← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

قَالَ: (وَلَا بِأُمِّ امْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا أَوْ لَم يَدْخُل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الدُّخُولِ … يشمل الفرق الثلاث؛ وهو المجاورة في رحم أو صلب، فكان الاسم حقيقة للكل. قوله: (من غير قيد الدخول) وعليه الجمهور (١). فقال بشر: دخول بنتها شرط (٢)، وهو مذهب علي وزيد. وقيل: إن مالكا أخذ بقول علي، وكذا مجاهد وعكرمة، وفي الصحيح أن مالكا مع الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِّسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، والأصل أن الشيء إذا عطف على شيء في حكم، وذكر في المعطوف شرط؛ فينصرف إليهما، فكذا هاهنا ذكر أم المرأة وعطف عليها الربائب، ثم شرط الدخول فانصرف إليهما. ولنا: قوله ﵇: «مَنْ تَزَوَّجَ امرأةً حَرُمَتْ عليه أُمُّهَا دخلَ أو لَا». رواه ابن عمرو (٣). ولأن الله تعالى حرم أم المرأة مطلقا بلا قيد الدخول، فمن قيد به فقد نسخه، والدخول في المعطوف ما ذكر شرطا؛ لأن الشرط اسم لمعدوم على خطر الوجود، والدخول موجود، وأنه تعالى قال: ﴿مِنْ نِّسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، فلم يكن تعليقا، بل هو تحريم شخص موصوف بصفة، معطوفا على شخص غير موصوف بصفة، وعطف الموصوف على غير الموصوف؛ لا يقتضي ذكر الصفة في غير الموصوف، فمن قال: (زينب طالق وعمرة القائمة)، فإنه لا يشترط صفة القيام في زينب؛ لوقوع الطلاق عليهما، كما يشترط في عمرة،

стр. 2487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولئن كان شرطًا فالشرط إنما يعود إلى الجميع إذا أمكن، ولا يمكن هنا؛ لأنه يؤدي إلى أن الشيء الواحد معمول بعاملين، وذا لا يجوز؛ إذ العامل في الصفة هو العامل في الموصوف. ثم قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بالإضافة، وقوله تعالى ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بحرف الجر، فلو رجع قوله: ﴿الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ إليهما فصار معمولًا بالإضافة وحرف الجر، وذا لا يجوز، وهذا معنى قولهم: (الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل)، وكذا نقل عن أبي البقاء، ولهذا قال ابن عباس (١) وعمر (٢): "أم المرأة مبهم (٣) " فأبهموا ما أبهم الله تعالى، بين أن الشرط المذكور وهو الدخول ينصرف إلى الربائب دون الأمهات، وهذا هو الظاهر من حيث اللغة كما قررناه. كذا في شرح الكافي (٤). وفي المبسوط (٥): ناظر عمر ابن مسعود فيه، فرجع ابن مسعود إلى مذهبه. نقل عن العلامة شمس الأئمة الكردري لطيفة في هذا الباب: وهو أن العادة جرت أن الرجل إذا تزوج امرأة يشاور أمها، فتثبت الحرمة في الأم بمجرد نكاح البنت؛ لينقطع شوقه إلى الأم، وتقع بائنة منها لكونها صارت محرمًا له، أما إذا تزوج امرأة لا يشاور مع ابنتها؛ فلا تثبت الحرمة في البنت ما لم يدخل بتلك المرأة، إذ لا يحصل مظنة خلطة بالربيبة إلا بالدخول. وفي المبسوط: الأم تؤثر بنتها على نفسها في العادة، فلم تحرم البنت بالعقد على الأم، بخلاف العكس، فكانت القطيعة في تزويج الأم بغير العقد على البنت أشد (٦)، ثم أم المرأة إنما تحرم بمجرد النكاح إذا كان النكاح صحيحا، أما إذا كان فاسدًا لا تحرم؛ لأن مطلق النكاح والزوجية إنما ينطلق

стр. 2488

(وَلَا بِبِنتِ امْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا) لِثُبُوتِ قَيدِ الدُّخُولِ بِالنَّص (سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجرِهِ على الصحيح دون الفاسد. قوله: (ولا ببنت امرأته التي دخل بها) وإن لم يدخل بها حتى حرمت عليه بطلاق أو بموت؛ لأن الجمع بين الأم والبنت حرام، فأما لو طلق الأم أو ماتت قبل الدخول؛ يحل له أن يتزوج البنت؛ لأن هذه الحرمة تعلقت بشرط الدخول. واختلفت الصحابة في شرطية الحجر لهذه الحرمة: فقال علي: الحجر شرط، وبه أخذ داود؛ لظاهر الآية، ولما روي أن زينب بنت أم سلمة عرضت على رسول الله ﷺ ، [فقال] (١) «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما كانت تحلُّ لي (إنها ابنة أخي من الرضاعة) أرضعتني وأباها ثُوَيْبَةُ» (٢) فأما عمر وابن مسعود كانا يقولان الحجر ليس بشرط، وبه أخذ جمهور العلماء، والأئمة الأربعة، وأصحابهم (٣). ولنا: الحديث الذي رواه ابن عمرو (٤). وتفسير الحجر: أن البنت إذا زُفّت مع الأم إلى بيت زوج الأم فهذه كانت في حجره، وإذا كانت مع أبيها لم تكن في حجر زوج الأم. وذكر الحجر في الآية على وجه العادة؛ إذ الغالب أن تكون بنت المرأة في حجر زوجها، والتقييد العرفي لا يوجب تقييد الحكم به، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ كذا في المبسوط (٥). ولا إلزام فيه على داود؛ لأن علم الخبر شرط صحة الكتابة عنده. وفي الكشاف (٦): ذكر الحجر لتعليل التحريم بأنهن لاحتضانكم لهن، أو لكونهن بصدد احتضانكم كالبنات، دل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن

стр. 2489

أَوْ فِي حِجرِ غَيْرِهِ) لِأَنَّ ذِكرَ الحِجْرِ خَرَجَ مَخرَجَ العَادَةِ، لَا مَخرَجَ الشَّرطِ، وَلِهَذَا اكتفى فِي مَوضِعِ الإِحلَالِ بِنَفْيِ الدُّخُولِ قَال: (وَلَا بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَأَجدَادِهِ) لِقَولِهِ جده، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا نكح الرجل المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج ببنتها (١) (٢)». قوله: (ولهذا) أي: ولأن ذكر الحجر خرج على وجه العادة. (اكتفى في موضع الإحلال)؛ وهو قوله تعالى ﴿فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان الحِجر شرطا لحرمة الربيبة لدخول أمها لذكر نفي الحجر في موضع الإحلال كما ذكر نفي الدخول، يعني: ينبغي أن يقول: (فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولم تكن في حجركم فلا جناح عليكم). فإن قيل: جاز أن تكون حرمة الربيبة متعلقة بشرطين، ولا حاجة للحل إلى نفيهما؛ لأن الجموع ينتفي بانتفاء أي جزء كان، فتنتفي الحرمة بانتفاء أحدهما، مع أن الشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا. قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: ما روينا من الحديث، فإنه ﵇ أطلق حرمة الربيبة بتزوج الأم التي دخل [بها] (٣)، من غير ذكر الحِجْرِ، دل أن الحِجْر غير شرط. كذا قيل. وفيه نوع تأمل. والثاني: أن الحرمة لو كانت متعلقة بشرطين لتعلق الإباحة بعدمهما، أو بعدم أحدهما غير عين؛ إذ الإباحة أبدا تتعلق بنقيض ما تتعلق به الحرمة، ولما تعلقت الإباحة بعدم الدخول لا غير؛ دل أن الحرمة تتعلق بالدخول لا غير. وفيه نوع تأمل. وقيل: لو كان ذكر الحجر للعادة لا يثبت جواز نكاح ربيبة ليست في حجره بعدما كانت لأمها مدخولاً بالنص قطعًا، ولو كان ذكر الحِجر للشرط تثبت شبهة

стр. 2490

تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] (وَلَا بِامْرَأَةِ ابنِهِ وَبَنِي أَولَادِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: … ... … عدم الجواز أيضا بالنظر إلى وجود أحد شرطي الحرمة، وقد تكون أمها مدخولا بها مع أن القياس يأبى جواز نكاح الحرة على ما عرف، ثم إذا وقع التعارض بين دليلي الحل والحرمة يؤخذ بالحرمة احتياطا، فعند رجحان دليل الحرمة أولى. كذا في الفوائد الخبازية (١). وفي الكافي: شرطية الدخول لم تعرف بقوله ﴿دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، بل بقوله ﴿فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فقد أثبت الحرمة عند الدخول وأباح عند عدم الدخول، وما وجد كذلك في حق الحجر فلا تثبت شرطيته. قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾، واسم الأب يتناول الأجداد، والأب الأصلي الحقيقي باعتبارهم عموم المجاز، وهو الأصل، فتثبت الحرمة في الجميع نصا وإجماعا كما مر، وعلى قول من يُجَوِّزُ الجمع بين الحقيقة والمجاز في المحلين يثبت نصّا، وقد مر، وهذا نهي بمعنى النفي؛ إذ لو كان المراد هو النفي لكان ينعقد نكاحها؛ لأن النهي في الأفعال الشرعية لا يعدم المشروعية، وهذا البحث مذكور في الأصول. ثم المراد من النكاح إن كان هو العقد فالوطء حرام؛ لأن سبب الوطء وهو النكاح لما كان حرامًا؛ فالسبب المقصود به أولى أن يكون حراما. فإن كان المراد هذا الوطء فحرمة العقد ثابتة بالإجماع، لكن لا يتم تمسك المصنف بالآية إلا على قول من قال: المراد بالنكاح العقد، وقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ معناه: إلا ما قد سلف في الجاهلية؛ فإنكم لا تؤاخذون بذلك بهن بعد الحرمة. وقيل معناه: ولا ما قد سلف؛ لأن (إلا) تأتي بمعنى (ولا)، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فيكون المعنى: أنه كما لا يحل ابتداء العقد بعد

