسلم أن في النوافل المشقة أكثر؛ بل في النكاح أكثر؛ لأن فيه الاكتساب لأجل العيال، وتحمل أعباء النفقة ومؤنة العيال، وتعب البدن والقلب.

стр. 2460

(النِّكَاحُ يَنعَقِدُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ بِلَفَظَينِ وعن [حديث] (١) أبي هريرة ليس المراد به من ترك سنة النكاح والفرائض، وتقرب إلى الله تعالى بالنوافل؛ بل لا بد أن يكون ذلك بشروطه، ونحن نقول ذلك. وفي شرح المجمع والمجتبى: وهذا الخلاف فيما إذا كانت الحال معتدل له، وإن كان تائقًا فهو واجب بالإجماع؛ لأنه يغلب على الظن أو يخاف الوقوع في الحرام، والنكاح مانع منه فيكون واجبًا. وقد ذكر في الوجيز وشرحه ويستحب النكاح لمن تاقت نفسه، وقال بعض الأصحاب: يجب إن خاف الزنا، أما لو خاف الجور فالنكاح مكروه؛ لأن استحبابه لاشتماله على حسن العشرة والصحبة بالمعروف وثواب الآخرة بطلب الولد، فإذا اشتمل على الجور والظلم سبقت المفسدة على المصلحة، فاقتضى ذلك أن يكون حرامًا إلا أن النصوص تعارضت فقلنا بالكراهة (٢). وفي الْمُجْتَبى: والتوفيق بين الأخبار المروية والمتعارضة والآثار: أن الأحوال الغالبة ثلاث: حال هيجان الشهوة والقدرة على إيفاء مواجب النكاح؛ فيجب في هذه الحالة، والأوامر والوعد محمولة عليه. وحال اعتدال لا يخاف على نفسه الزنا ولا الميل إليه؛ فيستحب. وحال الخوف عن الجور، والعجز عن الإيفاء بواجبه؛ فيباح أو يكره، وآثار العزلة والعزوبة محمولة عليه (٣). قوله: (والنكاح ينعقد بالإيجاب والقبول) إلى آخره، قال الإمام بدر الدين الورسكي: والمراد بالنكاح: العقد الشرعي الذي يوجب حل المرأة بنفسه. قوله: (بنفسه) احتراز عن البيع، فإنه يوجب حلها بواسطة ملك الرقبة. وقولنا: زوجت وتزوجت آلة انعقاده. قوله: (ينعقد بالإيجاب)، إشارة إلى هذا؛ لأن الباء تدخل على الآلة كما

стр. 2461

يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ المَاضِي)؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلإِخبَارِ وَضِعًا، فَقَد جُعِلَت لِلإِنشَاءِ. تقول: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، وكذا في قولهم: البيع ينعقد بكذا، يعنون به المعنى الشرعي الذي يوجب الملك في المحل. ويعني بالإيجاب: إخراج الممكن من الإمكان إلى الوجود، على ما هو المعروف عند المتكلمين، لا الإيجاب الذي يعاقب بتركه. وعن مولانا حميد الملة والدين: العقد: الربط لغة، والانعقاد مطاوعة، فيصير كلام المتعاقدين منضمًا إلى الآخر، ويحصل تركيب شرعي له آثار مخصوصة عند وجود شرائطه (١). وفي فوائد الخبازية: قوله: ينعقد بكذا، إشارة إلى المعنى الذي قلنا؛ إذ الباء تدخل في الآلة، يقال: كتبت بالقلم، ولهذا لا يقال: أن الله تعالى عالم بالعلم كيلا يتوهم أن العلم آلة له؛ بل نقول: الله تعالم عالم وله علم وارد بالإيجاب (٢). إصدار الصيغة الصالحة لإفادة ذلك العقد، وسماه إيجابًا؛ لأنه يوجب وجوب العقد إذا اتصل به القبول، وإنما قيد انعقاده باللفظ ليخرج الكتابة، فإنه لو كتب رجل على شيء لامرأة: زوجيني نفسك، فكتبت المرأة على ذا الشيء عقبه: زوجت نفسي منك؛ لا ينعقد النكاح. كذا في الفوائد الكاثية (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦). (ويعبر)، أي: بلفظ ويُبيّن؛ لأن التعبير والعبارة البيان، وصورة انعقاده بلفظين فعبر كلاهما عن الماضي، بأن تقول المرأة: زوجت نفسي منك، ويقول الرجل: قبلت. (جعلت)، أي: الصيغة للأشياء، وهو إثبات أمر لم يكن شرعًا دفعًا لحاجة.

стр. 2462

شرعاً دفعاً لِلحَاجَةِ (وَيَنعَقِدُ بِلَفظَينِ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْمَاضِي، وَبِالْآخَرِ عَنْ المُستَقبَلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: … الناس، وهذا؛ لأن الإخبار إظهار ما كان أو سيكون لا لإثبات ما لم يكن، فإن قولك: (كن قمت) لا يوجب القيام، وكذا قولك: (تزوجت)، لا يوجب الجواز وضعا ولغة، ولم يوضع للإنشاء، فاختير لفظ الماضي له شرعاً للحاجة إلى الإنشاء؛ لأنه يقتضي سبق الوجود، فيكون أدل على الوجوب فصار الوجود حقاً له. وقيل: صيغة تزوجت وطلقت، وأعتقت وبعت واشتريت تستعمل في اللغة والوضع للإنشاء والإخبار، فإن ذلك كان معروفاً في الجاهلية فقرره الشرع، فإن الحاجة متحققة في الجاهلية؛ لأن لهم أنكحة معتبرة قال ﵇: «وُلِدْتُ مِنْ نِكاح لا مِنْ سفاح» (١). والفرق بين الإخبار والإنشاء سبب لمدلوله لا الإخبار، ولأن الإنشاء يتبعه مدلوله، والإخبار يتبع مدلوله، ولأن الإنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب، والخبر يحتملها، ولأن الإنشاء يقع منقولا غالباً عن أصل، وقد يكون إنشاء في أصل الوضع كالأمر والنهي، والخبر يكفي فيه الوضع الأول، وفيه تأمل. قوله: (وبالآخر عن المستقبل)، قال العلامة مولانا حمد الدن رَحْمَةُ اللهِ: نظير الانعقاد بالماضي والمستقبل، مثل أن يقول الرجل: إني أتزوجك، فقالت المرأة زوجت نفسي منك، يصح النكاح، ويكون لفظ المستقبل كالماضي تبعاً للماضي (٢). وما أورد في الكتاب من النظير قيل: إنه ليس بصحيح؛ لأن قوله: زوجيني توكيل، فلا يكون شرط العقد. قوله: (زوجتك) (٣) هو الإيجاب، فلم يوجد شطر العقد أيضاً إلا أن يجعل قول الوكيل: زوجت بمنزلة الإيجاب والقبول، والوكيل بمنزلة شخصين، والواحد يتولى طرفي العقد في النكاح، فيتحقق شطري العقد؛ لكن قوله:

стр. 2463

زَوِّجْنِي فَيَقُولُ: زوجت، لا يكون بمنزلة شطري العقد إلا بقوله: زوجيني؛ لأن به يصير وكيلا، فصار كأنه شطر العقد، ولكن النظير الواضح ما قلنا. وفي الإسبيجابي، والينابيع: يريد بالاستقبال لفظ الأمر، وينعقد اللفظ الصالح للحال والاستقبال، فعلى قول: أتزوجك، وأنكحك، وجئتك لتزوجني ابنتك، فقال الأب: زوجتك، فالنكاح لازم في كله، وأما انعقاد النكاح بالمستقبل استحسان دون البيع؛ لأن النكاح لا يكون إلا بعد مراودة ومشاورة، فكان المستقبل للإيجاب لا للوعد بخلاف البيع (١). ولأن قوله: زوجني، توكيل، والواحد يتولى طرفي العقد في باب النكاح دون البيع، ولأن قدرة الزوج على الزوج تفضي الإضرار بها، وإلحاق العار والشنار بقبيلتها لازم إذا أوجبوا العقد عند قوله: زوجني بأن قال الولي: زوجتك، مثلا، فلو لم يتم العقد بهذا جاز، وللزوج أن يرجع ويلحق الولي شنار وعار، وهذا لا يجوز. كذا في شرح مختصر الكرخي (٢). وفي شرح السرخسي، والمحيط: قال لها: جئتك خاطبًا، أو قال: خطبتك إلى نفسك، كان نكاحا تاما (٣). وفي نوادر المعلى: قال لرجل: جئتك خاطبًا ابنتك، أو جئتك لتزوجني ابنتك، قال أبو حنيفة: تم النكاح (٤)، وفي الكافي مثله. وفي شرح قاضي خان: لو قال أتزوجك على ألف، فقال: تزوجتك على ذلك، فهو عقد جائز (٥). قلت: دلت هذه المسائل على أن النكاح ينعقد بالأمر من أحد الجانبين بالمضارع، وبالمستقبل من جانب آخر، وعلى أن لفظ زوجتك وتزوجت يصلح من الجانبين، وبه صرح في المنية.

