← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وَيَجْرِي بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ (وَلِغَيرِ العَصَبَاتِ مِنْ الأَقَارِبِ وِلَايَةُ التَّرْوِيجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ: عِنْدَ عَدَمِ العَصَبَاتِ، وَهَذَا استحسَانٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَثْبُتُ وَهُوَ القِيَاسُ، وقال الشافعي في قول ضعيف، وأحمد في أصح الروايتين عنه: لا ولاية عنه؛ لأن الفسق يقدح في الشهادة، فكذا في الولاية. وعن ابن عباس أنه قال: " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل (١). وقال بعض أصحابه: الأب والجد لا يليان مع الفسق، وغيرهما يلي؛ لأن غيرهما لا يزوج إلا بالإذن، فإن لم ينظرها هو نظرت هي لنفسها. كذا في شرح الوجيز (٢). والكلام في فسق الولي كالكلام في الشاهد، وقد مر أنه ولي على نفسه وماله، فيلي على أولاده كالعدل، وليس شرط العقد موقوفا على العدالة. قوله: (ولغير العصبات): سواء كانت العصبة من النسب، أو السبب كمولى العتاقة وعصبته، كما يجيء. وفي الكافي والكنز: ولاية التزويج عند عدم العصبة النسبية والسببية: للأم، ثم للأخت لأب وأم، ثم للأخت لأب، ثم للأخ أو الأخت لأم، ثم أولادهم، ثم العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم لبنات الأعمام، ثم لبنات العمات (٣)، وهذا عند أبي حنيفة وهو الاستحسان. وعند محمد: لا تثبت. وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وهو القياس. وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة، والجمهور على أن أبا يوسف مع أبي حنيفة.

стр. 2592

وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَولُ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ مُصْطَرِبٌ (*) وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مَعَ مُحَمَّد لَهُمَا: مَا رَوَينَا، وَلِأَنَّ الوِلَايَةَ إِنَّمَا ثَبَتَت صَونًا لِلقَرَابَةِ عَنْ نِسَبَةِ غَيْرِ الكُفْءِ إِلَيْهَا وَإِلَى العَصَبَاتِ الصِّيَانَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الوِلَايَةَ نَظَرِيَّةٌ وَالنَّظَرُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّفْرِيضِ إِلَى مَنْ هُوَ المُختَصُّ بِالقَرَابَةِ البَاعِثَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ … ... … ... … ... … ... وفي المحيط (١): ذكر شيخ الإسلام الأخت لأب وأم، أو لأب أولى من الأم؛ لأن النساء اللواتي من قبل الأب لهن ولاية التزويج عند عدم العصبات بإجماع بين أصحابنا، وهي الأخت والعمة وبنت الأخ والعم، ثم قال: ما ذكره مستقيم في الأخت لا في العمة وبنت الأخ؛ لأنهن من جملة ذوي الأرحام، وولايتهن مختلف فيها. كذا في الإيضاح (٢). (والأشهر أنه)؛ أي: أبا يوسف (مع محمد): ولكن ذكر في الكافي (٣): والجمهور على أن أبا يوسف مع أبي حنيفة. وذكر في كتاب الولاء قوله مع قول محمد؛ في الأم إذا عقدت الولاء على ولدها لم يصح عندهما، والخلاف في الولاء والتزويج سواء. (ما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «النَّكاحُ إلى العَصَباتِ … » (٤) ولم يوجد، وإدخال الألف واللام دليل على جنس النكاح - أي: ولايته لهم -. (الصيانة)؛ أي: الصيانة عن نسبة غير الكفء؛ لأنهم يعتبرون بعدم الكفاءة، فيكون ذلك باعثا لهم على صيانة كريمتهم عن غير الكفء، ولا يتحقق ذلك في غيرهم من ذوي الأرحام وغيرهم؛ لانتسابهم إلى قبيلة أخرى، فلا يلحقهم العار بذلك. (الباعثة على الشفقة): والشفقة موجودة في الأم وقرابتها، كما في قرابة الأب، ولهذا قال أصحابنا: قوله ﵇: «الإنكاح إلى العصبات» (٥)

стр. 2593

(وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) يَعْنِي: العَصَبَةَ مِنْ جِهَةِ القَرَابَةِ إِذَا زَوَّجَهَا مَولَاهَا الَّذِي أَعْتَقَهَا يتناول الأم؛ لأنها عصبة في الجملة، يعني: في صورة ولد الزنا وولد الملاعنة (١)، فيثبت لهم ولاية التزويج أيضا، إلا أن أقارب الأب يُقدمون باعتبار العصوبة، وهذا لا ينفي ثبوتها لهؤلاء عند عدم العصبات، كاستحقاق الإرث يكون بسبب القرابة، ويقدم في ذلك العصبات على ذوي الأرحام، ولا يدل ذلك على أنه لا يثبت لذوي الأرحام أصلا. والجواب عن الحديث: أن النكاح إلى العصبات حال وجودهم، وبه نقول؛ ألا ترى أن للقاضي ولاية التزويج مع وجود الحصر عند عدمهم بالإجماع، ولأنا نثبت الولاية في غيرهم بطريق الدلالة؛ باعتبار أن الشفقة وكمال الرأي علة الولاية، ومثل هذا جائز كما في قوله ﵇: ﴿لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ﴾ (٢)، حيث لا يقتصر الحكم على السيف، ويتعدى إلى السكين والنشاب وغيرهما، وإنما أخروا عن العصبة؛ لضعف الرأي وبعد القرابة، كما يجيء في الإرث. وأيضا حديث ابن مسعود؛ فإنه اجتاز تزويج امرأته لابنتها، والأصح: أن ابنتها لم تكن من عبد الله، وإنما جوز نكاحها بولاية الأمومة. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ومن لا ولي لها): الهاء راجع إلى (من) وهو المولية. وفي بعض النسخ: (ومن ولي له) وهو ظاهر. ثم اعلم: أن لمولى العتاقة وعصبته ولاية التزويج بالإجماع، وترتيب عصبات المعتق كعصبات القرابة بالإجماع، ويكون مقدما على ذوي الأرحام والأم وغيرهما؛ لأنه آخر العصبات كما في الإرث، وكذا لمولى الموالاة ولاية التزويج على الصغير والصغيرة عندهما؛ إذا لم يكن لهما قريب، خلافا لمحمد،

стр. 2594

جَازَ) لِأَنَّهُ آخِرُ العَصَبَاتِ، (وَإِذَا عُدِمَ الأولِيَاءُ فَالوِلَايَةُ إِلَى الإِمَامِ وَالحَاكِمِ) لِقَولِهِ ﷺ : «السُّلْطَانُ وَلِيٌّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (فَإِذَا غَابَ الوَلِيُّ الأَقْرَبُ غَيبَةٌ مُنقَطِعَةٌ جَازَ والشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)؛ لأنه مؤخر عن ذوي الأرحام في الميراث عند محمد فلا تكون له ولاية، كما لذوي الأرحام والأم وغيرهما؛ لأنه آخر العصبات كما في الإرث. وعند الشافعي: عقد الموالاة لا يصح، فلا تكون له عصوبة ولا قرابة. قوله: (وإذا عدم الأولياء): ذكر بلفظ الأولياء؛ ليتناول العصبات السببية والنسبية. (فالولاية إلى الإمام)؛ أي: الخليفة. (والحاكم)؛ أي: القاضي، أو من نصبه القاضي إذا شرط تزويج الصغار في عهده، وإذا لم يشترط فلا ولاية للقاضي. (لقوله ﵇: «السُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له»): وليس للسلطان ولاية التزويج عند وجود واحد من العصبات أو الأقرباء، أو مولى الموالاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد، والشافعي في الأظهر (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦): إذا لم تكن عصبة؛ فللسلطان والقاضي ولاية التزويج. قوله: وقال الشافعي (٧)، وزفر: لا يجوز أن يزوجها الأبعد، بل يزوجها السلطان أو القاضي عنده، وعند زفر: لا يجوز لأحد حتى يحضر الأقرب. وعندنا، ومالك (٨)، وأحمد (٩): يجوز للأبعد قائمة أو نائبة، والأبعد