стр. 2491

﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَذَكَرَ الأَصْلَابَ لِإِسْقَاطِ اعْتِبَارِ ثبوت الحرمة؛ لا يحل إمساك ما قد سلف بعد نزول الحرمة؛ كيلا يظن ظان أن هذه الحرمة تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء (١)، والعرب في الجاهلية كانوا فرقتين: فرقة يعتقدون الإرث في منكوحة الأب، إذا لم يكن منها ولد يطؤها بغير عقد جديد، رضيت أم كرهت، وفرقة يعتقدون أنها تحل له بعقد جديد، وأنه متى رغب فيها فهو أحق بها من غيره، فكانت الآية ناسخة لما اعتقده الفرقتان. قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ جمع حليلة، والمذكر حليل، وسميت امرأة الابن حليلة؛ لأنها حلت للابن من الحل، أو لأنها تحل فراشه ويحل هو فراشها من الحلول، أو أحل كل واحد إزار صاحبه. وذكر الاختلاف لبيان إباحة حليلة الابن المتبنى، لا لإحلال حليلة ابن الابن؛ لأنه من صلبه أيضا، فيحرم بالنص، والكلام في الاستدلال كما مر في الآباء والبنات، ولا لإحلال حليلة الابن من الرضاعة كما قال الشافعي (٢)؛ استدلالا بهذا التقييد المذكور في الآية. وقلنا: حرمتها تثبت بدليل آخر؛ وهو قوله ﵇: «يحرمُ مِنَ الرَّضاع ما يحرُمُ مِنَ النِّسَبِ» (٣) هذا حديث صحيح أخرجه الحفاظ، وبالإجماع، روي أنه ﵇ تبنى زيد بن حارثة، ثم تزوج امرأته زينب بعدما طلقها زيد، فطعن المشركون وقالوا: إن محمدًا تزوج حليلة ابنه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ (٤)، فهذا التقييد دفع طعنهم، وكما تحرم حليلة الابن تحرم حليلة ابن الابن وإن سفلوا بالنص، ولكن ذكر في كتبهم أن تقييد الأصلاب ليس لإحلال حليلة الرضاع، بل لإحلال حليلة المتبنى،

стр. 2492

التَّبَنِّي، لَا لِإِحلَالِ حَلِيلَةِ الابْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَا بِأُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَا بِأُختِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وَلِقَولِهِ ﵊: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». فحينئذ لا خلاف بيننا وبينهم. فإن قيل: ابن الابن لا يكون من صلبه، فكيف تصح تعدية هذا التحريم إليه مع هذا التقييد؟ قلنا: مثل هذا اللفظ يذكر باعتبار أن الأصل من صلبه كقوله ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابِ﴾، والمخلوق من التراب هو الأصل. كذا في المبسوط (١)، وغيره. قوله: (ولا بأمه وأخته من الرضاعة) إلى آخره: اعلم أن ما ذكر من المحرمات من أول الفصل إلى هنا يحرم بالرضاع أيضا؛ للحديث المذكور في المتن، حتى إن امرأة لو أرضعت ولدًا؛ يحرم على هذا الولد امرأة زوج الظئر الذي نزل لبنها منه، ويحرم على زوج الظئر امرأة هذا الولد، والتخصيص بالأم والأخت غير مقيد، إلا أن يقول فيه اتباع النص. قوله: (ولا بملك يمين وطئًا) (٢)، أي: لا يجمع بملك اليمين من حيث الوطء. وفي بعض النسخ: ولا ملك يمين في الوطء وأنه صحيح؛ لجواز جمعهما في ملك اليمين دون الوطء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وهو في موضع الرفع؛ لأنه معطوف على المحرمات، أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين. كذا في الكشاف (٣) وغيره. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: ما مضى مغفور، ثم تحريم الجمع بين الأختين في النكاح، وملك اليمين في الوطء بلا خلاف بين الفقهاء (٤)، وهو مذهب جمهور الصحابة.

стр. 2493

(وَلَا يَجْمَعُ بَينَ أُختَينِ نِكَاحًا: وَلَا بِمِلكِ يَمِين وَطئًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَلِقَولِهِ ﵊: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُختَينِ». وعن عثمان، وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية، يعنيان هذه الآية، وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فرجح علي التحريم، وعثمان التحليل، وبقول عثمان أخذ داود الظاهري فقال: لا يحرم الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين، وهو رواية عن أحمد (١)، ولكنا رجحنا الحرمة لقوله ﵊: «لَنْ يَجْتَمِعَ الحلال والحرام … » الحديث (٢). يؤيده قوله ﵇: «لا يَحِلُّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجمع ماءه في رحم أختين» (٣). كذا في المبسوط (٤). وملك اليمين قد دخله التخصيص، حتى لا تباح به المحارم، والمملوكة الوثنية والمجوسية. وفي شرح الإرشاد (٥): الظاهر أن عثمان رجع عن ذلك، ولئن لم يرجع فالإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم؛ لأن المنكوحة موطوءة حكمًا، حتى لو تزوج مشرقي بمغربية وولدت أولادًا؛ يثبت نسبهم منه للوطء حكمًا، ولهذا تستحق المنكوحة الوطء على الزوج، والأمة لا تستحق الوطء على المولى. فإن قيل: لما كان النكاح قائمًا مقام الوطء، ينبغي ألا يجوز هذا النكاح كيلا يصير جامعًا بينهما وطئا، كما قال أصحاب مالك. قلنا: نفس النكاح ليس بوطء، وإنما صار كالوطء عند ثبوت حكمه؛ وهو حِلُّ الوطء، وحكم الشيء يثبت بعده، والنكاح حال وجوده ليس بوطء، فيصح

стр. 2494

(فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخت أَمَة لَهُ قَدْ وَطِئَهَا صَحَّ النِّكَاحُ) لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحِلِّهِ (وَ) إِذَا جَازَ (لَا يَطَأُ الأَمَةَ)، وَإِنْ كَانَ لَم يَطَأ المَنكُوحَةَ لِأَنَّ المَنكُوحَةَ مَوطُوعَةٌ حُكمًا، وَلَا يَطَأُ المَنكُوحَةَ لِلجَمعِ، إِلَّا إِذَا حَرَّمَ المَوطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِسَبَبٍ مِنْ الأَسبَابِ، فَحِينَئِذٍ يَطَأُ المَنكُوحَةَ لِعَدَمِ الجَمعِ، وَيَطَأُ المَنكُوحَةَ إِنْ لَم يَكُنْ وَطِئَ المَملُوكَةَ لِعَدَمِ الجَمعِ وَطئًا، إذ المَرقُوقَةُ لَيسَت مَوطُوءَة حكمًا. لوجوده في محله بسبب من الأسباب أن يزيل ملك الرقبة بسبب، كالبيع والهبة مع التسليم، وكذا بالإعتاق، أو يزيل ملك المتعة بالتزويج من آخر، وأكد بالكتابة، فحينئذ يطأ المنكوحة. وعن أبي يوسف: لا تحل، وعنه أيضا: لو ملك فرج الأولى غيره لا يطأ الأخرى، حتى تحيض الأولى حيضة بعد وطئها؛ لأنه يجوز أن تكون حاملا منه (١). وجه الظاهر: حرم وطؤها على نفسه بالكتابة، ولهذا ألزمه العقر بوطئها، حتى لو وطئت بشبهة أو نكاح؛ كان المهر لها لا للمولى. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): تحل المنكوحة وحرمت المملوكة؛ لأن الافتراش والاستباحة بالنكاح أقوى؛ ألا ترى أنه لا يتعلق به الطلاق والظهار والإيلاء، واللعان والميراث، فيندفع به الأضعف. وقلنا: فيه جمع بالوطء، فلا يجوز بإطلاق الآية، فإن أختها موطوءة حقيقة، وحكم ذلك الوطء قائم، ولهذا لو أراد البيع يستحب له الاستبراء، فيصير جامعًا بينهما وطئًا وحقيقة. (إذ المرقوقة ليست بموطوءة حكمًا)؛ لأن ملك اليمين لم يُضع للوطء، بخلاف ملك النكاح، ولهذا لا يثبت نسب ولد المرقوقة بلا دعوى، وفي المنكوحة يثبت بدونها.

стр. 2495

(فَإِنْ تَزَوَّجَ أُختَينِ فِي عُقدَتَيْنِ، وَلَا يَدْرِي أَيَّتَهمَا أُولَى، فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا) لِأَنَّ نِكَاحَ إِحدَاهُمَا بَاطِلٌ بِيَقِينِ، وَلَا وَجهَ إِلَى التَّعيِينِ لِعَدَم الأُولَوِيَّةِ، وَلَا إِلَى التَّنْفِيذِ مَعَ التجهيلِ، لِعَدَمِ الفَائِدَةِ أَوْ لِلضَّرَرِ، فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ (وَلَهُمَا نِصْفُ المَهرِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلأُولَى مِنْهُمَا، … ... … ... قوله: (لعدم الفائدة)؛ إذ المقصود بالنكاح التوالد والتناسل، وذلك بالوطء، والوطء لا يقع في غير المعينة، ولا حل في المعينة، أو للضرر فإن كل واحدة تبقى معلقة لا ذات بعل، ولا مُطلقة على تقدير إبقاء النكاح، وفيه ضرر بهما، ولا خلاف للأئمة الأربعة. (ولهما)؛ أي: للأختين (نصف المهر)؛ أي: إذا كان مهراهما متساويين في الجنس والقدر، ولو كانا مختلفين لقضى لكل واحدة بربع مهرها. (لأنه)؛ أي: نصف المهر (وجب للأولى)؛ أي: للتي نكاحها أولا لصحة النكاح، وقد جاءت فرقة من جهة الزوج، فصار كالطلاق قبل الدخول، لا يصح نكاحها وتبقى الموطوءة على الإباحة، وبه قال أحمد، وليست إحداهما أولى من الأخرى، فصار بينهما. فإن قيل: ينبغي ألا يقضى على الزوج بشيء كما روي عن أبي يوسف، وبه قال بعض الحنابلة؛ لأن المفضي له مجهول، وجهالة المفضي له تمنع القضاء، كما لو قال لرجلين: لأحدكما عليَّ ألف، فإنه لا يكون لأحدهما أن يأخذ منه شيئًا ما لم يصطلحا. قلنا: قد قالوا معنى المسألة: أن تدعي كل واحدة أنها الأولى، ولا حجة لهما، أما إذا قالتا لا ندري النكاح الأول؛ لا يقضى لهما بشيء ما لم يصطلحا على أخذ نصف المهر؛ لأن الحق وجب لمجهول، فلا بد من الدعوى أو الاصطلاح لهما، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني. كذا في الكافي (١). قيل: صورة الاصطلاح: أن تقولا عند القاضي: لنا عليه المهر، فيصطلح على أخذ نصف المهر، إذ الحق لا يعدونا، ويكون لكل واحدة ربع المهر.

