← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المتفق على صحته (١)، وروى ابن عباس أنه ﵇ قال: «البكر يستأذِنُها أبوها» رواه مسلم في صحيحه (٢)، ولنا في الباب أحاديث كثيرة صححها الثقات. والأيم: اسم لامرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، هذا هو الصحيح عند أهل اللغة، وهو اختيار الكرخي بخلاف ما ذكره محمد أنه اسم للثيب، وقال ﵇: «ليس للوليّ مع الثَّيِّبِ أمر». أخرجه الدارقطني (٣)، وحديث الخنساء حين زوجها أبوها من ابن أخيه، حيث قالت بين يدي رسول الله: ولكني أردت أن تعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمور بناتهن شيء. رواه النسائي، وأحمد، وابن ماجه (٤). قيل: هذا الذي ذكره شمس الأئمة ليس حديث خنساء، بل حديث جارية بكر، وخنساء بنت خذام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب، فجاءت فذكرت ذلك، ولما خطب النبي ﷺ أم سلمة اعتذرت بأعذار من جملتها: أن أوليائي غُيَّبٌ؛ فقال ﵇: «ليس في أوليائِكِ من لا يرضى بي، قُمْ يا عُمرُ وزَوِّجْ أَمَّكَ من رسولِ اللهِ» (٥) خاطب عمر بن سلمة، والنكاح كان بعبارة أم سلمة؛ لأن عمر كان صغيرا جدا. قيل: كان ابن ثلاث سنين. ذكره في الطبقات.

стр. 2557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن عمر، وعلي، وابن عمر: جوازه بغير ولي، وعائشة زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب؛ وبهذا تبين أن ما رووا من حديث عائشة غير صحيح؛ فإن فتوى الراوي بخلاف ما روى دليل وهنه، ومدار ذلك الحديث على الزهري، وأنكره الزهري وجوز النكاح بغير ولي، وإن صح فمحمول على الأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن مولاها، أو على الصغيرة أو المجنونة، وكذلك سائر الأخبار التي رووا، على هذا يحمل، أو على بيان الندب للجمع بين الدليل. أو نقول: إنها ولية نفسها، بدليل كونها ولية في المال، مع أن الثقات مثل البخاري وغيره تكلموا في أحاديثهم وضعفوها. قال الدارقطني: لا يحتج بحديث ابن عباس، وقال أحمد: ضعيف، وقال أبو الفرج: موقوف، وقال ابن عبد البر (١): حديث «لا يُزوّجوهُنَّ إِلَّا الأولياء» ضعيف لا يحتج به؛ إذ لا أصل له. والأحاديث والآثار التي روينا تدل على صحة عبارتها، وما روى الخصم لا يدل على صحة عبارتها بل يدل على سلب ولايتها. والمعنى: أنها تتصرف في خالص حقها، ولم تلحق الضرر بغيرها، فينفذ كتصرفها في مالها، وهذا لأن التصرف متى صدر من أهله مضافا إلى محله ينفذ، وتصرفها في خالص حقها، بدليل أن البدل الواجب بمقابلتها لها، والأهلية بالقدرة على التصرف على وجه يقف به على مضمون التصرف، وذا يكون بالعقل والتمييز واللسان الناطق، وهي موجودة في حقها، ووقوفها على ما تتحصل به مقاصد النكاح أكثر من وقوف غيرها، فهي أعرف لشأنها من غيرها، وشفقتها على نفسها فوق شفقة غيرها عليها، ولا عبرة لنقصان عقلها؛ لما أن اختيار الأزواج إليها، والتفاوت في المقاصد يقع باختيار الزوج لا مباشرة العقد، وكذا إقرارها بالنكاح صحيح على نفسها، فلو كانت بمنزلة الصغيرة ما صح إقرارها بالنكاح ولا الحدود ولا فيما يندرئ بالشبهات، ويعتبر رضاها في مباشرة الولي العقد.

стр. 2558

وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الوَلِيُّ بِالتَّرْوِيجِ كَي لَا تُنسَبَ إِلَى الوَقَاحَةِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لَا فَرقَ بَينَ الكُفْءِ وَغَيْرِ الكُفْءِ، وَلَكِن لِلوَلِيِّ الاعْتِرَاضُ فِي غَيْرِ الكُفء. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الكُفْءِ، لِأَنَّه ويجب تزويجها على الولي إذا طلقها، فلو كانت كالصغيرة لانعكست الأحكام، وإنما يطالب الولي بالتزويج؛ لأنها تستحي من الخروج إلى محافل الرجال لتباشر العقد؛ لأن هذا يعد منها وقاحة، لا أنها لا تقدر على المباشرة. قوله: (وإنما يطالب) جواب سؤال، وهو أن يقال: لو قدرت على المباشرة لوجب عليها المطالبة من الولي، ولما وجب على الولي التزويج عند طلبها، فقال: (وإنما يطالب الولي). الكل من المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ (أنها تصرفت في خالص حقها) إلى آخره. ومما ذكر في المبسوط يعرف الجواب عما تعلق الخصم من الدليل المعقول يعرف بأدنى تأمل. للولي الاعتراض هذا إذا لم تلد؛ فإن ولدت لا حق للولي في الفسخ لخلو الولد عمن يربيه. كذا في فتاوى قاضي خان، والخلاصة (٢). وفي مبسوط شيخ الإسلام له حق الفسخ بعد الولادة (٣). (وعن أبي حنيفة وعن أبي يوسف): وهو رواية الحسن، كما روينا من المبسوط. وفي فتاوى قاضي خان (٤)، والقنية والمختار للفتوى في زماننا رواية الحسن. وفي الكافي: وبقوله أخذ كثير من المشايخ (٥). قال شمس الأئمة في المبسوط (٦): هذا أقرب إلى الاحتياط، فليس كل

стр. 2559

كَمْ مِنْ وَاقِع لَا يُرفَعُ. وَيُروَى رُجُوعُ مُحَمَّد إِلَى قَوْلِهِمَا (وَلَا يَجُوزُ لِلوَلِيِّ إِجبَارُ البِكْرِ البَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ) خِلَافا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ: الاعْتِبَارُ بِالصَّغِيرَةِ، وَليٌّ يُحسِنُ المُرَافَعةَ إِلَى القَاضِي، وَلَا كُلُّ قَاضٍ يَعدِل، فَكَان الأَحوُطُ سَدَّ باب التزويج من غير كفء عليها. قال صدر الإسلام (١): لو تزوجت المطلقة الثلاث نفسها من غير كفء، ودخل بها الزوج ثم طلقها؛ لا تحل على الزوج الأول، كما هو المختار من رواية الحسن. وفي الحقائق (٢): هذا مما يجب حفظه؛ لكثرة وقوعه. قوله: (خلافاً للشافعي) (٣): وبه قال: مالك في أشهر الروايتين عنه في الجد (٤)، وأحمد في إحدى الروايتين عنه في الجد أيضا (٥)، وابن أبي ليلى. ولكن يستحب عند السلف أن يستأذنها، ولا يثبت للجد ولاية الإجبار في رواية. وروي عن الشافعي قولا: والجد لا يجبر، وهو رواية مالك، وليس هذا بظاهر مذهبه، ويستحب عنده أن يراجعها ويستأذنها. استدل الشافعي بقوله ﵇: «ليس للولي مع الثيب أمر» (٦)؛ فتخصيصه بالذكر عند نفي ولاية الاستبداد للولي بالتصرف دليل على أنه يتزوج البكر. ولأن هذه بكر، فيملك أبوها تزويجها كما لو كانت صغيرة، وهذا لأنها بالبلوغ لم يحدث لها رأي في النكاح؛ لأنها لم تمارس الرجال، فلا تقف على مصالح النكاح ومفاسده، فكان بلوغها بكرا كبلوغها مجنونة،

стр. 2560

وَهَذَا لِأَنَّهَا جَاهِلَةٌ بِأَمْرِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ التَّجْرِبَةِ، وَلِهَذَا يَقْبِضُ الْأَبُ صَدَاقَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا. وَلَنَا: أَنَّهَا حُرَّةٌ مُخَاطَبَةٌ، فَلَا يَكُونُ لِلغَيرِ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ، وَالوِلَايَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ بخلاف المال والغلام؛ فإن الرأي هناك يحدث بالبلوغ عن عقل. كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ: (لأنها جاهلة بأمر النكاح) إلى آخره. قوله: (ولهذا)؛ دليل على كونها جاهلة، فإذا جعلت في حق قبض الصداق كالصغيرة حتى يستبد الأب بقبض صداقها، فكذا في تزويجها. (ولنا: أنها) أي: البكر البالغة (حرة مخاطبة) والحرية والخطاب وصفان مؤثران في ولاية الاستبداد بالتصرف وزوال الأنساب عليها في حق الماء والغلام وبقاء صفة البكارة تأثيره في عدم الاهتداء بسبب انعدام التجربة، وهذا لا يثبت ولاية الأنساب كما في المال والغلام، إذ الظاهر زوال القصور بالبلوغ عن عقل، فقامت حقيقة الاهتداء تيسيرًا على الناس، وسقط اعتبار الاهتداء الذي يحصل قبل البلوغ بالتجربة، والجهل الذي يبقى بعد البلوغ لعدم التجربة؛ ألا ترى أن البكر التي لا أب لها غير مهتدية كالتي لها أب، ثم اعتبر رضاها في تزويجها بالإجماع، وكذا إقرارها بالنكاح يصح، فلو كان بقاء صفة البكارة لبقاء صفة الصغر في حقها؛ لم [يجز] (٢) إقرارها بالنكاح، فأما قبض الصداق فالأب يملكه برضاها دلالة، إذ الظاهر أن البكر تستحي عن قبض مهرها، والأب هو الذي يقبضه ليجهزها بذلك مع مال نفسه ليبعث بها إلى بيت زوجها، فكان له أن يقبضه لهذا، وبعد الشُّيُوبَةِ لا توجد هذه العادة؛ لأن التجهيز من الآباء بالإحسان مرة بعد مرة لا يكون، فصار الأب في المرة الثانية كسائر الأولياء، ولهذا لا يملك الأب قبض الصداق مع نهيها. كذا في المبسوط (٣). وفيه: ولنا حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري «أنه ﵇ ردّ نكاح بكر زوجها أبوها وهي كارهة». رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه،