стр. 2595

لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنهُ أَنْ يُزَوِّجَ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَقْرَبِ قَائِمَةٌ، لِأَنَّهَا ثَبَتَت حَقًّا لَهُ صِيَانَة لِلقَرَابَةِ فَلَا تَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ، وَلِهَذَا لَو زَوَّجَهَا حَيثُ هُوَ جَازَ، وَلَا وِلَايَةَ لِلأَبْعَدِ مَعَ وِلَايَتِهِ. وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إِلَى محجوب بولايته، ولا تأثير للغيبة في قطع الولاية؛ ألا ترى أنه لا يقطع التوارث فيزوجها السلطان؛ دفعا للضرر عنها، كما لو عضلها الولي الحاضر. وزفر يقول: ولاية السلطان متأخرة عن ولاية الأبعد، فإذا لم يثبت للأبعد ولاية؛ فالسلطان أولى بخلاف ما لو عضلها الولي، فهناك هو ظالم في الامتناع عن إيفاء حق مستحق عليه، فيقوم السلطان مقامه في دفع الظلم؛ لأنه نصب لذلك، وهنا الأقرب غير ظالم في سفره، خصوصا إذا سافر للحج، وهو غير ممتنع عن إيفاء حق مستحق ليقوم السلطان مقامه في الإيفاء، فيتأخر إلى حضوره. كذا في المبسوط (١)؛ لأنه إيفاء الحق المستحق، كما في المجبوب والعنين، حيث ينوب عنهما القاضي في التسريح عند فوت الإمساك بالمعروف؛ دفعا للظلم عنها، فكذا هنا. ثم للسلطان والقاضي الولاية عند عضل الولي وإحرامه وتزوجه لنفسه. (ولنا: أن هذه ولاية نظرية)؛ يعنى: ثبوت هذه الولاية لمعنى النظر حتى لا تثبت الأعلى من هو عاجز عن النظر لنفسه، وقدم الأقرب؛ لأن نظره أكثر لزيادة القرب، والنظر لا يحصل بمجرد رأي الأقرب، بل برأي خاص منتفع به، وتعذر الانتفاع برأي الأقرب لغيبته، فالتحق بمن لا رأي له أصلا، كالصغير والمجنون، وصار كالماء النجس والماء الذي تعذر الوصول في إطلاق التيمم، ورأي الأبعد خلف عن رأي الأقرب، وصار كولاية الحضانة يقدم فيها الأقرب، فإذا تزوج كانت الولاية للأبعد، أو للأبعد قرب التدبير وبعد القرابة، وللأقرب بعد التدبير وقرب القرابة، وثبوت الولاية بهما، فاستويا من هذا الوجه، وصارا كوليين في درجة واحدة، كأخوين لأب وأم، فأيهما جوز جاز، والقاضي متأخر عن الولي، وثبت للأبعد الولاية بالطريق الذي قلنا، فلا تثبت الولاية للقاضي. أما إذا زوجها الأقرب من حيث هو ممنوع.

стр. 2596

مَنْ لَا يُنتَفَعُ بِرَأْيِهِ، فَفَوَّضَنَاهُ إِلَى الأَبْعَدِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ كَمَا إِذَا مَاتَ الأَقرَبُ، وَلَو زَوَّجَهَا حَيْثُ هُوَ فِيهِ مُنِعَ، وَبَعدَ التَسلِيمِ نَقُولُ: لِلأَبْعَدِ بُعدُ القَرَابَةِ وَقُربُ التَّدْبِيرِ وَلِلأَقْرَبِ عَكسُهُ، فَنَزَلَا مَنزِلَةَ وَلِيَّيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، فَأَيُّهُمَا عَقَدَ نَفَذَ وَلَا يُرَدُّ وَالغَيبَةُ المُنقَطِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي بَلَد لَا تَصِلُ إِلَيْهَا القَوَافِلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّة وفي المحيط (١): لا رواية فيه، وينبغي أن لا يجوز؛ لانقطاع ولايته. وفي المبسوط (٢): يجوز، ولئن سُلّم فلأنها انتفعت برأيه، ولكن هذه منفعة حصلت لها اتفاقا، فلا يبنى الحكم عليه، والخلاف بيننا وبين الشافعي، ولا يتحقق في الأخ والعم؛ لأنه لا ولاية لهما عنده، فعند الغيبة أولى، وإنما تتحقق في غيبة الأب والجد، وتتحقق بيننا وبين زفر في الكل. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ولا يرد)؛ أي: النكاح، يعني: إذا زوجها الأبعد ثم حضر الأقرب؛ ليس له رد نكاحها. وقيل: عند زفر يبطل عقد الأبعد إذا حضر الأقرب؛ لعدم ولايته. وقلنا: عقد حصل بولاية تامة، وقد حصلت القدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالخلف. كذا في المبسوط (٤). وليس للوصي ولاية التزويج وإن أوصى إليه الأب بالنكاح، إلا إذا كان قريبا، فحينئذ يزوج بالقرابة لا بالوصاية؛ لأن ولايته في المال دون النفس. وبه قال أحمد في رواية، والشافعي (٥). وقال أحمد: للوصي التزويج لقيامه مقام الأب (٦). وقال مالك (٧): إن أوصى إليه في التزويج جاز، وهو رواية هشام عن أبي حنيفة.

стр. 2597

وَاحِدَة) وَهُوَ اخْتِيَارُ القُدُورِيّ. وَقِيلَ: أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِأَقْصَاهُ، وَهُوَ اختِيَارُ بَعْضِ المُتَأَخِّرِينَ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَفُوتُ الكُفءُ الخَاطِبُ بِاسْتِطَلَاعِ وإن كانت البنت كبيرة زوجها الوصي بإذنها، وإن كانت صغيرة وعين الوصي التزويج؛ زوجها الوصي منه، كما لو وكل به في حياته، وإن لم يعين انتظر بلوغها لتأذن، وهو اختيار القدوري، ومحمد بن سلمة. (وهو)؛ أي: أدنى مدة السفر وهو ثلاثة أيام. (اختيار بعض المتأخرين)؛ منهم: القاضي أبو علي النسفي، وسعد بن معاذ، وأبو عصمة المروزي، وابن مقاتل الرازي، وأبو علي السعدي، وأبو اليسر، والصدر الشهيد، وعليه الفتوى. وبأدنى مدة السفر قال الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣). وفي المبسوط (٤): وإليه أشار محمد في الكتاب، فقال: أرأيت لو كان في السواد ونحوه، أما كان يستطلع رأيه، فهذا إشارة إلى أنه إذا جاوز السواد تثبت الولاية للأبعد. وعن أبي يوسف، ومحمد: من بغداد إلى الري، وهو عشرون مرحلة. وفي الروضة: وهو قول أبي حنيفة، وعن محمد المنقطعة من البصرة إلى الرقة، وغير المنقطعة من بغداد إلى الكوفة (٥). وقيل: مقدار مئة وخمسين فرسخا. وقيل: إن كان في موضع يعطي الكراء إليه بدفعتين أو أكثر فهي منقطعة، وإلا فلا. قال الإمام السَّرَخْسِي في مبسوطه (٦): والأصح: أنه [إذا] (٧) كان في موضع

стр. 2598

رَأْيِهِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الفِقْهِ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِي إِبْقَاءِ وِلَايَتِهِ حِينَئِذٍ (وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي لو (١) انتظر حضوره أو استطلاع رأيه يفوت الكفء؛ ولهذا قالوا: لو كان في البلدة مختفيا بحيث لا يوقف عليه؛ تكون غيبة منقطعة. ذكره في جامع قاضي خان (٢). ولهذا قال الشيخ في المتن: (وهو أقرب إلى الفقه)، وهو اختيار الفضلي، وفيه: عن أبي يوسف روايتان، إحداهما ما ذكرنا. وفي رواية قال: من جابلقا إلى جابلسا، وهما قريتان: إحداهما بالغرب، والأخرى بالمشرق، فقالوا: هذا رجوع منه إلى قول زفر أن الولاية لا تثبت للأبعد. وإنما ذكر هذا على طريق المثل، وعن زفر: المنقطعة: ألا يعرفوا موضعه. وعن محمد: إذا لم يكن لها ولي حاضر استحسن أن توالي رجلًا فيزوجها. وهكذا عن ابن عمر ﵄، وبه قال الشافعي في قول. (في قولهما)؛ أي: في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، ولكن يقدم أبو يوسف ومالك الابن على الأب. وعن أحمد (٥): وفي الجد عنه روايتان، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد. وقال الشافعي (٦): لا ولاية للابن، فلا يملك تزويج أمه إلا أن يكون من عشيرتها. وفي المبسوط (٧): قال أبو حنيفة وأبو يوسف: الابن أحق من الأب، هذا بناء على أن الابن مقدم على الأب عند أبي حنيفة، وقول الشافعي مبني على أصله؛ أن لا ولاية للمرأة على نفسها، والولد جزء منها، فلا تثبت الولاية له