стр. 2496

وَانعَدَمَت الأُولَوِيَّةُ لِلجَهلِ بِالأَوَّلِيَّةِ فَيُصْرَفُ إِلَيْهِمَا، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ دَعوَى كُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَنَّهَا الأُولَى، أو الاصطلاحِ لِجَهَالَةِ المُستَحِقَّةِ. وعن محمد (١): يجب مهر كامل لهما؛ لأنه يقر بنكاح إحداهما وعدم طلاقها، وإذا جاز نكاح إحداهما وجب المهر كاملا. وفي المبسوط (٢): ولو نكح إحداهما قبل الأخرى، فنكاح الأولى جائز؛ لأن بهذا العقد لا يصير جامعًا، ونكاح الثانية فاسد؛ لأن بهذا العقد يصير جامعا بينهما، فتعين جهة البطلان، فيفرق بينهما، ولو لم يكن دخل بها لا شيء عليه، وإن دخل بها فعليها العدة. وقال الشافعي (٣): إن علم بالتحريم فهو زنا، ولا حجة عليها، ووجب للثانية بالدخول الأقل من مهر المثل ومن المسمى؛ لأن الدخول حصل في صورة النكاح، فيسقط به الحد، ويجب المهر والعدة، كما إذا زفت عليه غير امرأته، وحكم ذلك مروي عن علي ﵁. وعند زفر (٤): يجب مهر المثل بالغا ما بلغ؛ لأن الواجب عند فساد العقد بدل المتلف، وهو المستوفى بالنكاح، كما في المقبوض بحكم الشراء الفاسد، ولكنا نقول: المستوفى بالنكاح ليس بمال، وإنما يتقوم بالمال بالتسمية، فإذا كانت التسمية أقل لم تجب الزيادة على قدر المسمى؛ لانعدام التسمية، ولتمام التراضي على قدر المسمى بخلاف المبيع؛ فإنه مال متقوم بنفسه، فبدله يتقدر بقيمته، ولا يقرب الأولى حتى تنقضي عدة الثانية، سواء دخل بالأولى أو لم يدخل؛ لأن رحم المعتدة مشتغل بمائه حكمًا، فلو وطئ الأولى في هذه الحالة صار جامعًا ماءه في رحم الأختين، وذلك حرام، قال ﵇: «مَنْ كانَ يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعَنَّ ماءَه في رحم الأختين» (٥)، لكن أصل النكاح بهذا لا يبطل، كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة تجب عليها العدة، ولا

стр. 2497

(وَلَا يَجْمَعُ بَينَ المَرأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ ابنَةِ أَخِيهَا أَوْ ابنَةِ أُختِهَا) لِقَولِهِ ﵊: «لَا تُنكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ يطؤها الزوج حتى تنقضي عدتها، ولا يبطل نكاحها. وفي الكامل (١): لو زنى بإحدى الأختين؛ لا يقرب المنكوحة حتى تحيض المزنية حيضة، ولو تزوجهما في عقد واحد لا يصح بالإجماع، وبهذا تعلم فائدة تقييده في عقدين، ولا يدري أيهما الأولى؟. قوله: (ولا يجمع بين المرأة وعمتها) إلى آخره ولا خلاف للفقهاء فيه (٢). ونقل عن الروافض، والخوارج، وأصحاب الظاهر، وعثمان البتي: أنه يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها؛ لأنه تعالى [بين] (٣) المُحرَّمات، وخص حرمة الجمع بين الأختين، وقال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. قلنا: ما روى أبو هريرة (٤)، وجابر (٥)، وابن عباس (٦)، وابن عمر (٧)، وابن مسعود (٨)، وأبو سعيد الخدري (٩) أنه ﵇ قال: «لا تُنكَحُ المرأة على

стр. 2498

أَخِيهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُختِهَا» وَهَذَا مَشْهُورٌ، يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الكِتَابِ بِمِثْلِهِ. عَمَّتِها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أُختها؛ فإنّكم إذا فعلتم ذلكَ قَطعتُم أرحامَهُنَّ»، وهذا نهي بصيغة الخبر، وهو أبلغ ما يكون من النهي، والحديث مذكور في الصحيحين. فإن قيل ما فائدة تكرار بنت الأخ؟ قلنا: إن المذكور في الحديث نكاح بنت الأخ على العمة، فيجوز أن يظن ظان، أن نكاح ابنة الأخ على العمة إنما يجوز لتفضيل العمة واحتراما لها، كما لا يجوز نكاح الأمة على الحرة احتراما لها لشرف الحرة، فأزال النبي ﷺ هذا الاشتباه، وبين أنه لا يجوز نكاح العمة أيضا، أو لأنه إنما كرر للتأكيد والمبالغة؛ لما أن الباب باب الحرمة، وفي الحرمات يؤكد ويبالغ؛ ألا ترى إلى قوله ﵇: «لا تبيعوا الحنطة بالحنطة إلا سواء بسواء مثلًا بمثل كيلا بِكَيْل» (١)، فقد كرَّرَ شرطًا للمماثلة بألفاظ مختلفة للتأكيد؛ لما أن الباب باب الحرمة، كذا هاهنا. (وهذا)؛ أي: ما روينا حديث مشهور، تلقته العلماء بالقبول، واشتهر بين التابعين وتبع التابعين، مع رواية كبار الصحابة كما ذكرنا، فتجوز الزيادة به على عموم الباب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولئن كان من أخبار الآحاد فقد ورد تخصيصا للكتاب، وتخصيص عام ثبت خصوصه جائز به، وقد خصت الوثنية والمجوسية وبناته من الرضاعة من عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فَتُخَصُّ هذه الصورة بهذا الخبر. وقيل: إنه ورد بيانا لمجمل الكتاب؛ لأن شرط الإحصان في الإباحة بقوله: ﴿مُّحْصِنِينَ﴾، وهو مجمل، فخبر الواحد يصح بيانًا، فكأن الحديث ورد بيانا لما هو مبهم في الكتاب، لا ناسخا، أو ألحق بالجمع بين الأختين دلالة؛ من حيث إن كل واحد جمع بين ذواتي رحم محرم يوجب قطع الرحم، وإليه أشار النبي بقوله: «قَطَعتُم أرحامَهُنَّ» على ما يكون من العداوة بين الضرائر، فكان ثابتًا دلالة، لكن في النص نوع خفاء، فتبين بالخبر، فكان الحديث مقررا

стр. 2499

(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لَو كَانَتْ إِحْدَاهُمَا رَجُلًا لَم يَجُز لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالأُخْرَى) لِأَنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُمَا يُفضِي إِلَى القَطِيعَةِ وَالقَرَابَةُ المُحَرِّمَةُ لِلنِّكَاحِ مُحَرِّمَةٌ للقَطْعِ، وَلَو كَانَتْ المَحرَمِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ الرَّضَاعِ يَحْرُمُ لِمَا رَوَينَا مِنْ قَبْلُ. (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْمَعَ بَينَ امْرَأَة وَبِنتِ زَوج كَانَ لَهَا مِنْ قَبْلُ) لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا رَضَاعَ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ، للحرمة المذكورة في الكتاب، لا أن يكون ناسخا. كذا في المبسوط (١). قوله: (لو كانت إحداهما): الشرط: التصور من كل جانب حتى لا تنتقض المسألة التي تليها. وفي المجتبى (٢): لفظ المصنف (لو كانت كل واحدة منهما رجلا لم يجز أن يتزوج بالأخرى)، وما وقع في بعض النسخ (لو كانت إحداهما رجلا) سهو وقع من الكاتب؛ لأنه ينتقض بالمسألة التي تليها، وهذا مثل الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، وإنما قال هذا؛ لما عرف من دأب هذا الكتاب أن يذكر أصلا جامعا تخرج منه المسائل. (والقرابة المحرمة للنكاح محرمة للقطع)؛ أي: القرابة إذا كانت مما به يحرم النكاح يحرم قطعها؛ لأنه يفترض وصلها، والنكاح سبب لقطعها، لجواز ألا تطيع الزوج فيما يأمر وينهى، فيؤدي إلى التشاجر كما هو المعتاد، وهو سبب للقطع، والجمع بينهما يؤدي إلى القطيعة أيضا، بل القطيعة هنا أكثر؛ إذ المعاداة معتادة ظاهرة بين الضرائر؛ لما روينا من قبل، وهو قوله ﵇: «يحرُمُ مِنْ الرّضاع ما يحرم من النسب» (٣). قوله: (ولا بأس بأن يجمع بين امرأة وابنة زوج كان لها) وبه قالت الأئمة الأربعة (٤)، وعامة العلماء. (وقال زفر: لا يجوز): أسند هذا القول إلى المبسوط (٥)، وكتب أصحاب

стр. 2500

لِأَنَّ ابْنَةَ الزَّوجِ لَو قَدَّرْتَهَا ذَكَرًا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ. قُلْنَا: امْرَأَةُ الأَبِ لَو صَوَّرَتَهَا ذَكَرًا جَازَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَذِهِ، وَالشَّرطُ أَنْ يُصَوَّرَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ جَانِب، وقد صَحَ أَنَّ عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته. قَالَ: (وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَة حَرُمَت عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الزِّنَا لَا الشافعي إلى ابن أبي ليلى والحسن البصري وعروة، وهو يعتبر الحرمة من أحد الجانبين، فلا يجوز الجمع بينهما؛ لما بينهما محرمية بالمصاهرة، وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا لا يجوز الجمع بينهما كالأختين. ولنا: حديث عبد الله بن جعفر، فإنه جمع بين امرأة علي وابنته، وعن ابن عباس أنه جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها، ولأن المانع من الجمع قرابة بين المرأتين، أو ما يشبه القرابة في الحرمة كالرضاع، وذلك غير موجود لهما. وما قاله ابن أبي ليلى إنما يعتبر إذا تصور من الجانبين، كما في الأختين؛ إذ الأصل في حرمة الجمع بين الأختين؛ لأنه هو المنصوص عليه، والذي نحن فيه فرع عليه، فينبغي أن يكون في معناه، وليس كذلك؛ لما أن امرأة الأب لو تُصُوِّرَ ذكرًا جاز له التزوج بهذه البنت، فلا يكون بينهما محرمية بالصهرية؛ إذ المحرمية عبارة عن حرمة التناكح من الجانبين ولم توجد إليه أشير في المبسوط (١)، والكافي. قوله: (ومن زنى بامرأة) إلى آخره: الزنا أوجب حرمة المصاهرة، وبه قال أحمد (٢)، وبعض أصحاب الشافعي (٣)، ومالك في المشهور منه، وهو قول عمر، وابن مسعود، و وعمران (٤) بن حصين، وجابر، وأبي، وعائشة، وابن عباس في الأصح والبصري، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وطاووس، ومجاهد، وعطاء، وابن المسيب، وسليمان بن يسار، وسالم، وحماد، والثوري، وإسحاق بن راهويه، فثبت به حرمات أربعة: تحرم هي على آباء