стр. 2561

لِقُصُورِ عَقلِهَا، وَقَدْ كَمُلَ بِالبُلُوغِ، بِدَلِيلِ تَوَجُهِ الخِطَابِ فَصَارَ كَالغُلَامِ، وَكَالتَّصَرُّفِ فِي المَالِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الأَبُ قَبضَ الصَّدَاقِ بِرِضَاهَا دَلَالَةِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ مَعَ نَهِيهَا. والدارقطني (١). وفي حديث آخر قال: «البكرُ يُزوِّجُها أبوها أو وليها، فإن سكتت فقد رَضِيتُ، وإن أبَتْ لم تُكرَه» (٢)، وفي رواية: «فلا جواز عليها» (٣). والدليل عليه: حديث خنساء، فإنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه وأنا لذلك كارهة؛ فقال ﵇ «أجيزي ما صنع أبوك»، فقالت: ما فِيَّ رغبة فيما صنع؛ فقال اذهبي فلا نكاح لكِ، انكحي مَنْ شئت فقالت: أجزتُ ما صنع أبي، ولكني أردتُ أن تعلم النساء أن ليس للآباء من أمور بناتهنّ شيء (٤)، ولم ينكر ﵇ مقالتها، ولم يستفسر أنها بكر أم ثيب، فدل أن الحكم لا يختلف. وقال ﵇: «البكر يستأمِرُها أبوها وسكوتُها رضاها». رواه مسلم في صححه، وأبو داود، والنسائي، وأحمد (٥)، واتفقوا على صحته؛ فدل أن أصل الرضا منها معتبر. والشافعي لم يعمل بهذا الحديث أصلا؛ حيث يقول: لا يشترط رضاها. والمراد بما روي: حق الضم والتفرد بالسكنى، يعني: أن للولي أن يضم البكر إلى نفسه؛ لأنها يخاف عليها أن تخدع فإنها لم تمارس الرجال ولم تعرف كيدهم، وللثيب أن تنفرد بالسكنى لأنها أمنت ذلك. كذا في المبسوط (٦)

стр. 2562

قَالَ: (وَإِذَا اسْتَأْذَنَهَا فَسَكَتَت أَوْ ضَحِكَت، فَهُوَ إِذنٌ) لِقَولِهِ ﷺ : «البكرُ تُستَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَت فَقَد رَضِيَت» وَلِأَنَّ جَنبَةَ الرِّضَا فِيهِ رَاجِحَةٌ، لِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي عَنْ إِظْهَارِ الرَّعْبَةِ لَا عَنِ الرَّدِّ، وَالضَّحِكُ أَدَلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ السُّكُوتِ، بِخِلَافِ مَا إذا بكت، … ... … وقولهم: (بأنها جاهلة بأمر النكاح لعدم الممارسة بالرجال) منقوض بالبكر التي تزوجت مرارًا، ومارست ومرت عليها التجارب مع بقاء بكارتها، وبالثيب التي تزوجت بالمراهق فأزال بكارتها ثم مات عنها، أو زال بالزنا من غير صحبة الرجال عند الشافعي، حيث قال في الأولى بكر يُكتفى بسكوتها، وفي الثانية يشترط نطقها. قوله: (وإذا استأذنها)؛ أي: طلب الولي الإذن منها قبل النكاح. (فسكتت أو ضحكت فهو إذن): وكذا لو تبسمت يكون رضا، وهو الصحيح من المذهب. ذكره الحلواني. كذا في المحيط (١)؛ لما روي أنه ﵇ كان إذا خطب إليه بعض بناته، جلس إلى جنب خدرهن وقال: «إن فلاناً يخطب فلانةً، يُزوّجها إن سكتَتْ، وإن نكتتْ خِدرَها بأصبعها لم يُزوّجها» (٢)، وفي رواية: يقال: إن كرهتيه فقولي: لا (٣)، فطلب منها جواب الرد. وكذا لو ضحكت وبه قال الشافعي في الأصح في غير الأب والجد (٤)، ومالك (٥)، وأحمد. (٦)؛ لأن الضحك أدل على الرضا بالمسموع من المسكوت، فيكون في معنى المنصوص من كل وجه.

стр. 2563

لِأَنَّهُ دَلِيلُ السُّخْطِ وَالكَرَاهَةِ. وَقِيلَ: إِذَا ضَحِكَت كَالمُستَهْزِئَةِ بِمَا سَمِعَت لَا يَكُونُ رضا، وَإِذَا بَكَت بِلَا صَوت لَم يَكُنْ رَدًّا. قَالَ: (وَإِنْ فَعَلَ هَذَا غَيْرُ وَلِيٌّ) يَعْنِي: استَأمَرَ غَيْرُ الوَلِيِّ أَوْ وَلِيٌّ غَيْرُهُ أَولَى مِنهُ: لَم يَكُنْ رِضًا حَتَّى تَتَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّ هَذَا وقال بعض المتأخرين: إن ضحكت كالمستهزئة لما سمعت؛ لا يكون رضا، والضحك الذي يكون بطريق الاستهزاء معروف بين الناس. (لأنه)؛ أي: البكاء دليل السخط والكراهة غالبا، والبكاء على السرور نادر، فلا عبرة به، ولكن ليس برد حتى لو رضيت بعده ينفذ العقد، ولو قالت: (لا أرضى) ثم رضيت بعده لا يصح للرد. وفي المبسوط (١): قال بعض المتأخرين: هذا إذا كان لبكائها صوت كالويل، فأما إذا خرج الدمع من غير صوت لا يكون ردا؛ لأنها تحزن على مفارقة بيت أبيها (٢)، وعليه الفتوى، وإنما يكون عند الإجازة. وعن أبي يوسف: أن البكاء رد، وعنه: أنه رضا. وفي جامع قاضي خان (٣): تمتحن بدموع عينها إن كانت باردة فهو من السرور، فيكون رضا، وإن كانت حارة فهي من الحزن، فيكون ردا. وقيل: إن كان عذبا فرضا، وإن كان مالحا فرة. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: البُكَاءُ رِضًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الصِّيَاحِ أَوْ ضَرْبِ الخَدّ (٤). (هذا غير الولي)؛ أي: الأجانب أو قريب غيره. (وليها)؛ بأن [يكون] (٥) القريب كافرا أو عبدا، أو مكاتبا. (أو ولي غيره أولى منه)؛ بأن استأمرها الأخ مع وجود الأب، وهو قول الشافعي (٦).

стр. 2564

السُّكُوتَ لِقِلَّةِ الالتِفَاتِ إِلَى كَلَامِهِ، فَلَم يَقَع دَلَالَةٌ عَلَى الرِّضَا، وَلَو وَقَعَ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ، وَالاكْتِفَاءُ بِمِثْلِهِ لِلحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ فِي حَقِّ غَيْرِ الأَولِياءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ المُستَأْمَرُ رَسُولَ الوَلِيِّ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَيُعتَبَرُ فِي الاسْتِعْمَارِ تَسْمِيَةُ الزَّوجِ عَلَى وَجْه تَقَعُ بِهِ المَعْرِفَةُ. وفي المبسوط (١): وحكي عن الكرخي: أن سكوتها عند استثمار الأجنبي يكون رضا؛ لأنها تستحي من الأجنبي أكثر مما تستحي من الولي. والأول الأصح؛ لقلة التفاتها إلى استثماره، فكأنها قالت: مالك والاستثمار، حيث لم يكن لك سبيل على العقد. وقول الشيخ: (والاكتفاء بمثله إلى آخره، رد لقوله: (ولو وقع)؛ أي: السكوت عند استئمار غير الولي (فهو محتمل). (والاكتفاء بمثله)؛ أي بالمحتمل للحاجة)؛ أي: لحاجة الإنكاح، ولا يوجد ذلك في حق غير الولي. (يقع به)؛ أي: يقع بالزوج (المعرفة) حتى لو قال: أزوجك بعض جيرانك، أو بعض بني عمي؛ لم يكن سكوتها رضا؛ لأن الرضا بالمجهول لا يتصور. وقيل: لو عد عليها جماعة فسكتت، وزوجها من أحدهم، وكذا لو ذكر بني فلان وهم يحصون، قالوا: والشرط كون الزوج كفؤا والمهر وافرا، حتى لو لم يكن كفؤا ولم يكن المهر وافرا أو عدم أحدهما؛ لم يكن سكوتها رضا إلا في حق الأب والجد عند أبي حنيفة؛ لأن الأب والجد عنده ولي (٢) في هذا العقد. وعندهما: الولي مطلقا؛ لأن الأب والجد [بمنزلة الأجانب] (٣) في هذا العقد. كذا في جامع قاضي خان، والمحيط (٤)، والمبسوط (٥).

стр. 2565

لِتَظْهَرَ رَعْبَتُهَا فِيهِ مِنْ رَعْبَتِهَا عَنْهُ (وَلَا تُشتَرَطُ تَسْمِيَةُ المَهرِ. هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ وقال الشافعي: يشترط النطق في غير الكفء في قول، وفي غير مهر المثل (١). وفي الفتاوى (٢): استأمر بكرًا بالغا بحضرتها ولم يستأمرها، فسكتت؛ ففيه اختلاف المشايخ، والأصح أنه رضا، واستثمار وكيل الأب كالأب. وفي القنية (٣): لو قال الأب: يذكرك فلان بمهر كذا، فوثبت مرتين وهي في مكانها، فزوجها؛ جاز، ولو قال لها: أريد أن أزوجك من رجل، فسكتت؛ لا يكون رضا، ولو قال: أزوجك؛ لم يكن رضا. وقال الصفار (٤): لا يكون رضا في الفصلين قال صاحب الحاوي: وبه نأخذ. قوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المتأخرين، حيث قالوا: لا بد من تسمية المهر في الاستثمار؛ لأن رغبتها تختلف باختلاف المهر في القلة والكثرة. والصحيح: أنه لا يشترط، فعلم أن السكوت رضا. كذا في المبسوط (٥)، وجامع قاضي خان؛ لأن الظاهر أن رغبتها تختلف باختلاف الزوج؛ لأن الأب لا يقف على مرادها في حق الزوج، وأما في حق الصداق، فعلم أن مرادها في ذلك وهو صداق مثلها، مع أن للنكاح صحة بدون المهر، ولا يصح بدون ذكر الزوج. كذا في المبسوط (٦). وفي الكافي: إن كان المُزوِّجُ أبا أو جدا لا يشترط؛ لأنه لا ينقص المهر إلا لغرض فوقه، وإن كان غيرهما فلا بد من تسمية الزوج والمهر؛ لأن غيرهما قد يبخس المهر لا لغرض لقصور شفقته (٧)، وهو الصحيح. كذا ذكره في

стр. 2566

النِّكَاحَ صَحِيحٌ بِدُونِهِ، (وَلَو زَوَّجَهَا فَبَلَغَهَا الخَبَرُ فَسَكَتَت فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرنَا) لِأَنَّ مبسوط فخر الإسلام (١). قوله: (فهو على ما ذكرنا)؛ أي: من فصول الرضا بالضحك والسكوت دون البكاء. وفي المبسوط (٢): وكان محمد بن مقاتل يقول: إذا استأمرها قبل العقد فسكتت لا يتم العقد؛ لأن الحاجة إلى الإجازة هنا، والسكوت لا يكون إجازة، فلا يكون في معنى المنصوص؛ لأن السكوت عند الاستثمار لا يكون ملزما؛ لتمكنها أن ترجع قبل العقد، وحين بلغها الخبر يكون ملزما، فلا يمكنها الرجوع، فلا يلزم النكاح بمجرد السكوت. لكنا نقول في معنى المنصوص؛ لأن عند الاستثمار لها جوابين، نعم أو لا، فيكون سكوتها دليلا على الجواب الذي يحول الحياء بينها وبين ذلك، وهو نعم؛ لما فيه من إظهار الرغبة في الرجال، فكذا إذا بلغها الخبر فلها جوابان، أجازت أو ردت، فيجعل السكوت دليلا على الجواب الذي يحول بينها وبين ذلك، وهو الإجازة. كذا في المبسوط (٣). وقال الشافعي: إذا عقد الولي ثم بلّغها، فأجازت بالقول أو سكتت؛ لا يجوز العقد؛ لأنه صار عقد الفضولي، وتصرفات الفضولي لا تصح عنده (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦). وفي جامع قاضي خان (٧): لو استأذنها الولي لنكاح رجل فأبت، ثم زوجها الولي منه فسكتت، يكون رضا وينعقد العقد بإجماع الفقهاء، إلا محمد بن مقاتل، فإنه قال: لا يكون سكوتها بعد ذلك رضا؛ لأنها صرحت بالسخط، فلا