стр. 2464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ودلت عليه مسألة النوازل حيث قال فيه: قال أبو بكر: خنثى مشكل زُوِّجَ من خنثى مشكل برضا الولي، فكبرا فإذ الزوج امرأة، والزوجة رجل، جاز نكاحهما عندي؛ لأن قوله: زوجت يستوي من الجانبين. وفي المرغيناني: صبيان، فقال أب أحدهما: زوجت ابنتي هذه من ابنك هذا، وقَبِلَ، ثم ظهر أن الجارية كانت غلامًا، والغلام جارية جاز النكاح؛ لأن (هذه من ابنك هذا تزوجت) يصلح للجانبين في جواز النكاح (١). قال العتابي: إن ظهر الزوج غلامًا والزوجة جارية جاز، وإلا فلا. وفي المحيط، والنوازل، وشرح الطحاوي: وبمجرد لفظه الإعطاء اختلاف المشايخ فلا بد من زيادة قوله: بزنى، عند لفظ الإعطاء؛ ليصير متفقا علي (٢). ولو قال بالفارسية: دحر حويس مرادة، فقال: دادم، ينعقد النكاح، وإن لم يقل الخاطب بدرفتم، ولو قال: دحير حويس مراد أدى، فقال دادم: لا ينعقد ما لم يقل الخاطب: بدرفتم، قوله: ده، أمر وتوكيل، والواحد يصلح وكيلا من الجانبين. فلو قال: داد، استخبار فلا يكون توكيلا إذا أراد بقوله دادى التحقيق، دون السوم فحينئذ ينعقد كذا في فتاوى سمرقند (٣). وعن الإمام نجم الدين النسفي: ينبغي أن يقول: دحير حويش، مراده باحوشتن بمن ده أن يقول: بزني، ونقول المرأة بزنى دادم؛ لأن في انعقاد النكاح بلا ذكر بزن اختلاف المشايخ، فلا بد من ذكره ليصير متفقا. كذا في الذخيرة (٤). وفي المحيط: لو قال: بزنى داد، فبعض مشاخ بلخ جعلوه استفهاما، وبعضهم أمرًا، وقال عمر النسفي: معنى الأمر راجح في العرف، فهذا يدل على أن بالاستفهام لا ينعقد (٥).

стр. 2465

«زَوَّجتُك»؛ لأَنَّ هَذَا تَوكِيلٌ بِالنِّكَاحِ، وَالوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَي النِّكَاحِ ولو قيل: لا برده حوشتن يزني بفلان داد فقال: داد، وقال الزوج: بدرفت، ينعقد النكاح، وإن لم تقل المرأة والزوج: دادم وبدرفتم، لمكان العرف وعلى هذا البيع. وفي شرح الطحاوي: قال له: هل أعطيتنيها؟ فقال: أعطيت؛ فإن كان المجلس للوعد فوعد، وإن كان للعقد فنكاح (١). وفي المنية: قال: زوجتك بنتي منك بكذا، فسكت الخاطب، فقال له الصهر: إدفع إليَّ المهر، فقال: نعم، فهو قبول، وقيل: ليس بقبول (٢). ولو قالت: زوجت نفسي منك بعد انقضاء عِدَّتي، قُبِلَ كالتعليق، وإضافة النكاح إلى وقت في المستقبل لا يصح. وفي جوامع الفقه: لو قال: هذه زوجتي بحضرة الشهود لا يصح على المختار ديانة، ولو قال: تزوجتك إن رضيت أو رضي فلان، وهو في المجلس فقالت: رضيت، أو قال: رضيت، جاز. وفي القنية: قام أحد الزوجين قبل القبول بطل (٣)، وفي بطلان البيع روايتان، والفور في القبول ليس بشرط عندنا (٤)، خلافًا للشافعي (٥)، وبالأول قال أحمد (٦). ولو قال: زوجتك ابنتي، فقال: قبلت، ينعقد، وهو قول مالك (٧)، وأحمد (٨). وقال الشافعي: لا ينعقد حتى يقول: قبلت نكاحها، أو هذا النكاح على

стр. 2466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المذهب (١)، ولو يقدم القبول على الإيجاب فإن قال: تزوجت ابنتك، فقال: زوجتكما، أو قال: زوجني بنتك، فقال: زوجتكها؛ ينعقد (٢)، وبه قال: الشافعي (٣)، ومالك (٤). وقال أحمد: لا ينعقد (٥). ويصح نكاح الهازل واللاعب (٦)، وبه قال: مالك (٧)، وأحمد (٨). وقال الشافعي: لا ينعقد (٩) وهو محجوج بقوله ﵇: «ثلاثُ جِدُّهنَّ جِدٌ وهَزِلُهُنَّ جِدٌ: النكاح والطلاق والرجعة»، رواه الترمذي (١٠). وللشافعي في انعقاد النكاح بغير العربية ثلاثة أوجه (١١)، أحدهما: أنه لا يصح، والثاني: إن كان يحسن العربية لا يصح، وبه قال أحمد (١٢)، والثالث وهو الأصح: أنه يصح بكل حال، كمذهبنا إذا كان ترجمة لفظ النكاح بأن يقول: بزني وسودادم، ويقول: بزني قبول كردم. أما لو قال: دادم، ويقول الزوج: بدرفتم، بلا ذكر: بزني؛ لا ينعقد؛ لأنه معنى الهبة، كذا في شرح الوجيز (١٣).

стр. 2467

عَلَى مَا تُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَنعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّرْوِيجِ وَالهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّرْوِيجِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَيسَ حَقِيقَة فِيهِ، وَلَا مَجَازًا عَنهُ، ويستحب أن يكون النكاح ظاهرًا، وأن يكون قبله خطبة، وعنده شهود عدول، وعقده يوم الجمعة، وأن يتولى عقده ولي رشيد، وأوجب داود وحدة الخطبة، واتفقت الأئمة الأربعة باستحبابها عند العقد، ومالك عند الخطبة أيضًا، وقال مالك: إذا ذكر المهر يصح بالفارسية. (على ما نبينه)، أي: في الوكالة بالنكاح. قوله: (في النكاح)، احتراز عن البيع. فإن قيل: لو باع الأب مال نفسه لابنه الصغير، أو اشترى ماله لنفسه جاز استحسانًا ويكفيه أن يقول: بعته منه، أو اشتريت له، والمسألة في الزيادات. قلنا: في القياس لا يجوز. وقلنا: استحسانًا، الأب بحكم كمال شفقته ووفور ولايته، فإن رأيه مقام رأيين، وعبارته مقام عبارتين، والحقوق من جانب الصغير؛ لكن دمجه يحتمل الأب عند بناته، حتى لو بلغ كان هو الطالب دون الأب، فإذا كانت العهدة بطريق التحمل لا يحكم العقد فلا يؤدي إلى التضاد والاستحالة. قوله: (وقال الشافعي) (١) إلى آخره، وبقوله قال أحمد (٢)، وابن المسيب، وعطاء، والزهري. (٣). وقال مالك: يصح بكل لفظ ينبئ عن التمليك (٤)، بشرط ذكر المهم؛ لأن العبرة للمعاني. (ليس بحقيقة فيه)، أي: في النكاح أو التزويج؛ لأنه لو كان حقيقة فيهما يلزم الترادف، وهو خلاف الأصل مع أن الأفهام لا تبادر إلى فهم النكاح من لفظ التمليك فلا يكون حقيقة فيه. (ولا مجازا عنه)، أي عن النكاح أو التزويج؛ لأن المجاز يقتضي المشاكلة

