← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

لِقَوْلِهِ ﷺ : «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهلِ الكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِم وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِم» قَالَ: (وَلَا الوَثَنِيَّاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. (وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الصَّابِئَاتِ إِنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِدِينِ نَبِيٍّ وَيُقِرُّونَ بِكِتَابٍ) لِأَنَّهُم مِنْ وقال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي (١): إن قلنا للمجوس كتاب؛ حل مناكحتهم ووطء إمائهم بملك اليمين، وإن قلنا لم يكن كتاب؛ لا يحل لهم، سواء كان لهم كتاب أو لا، والمذهب أنه لا يحل. وقيل: إنما خص التمسك بالحديث في مناكحتهم لأجل ذكر الاختلاف. (سنوا)؛ أي: اسلكوا بهم طريقتهم، يعني: عاملوهم معاملتهم في إعطاء الأمان وأخذ الجزية، ورواه عبد الرحمن بن عوف حين شاور عمر الصحابة بحديث (٢) أخذ الجزية عنهم. قوله: (ولا الوثنيات)؛ أي: بالإجماع (٣)، ويدخل في الوثنيات عبدة الأوثان، وعبدة الشمس، وعبدة النجوم، والصور التي استحسنوها، والمُعَطَّلة، والزنادقة، والباطنية، والإباحية. وفي شرح الوجيز وكذا كل مذهب يكفر معتقده؛ لأن اسم المشرك يتناولهم جميعا (٤). قوله: (ويجوز تزوج الصابئات) إلى آخره وفي الكشاف (٥): صبأ خرج من دين إلى دين، ويقال: صبأت النجوم إذا طلعت، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة. وفي الصحاح (٦): هم جنس من أهل الكتاب، والاختلاف المعروف مبني

стр. 2522

أَهْلِ الْكِتَابِ (وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الكَوَاكِبَ وَلَا كِتَابَ لَهُمْ لَم تَجُز مُنَا كَحَتُهُم) لِأَنَّهُم مُشْرِكُونَ، وَالخِلَافُ المَنقُولُ فِيهِ مَحمُولٌ عَلَى اشْتِبَاهِ مَذْهَبِهِم، فَكُلٌّ أَجَابَ عَلَى مَا وَقَعَ عِندَهُ، وَعَلَى هَذَا حِلُّ ذَبِيحَتِهِم. قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلمُحرِمِ وَالمُحرِمَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَا فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ، وَتَزْوِيجُ الوَلِيِّ المُحرِمِ وَلِيَّتَهُ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. على الاختلاف في تفسير الصابئ، وهذا مبنى قوله: (والخلاف المنقول فيه محمول) إلى آخره. وفي المبسوط (١) وغيره فوقع عند أبي حنيفة أنهم قوم من النصارى، يقرؤون الزبور، ويعظمون بعض الكواكب كتعظيمنا القبلة، وقيل: يقرون بإدريس ﵇ خاصة دون غيره، ويعظمون الكواكب تعظيم القبلة، وهما جعلا تعظيمهم للكواكب عبادة منهم لها، فكانوا كعبدة الأوثان، مخالفين لأهل الكتاب، ولكن أبو حنيفة يقول: مخالفتهم لأهل الكتاب في بعض الأشياء لا تخرجهم من أن يكونوا من أهل الكتاب كبني تغلب؛ فإنهم مخلفون النصارى في الخمور والخنازير، ثم كانوا من جملة النصارى، وكمذهب أبي حنيفة مذهب الشافعي وغيره. وفي شرح قاضي خان، والكامل (٢): لا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه إن كان الأمر على قال أبو حنيفة، يجوز نكاحهم بالاتفاق، وإن كانا كما قالا؛ لا يجوز بالاتفاق. وقيل: هم قوم يزعمون أنهم على دين نوح ﵇، وقبلتهم نحو مَهَبٌ الجنوب. وفي فتاوى العتابي (٣): المختار قولهما. قوله: (وليته)؛ أي: موليته. (له)؛ أي: للشافعي حديث عثمان ﵁ «لا تنكح المحرم … » الحديث.

стр. 2523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبقوله (١): قال مالك (٢)، وأحمد (٣). ولنا: ما روى ابن عباس (٤) وعائشة (٥) وأبو هريرة (٦) «أنه ﵇ تزوج ميمونة وهو محرم»، وقد ذكر في الأصول أنا نرجح حديث ابن عباس على حديث يزيد بن الأصم «أنه ﵇ تزوجها وهو حلال» (٧)؛ لضبط الراوي وفقاهته. وحديث عثمان محمول على الوطء؛ لأن النكاح للوطء حقيقة، وللعقد مجاز، أي: لا يطأ المحرم، [ولا تمكّن المرأة حتى تطأه] (٨)، وهو ضعيف؛ لأن التمكين من الوطء لا يسمى إنكاحًا، مع اختلاله إعرابا، لكنه ﵇ أخبر عن معتاد أحوال المحرمين، أنهم في إحرامهم لا يشتغلون بالنكاح والإنكاح، ولا يباشرون ذلك، كما قال ﵇: «إِنَّهُمْ شُعَثُ غُبْرٌ» (٩) لا يشتغلون بالاغتسال شغلًا بأعمال الحج، وإن كان الاغتسال بالماء القراح لا بأس به، فكذلك أمر النكاح؛ لأنه عقد يصار إليه عند الفراغ، لما فيه [من] (١٠) الخطبة ومراودات، ودعوة واجتماعات، لا تتحقق إلا عند الفراغ، وإذا حمل على وفاق العادة لم يتعلق به حكم.

стр. 2524

لَهُ: قَولُهُ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ المُحرِمُ وَلَا يُنكِحُ» وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ بِمَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحرِمٌ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الوَطءِ. (وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الأَمَةِ، مُسلِمَةٌ كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةٌ) والأوجه أن يقال: إن الحديث يروى بالنهي مجزوما، وهو اختيار الخطابي، والنهي يكون للتنزيه كما في نهيه ﵇ عن الخطبة على خطبة أخيه. ولو فعل صح النكاح عندنا، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، خلافا لمالك (٣)، فحمل عليه توفيقا بين الحديثين، ولئن روي منفيا فالنفي يجيء بمعنى النهي. كذا في الكافي (٤). وفي المجتبى (٥): ولأن حرمته على شرف الزوال كالحيض، فيجوز نكاحه لعمومات النصوص. وقد ضعف البخاري وابن حنبل حديث عثمان في النهي، ورواية مالك ومذهبه، قال: حديث ابن الأصم مرسل، وأدخل (٦) في صحيحه عن ابن المسيب «أنه ﵇ تزوجها وهو محرم» (٧)، وما روي «أنه ﵇ تزوجها وهو حلال» (٨) من رواية مطر الوراق، فوصله (٩) وهو غلط لا يحتج بحديثه.

стр. 2525

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ لِلحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الإِمَاءِ ضَرُورِيٌّ عِندَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الجُزءِ عَلَى الرِّقِّ، وَقَدْ اندَفَعَت الضَّرُورَةُ بِالمُسْلِمَةِ، وَلِهَذَا جَعَلَ طُولَ الحُرَّةِ مَانِعَا مِنهُ. وَعِنْدَنَا: الجَوَازُ مُطلَقٌ لِإِطْلَاقِ المُقْتَضَى، وَفِيهِ امْتِنَاعٌ عَنْ تَحْصِيلِ قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز للمسلم أن يتزوج بأمة كتابية) (١) وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية، وعن أحمد: يجوز نكاح الأمة مطلقا (٣). واستدلوا: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والمحصنات: الحرائر. كذا فسره مجاهد فجوز نكاح الكتابية بشرط أن تكون حرة، فلا يجوز بدونه؛ لأنها مشركة حقيقة. وقلنا: المراد بالمحصنات: العفائف، يتناول الحرة والأمة، ولئن كان المراد به الحرائر؛ فإباحة نكاح الحرائر من أهل الكتاب لا يدل على حرمة نكاح الإماء، ولكن هذا لبيان الأولى، واسم المشركة لا يتناول لاختصاصها باسم آخر كما ذكرنا. كذا في المبسوط (٤). (من تعريض الجزء على الرق)؛ لأن الولد جزؤه، وهو يتبع الأم في الحرية والرق، والإرقاق إهلاك حكمًا؛ لأن الرقيق كالهالك؛ لأن الرق أثر الكفر، والكفر موت حكما، قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾؛ أي: كافرا فهديناه، ولأن الإعتاق إجزاء، قال ﵇: «لن يجزي ولد والده إلا أن يَجِدَهُ مملوكًا فيشتَرِيَهُ فيُعتقَهُ» (٥)؛ وهذا لأن الأب سبب حياة الولد، وإنما يصير مجازيًا له إذا كان مسببا لحياته، وبالشراء يصير كذلك. ولأن الإهلاك حكمًا كالإهلاك حقيقة، فلا يجوز، إلا أنه إذا خشي العنت، قال تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾؛ أبيح له ضرورة صيانة نفسه عن الزنا، [فإن الاجتناب عن الزنا] (٦) فرض عليه، فتسقط حرمة الإرقاق كذلك، وقد اندفعت الضرورة بالمسلمة، فلا تجوز الكتابية، ولهذا تجوز الأمة

стр. 2526

الجُزء الحُرِّ لَا إِرقَاقُهُ، وَلَهُ: أَنْ لَا يُحَصِّلَ الأَصلَ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ لَا يُحَصِّلَ الوَصفَ. (وَلَا يَتَزَوَّجُ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُنكَحُ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّةِ» … الواحدة المسلمة فقط عنده. وعندنا، ومالك، وأحمد في رواية: الجواز مطلقا؛ يعني: جواز نكاح الإماء مطلق لا ضروري؛ لإطلاق المقتضي للجواز وهو النصوص، قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولأن النكاح يختص بمحل الحل، والأمة من المحللات في حق الحر كالحرة، فكان جواز نكاحها أصلا لا ضروريًا، والأمة الكتابية تحل بملك اليمين بالإجماع، فكذا بالنكاح كالمسلمة، وعكسه المجوسية. قوله: (وفيه إرقاق الولد) ممنوع؛ لأنه لا ولد بل هو مراق، وفيه الإرقاق محال، وبعدما حدث لا يصدر منه شيء، حتى يقال: إنه إرقاق. ولئن قال: فيه امتناع عن تحصيل الولد الحر. قلنا: هذا ليس بحرام؛ لأن له ألا يحصل أصل الولد، بالعزل في الحرة بإذنها، وفي الأمة بلا إذن، وكذا إذا تزوج أمة عند عدم طول الحرة، ثم قدر على طول الحرة وتزوج حرة؛ لا يبطل نكاح الأمة، وله أن يطأ الأمة، وفيه تعريض ولده على الرق، وبنكاح العجوز العقيم، فله ألا تحصل حرية الولد أولى. كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ: (وله ألا يحصل الأصل) إلى آخره. وفي مبسوط البزدوي: قال تعالى: ﴿لَا تُضَادَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بوَلَدِهِ﴾، ولهذا لا تجوز مضارة الوالد بسبب الولد، حتى لو ورث قصاصا على أبيه يسقط، ولو [قتل] (٢) الأب ابنه لا يقتص لحرمة المصاهرة، فإذا لم يجز إهلاك الأب عند إهلاك أصل الولد لمعنى المضارة؛ فلأن لا يجوز إهلاكه عند إهلاك وصف الولد وهو الحرية بالطريق الأولى. قوله: (ولا يتزوج أمة على حرة) في المبسوط (٣): حرمة نكاح الأمة على