стр. 2567

وَجْهَ الدَّلَالَةِ فِي السُّكُوتِ لَا يَخْتَلِفُ، … يجعل سكوتها رضا بعده. وقلنا: قد سخط المرء على شيء في وقت ثم رضي به في وقت آخر، ولو لم تكن راضية لصرحت بالرد كما في المرة الأولى. وفي المحيط (١)، ومبسوط شيخ الإسلام: جعل أصحابنا السكوت رضا في عدة مسائل: أحدها: البكر إذا استأمرها الولي. وثانيها: إذا بلغها الخبر فسكتت كان رضا. وثالثها: قبض الأب أو الجد مهر البكر البالغة فسكتت كان رضا، وفي سائر الديون، وغير الأب والجد: لا. ورابعها: سكوت الشفيع بعد العلم فهو تسليم. وخامسها: في بيع التلجئة حيث قال أحدهما: بدا لي أن أجعله بيعا نافذا، فسكت صاحبه نفذ. وسادسها: عبد أسره المشركون فوقع في نصيب بعض الغزاة، فباعه ومولاه حاضر فسكت؛ سقط حقه. وسابعها: قبض المشتري المبيع والبائع يراه فسكت، سقط حق الحبس. وثامنها: بيع مجهول النسب وهو ساكت، كان إقرارا بالرق، زاد الطحاوي: وقيل له: (قم مع مولاك) فقام. وتاسعها: رأى عبده يبيع ويشتري فسكت، كان إذنا له. وعاشرها: رأى الولي الصبي المحجور يتبايع فسكت، كان إذنا. وحادي عشرها: الموهوب له قبض الهبة في المجلس، ويراه الواهب فسكت، فهو إذن في القبض استحسانًا. وثاني عشرها: سكوت البائع عند قبض المشتري شراء فاسدًا إذن، فيملكه بالقبض.

стр. 2568

ثُمَّ المُخبِرُ إِنْ كَانَ فُضُولِيًّا يُشتَرَطُ فِيهِ العَدَدُ أَوْ العَدَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، خِلَافًا لَهُمَا (*)، وَلَو كَانَ رَسُولًا لَا يُشْتَرَطُ إجمَاعًا وَلَهُ نَظَائِرُ (وَلَو اسْتَأْذَنَ الثَّيِّبَ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِالقَولِ) وثالث عشرها: سكوت الحالف لا أُسكِنُ فلانا داري ولا أتركه، فسكنه وهو يراه، فهو إسكان وترك. ورابع عشرها: سكوت المشتري بالخيار إذا رأى عبده يتبايع، فهو اختيار البيع وإبطال لخياره. وخامس عشرها: سكت عن نفي الولد زيادة على يومين؛ لزمه في قول أبي حنيفة، وعنه: إذا هُنّى بالولد فسكت. وسادس عشرها: شق زق غيره وهو حاضر، فسكت حتى سأل ما فيه؛ لم يضمن. وسابع عشرها: زوَّجَ الصغيرة غير الأب والجد، فبلغت بكرا فسكتت ساعة؛ بطل خيارها. وثامن عشرها: رأى غيره يبيع ماله عرضًا أو عقارًا، فقبضها المشتري وتصرف فيها زمانا وهو ساكت؛ سقط دعواه. ذكره في منية الفقهاء (١). (إن كان فضوليا): قيد به؛ لأنه لو كان رسولاً لا يشترط فيه العدد أو العدالة بالإجماع، وإنما يشترط أحدهما عند أبي حنيفة؛ لأن فيه الرضا من وجه دون وجه، أما رسول الولي قائم مقام الولي فلا يشترط. (وله)؛ أي: للمجيز الفضولي (نظائر)؛ وهي عزل الوكيل، وحجر المأذون، ووقوع العلم بفسخ الشركة والمضاربة، ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر. ذكره في الكافي (٢). قوله: (فلا بد من رضاها بالقول)؛ أي: بإجماع بين الأئمة الأربعة إذا كانت بالغة، وكذا لو صورت منها فعل يدل على الرضا، مثل طلب المهر أو

стр. 2569

لِقَولِهِ ﷺ «الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ» … ... النفقة، أو الكسوة أو المسكن، أو تمكينها منه في الوطء، أو قبول التهنئة، أو الضحك بالسرور، والفرح من غير استهزاء، ونحو ذلك، أو اشتراطه القول في الرضا لنفي اعتبار السكوت منها، بخلاف البكر. وفي الثيب الصغيرة لا يحتاج إلى رضاها، بل ينكحها الولي جبرا عندنا. وعند الشافعي (١): لا اعتبار لرضاها، فلا يزوج حتى تبلغ، ويروى هذا عن مالك. وعند أحمد: لا يجوز إجبار الصغيرة والكبيرة، وهذه رواية عن مالك (٢)، إلا أن أحمد قال: إذا بلغت تسع سنين؛ صح إذنها في النكاح وغيره (٣). والأصل فيه: قوله ﵇: «الشَّيبُ أحقُّ بنفسها من وليها». رواه مسلم (٤)، وفي رواية: «ليس للولي مع الثيب أمر» (٥). وقلنا: قال ﵇: «الثيبُ تُشاوَرُ» (٦)، والمشاورة مفاعلة الفعل من الجانبين، وقد وجد النطق من الولي، فينبغي أن يوجد منها. والدليل على أن المراد ما ذكرنا وما ذكره في رواية أخرى: «والثيب يعرب لسانُها» (٧)، والمشاورة عبارة عن طلب الرأي بالإشارة إلى الوجه الصواب، وذلك لا يكون إلا بالنطق كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفخر الإسلام (٨).

стр. 2570

وَلِأَنَّ النُّطْقَ لَا يُعَدُّ عَيبَاً مِنهَا وَقَلَّ الحَيَاءُ بِالمُمَارَسَةِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ النُّطْقِ فِي حَقِّهَا (وَإِذَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَثَبَةٍ أَوْ حَيْضَةٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ تَعنِيسٍ، فَهِيَ فِي حُكمِ الأَبْكَارِ) والمراد بما روي: الثيب والبالغة كما يجيء في مسألة الصغير والصغيرة. وفي المبسوط (١): حديث الخنساء حيث روت تزويج أبيها. والصحيح: أنها ثيب. (وَلِأَنَّ النُّطْقَ)؛ يعني: الأصل في السكوت أن لا يكون رضا؛ لكونه محتملا في نفسه، وجعل مقام الرضا في حق البكر ضرورة الحياء، والثابت بالضرورة لا يعد موضع الضرورة، ولا ضرورة في الثيب؛ إذ قل الحياء بالممارسة بالرجال، فلا يكتفى بسكوتها عند الاستثمار، وعند بلوغ خبر العقد، فإذا وجد منها فعل كالقول وتمكينها نفسها ومطالبتها مهرها ونفقتها؛ يصح العقد؛ إذ الدلائل تعمل بعمل الصريح (٢). قوله: (بوثبة): وفي بعض النسخ: بطفرة وهي الوثبة، من باب ضرب، وكذا لو زالت بكارتها بأصبع أو عود، أو حمل ثقيل، أو شدة حيضة، أو ورودها. (فهي في حكم الأبكار)؛ أي: بالاتفاق، وبه قال الشافعي في الأصح (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، وابن أبي هريرة، والجمهور. وقال ابن خيران من أصحابه: لا؛ لأنها كالثيب؛ لزوال عذرتها، والثيب من زالت عذرتها (٦)، كما في البيع، والمذهب الأول.

стр. 2571

لِأَنَّهَا بِكرٌ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّ مُصِيبَهَا أَوَّلُ مُصِيبٍ لَهَا، وَمِنهُ البَاكُورَةُ وَالبُكْرَةُ، وَلِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي لِعَدَمِ المُمَارَسَةِ وَلَو زَالَتْ بَكَارَتُهَا (بِزِنا فَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُكتَفَى بِسُكُوتِهَا (*)، لِأَنَّهَا ثَيِّبٌ حَقِيقَة، لِأَنَّ، مُصِيبَهَا عَائِدٌ إِلَيْهَا، وَمِنْهُ المَثُوبَةُ وَالمَثَابَةُ (البكرة) أول النهار، و (الباكورة) أول الثمار، ولهذا يدخل في الوصية لأبكار فلان. فإن قيل: لو اشترى أمة بشرط أنها بكر، فإذا وجدها بهذه الصفة يردها. قلنا: قد قيل: لا يكون له الرد إذا أقر المشتري أن عذرتها زالت بالوثبة، ولأن المعتاد بين الناس أنهم يريدون اشتراط صفة البكارة في الشراء صفة العذرة، فكانت هي بكرا، لكن ليست بعذراء، فيكون عيبا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الحكم هنا متعلق بالحياء أو بصفة البكارة، وهما قائمان؛ ألا ترى أن عائشة افتخرت بالبكارة عند النبي ﷺ ، وأشارت إلى هذا المعنى فقالت: أرأيت لو وَرَدْتَ وادِيَيْنِ: أحدهما رعاه أحد قبلك، والآخر لم يَرْعَهُ أحد، إلى أيهما تميل؟؛ فقال ﵇: «إِلَى الذي لَمْ يَرْعَهُ»، فقالت: أنا لك كذلك (١). قوله: (فهي كذلك)؛ أي: في حكم الأبكار، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية، وحكى أبو إسحاق أن الشافعي قال به في القديم. وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي في الجديد (٣)، وأحمد في رواية (٤): لا تكون بكرا؛ لأنها ثيب حقيقة، فإن الثيب اسم لامرأة يكون مصيبها عائدا إليها، مشتق من قولهم: ثاب؛ أي: رجع. (ومنه المثوبة) والثواب؛ لأنه جزاء عمله يعود ويرجع إليه ويعود. (والمثابة)؛ لأنها مرجع الناس، أي: يرجع إليه مرة بعد أخرى.