стр. 2468

لِأَنَّ التَّرْوِيجَ لِلتَّلْفِيقِ، وَالنِّكَاحَ لِلضَّمِّ، وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَينَ المَالِكِ وَالمَمْلُوكَةِ أصلا. وَلَنَا: أَنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلكِ المُتعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ مِلكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ، وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ المَجَازِ. في المعاني المختصة، ولم توجد؛ إذ التزويج هو التلفيق، والنكاح الضم، وليس في التمليك معنى التلفيق والضم، ولهذا لو اشترى منكوحته يفسد النكاح، ولو كان بينهما ملازمة لما فسد؛ بل تأكد، وكذا لا يثبت الملك بلفظ النكاح علم أن لا مناسبة بينهما. وفي الإيضاح: للشافعي وجهان: أحدهما: عدم المناسبة بينهما؛ إذ لفظ النكاح يثبت الحل، وذلك يقع على الشركة فيختص بما ينبئ عن وقوعه عن الشركة، وهو لفظ النكاح والتزويج، فأما اللفظ الموضوعة لتمليك الأعيان فغير منبئة عن الشركة، فلا ينعقد بها النكاح والتزويج. والثاني: أنه لما عظم خطر النكاح خص بهذا اللفظ كما خص انعقاده بزيادة شروط من الشهود وغير ذلك (١). وفي شرح الوجيز: النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات يتلقى من الشرع والقرآن ورد بهذين اللفظين دون غيرهما (٢). وفي تتمتهم: روى جابر أن النبي ﷺ قال في خطبته في الحج: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهَا بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ» (٣). وليس في القرآن كلمة مستعملة في هذا العقد إلا هاتين اللفظتين. قوله: (والسببية طريق المجاز)، يعني التمليك موضوع لملك الرقبة، وملك الرقبة يوجب ملك المتعة في محلها، فكان بينهما اتصال باعتبار السببية، وإن لم يكن اتصالا من جهة المعنى على ما عرف في الأصول، فصحت الاستعارة، ولأن التمليك صالح لإثبات الملك، وقد صدر من أهله مضافًا إلى محل قابل لثبوت الملك، فوجب أن يثبت وأداء الملك يثبت الحل، والازدواج ضرورة أنه

стр. 2469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا ينفك عنه، وهذا لأن المستوفى بالوطء مملوك له بدلالة جواز الاعتياض عنه، وبدلالة أنه اختص به انتفاعًا وحجرًا ولن يثبت ذلك الاختصاص إلا بالملك، فدل أن الحل قابل للملك شرعًا. ولا يقال: المستوفى ليس بمال بالاتفاق فلا يقبل التمليك، ولأن المنافع معدومة فلا يقبل التمليك؛ إذ المعدوم لا يقبله، على أن الملك لو ثبت في النكاح ثبت تبعًا للحل، وهنا لو ثبت الملك لثبت أصلا، وهذا خلاف المشروع. لأنا نقول: غير المال قابل للملك كالمال، فإن القصاص غير مال، ويجزئ فيه الإرث والاعتياض، والمستوفى بالوطء في حكم العين حتى كان التأبيد من شرطه كالبيع لا كالإجارة، ولو كان الحل والانضمام والازدواج أصلا فيه والملك تبعًا لما صح إيجاب العوض على الزوج لأن ذلك مشترك بينهما. والدليل أن الملك أصل أن الطلاق بيد الزوج؛ لأنه المالك، وإنما ينعقد بلفظ النكاح والتزويج؛ لأنهما جُعلا عَلَمًا عليه لا بمعناهما كالنص في دلائل الشرع، فلما ثبت الملك بهما وضعا مع أنهما لا يثبتان عنه فلأن يثبت فيما ينبئ عنه أولى. فإن قيل: في هذا القياس يعتبر حكم النص فلا يجوز، وذلك أن نكاح النبي ﵇ انعقد بلفظ الهبة على سبيل الخصوص، قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وهذا التعليل يبطله. قلنا: الاختصاص في سلامته بلا عوض بخلاف غيره، وفي أن لا يحل لأحد بعده، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقد أبطلنا التعليل من ذلك الوجه، كذا في الكافي، وفي المبسوط (١). ولنا: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَدَلَّ

стр. 2470

(وَيَنعَقِدُ بِلَفْظِ البَيعِ) هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُودِ طَرِيقِ المَجَازِ. على انعقاد النكاح بلفظ الهبة، والخلوص الذي ذكره الشافعي بانعقاده بلا مهر لا في العبارة بدليل قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، والحرج في وجوب المهر لا في العبارة. وإمامنا في المسألة علي ﵁ فإن رجلا وهب ابنته لعبد الله بن جَزْء عند شاهدين، فأجاز ذلك علي ﵁ (١). وأما الجواب عن اختصاصه بلفظ النكاح والتزويج أنه لما بينا الاتصال بينهما صلح مجازا عن التخصيص الذي ادعى الخصم، فثبت التخصيص من حيث الحكم لا من حيث اللفظ، مع أن اللفظ إذا صار كناية عن غيره سقط اعتبار حقيقته، وقام مقام اللفظ الذي جعل كناية عنه؛ لأن ورود الشرع بتخصيصه من وجه لا يدل على تخصيصه من جميع الوجوه. وأما الشركة التي ادعاها الخصم فإنما تظهر في الثمرات لا في أصل الملك؛ بل الملك يقع للزوج على سبيل الخلوص كما بينا. وما ذكر في صحيح البخاري من قوله ﵇: «ملكتكها بما معكَ مِنَ القرآن» (٢)، يدل على انعقاده بلفظ التمليك، ورواية من روى «زوجتكها» مأخوذة من التعارف بين الناس. وأما دعوى اختصاصهم بألفاظ القرآن في الحديث بعيد؛ إذ ينعقد النكاح بلفظ الفارسية على الأصح عندهم، ذكره النواوي وغيره. قوله: (وينعقد بلفظ البيع)، بأن قالت المرأة: بعتك نفسي، أو قال الأب: بعت ابنتي منك بكذا، أو كذا بلفظ الشري بأن قال: اشتريتك بكذا، فأجابت بنعم، وكان أبو القاسم البلخي يقول بانعقاده، وإليه أشار محمد في كتاب الحدود حيث قال: إذا زنى بامرأة ثم قال: تزوجتها أو اشتريتها سقط الحد (٣).

стр. 2471

(وَلَا يَنعَقِدُ بِلَفْظِ الإِجَارَةِ) فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلكِ المُتْعَةِ (وَ) لَا بِلَفْظِ (الإِبَاحَةِ وَالإِحْلَالِ وَالإِعَارَةِ) لِمَا قُلْنَا (وَ) لَا بِلَفْظِ (الوَصِيَّةِ) … .. قَولُهُ: (في الصحيح)، احتراز عن قول أبي بكر الأعمش فإنه قال: لا ينعقد بلفظ البيع؛ لأنه خاص بتمليك المال، والمملوك بالمال ليس بنكاح، والصحيح أنه ينعقد به لما أن الملك سبب ملك المتعة في محله فتجوز استعارته له، كذا في المبسوط (١). قَولُهُ: (وَلا يَنعَقِدُ بِلَفْظِ الإِجَارَةِ)، صورته: أن تقول امرأة: أَجَّرتُ نفسي منك بكذا، أو يقول الأب: أجرت ابنتي منك بكذا، ونوى به النكاح وأعلم أن الشهود الذين حضروا، أما لو جعل الحرة أجرته في الإجارة بأن قال الرجل: استأجرت دارك بابنتي هذه، وقبل الآخر ينبغي أن ينعقد النكاح، وكذا لو جعلت المهر رأس مال السّلم، فإنه روى عن محمد أنه قال: كل لفظ تملك الرقاب به ينعقد النكاح، كذا ذكره في شرح الكافي. (لأنها) (٢)، أي: الإجارة غير موجب ملكًا يستفاد به ملك المتعة، وهو الصحيح، وقول أبي بكر الرازي. قَولُهُ: (في الصحيح)، احتراز عن قول الكرخي فإنه كان يقول: ينعقد بها؛ لأن المستوفى بالنكاح منفعة حقيقية، وإن جعل في حكم العين، وقد سمى الله تعالى العوض في النكاح أجرًا بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء ٢٥]، وذلك على أنه بمنزلة الإجارة، ولكن هذا فاسد فإن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتًا، والنكاح لا ينعقد إلا مؤبدا، وبينهما مغاير على سبيل المنافاة فأنى تصح الاستعارة، كذا في المبسوط (٣). لما قلنا: أنه ليس بسبب للملك، أما الإباحة والإحلال فإن من أحل أو أباح طعامًا لغيره لا يملكه، وإنما يتلفه على ملك المبيح، وكذا لا تنعقد بلفظة التمتع بأن قالت المرأة: أذنت لك أن تتمتع بي؛ لما ذكرنا أنه لا ينبئ عن الملك. وأما الإعارة فلأنها لتمليك المنفعة بغير عوض، أو لإباحتها على ما يجيء