стр. 2599

المَجنُونَةِ أَبُوهَا وَابْنُهَا فَالوَلِيُّ فِي إِنْكَاحِهَا ابنُهَا فِي قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَبُوهَا (*) لِأَنَّهُ أَوفَرُ شَفَقَة مِنْ الابنِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الِابْنَ هُوَ المُقَدَّمُ فِي العُصُوبَةِ، وَهَذِهِ الوِلَايَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا، وَلَا مُعتَبَرَ بِزِيَادَةِ الشَّفَقَةِ كَأَبِي الْأُمِّ مَعَ بَعْضِ العَصَبَاتِ. عليها، ولأن ثبوت الولاية بمعنى النظر، ولا يحصل ذلك في ولاية الابن؛ لأنه ممتنع من تزويج الأم طبعا، فلا ينظر لها في التزويج، ولئن فعل ذلك يميل إلى قوم أبيه، وربما لا يكون كفء لها إلا أن يكون من عشيرتها، فحينئذ ينعدم هذا الضرر. لنا: قوله ﵇: «الإنكاحُ إلى العَصَباتِ» والابن عصبة بالإجماع، ولا ينظر إلى امتناعه من تزويجها طبعا؛ فإن كان ذلك موجودا فيما إذا كان الابن من عشيرتها، ولأنه لما خطبها كفء ولم يزوجها الابن؛ حكم القاضي عليه بالعضل، فيزوجها بنفسها كما يفعل في سائر الأولياء. كذا في المبسوط (١). وفي شرح وجيزهم (٢): لا مشاركة بين الابن والأم في النسب، فلا يعبأ بدفع العار عن النسب، ولهذا لا يثبت للأخ من أم عندنا، فإن كان ابنها ابن عمها؛ فله الولاية بجهة أخرى، وكذا لو كان معتقا أو قاضيا؛ لأن البنوة لا تمنع التزويج بجهة أخرى. وجوابه ما ذكرنا في المبسوط. (أوفر شفقة)؛ يعني: وإن استويا في قرب القرابة، فإن كلا منهما يتصل بها بلا واسطة وحسن الرأي والتدبير؛ لأن ذلك يكون بالذكورة والعقل، وهذا موجود فيهما، إلا أن الأب أوفر شفقة، ولهذا تثبت ولايته في المال والنفس، دون الابن؛ فإنه لا تثبت ولايته في المال والنفس، فكان الأب أولى. (مبنية عليها)؛ أي: على العصوبة لا لزيادة، فإن أب الأم أوفر شفقة من ابن الأخ، ولا يقدم أب الأم عليه بالإجماع. ولا فرق بين الأصلي بأن بلغ مجنونا، والطارئ وهو الجنون بعد البلوغ

стр. 2600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عاقلا؛ لأن ثبوت الولاية يعجز الولي عليه عن النظر لنفسه، وفيه الأصلي والطارئ (١) سواء. وقال زفر: في الجنون الأصلي، أما في العارض؛ لا ولاية للولي عليها، وحكي ذلك عن الشافعي. وفي الحلية (٢): وهذا ليس بشيء. وفي شرح الوجيز (٣): والأصح: ألا فرق بين الأصلي والعارض في ثبوت الولاية عليه كمذهبنا، ولكن زوجها الأب والجد خاصة عنده. وجه زفر: أنه إذا بلغ تثبت الولاية على نفسها عند البلوغ، والنكاح عقد العمر، فلا تتجدد الحاجة في كل وقت، فمتى صارت أهلا لنظر نفسها؛ استغنت عن نظر الولي، فزالت ولاية الولي، فلا تحدث بعد ذلك. وقلنا: الولاية باعتبار العجز عن نظر نفسها، إلى آخر ما ذكرنا، وذلك ربما لم يتفق له كفء في حال إفاقته حتى جن، أو ماتت زوجته بعد ما جن، فتتحقق الحاجة في الطارئ كما في الأصلي. كذا في المبسوط (٤). [فروع] امرأة جاءت إلى القاضي وقالت: لا ولي لي، أريد أن أتزوج، فالقاضي يأذن لها بالزواج، علم أن لها وليا أو لا. وعن إسماعيل بن حماد (٥): فالقاضي يقول لها: إن لم تكوني قرشية ولا عربية، ولا ذات زوج ولا في عدة أحد؛ فقد أذنت لك. قال شيخ الإسلام (٦): للقاضي أن يكلفها إقامة البينة على ما ادعته إن شاء، وإن شاء قال لها: روحي إن كان الأمر كما وصفت، وبعد إقامة البينة يلزم القاضي ما ادعت من غير خيار.

стр. 2601

فَصْلٌ فِي الكَفَاءَةِ (الكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ مُعتَبَرَةٌ) قَالَ ﷺ : «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إِلَّا الأَولِيَاءُ، وَلَا وفي الوجيز (١): هذه البينة تسمى تكشف الحال. وسئل شيخ الإسلام عن بكر بالغ شافعية، زوجت نفسها من حنفي أو شافعي، هل يجوز؟ قال: نعم، وإن كان لا يصح عند الشافعي. ولو سئلنا ما جواب الشافعي في هذه المسألة؟ أجبنا: أنه يصح عند أبي حنيفة (٢). وسئل عن عقد عُقد عند فاسقين، ثم غاب الزوج عنها غيبة منقطعة، هل يجوز للقاضي أن ينوب إلى الشافعي المذهب يبطل النكاح بهذا السبب؟ قال: نعم، وللحنفي أن يبطله بنفسه أيضا، وأخذ بهذا المذهب على قول أبي حنيفة. ذكره المرغيناني (٣) (٤). فصل في الكفاءة في الصحاح (٥): الكُفْءُ: النظير، وكذلك الكفؤ والكُفوء على فعل وفعول، والمصدر: الكفاءة بالفتح والمد؛ يقال: لا كفاء له بالكسر، مصدر في الأصل، أي: لا نظير له. ومنه: كافأه سواه، وتكافؤوا: تساووا. قال الشاعر: الناس من جهة التمثال أكفاء … أبوهم آدم والأم (٦) حَوَاءُ (٧) وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وفي الحديث: «المسلمون

стр. 2602

يُزَوَّجْنَ إِلَّا مِنْ الأَكْفَاءِ» تتكافأ دماؤهم» (١)، أي: تتساوى، الكفاءة في جانب الرجال للنساء معتبرة عند الجمهور (٢)، خلافا لمالك (٣)، وسفيان الثوري، والكرخي. لهما: قوله ﵇: «الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عَجَمِيٌّ، وإنما الفضل بالتقوى (٤) (٥)»، يؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَلَكُمْ﴾، وقال ﵇: «من أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه» (٦). وقيل: كان سفيان [من العرب] (٧)، فتواضع [ورأى] (٨) الموالي كفؤا للعرب، وأبو حنيفة من الموالي، فتواضع ولم ير نفسه كفؤا للعرب. كذا في المبسوط (٩). وفي البسيط: ذهبت الشيعة إلى أن إنكاح العلويات ممتنع على غيرهم. [ولنا] (١٠): ما روى جابر أنه ﵇ قال: «لا يُزَوَّجُ النساء إلا

стр. 2603

وَلِأَنَّ انتِظَامَ المَصَالِحِ بَينَ المُتَكَافِتَينِ عَادَة، لِأَنَّ الشَّرِيفَةَ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ مُستَفرَشَة الأكفاء … » الحديث (١). وقال علي: ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا (٢). وعن عمر أنه قال: لَأَمْنَعَنَّ النِّسَاءَ فُرُوجَهُنَّ إِلَّا مِنْ الأَكْفَاءِ (٣). (ولأن انتظام المصالح) إلى آخره بيانه أن النكاح عقد العمر، ومشتمل على أغراض ومقاصد؛ كالسكن والازدواج، والصحبة والألفة، والتوالد والتناسل، وتأسيس القرابات، وذا لا يتم إلا بين الأكفاء؛ لأنه يغيظها استفراش من هو دونها في الحسب والنسب. وفي ملك النكاح على المرأة ذل؛ إذ النكاح رق حكما. إليه أشار قوله ﵇: «النكاحُ رِقّ فلينظر أحدكم (٤) أين يضع كريمته» (٥). وإذلال النفس حرام؛ قال ﵇: «ليس للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه» (٦)، وإنما جوز ما جوز ضرورة. وفي استفراش الخسيس الشريفة زيادة الذل، ولا ضرورة في هذه الزيادة، فلا تتحقق مقاصد النكاح عند ذاك عادة، فلا يلزم العقد حتى يتمكن الولي من

стр. 2604

لِلخَسِيسِ، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا، بِخِلَافِ جَانِبِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوجَ مُسْتَفْرِشُ فَلَا تَغِيظُهُ دَنَاءَةُ الفِرَاشِ (وَإِذَا زَوَّجَت المَرأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفء، فَلِأُولِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا) فسخه؛ دفعا للعار عن نفسه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). (فلا تغيظه دناءة الفراش)؛ إذ ليس فيه إذلال النفس، فإن نسب الولد لا يكون إلى أمه، بل إلى أبيه، والولي لا يعير بأن تكون تحت الرجل من لا يكافئه، وما روياه محمول على أحكام الآخرة. (أن يفرقوا بينهما) أي: ما تلد، وقد بينا فيه خلافا؛ لأنها ألحقت العار بالأولياء، فإنهم يعيرون بأن ينسب إليهم بالمصاهرة من لا يكافئهم، وفي القرار ضرر العار، فكان لهم حق الاعتراض. ولا يبطل حق الولي بالسكوت بعد العلم وإن طال السكوت، ولا يكون التفريق بذلك إلا عند القاضي؛ لأنه مجتهد فيه، وكل من الخصمين يتشبث بدليل، فلا تنقطع الخصومة إلا بفصل من له الولاية عليهما، كالفسخ بخيار البلوغ، وما لم يفرق القاضي؛ فحكم الطلاق والإرث قائم؛ لأن النكاح انعقد صحيحا في ظاهر الرواية. وهذه الفرقة ليست بطلاق؛ لأنه تفريق على سبيل الفسخ لأصل النكاح، والطلاق تصرف في النكاح، وما يكون فسخا لأصله لا يكون تصرفا فيه، ولا مهر لها إن لم يدخل بها، وإن دخل بها فلها المسمى. وإطلاق هذه المسألة دليل على رجوع محمد إلى قولهما في النكاح بغير ولي، وفي نكاح المرأة نفسها بلا ولي اختلاف الأئمة الأربعة، وقد بيناه، أما لو زوجها الولي برضاها من غير رضا بقية الأولياء من غير كفء؛ بطل العقد عند الشافعي قولا واحد في أحد الطريقين. وفي الطريق الثاني: فيه قولان: في قول: يبطل، وهو الأصح. وفي قول: يصح ويثبت الاعتراض عليه لمن لم يرض من الأولياء (٢).