стр. 2572

وَالتَّثْوِيبُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهَا بِكرًا فَيُعَيِّبُونَهَا، بِالنُّطْقِ فَتَمْتَنِعُ عَنهُ (والتثويب)؛ لأنه عود إلى الإعلام بعد الإعلام، ولهذا يدخل في الوصية في الثيب دون الأبكار. وإذا كانت ثيبًا يجب مشورتها بالنص، ولا يصح الاشتغال بالتعليل؛ لأنه يتضمن إبطال حكم النص، ولأن الحياء بعد هذا يكون رعونة منها، فإنها لما لم تستح عن إظهار الرغبة في الرجال على أفحش الوجوه، فكيف تستحي من الرغبة على أحسن الوجوه؟، بخلاف حياء البكر؛ لأنه حياء كرم الطبيعة، وذلك محمود، وهذه لو كان فيها حياء فإنما هي استحياء من ظهور الفاحشة، وذلك غير ما ورد فيه النص. كذا في المبسوط (١). ولأبي حنيفة: أن الشرع جعل كونه رضا لقلة الحياء لا للبكارة، فإن عائشة لما أخبرت: إنها لتستحي، فقال ﵇: «سُكوتُها رضا» (٢)، وعلة الحياء هنا موجودة، فإنها وإن ابتليت بالزنا مرة لفرط الشبق، أو أكرهت على الزنا؛ لا ينعدم حياؤها بل يزداد؛ لأن في الاستنطاق ظهور فاحشتها، وهي تستحي من ذلك غاية الاستحياء. فإن قيل: حياء البكر حياء كرم الطبيعة وهو محمود، وهذا الحياء من ظهور الفاحشة، فلم يكن في معنى المنصوص. قلنا: هذا الحياء محمود أيضا؛ لأنها تستر على نفسها بستر الله تعالى، (مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيئًا فَلْيَسْتَتِرُ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى) (٣) (٤)، والحياء من ظهور المعصية من كرم الطبيعة،

стр. 2573

فَيُكتَفَى بِسُكُوتِهَا كَي لَا تَتَعَطَّلَ عَلَيْهَا مَصَالِحُهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا وُطِئَتْ بِشُبهة أَوْ بِنِكَاح فَاسِد، لِأَنَّ الشَّرعَ أَظْهَرَهُ حَيثُ عَلَّقَ بِهِ أَحكَامًا، أَمَّا الزِّنَا فَقَد نُدِبَ إِلَى سَترِهِ، حَتَّى لَو أَشْتُهِرَ حَالُهَا. وحسن العقيدة أيضا، ولما سقط نطقها في موضع؛ يكون نطقها دليل رغبتها في الرجال على أحسن الوجوه أولى. كذا في المبسوط (١). وقيل: لا يمكن إدارة الحكم على حقيقة الحياء؛ لتعذر ضبطه، وضبط مقدار ما هو المعتبر منه، فأدير على مظنته وهو البكارة، وتعذر أن يراد حقيقتها لقبح تفحص الولي عنها شرعًا وعقلا، فاكتفى بالبكارة الظاهرة في أصل الخلقة، والأصل بقاؤها، فيكتفى بالسكوت إلا أن يظهر ويشيع، ففيه عدم المبالاة بما تفعل. وأما مسألة الوصية فممنوعة عند أبي حنيفة، ومالك. وفي الجامع الصحيح: أنها تثبت في الوصية باعتبار الحقيقة، أما في النكاح ففي اشتراط نطقها سد باب النكاح عليها؛ لأنها تمتنع من النطق لخوف العار، لما قلنا أن الحياء من إظهار المعصية من كرم الطبيعة، والاقتداء بالشريعة، فكان فوق حياء البكارة. قوله: (بخلاف ما إذا وطئت بشبهة) إلى آخره وكذا لو وطئت بنكاح فاسد، حيث تصير ثيبا بإجماع الفقهاء. (علق به)؛ أي: بذلك الوطء (أحكاما)؛ وهي وجوب العدة والمهر، وثبوت النسب. (فقد ندب)؛ أي: الشرع، حيث قال ﵇: «من أصاب … » الحديث (٢). (اشتهر حالها)؛ بأن أقيم عليها الحد، أو صار الزنا عادة لها، وهو الصحيح، ولا نص عن مالك فيما إذا صار الزنا مكسبة لها. فإن قيل: يكتفى بسكوتها أيضا؛ لأنها بكر شرعا؛ قال ﵇: «البكْرُ

стр. 2574

لَا يُكتَفَى بِسُكُوتِهَا وَإِذَا قَالَ الزَّوجُ: «بَلَغَكِ النِّكَاحُ، فَسَكَتَتْ»، وَقَالَتْ: «رَدَدتُ» فَالقَولُ قَولُهَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀: القَولُ قَولُهُ، لِأَنَّ السُّكُوتَ أَصلُ وَالرَّدَّ عَارِضُ، بالبِكْرِ جلد منة … » الحديث (١). قلنا: هو قول بعض المشايخ، وهو ضعيف، فإن هذا موجود في الموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد، ولا يكتفى بسكوتها، فعلم أن المعتبر بقاء صفة الحياء. كذا في المبسوط (٢). وفيه: لو زوج البكر أبوها من رجل، وأخوها من آخر بغير رضاها، فأجازت نكاح الأخ؛ جاز نكاح الأخ لا نكاح الأب، وهذا بناء على أصلنا: أن عقدها لا يجوز بغير رضاها. وعند الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥): يجوز نكاح الأب لا نكاح الأخ؛ لما أن الأب ينكحها بغير رضاها، ولا ولاية للأخ مع وجود الأب. قوله: (القول قولها)؛ أي: قول الزوج؛ لتمسكه بالأصل وهو السكوت؛ إذ هو عدم الكلام، والعدم هو الأصل في كل شيء، والمرأة تدعي عارضا وهو الرد، كمن شرط له الخيار إذا ادعى الرد بعد المدة؛ بحيث يكون القول لمن يدعي لزوم العقد بالسكوت بالإجماع. وكذا المشتري، والشفيع بالشفيع، يقول: طلبتها بعد البيع، والمشتري يقول: سَكَتَ، فالقول للمشتري لتمسكه بالأصل معنى، فالقول لها. كما لو ادعى أصل العقد وأنكرت؛ وهذا لأن العبرة للمعاني لا للصور، فإن المودع إذا ادعى رد الوديعة وأنكر رب الوديعة؛ فالقول للمودع؛ لأنه ينكر الضمان من حيث المعنى، كذا هنا، وما قاله زفر نوع ظاهر، والظاهر يكفي لدفعه. وفي مسألة الخيار سبب لزوم العقد مضي مدة الخيار وقد ظهر، فحاجة الآخر إلى دفع استحقاق مدعي الفسخ، والظاهر يكفي لذلك.

стр. 2575

فَصَارَ كَالمَشرُوطِ لَهُ الخِيَارُ إِذَا ادَّعَى الرَّدَّ بَعدَ مُضِيّ المُدَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ يَدَّعِي لُزُومَ العَقدِ وَتَمَلُّكَ البُضْعِ، وَالمَرأَةُ تَدفَعُهُ فَكَانَت مُنكِرَة، كَالمُودِعِ إِذَا ادَّعَى رَدَّ الوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ مَسأَلَةِ الخِيَارِ، لِأَنَّ اللُّزُومَ قَدْ ظَهَرَ بِمُضِيِّ المُدَّةِ، (وَإِنْ أَقَامَ الزَّوجُ البَيِّنَةَ عَلَى سُكُوتِهَا ثَبَتَ النِّكَاحُ) لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعوَاهُ بِالحُجَّةِ، وَإِنْ لَم تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (*)، وَهِيَ مَسأَلَةُ الاستحلَافِ فِي الأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وفي الحقيقة: المسألة بناء على مسألة أخرى؛ وهي: أنه إذا قال لعبده: (إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر) فمضى اليوم وقال العبد: (لم أدخل) وقال المولى: (دخلت)، فعند زفر: القول للعبد؛ لتمسكه بالأصل وهو عدم الدخول. وعندنا للمولى؛ لأن حاجة العبد إلى استحقاق العتق، والظاهر لا يكفي للاستحقاق. كذا في المبسوط (١). (لأنه)؛ أي: الزوج يورد دعواه بالحجة. (وإن لم تكن له بينة لا تُحَلَّفُ المرأة عند أبي حنيفة): وعندهما، والشافعي (٢)، ومالك (٣) (٤)، وأحمد (٥): تستحلف، ثم إن نكلت يثبت النكاح عندهما، وعندهم بعد نكولها يُحلّف الزوج، ويقضى بنكوله عندهم. (وهي مسألة الاستحلاف في الأشياء الستة) والفتوى على قولهما في الأشياء الستة على النفي. وإذا ادعى على الأب أنه زوج ابنته الصغيرة، فأنكر الأب؛ يحلف عند أبي حنيفة، وفي الكبيرة لا يحلف عنده؛ اعتبارًا لإقراره فيهما. ذكره الناصحي في أدب القاضي (٦).

стр. 2576

وَسَتَأْتِيكَ فِي الدَّعْوَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَيَجُوزُ نِكَاحُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِذَا زَوَّجَهُمَا الوَلِيُّ، بِكَرًا كَانَتِ الصَّغِيرَةُ أَوْ ثَيْبًا، … ... … ... … ... . فإن قيل: ينبغي ألا تقبل بينته؛ لأن هذا شهادة على النفي، إذ السكوت عدم الكلام وهو نفي، والبينة للإثبات. قلنا: هذه شهادة على النفي، لكن علم الشاهد محيط به لكون السكوت بضم الشفتين فيقبل، لكون النفي مثل الإثبات في هذه الصورة، على ما عرف في الأصول، فصار كما لو أقامت المرأة على أن زوجها قال: المسيح ابن الله، ولم يقل قول النصارى. أو يقول: السكوت أمر وجودي؛ إذ هو عبارة عن ضم الشفتين، فيلزم منه عدم الكلام، فبينتها أولى؛ لأنها بينة الرد، وهو يثبت عدمًا، حتى لو أقامها على أنها اختارت، أو رضيت حين علمت؛ استويا في الإثبات، وترجحت بينته لإثباته اللزوم. قوله: (وإذا زوجهما الولي بكرا أو ثيبا): وقال ابن شبرمة، وأبو بكر الأصم: لا يزوجها أحد حتى يبلغا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فلو جاز تزويجهما قبل البلوغ لم يكن لهذا معنى. ولأن ثبوت الولاية على الصغير لحاجته إليها، ولا حاجة لهما إلى النكاح؛ لأن مقصود النكاح طبعًا قضاء الشهوة، ولا شهوة لهما، وشرعا النسل، ولا تناسل فيهما، وهذا العقد يعقد للعمر، ويلزمهما أحكامه بعد البلوغ، ولا ولاية لأحد بعد البلوغ حتى تلزمهما أحكامه. وللعامة: قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾؛ بين تعالى عدة الصغيرة، وسبب العدة شرعا النكاح، فذلك دليل قصور نكاح الصغيرة. والمراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الاحتلام. وحديث عائشة مشهور قريب إلى التواتر؛ فإنه ﵇ تزوجها وهي بنتُ ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، وكانت عنده تسع سنين. وحديث قدامة بن مظعون؛ فإنه تزوج بنت الزبير يوم ولدت، وقال: إن مت فهو خير ورثتي، وإن عشت فهي بنت الزبير، وزَوَّج عروة بن الزبير بنت أخيه من