стр. 2501

يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصَاهَرَةِ، لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِالمَحْظُورِ. الوَاطِئُ وإن عَلَوْا، وعلى أولاده وإن سَفَلُوا، ويحرم على الواطئ أمهاتها وإن عَلَوْنَ، وبناتها وإن سَفَلْنَ. وقال الشافعي: لا تثبت بالزنا حرمة المصاهرة (١)، وبه قال مالك في رواية (٢)، وهو قول عروة، والزهري، وابن عباس في رواية. (لأنها)؛ أي: حرمة المصاهرة، فإن الله تعالى ﴿مَنَّ عَلَيْنَا﴾ (٣) بها كما مَنَّ بالنسب، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، والحكيم إنما يَمُنُّ بالنعمة. (فلا تنال)؛ أي: هذه النعمة (بالمحظور)؛ وهو الزنا؛ لأنه سبب لإيجاب العقوبة، فلا يصلح سببًا للنعمة والكرامة. وقد نقل عن الشافعي أنه قال في كتابه: النكاح أمر حُمِدَتْ عليه، والزنا فعل رُجِمَتْ عليه (٤)، فأنى يكون سببًا للنعمة؛ ألا ترى أنه لا يثبت به النسب والعدة، فكذا حرمة المصاهرة، ولأنه لو كان سببًا للنعمة يفضي إلى تكثير الزنا. واستدل أيضا بقوله [عليه] (٥) السلام: «الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال» (٦)، هكذا رواه ابن عباس، وروى أبو هريرة أنه ﵇ سئل عمن زنا بامرأة ثم تزوج أمها، فقال: لا عَلَيهِ، لا يُحرّم الحرام الحلال (٧)، وقالت عائشة: سألت رسول الله ﷺ ، أتى امرأة فجورًا ثم تزوج ابنتها، فقال ﵇: «الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال» (٨).

стр. 2502

وَلَنَا: أَنَّ الوَطْءَ سَبَبُ الجُزئِيَّةِ بِوَاسِطَةِ الوَلَدِ، حَتَّى يُضَافَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلًا، فَتَصِيرُ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا كَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَكَذَلِكَ عَلَى العَكْسِ، وَالاسْتِمْتَاعُ بِالجُزءِ حَرَامٌ إِلَّا فِي مَوضِعِ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ المَوطُوءَةُ، وَالوَطءُ مُحَرَّمٌ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ سَبَبُ الوَلَدِ لَا مِنْ حَيثُ إِنَّهُ زِنا. كذا في المبسوط (١). ولنا: وفي المبسوط (٢): وحجتنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾، والنكاح حقيقة للوطء كما بينا، وبدليل سياق الآية، وهو قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾، ولا يقال للعقد: إنه كان فاحشة ومقتا، فتكون الآية نصا في تحريم موطوءة الأب، فالتقييد بكون الوطء حلالا زيادة، فلا تثبت بخبر الواحد والقياس. وقد نقل مثل مذهبنا عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وعمران بن الحصين كما ذكرنا، والمعنى: أنه وطء في محله، فتثبت به الحرمة، كالوطء بالنكاح وملك اليمين والشبهة؛ لأنه حرث الولد في المحل المنبت، وكون المحل منبتا لا يختلف بالملك وعدمه، فاشترك الحلال والحرام في كونه سببا لخروج الولد، المضاف كله إلى كل واحد منهما كَمَلًا إضافة حقيقية وعرفًا، وهذه علة ثبوت الحرمة بين الواطئ والموطوءة، وباقي التقرير مذكور في الأصول. فإن قيل: ما ذكرتم أن الولد مضاف إلى كل واحد كملا ممنوع؛ لأنه ليس بولده، فكيف يضاف إليه؛ ألا ترى أنه ﵇ أثبت للزاني الحجر، وجعل كل الولد منسوبا إلى صاحب الفراش، وللعاهر الحجر، ولأن الحرية بالتفرع، وكله لم يتفرع عنه، بل بعضه متفرع عنها؛ لأن الولد مخلوق من مائهما، فكان بعضه منه وبعضه منها، فإذا لم يتفرع كله منه، كيف يكون الكل جزأه؟، فعلم أن بعض الولد جزؤه، وأم الموطوءة ليس بأصل لهذا القدر، الذي هو جزء الواطئ، فلا تصير أم الموطوءة في معنى أمه، ولئن صارت أمه من وجه، فلا

стр. 2503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نسلم أن الأم من وجه حرام، فكيف تحرم والأم من وجه دون الأم من كل وجه؟ فتحريم الأم من كل وجه لا يدل على تحريم الأم من وجه، والأم رضاعا حرمت بالنص لا استدلالا بالأم من كل وجه. قلنا: كل الولد جزؤه؛ لأن أحكام البعضية تثبت لكله لا لبعضه، فلهذا لم نقل كله تفرع منه حقيقة، بل ندعي أنه في معنى المتفرع منه؛ لأن بعض متفرع منه حقيقة، وقد اختلط بعضها بذلك البعض على وجه لا يتميز، وصار بالاختلاط كشيء واحد، وكل حكم يثبت لبعضه المتفرع منه يثبت لبعضها المختلط ببعضه، ضرورة عدم التمييز، فكان الكل تفرع منه، وإنما أثبتنا الحرمة هنا استدلالًا بالأم رضاعًا؛ لأنها أم من وجه، ولأنها لما كانت أما من وجه كانت حرامًا من وجه، فتحرم احتياطا. ومن فروع هذه المسألة: ابنته من الزنا، بأن زنى ببكر وأمسكها حتى ولدت ابنة، فإن نكاحها يحرم عليه عندنا، وأحمد (١)، ومالك في المشهور منه (٢)، وعامة الفقهاء، خلافًا للشافعي (٣)، ومالك؛ لأنها بنته حقيقة، فتحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، وكذا الخلاف في أخته وبنت ابنه وبنت بنته، وبنت أخيه من الزنا. فإن قيل: لو كانت بنته لوجبت نفقتها عليه، ولثبت التوارث، ولصارت أمها أم ولد، فلما لم تثبت هذه الأحكام علم أنها ليست ببنته، غير مضافة إليه مطلقا، والداخل تحت النص البنت المضافة إليه مطلقا، فإذا لم يوجد لم تدخل تحت النص المحرم فبقيت داخلة تحت نص الإباحة، وهو المتمسك للشافعي. قلنا: لما كانت مخلوقة من مائه كانت مضافة إليه من كل وجه، وعدم ثبوت هذه الأحكام لا يدل على عدم الإضافة؛ ألا ترى أن ابن الكافر لا يرثه، والكافر لا يستحق النفقة على الأخ المسلم، ولا خلل في الإضافة، بل عدم

стр. 2504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأحكام لعدم شرطها، على أن الحرمة مما يحتاط في إثباتها، حتى دارت بين الثبوت وعدمه. الكل من الكافي (١). وللشافعي في المنفية باللعان قولان: أصحهما: أنه يحرم (٢) كمذهبنا. وأما النسب: فعندنا أحكام النسب تثبت ولكن الانتساب لا يثبت؛ لأنه لمقصود التشرف به، ولا يحصل ذلك بالنسبة إلى الزاني والعدة إنما لا تجب؛ لأن وجوبها في الأصل باعتبار حق النكاح أو الفراش، وبين النكاح والسفاح منافاة، فبانعدام الفراش ينعدم السبب الموجب للعدة. وبعض أصحابنا يقولون: الحرمة هنا تثبت بطريق العقوبة، كما تثبت حرمة الميراث في حق القاتل عقوبة، ولا يمتنع ثبوتها على من لم يذنب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾، وكثير ممن لم يذنبوا ممن حرمت عليهم الطيبات كأولادهم، فعلى هذا يقولون: المحرمية لا تثبت، حتى لا تباح الخلوة والمباشرة (٣) ولكن هذا فاسد؛ فإن التعليل لتعدية حكم النص لا لإثبات حكم آخر، وفي المنصوص الحرمة ثابتة بطريق الكرامة، فإنما يجوز التعليل لتلك الحرمة لا لحرمة أخرى. ولكن الصحيح أن يقول: هذا الفعل زنا موجب للحد كما قاله، ولكنه مع ذلك حرث للولد، ويصلح أن يكون سببًا لثبوت الحرمة والكرامة باعتبار أنه حرث للولد؛ ألا ترى أنه في جانبها الفعل زنا تُرْجَمُ عليه، وإذا حبلت كان لذلك الولد من الحرمة ما لغيره من بني آدم، ويكون نسبه ثابتا منها، وتحرم هي عليه، وثبوت هذا كله بطريق الكرامة؛ لأنه حرث، لا لأنه زنا، فكذلك هنا، وبهذا التقدير يتبين فساد استدلالهم بالحديث، فإنا لا نجعل الحرام مُحَرِّما للحلال، وإنما نثبت الحرمة باعتبار أن الفعل حرث للولد، وحرمة هذا الفعل بكونه زنا، مع أن هذا الحديث غير مُجرى على ظاهره، فإن (٤) كثيرا من الحرام