стр. 2605

دفعا لِضَرَرِ العَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ (ثُمَّ الكَفَاءَةُ تُعتَبَرُ فِي النَّسَبِ)؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِهِ التَّفَاخُرُ (فَقُرَيشُ بَعْضُهُم أَكفَاءٌ وعند أحمد في أصح الروايتين عنه (١)، ومالك في رواية (٢): تشترط الكفاءة لصحة العقد، وعندنا يصح العقد، وللأولياء حق الاعتراض كما بينا، فلو رضي بعض الأولياء؛ سقط حق الاعتراض للباقين، إلا أن يكون الباقي أقرب من الراضي. وقال أبو يوسف، وزفر، والشافعي في قول (٣): لا يسقط حق الباقين؛ لأنه حق الكل، فلا يسقط إلا برضا الكل، كالدين المشترك إذا أبرئ أحدهم. وقلنا: إنه حق واحد لا يتجزأ؛ لأنه ثبت بسبب لا يتجزأ، فيثبت لكل واحد على الكمال، كولاية الأمان، فإذا أبطله أحدهم لا يبقى ضرورة لحق القصاص. قوله: (ثم الكفاءة تعتبر في النسب): في المبسوط (٤): الكفاءة تعتبر في حق الرجل في النسب، والحرية والمال، والحرفة والحسب. وفي فتاوى الولوالجي (٥): في التقوى وإسلام الأب والعقل أيضا. وفي المنهاج عند الشافعي (٦): تعتبر الكفاءة في سلامة العيوب التي يرد بها، والنسب والحرية، والعفة والحرفة، وهي خمس، ومثله عن أحمد (٧). وعن أحمد: الدين والمنصب. (قريش بعضهم أكفاء) القرشي: من كان من ولد النضر بن كنانة، ومن لم يكن من ولد النضر من العرب فهو غير قرشي. قال ابن عباس: سموا بدابة في البحر، لا يظهر لها شيء من الدواب إلا

стр. 2606

لبعض، وَالعَرَبُ بَعضُهُم أَكفَاء لِبَعض وَالأَصلُ فِيهِ قَولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أكلته، فشبهت قريش بها؛ لأجل القهر والعز والغلبة. وقيل: يجمع قصي آباءهم، ولذا سمي (١) قصي مجمعًا، والتقرش: التجمع، وهو أول من سمي القرشي. ومن قبائلهم: لؤي بن غالب بن فهر، وبنو كعب بن لؤي، وهم ثلاثة: مرة، وعدي، وقصي. وبنو عدي رهط عمر بن الخطاب؛ لأن عمر بن الخطاب من نفيل بن عبد العُزَّى بن رباح بن عبد الله بن فرط بن دراج بن عدي، من بني مرة تيم. ومخزوم، فمنهم أبو بكر الصديق ﵁، وبنو قصي أربع: عبد مناف، وعبد العُزَّى، وعبد الدار، وعبد قصي. وبنو عبد مناف أربعة: هاشم والمطلب، وعبد شمس، ونوفل. وبنو هاشم (٢) هم عبد المطلب بن هاشم، منهم عبد الله أبو النبي ﷺ ، وحمزة، وأبو طالب، والعباس ﵃. فالقرشي كفء للقرشي عندنا. وقال الشافعي في قول، وفي أظهر قوليه (٣): لا يكون غير الهاشمي والمطلبي من قريش كفوا للهاشمي والمطلبي. أما الهاشمي والمطلبي أكفاء؛ لقوله ﵇: «نحن وبنو المطلب شيء واحد»، وقال ﵇: «إن الله اصطفى كِنانة من بني إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم» (٤). ولنا: الحديث المذكور في المتن ولأنه ﵇ زوج بنتيه (٥) من عثمان وكان أمويًّا، وعلي زوَّج بنته أم كلثوم من عمر، وكان عمر عدويًا كما ذكرنا.

стр. 2607

وَالسَّلَامُ: «قُرَيشُ بَعضُهُم أَكفَاءُ لِبَعض بَطنُ بِبَطن، وَالعَرَبُ بَعضُهُم أَكفَاءٌ لِبَعض قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ، وَالمَوَالِي بَعضُهُم أَكفَاءٌ لِبَعْضٍ رَجُلٌ بِرَجُل» وَلَا يُعتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَينَ وما رواه محمول على فضيلة النبي؛ لأنه من ولد هاشم. (قبيلة بقبيلة)؛ أي: ليس بعض القبائل من قريش أولى من بعضهم. قال الزبير بن بكار (١): في العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، فالشعب يجمع العمارة، والعمارة تجمع البطن، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، فمضر شعب، وربيعة شعب، ومدلج شعب، وحِمْيَر شعب، فسميت شعوبا؛ لأن القبائل تشعبت، فكنانة قبيلة وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. (والموالي)؛ أي: غير العرب، وسموا موالي؛ لأنهم نصروا العرب، وسمي الناصر مولى؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾؛ أي: لا ناصر لهم. ولأن قلاعهم فتحت على أيدي العرب، فكانوا بسبيل من استرقاقهم، فكأنهم كانوا عبيدا لهم، ثم عتقوا بالمن عليهم، فكانوا موالي للعرب. قوله: (رجل برجل)؛ إشارة إلى أن النسب لا يعتبر فيهم. قال القفال، وأبو عاصم من أصحاب الشافعي (٢): فإنهم ضيعوا أنسابهم، فلا يكون التفاخر فيهم بالنسب، بل بالدين، كما أشار إليه سلمان ﵁ حين افتخرت الصحابة بالأنساب، وانتهى الأمر إليه، فقيل: سلمان ابن من؟ فقال: أبي الإسلام لا أب لي سواه. وقال أكثر أصحاب الشافعي: يعتبر النسب في العجم؛ لأنهم يفتخرون به (٣). وفي شرح الوجيز (٤): وهو الظاهر، وهو الحجة عليهم قوله ﵇:

стр. 2608

قُرَيش لِمَا رَوَينَا. وَعَنْ مُحَمَّد كَذِلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا كَأَهْلِ بَيْتِ الخِلَافَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: تعظيمًا لِلخِلَافَةِ وَتَسْكِينًا للفِتْنَةِ. وَبَنُو بَاهِلَةَ. «وَالمَوَالِي بعضهم أَوْلِيَاء بعض رَجُل برَجُل» (١). (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «قريش بعضهم أكفاء لبعض» (٢)، وما ذكرنا من تزويج النبي ﵇ ابنتيه من عثمان، وهذا نفي لما قاله الشافعي: أن الهاشمي والمطلبي أكفاء دون غيرهم. (وعن محمد) إلى آخره: وفي المبسوط (٣): إنما ذكر هذا تعظيما للخلافة، وتسكينا للفتنة، لا لانعدام أصل الكفاءة، والعرب بعضهم أكفاء لبعض؛ لكون النبي منهم، ونزول القرآن بلغتهم. وقال ﵇: «حبُّ العرب من الإيمان» (٤)، وقال ﵇ لسلمان: «لا تبغضني»، فقال سلمان: وكيف أبغضك وقد هداني الله بك؟، فقال ﵇: «تبغضُ العرب فتبغضني» (٥). ولا يكون الموالي كفوا للعرب، وبه قال الشافعي (٦)؛ لما أنه ﵇ قال: «وَالمَوَالِي بعضهم أَكْفَاء لبعض» (٧). قوله: (وبنو باهلة): الباهلة: قبيلة من قيس بن غيلان، وهم في الأصل: اسم امرأة من همدان (٨)، والتأنيث للقبيلة، سواء كان في الأصل اسم رجل أو

стр. 2609

لَيْسُوا بِأَكْفَاء لِعَامَّةِ العَرَبِ؛ لِأَنَّهُم مَعْرُوفُونَ بِالخَسَاسَةِ. (وَأَمَّا المَوَالِي: فَمَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ فِي الإِسْلَامِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مِنْ الأَكْفَاءِ) يَعْنِي لِمَنْ لَهُ آبَاءٌ فِيهِ. (وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ، أَوْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الإِسْلَامِ، لَا يَكُونُ كُفؤًا اسم امرأة. كذا في الصحاح (١). وهم معروفون بالدناءة والخساسة، روي أنهم كانوا يستخرجون النقي من عظام الموتى وهم يطبخون العظام، ويأخذون الدسومات منها ويأكلون. وقيل: إذا قيل للكلب يا باهلي … عوى الكلب من لؤم هذا النسب (٢) قال الشاعر: وما ينفع الأصل من هاشم … إذا كانت النفس من باهله (٣) وللباهلي على خبزه … ختام لأكلة الأكله (٤) (كما هو مذهبه) (٥)، أي: مذهب أبي يوسف في التعريف في الشهادات والدعاوى، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٦)، وبعضهم قال: لا يكون كفؤا كمذهبهما. أما من له أبوان في الإسلام؛ يكون كفؤا لمن له عشرة آباء أو أكثر في الإسلام، وذكر بعض المتأخرين من أصحابه: أنه لا ينظر إلى إسلام الأب. (له أب واحد في الإسلام) وكذا لمن له أبوان في الإسلام أو أبا، وبه قال الشافعي كما بينا في قصة سلمان. قالوا هذا في الموالي لا في العرب، فإن من لا أب له في الإسلام؛ يكون كفؤا لمن له الآباء في الإسلام؛ لأن التفاخر في العرب بالأنساب. كذا في جامع المحبوبي (٧).