стр. 2577

وَالوَلِيُّ هُوَ العَصَبَةُ) وَمَالِكُ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِ الأَبِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ فِي غَيْرِ الأَبِ وَالجَدِّ، وَفِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ أَيضًا. وَجهُ قَولِ مَالِكَ: أَنَّ الوِلَايَةَ عَلَى الحُرَّةِ بِاعْتِبَارِ الحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا لِاِنعِدَامِ الشَّهْوَةِ، إِلَّا أَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ ثَبَتَت نَصًا بِخِلَافِ القِيَاسِ، وَالجَدُّ لَيسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ. ابن أخيه، وهما صغيران، وزوجت امرأة ابن مسعود بنتًا صغيرة لها من ابن المسيب، فأجاز عبد الله، ولكن أبا بكر الأصم لم يسمع هذه الأحاديث. والمعنى: أن النكاح عقد العمر يشتمل على مقاصد، لا يحصل ذلك إلا بين الأكفاء، والكفء لا يتفق في كل وقت، فمست الحاجة إلى إثبات الولاية عليهما. كذا في المبسوط (١). ومالك يخالفنا في غير الأب؛ حيث يقول: لا ولاية (٢) لغير الأب من الجد وغيره (٣)، وبه قال أحمد في رواية (٤). (ثبتت نصا)؛ وهو حديث عائشة: حيث زوجها أبو بكر. وقيل: قوله ﵇ «زَوِّجُوا بَنَاتِكُم الأَكْفَاء» (٥)، والإضافة تقتضي الاختصاص، والابنة تختص بالأب لا الجد. (بخلاف القياس)؛ لأن أثر الحرية في دفع تسلط الأغيار، وما ثبت على خلاف القياس يقتصر على مورد النص. (والجد ليس في معناه)؛ أي: في معنى المنصوص لقصور الشفقة في الجد، ووفورها في الأب، وكانت الولاية للأب عليه بمنزلة الولاية على نفسه،

стр. 2578

قُلْنَا: لَا بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلقِيَاسِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَضَمَّنُ المَصَالِحَ، وَلَا تَتَوَفَّرُ إِلَّا بَينَ المُتَكَافِنَينِ عَادَة، وَلَا يَتَّفِقُ الكُفءُ فِي كُلِّ زَمَان، فَأَثْبَتَنَا الوِلَايَةَ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ إِحْرَانًا للكفء. وَجْهُ قَولِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتِمُّ بِالتَّفوِيضِ إِلَى غَيْرِ الْأَبِ وَالجَدِّ، لِقُصُورِ شَفَقَتِهِ وَبُعْدِ قَرَابَتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي المَالِ مَعَ أَنَّهُ أَدنَى رُتبَة، فَلَأَن لَا والجزئية قد ضعفت للجد بتوسط الأب، فلا يكون هو في معنى الأب، ولهذا لا تجب على الجد صدقة الفطر لأجل النافلة في رواية، فلا يلحق به. (قلنا: لا، بل هو)؛ أي: ثبوت الولاية موافق للقياس. (لما أن النكاح يتضمن مصالح)؛ أي: يشتمل على أغراض ومقاصد. (ولا تتوفر) إلى آخره: إحرازا للكفء؛ يعني: كفء الخاطب مع عزة (١) وجوده؛ إذ لو (٢) انتظر ربما يفوت. (وجه قول الشافعي) (٣) وبه قال أحمد في رواية (٤). (لقصور شفقته)؛ أي: شفقة غير الأب والجد، ولهذا لا تثبت ولايته في المال، وحاجتها إلى التصرف في المال في الصغر؛ أكثر من حاجتها إلى التصرف في النفس، لعدم الشهوة، وأمر المال أهون من النفس؛ فلأن لا تملك التصرف في نفسها وأمرها عظيم؛ إذ النفس أنفس من كل نفيس أولى. واستدل أيضا: بقوله ﵇: «لَا تُنكَحُ اليتيمة حتى تُسْتَأْمَرَ» (٥)، واليتيمة: الصغيرة التي لا أب لها، قال ﵇: «لَا يُتْمَ بعدَ الحُلُم» (٦)، فقد نفى في هذا الحديث حتى تبلغ فتستأمر، وحديث قدامة بن مظعون؛ فإنه

стр. 2579

يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي النَّفْسِ، وَإِنَّهُ أَعْلَى وَأَوْلَى. وَلَنَا: أَنَّ القَرَابَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى النَّظَرِ كَمَا فِي الأَبِ وَالجَدٌ، وَمَا فِيهِ مِنْ القُصُورِ أَظْهَرنَاهُ فِي سَلبِ وِلَايَةِ الإِلزَامِ، … ... … .. ﵇ رَدَّهَا وقال: «إنها يتيمة، وإنها لا تُنكَحُ حتى تُستَأْمَرَ» (١). ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَنى﴾ معناه: في نكاح اليتامى، وإنما يتحقق هذا إذا كان يجوز نكاح اليتيمة. وعن عائشة: أنها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليها، يرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط في صداقها، فنهوا عن نكاحهن حتى يبلغوا بهن أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصداق. وقالت في تأويل قوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الَّتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾: أنها نزلت في يتيمة تكون في حجر وليها، لا يُرغَبُ في نكاحها لقلة جمالها، ولا يزوجها من غيره لكيلا يشاركه في مالها، والكل دليل على جواز تزويج اليتيمة. وزوج النبي ﷺ بنت عمه حمزة من عمر بن سلمة وهي صغيرة، والآثار في ذلك مشهورة عن عمر وعلي وابن مسعود، وقد قال ﵇: «الإنكاح إلى العَصَباتِ» (٢) مطلقا، وروي عن علي مرفوعا. ذكره في المبسوط (٣)، وسبط بن الجوزي من غير فصل بين عصبة وعصبة، فقد أثبت جنس الإنكاح لجنس العصبات، وليس وراء الجنس شيء. والمعنى: أن القرابة الباعثة على النظر سبب الولاية، كما في الأب والجد، ولكنها ليست بتامة، فلم يجز تعطيل الأصل لقصور في الوصف. (وما فيه)؛ أي: القريب غير الأب والجد (من القصور)؛ أي: قصور الشفقة (أظهرناه)؛ أي: اعتبرنا أثر القصور في ولاية تطلب الإلزام، يعني: له الاعتراض بعد البلوغ.

стр. 2580

بِخِلَافِ التَّصَرُّفِ فِي المَالِ، فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ فَلَا يُمكِنُ تَدَارُكُ الخَلَلِ فَلَا تُفِيدُ الوِلَايَةُ إِلَّا مُلزِمَةٌ، وَمَعَ القُصُورِ لَا تَثبُتُ وِلَايَةُ الإِلزَامِ. وَجهُ قَولِهِ فِي المَسأَلَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الثَّيَابَةَ (بخلاف التصرف في المال لأنه)؛ أي: التصرف (يتكرر)؛ أي: تداولته الأيدي، بأن باع وليه ثم باع المشتري منه من غيره وغاب؛ فلا يمكن تدارك الخلل؛ لأنه لا يمكنه الظفر من المشتري منه لغيبته (١) أو لموته، أو لخمولته أو لنسيانه، أو تطرق على العوض القوي، فلم يمكن إثبات الولاية لغير الأب والجد لقصور شفقته، ولا يمكن اعتبار أثر القصور في شيء، وهذا معنى قوله: (فلا تفيد الولاية إلا ملزمة ومع القصور إلى آخره؛ يعني: سلبنا الولاية عنه أصلا. أما النكاح فإنه يقع مرة ولا يتكرر، فلو وقع فيه خلل يمكن تداركه بالاعتراض بعد البلوغ. (وجه قوله)؛ أي: قول الشافعي في المسألة الثانية)؛ وهي الثيب الصغيرة. (أن الثيابة): وفي المغرب (٢): ثيبت تثييبا؛ إذا صارت ثيبا، وإنما الثيابة والثيوبة في مصدره فليس من كلامهم، يعني: أنها ثيب ترجى مشورتها إلى وقت معلوم، فلا يزوجها وليها بلا رضاها، كالنائمة والمغمى عليها، وهذا لأن بالثيوبة حدث الاختيار وممارسة الرجال؛ إذ العلم بالشيء إنما يحصل بالتجربة، أو بالعيان أو بالسماع، والبكر تستحيي عن استخبار باب الجماع، فلم يبق إلا العيان والتجربة، وذلك بالوطء نفسه. ولما تعلق علم هذا الباب بالوطء؛ أقام الشرع الثيوبة مقام البلوغ في حق نفاذ التصرف برأيها، فتزول الولاية عليها، كالبلوغ في التصرف المالي، بخلاف المجنونة؛ لأنه ليس لزوال الجنون غاية معلومة، فيكون في تأخير العقد إلى بلوغها إبطال حقها. واستدل أيضا بقوله ﵇: «الثيب تُستَأْمَرُ» (٣)، وفي رواية:

стр. 2581

سَبَبٌ لِحُدُوثِ الرَّأْيِ لِوُجُودِ المُمَارَسَةِ، فَأَدَرنَا الحُكمَ عَلَيْهَا تَيْسِيرًا. وَلَنَا: مَا ذَكَرنَا مِنْ تَحَقَّقِ الحَاجَةِ وَوُفُورِ الشَّفَقَةِ، وَلَا مُمَارَسَةَ تُحدِثُ الرَّأْيَ بِدُونِ الشَّهْوَةِ، فَيُدَارُ الحُكمُ عَلَى الصِّغَرِ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَيِّدُ كَلَامَنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَولُهُ ﷺ : «النِّكَاحُ إِلَى العَصَبَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصلٍ» وَالتَّرْتِيبُ فِي العَصَبَاتِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ كَالتَّرْتِيبِ فِي الإرث، وَالأَبْعَدُ مَحْجُوبُ بِالأَقْرَبِ. «تُشاوَرُ» (١)، وفي رواية: «تُستَأذَنُ» (٢)، والأصل أن الحكم متى علق على اسم مشتق؛ فإن مأخذ اشتقاقه علة ثبوت الحكم، كما في الزاني والسارق، فلا تزوج حتى تبلغ فتشاور، ولا فائدة في مشورتها حالة الصغر لقصور عقلها. وأما ما ذكرنا من تحقق الحاجة وهو قوله: (احترازا للكفء)؛ وهذا لأنه ولي من لا يلي نفسه وماله، فيستند بالعقد عليه كالبكر؛ لأن الشرع أقام رأي الولي مقامها باعتبار الصغر، كما في حق الغلام والمال؛ لقصور عقلها، وبالثيوبة لا يزول الصغر، ولا يحدث لها رأي؛ لأنها ما قضت شهوتها بذلك الفعل، ولو ثبت لها رأي فهي عاجزة عن التصرف، فأقيم تصرف الولي مقام تصرفها. والمراد بالحديث البالغة؛ لأنه علق به ما لا يتحقق إلا بعد البلوغ وهو المشاورة وكونها أحق بنفسها، ولئن ثبت أن الصغيرة مرادة، فالمراد المشورة على سبيل الندب لا الحتم، كما أمر باستثمار أمهات البنات، واستأمروا النساء في أبضاع بناتهن، وكان بطريق الندب، فهذا مثله. الكل من المبسوط (٣). (فيما تقدم)؛ وهو قوله: (زوجهما الولي، والولي هو العصبة). قوله: (كالترتيب في الإرث): فأقرب الأولياء: الابن، ثم ابنه وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد وإن علا. ثم الجد عند أبي حنيفة أولى من الأخ، سواء كان لأب أو لأب وأم، وعند أبي يوسف ومحمد: لكل واحد من الجد والأخ ولاية كما في الميراث (٤).