стр. 2472

لِأَنَّهَا تُوجِبُ المِلكَ مُضَافًا إِلَى مَا بَعدَ المَوتِ. قَالَ: (وَلَا يَنعَقِدُ نِكَاحُ المُسلِمِينَ إِلَّا بِحُضُورِ: شَاهِدَينِ حُرَّينِ، عَاقِلَينِ بَالِغَينِ، مُسلِمَينِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُل وَامرَأَتَينِ، عُدُولا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُول، أَوْ مَحدُودَينِ فِي القَذفِ). فلا يوجب ملكًا يستفاد به ملك المتعة والإقراض في معنى الإعارة فلا ينعقد بالنكاح بهذه الألفاظ، ولكن باعتبار هذه الألفاظ ينعقد شبهة فيسقط به الحد ويجب به الأقل من المسمى، ومن مهر المثل عند الدخول كذا في المبسوط (١). (لأنها)، أي الوصية توجب الملك مضافًا إلى ما بعد الموت لا يصح، كذا ها هنا. وعن أبي الحسن الكرخي: لو قال الأب: أوصيت لك بابنتي الآن ينعقد. أو قال: أوصيت لك ببضع جاريتي الآن، أو في الحال بكذا، وقبل الآخر؛ ينعقد النكاح. ولو قال: أوصيت ببضع أمتي بعد موتي؛ لا ينعقد. ولو قال: أعطيك مائة على أن تكوني امرأتي، فقَبِلَتْ بحضور الشهود؛ ينعقد النكاح. وكذا لو قال: كوني امرأتي بكذا، فقبلت ينعقد. كذا في الإيضاح، والذخيرة (٢). وعلم من هذا أن انعقاد النكاح بلفظ الوصية على التفصيل، فإن قال: أوصيت بابنتي لك في الحال بكذا، وقَبِلَ الآخر ينعقد إلى ما بعد الموت وبعد الموت زمان انتهاء ملك النكاح وبطلانه لا زمان ثبوته. فإن قيل: الهبة أيضًا لا توجب الملك ما لم ينضم إليه القبض أفادت ملك النكاح قبل القبض، ولو أفادت بعده كان النكاح فاسدًا فينبغي أن يكون هنالك كذلك.

стр. 2473

قال: اعلَم أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرطٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ … . قلنا: عمل الهبة في إثبات الملك للحال؛ لأنه تمليك وتراخي الملك إلى القبض ليس بموجب اللفظ؛ لكن لضعف السبب لتعريه عن العوض؛ لكيلا يلزم المتبرع بتبرعه شيئًا لم يتبرعه وهو التسليم، وينعدم ذلك الضعف في النكاح لوجوب العوض فيه بنفسه، ألا ترى أن في موضع لا يؤدي إلى هذا المعنى بأن وهب العين ممن كان في يده، يثبت الملك في الحال من غير تراخ؛ لأنه لا يؤدي إلى تسليم ما لم يتبرع به، مع أن المملوك في النكاح بنفس العقد يصير كالمقبوض، ولهذا لو مات قبيل العقد تقرر البدل فكان بمنزلة عين الموهوب له فيوجب الملك بنفسه، إليه أشير في المبسوط (١). قوله: قال ﵀: (اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح)، أي في قول عامة العلماء (٢). وقال مالك (٣)، وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، وأبو ثور (٤)، وأصحاب الظاهر ليس بشرط (٥)، وبه قال الزهري وأهل المدينة، وإنما الشرط الإعلان حتى لو أعلنوه بحضرة الصبيان والمجانين صح النكاح، ولو أمر الشاهدين بأن لا يُظهر العقد ويكتمونه لا يصح النكاح لهم لإطلاق الأوامر بالنكاح في القرآن. وقوله ﵇: «أَعلِنُوا النكاحَ ولَوْ بالدُّفٌ» (٦)، وحضر النبي ﵇ إملاك رجل من الأنصار، فقال: «أين شاهِدُكُم؟» فأتي بالدف، فأمر أن يضرب على رأس الرجل (٧)، …

стр. 2474

لِقَولِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُود» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكَ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ الإِعْلَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ. وكان لعائشة دف تعيره للأنكحة (١)، ونهى النبي ﷺ عن نكاح السر، فلا يصح مع شرط الكتمان، ولأن حرام الفعل لا يكون إلا سرا فحلاله لا يكون إلا ضده، وذلك بالإعلان لتنتفي التهمة، ولأنها عقد كسائر العقود. وللعامة قوله ﵇: «لا نِكَاحَ إلا بشهودٍ» (٢)، والشهود الحضور إما مصدر بمعنى الحضرة، ويجوز أن يكون جمع شاهد كالسجود جمع ساجد، والثاني أظهر. وعن ابن عباس أنه ﵇ قال: «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح خاطِبٌ وَولِيٌّ وشاهدان» (٣)، وقال ﵇: «الزانية التي تُنكِحُ نفسها بغير بينة» (٤)، وعن عمر ﵁: «لا أوتى برجل تزوج بامرأة بشهادة رجل واحدٍ إلا رجمته» (٥). ولأن الشرط لما كان الإظهار يعتبر فيه ما هو طريق الظهور شرعًا، وذلك شاهدة الشاهدين فإنه مع شهادتهما لا يبقى سرا. كذا في المبسوط، والإيضاح (٦). وفي شرح مختصر الكرخي: ونكاح السر ما لم تحضره شهود، فإذا حضروا فقد علن.

стр. 2475

وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الحُرِّيَّةِ فِيهَا، لِأَنَّ العَبدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ لِعَدَمِ الوِلَايَةِ، وَلَا بُدَّ قال الشاعر (١): وسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امرئ … وسِرُّ الثَّلَاثَةِ غَيرُ الخَفِي وقلنا: قوله ﵇: «لَا نِكَاحَ» الحديث مشهور، وتجوز الزيادة به، ولئن كان خبر واحد، فيجوز تخصيص الكتاب به بعد ما ثبت أن النصوص لم تبق على إطلاقه لاشتراط الخصم الإعلان. فإن قيل: قوله ﵇: «لَا نِكَاحَ» يحتمل نفي الكمال فيحمل عليه عملا بما روينا. قلنا: نفي كمال الجواز حقيقة، وأصل الحقيقة أحق من المجاز، والدليل على أن المراد نفي الجواز ما روينا من حديث ابن عباس؛ إذ كون النكاح بدون الشاهدين سفاحًا وموجبًا للرجم يدل على نفي الجواز، وما رواه الخصم محتمل يحتمل حضور شاهدين بدون الإعلان بالدف، ويحتمل أنه كان في بدء الإسلام، فلا يترك الحديث المشهور بذلك. والنهي الوارد عن نكاح السر محمول على ما إذا لم يحضره الشاهدان؛ لأنه إذا حضره الشهود فهو إعلان حقيقة، وهو أن الحديث حجة على مالك كما بينا. (لعدم الولاية)، أي: للعبد، والشهادة من باب الولاية؛ لأنها إنفاذ قول الإنسان على الغير شاء أم أبى، ولا خلاف للعلماء في اشتراط الحرية والبلوغ والعقل في الشاهد، وإنما الخلاف في وصف الذكورة، والعدالة. فقال علماؤنا (٢)، وأحمد (٣): ينعقد النكاح بحضور رجل وامرأتين أو أربع نسوة، وعند الشافعي شرط (٤)، وسيجيء في باب الشهادات - إن شاء الله تعالى.