стр. 2527

وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَجوِيزِهِ ذَلِكَ لِلعَبْدِ، وَعَلَى مَالِكَ فِي تَجوِيزِهِ ذَلِكَ بِرِضَا الحُرَّةِ، وَلِأَنَّ لِلرِّقِّ أَثَرًا فِي تَنصِيفِ النِّعْمَةِ عَلَى مَا نُقَرِّرُهُ فِي الحرة بالنص بخلاف القياس، وهو الحديث المذكور في المتن؛ ألا ترى إن كانت صغيرة أو غائبة عنه لم يجز له أن يتزوج الأمة، وإن كان هو لا يستغني بنكاحها عن الأمة، ويخاف الوقوع في الزنا. وقال الكرجي (١): نكاح الحرة يثبت لنسله حق الحرية، فبتزوج الأمة يبطل هذا الحق الثابت، وحق الحرية لا يجوز إبطاله بعد ثبوته، فأما بطول الحرة لا يثبت لنسله حق الحرية. (وهو)؛ أي: قوله ﵇. (وبإطلاقه حجة على الشافعي)؛ فإنه يجوز للعبد أن يتزوج الأمة على الحرة (٢)، وبه قال أحمد في رواية (٣)؛ لأن المنع في حق الحر بمعنى تعريض الحر على الرق مع الغنية عنه، ولهذا لم يجز حال القدرة على الحرة نكاح الأمة، وهذا المعنى لا يوجد في حال العبد؛ لأنه بجميع أجزائه رقيق، وقد قلنا إن حرمة نكاحها على الحرة يثبت بالنص خلاف القياس. (وعلى مالك)؛ أي: حجة عليه، فإنه يجوزه برضا الحرة (٤)؛ لأن المنع لحق الحرة؛ باعتبار أنه يغيظها بإدخال ناقصة الحال في فراشها، وقد رضيت بها، والجمع يوجد، كما لو تزوج الحرة عليها. (ولأن للرق أثرا في تنصف النعمة)؛ يعنى: أن الحل الذي بني عليه النكاح في جانب الرجال والنساء جميعا، فكما ينتصف ذلك الحل برق الرجل، حتى يتزوج العبد ثنتين والحر أربعا؛ فكذلك ينتصف برق المرأة، ولا يمكن إظهار هذا التنصيف في جانبها بنقصان العدد؛ لأن المرأة الواحدة لا تحل إلا لواحد، فظهر التنصيف باعتبار الحالة، فنقول: الأحوال ثلاثة: حال ما قبل نكاح الحرة، وحال ما بعده، وحال المقارنة، ولكن الحالة الواحدة لا تحتمل

стр. 2528

كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَثْبُتُ بِهِ حِلُّ المَحَلِّيَّةِ فِي حَالَةِ الاِنفِرَادِ دُونَ حَالَةِ الانضمام (وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الحُرَّةِ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَتُنكَحُ الحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ» وَلِأَنَّهَا مِنْ المُحَلَّلَاتِ فِي جَمِيعِ الحَالَاتِ، إِذْ لَا مُنَصِّفَ فِي حَقِّهَا. (فَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةٍ عَلَى حُرَّةٍ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَائِن أَوْ ثَلَاثٍ لَم يَجُز عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَجُوزُ عِندَهُمَا) (*) لِأَنَّ هَذَا … التجزؤ، فتغلب الحرة، كالطلاق الثلاث والأقراء. أو نقول: في الحقيقة حالتان: حالة الانضمام إلى الحرة، وحالة الانفراد عنها، فيثبت الحل في حال الانفراد، دون الانضمام؛ وهو تزوجها على الحرة، أو مع الحرة، والتزوج على الحرة انضمام وأقوى؛ لأن كل فعل يقبل الامتداد يعطي لبقائه حكم الابتداء، وحكم النكاح من ذلك القبيل، فيحصل الانضمام على هذا الطريق. (ويجوز تزويج الحرة عليها)؛ أي: على الأمة، ولم يبطل نكاح الأمة بإجماع الأئمة الأربعة (١). وقال المزني من أصحاب الشافعي: يبطل نكاح الأمة للقدرة على طول الحرة (٢). وعندهما يجوز، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد عند عدم طول الحرة (٥). وقيد الاعتداد عن طلاق بائن أو ثلاث؛ لأنه لو كانت معتدة على طلاق رجعي لا يجوز بالاتفاق. (لأن هذا)؛ أي: نكاح الأمة في عدة الحرة.

стр. 2529

لَيسَ بِتَزَوُّج عَلَيْهَا، وَهُوَ المُحَرِّمُ، وَلِهَذَا لَو حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا لَم يَحنَتْ بِهَذَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ نِكَاحَ الحُرَّةِ بَاقٍ مِنْ وَجه لِبَقَاءِ بَعضِ الأَحكَامِ، فَيَبْقَى المَنعُ احتياطا، بِخِلَافِ اليَمِينِ، لِأَنَّ المَقصُودَ أَنْ لَا يُدخِلَ غَيْرَهَا فِي قَسَمِهَا. (وَلِلحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَربَعًا مِنْ الحَرَائِرِ وَالإِمَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) (ليس بتزوج عليها)؛ أي: على الحرة؛ لزوال الملك وثبوت الحرية؛ ألا ترى أنه لو قال: إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق، فتزوج امرأة بعدما أبانها؛ لم تطلق بخلاف ما لو تزوج امرأة في عدة أختها من طلاق بائن؛ فإنه يجوز باتفاق علمائنا، خلافًا للشافعي؛ لأن المُحرَّمَ هناك الجمع، وفي التزوج في العدة صار جامعا بينهما في حقوق النكاح، أما هاهنا فالمنع ليس لأجل الجمع، ولهذا لو تزوج الحرة عليها يجوز، بل في تزوج الأمة على الحرة إدخال ناقصة الحال في مزاحمة كاملة الحال، وهذا لا يوجد بعد البينونة. كذا في المبسوط (١)، والأسرار. ولأبي حنيفة: أن نكاح الحرة مانع نكاح الأمة، ونكاح الحرة باق من وجه في العدة؛ لبقاء أحكامه وهو المنع من التزوج والفراش، حيث يثبت نسب الولد منه والنفقة، فكانت العدة حقا من فوق النكاح، وحق الشيء كنفس ذلك الشيء. (فيبقى المنع احتياطا كلما تزوج أختا في عدة أخت، وفي هذا نوع ضم في فراش النكاح، فتثبت المزاحمة التي ذكرتم. وأما مسألة اليمين، قلنا في الأيمان: يعتبر العرف، وفي العرف لا يسمى متزوجا عليها بعد البينونة، فهذا لم يطلق، فأما في ألفاظ الشرع؛ المعتبر المعنى، ومعنى الحرمة باق ببقاء العدة. كذا في المبسوط (٢). وفي الكافي (٣): ولأن غرض الحالف تطييب قلبها بترك الاشتراك في الفراش والقسم، فإذا تزوجها في العدة فما اشترك غيرها في قسمها، فلا يحنث. قوله: ويجوز للحر أن يتزوج أربعا من الحرائر والإماء): اعلم أن الفقهاء

стр. 2530

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣] والتنصيص اتفقوا على تزوج الأربع من الحرائر، خلافًا للروافض؛ فإنهم يزوجون تسعا من الحرائر، وهكذا نقل عن ابن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، والخوارج ثماني عشرة، وتمسكوا بظاهر النص؛ فإن الواو للجمع، فإذا جمعت بين كل من الأعداد المذكورة في الآية؛ كان تسعا، فمن جعل مثنى بعد العدل بمعنى اثنين مرتين؛ أباح نكاح ثماني عشرة. وحكي عن بعض الناس: أنه أباح للرجل أي عدد شاء، من غير حصر بعدد، وأباح الله تعالى في التوراة من غير تعدد حفظا لمصالح النساء دون الرجال، وحصر في شريعتنا جمعا بين مصالح الرجال والنساء، ولأنه ﵇ قدوة الأمة، وقد جمع بين التسع. وقلنا: المراد واحد من الأعداد، قال الفراء: لا وجه لحمله على الجمع؛ لأن العبارة عن التسع بهذا اللفظ من العي في الكلام، فإن من أرد أن يقول: أعط فلانا تسعة دراهم، فقال: أعط درهمين وثلاثة وأربعة؛ كان سخيفا جاهلا، فعلم أن المراد واحد بدليل قوله تعالى: ﴿أُولِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾، والمراد: أحد هذه الأعداد بالإجماع، وقال ﷺ : «صلاة الليلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١)، أي: ركعتان، والنبي ﷺ كان مخصوصا بحل التسعة؛ لفضيلة النبوة، ولا ينقل عن أحد في حياته ﵇ [ولا بعد وفاته في يومنا هذا أنه جمع بين أكثر من أربع نكاحا. وقوله ﵇] (٢) يزوج العبد ثنتين (٣) دليل على أن الحر لا يتزوج أكثر من أربع؛ لأن حال المملوك على النصف من حال الحر. ونظيره: قول الطبيب للمريض: (قل لقمة ولقمتين وثلاثة) يريد به: أحد الثلاث، وقد صح أنه ﵇ فرق بين غيلان بن سلمة، وقيس بن حارثة،