стр. 2582

قَالَ: (فَإِنْ زَوَّجَهُمَا الأَبُ وَالجَدُّ) يَعْنِي: الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ (فَلَا خِيَارَ لَهُمَا) بَعدَ بُلُوغِهِمَا لِأَنَّهُمَا كَامِلَا الرَّأْي وَافِرَا الشَّفَقَةِ فَيَلزَمُ العَقدُ بِمُبَاشَرَتِهَا، كَمَا إِذَا بَاشَرَاهُ بِرِضَاهُمَا بَعدَ البُلُوغ (وَإِنْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الأَبِ وَالجَدٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الخِيَارُ إِذَا بَلَغَ، إِنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وفي المبسوط (١): الأصح: أن النكاح للجد عند الكل، وهو ظاهر الرواية. وحكي عن أبي يوسف، ومالك (٢): أن الأخ مقدم على الجد، والأخ من الأبوين مقدم في الميراث على الأخ لأب، وهاهنا كذلك عندنا. وعند الشافعي قولان: أنهما سواء في القديم، وبه قال أحمد (٣)؛ لأن أخوة الأم لا تفيد ولاية النكاح فلا يرجح، بخلاف الإرث فإنها مفيدة. وفي الجديد: يقدم، وهو الأصح (٤)، وهو قولنا، ومالك، واختاره المزني، كما في الميراث لزيادة القرب والشفقة. قوله: (فلا خيار لهما): وبه قال الشافعي (٥) ومالك في الأب في حق الصغيرة (٦)، وأحمد في رواية (٧). وغير الأب والجد من الأولياء لا يملكان تزويجها عندهم. (وهذا)؛ أي: [كون] (٨) كل واحد مخيرا بعد البلوغ. (عندهما)؛ أي: عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف أولا، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة. وقال أبو يوسف آخرًا: لا خيار لهما، وهو قول عروة بن الزبير.

стр. 2583

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا خِيَارَ لَهُمَا اعْتِبَارًا بِالأَبِ وَالجَدِّ (*)، وَلَهُمَا: أَنَّ قَرَابَةَ الأَخِ نَاقِصَةٌ، وَالنُّقصَانُ يُشعِرُ بِقُصُورِ الشَّفَقَةِ، فَيَتَطَرَّقُ الخَلَلُ إِلَى المَقَاصِدِ عَسَى التَّدَارُكُ مُمكِنٌ بِخِيَارِ الإِدْرَاكِ، وَإِطْلَاقُ الجَوَابِ فِي غَيْرِ الأَبِ وَالجَدِّ يَتَنَاوَلُ الأُمَّ وَالقَاضِي، هُوَ الصَّحِيحُ … ... … ... … ... … .. (اعتبارا بالأب والجد)؛ يعني: أن هذا عقد عُقد بولاية مستحقة بالقرابة، فلا يثبت فيه الخيار؛ إذ القرابة سبب كامل لاستحقاق الولاية، والولاية لم تشرع في غير موضع النظر، صيانة عن الإفضاء إلى الضرر، وإذا صح النظر قام عقد الولي مقام عقد نفسه لو كانت بالغة، كما أن الوصي يقوم مقام الأب، فيكون عقده كعقد الأب. (ولهما: أن قرابة الأخ ناقصة)؛ يعني: التزويج صدر ممن هو قاصر الشفقة، فلها الخيار لتدارك الخلل في المقاصد إذا ملكت أمر نفسها، كالأمة المزوجة إذا أعتقت فلها خيار، وهذا أن أصل الشفقة موجود للولي القريب، فباعتباره ينفذ العقد في الحال، وباعتبار المقابلة بشفقة الأب والجد قد ظهر أصل النقصان حكمًا، حتى امتنع ثبوت الولاية في المال، فسلبنا اللزوم لقصورها، حتى إذا كان العقد راجح المصلحة يبقى، وإلا أمكن التدارك دفعًا للضرر، بخلاف الأب والجد؛ لأنه وافر الشفقة تمام الولاية، فلا حاجة إلى إثبات الخيار. (وإطلاق الجواب)؛ أي: جواب محمد، حيث قال: ولهما الخيار في نكاح غير الأب والأب إذا أدركا. قوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عما روى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة: أنه لا يثبت لهما الخيار؛ لأن للقاضي ولاية تامة تثبت في المال والنفس جميعا، فتكون ولاية القاضي في القوة كولاية الأب، وشفقة [الأم] (١) فوق شفقة الأب، فكانت كالأب.

стр. 2584

مِنْ الرِّوَايَةِ، لِقُصُورِ الرَّأيِ فِي أَحَدِهِمَا وَنُقصَانِ الشَّفَقَةِ فِي الْآخَرِ فَيَتَخَيَّرُ. قَالَ: (وَيُسْتَرَطُ فِيهِ القَضَاءُ) بِخِلَافِ خِيَارِ العِتقِ، لِأَنَّ الفَسخَ هَاهُنَا لِدَفْعِ ضَرَر خَفِيٍّ، وَهُوَ وجه ظاهر الرواية - وهو المختار -: أن ولاية القاضي والأم ولاية متأخرة عن ولاية الأخ والعم، فإذا ثبت الخيار في تزويجهما ففي تزويج القاضي والأم أولى؛ وهذا لأن الولاية الملزمة تبتنى على الرأي الكامل والشفقة الوافرة، والأم وإن كانت شفقتها وافرة فولايتها قاصرة، حتى لا تثبت في المال، والقاضي وإن كملت ولايته فشفقته قاصرة؛ لأن شفقته إنما تكون بحق الدين، والشفقة بحق الدين لا تكون إلا من المتقين بعد التكلف. كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قول الشيخ: (لقصور الرأي في أحدهما إلى الآخر). قوله: (ويشترط فيه)؛ أي: في فسخ النكاح بخيار البلوغ (القضاء)؛ لأن في أصله (ولها)؛ لأنه مختلف فيه بين العلماء، وسببه ترك نظر الولي، وهو أمر خفي لا يوقف على حقيقته، فيشترط فيه القضاء، كما في الرجوع في الهبة، بخلاف خيار العتق وخيار المخيرة؛ فإنها إذا اختارت نفسها تقع الفرقة بلا قضاء، وكذا الأمة إذا أعتقت واختارت نفسها تقع الفرقة بلا قضاء؛ لأن السبب في الخيرة قوي في نفسه، وهو كونها نائبة عن الزوج في الإيقاع، ويوقف على تخيير الزوج، وفي الحقيقة السبب زيادة ملك الزوج عليها. فإن قيل: بالعتق يملك مراجعتها [في] (٢) قرئين، ويملك عليها تطليقتين، وعدتها حيضتان قد ازداد الكل بالعتق، ولهذا يختص بالأنثى دون الذكر؛ لأن زيادة الملك تتصور في الأمة دون العبد، فكان لها دفع الزيادة؛ لأن ولاية المولى لم تكن ثابتة في هذه الزيادة، وصار كأن العقد وجد الآن في حقها، فكان الاختيار منها دفعًا للحكم عن الثبوت، لا رفعا له بعد الثبوت، فلا يفتقر إلى القضاء؛ لأن الدفع أمر يستقل به الدافع؛ إذ لكل واحد ولاية دفع الضرر عن نفسه، كالرد بالعيب قبل القبض، فإنه يصح بلا حكم، ولأنها تنفرد بدفع أصل الملك بعد الحرية، حتى لا يجوز النكاح بلا رضاها، فكذا تنفرد بالزيادة،

стр. 2585

تَمَكَّنُ الخَلَلِ، وَلِهَذَا يَسْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنثَى، فَجُعِلَ إِلزَامًا فِي حَقِّ الْآخَرِ فَيُفْتَقَرُ إِلَى القَضَاءِ. وَخِيَارُ العِتقِ لِدَفْعِ ضَرَر جَلِيٍّ، وَهُوَ زِيَادَةُ المِلكِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا يَخْتَصُّ بِالأُنثَى فَاعْتُبِرَ دَفعًا وَالدَّفْعُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى القَضَاءِ، ثُمَّ عِندَهُمَا: إِذَا بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ إلا أنها لا تملك دفع الزيادة إلا أن تدفع أصل الملك؛ ضمنا لدفع الزيادة لا قصدا. فإن قيل: المرأة وإن كانت دافعة للزيادة فهي مبطلة حق الزوج عما كان ثابتا له، والزوج يبقى ملكه الثابت، ثم تثبت الزيادة ضمنا له، فلماذا (١) ترجح جانبها؟. قلنا: الزوج وإن تضرر بإبطال ما كان ثابتا له، إلا أن اعتبار جانبها أولى؛ لأنها تبطل حقا مشتركا بينه وبينها، لدفع زيادة الحق له عليها، وهو يثبت لنفسه زيادة حق عليها لاستبقاء حق مشترك بينها وبينه، ولأن الزوج رضي بهذا الضرر؛ حيث تزوج الأمة باختياره، أما المرأة لم ترض بهذا الضرر لعدم اختيارها في النكاح، وهنا حكم العقد قد ثبت على الكمال، فلم يزدد الملك بالبلوغ، ولكنا احتجنا إلى الفسخ لتوهم ترك النظر من الولي لقصور شفقته، وذا خفي موهم؛ إذ لو كان ظاهرا لما نفذ؛ لأن الولاية مقيدة بالنظر، ولهذا يشمل الذكر والأنثى؛ لأن تمكين الخلل يشملهما، فجعل إلزاما في حق الآخر؛ لكونه رفعا لحكم ثابت فيتوقف على القضاء بالرد بالعيب بعد القبض؛ لأن له ولاية الإلزام. فإن قيل: الغلام هنا يتمكن من التخلص بالطلاق كما في العتق. قلنا: لا يتمكن من التخلص عن المهر بالطلاق، ولم يكن متمكنا من التخلص عند العقد؛ لعدم ولايته عند العقد على الطلاق، بخلاف العبد المعتق؛ فإنه كان عند العقد متمكنا من الطلاق ووجوب المهر، فإن وجوب المهر كان يومئذ في مالية المولى، وباعتبار ملك المولى اختاره على النكاح فافترقا. ثم المعتقة إذا كانت تحت حُرّ أو عبد لها الخيار عندنا.