стр. 2610

لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الإِسلام)؛ لِأَنَّ تَمَامَ النَّسَبِ بِالأَبِ وَالجَدِّ، وَأَبُو يُوسُفَ أَلحَقَ الوَاحِدَ بِالمُثَنَّى كَمَا هُوَ مَذهَبُهُ فِي التَّعْرِيفِ (*). (وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ كُفْوًا لِمَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الإِسْلَامِ)؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ فِيمَا بَينَ المَوَالِي بِالإِسْلَامِ. وَالكَفَاءَةُ فِي الحُرِّيَّةِ نَظِيرُهَا فِي الإِسْلَامِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرنَا؛ لِأَنَّ الرِّقَ أَثَرُ الكُفْرِ، وَفِيهِ مَعنَى الذُّلِّ فَيُعتَبَرُ فِي حُكمِ الكَفَاءَةِ. قَالَ: (وَتُعتَبَرُ أَيضًا فِي الدِّينِ) أَي: الدِّيَانَةِ، وَهَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ في جميع ما ذكرنا من الوفاق والخلاف؛ يعني: الكفاءة في الحرية معتبرة؛ أي: بإجماع الفقهاء، حتى لا يكون العبد كفؤا لحرة الأصل، وكذلك المعتق لا يكون كفؤا لحرة أصلية، والمعتق أبوه لا يكون كفؤا لمن لها أبوان في الحرية؛ لأن الرق أثر الكفر، وفيه معنى الذل، فكان بمنزلة أهل الدين على الوجه الذي قلنا. وعن أبي يوسف: أن الذي أسلم بنفسه أو أعتق إذا أحرز من الفضائل ما يقابل نسب الآخر؛ كان كفؤا له. كذا في المبسوط (١). وفي المجتبى (٢): معتقة الشريف لا تكافئ معتق الوضيع. قوله: (أي: في الديانة)؛ وهو التقوى والصلاح، وإنما فسره؛ لأن مطلق الدين الإسلام، ولا كلام لأحد أن إسلام الزوج شرط جواز نكاح المسلمة. (وهذا)؛ أي: اعتبار الكفاءة في الديانة (قول أبي حنيفة وأبي يوسف) وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، فإن مالكا يعتبر الكفاءة في الدين وحده، ونقل هكذا عن الشافعي، وأحمد في رواية: لا يعتبر إلا في الدين والنسب (٥). والأصح عن أحمد مثل مذهب الشافعي، حتى لو نكحت امرأة من بنات

стр. 2611

هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعلَى المَفَاخِرِ، وَالمَرأَةُ تُعَيَّرُ بِفِسْقِ الزَّوجِ فَوقَ مَا تُعَيَّرُ بِضَعَةِ نَسَبِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُعتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ (*)، فَلَا تُبتَنَى عَلَيْهِ أَحكَامُ الدُّنْيَا عليه، إِلَّا إِذَا كَانَ يُصْفَعُ وَيُسخَرُ مِنهُ، أَوْ يَخْرُجُ إِلَى الْأَسوَاقِ سَكَرَانَ وَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخَفْ بِهِ. الصالحين فاسقا؛ كان للأولياء حق الرد. قوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عما روي عن أبي حنيفة: أن الكفاءة في التقوى والحسب غير معتبرة. ذكره في المحيط (١). وعما روي عن أبي يوسف: أنها غير معتبرة في التقوى، ومعتبرة في الحسب والنسب. والحسب مكارم الأخلاق. كذا في المحيط (٢). وذكر المحبوبي محيلا إلى صدر الإسلام أن الحسب هو الذي له جاه وحرمة وحشمة؛ لا يكون كفؤا للخسيس الذي لا جاه له (٣). وفي جامع قاضي خان (٤): قالوا: الحسيب كفؤ للنسيب، حتى أن الفقيه كفؤ للعلوي؛ لأن شرف العلم فوق شرف النسب. وكذا الفقيه الفقير كفؤ للغني الجاهل، والعالم العجمي كفؤ للعربي الجاهل والعلوية. وفي الينابيع (٥): والأصح: أنه لا يكون كفؤا للعلوية. (لأنه)؛ أي: الدين (أعلى المفاخر)؛ قال تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. (بِضَعَةِ)؛ أي: بدناءة نسبه. (لأنه مستخف به)؛ أي: بتلك الصنائع. وفي المحيط (٦): وعليه الفتوى.

стр. 2612

قَالَ: (وَ) تُعتَبَرُ (فِي المَالِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ) وَهَذَا هُوَ المُعتَبَرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُهُمَا أَوْ لَا يَمْلِكُ أَحَدَهُمَا لَا يَكُونُ كُفؤا؛ لِأَنَّ المَهرَ بَدَلُ البُضْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيفَائِهِ، وَبِالنَّفَقَةِ قِوَامُ الارْدِوَاجِ وَدَوَامُهُ. وَالمُرَادُ بِالمَهرِ قَدْرُ مَا تَعَارَفُوا تَعجِيلَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ مُؤَجَّلٌ عُرفًا … ... … ... . وفي المبسوط (١): وكذلك أعوان الظلمة، من يستخف به منهم؛ لا يكون كفؤا لامرأة صالحة لأهل البيوتات، إلا أن يكون مهيبا يعظم في الناس. و [عن] (٢) أبي يوسف أنه قال: الذي يشرب المسكر، فإن كان يشرب سرا ولا يخرج سكران؛ كان كفؤا، وإن كان يعلن ذلك؛ لم يكن كفؤا لامرأة صالحة من أهل البيوتات. ولم ينقل [في] (٣) ذلك عن أبي حنيفة شيء، والصحيح عنده: أنه غير معتبر؛ لأن هذا ليس بلازم لا يمكن تركه. وفي فتاوى الظهيرية (٤): لو تزوج وهو كفء ثم صار فاسقا؛ لا يفسخ النكاح؛ لأن اعتبار الكفاءة وقت النكاح لا استمرارها بعد النكاح. (قوله: ما وراءه مؤجل عرفا) وفي المجتبى: قلت: وفي عرف أهل خوارزم كله مؤجل فلا تعتبر القدرة عليه بيسار أبيه (٥). وفي الكافي: بيسار أبيه وجده وجدته، ولا يعتبر قادراً على النفقة بيسار الأب؛ لأن الآباء في العادات يحملون المهور عن الأولاد دون النفقة (٦). وعن أبي حنيفة، ومحمد، وبعض أصحاب الشافعي (٧) مثل قول أبي يوسف (٨).

стр. 2613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي جامع شمس الأئمة: المعتبرة نفقة سنة، وقيل: نفقة شهرين (١). وفي المجتبى: الصحيح أنه إذا كان قادرا على النفقة على طريق الكسب؛ كان كفؤا (٢). وفي المحيط: هذا إذا صلحت للجماع، وإلا لا تعتبر القدرة على النفقة كالصغيرة جدا (٣). والصبي كفؤ بغناء أبيه: وهو الصحيح، ولو كان له ألف درهم دين، وتزوج امرأة بألف؛ فهو كفؤ لها في قول أبي حنيفة ومحمد. وبه قال بعض أصحاب الشافعي في وجهه. وقال أبو يوسف: لا يعتبر. وبه قال بعض أصحاب الشافعي في الأظهر. (لأن الناس يتفاخرون بالغنى)؛ قالت عائشة مرفوعا «إن أحساب أهل الدنيا المال، أرأيت ذا المال مهيبا، وذا الفقر مهينا» (٤)؛ فوجب دفع هذا الضرر بالإعراض، وهذا القول مذكور منهما في غير رواية الأصول. وفي كتاب النكاح: لا يشترط إلا القدرة على المهر والنفقة. قال الإمام السرخسي في مبسوطه، وصاحب الذخيرة: والأصح أن ذلك لا يعتبر؛ لأن كثرة المال مذمومة في الأصل؛ قال ﵇ «هلك المكثرون، إلا من قال بماله هكذا وهكذا» (٥) أي: تصدق به (٦).