стр. 2531

عَلَى العَدَدِ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ. وفيروز الديلمي، وبين الزيادة على أربع حين أسلموا وتحتهم عشر نسوة، أو ثمان. كذا في المبسوط (١). ولأن التأويل كما قال الخصم ينبغي أن يجوز ثماني عشرة؛ لأن مثنى معدول عن اثنين اثنين، وكذا ثلاث ورباع عن ثلاثة [ثلاثة] (٢) وأربعة أربعة، وهي لا تجوز بالإجماع، فعلم أن الجمع غير مراد. كذا قيل. وفيه نوع تأمل؛ لأنه لا يتم الإلزام على الخوارج، وقيل: الواو بمعنى (أو) كما في قوله تعالى: ﴿أُولِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ الآية، والأصح أن الواو بمعناها، لكن مثل هذا التركيب يدل على جواز أحد الأعداد، كما في قولهم: (اقتسموا هذا المال اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة)، وهذا البحث على التحقيق مذكور في الكشاف، وشروح أصول الفقه. وفي الفوائد الخبازية (٣): ومعنى قول القائل (اثنين اثنين) هو القصر على العدد، وعدل عن اثنين اثنين إلى مثنى؛ ليكون المعدول إليه دالا (٤) على ما ضمنه من معنى التكرار، لتأكد الحصر على العدد المذكور، ولأنه لو كان المراد من الآية الاجتماع كما قالوا، لم يكن لقوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ الآية معنى؛ لأن عند الخوف من ترك العدل في نكاح التسع لا يجب أن يترك إلى الواحدة بمرة؛ لأن بينهما وسائط، فعلم أن المراد الواحد من الأعداد، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية، فواحدة من هذه الأعداد بحقيقة أن الله تعالى أباح كل جملة موصوفًا بصفة الجملة الأولى بكونها مثنى، والثانية بكونها ثلاث بالواو، أو حتى تنفرد كل جملة عن الأخرى، فأما إذا أريد به الواو وهي كلمة الجميع، لا تصير كل جملة من هذه الأعداد موصوفًا بالوصف الذي وصفه، فإن الثنتين إذا جمع بالثلاث يكون خماسًا، وإذا جمع بين الثلاث والرباع يصير سباعا، علمنا بدلالة هذه أن المراد هو التخيير بين هذه الأعداد لا الجميع، فنحن عملنا

стр. 2532

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا أَمَة وَاحِدَة، بالوصف المذكور لكل جملة، وهم عملوا بحقيقة الواو، وتركوا الوصف لكل جملة، وكلمة الواو تحتمل المجاز، والعمل بالمجاز جائز، فأما ترك الوصف أصلا مما لا يجوز؛ لأنه حينئذ يصير لغوا، وكلام الحكيم يحتمل المجاز ولا يحتمل اللغو، وإنما جمع بين هذه الأعداد بالواو والله أعلم؛ لأن (أو) لا تستعمل إلا في التخيير، والتخيير في الحقيقة لا يدخل في العدد، وما دونه بطريق التعبد، فإن من أوجب عليه أو أبيح له الأربع يدخل ما فيه جزمًا. قوله: (وقال الشافعي: لا يتزوج إلا أمة واحدة) أي: عند عدم طول الحرة وخوف العنت (١)، وبه قال أحمد (٢). وقال مالك (٣): يجوز تزوج أربع من الإماء عند عدم طول الحرة وخوف العنت، وعندنا يجوز الأربع مع الطول وعدم خوف العنت. ثم في جواز نكاح (٤) الأمة عدم [طول الحرة] (٥) وخوف العنت شرط عند الشافعي (٦)، وأحمد (٧)، ومالك (٨)، وعندنا ليس بشرط، ولكن المستحب ألا يتزوج الأمة مع طول الحرة عندنا. لهم: قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ الآية، وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾، فالله شرط لجواز نكاح الأمة عدم طول الحرة، والمعلق بالشرط معدوم قبله، ثم بعد ذلك قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ أي: لضرورة خوف الزنا على نفسه، ولأنه تعريض لولده على الرق مع الغنية كما ذكرنا، وتعريض نفسه على الرق لا يجوز، فلا يجوز تعريض جزئه وهو

стр. 2533

لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ عِندَهُ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا تَلُونَا إذ الأَمَةُ المَنكُوحَةُ يَنتَظِمُهَا اسْمُ النِّسَاءِ كَمَا فِي الظُّهَارِ. (وَلَا يَجُوزُ لِلعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ) … الولد، ولهذا المعنى لا يجوز له نكاح الأمة إذا كانت تحته حرة، ولا يبعد أن يمتنع النكاح لحق الولد، فإنه لا تجوز المعتدة من الغير لما فيه من اشتباه نسب الولد. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، ونكاح الأمة إذا استطاب جاز ذلك بظاهر النص، ولأن النكاح يختص بمحل الحل، والأمة من المحللات بالإجماع في حق الحر؛ ألا ترى أنها تحل بملك اليمين، ولا يحل بملك اليمين إلا ما يحل بملك النكاح، ولا بقاء محللة للعقد أصلا بالإجماع، فكذا للحر بل أولى؛ لأن الحل في الحر أوسع، فيجوز نكاحها أصلا لا ضرورة، ولا معنى لاعتبار تعرض الولد على الرق كما ذكرنا، وقد ذكر في الأصول أن التعليق لا يمنع الوجود بوجه آخر، وقد دل عمومات النص على جواز نكاحها مع طول الحرة. (لأنه)؛ أي: نكاح الأمة (ضروري عنده)؛ أي: عند الشافعي، والضرورة ترتفع بالواحدة، فلا يزاد عليها، كالميتة أحلت للضرورة، لم يجز الأكل إلا بمقدار ما يسد رمقه. وقلنا: نكاحها مباح مطلقا كنكاح الحرة؛ لأن لفظ النساء يتناول الإماء كما يتناول الحرائر، كما في الإيلاء والظهار، وهذا معنى قول الشيخ: (والحجة عليه) أي: على الشافعي (ما تلونا)؛ وهو قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ إلى آخره. وحكم المدبرة والمكاتبة وأم الولد على هذا الخلاف، والمستسعاة كالمكاتبة عند أبي حنيفة. ذكره في المبسوط (١). قوله: (ولا يجوز للعبد أن يتزوج بأكثر من اثنتين): وبه قال الشافعي (٢)،

стр. 2534

وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ فِي حَقِّ النِّكَاحِ بِمَنزِلَةِ الحُرِّ عِندَهُ، حَتَّى مَلَكَهُ بِغَيْرِ إِذنِ المولى. وَلَنَا: أَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ، فَيَتَزَوَّجُ العَبدُ اثْنَتَيْنِ، وَالحُرُّ أَربَعًا إِظْهَارًا لِشَرَفِ الحُرِّيَّةِ. قَالَ: (فَإِنْ طَلَّقَ الحُرُّ إِحدَى الأَربَعِ طَلَاقًا بَائِنَا، لَم يَجُز لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَابِعَة حَتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهَا) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَهُوَ نَظِيرُ نِكَاحِ الأُختِ فِي عِدَّةِ الأخت. وأحمد (١)، وهو قول عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومذهب عطاء، والحسن البصري، والشعبي، والثوري، وقتادة. وقال مالك (٢)، وأبو ثور، وداود: يجوز له الأربع كالحر، وهو مذهب سالم، وطاوس، ومجاهد، والزهري، وربيعة الرأي. والمكاتب والمدبر وابن أم الولد في هذا كالعبد. (لأنه)؛ أي: العبد (في حق النكاح كالحر)؛ لأن ملك النكاح من خواص الآدمية، والرق لا يؤثر فيها، فإنه مبقى على أصل الحرية بالإجماع، فكذا هاهنا، ولهذا يملك النكاح وغيره. (ولنا: أن الرق منصف)؛ يعني: الرق مؤثر في تنصيف النعم، وهذا يتوصل به إلى اقتضاء شهوة الفرج حلالاً، والنعم تتفاوت بتفاوت [الأحوال في الشرف] (٣)، فإن حال النبوة لما كانت أشرف حل له التسع دون غيره، وحال الحرية أشرف، فتظهر الزيادة، فيملك الحر الأربع دون العبد. يؤيده: حديث عمر، فإنه قال: لا يتزوج العبد أكثر من امرأتين. وفيه خلاف الشافعي (٤): ومالك (٥). (وهو نظير نكاح الأخت في عدة الأخت): فقد بينا الخلاف في هذه المسألة.

стр. 2535

قَالَ: (فَإِنْ تَزَوَّجَ حُبلَى مِنْ زِنا جَازَ النِّكَاحُ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمَلَهَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: النِّكَاحُ فَاسِدٌ (*) (وَإِنْ كَانَ الحَملُ ثَابِتَ النَّسَبِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ) لِأَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ الامتِنَاعَ فِي الأَصل لِحُرمَةِ الحَمل، قوله: (جاز النكاح) وبه قال الشافعي (١). (ولا يطؤها حتى تضع حملها) وعند الشافعي (٢): يحل له وطؤها، ولكن يكره له وطؤها حتى تضع حملها، ولا عدة عليها من الزنا. وقال مالك (٣)، وأحمد (٤)، والثوري عليها العدة وإن كانت ذات زوج، ويحرم على الزوج وطؤها حتى تنقضي عدتها؛ لأن هذا الحمل محترم وإن كان من الزنا، حتى لا يجوز إسقاطه، فلا يسقي ما زرع غيره. (وقال أبو يوسف: النكاح فاسد) وبه قال ابن شبرمة، وزفر، ومالك، وأحمد (٥)، إن ظهر حملها من غيره، ولو كان الحمل ثابت النسب لا يجوز النكاح بالإجماع، ولو كان الحمل من الزنا من المتزوج فالنكاح جائز عند الكل، ويحل له وطؤها ودواعيه حتى تضع الحمل. وتستحق النفقة عند بعض المشايخ، ولا تستحق عند البعض على مذهب أبي حنيفة ومحمد. (أن الامتناع)؛ أي: امتناع النكاح. (في الأصل)؛ وهو صورة الإجماع، يعني: فيما إذا كان الحمل ثابت النسب؛ لحرمة الحمل وصيانته عن سقيه ماءه زرع غيره، فإن الحمل يزاد سمعه وبصره بالوطء حدة كما ورد في الحديث، لا لصاحب الماء، ولهذا لا ترتفع

стр. 2536

وَهَذَا الحَملُ مُحْتَرَمٌ، لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَلِهَذَا لَم يَجُز إِسْقَاطُهُ. وَلَهُمَا: أَنَّهَا مِنْ المُحَلَّلَاتِ بِالنَّصِّ وَحُرمَةُ الوَطءِ كَي لَا يَسْقِي مَاؤُهُ زَرعَ غَيْرِهِ، وَالِامْتِنَاعُ فِي ثَابِتِ النَّسَبِ لِحَقِّ صَاحِبِ المَاءِ، وَلَا حُرمَةَ لِلزَّانِي. الحرمة بإذنه، أو تزوج حبلى من الزنا منه يجوز بالإجماع. (وهذا الحمل من الزنا محترم لعدم الجناية منه)؛ ولهذا لم يجز إسقاطه، فيمتنع النكاح هنا أيضا. (ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة، ومحمد، والشافعي أيضًا. (أنها)؛ أي: الحبلى من الزنا. (من المحللات بالنص)؛ وهو قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وامتناع النكاح في الأصل لحق صاحب الماء لا للحمل، ولهذا لو تزوجها من كان نسب الحمل ثابتًا منه يجوز، وهاهنا لا لحرمة لصاحب الماء؛ لأنه يسقي ماءه زرع غيره، وهو حرام؛ لقوله ﵇: «مَنْ كان يؤمن بالله … » الحديث (١). فإن قيل: فم الرحم ينسد بالحَبَل، فكيف يكون سقى زرع غيره؟. قلنا: شعره ينبت من ماء الغير. فإن قيل: النكاح شرع لملك ضروري وهو الحل، فلا يثبت بدونه، والحل هاهنا غير ثابت، فلا يثبت النكاح. قلنا: ليس ضرورة حرمة الوطء بعارض على شرف الزوال فساد النكاح، كما لو حرم بالحيض والنفاس. قوله: (والامتناع في ثابت النسب) إلى آخره جواب عن قول أبي يوسف: (إنه لحرمة الحمل). ثم لكل واحد من الزوجين في النكاح الفاسد فسخه بغير محضر صاحبه عند بعض مشايخنا، وعند البعض: إن لم يدخل كذلك، وإن دخل بها حتى يحضر الآخر. ذكره في الفوائد، والمحيط (٢).