стр. 2476

من اعتبارِ العَقلِ وَالبُلُوغِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بِدُونِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الإِسْلَامِ فِي أَنكِحَةِ المُسلِمِينَ، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلكَافِرِ عَلَى المُسلِمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ وَصفُ الذُّكُورَةِ، حَتَّى يَنعَقِدَ بِحُضُورِ رَجُلٍ وَامرَأَتَينِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ تَتَهُ، وَسَتَعرِفُ فِي وتمسك في كتبهم في اشتراطه بظاهر قوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إلا بولي وشاهدي عدل» (١)، فإن لفظ شاهدين يقع على ذكرين، أو على ذكر وأنثى، والثاني غير مراد بالإجماع، فتعين الأول، وبأن النكاح ليس بمال فلا يستتبع فيه الرجال النساء كما في الحدود والقصاص. وفقهه أن شهادة النساء ضرورة ثمة لنقصان عقلهن ودينهن بالحديث، وغلبة النسيان عليهن فكانت حجة في وضع الضرورة، وهو المال لكونه متبدلا عادة. وقلنا: شهادة النساء حجة أصلية بالنص؛ لكن فيه نوع شبهة باعتبار صورة البدلية والنكاح مما يثبت بالشبهات، ألا ترى أنه يثبت مع الهزل الذي لا يثبت به المال، فأولى أن يثبت بما يثبت به المال. وأما استدلالهم بظاهر الحديث ليس بقوي؛ لأن شهادة امرأتين، مقام رجل واحد والأربعة مقام رجلين فيصدق لفظ الشاهدين على الصورتين. وإمامنا في المسألة عمر ﵁ فإنه أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفرقة، ذكره في المبسوط (٢). وفي شرح الإرشاد وأجمعوا على أن النكاح لا ينعقد بشهادة النسوة المنفردات؛ لأنهن يقمن مقام رجل واحد، وبشهادة الواحد لا ينعقد، وهكذا في المبسوط (٣). قوله: (خلافًا للشافعي) (٤) (٥) وأحمد أيضًا (٦). (له) (٧)، أي: للشافعي قوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وشَاهِدَيْ

стр. 2477

الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ، حَتَّى يَنعَقِدَ بِحَضرَةِ الفَاسِقَينِ عِندَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، لَهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الكَرَامَةِ، وَالفَاسِقُ مِنْ أَهلِ الإِمَانَةِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مِنْ أَهلِ الوِلَايَةِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَم عدل» (١)، روى أبو هريرة: «شاهِدَينِ عَدلَينِ» (٢)، وما ذكر في الكتاب فلأن كلامه إذا كان حجة يترجح جانب صدقه، وذا موجب لكرامته، قال ﵇: «أكرِمُوا الشهود فإن الله تعالى يُحْيِي بهم الحقوق» (٣). (والفاسق من أهل للإهانة)؛ لقوله ﵇: «إذا لقيت الفاسِقَ فَالْقَهُ بوَجْهِ مُكْفَهِرٌ» (٤)، ولأن كلامه محتمل للصدق والكذب ولا يترجح صدقه لعدم عدالته؛ إذ العدالة هو المرجح على ما عرف، فإذا فات المرجح بقي محتملا فلا يصلح حجة، ولأن المقصود من الشهادة إظهار النكاح عند التجاحد لصيانة النسل عن الضياع، وعن خلل يقع بسبب التجاحد، ولا يحصل ذلك بشهادة الفاسق لعدم قبول أداء شهادته بالإجماع. ولنا إطلاق قوله ﵇: «لا نِكَاحَ إلا بشهودٍ» (٥) فيعمل بإطلاقه؛ لما عرف أن المطلق لا يحمل على المقيد في صورة يمكن العمل بها، على أنه ﵇ نكر العدالة في موضع الإثبات، والنكرة في الإثبات خاص، فيقتضي عدالة ما، وذلك يحصل بالإسلام، قال ﵇: «المسلمون عدول بعضُهم على بعض» (٦)، ولأن العدل ضد الظلم، والشرك ظلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وكان الإسلام عدلا فاستقامة الإضافة مع أن ما رواه ضعيف، وما رفعه الدارقطني لا أصل له، وقال يحيى بن معين في مسنده:

стр. 2478

يُحَرِّم الوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ، لَا يُحَرِّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنسِهِ، وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلَّدًا فَيَصْلُحُ مُقَلِّدًا عدي بن حرب وهو ليس ثقة، وإن صح فهو مثل قوله: «لا صلاة لجار المسجد» (١) الحديث. وقيل: هذا الحديث حجة لنا لا علينا، فإنه ﵇ ما جعل العدالة صفة للشاهد؛ لأنه ما أضاف العدالة إلى الشاهد؛ بل أضاف الشاهد إلى العدالة، والموصوف لا يضاف إلى الصفة، ثم نقول: المراد بشاهدي عدل قائلي كلمة عدل وهي كلمة التوحيد، كذا في الكافي. ولأن الفاسق من أهل الولاية؛ لإسلامه على نفسه، فيكون من أهل الولاية على غيره وهي الشهادة. (لأنه)، أي: كونه أهلا للولاية على غيره. (من جنسه) أي: من جنس كونه أهلا للولاية على نفسه. وقيل: الضمير في (لأنه) للمشهود، أي لأن المشهود عليه من جنس الفاسق من حيث أن كل واحد مسلم. (لأنه)، أي: الولاية على تأويل المذكور. (ولأنه)، أي: الفاسق. (يصلح مقلّدا) بكسر اللام، أي: سلطانا وخليفة، فإن جمهور الأئمة بعد الخلفاء الأربعة ﵃ لم يخلو عن الفسق كالحجاج وغيره، فالقول بالخروج عن الإمامة بالفسق يفضي إلى فساد عظيم، ومن ضرورة كونه أهلا للإمامة كونه أهلا للقضاء؛ لأن تقليد القضاء إنما يكون من الإمام ومن ضرورة كونه أهلا للقضاء كونه أهلا للشهادة؛ لأن القاضي لا بد وأن يكون أهلا للشهادة. (فيصلح مقلدا) بفتح اللام أي، قاضيا. وأما العدالة فتعتبر للترجيح أي ترجيح جانب الصدق، والترجيح للعمل به؛

стр. 2479

وَكَذَا شَاهِدًا. وَالمَحدُودُ فِي القَدْفِ مِنْ أَهلِ الوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا، لأن الأمر مختف على القاضي فاحتاج إلى دليل مرجح لبناء القضاء عليه ولا كلام في القضاء، وإنما الكلام في الانعقاد، والانعقاد يعتبر الأهلية لا غير. ألا ترى أن النكاح ينعقد بشهادة الأب ولا يقضي بها، وإنما لا يقبل شهادة الفاسق لتهمة الكذب، وفي الحضور والسماع لا يتمكن هذه التهمة. وبالحضور والسماع يشيع النكاح ويشتهر فيما بين الناس، وأما ما ذكر من الخلل الواقع بسبب التجاحد يندفع بالشهادة بالتسامع فإنه يجوز في النكاح الشهادة بالتسامع. وأما قوله: فلأن المقصود من الشهادة الأداء. قلنا: الأداء من ثمرات الشهادة، وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل كشهادة العميان، وابني العاقدين والمستورين، فإن النكاح ينعقد بشهادتهم بالإجماع، ولا يقبل عند الأداء بالإجماع. وفي المبسوط: هذه المسألة بناءً على أن الفسق لا ينقص من إيمانه عندنا؛ لأنه لا يزيد ولا ينقص، والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفسه (١)، وعند الشافعي الشرائع من نفس الإيمان، ويزداد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعصية بجعل نقصان الدين بالفسق كنقصان الحال بالرِّق والصغر.