стр. 2614

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ اعْتَبَرَ القُدرَةَ عَلَى النَّفَقَةِ دُونَ المَهرِ؛ لِأَنَّهُ تَجْرِي الْمُسَاهَلَةُ فِي المَهرِ، وَيُعَدُّ المَرْءُ قَادِرًا عَلَيْهِ بِيَسَارِ أَبِيهِ. فَأَمَّا الكَفَاءَةُ فِي الغِنَى فَمُعتَبَرَةٌ فِي قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد رَحِمَهُمَا اللَّهُ، حَتَّى إِنَّ الفَائِقَةَ فِي اليَسَارِ لَا يُكَافِتُهَا القَادِرُ عَلَى المَهرِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بالغِنَى وَيَتَعَيَّرُونَ بِالفَقْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُعتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَهُ إِذِ المَالُ غَادٍ وَرَائِحٌ (*) (وَ) تُعتَبَرُ (فِي الصَّنَائِعِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّد رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا تُعتَبَرُ إِلَّا أَنْ تَفْحُشَ كَالحَجَّامِ وَالحَائِكِ وَالدَّبَّاغِ (**). ولهذا اختار النبي ﷺ الفقر، ولا يفتخر به (١) أهل المروءات والبصائر. (وهذا عند أبي [يوسف] (٢)، ومحمد) (٣) وبه قال الشافعي (٤)؛ حتى لا يكون الحجام والكناس والدباغ كفؤا للبزاز والعطار. أما العطار فهو كفؤ للبزاز. وقوله (هذا عند أبي [يوسف] (٥)، ومحمد) هذا في [أكثر] (٦) نسخ هذا الكتاب، وهكذا أورده شيخ الإسلام خواهر زادة. وذكر فخر الإسلام: أن هذا قول أبي حنيفة ومحمد. (وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان) وأظهرهما أنه لا يعتبر؛ حتى يكون البيطار كفوًا للعطار وهو رواية عن محمد. وعنه في رواية: الموالي بعضهم أكفاء؛ إلا الحايك، والحجام. وهو رواية عن أبي يوسف، وأظهر الروايتين عن محمد.

стр. 2615

وَجْهُ الِاعْتِبَارِ: أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بِشَرَفِ الحِرَفِ، وَيَتَعَيَّرُونَ بِدَنَاءَتِهَا. وَجْهُ قيل: هذا اختلاف عصر وزمان؛ ففي زمن أبي حنيفة الدناءة في الحرفة لا تعتد منقصة؛ فلا يعتبر، وفي زمنهما تعد منقصة؛ فتعتبر. كذا في جامع قاضي خان (١). (ويتعيرون بدناءتها)؛ أي: بدناءة الحرفة عادة؛ وقد روي عن النبي ﷺ أن قال: «النَّاسُ أَكْفَاءُ إِلاَّ الحَائِكَ وَالحَجَّامَ» (٢) ليست بلازمة كالمرء تارة بحرفة نفيسة، وطورا بحرفة خسيسة، بخلاف النسب؛ لأنه صفة لازمة، الفقر كذلك؛ إذ لا يلازمه عادة، وأما الحديث فشاذ مما تعم به البلوى. وفي المجتبى، وفي المحيط، وغيره: وهنا خسيس خامس أخس من الكل، وهو: الذي يخدم الظلمة؛ يُدْعَى شاكِريًا وتابعًا، وإن كان صاحب مروءة ومال؛ فظلمه خساسة بعد خساسة (٣). وفي جامع الإسبيجابي: ولما صارت الحرف قسمين؛ فإفراد كل واحد منهما أكفاء، وبه يفتى (٤). ولا رواية لاعتبار العقل في الكفاءة؛ فقيل: يُعتبر؛ لأنه يفوت بعدمه مقصود النكاح، وقيل: لا؛ لأنه مرض. ولا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من الشفعوي، وقيل: يجوز التزويج منهم، لا التزويج إليهم، وعن الفضلي: من قال أنا مؤمن إن شاء الله؛ يكفر؛ لأن الاستثناء يرفع؛ فيبقى بلا إيمان؛ فلا يجوز التناكح بيننا (٥).

стр. 2616

القَولُ الآخَرُ: أَنَّ الحِرفَةَ لَيسَت بِلَازِمَة، وَيُمكِنُ التَّحَوُّلُ عَنِ الخَسِيسَةِ إِلَى النَّفِيسَةِ مِنهَا قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَت المَرأَةُ وَنَقَصَت عَنْ مَهرِ مِثْلِهَا فَلِلأُولِيَاءِ الاعتِرَاضُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، حَتَّى يُتِمَّ لَهَا مَهرَ مِثْلِهَا أَوْ يُفَارِقَهَا) وَقَالَا: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. وَهَذَا الوَضعُ إِنَّمَا يَصِحُ عَلَى قَولِ مُحَمَّد عَلَى اعْتِبَارِ قَولِهِ المَرجُوعِ إِلَيْهِ فِي النِّكَاحِ بِغَيرِ الوَلِيِّ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ صَادِقَةٌ عَلَيْهِ. لَهُمَا: أَنَّ مَا زَادَ عَلَى العَشَرَةِ حَقَّهَا، وَمَنْ أَسقَطَ حَقَّهُ لَا يُعتَرَضُ عَلَيْهِ كَمَا بَعدَ التَّسْمِيَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الأَولِيَاءَ يَفْتَخِرُونَ بِغَلَاءِ المَهْرِ وَيَتَعَيَّرُونَ بِنُقصَانِهِ، فَأَشبَهَ الكَفَاءَةَ، بِخِلَافِ الإِبْرَاءِ بَعدَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَعَيَّرُ بِهِ. قوله: (أو يفارقها)، ولا تكون الفرقة طلاقا؛ لأنها ما وقعت من قبل الزوج، ألا ترى أن المقصود دفع العار، وذا يرفع العقد من الأصل، والطلاق يقرر حكم العقد. ولا يكون لها المهر إن كانت الفرقة قبل الدخول، وبعده لها المسمى. (وهذه)؛ أي: هذه المسألة. (شهادة صادقة عليه)؛ أي: على رجوع محمد، وكان تأويل المسألة: شهادة صادقة عليه فيما إذا أكرهت المرأة والولي، على أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، ثم زال الإكراه فرضيت المرأة وأبى الولي؛ فليس له ذلك عندهما. وفي الأسرار وطلبت من الولي التزويج بأقل من مهر مثلها؛ لم يجبر الولي. (حقها)؛ أي: حق المرأة؛ لأنه بدل بضعها، ألا ترى أن لها الاستيفاء أو الإبراء والتصرف فيه كيف شاءت، وتصرفها في حقها صحيح. (كما بعد التسمية)؛ يعني: لو أبرأت فلا يكون للولي الاعتراض. وإنما قال: (ما زاد على العشرة)؛ لأنها لو نقصت عن العشرة؛ يكمل لها العشرة حقا للمشروع. (فأشبه الكفاءة)؛ أي: في التعبير؛ فلهم ولاية الاعتراض. أما بعد التسمية لا يُعيرون؛ لأنها أبرأت وهبة، وهذا من باب المروءة؛

стр. 2617

(وَإِذَا زَوَّجَ الأب ابنتهُ الصَّغِيرَةَ وَنَقَصَ مِنْ مَهْرِهَا، أَوْ ابنَهُ الصَّغِيرَ وَزَادَ فِي مَهرِ امْرَأَتِهِ، جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيرِ الأَبِ وَالجَدِّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الحَطُّ وَالزِّيَادَةُ إِلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) (*) وَمَعْنَى هَذَا الكَلَامِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ العَقْدُ عِندَهُمَا؛ لِأَنَّ الوِلَايَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرطِ النَّظَرِ، فليس لهم اعتراض، وهو نظير حق الشرع في تسمية أصل المهر في الابتداء، وفي البقاء يخلص لها. فإن قيل: لا فائدة في الإكمال؛ لأنها متى ملكت؛ جاز لها أن تبري. قلنا: فائدته مراعاة حق الولي، كما لو نقصت عن العشرة؛ فإنه يكمل لها مع بقاء حق الإبراء؛ لأنه يفيد حق الله تعالى. وعند الشافعي، ومالك، وأحمد لا يتصور الخلاف في هذه المسألة؛ لانتفاء جواز النكاح بدون الولي عندهم. (وهذا عند أبي حنيفة)، ويلزم المسمى به، وبه قال أحمد (١)، ومالك (٢). (ولا يجوز ذلك لغير الأب والجد)، وبه قال الشافعي (٣). قوله: (ومعنى هذا الكلام) إلى آخره، إنما قال ذلك؛ لأن عند بعض أصحابنا أصل النكاح صحيح، ولا يجوز الحط والزيادة، وبه قال الشافعي (٤). وترد إلى (٥) إلى مهر المثل؛ لأن المانع من قبل المسمى، وفساده لا يمنع صحة النكاح؛ كما لو كان المسمى خمرا؛ لأنه ذكر في الكتاب: لا يجوز عندهما مطلقا؛ فحمله البعض على ذلك.