стр. 2537

(فَإِنْ تَزَوَّجَ حَامِلًا مِنْ السَّبِي فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ) لِأَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ (وَإِنْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ) لِأَنَّهَا فِرَاسٌ لِمَولَاهَا، حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنهُ مِنْ غَيْرِ دَعوَى، فَلَو صَحَّ النِّكَاحُ لَحَصَلَ الجَمعُ بَينَ الفِرَاشَينِ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَكَّد (وإن تزوج حاملا من السبي فالنكاح فاسد)؛ أي: باطل بإجماع الأئمة الأربعة؛ لأن حملها ثابت النسب بالإجماع، وكذا المهاجرة إلينا لو كانت حاملا. وروى الحسن عن أبي حنيفة في المهاجرة والمسبية أنه يجوز نكاحها، لكن لا يطؤها حتى تضعا حملهما، وإن لم تكن حاملا فلا يجوز النكاح؛ لأن الفرقة وقعت بتباين الدار. كذا في جامع المحبوبي (١). وجه قول الحسن: أنه لا حرمة لماء الحربي، فهو بمنزلة ماء الزاني، والحبل من الزنا لا يمنع النكاح عنده. والأول أصح؛ لأن الحبل من الزنا لا نسب له، وهاهنا النسب ثابت من الحربي بالإجماع، فصارت كالحامل ثابت النسب. كذا في المبسوط (٢). (منه)؛ أي: من المولى. (فالنكاح باطل)؛ أي: بالإجماع. وذكر فخر الإسلام في مبسوطه (٣): المراد بالفساد في المسألة الأولى البطلان أيضا؛ لأن ثبوت ملك النكاح ضرورة الحل، فإذا لم يثبت الحل لم يثبت الملك لعدم الفائدة، ولكن قال هاهنا بلفظ الباطل، وفيما تقدم بلفظ الفاسد؛ لأن الحرمة فيما تقدم مختلف فيه لما ذكرنا من رواية الحسن، فكانت حرمتها أخف، فذكر بلفظ الفساد والفراش عبارة عن صيرورة المرأة متعينة بثبوت نسب ولد الرجل، وأم ولده صارت كذلك، فلو صح النكاح لحصل الجمع بين الفراشين فراش المولى، وفِراشُ الناكح، وأنه لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى اشتباه الأنساب، كإنكاح المنكوحة. (إلا أنه)؛ أي: فراش أم الولد، وهو أنه جواب سؤال، وهو أنه لما كانت

стр. 2538

حَتَّى يَنتَفِيَ الوَلَدُ بِالنَّفْيِ مِنْ غَيْرِ لِعَان، فَلَا يُعتَبَرُ مَا لَم يَتَّصِلَ بِهِ الحَملُ. قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ زَوَّجَهَا، جَازَ النِّكَاحُ) لِأَنَّهَا لَيْسَت بِفِرَاشٍ لِمَولَاهَا، فراشا لمولاها ينبغي أن لو تزوجها وهي حامل لا يجوز؛ للزوم الجمع بين الفراشين: فِراسُ المولى، وفراش الناكح، فأجاب عنه، وقال: نعم كذلك، إلا أن ذلك خفيف غير متأكد، ولهذا ينتفي ولده بمجرد النفي بلا لعان، فلم يعتبر هذا الفراش ما لم يتصل بالحمل. فإن قيل: إذا كان الولد ينتفي بمجرد النفي، ينبغي أن يصح النكاح وإن كانت حاملا، إذ الإقدام على النكاح والنكاح لا يصح مع ثبوت النسب دليل نفي النسب والنسب ينتفي بصريح النفي ودلالته؛ ألا ترى أنه إذا ولدت أمة ثلاثة أولاد في بطون مختلفة، فادعى نسب الأكبر، ثبت نسبه دون الآخرين؛ لأن التزام النسب للبيان عند ظهور دليله واجب شرعًا، والتبري عنه عند ظهور دليله واجب أيضا، فصار السكوت عند لزوم البيان لو كان ثابتا نفيا دلالة حملا لأمره على الصلاح، حتى لا يصير تاركًا الواجب، والمسألة مذكورة في الأصول. قلنا: [نعم إذا لم] (١) يعارضها الصريح، وقد وجد الصريح هاهنا؛ إذ المسألة مفروضة فيما إذا كان الحمل منه. قوله: (جاز النكاح) أي: قبل استبرائها. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لا يجوز نكاح الأمة قبل استبرائها بحيضة. وعند زفر: لا يجوز تزويجها حتى تحيض ثلاث حيض، كما في الزانية عنده، فإنه يجب عليها ثلاث حيض عنده، وكذا الخلاف في أم الولد غير حامل منه.

стр. 2539

فَإِنَّهَا لَو جَاءَت بِوَلَد لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ دَعوَى، إِلَّا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا صِيَانَة لِمَائِهِ، (وَإِذَا جَازَ النِّكَاحُ فَلِلزَّوجِ أَنْ يَطَأَهَا قَبلَ الاستبرَاءِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ تله: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا (*)، لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الشَّعْلَ بِمَاءِ المَولَى، فَوَجَبَ التَّنَزُّهُ كَمَا فِي الشِّرَاءِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الحُكمَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ أَمَارَةُ الفَرَاغِ له: أنه وطئ أمة لو أتت بولد وأقرَّ به يثبت نسبه فيوجب التربص كوطء الشبهة. وقلنا: إنها ليست بفراش لمولاها بمجرد الوطء؛ لأنها غير متعينة لثبوت النسب، إذ لو كانت متعينة لثبت النسب من غير دعوة، فلا مانع للنكاح فيجوز. (إلا أن عليه؛) أي: على المولى (أن يستبرئها)؛ أي: بطريق الاستحباب لا الوجوب. (لا أحب له)؛ أي: للزوج. (لأنه)؛ أي: رحمها. (احتمل الشغل بماء المولى)؛ لوجود سببه وهو الوطء، ولو تحقق الشغل والحمل لحرم الوطء تفاديًا عن السقي زرع غيره، فإذا احتمل وجب التنزه، كما في الشراء. (أمارة الفراغ)؛ إذ الشرع ما شرع النكاح إلا على رحم فارغ، والفراغ أمر باطن لا يوقف عليه، فأقيم جواز النكاح مقام الفراغ، ولا ينقض بالحامل من الزنا؛ لأنا نعني به رحما فارغًا عن حمل ثابت النسب مع الغير، بخلاف الشراء؛ فإنه يجوز مع الشغل، فيجب التعرف بعده. وهذا الخلاف فيما إذا لم يستبرئ المولى، أما لو استبرأها ثم تزوجها؛ يجوز وطء الزوج بالإجماع قبل الاستبراء. ومن المشايخ من قال: لا خلاف بينهم في الحاصل؛ لأن عندهما لا يجب الاستبراء، ولم يقولا لا يستحب، وعند محمد يستحب، وما قاله واجب. وقال أبو الليث: وقول محمد أقرب إلى الاحتياط، و [به] (١) أخذ. كذا في

стр. 2540

فَلَا يُؤْمَرُ بِالاسْتِبْرَاءِ لَا اسْتِحْبَابًا وَلَا وُجُوبًا، بِخِلَافِ الشَّرَاءِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الشَّغلِ. (وَكَذَا إِذَا رَأَى امْرَأَة تَرْنِي فَتَزَوَّجَهَا، حَلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا عِندَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَم يَسْتَبْرِئهَا) وَالمَعْنَى مَا ذَكَرنَا. قَالَ: (وَنِكَاحُ المُتعَةِ بَاطِلٌ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَة: «أَتَمَتَّعُ بِك كَذَا مُدَّة بِكَذَا من المَالِ»، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: هُوَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا، فَيَبْقَى إِلَى أَنْ يَظْهَرَ نَاسِخُهُ. قُلْنَا: جامع المحبوبي (١). ولكن ما قال الشيخ في المتن بقوله: (لا يؤمر بالاستبراء لا وجوبًا ولا استحبابا) يأبى ذلك التوفيق. قوله: (حل له أن يطأها قبل أن يستبرئها عندهما) أي: عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣). وقال أحمد: لا يجوز إلا بشرطين: انقضاء العدة بثلاث حيض، وتوبتها، حتى قال أحمد: لو زنت امرأته لا يطؤها الزوج حتى تعتد من الزاني بثلاث حيض عنده وقيل: يكتفى بحيضة (٤). وقال أحمد: لا يطأ جاريته الزانية (٥). والمعنى ما ذكرنا) أي: من الجانبين في مسألة الجارية. قوله: (وقال مالك: هو) أي: نكاح المتعة (جائز) وهو الظاهر من قول ابن عباس، وهو قول الشيعة أيضا، وقول بعض أصحابنا المذكور في الهداية والمبسوط سهو؛ إذ المذكور في كتب مالك حرمة نكاح المتعة (٦)، وهو الصحيح. استدل بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ولأنا أجمعنا أنه ﵇ أحل المتعة يوم الفتح ثلاثة أيام، فيبقى الحكم حتى