стр. 2505

(وَمَنْ مَسَّتْهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَة حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا) يحرم الحلال، كما إذا وقعت قطرة من خمر في ماء، وكالوطء بالشبهة، ووطء الأمة المشتركة، ووطء الأب جارية الابن، فهذا كله حرام، بل للمعنى الذي قلنا، فكذلك هاهنا. كذا في المبسوط (١). وفي حديثهم الأول عثمان بن عبد الرحمن الوقاص، قال يحيى بن معين: كان يكذب. وقال البخاري والنسائي وأبو داود: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك. قال البخاري في تاريخه: تركوه. قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وفي حديثهم الآخر ضعف، فقال أحمد: حديثهم من كلام ابن أسوع، بعض قضاة العراق. وقيل: من قول ابن عباس، وكبار أصحابه خالفوه في ذلك. قوله: (والوطء محرم) (٢) إلى آخره: جواب عما قال الشافعي: إنها نعمة، يعني: أثبتنا الحرمة بالوطء بواسطة أنه سبب للماء، والماء سبب للولد، ووجوب الولد هو الأصل في استحقاق الحرمات باعتبار أنه جزء الوالدين، ولا عصيان فيه، فكان الوطء قائما مقام ما لا يوصف بذلك وهو الولد، فلا يوصف بالحرمة، كالتراب لما قام مقام الماء؛ نظر إلى كون الماء مُطهّرًا، وسقط وصف التراب. قوله: (ومن مسته امرأة بشهوة) إلى آخره: فعندنا سواء كان المس حلالا أو حراما، وبه قال الشافعي في قول (٣)، ومالك في الحلال (٤). ذكر في المبسوط (٥): لو قبل امرأته بشهوة لا يتزوج بنتها، وكذا لو قبل

стр. 2506

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تَحرُمُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ مَسُّهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَةٍ وَنَظَرُهُ إِلَى فَرِجِهَا وَنَظَرُهَا إِلَى ذَكَرِهِ عَنْ شَهْوَة لَهُ: أَنَّ المَسَّ وَالنَّظَرَ لَيسَا فِي مَعْنَى الدُّخُولِ، امرأته بشهوة ثم ماتت قبل الوطء، لا يتزوج بنتها. وقال الشافعي في قول: لا تحرم، سواء كان في الحلال أو الحرام (١)، وبه قال أحمد (٢). وكذا الخلاف في مس الرجل لها، سواء كان المس خطأ أو عمدًا، أو ناسيًا أو مكرها، أو نائما في الجانبين، وكذا الخلاف في التقبيل والمفاخذة، ونظره إلى فرجها بشهوة، ونظرها إلى ذكره بشهوة. قال أبو الليث في مسها له: تأويل المسألة: أن إذا صدق الرجل المرأة أنها مسته بشهوة، ولو كذبها ولم يقع في أكبر رأيه أنها فعلت عن شهوة؛ ينبغي ألا تحرم عليه أمها وبنتها كذا في جامع قاضي خان، والمحبوبي (٣). وفي المجتبى (٤): تثبت حرمة المصاهرة بمسها إذا كانت مشتهاة، وهي بنت تسع سنين فصاعدا، ولا يثبت في بنت الخمس، وفيما بين الخمس والتسع إذا كانت عنده اختلاف الروايات والمشايخ، والأصح: أنها لا تثبت. وفي جمع التفاريق (٥): في بنت ثمان أو تسع إذا كانت ضخمة؛ تثبت به الحرمة، وإلا فإلى ثنتي عشرة. وفي النوازل (٦): والفتوى على أن بنت تسع محل الشهوة لا ما دونها. (له)؛ أي: للشافعي: أن النظر والمس والتقبيل لا يؤثر في إثبات النسب والعدة، فلا يلحق بالدخول، كما في النكاح الفاسد؛ فإنها لا تجعل كالدخول في إيجاب المهر والعدة، وكذا في إيجاب الحل للزوج الأول.

стр. 2507

وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَسَادُ الصَّومِ وَالإِحْرَامِ، وَوُجُوبُ الِاعْتِسَالِ، فَلَا يَلحَقَانِ بِهِ. وَلَنَا: أَنَّ المَسَّ وَالنَّظَرَ سَبَبٌ دَاعٍ إِلَى الوَاءِ، فَيُقَامُ مُقَامَهُ فِي مَوضِعِ الاحتِيَاطِ، ثُمَّ ولنا: حديث أم هانئ عن رسول الله ﷺ ، ذكره في الكفاية السمعانية أنه قال: «من نظر إلى فرج امرأة بشهوة حَرُمَت عليه أمها وابنتها» (١)، في الحديث: «ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها» (٢). وعن عمر: أنه جرد جارية ونظر إليها، ثم استوهبها منه بعض بنيه، فقال: أما إنها لا تحل لك، وعن ابن عمر أنه قال: " إذا جامع الرجل المرأة أو قبلها، أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة؛ حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمها وبنتها ". وعن مسروق: "بيعوا جاريتي هذه، أما إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من اللمس والقبلة"، ولأن المس والنظر والتقبيل بشهوة سبب يتوصل [به] (٣) إلى الوطء، فإنها من دواعيه ومقدماته، فتقام مقامه في إثبات الحرمة؛ لأن الحرمة تبتني على الاحتياط، فيقام السبب الداعي إليه مقامه احتياطا، كما تقام شبهة البعضية سبب الرضاع مقام حقيقة البعضية في إثبات الحرمة، دون سائر الأحكام، دليله النكاح، بخلاف النظر إلى سائر البدن؛ فإنه لا يمكن الاحتراز عنه، فسقط اعتباره. كذا في المبسوط (٤)، والكافي. وفي شرح المجمع (٥): المراد بالمرأة المنظور إلى فرجها الأمة؛ لأنه لا

стр. 2508

المَسُّ بِشَهوَة أَنْ تَنتَشِرَ الآلَةُ أَوْ تَزدَادَ انتِشَارًا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالمُعْتَبَرُ النَّظَرُ إِلَى الفَرجِ يخلو إما أن يراد المنكوحة أو الأجنبية، أو الأمة، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن أم المنكوحة حرمت بالعقد وبنتها بالنظر واللمس، لا أن حرمتها جميعا، فالنظر لا يستقيم في المنكوحة إلا فائدة تحريم الربيبة دون الأم، كما ذكره في الكافي، ولا سبيل إلى الأجنبية؛ لأن الدخول بها لا يوجب حرمة المصاهرة عند الشافعي. وفي التعليل إشارة إلى أن النظر يحرم في موضع يكون الدخول مُحرّما؛ لقيامه مقامه، لتعين المراد هو الأمة، ومسها هو المحرم لأمها وابنتها. قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول أكثر المشايخ؛ فإنهم شرطوا في حد الشهوة ميلان القلب إلى جماعها، انتشر أو لا. وقيل: حد الشهوة: أن يشتهي بقلبه ويتلذذ به، ولكن لا يعرف ذلك إلا بخبره، فبني الحكم على خبره؛ لأن من الناس من لا يتحرك إليه بحال، وقد يتحرك اتفاقا من غير شهوة، كما في النوم، فلا يعتبر التحرك. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده، وشمس الأئمة السرخسي (١): حد الشهوة إذا كان شابا يقدر على الجماع: أن تنتشر آلته، ولو كان منتشرا قبله أن يزداد انتشارًا وقوةً، وفي الشيخ والعنين أن يتحرك قلبه بالاشتهاء (٢)، ولو كان متحركا قبله أن يزداد تحركه، وهو الأصح؛ لأن مجرد ميلان القلب يوجد في الشيخ الكبير الذي لا شهوة له. عن محمد: إذا لم ينتشر في الحال أو لم يتحرك ثم تحرك بعده؛ لا عبرة به، ولو مسها فوق ثوب، فإن وجد حرارة الممسوس حرمت، وإلا فلا (٣). وقال الشافعي: لا تحرم في الوجهين (٤)، وفي مس شعرها بشهوة اختلاف المشايخ.

стр. 2509

الدَّاخِلِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ اتِّكَائِهَا، وَلَو مَسَّ فَأَنزَلَ؟ فَقَد قِيلَ: إِنَّهُ يُوجِبُ الحرمة، … وفي المحيط (١)، وواقعات الناطفي: أقام امرأته على فراشه ليجامعها ومعها ابنته، فوصلت يده إليها، فقرصها بإصبعه يظن أنها امرأته وهي تشتهى؛ حرمت عليه امرأته، وإن كان يحسبها امرأته؛ لأنه مسها بشهوة، ولا يشترط بلوغها، ويشترط أن تكون المرأة مشتهاة، وفي كونها مشتهاة اختلاف قد مر، وتقبل الشهادة على الإقرار بالمس والتقبيل بشهوة، وفي نفس المس والتقبيل اختلاف. وقيل: لا يصدق في القبلة دونهما. وقيل: يصدق فيما دون المباشرة، ولو قبل رأسها أو جبهتها أو خدها دون فمها يصدق، وفي الشهادة بالقبلة والمس والنظر بشهوة اختلاف المشايخ، ولو مس ابنته بشهوة ليلا يظنها امرأته حرمت عليه امرأته. كذا في جمع التفاريق، وجامع الإسبيجابي، والمجتبى (٢). (ولا يتحقق ذلك)؛ أي: النظر إلى الفرج الداخل. (إلا عند اتكائها)؛ أي: كانت متكئة، أما لو كانت قاعدة مستوية أو قائمة ونظر إليه؛ لا تثبت حرمة المصاهرة؛ لأن هذا حكم متعلق بالفرج، والداخل فرج من كل وجه، والخارج فرج من وجه دون وجه، ولأن الاحتراز عن النظر إلى الفرج الخارج متعذر، فسقط اعتباره. وعن أبي يوسف: لو نظر إلى منبت الشعر تثبت حرمة المصاهرة. وقال محمد: لا تثبت حتى ينظر إلى الشق. ذكره قاضي خان (٣). وعن أبي يوسف: [لو نظر] (٤) إلى دبرها لا تثبت الحرمة، وكذا بالإتيان فيه. (قد قيل يوجب الحرمة)؛ أي: حرمة المصاهرة، وبه يفتي شمس الإسلام