стр. 2480

وَإِنَّمَا الفَائِتُ ثَمَرَةُ الأَدَاءِ بِالنَّهْي لِجَرِيمَتِهِ، فَلَا يُبَالِي بِفَوَاتِهِ كَمَا فِي شَهَادَةِ العُميَانِ وَابَني العَاقِدَينِ. قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسلِمٌ ذِمِّيَّة بِشَهَادَةِ ذِمِّيِّينِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وأما المحدودين في القذف فإن لم تظهر توبتهما لم يقبل شهادتهما فهما فاسقان، فلا ينعقد النكاح عنده كما في الفاسقين وإن ظهرت توبتهما ينعقد النكاح بشهادتهما بالإجماع؛ لجواز الأداء منهما عنده بعد التوبة. وعندنا هما من أهل الولاية فيكونا من أهل الشهادة، وكونه محكوما بالكذب يؤثر فيما يتصور فيه تهمة الكذب، وفيما يستدعى قولاً من جهتهما، وذلك لا يكون في الحضور والسماع؛ بل يكون في الأداء، كذا في المبسوط (١). وإنما الفائت ثمرة الأداء لا أصل الشهادة إذ النهي عن قبول النهي يقتضي تحقق ذلك الشيء، وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل؛ كشهادة العميان، وابني العاقدين، فإن عنده ينعقد النكاح بشهادة الأعمى في وجه، وفي الأصح: لا ينعقد، فلا يتم الإلزام، وكذا له وجهان في شهادة ابني العاقدين فلا يتم الإلزام على وجه. وكذا يصح نكاح الآيسة بالإجماع، وإن كانت الثمرة وهي التوالد والتناسل فاتته. وفي الكافي، والمبسوط: تزوجها بشهاد ابنيه منها، أو من غيرها، أو ابنيها من غيره صح النكاح، ولو وقع التجاحد بينهما لا يظهر بشهادة ابنيه منهما أيهما ادعى؛ لأنهما شهداء لأبيهما أو لأمهما. وبابنيه من غيرها لو حجد وادعت، فقيل: يقبل؛ لأنهما شهداء على أبيها، ولو ادعى وجحدت لا يقبل؛ لأنهما شهداء لأبيهما وبابنيها من غيره لو ادعت لا يقبل ولو جحدت تقبل (٢). وفي الْمُجْتَبى: وفي الفتاوى: ينعقد النكاح بشهادة أخرسين، وبشهادة ابني

стр. 2481

وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ) (*) لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ، وَلَا شَهَادَةَ لِلكَافِرِ عَلَى المُسلِمِ، فَكَأَنَّهُمَا لَم يَسْمَعَا كَلَامَ المُسلِمِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَت فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إِثْبَاتِ المِلكِ، لِوُرُودِهِ عَلَى مَحَلِّ ذِي خَطَر لَا عَلَى اعْتِبَارِ وُجُوبِ المَهرِ، إذ لَا شَهَادَةَ تُشتَرَطُ فِي لُزُومِ المَالِ، الزوج لا منها، وبشهادة ابنيها لا منه، وبشهادة ابنيه منها (١). قوله: (وقال محمد، وزفر) (٢) وهو قول الشافعي (٣)، وأحمد (لا يجوز) (٤). وقال المالكية: أنكحة الكفار فاسدة، مع أن ولاية الكافر على الكافرة صحيحة عندهم، والشهادة ليست بشرط عندهم، والإسلام يصححهما عندهم، فصار (كأنهما) أي الذميين (لم يسمعا كلام المسلم)؛ أي بطريق الشهادة (٥). وشرط الانعقاد سماع الشاهدين كلا شطري العقد ولم يوجد فصار كأنهما سمعا كلام المرأة دون كلام الزوج، فلا ينعقد كما لو لم يسمعا كلامهما أو كلام الزوج، وذلك أن سماع من لا شهادة له يكون وجوده كعدمه كما في العبد. قوله: (على اعتبار إثبات الملك لوروده)؛ أي لورود الملك (على محل ذي خطر) فشرط الوجود تعظيمًا للأبضاع، فيكون الرجل هو المخاطب بالإشهاد؛ لأنه يمتلك البضع. ألا ترى أنه ﵇ كان مخصوصا بالنكاح بغير شهود لا على اعتبار وجوب المهداة لها عليه؛ لأن إيجاب المال يصح بلا شهود كالبيع وغيره، وهذا في الحقيقة جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: هذه شهادة للذمية على المسلم في وجوب المهر، يقال: الشهادة شرطت للملك الوارد لا لوجوب المال كما في المعاوضات، فكانت هذه الشهادة على الذمية لا لها ولا على المسلم.

стр. 2482

وَهُمَا شَاهِدَانِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَم يَسمَعَا كَلَامَ الزَّوجِ، لِأَنَّ العَقدَ يَنعَقِدُ فإن قيل: ملك الازدواج مشترك. قلنا: نعم، ولكن ذلك ليس بأصل، وإنما يقع تبعًا للملك الوارد عليه، كما لو اشترى أمة يملك وطئها بلا شهود؛ لأنه وقع تبعًا بخلاف ما إذا لم يسمعا كلام الزوج فإنه لا ينعقد؛ لأنه مخاطب بالإشهاد عليها بالعقد، والعقد لا يكون إلا بكلام المتعاقدين مع أن فيه منع، ولكن ليس هذا كأن لم يسمعها؛ لأن سماعهما كلام المسلم صحيح. ألا ترى أنه لو تزوجها بشهادة كافرين ومسلمين ثم احتاج إلى أداء الشهادة تقبل شهادة الكافرين بالعقد عليها، وعلى الزوج لو كانا أسلما بعد ذلك، فظهر أن سماعهما كلام المسلم معتبر كذا في المبسوط، وفي المحيط (١). ولا تقبل شهادة الكفار والصبيان والمجانين والعبيد والمدبرين والمكاتبين والنائمين والأصمين الذين لا يسمعون كلام العاقدين (٢)، وبه قال الشافعي (٣). قال الإمام الإسبيجابي وغيره: ينعقد بشهادة الأصمّين (٤). واختلف في أن سماع كلام العاقدين، وفَهْمَهُ هل هو شرط؟ فقال في جمع التفاريق: لا بد من سماع الشهود كلا منهما، والاعتبار لسماع الشهود لفظ النكاح (٥)، وبه قال الشافعي (٦)، وإن لم يعرفوا تفسيره، والظاهر خلافه عن محمد لو تزوجها بحضرة هذين لم يفهما لم يجز عن أبي يوسف، لو سمع أحد الشهود ثم أعيد على الآخر فسمعه إن اتحد المجلس جاز استحسانا وإلا فلا. وعنه لا بد من سماعهما معًا (٧). وفي نظم الزندويستي: والأصح أن سماعهما معًا شرط، وبه أخذ عامة العلماء، ولو زوجها بحضرة السكارى وهم يعرفون أمر النكاح لكنهم