стр. 2541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يظهر ناسخه. وقلنا: قد ثبت نسخ هذه الإباحة بالآثار المشهورة، منها ما روى عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية بن علي عن علي، أن منادي رسول الله ﷺ نادي يوم خيبر: «أَلَا إِنَّ اللهَ تَعالى ورسوله ينهيانكم عن المتعة» (١). ومنها: ما روي أنه ﵇ قال: «إنّي كنتُ أذنتُ لكُم في الاستمتاع من النساء وقد حرّمَ اللهُ ذلك إلى يوم القيامة». رواه مسلم، وأحمد (٢). ومنها: حديث الربيع بن سبرة (٣)، أنه ﵇ أحل المتعة عام الفتح ثلاثة أيام، فجئت مع عم لي (٤) إلى باب امرأة، ومع كل واحد منا بردة، وكانت بردة عمي أحسن، فخرجت امرأة كَأَنَّهَا دُمْيَةٌ عَيْطَاءُ (٥) فجعلت تنظر إلى شبابي وبردة عمي، وقالت: هلا بردة كبردة هذا، أو شباب كشباب هذا، ثم آثرت شبابي فبت عندها، فلما أصبحت إذا منادي رسول الله ﷺ ينادي: " ألا إن الله ورسوله ينهاكم عن المتعة ". رواه مسلم، والطحاوي، وأبو داود، وابن ماجه (٦). ثم الإباحة ثبتت مؤقتة بثلاثة أيام، فلا يبقى ذلك حتى يحتاج إلى دليل النسخ، وكان ابن مسعود يقول: " نَسخَتْها آية الطلاق والعدة والميراث " (٧)، وكان عمر ﵁ يقول: "لو كنتُ تقدّمتُ في المتعة لرجمتُ " (٨) أي: لقتلت

стр. 2542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سياسة وزجرا، لا على سبيل الحد؛ لأن الحد لا يجب بالشبهة، وليس هذا نسخ السنة بالرأي، فإنه روي أنه ﵇ «نهى عن متعة النساء يوم خيبر» (١). كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). ويدل عليه قوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ ، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج (٣)، فمتعة الحج: أنهم كانوا يتمتعون بالإحلال فيما بين الإحرام، ويفتحون إحرام الحج بفعل العمرة. وفي شرح الطحاوي: المتعة أربعة أنواع: اثنان في الحج، واثنان في النكاح، وأما الاثنان في الحج، إحداهما مشروعة؛ وهو الترفق بأداء النسكين في سفرة واحدة بلا إلمام صحيح، والثانية منسوخة؛ وهو أن يحرم بالحج في أوان الحج، ثم إذا أراد أن يخرج من إحرامه فإنه كان يأتي بأفعال العمرة يستحل، ثم إذا صار وقت الحج أحرم بالحج من مكة، وأما اللتان في النكاح: فإحداهما مشروعة؛ وهي ثلاثة أثواب كما يجيء، والثانية منسوخة؛ وهي نكاح المتعة، ولما سئلت عائشة عن ذلك قالت: " بيني وبينكم كتاب الله " (٤)، وهو قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الآية. وهذه ليست بزوجة، بدليل أنه لا يرث بالزوجية، ولا يقع عليها الطلاق والظهار والإيلاء، ولا ملك يمين أيضا، والمراد بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الزوجات، فإنه بناء على قوله ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، والمحصن: الناكح. وقال جابر بن زيد: "ما خرج ابن عباس من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة" (٥)، فثبت النسخ بإجماع الصحابة. كذا في المبسوط (٦).

стр. 2543

ثَبَتَ النَّسْخُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَابْنُ عَبَّاسِ ﵄ صَحَّ رُجُوعُهُ إِلَى قَوْلِهِم فَتَقَرَّرَ الإِجْمَاعُ. (وَالنِّكَاحُ المُؤَقَّتُ بَاطِلٌ) مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَة بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّام. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هُوَ صَحِيحٌ لَازِمٌ (*)، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ. وَلَنَا: أَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى المُتعَةِ، وَالعِبْرَةُ فِي العُقُودِ لِلمَعَانِي، … (فثبت النسخ)؛ أي: ظهر النسخ، أي: أجمع الصحابة أن المتعة نسخت وقت النهي، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لما أن الإجماع لا يصلح ناسخا في الصحيح، وقد صح رجوعه إلى قول ابن عباس، فإن عليا قال له: "أما سمعت أو ما علمت أن رسول الله ﷺ حرم المتعة يوم خيبر"، فرجع عن قوله وكان يقول: " اللهم إني أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف". وعن سعيد بن جبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب وهو يُعرِّضُ بابن عباس، يعيب عليه قوله في المتعة، إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة فقال ابن عباس: إنك رجل تائه، إنه ﵇ «نهى عن متعة النساء». رواه مسلم (١). قوله: (والنكاح المؤقت باطل) وهو قول عامة الفقهاء (٢). (وقال زفر: هو)؛ أي: النكاح المؤقت (صحيح لازم) والتوقيت باطل، طالت المدة أو قصرت. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): الفرق بين المتعة والمؤقت: أن يذكر في المؤقت لفظ النكاح والتزويج، وفي المتعة لفظ التمتع، أي: أتمتع بك أو أستمتع؛ لأن النكاح لا يبطل بالشرط، كما لو تزوجها بشرط أن يطلقها بعد شهر. وعن النخعي: النكاح هدم الشرط، والشرط يهدم البيع؛ وذلك لأن النكاح

стр. 2544

وَلَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا طَالَت مُدَّةُ التَّأقِيتِ أَوْ قَصُرَت، لِأَنَّ التَّلْقِيتَ هُوَ المُعَيِّنُ لِجِهَةِ من الإسقاطات؛ لأن معناه سقوط حرمة البضع في حق الزوج، إلا أنه شرع ملكا ضروريًا لأجل شرعية الطلاق، ولهذا لا يبطل بالشرط الفاسد، وهذا ليس بمتعة لوجود لفظ النكاح فيه، بخلاف المتعة. وقلنا: إنه عقد متعة معنى، وإن أتى بلفظ النكاح؛ إذ المتعة عقد تمليك البضع في مدة مقدرة، وقد وجد؛ لأن عقد المتعة لا يقصد به السكن والازدواج والتناسل، فمتى نصا على أيام؛ علمنا أن مقصودهم المتعة دون النكاح، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ؛ لأنها تحتمل المجاز دون المعاني؛ ألا ترى أن الحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة، والكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، ولو قال: جعلتك كفيلا أو وكيلا بعد موتي؛ كان وصيا، ولو قال: جعلتك وصيا في حياتي كان وكيلا، باعتبار المعنى فيهما. أما قوله: (إن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة) مُسلَّم، لكن هنا أبطلنا لعدم ركنه لا بشرط فاسد؛ لأن بالتوقيت ينعدم أصل العقد في الزمان الذي لم يعقد فيه، بخلاف ما إذا شرط أن يطلقها شهرا؛ فإن الطلاق قاطع للنكاح، فاشتراط القاطع بعد شهر لينقطع به دليل على أنهما عقدا العقد مؤبّدا؛ ألا ترى أنه لو صح الشرط هناك لا يبطل النكاح بعد مضي شهر، وهنا لو صح التوقيت لم يكن بينهما عقد بعد مضي الوقت، كما في الإجارة. يؤيد ما ذكرنا: ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: " لا أوتي برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته، ولو أدركته ميتا لرجمت قبره". كذا في المبسوط (١). وقيل: في المؤقت لا ينعقد النكاح وإن تلفظا به؛ لأنه لو انعقد فإما أن ينعقد مؤبدًا أو مؤقتًا، والأول باطل؛ لأنهما لم يعقدا النكاح فيما وراء المدة المذكورة، فلم نحكم بانعقاده في زمان لم يعقداه فيه؛ ألا ترى أنهما لو أضافاه إلى ما بعد شهر لم ينعقد في الحال، وكذا الثاني؛ لأنه لا يحتمل التوقيت كما ذكرنا. قوله: (ولا فرق بين ما إذا طالت المدة) إلى آخره: احتراز عن قول الحسن

стр. 2545

المُتعَةِ، وَقَدْ وُجِدَ (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عُقدَة وَاحِدَةٍ، وَإِحْدَاهُمَا لَا يَحِلُّ لَهُ ابن زياد، فإنه قال: إذا ذكرا وقتا يعلم أنهما لا يعيشان إلى ذلك الوقت كمائة سنة أو أكثر؛ يكون النكاح صحيحًا؛ لأن في هذا تأكيد معنى التأبيد، فإن النكاح يعقد للعمر، فصار كما [إذا] (١) تزوجها إلى موته أو موتها. والأصح: ظاهر الرواية، ولأن التأبيد من شرط النكاح، والتوقيت يبطله؛ لأن المعين لجهة المتعة التوقيت، وذلك موجود. ومما يتعلق بمحلية النكاح: أن المناكحة بين أهل السنة والاعتزال، قال الإمام الرُّسْتُغْفَنِيُّ: لا يجوز (٢). وقال الإمام الفضلي: من قال: أنا مؤمن إن شاء الله؛ فهو كافر لا يجوز نكاح نسائهم (٣). وقال أبو حفص السفكردري: لا ينبغي أن يزوج الحنفي بنته من الشافعي المذهب، ولكن يتزوج بنتهم (٤). وفي فتاوى الصغرى (٥): قال بعض المشايخ: يجوز أن يزوج بنته من الشفعوي، وقياس ما ذكره الفضلي لا يجوز. وقيل: لا بأس بتزويج النهاريات؛ وهو أن يتزوجها نهارا دون الليل. ذكره ابن سيرين وحماد هذ القيد. وعن ابن دينار من المالكية: يفسخ قبل البناء وبعده، وبعضهم قال: يفسخ قبل البناء، وبعده يثبت، ويأتيها ليلا ونهارًا. قاله أصبغ؛ لأنه مؤبد، فيلغو الشرط (٦). ولو نكح مطلقا ونيته أن يمكث معها مدة؛ فنكاحه صحيح، وشذ الأوزاعي في جعله متعة. ذكره النواوي في شرح مسلم (٧).