стр. 2586

وَقَدْ عَلِمَت بِالنِّكَاحِ فَسَكَتَت فَهُوَ رِضًا، وَإِنْ لَم تَعلَم بِالنِّكَاحِ فَلَهَا الخِيَارُ حَتَّى تَعْلَمَ فَتَسكُتَ شَرَطَ العِلمَ بِأَصلِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ إِلَّا بِهِ، وَالوَلِيُّ يَنفَرِدُ بِهِ فَعُذِرَت بِالجَهْلِ، وَلَم يَشتَرِط العِلمَ بِالخِيَارِ، لِأَنَّهَا تَتَفَرَّغُ لِمَعْرِفَةِ أَحكَامِ الشَّرعِ، وَالدَّارُ دَارُ العِلمِ، فَلَم تُعذَر بِالجَهْلِ بِخِلَافِ المُعتَقَةِ، لِأَنَّ الأَمَةَ لَا تَتَفَرَّغُ لِمَعرِفَتِهَا فَتُذَرُ بِالجَهْلِ بِثُبُوتِ الخِيَارِ ثُمَّ خِيَارُ البِكرِ يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ، وَلَا يَبْطُلُ وعند الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣): لا خيار لها إذا كانت تحت حر. لهما: حديث بريرة: أنها أُعتقت وزوجها عبد (٤)، فخيرها رسول الله ﷺ بخلاف القياس، فيقتصر على مورده، والحر ليس في معنى العبد؛ لما أن معتقها إذا كان زوجها حرا لا يزداد عليها ملك الطلاق؛ فإن الشافعي يعتبر الطلاق بالرجال كما يجيء. قلنا: حديث بريرة قد روي بروايتين، كما هو المذكور في الأصول، واعتبار الطلاق بالنساء عندنا كما يجيء. (فهو)؛ أي: السكوت (رضا) ويبطل خيارها؛ لأن رضا الكريم بسكوتها شرعًا، ولهذا لو زوجت بعد البلوغ فسكتت يكون رضا. (لأنها)؛ أي: التي لها خيار البلوغ (لا تتمكن من التصرف إلا به)؛ أي: بالعلم والولي ينفرد بالنكاح، فكانت معذورة، ولم يشترط العلم بالخيار. (والدار دار العلم)؛ أي: دار الإسلام واشتهار الأحكام، وهي تتفرغ لمعرفة الأحكام، فكان جهله باطلا، كجهل الذمي الذي أسلم في دار الإسلام بالشرائع، بخلاف المعتقة؛ لأنها لا تتفرغ لمعرفة أحكام الشرع؛ لاشتغالها بخدمة المولى، وعدم مخالطتها الحرائر، فصار كجهل من أسلم في دار الحرب بالشرائع، فجعل عذرا.

стр. 2587

خِيَارُ الغُلَامِ مَا لَم يَقُل: «رَضِيتُ»، أَوْ يَجِئ مِنهُ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ رِضًا، وَكَذَلِكَ الجَارِيَةُ إِذَا دَخَلَ بِهَا الزَّوجُ قَبلَ البُلُوغِ اعْتِبَارًا لِهَذِهِ الحَالَةِ بِحَالَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، (وَخِيَارُ البُلُوغِ فِي حَقِّ البِكْرِ لَا يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ المَجْلِسِ وَلَا يَبْطُلُ بِالقِيَامِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ وَالغُلَامِ) لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِإِثْبَاتِ الزَّوجِ، بَلْ لِتَوَهُمِ الخَلَلِ، فَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِالرِّضَا، غَيْرَ أَنَّ سُكُوتَ البكر رضا، بِخِلَافِ خِيَارِ العِتقِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِثْبَاتِ المَولَى وَهُوَ الإِعْتَاقُ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ المَجْلِسُ كَمَا فِي خِيَارِ المُخَيَّرَةِ، (ثُمَّ الفُرقَةُ بِخِيَارِ البُلُوغ). قوله: (أو يجئ منه): بالجزم عطفا على قوله: (لم يقل)؛ إذ السكوت في حق الغلام لم يجعل رضا، كما لو تزوج بعد البلوغ. (لهذه الحالة)؛ أي: حالة الخيار (بحالة ابتداء النكاح)؛ يعني: لو بلغت ثيبا لا يبطل خيارها بالسكوت، كما لو تزوجت بعد البلوغ. وفي كتاب الحيل للصدر الشهيد: لو بلغت الصغيرة بكرا ولم تختر؛ فسخ النكاح، حتى قامت عن مجلسها بطل خيارها، فقد جعل الخصاف خيارها ممتدا إلى آخر المجلس، وهو خلاف رواية المبسوط (١)، فإن فيه: جعل لها الخيار في الساعة التي بلغت، أما لو بلغت ثيبا فخيارها لا يتوقف على المجلس، والعمر وقت له، وكذا الغلام وقت خياره العمر، إلا إذا وجد منه ما يدل على الرضا بالنكاح. وما ذكره الخصاف، قال بعض العلماء: وهو قياس خيار المخيرة والمعتقة، فإن ذلك يمتد إلى آخر المجلس فيه، والخصاف مال إليه. (لأنه)؛ أي: خيار العتق يثبت بإثبات المولى وهو الإعتاق، فإن حكمه العتق وهو ثابت بإثباته، وإليه أشار النبي ﷺ «مُلِّكتُكِ بَضعَكِ فاختاري» (٢)، فيعتبر فيه المجلس، كخيار المخيرة؛ لأنه ثابت بتخيير الزوج، فيكون خياره جواب التمليك، فلا بد من قصره على مجلس التمليك؛ لأنا لو جوزنا القبول بعد المجلس يتضرر المملك كما في البيع. كذا في المبسوط (٣).

стр. 2588

لَيسَت بِطَلَاق) لِأَنَّهُ يَصِحٌ مِنْ الأُنثَى وَلَا طَلَاقَ إِلَيْهَا، وَكَذَا بِخِيَارِ العِلْقِ لِمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ المُخَيَّرَةِ، لِأَنَّ الزَّوجَ هُوَ الَّذِي مَلَكَهَا وَهُوَ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ (فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ البُلُوغِ وَرِثَهُ الْآخَرُ) وَكَذَا إِذَا مَاتَ بَعدَ البُلُوغِ قَبلَ التَّفْرِيقِ، لِأَنَّ أَصلَ العَقدِ صَحِيحٌ، وَالمِلكُ ثَابِتٌ بِهِ وَقَدْ انتَهَى بِالمَوتِ، بِخِلَافِ مُبَاشَرَةِ الفُضُولِيِّ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوجَينِ قَبْلَ الإِجَازَةِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ ثَمَّةَ مَوقُوفٌ، فَيَبْطُلُ بِالمَوتِ وَهَاهُنَا نَافِذُ فَيَتَقَرَّرُ بِهِ. قَالَ: (وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ) (ليست بطلاق): بل هي فسخ؛ لأنها لحق الضرر، وذا يتحقق بالفسخ، ولأنه يشترط فيه الزوجان. فإن قيل: النكاح لا يحتمل الفسخ. قلنا: نعم بعد التمام، واللزوم والفرقة في باب البلوغ حكما؛ لقصور الولاية، فمنع لزومه أيضًا، وكيف يكون طلاقًا وهو مختص بالمرأة وبإثبات المولى، ولا طلاق إليهما لما بينا؛ وهو أن خيار العتق بإثبات المولى، ولا طلاق إليه ولا مهر لها في الفرقة بخيار البلوغ إن لم يدخل بها، وهذا فائدة كون الفرقة فسخا. وفائدة أخرى: لو تزوجها بعد الفرقة يملك الثلاث، وإن دخل بها فلها المسمى؛ لأن العقد المفسوخ لا يوجب شيئا قبل الاستيفاء، وبعد الاستيفاء يجب المسمى؛ لأنه استوفى بعقد صحيح، وأثر الفسخ لا يظهر في المستوفي، ويستوي في ذلك اختيارها واختياره. (قد انتهى بالموت)؛ يعني: إذا مات أحدهما قبل القضاء بالفسخ فينتهي النكاح الصحيح بالموت، وبانتهاء النكاح الصحيح يتوارثان، كما لو وجد الاعتراض بعدم الكفارة فمات أحدهما قبل قضاء القاضي، ولهذا قلنا يحل له أن يطأها ما لم يفرق القاضي بينهما، بخلاف النكاح الفاسد؛ فإن أصل الملك فيه لم يكن ثابتا، فلا يثبت حل الوطء والتوارث. (فيتقرر به)؛ أي: بالموت. قوله: (ولا ولاية لعبد وصغير ومجنون): بإجماع الأئمة الأربعة (١).

стр. 2589

لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم، فَأُولَى أَنْ لَا تَثبُتَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَلَا نَظَرَ فِي التَّفوِيضِ إِلَى هَؤُلَاءِ (وَلَا) وِلَايَةَ (لِكَافِرِ عَلَى مُسلِم) لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وَلِهَذَا لَا تُقبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ، أَمَّا الكَافِرُ فَتَثبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنكَاحِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَافِرِ لِقَولِهِ والمراد بالجنون: من له جنون مُطْبق، وفي غير المطبق يجوز في إفاقته بالإجماع. والمطبق: قيل: سنة، وقيل: أكثر السنة، وقيل: شهر، وعليه الفتوى. كذا في منية الفتاوى (١). (لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم): والولاية تنفيذ القول على الغير، شاء أو أبى. وأصل الولايات: ولاية المرء على نفسه، ثم تتعدى إلى غيره عند وجود شرط التعدي، ولا ولاية لهم على أنفسهم، فأنى يثبت لهم على غيرهم في التفويض. أما الصغير والمجنون فظاهر، وكذا العبد عاجز؛ لقوله تعالى: ﴿عَبْدًا ممْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾. قوله: (سَبِيلًا) وهذا يقتضي نفي السبيل من كل وجه؛ لأن النكرة في موضع النفي تعم، لكن السبيل ثابتة حقيقة، فيراد به نفي السبيل حكمًا، كقبول الشهادة والولاية والقضاء والوراثة. . (فتثبت له)؛ أي: للكافر (ولاية الإنكاح على ولده الكافر) عندنا، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤).

стр. 2590

تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] وَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ ويبطل به قول من يقول: إن الفسق يسلب الولاية، فإن الكافر فاسق وزيادة، وعندنا، ومالك (١)، وأحمد (٢): الفسق يسلب الولاية، خلافا للشافعي (٣). والمسلم لا ولاية له على الكافر أيضا؛ لأنه لا يرث منه. ذكره في شرح الطحاوي (٤). وقال الشافعي (٥)، وأحمد (٦): إلا أن يكون المسلم سلطانا، أو سيد أمة كافرة، ولم ينقل هذا الاستثناء عن أصحابنا في كتبهم. (ولهذا تقبل شهادته)؛ أي: شهادة الكافر على الكافر عندنا. وقال الشافعي (٧)، ومالك (٨): لا تقبل، وعند أحمد (٩): تقبل على المسلم في الوصية إذا لم يكن مسلم. (وَيُجْرِي بينهما)؛ أي: بين الزوج الكافر والزوجة الكافرة؛ لأن أنكحتهم صحيحة بينهم، إلا على قول مالك. كذا ذكره في المبسوط (١٠). وهل للفاسق ولاية؟ فعندنا، ومالك (١١)، وأحمد في رواية (١٢)، والشافعي في قول: له الولاية. واختاره القفال.