стр. 2510

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُوجِبُهَا، لِأَنَّهُ بِالإِنزَالِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُفضٍ إِلَى الوَطءِ، وَعَلَى هَذَا إتْيَانُ المَرأَةِ فِي الدُّبُرِ. الأُوزْجَنْدِيُّ (١)؛ لأن بمجرد المس تثبت الحرمة عندنا، فهذه الزيادة إن كانت لا توجب زيادة حرمة لا توجب خللا فيها، والصحيح أنه لا يوجبها، وهو اختيار الإمام السرخسي والبزدوي (٢). (وعلى هذا)؛ أي: الخلاف (الإتيان في الدبر) أي: دبر المرأة، أما لو لاط بغلام لا يوجب ذلك حرمة عند عامة الفقهاء، إلا عند أحمد (٣)، والأوزاعي، فإن تحريم المصاهرة عندهما يتعلق باللواطة، حتى تحرم عليه أم الغلام وبنته. وقلنا: إنما يتعلق تحريم المصاهرة بالوطء إذا كان مسببا للولد، وذلك في محل الحرث وهو القبل دون الدبر. وقال الشافعي: لو أتى امرأته بنكاح صحيح أو فاسد في دبرها، هل تثبت به حرمة المصاهرة؟ ففيه قولان. وجه ثبوت التحريم: أن الإيلاج في الدبر ملحق بالوطء فيما طريقه التغليظ، ولهذا يفسد به الحج، وتتعلق به الكفارة في الصوم، فكذا في المصاهرة، وكذلك لو أتى امرأة في دبرها، قلنا إنه يطؤها في الفرج، أو فعل ذلك في أمة أو أجنبية بالغلط؛ تتعلق به حرمة المصاهرة، لما ذكرنا أنه ملحق بالوطء فيما يوجب التغليظ. كذا في تتمتهم (٤). وقلنا: إنما يتعلق التحريم بالوطء إذا كان سببا للولد كما ذكرنا، وذلك في محل الحرث وهو القبل دون الدبر، ولهذا لو وطئ صغيرة لا تشتهى لا تثبت حرمة المصاهرة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن وطأها لا يصلح سببا للولد كاللواطة، وعند أبي يوسف يثبت؛ لأنه وطء في محل الحرث، فأشبه وطء العجوز التي لا تشتهى.

стр. 2511

(وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَة طَلَاقًا بَائِنَا أَوْ رَجِعِيًّا، لَم يَجُز لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُختِهَا حَتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِنْ كَانَتْ العِدَّةُ عَنْ طَلَاق بَائِن أَوْ ثَلَاثٍ يَجُوزُ ثم الإتيان في دبر المرأة حرام بإجماع الفقهاء، وما روى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح تحريمه عندنا عن النبي ﷺ ، والقياس أنه حلال، قال ابن الربيع: كذب ابن الحكم، فإن الشافعي نص في ستة كتب تحريمه، وروي عن مالك تحريمه، وبعضهم جعل ما روي عنه قولا قديما، والعراقيون لم يثبتوا الرواية عن مالك، وما جعله البعض غير ثبت. كذا في شرح الوجيز (١). قوله: (وقال الشافعي) إلى آخره وبقوله (٢): قال مالك (٣)، وبقولنا: قال أحمد (٤)، وهو قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، وعبيدة السلماني، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وقد روي [مثل] (٥) مذهبه عن زيد بن ثابت، إلا أن أبا يوسف ذكر في الآمال رجوع زيد. وذكر الطحاوي قول زيد الآخر: أنه ليس له أن يتزوجها، وحكي أن مروان شاور الصحابة في هذا، فاتفقوا على أنه يفرق بينهما، وخالفهم زيد ثم رجع إلى قولهم. قال عبيدة السلماني: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ كاجتماعهم على تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت، والمحافظة على الأربع قبل الظهر، وذكر سليمان بن يسار عن علي وابن مسعود وابن عباس المنع من نكاح أخت المعتدة، من طلاق بائن أو ثلاثة. وقال الحسن البصري: إن كانت حاملا لا يتزوج أختها، وإن كانت حائلا فله أن يتزوجها، وكما لا يجوز أن يتزوج في عدة أختها؛ لا يجوز أن يتزوج من محارمها التي لا يجوز الجمع بينهما، وكذا لا يجوز أن يتزوج أربعًا سواها عندنا، خلافا له.

стр. 2512

لانقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالكُلِّيَّةِ إعمالاً لِلقَاطِعِ، وَلِهَذَا لَو وَطِئَهَا مَعَ العِلمِ بِالحُرمَةِ يَجِبُ الحَدُّ. وَلَنَا: أَنَّ نِكَاحَ الأُولَى قَائِمٌ لِبَقَاءِ بَعضِ أَحكَامِهِ، كَالنَّفَقَةِ وَالمَنعِ وَالفِرَاشِ، وَالقَاطِعُ تَأَخَّرَ عَمَلُهُ، وَلِهَذَا بَقِيَ القَيدُ، وَالحَدُّ لَا يَجِبُ عَلَى إِشَارَةِ كِتَابِ الطَّلَاقِ، حجة الشافعي ﵁: أن المحرم الجمع بينهما نكاحا؛ صيانة لقطيعة الرحم، ولا جمع هنا لبطلان النكاح بالكلية لقاطع وهو الطلاق البائن أو الثلاث، فصار كما بعد انقضاء العدة، ولهذا لو وطئها وقال: علمت أنها حرام يلزمه الحد، ولو جاءت بولد لأكثر من سنتين لم يثبت النسب، ولو بقيت بينهما علقة نكاح لسقط به الحد وثبت النسب، وإنما العدة واجبة لأثر ماء محترم؛ لأنها من حقوق النكاح، حتى لا تجب بدون توهم الدخول، وما كان من العدة حق النكاح لا يعتبر فيه توهم الدخول كعدة الوفاة. كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ: (إعمالا للقاطع وهو الطلاق البائن أو الثلاث). (ولنا: أن نكاح الأولى قائم) من وجه (لبقاء بعض أحكامه كالنفقة) إلى آخره. (والمنع)؛ أي: المنع من الخروج، أي: في حق ثبوت النسب، فيكون جمعا من وجه، فيحرم من وجه، فيحرم احتياطا؛ وهذا لأنا لا نعني بقيام النكاح إلا قيام حكمه؛ لأن قوله: زوجتُ، وتزوجتُ، كما وجد بلا شيء، وحكمه الاختصاص؛ وهو أن يكون أحقُّ بها استمتاعا وإمساكًا، وقد بقي الاختصاص إمساكًا، فكان النكاح قائما من وجه، على أن الاختصاص إنما يثبت بقضية النكاح تحقيقا لمقاصده، ومعظمها ثبوت النسب وهو قائم. والحد لا يجب على إشارة كتاب الطلاق؛ فإنه ذكر في كتاب الطلاق: معتدة من ثلاث، جاءت بولد لأكثر من سنتين من يوم طلقها، لم يثبت النسب إذا أنكره، ففي قوله: (إذا أنكره) دليل على أنه لو ادعى نسبه يثبت، ففيه إشارة إلى أن الوطء في عدة الثلاث لا يكون زنا؛ إذ لو كان زنا لا يثبت النسب، وإن ادعى وقد نص على ثبوته، قلنا: له أن يمنع.

стр. 2513

وَعَلَى عِبَارَةِ كِتَابِ الحُدُودِ يَجِبُ، لِأَنَّ المِلكَ قَدْ زَالَ فِي حَقِّ المِلكِ فَيَتَحَقَّقُ الزِّنَا، وَلَم يَرْتَفِع فِي حَقِّ مَا ذَكَرنَا فَيَصِيرُ جَامِعًا. (وعلى عبارة كتاب الحدود) يجب الحد، فإنه نص في كتاب الحدود: لو وطئ المعتدة من ثلاث يجب عليه الحد إذا لم يدع الشبهة، فصار في المسألة روايتان. وجه رواية كتاب الطلاق: أن النكاح قائم من وجه ما دامت في العدة، ويكفي ذلك لدرء الحد. وجه رواية كتاب الحدود: أن الحل منتفٍ من كل وجه، فلا يصير شبهة؛ لأن النكاح قائم إمساكًا لا استمتاعًا بوجه ما فصار في حق الحل كالأجنبية، ولكن لم يزل في حق الإمساك، فصار جامعًا نظرًا إليه، ولا معنى لما قال: أن وجوب العدة للماء المحترم؛ لأنه إن اعتبر أصل الماء فهو موجود في الزانية، ولا عدة عليها، وإن اعتبر الماء المحترم فاعتباره لا يكون بغير بالنكاح، إلا أن العدة تختلف بالرق والحرية، واشتغال الرحم بالماء لا يختلف، كما يختلف ملك النكاح، فعلم أنها من حقوق النكاح بعد ارتفاعه إنما يبقى إذا كان النكاح متأكدًا، وتأكده بالموت أو بالدخول، فلهذا لا يجب على المطلقة قبل الدخول، ونحن نسلم ارتفاع ملك النكاح بجميع علائقه، وإنما يدعي بقاء الحق، فهذا الحكم عندنا يثبت بدون ملك النكاح، فإن بالنكاح الفاسد لا يَثْبُتُ حِلٌّ، ثم يكون ممنوعًا من نكاح أختها، وكما تلزمه الحدود إذا وطئها؛ يلزمه الحد إذا مكنت نفسها منه، ولا يدل ذلك على زوال المنع في جانبها، وكذلك في جانبه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). قوله: (والقاطع) (٢)؛ وهو الطلاق البائن أو الثلاث (تأخر عمله)؛ يعني: قاطع للنكاح ومزيل لأحكامه، إلا أنه تأخر عمله في حق البعض، فبقي فيما سواه قاطعًا ومزيلا، فيجب الحد لارتفاع الحل من كل وجه، ولم يرتفع الملك في حق ما ذكرنا من الأحكام، فلا يجوز نكاح الأخت لما ذكرنا من الأحكام

стр. 2514

(وَلَا يَتَزَوَّجُ المَولَى أَمَتَهُ، وَلَا المَرأَةُ عَبدَهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ إِلَّا مُثمِرًا ثَمَرَاتٍ مُشتَرَكَةٍ بَينَ المُتَنَاكِحَينِ، وَالمَملُوكِيَّة تُنَافِي المَالِكِيَّةَ، فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الثَّمَرَةِ أنه صار عاما بينهما من وجه. (ولهذا)؛ أي: ولبقاء الملك في حق بعض الأحكام (بقي القيد) (١)؛ وهو المنع من الخروج والتزوج، وهذا جواب عن قول الخصم، وهو قوله: إعمالا للقاطع. وفي المجتبى (٢): جواز نكاح الأخت في عدة الأخت؛ يؤدي إلى جمع مائه في رحم أختين؛ لجواز العلوق بعد النكاح، ويثبت النسب في المعتدة إلى سنتين، وهو ممتنع بالحديث. وفي الذخيرة (٣): قال صاحب النكت: لو كانت إحدى الأربع في دار الحرب فطلقها، لا تحل له الخامسة إلا بعد خمس سنين؛ لاحتمال أن تكون حاملا، فيبقى حملها خمس سنين، فلو طلقها بعد خروجه بسنة انتظر أربعًا، فإذا كان انتظار الحمل يمنع فهو موجود في دار الإسلام أيضا. قوله: (ولا يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها) سواء كان ملك كلها أو بعضها، أو ملكت المرأة كله أو بعضه عند عامة العلماء. وفي الذخيرة ة (٤): اشترت زوجها لم يبق النكاح وسقط المهر، كمن داين عبدا ثم اشتراه؛ إذ المولى لا يوجب على عبده دينا ابتداء وبقاء للتنافي؛ وذلك لأن ملك المتعة ثابت للمولى قبل النكاح، فيؤدي إلى إثبات الثابت، ونكاح المرأة عبدها يفضي إلى الجمع بين المتنافيين؛ لأنها مالكة، فلو صح النكاح لصار المملوك مالكا، والمالكة مملوكة؛ لأن العبد لما تزوجها ملك بضعها، وهو مملوك لها، برقبته، فيجمع المالكية والمملوكية، وهذا معنى قوله: (والمملوكية تنافي المالكية) (٥).