стр. 2546

نِكَاحُهَا، صَحَّ نِكَاحُ الَّتِي يَحِلُّ نِكَاحُهَا، وَبَطَلَ نِكَاحُ الأُخرَى) لِأَنَّ المُبْطِلَ فِي إحدَاهُمَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَمَعَ بَينَ حُرِّ وَعَبدِ فِي البَيعِ، لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، وَقَبُولُ العَقدِ فِي الحُرِّ شَرطُ فِيهِ، ثَمَّ جَمِيعُ المُسَمَّى لِلَّتِي يَحِلُّ نِكَاحُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِندَهُمَا: يُقسَمُ عَلَى مَهرِ مِثْلَيْهِمَا (*)، وَهِيَ مَسأَلَةُ الأصل. قوله: (صح نكاح التي حل نكاحها) بإجماع الأئمة الأربعة (١). (ثم جميع المسمى للتي يحل عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي في قول. (وعندهما: يقسم المسمى على مهر مثليهما): وبه قال الشافعي (٢) وأحمد (٣) في قول، وفي قول: تستحق مهر المثل؛ لفساد المسمى، لجهالته في حقها، وبه قال مالك في قول. (وهي مسألة الأصل)؛ أي: المبسوط، ذكرها في آخر باب المهور. لهما: أن الألف المسمى بمقابلة البضعين، وإنما التزمها الزوج عند سلامة البضعين له، فإذا سلم له أحدهما فقط لا يلزمه إلا حصتها من الألف، كما لو خاطب امرأتين بالنكاح بالألف، فأجابت إحداهما دون الأخرى، وكما لو اشترى عبدين فإذا أحدهما مدبر. والدليل عليه: أن الانقسام يعتبر في حق التي لا تحل له، حتى لو دخل يلزمه مهر مثلها، لا يجاوز به حصتها من الألف نص عليه في الزيادات، وادعى المناقضة على أبي حنيفة بهذا، ولذلك دخل في العقد عند أبي حنيفة، حتى لا يلزمهما الحد بوطئها مع العلم، ومن ضرورة دخولها في العقد انقسام البدل المسمى. ولأبي حنيفة: أن ضم التي لا تحل له في العقد لغو، فكان كضم جدار أو إسطوانة إلى المرأة في النكاح، وهناك البدل المسمى كلها بمقابلتها، فكذلك

стр. 2547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هنا؛ لما أن النكاح يختص بمحل الحل؛ لأن موجبه الحل، وبين الحل والحرمة منافاة، ففي حق الحرمة النكاح مضاف إلى غير محله فلا يدخل، وانقسام البدل من حكم المعاوضة، والمساواة في الدخول في العقد، فإذا انعدم ذلك لا يثبت الانقسام، وهذا بخلاف ما إذا خاطبها بالنكاح؛ لأنهما استويا في الإيجاب، حتى لو أجابتا صح نكاحها، فيثبت الانقسام بالمساواة في الإيجاب، وكذلك المدبر مع العبد، فإن المدبر مال مملوك، فيدخل في العقد، ثم يستحق نفسه بحق الحرية، ولهذا لو قضى القاضي بجواز بيعه جاز. وأما إذا دخل بالتي لا تحل له، ففي رواية هذا الكتاب: لها مهر المثل، وهو الأصح عند أبي حنيفة، وما ذكر في الزيادات فهو قولهما، وبعد التسليم المنع من المجاورة بمجرد التسمية، ورضاها بالقدر المسمى، لا بانعقاد العقد، وذلك موجود في التي لا تحل، فأما الانقسام فباعتبار الدخول في العقد، ولم يوجد، وأما سقوط الحد على قول أبي حنيفة، فمن حكم صورة العقد لا من حكم انعقاده. كذا في المبسوط (١). وفي شرح المجمع: في قول أبي حنيفة فمن حكم صورة العقد (٢)، فيجعل الألف بإزاء الأخرى؛ عملا بمجاز اللفظ عند تعذر الحقيقة، وإطلاق التثنية على الواحد كثير، وهو من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم، فإن الواحد من الاثنين من لوازم الاثنين. فإن قيل: ينبغي أن يكون الخلاف على العكس، فيكون المسمى كله للتي تحل عندهما، وعنده ينقسم على مهر مثلهما؛ لأن نكاح المحارم له حكم الصحة عنده، حتى يثبت النسب به، وتجب العدة بالوطء، ويسقط الحد مع العلم بالحرمة، فصلحت مزاحمة لا عندهما. قلنا: عقدة التسمية غير معتبرة في حق التي لا تحل؛ لأن نكاحها وقع فاسدًا، فلا تزاحم في المسمى للتي تحل، وعندهما التسمية معتبرة في حق من

стр. 2548

(وَمَنْ ادَّعَت عَلَيْهِ امْرَأَةٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَت بَيِّنَة فَجَعَلَهَا القَاضِي امْرَأَتَهُ، وَلَم لا تحل أيضا؛ إذ لا معتبر في حقها سواها؛ لأنها لا عقد في حقها، ولا شبهة عقد عندهما. أصله: الإجارة الباطلة لا تفيد شيئًا، فبقي الإذن من الآخر معتبرًا، فإذا كانت التسمية معتبرة صلحت مزاحمة. قوله: (ومن ادعت عليه امرأة … ) إلى آخره: المقام معه - بفتح الميم وضمها - بمعنى: الإقامة. كذا في الصحاح (١). ولقب المسألة: أن قضاء القاضي بشهادة الزور ظاهرًا أو باطنا عند أبي حنيفة، خلافًا لصاحبيه، والشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وغيرهم، والمعنى من النفاذ باطنا بثبوت الحل والتحريم فيما بينه وبين الله تعالى. وعلى هذا الاختلاف في البيع؛ بأن ادعى بيع جارية وأقام بينة، ولم يبعها في الواقع، فقضى القاضي بالجارية للمدعي؛ حل له وطؤها عنده خلافًا لهما، وكذا لو ادعت المرأة الطلقات الثلاث على زوجها، وهو منكر وأقام بينة، ولم يكن طلقها في الواقع، فقضى القاضي بالطلقات الثلاث، وتزوجت بزوج آخر؛ حل للثاني وطؤها عنده وعندهما لا تحل للثاني ولا للأول، وكذا الاختلاف في الفسخ. والحاصل في المسألة أربعة أقاويل: فأبو حنيفة يقول للثاني لا للأول، وعندهما لا تحل للثاني ولا للأول للحرمة، والشافعي يقول: يطؤها الأول سرا، والثاني علانية. وذكر السَّرَخْسِي (٥): أن على قول محمد يحل للأول وطؤها قبل دخول الثاني، وبعد الدخول لا؛ لوجوب العدة من الثاني كالمنكوحة لو وجبت عليها العدة من غير زوجها.

стр. 2549

يَكُنْ تَزَوَّجَهَا وَسِعَهَا المُقَامُ مَعَهُ، وَأَنْ تَدَعَهُ يُجَامِعُهَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَولُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلاً، وَفِي قَولِهِ الآخَرِ - وَهُوَ قَولُ مُحَمَّد (*) - لَا يَسَعُهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ القَاضِيَ أَخطأَ الحُجَّةَ، إذ الشُّهُودُ كَذَبَةٌ فَصَارَ كَمَا إِذَا ظَهَرَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الشُّهُودَ صَدَقَةٌ عِندَهُ، قال أبو الليث: نأخذ بقولها في الفتوى. ثم فيما قالا تعطيل الفرج؛ لأنه لا تحل للأول ولا للثاني، ولا يمكنها التزوج بزوج آخر، وفيما قاله الشافعي اجتماع رجلين على امرأة واحدة في طهر واحد، وهو قبيح، فعرفنا أن الأوجه ما قاله أبو حنيفة. كذا في جامع المحبوبي (١). لهم: أن شهادة الزور حجة ظاهرًا لا باطنا، فينفذ القضاء بها ظاهرا لا باطنا؛ لأن القضاء إنما ينفذ بقدر الحجة، وشهادة الزور كذبة باطلة باطنا، أي: في الواقع، فكيف تنفذ باطنا؟، فصار كما لو كان الشهود كفارا أو عبيدا، أو محدودين في القذف، والمشهود له يعلم بحالهم، والقاضي لا يعلم، فإن قضاءه ينفذ ظاهرا لا باطنا، وكما لو قضى بنكاح منكوحة الغير أو معتدة الغير بشهادة الزور؛ فإنه ينعقد ظاهرا لا باطنا بالإجماع. وكذا في الميراث ينفذ ظاهرًا لا باطنا بالإجماع، ولأن القضاء إظهار العقد السابق، وإظهار العقد، ولا عقد بحال، أو إنشاء لعقد لم يسبق، وذا إنما يكون بارتباط الإيجاب والقبول ولم يوجد. (ولأبي حنيفة أن الشهود صدقة عنده)؛ أي: عند القضاء، يعني: أن القاضي مأمور بالقضاء ببينة صادقة، والتكليف بحسب الوسع، وليس في وسعه التكليف على صدق الشهود حقيقة، ولهذا أقيمت البينة وثبت عنده صدقهم بالتعديل أو غيره، يجب عليه القضاء، حتى لو [لم] (٢) ير ذلك على نفسه يكفر، ولو أخره يفسق، فكان الواجب عليه أن يشهد بشهود صَدَقَةٍ في ظنه؛ إذ لا

стр. 2550

وَهُوَ الحُجَّةُ لِتَعَذَّرِ الوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدِقِ، بِخِلَافِ الكُفْرِ وَالرِّقٌ، يمكن له الوقوف بصدق الشهود حقيقة، ورجحت هاهنا جهة صدقهم بسبب التعديل في ظنه، فيلزمه فوجب تصحيح قضائه ما أمكن، وقد أمكن هاهنا بتقديم النكاح على القضاء بطريق الاقتضاء، كيلا يلزمه التكليف بما ليس في الوسع، ولتنقطع المنازعة بينهما من كل وجه، وهذا معنى قوله: (وإذا ابتنى القضاء على الحجة … ) (١) إلى آخره. ومعنى قوله: (نفذ قطعا للمنازعة) (٢)؛ يعني: لو لم يثبت لحل بينهما باطنا، يكون هذا القضاء تمهيدًا للمنازعة بينهما، إذ يتمسك أحدهما بالظاهر ويطالب بالتسليم، والآخر بالباطن ويمنع نفسه، ولأنه يفضي إلى اجتماع رجلين على امرأة واحدة، هذا يتمسك بالظاهر والآخر بالباطن، وأنه قبيح. وفي الكافي: والذي في وسع القاضي أن يجعلها زوجة له بطريق الإظهار، فإن كان بينهما عقد سابق فيها، وإلا تقدم العقد اقتضاء ضرورة صحة الإظهار؛ لتنقطع المنازعة بينهما من كل وجه (٣). فإن قيل: إن كان قضاؤه متضمنا إنشاء العقد سابقا، فيشترط الشهود عند قوله: قضيت. قلنا: قد قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ وغيره: إنه لا ينفذ باطنا عنده بقوله: قضيت، إلا بمحضر الشهود، وبه أخذ عامة المشايخ، وهو قول الزعفراني (٤). وقيل: لا يشترط حضور الشهود لقضائه؛ لأن العقد يثبت مقتضى صحة قضائه في الباطن، وما يثبت مقتضى صحة الغير لا يثبت بشرائطه، كالبيع في قوله: (أعتق عبدك عني بألف). وفي جامع قاضي خان (٥): وهذا الخلاف بناء على الإنشاء والإمضاء. وبخلاف الكفر والرق؛ يعني: بخلاف ما إذا كان الشهود كفارًا أو عبيدا أو