стр. 2483

بِكَلَامَيْهِمَا، وَالشَّهَادَةُ شُرِطَتْ عَلَى الْعَقْدِ، قَالَ: (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، فَزَوَّجَهَا وَالأَبُ حَاضِرٌ بِشَهَادَةِ رَجُل وَاحِد سِوَاهُمَا، جَازَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ الأَبَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا لِلعَقدِ، لاتِّحَادِ المَجْلِسِ، وَيَكُونُ الوَكِيلُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرا فَيَبْقَى ينسونه بعد الصحو ينعقد، وقال الشافعي: لا ينعقد (١). ولو سمع الشهود قولها من البيت ولم يروا شخصًا؛ جاز إذا لم يكن في البيت غيرها وإلا فلا، وكذا التوكيل وينعقد بشهادة الأخرسين، وبه قال الشافعي (٢). ولو تزوجها بغير شهود ثم أقرّا بالنكاح بين يدي الشهود اختلفوا فيه، والأصح أنهما إذا سميا فيه المهر ينعقد نكاحا مبتدأ، ولم تزوج بشهادة الله ورسوله لم يجز، وعن الصفار يكفّر؛ لأنه اعتقد أن رسول الله يعلم الغيب. قوله: (سواهما)، أي: سوى الآمر والمأمور؛ (لأن الأب يجعل مباشرًا)؛ لأن الموجود من الوكيل واجب الانتقال إلى الموكل في باب النكاح ضرورة أن الوكيل فيه (سفير ومعبر)، فمتى كان الأب حاضرًا أمكن بحقيقة الإضافة إليه؛ لأن الإيجاب والقبول إنما يصحان بشرط اتحاد المجلس فبقي الزوج شاهدًا ومعه آخر فينعقد. قيل: في هذا التعليل تكلُّف غير محتاج إليه، وإنما يحتاج إلى هذا التكلف في المسألة الأخيرة، وهو ما إذا زوج الأب ابنته البالغة لا تصلح شاهدة على نفسها، فلا بد من نقل عبارة الأب إليها ليصح العقد، فلما كانت حاضرة فالأب شاهدًا، ولو كانت غائبة لا تنتقل العبارة إليها؛ لأن نقل العبارة إنما تجوز إذا تصوّر منها تحقيقا، كذا في الفوائد الظهيرية. قال الإمام نجم الدين النسفي: لو وكلت رجلًا أن يزوجها رجلا فزوجها بحضرة امرأتين، والموكلة حاضرة يجوز النكاح فإن أنكر الزوج أو المرأة الموكلة هذا العقد هل تقبل شهادة الوكيل والمرأتين على النكاح؟، قال: نعم إذا

стр. 2484

المُزَوِّجُ شَاهِدًا (وَإِنْ كَانَ الأَبُ غَائِبًا لَم يَجُز) لِأَنَّ المَجْلِسَ مُختَلِفٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَجْعَلَ الأَبَ مُبَاشِرًا، وَعَلَى هَذَا إِذَا زَوَّجَ الأَبُ ابْنَتَهُ البَالِغَةَ بِمَحْضَرِ شَاهِد وَاحِد، إن كَانَتْ حَاضِرَة جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَة لَم يَجُزْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصِلٌ فِي بَيَانِ المُحَرَّمَاتِ لم يقل الوكيل: إذا زوجتها بالوكالة؛ بل يقول: هذه امرأة هذا، كذا في الذخيرة، وفي القنية عن برهان الدين صاحب المحيط: زوج عبده امرأة وهو حاضر بشهادة رجل واحد جاز، وكذا الأمة (١). قال ظهير الدين المرغيناني: لا يجوز فيهما بخلاف البنت البالغة. قال: وقال أستاذنا: فيها روايتان. وفي الحاوي في الفتاوى للبخاري: امرأة ادعت على ورثة الزوج، فأنكروا النكاح والشاهد قد تولى التزويج، قالوا: لا يذكر العقد عن نفسه؛ بل يشهد أن فلانا تزوج فلانة بنت فلان في شهر كذا. ولو زوجها رجلًا فضولي بشهادة واحد والزوج حاضر ساكت ينعقد، ولو تزوجها بحضرة النائمين اختلف فيه، والأصح أنه ينعقد. وفي جمع العلوم: لو كانت حاضرة متنقبة ولا يعرفها الشهود، فقالت: تزوجت ينعقد وهو المختار، وعن أبي يوسف، ومحمد جوازه من وراء الجدار (٢). وفي جمع التفاريق: لو قال: وَكَلَتْني أن أزوجها من نفسي جاز، وإن لم ينسبها وتعرفها الشهود بأن قال: تزوجت امرأةً وكَّلتني (٣). فصل في بيان المحرمات لما بين الشيخ النكاح، وما ينعقد به وشرطه؛ شرع في بيان ما يكون محلا للنكاح وما لا يكون، إذ الأم هو الأصل لغة، قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصل يرد إليه المتشابه.

стр. 2485

قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، وَلَا بِجَدَّاتِهِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالجَدَّاتُ أُمَّهَاتُ، إذِ الأُمُّ هِيَ الأَصلُ لُغَةٌ، أَوْ ثَبَتَت حُرمَتُهُنَّ بِالإِجْمَاعِ، قَالَ: (وَلَا بِبِنتِهِ) لِمَا تَلُونَا (وَلَا بِبِنتِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَت) لِلإِجْمَاعِ. (وَلَا بِأُختِهِ وَلَا بِبَنَاتِ أُختِهِ وَلَا بِبَنَاتِ أَخِيهِ وَلَا بِعَمَّتِهِ وَلَا بِخَالَتِهِ) لِأَنَّ حُرمَتَهُنَّ مَنصُوصُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَتَدخُلُ فِيهَا العَمَّاتُ المُتَفَرِّقَاتُ وَالخَالَاتُ المُتَفَرِّقَاتُ وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ المُتَفَرِّقِينَ، لِأَنَّ جِهَةَ الِاسْمِ عَامَّةٌ. وسميت مكة أم القرى؛ لما روي أنها خلقت أولا، ثم دحيت الأرض منها، وقال ﷺ «الخمر أم الخبائث» (١) وذا لجمع الكل، وهذا عند المحققين من مشايخنا؛ الذين لا يُجَوِّزون الجمع بين الحقيقة والمجاز في محلّين، وفي محل واحد. وعند مشايخنا العراقيين: يجوز الجمع والمجاز عند اختلاف المحل، فحرمة الجدات تثبت بالنص أيضا بمجازه، وعند الطائفة الأولى بطريق الحقيقة، أو تثبت بالإجماع، وهذا عند الفريقين. وكذا الاستدلال في البنات؛ فإن بنت البنت تسمى بنتا حقيقة باعتبار أن البنت يراد بها الفرع فيتناولها النص حقيقة أو مجازا عند البعض، ويجوز الجمع عند اختلاف المحل أو بالإجماع. وقيل: ظاهر اسم الأم يتناول الجدات، وكذا اسم البنت ظاهرًا يتناول بنت البنت، فتكون شبهة، والشبهة كافية في إثبات الحرمة للاحتياط، وهذا ضعيف كما ترى!. قوله: (لأن جهة الاسم عامة)؛ يعني: المعنى المُجَوّز لإطلاق اسم الأخت

стр. 2486

قَالَ: (وَلَا بِأُمِّ امْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا أَوْ لَم يَدْخُل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الدُّخُولِ … يشمل الفرق الثلاث؛ وهو المجاورة في رحم أو صلب، فكان الاسم حقيقة للكل. قوله: (من غير قيد الدخول) وعليه الجمهور (١). فقال بشر: دخول بنتها شرط (٢)، وهو مذهب علي وزيد. وقيل: إن مالكا أخذ بقول علي، وكذا مجاهد وعكرمة، وفي الصحيح أن مالكا مع الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِّسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، والأصل أن الشيء إذا عطف على شيء في حكم، وذكر في المعطوف شرط؛ فينصرف إليهما، فكذا هاهنا ذكر أم المرأة وعطف عليها الربائب، ثم شرط الدخول فانصرف إليهما. ولنا: قوله ﵇: «مَنْ تَزَوَّجَ امرأةً حَرُمَتْ عليه أُمُّهَا دخلَ أو لَا». رواه ابن عمرو (٣). ولأن الله تعالى حرم أم المرأة مطلقا بلا قيد الدخول، فمن قيد به فقد نسخه، والدخول في المعطوف ما ذكر شرطا؛ لأن الشرط اسم لمعدوم على خطر الوجود، والدخول موجود، وأنه تعالى قال: ﴿مِنْ نِّسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، فلم يكن تعليقا، بل هو تحريم شخص موصوف بصفة، معطوفا على شخص غير موصوف بصفة، وعطف الموصوف على غير الموصوف؛ لا يقتضي ذكر الصفة في غير الموصوف، فمن قال: (زينب طالق وعمرة القائمة)، فإنه لا يشترط صفة القيام في زينب؛ لوقوع الطلاق عليهما، كما يشترط في عمرة،