стр. 2618

فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَبْطُلُ العَقْدُ، وَهَذَا لِأَنَّ الحَطَّ عَنْ مَهرِ المِثْلِ لَيْسَ مِنْ النَّظَرِ فِي شَيْءٍ كَمَا فِي البَيعِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ غَيْرُهُمَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الحُكمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ النَّظَرِ، وَهُوَ قُربُ القَرَابَةِ، والأصح: أن النكاح باطل عندهما؛ كما في غير الأب والجد. (فعند فواتهما)؛ أي: فوات النظر. يبطل العقد من الأصل؛ كالمأمور بالعقد بشرط؛ يبطل عقده إذا عدم شرطه. (وهذا) لأنه ليس من النظر إيجاب المال أو إبطاله بلا عوض معلوم؛ ألا ترى أنه لا يملك البيع والشراء بغبن فاحش في ماله مع أن المال أهون؛ فلأن لا يملك هنا وهو أقوى أولى. ألا ترى أنه لو زوج أمتها بمثل هذا الصداق لا يجوز؛ فإذا زوجها أولى، وولايته عليهما دون ولاية المرأة على نفسها. ولو زوجت هي نفسها بمثل هذا المهر أو من غير كفؤ؛ فللولي حق الاعتراض بالإجماع؛ فهذا أولى. كذا في المبسوط (١). (ولأبي حنيفة: أن الحكم يدار على دليل النظر)؛ يعني: أن النظر والضرر في هذا العقد باطنان؛ فبنيا على السبب الداعي إليهما (وهو قرب القرابة) وبعدها؛ وذلك أن النكاح يشتمل على مصالح ومقاصد سوى المهر من حيث: السكن، والازدواج، وحسن التبعل والأب وافر الشفقة كامل الرأي ينظر لولده فوق ما ينظر لنفسه؛ فالظاهر أنه إنما قصر في المهر لتحصل تلك المقاصد. وكان تصرفًا واقعا بشرط النظر، حتى لو عرف سوء الاختيار من الأب مجانة أو فسقا؛ كان عقده باطلا هو الصحيح. وقد روي أنه ﵇ تزوج عائشة على صداق خمسمائة (٢) زوجها أبو

стр. 2619

وَفِي النِّكَاحِ مَقَاصِدُ تَربُو عَلَى المَهرِ. أَمَّا المَالِيَّةُ فَهِيَ المَقْصُودُ فِي التَّصَرُّفِ المَالِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَدِمْنَاهُ فِي حَقٌّ غَيْرِهِمَا. بكر، وزوّج فاطمة من علي على صداق أربع مائة درهم (١)، وذلك معلوم أن ذلك لم يكن صداق مثلهما مع أنهما مجمع الفضائل؛ فلا صداق في الدنيا يزيد على هذا المقدار. كذا في المبسوط (٢). وعن عائشة قالت: كان صداق رسول الله ﷺ اثنتي عشرة أوقية (٣)، قال مجاهد: الأوقية: أربعون درهما، والنش: نصف أوقية عشرون درهما، والنواة: خمسة دراهم. رواه مسلم. (والدليل) وهو وفور الشفقة. (عدمناه في حق) غير الأب والجد. وفي المبسوط: أما المالية: فالمقصود هو المال، وليس بإزاء هذا النقصان ما يجبره. وبخلاف ما لو زوج أمتها؛ لأن سائر مقاصد النكاح لا تحصل للصغيرة والصغير. وبخلاف غير الأب والجد؛ [إذ] (٤) ليس له شفقة وافرة لتحمل تقصيرهما في الكفاءة والمهر على معنى ترك النظر والميل (٥) إلى الرشوة لا لتحصيل سائر المقاصد. وبخلاف المرأة في نكاح نفسها؛ لأنها سريعة الانخداع، ضعيفة الرأي، متابعة للشهوة عادة، فيحمل تقصيرها على متابعة الشهوة، لا لتحصيل المقاص. على أن المقاصد تحصل لها لا للأولياء، وليس بإزاء هذا النقصان (٦) في

стр. 2620

(وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ عَبدًا، أَوْ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ أَمَةً فَهُوَ جَائِزٌ) قَالَ ﵁ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيضًا)؛ لِأَنَّ الإِعْرَاضَ عَنِ الكَفَاءَةِ لِمَصْلَحَةِ تَفَوُّقِهَا، وَعِندَهُمَا: هُوَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ الكَفَاءَةِ فَلَا يَجُوزُ (*). حقهم جابر؛ فلهذا يثبت لهم حق الاعتراض (١). وفي المجتبى: وقيل: يجوز بيع الأب مال ابنه الصغير بغبن فاحش (٢). (فلا يجوز)؛ أي: النكاح. وبه قال الشافعي في الأصح (٣). وأحمد في قول (٤)، مثل أبي حنيفة؛ لكن لها الخيار إذا بلغت. أما لو (زوج ابنه الصغير أمة)؛ لا يجوز عند الشافعي (٥)، ومالك، وأحمد (٦)؛ لعدم خوف العنت. ولو زوج ابنه الصغير لا يثبت المهر في ذمة الأب؛ بل يثبت في ذمة الابن عندنا، سواء كان الابن موسرا أو معسرا. وبه قال: أحمد (٧)، والثوري، والأوزاعي. وقال الشافعي: يجب في ذمة الأب (٨)، وبه قال [حماد] (٩) شيخ أبي حنيفة. وقال مالك (١٠) والليث في الابن المعسر: على الأب، وهو رواية عن أحمد في المعسر (١١). والوجه من الجانبين مندرج فيما ذكرنا في مسألة نقصان المهر.

стр. 2621

فصل فِي الوَكَالَةِ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرِهَا (وَيَجُوزُ لِابْنِ العَمِّ أَنْ يُزَوِّجَ بِنتَ عَمِّهِ مِنْ نَفْسِهِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ (وَإِذا أَذِنَت المَرأَةُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ فَعَقَدَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَينِ جَازَ) فصل في الوكالة وغيرها أي: غير الوكالة مثل نكاح الولي والفضولي؛ لأن هذا الفصل مشتمل على أحكام الوكيل والولي والفضولي. قوله: (بنت عمه)؛ أي: الصغيرة بغير إذنها، والبالغة بإذنها. صورته أن يقول: اشهدوا أني زوجت بنت عمي فلانة بنت فلان بن فلان من نفسي. وبقولنا قال: مالك، وأحمد (١)، والثوري، وأبي ثور، والظاهرية. (وقال الشافعي، وزفر: لا يجوز) (٢)، وقال أحمد: يرد أمرها إلى غيره ليزوجها، وقال قتادة، وابن العنبري: يزوجها منه ابن عم هو أبعد منه (٣). وهذا الخلاف في الوكيل إذا زوجها من نفسه. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك إلا في أحد الزوجين، ومالكهما، والإمام الأعظم في أحد الوجهين، ولا يجوز في الوكيل قولا واحدًا (٤). ثم اعلم أن عقد الوكيل عند غيبة الموكل إنما يصح؛ إذا عرفها باسمها ونسبها. وفي التفاريق: زوجها من نفسه بأمرها، وقال: اشهدوا أن فلانة وكلتني أن أزوجها من نفسي، ولم ينسبها ولم يعرفها؛ لا يجوز (٥) النكاح لأن الغائب إنما يعرف بالتسمية، ألا ترى أنه لو قال: تزوجت امرأة قد وكلتني؛ لا يجوز. وفي شرح القاضي: لو كانت حاضرة منتقبة، ولا يعرفها الشهود؛ فعن الحسن وبشر: يجوز. وقيل: لا يجوز ما لم ترفع نقابها ويراها الشهود. كذا ذكره الإمام

стр. 2622

وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ. لَهُمَا: أَنَّ الوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُمَلَّكًا وَمُتَمَلِّكًا كَمَا فِي البَيعِ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: فِي الوَلِيِّ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّاهُ سِوَاهُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الوَكِيل. وَلَنَا: أَنَّ الوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، وَالتَّمَانُعُ فِي الحُقُوقِ … ... … ... … .. التمرتاشي (١). (لهما)؛ أي: لزفر والشافعي. (أن الواحد … ) إلى آخره؛ يعني: النكاح عقد معاوضة يقوم بالشطرين؛ فلا يباشر الواحد الجانبين لتغاير الحكمين، وهو التمليك والتملك كالبيع. وهو قياس يوافقه الأثر، وهو قوله ﵇ «كلُّ نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدًا عَدل» (٢). (إلا أن الشافعي يقول في الولي)؛ يعني: في أحد الوجهين كما ذكرنا. (لأنه)؛ أي: النكاح. (لا يتولاه سواه)؛ أي: سوى الولي؛ إذ النكاح ينعقد بعبارته لا بعبارتها؛ فلو منعناه من تولي الشطرين لامتنع النكاح أصلا. ولئن أمر غيره كما قال أحمد من أحد الجانبين؛ فمأموره قائم مقامه. (ولنا): أنه سفير ومعبر، والواحد يجوز أن يكون معبرا عن اثنين. (والتمانع) النافي. (في الحقوق) وهو كونه: مُطالِبًا ومطالِبًا، ومسلمًا ومسَلَّمًا، ومخاصمًا ومخاصَمًا.