стр. 2551

لِأَنَّ الوُقُوفَ عَلَيْهِمَا مُتَيَسِّرٌ، وَإِذَا ابْتَنَى القَضَاءُ عَلَى الحُجَّةِ وَأَمْكَنَ تَنفِيذُهُ بَاطِنًا بِتَقْدِيمِ النِّكَاحِ نَفَذَ قَطعًا لِلمُنَازَعَةِ، بِخِلَافِ الأَمْلاكِ المُرسَلَةِ، لِأَنَّ فِي الأَسبَابِ تَزَاحُمًا فَلَا إمكَانَ. محدودين في قذف؛ لأن الوقوف على هذه الأشياء ممكن، فإن العبيد يعرفون بسيماهم، وكذا المحدود في القذف لإقامة الحد على ملأ من الناس، وللكفار في دار الإسلام علامات يعرفون بها، وهذا معنى قوله: (لأن الوقوف عليها متيسر). وبخلاف الأملاك المرسلة؛ أي: المطلقة عن بيان سبب الملك؛ لأن الملك لا بد له من سبب؛ لأن الملك من الحوادث، وفي الأسباب تزاحم، ولا دليل لتعيين بعض الأسباب، فلا يمكن القضاء بالملك بسبب سابق على القضاء بطريق الاقتضاء، فلا يخاطب القاضي بذلك؛ لعدم الدليل، وإنما يقضي باليد، ولا يلزم من ثبوت اليد الملك حقيقة. وفي جامع صدر الإسلام (١): ولا يمكن القضاء بثبوت الملك قبل القضاء ضرورة إظهار الملك؛ لأنه لو ثبت الملك قبله يثبت بعوض أو غير عوض، ولا وجه للأول؛ لأنه ليس بعض الأعواض أولى من بعض، فلم تتعين جهة التصحيح من هذا الوجه، ولا وجه للثاني أيضا؛ لأنه لا ولاية للقاضي في تمليك مال الغير بغير عوض، بخلاف النكاح؛ فإن له ولاية تزويج اليتامى، فأمكن تصحيح القضاء به. ولأبي حنيفة أيضا: ما روي أن رجلا ادعى على امرأة نكاحا بين يدي عليٍّ ﵁، وأقام شاهدين بمقتضى النكاح بينهما، فقالت: إن لم يكن بد يا أمير المؤمنين فزوجني، فقال عليٌّ ﵁: شاهداك زوجاك، ولم يعقد بينهما بالقضاء باطنا لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، ورغبة الزوج فيها، وقد كان في ذلك تحصينها من الزنا، وصيانة لمائه، فكان الشهود زورا بدليل القصد. وفي الهبة والصدقة عن أبي حنيفة روايتان: في رواية ألحقها بالأنكحة والأشربة؛ من حيث إنها تحتاج إلى الإيجاب والقبول، وفي رواية ألحقها بالأملاك المرسلة؛ لما ذكرنا أن لا ولاية للقاضي على تمليك مال الغير بغير عوض.

стр. 2552

بَابٌ فِي الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ (وَيَنعَقِدُ نِكَاحُ الحُرَّةِ العَاقِلَةِ البَالِغَةِ بِرِضَاهَا وَإِنْ لَم يَعْقِد عَلَيْهَا وَلِيٌّ، بِكرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَنعَقِدُ إِلَّا بِوَلِيِّ. وَعِنْدَ مُحَمَّد يَنعَقِدُ موقُوفًا) باب في الأولياء والأكفاء لما ذكر النكاح وألفاظه ومحله؛ شرع في بيان عاقده. قوله: (بكرًا كانت أو ثيبًا): وهو احتراز له من قول أصحاب الظاهر؛ فإنهم فصلوا بين البكر والثيب، فقالوا: إن كانت بكرًا لا يصح نكاحها بغير ولي، وإن كان ثيبا صح (١). قوله: (ظاهر الرواية)؛ احتراز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إن كان الزوج كفوا لها جاز النكاح، وإلا فلا. وكان أبو يوسف يقول أولا: لا يجوز تزويجها نفسها من كفء وغير كفء إذا كان لها ولي، ثم رجع وقال: إن كان الزوج كفؤا لها جاز النكاح، وإلا فلا، ثم رجع وقال: صح النكاح، سواء كان الزوج كفؤا لها أو لا. وذكر الطحاوي قول أبي يوسف: أن الزوج إن كان كفؤا لها؛ أمر القاضي الولي بإجازة العقد، فإن أجاز جاز، وإن أبى لم يجبر ولم يفسخ، ولكن يجيزه القاضي فيجوز. ذكره في المبسوط (٢). (ينعقد موقوفا): سواء كان الزوج كُفوا أو لا، فإن أجازه الولي جاز، وإلا فلا. ومن العلماء من يقول: إن كانت غنية شريفة لم يجز تزويجها نفسها بغير رضا الولي، وإن كانت فقيرة خسيسة يجوز تزويجها نفسها بغير رضا الولي له. وقال أحمد (٣)، والشافعي (٤): لا ينعقد النكاح بعبارة النساء ولا توكيلهن،

стр. 2553

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَنعَقِدُ النِّكَاحُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ أَصلا، لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِمَقَاصِدِهِ، وَالتَّفوِيضُ إِلَيْهِنَّ مُخِلٌ بِهَا، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ يَقُولُ: يَرتَفِعُ الخَلَلُ بِإِجَازَةِ الوَلِيِّ. ولا بد من الولي، أو السلطان عند عدمه، ويروى عن بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال مالك (١): إن كانت ذا حسب وجمال وشرف ومال رغب في مثلها؛ لم يصح نكاحها إلا بولي، وإن كانت بخلاف ذلك؛ جاز أن يتولى نكاحها أجنبي برضاها، ولا تتولاه بنفسها. قيل: هذا النقل عنه غلط، والصحيح منه: أن الدنية إن زوجها الجار أو غيره ممن ليس بولي جاز، والتي لها موضع، فإن زوجها غير الولي فرق بينهما، فإن أجازه الولي أو السلطان جاز. والشافعي وأحمد شرطا الولي في الكل، واستدلا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، قال الشافعي: هذه أبين آية في كتاب الله تعالى تدل على أن النكاح بغير ولي لا يجوز؛ لأنه تعالى نهى الولي عن المنع والمنع إنما يتحقق منه إذا كان الممنوع في يده؛ إذ الخطاب للأولياء (٢). وروي أن معقل بن يسار زوَّج أختا له، فطلقها ثم خطبها بعد عدتها، فأبى أن يزوجها، فنزلت. رواه البخاري (٣). وحديث عائشة أنه ﵇ قال: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذنِ وَليّها فنكاحها باطل باطل باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، لا وكس ولا شطط، فإن أبى الولي فالسلطان ولي من لا وَليَّ له». رواه الترمذي، وأحمد، وأبو داود وابن ماجه (٤)

стр. 2554

وَوَجهُ الجَوَازِ: أَنَّهَا تَصَرَّفَت فِي خَالِصِ حَقَّهَا، وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ، لِكَونِهَا عَاقِلَة مُمَيِّزَة، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي المَالِ وَلَهَا احْتِيَارُ الأَزْوَاجِ، وفي الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عَدْلٍ» (١)، وفي حديث ابن عباس أنه ﵇ قال: «كل نكاح لم يَحضُرْهُ أربعة فهو سفاح: خاطِبٌ، ووَلِيٌّ، وشاهِدًا عَدْلٍ» (٢)، وفي حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «لا تُنكِحُ المرأة المرأةَ، ولا المرأة نفسها، إنما الزانية هي التي تُنكِحُ نفسها» (٣)، وقال ﵇: «لا تُنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يُزوِّجُهُنَّ إلا الأولياء» (٤). والمعنى: أنها منقوصة بنقصان الأنوثة، ولهذا لا تملك ولاية الإمامة والقضاء، والشهادة فيما يندرئ بالشبهات، وحضور الجمعة والجماعات، فلا تملك مباشرة النكاح، كالصغيرة والمجنونة، ولأن النكاح عظيم خطره، وكبير مقاصده، ولهذا أظهر الشرع خطره باشتراط الشاهدين، ومقاصده معان تستدعي التوافق بينهما عادة، ولا يوقف عليها إلا بالعقل الكامل، وعقلها ناقص بالحديث، فلو فُوِّضَ النكاح إليها تختل المقاصد؛ لأنهن سريعات الاغترار، سيئات الاختيار، لا سيما عند هيجان الشهوة، فإن الشهوة متى ثارت حجبت العقول عن تحسين الفكر في العواقب، فلو فوض إليها ربما يضعن أنفسهن في عار لا يخفى ولا ينقص، فتجعل مباشرته مفوضة إلى رأي الكامل من الرجال.