стр. 2487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولئن كان شرطًا فالشرط إنما يعود إلى الجميع إذا أمكن، ولا يمكن هنا؛ لأنه يؤدي إلى أن الشيء الواحد معمول بعاملين، وذا لا يجوز؛ إذ العامل في الصفة هو العامل في الموصوف. ثم قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بالإضافة، وقوله تعالى ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بحرف الجر، فلو رجع قوله: ﴿الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ إليهما فصار معمولًا بالإضافة وحرف الجر، وذا لا يجوز، وهذا معنى قولهم: (الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل)، وكذا نقل عن أبي البقاء، ولهذا قال ابن عباس (١) وعمر (٢): "أم المرأة مبهم (٣) " فأبهموا ما أبهم الله تعالى، بين أن الشرط المذكور وهو الدخول ينصرف إلى الربائب دون الأمهات، وهذا هو الظاهر من حيث اللغة كما قررناه. كذا في شرح الكافي (٤). وفي المبسوط (٥): ناظر عمر ابن مسعود فيه، فرجع ابن مسعود إلى مذهبه. نقل عن العلامة شمس الأئمة الكردري لطيفة في هذا الباب: وهو أن العادة جرت أن الرجل إذا تزوج امرأة يشاور أمها، فتثبت الحرمة في الأم بمجرد نكاح البنت؛ لينقطع شوقه إلى الأم، وتقع بائنة منها لكونها صارت محرمًا له، أما إذا تزوج امرأة لا يشاور مع ابنتها؛ فلا تثبت الحرمة في البنت ما لم يدخل بتلك المرأة، إذ لا يحصل مظنة خلطة بالربيبة إلا بالدخول. وفي المبسوط: الأم تؤثر بنتها على نفسها في العادة، فلم تحرم البنت بالعقد على الأم، بخلاف العكس، فكانت القطيعة في تزويج الأم بغير العقد على البنت أشد (٦)، ثم أم المرأة إنما تحرم بمجرد النكاح إذا كان النكاح صحيحا، أما إذا كان فاسدًا لا تحرم؛ لأن مطلق النكاح والزوجية إنما ينطلق

стр. 2488

(وَلَا بِبِنتِ امْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا) لِثُبُوتِ قَيدِ الدُّخُولِ بِالنَّص (سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجرِهِ على الصحيح دون الفاسد. قوله: (ولا ببنت امرأته التي دخل بها) وإن لم يدخل بها حتى حرمت عليه بطلاق أو بموت؛ لأن الجمع بين الأم والبنت حرام، فأما لو طلق الأم أو ماتت قبل الدخول؛ يحل له أن يتزوج البنت؛ لأن هذه الحرمة تعلقت بشرط الدخول. واختلفت الصحابة في شرطية الحجر لهذه الحرمة: فقال علي: الحجر شرط، وبه أخذ داود؛ لظاهر الآية، ولما روي أن زينب بنت أم سلمة عرضت على رسول الله ﷺ ، [فقال] (١) «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما كانت تحلُّ لي (إنها ابنة أخي من الرضاعة) أرضعتني وأباها ثُوَيْبَةُ» (٢) فأما عمر وابن مسعود كانا يقولان الحجر ليس بشرط، وبه أخذ جمهور العلماء، والأئمة الأربعة، وأصحابهم (٣). ولنا: الحديث الذي رواه ابن عمرو (٤). وتفسير الحجر: أن البنت إذا زُفّت مع الأم إلى بيت زوج الأم فهذه كانت في حجره، وإذا كانت مع أبيها لم تكن في حجر زوج الأم. وذكر الحجر في الآية على وجه العادة؛ إذ الغالب أن تكون بنت المرأة في حجر زوجها، والتقييد العرفي لا يوجب تقييد الحكم به، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ كذا في المبسوط (٥). ولا إلزام فيه على داود؛ لأن علم الخبر شرط صحة الكتابة عنده. وفي الكشاف (٦): ذكر الحجر لتعليل التحريم بأنهن لاحتضانكم لهن، أو لكونهن بصدد احتضانكم كالبنات، دل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن

стр. 2489

أَوْ فِي حِجرِ غَيْرِهِ) لِأَنَّ ذِكرَ الحِجْرِ خَرَجَ مَخرَجَ العَادَةِ، لَا مَخرَجَ الشَّرطِ، وَلِهَذَا اكتفى فِي مَوضِعِ الإِحلَالِ بِنَفْيِ الدُّخُولِ قَال: (وَلَا بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَأَجدَادِهِ) لِقَولِهِ جده، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا نكح الرجل المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج ببنتها (١) (٢)». قوله: (ولهذا) أي: ولأن ذكر الحجر خرج على وجه العادة. (اكتفى في موضع الإحلال)؛ وهو قوله تعالى ﴿فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان الحِجر شرطا لحرمة الربيبة لدخول أمها لذكر نفي الحجر في موضع الإحلال كما ذكر نفي الدخول، يعني: ينبغي أن يقول: (فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولم تكن في حجركم فلا جناح عليكم). فإن قيل: جاز أن تكون حرمة الربيبة متعلقة بشرطين، ولا حاجة للحل إلى نفيهما؛ لأن الجموع ينتفي بانتفاء أي جزء كان، فتنتفي الحرمة بانتفاء أحدهما، مع أن الشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا. قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: ما روينا من الحديث، فإنه ﵇ أطلق حرمة الربيبة بتزوج الأم التي دخل [بها] (٣)، من غير ذكر الحِجْرِ، دل أن الحِجْر غير شرط. كذا قيل. وفيه نوع تأمل. والثاني: أن الحرمة لو كانت متعلقة بشرطين لتعلق الإباحة بعدمهما، أو بعدم أحدهما غير عين؛ إذ الإباحة أبدا تتعلق بنقيض ما تتعلق به الحرمة، ولما تعلقت الإباحة بعدم الدخول لا غير؛ دل أن الحرمة تتعلق بالدخول لا غير. وفيه نوع تأمل. وقيل: لو كان ذكر الحجر للعادة لا يثبت جواز نكاح ربيبة ليست في حجره بعدما كانت لأمها مدخولاً بالنص قطعًا، ولو كان ذكر الحِجر للشرط تثبت شبهة

стр. 2490

تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] (وَلَا بِامْرَأَةِ ابنِهِ وَبَنِي أَولَادِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: … ... … عدم الجواز أيضا بالنظر إلى وجود أحد شرطي الحرمة، وقد تكون أمها مدخولا بها مع أن القياس يأبى جواز نكاح الحرة على ما عرف، ثم إذا وقع التعارض بين دليلي الحل والحرمة يؤخذ بالحرمة احتياطا، فعند رجحان دليل الحرمة أولى. كذا في الفوائد الخبازية (١). وفي الكافي: شرطية الدخول لم تعرف بقوله ﴿دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، بل بقوله ﴿فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فقد أثبت الحرمة عند الدخول وأباح عند عدم الدخول، وما وجد كذلك في حق الحجر فلا تثبت شرطيته. قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾، واسم الأب يتناول الأجداد، والأب الأصلي الحقيقي باعتبارهم عموم المجاز، وهو الأصل، فتثبت الحرمة في الجميع نصا وإجماعا كما مر، وعلى قول من يُجَوِّزُ الجمع بين الحقيقة والمجاز في المحلين يثبت نصّا، وقد مر، وهذا نهي بمعنى النفي؛ إذ لو كان المراد هو النفي لكان ينعقد نكاحها؛ لأن النهي في الأفعال الشرعية لا يعدم المشروعية، وهذا البحث مذكور في الأصول. ثم المراد من النكاح إن كان هو العقد فالوطء حرام؛ لأن سبب الوطء وهو النكاح لما كان حرامًا؛ فالسبب المقصود به أولى أن يكون حراما. فإن كان المراد هذا الوطء فحرمة العقد ثابتة بالإجماع، لكن لا يتم تمسك المصنف بالآية إلا على قول من قال: المراد بالنكاح العقد، وقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ معناه: إلا ما قد سلف في الجاهلية؛ فإنكم لا تؤاخذون بذلك بهن بعد الحرمة. وقيل معناه: ولا ما قد سلف؛ لأن (إلا) تأتي بمعنى (ولا)، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فيكون المعنى: أنه كما لا يحل ابتداء العقد بعد
следующие страницы →