стр. 2515

عَلَى الشَّرِكَةِ. (وَيَجُوزُ تَرْوِيجُ الكِتَابِيَّاتِ) فإن قيل: المالكية والمملوكية يجتمعان بجهتين والمنافاة بينهما جهة واحدة، وهاهنا يمكن أن تجعل المرأة مالكة بجهة ملك اليمين، ومملوكة بجهة ملك النكاح، كالأب يكون ابنا لأبيه. قلنا: المرأة بجميع أجزائها مالكة، وبالتزوج بعبدها يكون بعضها مملوكة، فتتحقق المنافاة بينهما، وإن اختلفت جهة الملك؛ إذ كل واحد من الملكين يقتضي أن يكون المالك (١) قاهرًا والمملوك مقهورًا، ولأن نفقته تجب عليها للملك، ونفقتها تجب عليه للنكاح فيتقاصان فيموتان جوعا، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى، وعلى قول نفاة القياس يجوز هذا النكاح؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ كذا في المبسوط (٢). وفي الذخيرة المالكية (٣): وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على بطلان هذا النكاح (٤)، وروي عن عمر أنه هم على رجم امرأة نكحت عبدها. (ثمرات مشتركة)؛ كالسكن والازدواج والتوالد، قال تعالى ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الآية، حتى كان لها أن تطالبه بالوطء، وله أن يطالبها بالتمكين، وملك أحدهما ينفى [وقوع] نوع الثمرة على الشركة، وإذا انقطعت الثمرة ينقطع الملك؛ لأن الملك ما شرع لعينه في باب النكاح، بل ليحقق الثمرات؛ إذ أحكام العقود إذا انتفت انتفت العقود؛ ألا ترى أن نكاح المحارم لا يثبت لانتفاء موجب العقد. كذا في الإيضاح (٥). قوله: (ويجوز تزويج الكتابيات) الكتابي: هو الذي يقر بنبي ويؤمن بكتاب

стр. 2516

لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] أي: العَفَائِفُ، وَلَا فَرقَ بَينَ الكِتابِيَّةِ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، عندنا، لا خلاف بين الأئمة الأربعة (١) في تجويز (٢) نكاح الكتابية الحرة، وهي النصرانية أو اليهودية، وفيمن آمن بزبور داود، وصحف إبراهيم وشيث، والسامرة من اليهود اختلف فيه، ولكن قال الشافعي: ينبغي أن تكون إسرائيلية؛ يعني: من أولاد بني إسرائيل، وهو يعقوب ﵇، أي: آمن أول آبائها قبل التحريف، ولو شك في إيمانه قبل التحريف ففيه قولان عنده، ولو كان يعلم دخوله في النصرانية بعد التحريف وبعد بعثة نبينا محمد ﷺ فلا ينكح، ولو كان يعلم دخوله في ذلك الدين بعد التحريف قبل النسخ ببعثه؛ فقيل: فيه قولان، وقيل: لا يجوز. وأما التمسك بكتب الأنبياء السالفة كصحف شيث وإبراهيم وإدريس لا يجوز نكاحهم. كذا في شرح الوجيز (٣)، وشرح الغاية. وقالت الإمامية من الشيعة: لا يجوز نكاح الكتابية إلا عند عدم المسلمة، لاختلاف العلماء في كونهم مشركات، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ أي: أسلمن من أهل الكتاب. وقال ابن عمر: لا يجوز نكاح الكتابية؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وتفسير المحصنات: المسلمات. اعلم: أن العلماء ﵏ اختلفوا في لفظ المشرك هل يتناول أهل الكتاب؟ قال بعضهم: يتناول؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، ثم قال في آخر الآية: ﴿سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولأنه تعالى قال: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ

стр. 2517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَشَاءُ﴾، ولو كان كُفرهما لا يكونُ شِركًا ينبغي أن يغفرهما تعالى، ولأن من جحد رسالة نبي من الأنبياء ﵈ فهو مشرك؛ لأنه يضيف (١) المعجزة إلى الجن والشياطين، مع أنه ما كان صدورها إلا من الله تعالى، فكأنهم يثبتون له شريكا في حق هذه الأشياء الخارجة عن قوة البشر. والأصح: أن اسم المشرك مطلقا لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، والعطف يقتضي المغايرة، والمطلق ينصرف إلى الكامل، ولو حملنا الآية الثانية على ما قال ابن عمر لم يكن لتخصيص الكتابية بالذكر معنى، فإن غير الكتابية إذا أسلمت حل نكاحها، وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية، وكذا كعب بن مالك، وكذا طلحة بن عبيد الله. وقلنا: المراد بالمحصنات العفائف. كذا فسره الحسن، والسدي، والشعبي (٢)، والعفة ليست بشرط أيضا، وإنما قيد بها للعادة، ولئن كانت شرطا فانتفاء الشرط لا يدل على عدم الجواز لما عرف، فيثبت الجواز بالنصوص، وهي قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، وقوله ﵇: «تَناكَحُوا … » (٣) وغير ذلك. ثم المشرك ثلاثة: مشرك ظاهرا وباطنا، كعبدة الأوثان، ومشرك باطنا لا ظاهرا، كالمنافقين، ومشرك، يعني: كأهل الكتاب في قوله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، المراد مطلق الشرك، وكذا في قوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فيتناول جميع الكفار، وفي قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ﴾ المشرك ظاهرا وباطنا وهو الوثني، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وقتادة، فلا

стр. 2518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يتناول أهل الكتاب والمنافقين؛ توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان، عملا بهما. وقال الماوردي في تفسيره (١) المشركات في قوله ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾: عامة في جميع المشركات، وقد نسخ منهن أهل الكتاب بقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ولا يعني في الفضل في الجواز بين الإسرائيلية اليعقوبية وغيرها؛ لإطلاق الكتاب، ولقوله تعالى ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية، والإسرائيلية اليعقوبية وهم القائلون بالتثليث والشرف بحسب الإقرار بنبي، والإيمان بكتاب لا بالنسبة فتكون غير الإسرائيلية كهم في ذلك. وفي شرح التأويلات (٢): الفرق بين المشركة والكتابية في الحل: أن المشركة آثرت فعل البهيمة؛ وهو اتباع الآباء من غير دليل، فألحقت بالبهائم في حق الحل؛ لأنه من كرامات البشر، أما الكتابية فقد آثرت فعل البشرية في الدين، حيث اعتقدت الرسالة واختارت قول من أيّد بالمعجزة، فأكرمت بهذه الحال، فبالنظر إلى ذلك المعنى، لا معنى أيضا للتفضيل الذي ذكره الشافعي. ثم يبتنى على الحل الذي صارت المرأة محلا للنكاح مسألة القسم، حتى تكون المسلمة والكتابية سواء فيه، وكذا نكاح الكتابية على المسلمة بإجماع الأئمة الأربعة. ويكره نكاح الكتابية الحربية بالإجماع (٣)؛ لأنه ربما تختار المقام في دار الحرب، وقال ﵇: «أنا بَريءٌ مِنْ كُلِّ مسلم مع مشرك لا تتَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٤)، ولأن فيه تعريض ولده للرق، فربما تحبل وتُسبى معه، فيصير ولده رقيقا وإن كان مسلمًا، وربما يتخلق الولد بأخلاق الكفار، وفيه بعض الفتنة

стр. 2519

(وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المَجُوسِيَّاتِ). ويكره. كذا في المبسوط (١). والأولى ألا ينكح الكتابية، ولا يأكل ذبيحتهم إلا للضرورة؛ لما روي أن عمر ﵁ غضب على حذيفة وكعب وطلحة غضبًا شديدًا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نُطَلّق لا تغضب، ولاختلاف العلماء في دخولهم تحت آية المشركات. وفي المستصفى (٢): قالوا: هذا إذا كان لا يعتقد إلها، أما إذا كان يعتقده إلها؛ فهذا والمجوسي سواء. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): ويجب ألا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إذا اعتقدوا أن المسيح إله، وأن عزيرًا إله، ولا يتزوجوا نساءهم. وقيل: وعليه الفتوى، ولكن بالنظر إلى الدلائل ينبغي أن يجوز الأكل والتزوج كما ذكرنا، هذا ما قيل فيه. وفي فتاوى العتابي (٤): ولو سمى الله وعنى المسيح؛ تؤكل ذبيحته، ولو سمى المسيح لا تؤكل، وهكذا نقل عن علي كرم الله وجهه. وفي المبسوط (٥): في رضاعة وذبيحة النصراني حلال مطلقا، سواء قال بثالث ثلاثة أو غيره على ما تبين، وهو قوله: ويجوز تزويج الأمة مسلمة كانت أو كتابية، بعد أربع مسائل. قوله: (ولا يجوز تزويج المجوسيات) أي: بإجماع الأئمة الأربعة (٦)، وفقهاء الأمصار (٧) والصحابة.