стр. 2555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الأسرار: يشكل هذا بتزويجها نفسها بإذن الولي؛ فإنه لا يجوز عنده أيضا، وينبغي على هذا التعليل أن يجوز، إلا أن يقول: تفويض النكاح إليهن مطلقا من غير نظر إلى الإذن وعدمه، وفيه تأمل. وما قالوه لا طائل تحته؛ فإن البالغ الذي (١) لم يجرب الأمور يزوج عمته التي جربت الأمور، ومارست الرجال مائة مرة، يجوز عندهم، إلا أن محمدًا يقول: الضرر الموهوم ينتفي بإجازته، ولا خلل في نفس العقد، فيصح موقوفا بإجازته. ولأبي حنيفة وأبي يوسف: قوله تعالى ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، وقوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقوله تعالى ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾؛ أضاف العقد إليهن في هذه الآيات، فدل أنها تملك المباشرة. والمراد بالعضل: المنع حسا؛ بأن يحبسها في بيت ويمنعها من أن تزوج، فتكون الآية دليلا لنا، أو هذا خطاب للأزواج؛ فإنه قال في أول الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وبه نقول: إن الزوج لا يمنع مطلقها بعد العدة أن يمنعها من التزوج بزوج آخر. قال فخر الدين بن الخطيب: المختار: أنه خطاب للأزواج لا للأولياء (٢)، وتمسك الشافعي ممنوع على المختار. وقول الشافعي: (إذ لو كانت تتمكن من تزويج نفسها؛ لم يكن للعضل معن) غلط؛ لأن النهي يمنع أن يكون للمنهي حق فيما نهي عنه، فكيف يستدل به على إثبات الحق له، ولأن العضل اسم مشترك بمعنى المنع، وبمعنى الضيق، والداء العضال، وذلك كله ظاهر في منعها من الخروج. وقوله ﵇: «الأيّمُ أحقُّ بنفسها من وَليّها» رواه ابن عباس، فهو

стр. 2556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المتفق على صحته (١)، وروى ابن عباس أنه ﵇ قال: «البكر يستأذِنُها أبوها» رواه مسلم في صحيحه (٢)، ولنا في الباب أحاديث كثيرة صححها الثقات. والأيم: اسم لامرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، هذا هو الصحيح عند أهل اللغة، وهو اختيار الكرخي بخلاف ما ذكره محمد أنه اسم للثيب، وقال ﵇: «ليس للوليّ مع الثَّيِّبِ أمر». أخرجه الدارقطني (٣)، وحديث الخنساء حين زوجها أبوها من ابن أخيه، حيث قالت بين يدي رسول الله: ولكني أردت أن تعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمور بناتهن شيء. رواه النسائي، وأحمد، وابن ماجه (٤). قيل: هذا الذي ذكره شمس الأئمة ليس حديث خنساء، بل حديث جارية بكر، وخنساء بنت خذام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب، فجاءت فذكرت ذلك، ولما خطب النبي ﷺ أم سلمة اعتذرت بأعذار من جملتها: أن أوليائي غُيَّبٌ؛ فقال ﵇: «ليس في أوليائِكِ من لا يرضى بي، قُمْ يا عُمرُ وزَوِّجْ أَمَّكَ من رسولِ اللهِ» (٥) خاطب عمر بن سلمة، والنكاح كان بعبارة أم سلمة؛ لأن عمر كان صغيرا جدا. قيل: كان ابن ثلاث سنين. ذكره في الطبقات.

стр. 2557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن عمر، وعلي، وابن عمر: جوازه بغير ولي، وعائشة زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب؛ وبهذا تبين أن ما رووا من حديث عائشة غير صحيح؛ فإن فتوى الراوي بخلاف ما روى دليل وهنه، ومدار ذلك الحديث على الزهري، وأنكره الزهري وجوز النكاح بغير ولي، وإن صح فمحمول على الأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن مولاها، أو على الصغيرة أو المجنونة، وكذلك سائر الأخبار التي رووا، على هذا يحمل، أو على بيان الندب للجمع بين الدليل. أو نقول: إنها ولية نفسها، بدليل كونها ولية في المال، مع أن الثقات مثل البخاري وغيره تكلموا في أحاديثهم وضعفوها. قال الدارقطني: لا يحتج بحديث ابن عباس، وقال أحمد: ضعيف، وقال أبو الفرج: موقوف، وقال ابن عبد البر (١): حديث «لا يُزوّجوهُنَّ إِلَّا الأولياء» ضعيف لا يحتج به؛ إذ لا أصل له. والأحاديث والآثار التي روينا تدل على صحة عبارتها، وما روى الخصم لا يدل على صحة عبارتها بل يدل على سلب ولايتها. والمعنى: أنها تتصرف في خالص حقها، ولم تلحق الضرر بغيرها، فينفذ كتصرفها في مالها، وهذا لأن التصرف متى صدر من أهله مضافا إلى محله ينفذ، وتصرفها في خالص حقها، بدليل أن البدل الواجب بمقابلتها لها، والأهلية بالقدرة على التصرف على وجه يقف به على مضمون التصرف، وذا يكون بالعقل والتمييز واللسان الناطق، وهي موجودة في حقها، ووقوفها على ما تتحصل به مقاصد النكاح أكثر من وقوف غيرها، فهي أعرف لشأنها من غيرها، وشفقتها على نفسها فوق شفقة غيرها عليها، ولا عبرة لنقصان عقلها؛ لما أن اختيار الأزواج إليها، والتفاوت في المقاصد يقع باختيار الزوج لا مباشرة العقد، وكذا إقرارها بالنكاح صحيح على نفسها، فلو كانت بمنزلة الصغيرة ما صح إقرارها بالنكاح ولا الحدود ولا فيما يندرئ بالشبهات، ويعتبر رضاها في مباشرة الولي العقد.

стр. 2558

وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الوَلِيُّ بِالتَّرْوِيجِ كَي لَا تُنسَبَ إِلَى الوَقَاحَةِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لَا فَرقَ بَينَ الكُفْءِ وَغَيْرِ الكُفْءِ، وَلَكِن لِلوَلِيِّ الاعْتِرَاضُ فِي غَيْرِ الكُفء. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الكُفْءِ، لِأَنَّه ويجب تزويجها على الولي إذا طلقها، فلو كانت كالصغيرة لانعكست الأحكام، وإنما يطالب الولي بالتزويج؛ لأنها تستحي من الخروج إلى محافل الرجال لتباشر العقد؛ لأن هذا يعد منها وقاحة، لا أنها لا تقدر على المباشرة. قوله: (وإنما يطالب) جواب سؤال، وهو أن يقال: لو قدرت على المباشرة لوجب عليها المطالبة من الولي، ولما وجب على الولي التزويج عند طلبها، فقال: (وإنما يطالب الولي). الكل من المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ (أنها تصرفت في خالص حقها) إلى آخره. ومما ذكر في المبسوط يعرف الجواب عما تعلق الخصم من الدليل المعقول يعرف بأدنى تأمل. للولي الاعتراض هذا إذا لم تلد؛ فإن ولدت لا حق للولي في الفسخ لخلو الولد عمن يربيه. كذا في فتاوى قاضي خان، والخلاصة (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام له حق الفسخ بعد الولادة (٣). (وعن أبي حنيفة وعن أبي يوسف): وهو رواية الحسن، كما روينا من المبسوط. وفي فتاوى قاضي خان (٤)، والقنية والمختار للفتوى في زماننا رواية الحسن. وفي الكافي: وبقوله أخذ كثير من المشايخ (٥). قال شمس الأئمة في المبسوط (٦): هذا أقرب إلى الاحتياط، فليس كل

стр. 2559

كَمْ مِنْ وَاقِع لَا يُرفَعُ. وَيُروَى رُجُوعُ مُحَمَّد إِلَى قَوْلِهِمَا (وَلَا يَجُوزُ لِلوَلِيِّ إِجبَارُ البِكْرِ البَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ) خِلَافا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ: الاعْتِبَارُ بِالصَّغِيرَةِ، وَليٌّ يُحسِنُ المُرَافَعةَ إِلَى القَاضِي، وَلَا كُلُّ قَاضٍ يَعدِل، فَكَان الأَحوُطُ سَدَّ باب التزويج من غير كفء عليها. قال صدر الإسلام (١): لو تزوجت المطلقة الثلاث نفسها من غير كفء، ودخل بها الزوج ثم طلقها؛ لا تحل على الزوج الأول، كما هو المختار من رواية الحسن. وفي الحقائق (٢): هذا مما يجب حفظه؛ لكثرة وقوعه. قوله: (خلافاً للشافعي) (٣): وبه قال: مالك في أشهر الروايتين عنه في الجد (٤)، وأحمد في إحدى الروايتين عنه في الجد أيضا (٥)، وابن أبي ليلى. ولكن يستحب عند السلف أن يستأذنها، ولا يثبت للجد ولاية الإجبار في رواية. وروي عن الشافعي قولا: والجد لا يجبر، وهو رواية مالك، وليس هذا بظاهر مذهبه، ويستحب عنده أن يراجعها ويستأذنها. استدل الشافعي بقوله ﵇: «ليس للولي مع الثيب أمر» (٦)؛ فتخصيصه بالذكر عند نفي ولاية الاستبداد للولي بالتصرف دليل على أنه يتزوج البكر. ولأن هذه بكر، فيملك أبوها تزويجها كما لو كانت صغيرة، وهذا لأنها بالبلوغ لم يحدث لها رأي في النكاح؛ لأنها لم تمارس الرجال، فلا تقف على مصالح النكاح ومفاسده، فكان بلوغها بكرا كبلوغها مجنونة،

стр. 2560

وَهَذَا لِأَنَّهَا جَاهِلَةٌ بِأَمْرِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ التَّجْرِبَةِ، وَلِهَذَا يَقْبِضُ الْأَبُ صَدَاقَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا. وَلَنَا: أَنَّهَا حُرَّةٌ مُخَاطَبَةٌ، فَلَا يَكُونُ لِلغَيرِ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ، وَالوِلَايَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ بخلاف المال والغلام؛ فإن الرأي هناك يحدث بالبلوغ عن عقل. كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ: (لأنها جاهلة بأمر النكاح) إلى آخره. قوله: (ولهذا)؛ دليل على كونها جاهلة، فإذا جعلت في حق قبض الصداق كالصغيرة حتى يستبد الأب بقبض صداقها، فكذا في تزويجها. (ولنا: أنها) أي: البكر البالغة (حرة مخاطبة) والحرية والخطاب وصفان مؤثران في ولاية الاستبداد بالتصرف وزوال الأنساب عليها في حق الماء والغلام وبقاء صفة البكارة تأثيره في عدم الاهتداء بسبب انعدام التجربة، وهذا لا يثبت ولاية الأنساب كما في المال والغلام، إذ الظاهر زوال القصور بالبلوغ عن عقل، فقامت حقيقة الاهتداء تيسيرًا على الناس، وسقط اعتبار الاهتداء الذي يحصل قبل البلوغ بالتجربة، والجهل الذي يبقى بعد البلوغ لعدم التجربة؛ ألا ترى أن البكر التي لا أب لها غير مهتدية كالتي لها أب، ثم اعتبر رضاها في تزويجها بالإجماع، وكذا إقرارها بالنكاح يصح، فلو كان بقاء صفة البكارة لبقاء صفة الصغر في حقها؛ لم [يجز] (٢) إقرارها بالنكاح، فأما قبض الصداق فالأب يملكه برضاها دلالة، إذ الظاهر أن البكر تستحي عن قبض مهرها، والأب هو الذي يقبضه ليجهزها بذلك مع مال نفسه ليبعث بها إلى بيت زوجها، فكان له أن يقبضه لهذا، وبعد الشُّيُوبَةِ لا توجد هذه العادة؛ لأن التجهيز من الآباء بالإحسان مرة بعد مرة لا يكون، فصار الأب في المرة الثانية كسائر الأولياء، ولهذا لا يملك الأب قبض الصداق مع نهيها. كذا في المبسوط (٣). وفيه: ولنا حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري «أنه ﵇ ردّ نكاح بكر زوجها أبوها وهي كارهة». رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه،
следующие страницы →