стр. 2591

وَيَجْرِي بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ (وَلِغَيرِ العَصَبَاتِ مِنْ الأَقَارِبِ وِلَايَةُ التَّرْوِيجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ: عِنْدَ عَدَمِ العَصَبَاتِ، وَهَذَا استحسَانٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَثْبُتُ وَهُوَ القِيَاسُ، وقال الشافعي في قول ضعيف، وأحمد في أصح الروايتين عنه: لا ولاية عنه؛ لأن الفسق يقدح في الشهادة، فكذا في الولاية. وعن ابن عباس أنه قال: " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل (١). وقال بعض أصحابه: الأب والجد لا يليان مع الفسق، وغيرهما يلي؛ لأن غيرهما لا يزوج إلا بالإذن، فإن لم ينظرها هو نظرت هي لنفسها. كذا في شرح الوجيز (٢). والكلام في فسق الولي كالكلام في الشاهد، وقد مر أنه ولي على نفسه وماله، فيلي على أولاده كالعدل، وليس شرط العقد موقوفا على العدالة. قوله: (ولغير العصبات): سواء كانت العصبة من النسب، أو السبب كمولى العتاقة وعصبته، كما يجيء. وفي الكافي والكنز: ولاية التزويج عند عدم العصبة النسبية والسببية: للأم، ثم للأخت لأب وأم، ثم للأخت لأب، ثم للأخ أو الأخت لأم، ثم أولادهم، ثم العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم لبنات الأعمام، ثم لبنات العمات (٣)، وهذا عند أبي حنيفة وهو الاستحسان. وعند محمد: لا تثبت. وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وهو القياس. وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة، والجمهور على أن أبا يوسف مع أبي حنيفة.

стр. 2592

وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَولُ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ مُصْطَرِبٌ (*) وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّد لَهُمَا: مَا رَوَينَا، وَلِأَنَّ الوِلَايَةَ إِنَّمَا ثَبَتَت صَونًا لِلقَرَابَةِ عَنْ نِسَبَةِ غَيْرِ الكُفْءِ إِلَيْهَا وَإِلَى العَصَبَاتِ الصِّيَانَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ وَالنَّظَرُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّفْرِيضِ إِلَى مَنْ هُوَ المُختَصُّ بِالقَرَابَةِ البَاعِثَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ … ... … ... … ... … ... وفي المحيط (١): ذكر شيخ الإسلام الأخت لأب وأم، أو لأب أولى من الأم؛ لأن النساء اللواتي من قبل الأب لهن ولاية التزويج عند عدم العصبات بإجماع بين أصحابنا، وهي الأخت والعمة وبنت الأخ والعم، ثم قال: ما ذكره مستقيم في الأخت لا في العمة وبنت الأخ؛ لأنهن من جملة ذوي الأرحام، وولايتهن مختلف فيها. كذا في الإيضاح (٢). (والأشهر أنه)؛ أي: أبا يوسف (مع محمد): ولكن ذكر في الكافي (٣): والجمهور على أن أبا يوسف مع أبي حنيفة. وذكر في كتاب الولاء قوله مع قول محمد؛ في الأم إذا عقدت الولاء على ولدها لم يصح عندهما، والخلاف في الولاء والتزويج سواء. (ما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «النَّكاحُ إلى العَصَباتِ … » (٤) ولم يوجد، وإدخال الألف واللام دليل على جنس النكاح - أي: ولايته لهم -. (الصيانة)؛ أي: الصيانة عن نسبة غير الكفء؛ لأنهم يعتبرون بعدم الكفاءة، فيكون ذلك باعثا لهم على صيانة كريمتهم عن غير الكفء، ولا يتحقق ذلك في غيرهم من ذوي الأرحام وغيرهم؛ لانتسابهم إلى قبيلة أخرى، فلا يلحقهم العار بذلك. (الباعثة على الشفقة): والشفقة موجودة في الأم وقرابتها، كما في قرابة الأب، ولهذا قال أصحابنا: قوله ﵇: «الإنكاح إلى العصبات» (٥)

стр. 2593

(وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) يَعْنِي: العَصَبَةَ مِنْ جِهَةِ القَرَابَةِ إِذَا زَوَّجَهَا مَولَاهَا الَّذِي أَعْتَقَهَا يتناول الأم؛ لأنها عصبة في الجملة، يعني: في صورة ولد الزنا وولد الملاعنة (١)، فيثبت لهم ولاية التزويج أيضا، إلا أن أقارب الأب يُقدمون باعتبار العصوبة، وهذا لا ينفي ثبوتها لهؤلاء عند عدم العصبات، كاستحقاق الإرث يكون بسبب القرابة، ويقدم في ذلك العصبات على ذوي الأرحام، ولا يدل ذلك على أنه لا يثبت لذوي الأرحام أصلا. والجواب عن الحديث: أن النكاح إلى العصبات حال وجودهم، وبه نقول؛ ألا ترى أن للقاضي ولاية التزويج مع وجود الحصر عند عدمهم بالإجماع، ولأنا نثبت الولاية في غيرهم بطريق الدلالة؛ باعتبار أن الشفقة وكمال الرأي علة الولاية، ومثل هذا جائز كما في قوله ﵇: ﴿لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ﴾ (٢)، حيث لا يقتصر الحكم على السيف، ويتعدى إلى السكين والنشاب وغيرهما، وإنما أخروا عن العصبة؛ لضعف الرأي وبعد القرابة، كما يجيء في الإرث. وأيضا حديث ابن مسعود؛ فإنه اجتاز تزويج امرأته لابنتها، والأصح: أن ابنتها لم تكن من عبد الله، وإنما جوز نكاحها بولاية الأمومة. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ومن لا ولي لها): الهاء راجع إلى (من) وهو المولية. وفي بعض النسخ: (ومن ولي له) وهو ظاهر. ثم اعلم: أن لمولى العتاقة وعصبته ولاية التزويج بالإجماع، وترتيب عصبات المعتق كعصبات القرابة بالإجماع، ويكون مقدما على ذوي الأرحام والأم وغيرهما؛ لأنه آخر العصبات كما في الإرث، وكذا لمولى الموالاة ولاية التزويج على الصغير والصغيرة عندهما؛ إذا لم يكن لهما قريب، خلافا لمحمد،

стр. 2594

جَازَ) لِأَنَّهُ آخِرُ العَصَبَاتِ، (وَإِذَا عُدِمَ الأولِيَاءُ فَالوِلَايَةُ إِلَى الإِمَامِ وَالحَاكِمِ) لِقَولِهِ ﷺ : «السُّلْطَانُ وَلِيٌّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (فَإِذَا غَابَ الوَلِيُّ الأَقْرَبُ غَيبَةٌ مُنقَطِعَةٌ جَازَ والشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لأنه مؤخر عن ذوي الأرحام في الميراث عند محمد فلا تكون له ولاية، كما لذوي الأرحام والأم وغيرهما؛ لأنه آخر العصبات كما في الإرث. وعند الشافعي: عقد الموالاة لا يصح، فلا تكون له عصوبة ولا قرابة. قوله: (وإذا عدم الأولياء): ذكر بلفظ الأولياء؛ ليتناول العصبات السببية والنسبية. (فالولاية إلى الإمام)؛ أي: الخليفة. (والحاكم)؛ أي: القاضي، أو من نصبه القاضي إذا شرط تزويج الصغار في عهده، وإذا لم يشترط فلا ولاية للقاضي. (لقوله ﵇: «السُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له»): وليس للسلطان ولاية التزويج عند وجود واحد من العصبات أو الأقرباء، أو مولى الموالاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد، والشافعي في الأظهر (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦): إذا لم تكن عصبة؛ فللسلطان والقاضي ولاية التزويج. قوله: وقال الشافعي (٧)، وزفر: لا يجوز أن يزوجها الأبعد، بل يزوجها السلطان أو القاضي عنده، وعند زفر: لا يجوز لأحد حتى يحضر الأقرب. وعندنا، ومالك (٨)، وأحمد (٩): يجوز للأبعد قائمة أو نائبة، والأبعد

стр. 2595

لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنهُ أَنْ يُزَوِّجَ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَقْرَبِ قَائِمَةٌ، لِأَنَّهَا ثَبَتَت حَقًّا لَهُ صِيَانَة لِلقَرَابَةِ فَلَا تَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ، وَلِهَذَا لَو زَوَّجَهَا حَيثُ هُوَ جَازَ، وَلَا وِلَايَةَ لِلأَبْعَدِ مَعَ وِلَايَتِهِ. وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إِلَى محجوب بولايته، ولا تأثير للغيبة في قطع الولاية؛ ألا ترى أنه لا يقطع التوارث فيزوجها السلطان؛ دفعا للضرر عنها، كما لو عضلها الولي الحاضر. وزفر يقول: ولاية السلطان متأخرة عن ولاية الأبعد، فإذا لم يثبت للأبعد ولاية؛ فالسلطان أولى بخلاف ما لو عضلها الولي، فهناك هو ظالم في الامتناع عن إيفاء حق مستحق عليه، فيقوم السلطان مقامه في دفع الظلم؛ لأنه نصب لذلك، وهنا الأقرب غير ظالم في سفره، خصوصا إذا سافر للحج، وهو غير ممتنع عن إيفاء حق مستحق ليقوم السلطان مقامه في الإيفاء، فيتأخر إلى حضوره. كذا في المبسوط (١)؛ لأنه إيفاء الحق المستحق، كما في المجبوب والعنين، حيث ينوب عنهما القاضي في التسريح عند فوت الإمساك بالمعروف؛ دفعا للظلم عنها، فكذا هنا. ثم للسلطان والقاضي الولاية عند عضل الولي وإحرامه وتزوجه لنفسه. (ولنا: أن هذه ولاية نظرية)؛ يعنى: ثبوت هذه الولاية لمعنى النظر حتى لا تثبت الأعلى من هو عاجز عن النظر لنفسه، وقدم الأقرب؛ لأن نظره أكثر لزيادة القرب، والنظر لا يحصل بمجرد رأي الأقرب، بل برأي خاص منتفع به، وتعذر الانتفاع برأي الأقرب لغيبته، فالتحق بمن لا رأي له أصلا، كالصغير والمجنون، وصار كالماء النجس والماء الذي تعذر الوصول في إطلاق التيمم، ورأي الأبعد خلف عن رأي الأقرب، وصار كولاية الحضانة يقدم فيها الأقرب، فإذا تزوج كانت الولاية للأبعد، أو للأبعد قرب التدبير وبعد القرابة، وللأقرب بعد التدبير وقرب القرابة، وثبوت الولاية بهما، فاستويا من هذا الوجه، وصارا كوليين في درجة واحدة، كأخوين لأب وأم، فأيهما جوز جاز، والقاضي متأخر عن الولي، وثبت للأبعد الولاية بالطريق الذي قلنا، فلا تثبت الولاية للقاضي. أما إذا زوجها الأقرب من حيث هو ممنوع.
следующие страницы →