стр. 2520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط (١): لا يجوز نكاحها؛ لأنها ليست من أهل الكتاب، وذكر [إسحاق] (٢) في تفسيره عن علي: جواز نكاحها، على ما روي عنه أن المجوس أهل الكتاب، ولكن لما واقع ملكهم أخته ولم ينكروا عليه، أسرى بكتابهم فنسوه، وهو مخالف للنص، فإنه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾، وإذا قلنا للمجوس: أهل كتاب كانوا ثلاث طوائف، وقال ﵇: «سُنُّوا بهم … » الحديث (٣)، ولئن كان الأمر على ما قال علي لكن بعدما نسوا خرجوا من أهل الكتاب. وفي الحلية (٤): قال أبو ثور: يحل نكاحها؛ لأنها من أهل الكتاب، وبه قال داود الظاهري، وأباح وطأهن بملك اليمين ابن المسيب، وعطاء، وعمرو بن دينار، ومالك. والوثنيات على هذا الخلاف، بدليل قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقال ﵇: «ألا لا توطِئُوا الحَبالَى حتى يَضَعْنَ» الحديث، هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم، والنسائي، والترمذي (٥)، وأخذ عمر وابنه من سبي هوازن، ومحمد بن الحنفية من سبي بني حنيفة، وهذا ظاهر إباحتهن، لكن أهل العلم اتفقوا على إباحتهن خلافه. وقال أبو عمرو بن عبد البر (٦): نسخت إباحته بقوله تعالى ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾.

стр. 2521

لِقَوْلِهِ ﷺ : «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهلِ الكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِم وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِم» قَالَ: (وَلَا الوَثَنِيَّاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. (وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الصَّابِئَاتِ إِنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِدِينِ نَبِيٍّ وَيُقِرُّونَ بِكِتَابٍ) لِأَنَّهُم مِنْ وقال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي (١): إن قلنا للمجوس كتاب؛ حل مناكحتهم ووطء إمائهم بملك اليمين، وإن قلنا لم يكن كتاب؛ لا يحل لهم، سواء كان لهم كتاب أو لا، والمذهب أنه لا يحل. وقيل: إنما خص التمسك بالحديث في مناكحتهم لأجل ذكر الاختلاف. (سنوا)؛ أي: اسلكوا بهم طريقتهم، يعني: عاملوهم معاملتهم في إعطاء الأمان وأخذ الجزية، ورواه عبد الرحمن بن عوف حين شاور عمر الصحابة بحديث (٢) أخذ الجزية عنهم. قوله: (ولا الوثنيات)؛ أي: بالإجماع (٣)، ويدخل في الوثنيات عبدة الأوثان، وعبدة الشمس، وعبدة النجوم، والصور التي استحسنوها، والمُعَطَّلة، والزنادقة، والباطنية، والإباحية. وفي شرح الوجيز وكذا كل مذهب يكفر معتقده؛ لأن اسم المشرك يتناولهم جميعا (٤). قوله: (ويجوز تزوج الصابئات) إلى آخره وفي الكشاف (٥): صبأ خرج من دين إلى دين، ويقال: صبأت النجوم إذا طلعت، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة. وفي الصحاح (٦): هم جنس من أهل الكتاب، والاختلاف المعروف مبني

стр. 2522

أَهْلِ الْكِتَابِ (وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الكَوَاكِبَ وَلَا كِتَابَ لَهُمْ لَم تَجُز مُنَا كَحَتُهُم) لِأَنَّهُم مُشْرِكُونَ، وَالخِلَافُ المَنقُولُ فِيهِ مَحمُولٌ عَلَى اشْتِبَاهِ مَذْهَبِهِم، فَكُلٌّ أَجَابَ عَلَى مَا وَقَعَ عِندَهُ، وَعَلَى هَذَا حِلُّ ذَبِيحَتِهِم. قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلمُحرِمِ وَالمُحرِمَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَا فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ، وَتَزْوِيجُ الوَلِيِّ المُحرِمِ وَلِيَّتَهُ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. على الاختلاف في تفسير الصابئ، وهذا مبنى قوله: (والخلاف المنقول فيه محمول) إلى آخره. وفي المبسوط (١) وغيره فوقع عند أبي حنيفة أنهم قوم من النصارى، يقرؤون الزبور، ويعظمون بعض الكواكب كتعظيمنا القبلة، وقيل: يقرون بإدريس ﵇ خاصة دون غيره، ويعظمون الكواكب تعظيم القبلة، وهما جعلا تعظيمهم للكواكب عبادة منهم لها، فكانوا كعبدة الأوثان، مخالفين لأهل الكتاب، ولكن أبو حنيفة يقول: مخالفتهم لأهل الكتاب في بعض الأشياء لا تخرجهم من أن يكونوا من أهل الكتاب كبني تغلب؛ فإنهم مخلفون النصارى في الخمور والخنازير، ثم كانوا من جملة النصارى، وكمذهب أبي حنيفة مذهب الشافعي وغيره. وفي شرح قاضي خان، والكامل (٢): لا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه إن كان الأمر على قال أبو حنيفة، يجوز نكاحهم بالاتفاق، وإن كانا كما قالا؛ لا يجوز بالاتفاق. وقيل: هم قوم يزعمون أنهم على دين نوح ﵇، وقبلتهم نحو مَهَبٌ الجنوب. وفي فتاوى العتابي (٣): المختار قولهما. قوله: (وليته)؛ أي: موليته. (له)؛ أي: للشافعي حديث عثمان ﵁ «لا تنكح المحرم … » الحديث.

стр. 2523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبقوله (١): قال مالك (٢)، وأحمد (٣). ولنا: ما روى ابن عباس (٤) وعائشة (٥) وأبو هريرة (٦) «أنه ﵇ تزوج ميمونة وهو محرم»، وقد ذكر في الأصول أنا نرجح حديث ابن عباس على حديث يزيد بن الأصم «أنه ﵇ تزوجها وهو حلال» (٧)؛ لضبط الراوي وفقاهته. وحديث عثمان محمول على الوطء؛ لأن النكاح للوطء حقيقة، وللعقد مجاز، أي: لا يطأ المحرم، [ولا تمكّن المرأة حتى تطأه] (٨)، وهو ضعيف؛ لأن التمكين من الوطء لا يسمى إنكاحًا، مع اختلاله إعرابا، لكنه ﵇ أخبر عن معتاد أحوال المحرمين، أنهم في إحرامهم لا يشتغلون بالنكاح والإنكاح، ولا يباشرون ذلك، كما قال ﵇: «إِنَّهُمْ شُعَثُ غُبْرٌ» (٩) لا يشتغلون بالاغتسال شغلًا بأعمال الحج، وإن كان الاغتسال بالماء القراح لا بأس به، فكذلك أمر النكاح؛ لأنه عقد يصار إليه عند الفراغ، لما فيه [من] (١٠) الخطبة ومراودات، ودعوة واجتماعات، لا تتحقق إلا عند الفراغ، وإذا حمل على وفاق العادة لم يتعلق به حكم.

стр. 2524

لَهُ: قَولُهُ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ المُحرِمُ وَلَا يُنكِحُ» وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ بِمَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحرِمٌ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الوَطءِ. (وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الأَمَةِ، مُسلِمَةٌ كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةٌ) والأوجه أن يقال: إن الحديث يروى بالنهي مجزوما، وهو اختيار الخطابي، والنهي يكون للتنزيه كما في نهيه ﵇ عن الخطبة على خطبة أخيه. ولو فعل صح النكاح عندنا، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، خلافا لمالك (٣)، فحمل عليه توفيقا بين الحديثين، ولئن روي منفيا فالنفي يجيء بمعنى النهي. كذا في الكافي (٤). وفي المجتبى (٥): ولأن حرمته على شرف الزوال كالحيض، فيجوز نكاحه لعمومات النصوص. وقد ضعف البخاري وابن حنبل حديث عثمان في النهي، ورواية مالك ومذهبه، قال: حديث ابن الأصم مرسل، وأدخل (٦) في صحيحه عن ابن المسيب «أنه ﵇ تزوجها وهو محرم» (٧)، وما روي «أنه ﵇ تزوجها وهو حلال» (٨) من رواية مطر الوراق، فوصله (٩) وهو غلط لا يحتج بحديثه.

стр. 2525

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ لِلحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الإِمَاءِ ضَرُورِيٌّ عِندَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الجُزءِ عَلَى الرِّقِّ، وَقَدْ اندَفَعَت الضَّرُورَةُ بِالمُسْلِمَةِ، وَلِهَذَا جَعَلَ طُولَ الحُرَّةِ مَانِعَا مِنهُ. وَعِنْدَنَا: الجَوَازُ مُطلَقٌ لِإِطْلَاقِ المُقْتَضَى، وَفِيهِ امْتِنَاعٌ عَنْ تَحْصِيلِ قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز للمسلم أن يتزوج بأمة كتابية) (١) وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية، وعن أحمد: يجوز نكاح الأمة مطلقا (٣). واستدلوا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والمحصنات: الحرائر. كذا فسره مجاهد فجوز نكاح الكتابية بشرط أن تكون حرة، فلا يجوز بدونه؛ لأنها مشركة حقيقة. وقلنا: المراد بالمحصنات: العفائف، يتناول الحرة والأمة، ولئن كان المراد به الحرائر؛ فإباحة نكاح الحرائر من أهل الكتاب لا يدل على حرمة نكاح الإماء، ولكن هذا لبيان الأولى، واسم المشركة لا يتناول لاختصاصها باسم آخر كما ذكرنا. كذا في المبسوط (٤). (من تعريض الجزء على الرق)؛ لأن الولد جزؤه، وهو يتبع الأم في الحرية والرق، والإرقاق إهلاك حكمًا؛ لأن الرقيق كالهالك؛ لأن الرق أثر الكفر، والكفر موت حكما، قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾؛ أي: كافرا فهديناه، ولأن الإعتاق إجزاء، قال ﵇: «لن يجزي ولد والده إلا أن يَجِدَهُ مملوكًا فيشتَرِيَهُ فيُعتقَهُ» (٥)؛ وهذا لأن الأب سبب حياة الولد، وإنما يصير مجازيًا له إذا كان مسببا لحياته، وبالشراء يصير كذلك. ولأن الإهلاك حكمًا كالإهلاك حقيقة، فلا يجوز، إلا أنه إذا خشي العنت، قال تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾؛ أبيح له ضرورة صيانة نفسه عن الزنا، [فإن الاجتناب عن الزنا] (٦) فرض عليه، فتسقط حرمة الإرقاق كذلك، وقد اندفعت الضرورة بالمسلمة، فلا تجوز الكتابية، ولهذا تجوز الأمة
следующие страницы →