стр. 2623

دُونَ التَّعبِيرِ وَلَا تَرجِعُ الحُقُوقُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ البَيعِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ حَتَّى رَجَعَتِ الحُقُوقُ إِلَيْهِ، وَإِذَا تَوَلَّى طَرَفَيْهِ فَقَولُهُ: «زَوَّجتُ» يَتَضَمَّنُ الشَّطْرَينِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى القَبُولِ. قَالَ: (وَتَرْوِيجُ العَبدِ (دون التعبير) إذ الواحد يصلح مُعبّرا عن اثنين كما ذكرنا؛ فإن العبارة تنتقل إليهما؛ فيصير العقد بين شخصين فلا يؤدي إلى أحكام متضادة. (بخلاف البيع)؛ لأن الوكيل فيه (مباشر، وترجع الحقوق إليه)؛ فيؤدي إلى أحكام متضادة؛ توضيحه: أن البيع لا يصح إلا بتسمية الثمن؛ فإذا تولاه من الجانبين كان مُسْتَزِيدًا مُسْتَنْقِصًا، أما النكاح؛ فيصح بلا تسمية المهر فلا يؤدي إلى هذا المعنى. يؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَنى﴾ أي: في نكاح اليتامى، وقوله تعالى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فدل على أن للولي أن يزوجها من نفسه. وفي الحديث: أتى شيخ مع جارية النبي ﷺ فسأله عن قصتها؛ فقال: إنها بنت عمي، وإني خشيت أنها إذا بلغت ترغب عني؛ فتزوجتها؛ فقال «خذ بيد امرأتك» (١) ولا حجة لهما في الحديث؛ لأن هذا النكاح قد حضره أَرْبَعَةٌ مَعْنَى؛ فإذا اجتمع وصفان في واحد كان بمنزلة المثنى من حيث المعنى؛ لاعتبار كل وصف على حدة. كذا في المبسوط (٢). قوله: (يتضمن الشطرين)؛ أي: الإيجاب والقبول. (فلا يحتاج إلى القبول)؛ لأن الواحد لما قام مقام شخصين كما ذكرنا؛ صارت عبارته بمنزلة العبارتين؛ فصار كلامه بمنزلة قوله: زوجت نفسي فلانة، وقبلت. قوله: (وتزويج العبد) (٣) المراد التزوج وتزويج نفسها.

стр. 2624

وَالأَمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَولَاهُمَا مَوقُوفٌ، فَإِنْ أَجَازَهُ المَولَى جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ، وَكَذَلِكَ لَو زَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَة بِغَيْرِ رِضَاهَا، أَوْ رَجُلًا بِغَيْرِ رِضَاهُ) وَهَذَا عِنْدَنَا فَإِنَّ كُلَّ عَقد صَدَرَ مِنْ الفُضُولِي وَلَهُ مُجِينٌ انعَقَدَ مَوقُوفًا عَلَى الإِجَازَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصَرُّفَاتُ الفُضُولِي كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ العَقَدَ وُضِعَ لِحُكْمِهِ، وَالفُضُولِيُّ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِثْبَاتِ الحُكمِ فَيَلغُو. وَلَنَا: أَنَّ رُكنَ التَّصَرُّفِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي انعِقَادِهِ فَيَنعَقِدُ مَوْقُوفًا، حَتَّى إِذَا رَأَى المَصْلَحَةَ فِيهِ يُنَفِّذُهُ، وَقَدْ يَتَرَاخَى حُكمُ العَقدِ عَنْ العَقدِ (وقال الشافعي: تصرفات الفضولي كلها باطلة)، نكاحا وبيعا، وغيرهما (١). وبه قال أحمد (٢). وفي رواية كقولنا (٣) وقد يجيء بيان الخلاف مع وجوهه مشبعا في فصل بيع الفضولي. وروي أن النجاشي زوج أم حبيبة من النبي ﷺ ، فبلغ النبي ﷺ فأجازه ذلك بكتابه (٤). (ركن التصرف) وهو الإيجاب والقبول. (صدر من أهله) وهو العاقل البالغ. (مضافا إلى محله)؛ أي: محل التصرف، وهو الأنثى من بني آدم، غير محرم شرعا؛ فيتم به الانعقاد نظرا إلى المتعاقدين. (ولا ضرر في انعقاده)؛ أي: انعقاد التصرف؛ بل الضرر في إبرامه وهو متراخي عن أصل العقد؛ دفعا للضرر. (وقد يتراخى حكم العقد عن العقد) شرعا؛ كما في البيع بشرط الخيار، وهو جواب عن حرف الخصم؛ فإنا نسلم أن العقد وضع لحكمة ولكن تراخى حكمه. قوله: (وله مجيز) أي: للعقد مجيز؛ أي: حالة العقد كالولي، حتى لو لم

стр. 2625

(وَمَنْ قَالَ: «اشْهَدُوا أَنِّي تَزَوَّجتُ فُلَانَة» فَبَلَغَهَا الخَبَرُ فَأَجَازَتْ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَالَ آخَرُ: «اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْهُ» فَبَلَغَهَا الخَبَرُ فَأَجَازَتِ جَازَ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ المَرأَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا زَوَّجَت نَفْسَهَا غَائِبًا فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ جَازَ (*). وَحَاصِلُ الخِلَافِ: أَنَّ الوَاحِدَ لَا يَصْلُحُ فُضُولِيًّا مِنْ الجَانِبَينِ أَوْ فُضُولِيًّا مِنْ جَانِبِ وَأَصِيلًا مِنْ جَانِبِ عِندَهُمَا، خِلَافًا لَهُ. يكن مجيزا حالة العقد؛ بطل. ذكره في شرح الطحاوي. وهذا اللفظ يشير إلى أنه لو زوج الصبي أو الصبية أو المجنون أو المجنونة أو المحارم أو مطلقة الثلاث أو منكوحة الغير؛ لا ينعقد. فإن قيل: السلطان ولي اليتيمة والمجنونة إذا لم يكن لهما ولي. قلنا: بفرض المسألة في دار الحرب؛ إذ هناك [لا] (١) سلطان ولا قاض. (فهو باطل)؛ أي: عندهما، خلافا لأبي يوسف. (وإن قال آخر) أي: مجيبا بعد قوله: تزوجت فلانة. (جاز)؛ أي: بالاتفاق. (وهذا)؛ أي: مجموع ما ذكر (عند أبي حنيفة ومحمد). وقال أبو يوسف: إذا زوجت نفسها غائبا إلى آخره، وكذا لو زوجها رجل، فبلغها الخبر، فأجازت؛ جاز عند أبي يوسف. (وحاصل هذا)؛ أي: مجموع ما ذكر. (فضوليا من الجانبين) وفي شرح الكافي: هذا إذا تكلم الفضولي بكلام واحد؛ بأن قال: زوجت فلانة من فلان وقبلت منه؛ يتوقف [بالاتفاق. (أصيلا من جانب)؛ كالمسألة الأولى.

стр. 2626

وَلَو جَرَى العَقْدُ بَينَ الفُضُولِينِ، أَوْ بَينَ الفُضُولِيِّ وَالْأَصِيلِ جَازَ بِالإِجْمَاعِ. هُوَ يَقُولُ: لَو كَانَ مَأْمُورًا مِنْ الجَانِبَينِ يَنفُذُ، فَإِذَا كَانَ فُضُولِيًّا يَتَوَقَّفُ وَصَارَ كَالخُلعِ وَالطَّلَاقِ وَالإِعْتَاقِ عَلَى مَالِ. وَلَهُمَا: أَنَّ المَوجُودَ شَطرُ العَقدِ؛ لِأَنَّهُ شَطْرٌ حَالَةَ الحَضرَةِ فَكَذَا عِنْدَ الغَيْبَةِ، … ... … . قوله: (فإذا كان فضوليا؛ يتوقف) (١)] بيانه: أن الموجود منه متى جعل عقدا تاما في موضع الولاية وهو الإذن؛ دل أنه هكذا في غير موضعها؛ لأن الصفة لا تتغير بالولاية وعدمها؛ لأن أثر الولاية في النفاذ لا في تغير الصفة. وإذا كان عقدًا تاما بالولاية وهي الإذن؛ فكذا عند عدم الولاية؛ فينعقد، ولكن يتوقف على الإجازة؛ لعدم الولاية. وكلام الواحد في النكاح عقد تام باعتبار الإذن ابتداء؛ فكذا باعتبار الإجازة لعدم الولاية انتهاء بلا إذن. (يتوقف)؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. (وصار كالخلع)؛ بأن قال الزوج: خالعت امرأتي على كذا، وهي غائبة، فبلغها الخبر، فقبلت؛ جاز بالاتفاق. وكذا (الطلاق والإعتاق على مال) والجامع احتياج الكل إلى الإيجاب والقبول. بخلاف البيع؛ فإنه لو صدر عن إذن لا ينفذ فبغير إذن لا يتوقف على الإجازة. (لهما) أي: لأبي حنيفة ومحمد. (أن الموجود شطر العقد)؛ أي: نصفه. (لأنه)؛ أي: الموجود منه (شطر). (حالة الحضرة)؛ أي: حال كونه حاضرا؛ حتى ملك الرجوع قبل قبول الآخر، وبطل بالقيام قبل قبول الآخر، ولو كان عقدا تاما لما بطل؛ كما لو وجد الشرطان من الفضوليين.

стр. 2627

وَشَطْرُ العَقدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ المَجْلِسِ كَمَا فِي البَيعِ، بِخِلَافِ المَأْمُورِ مِنْ الجَانِبَينِ؛ لِأَنَّهُ يَنتَقِلُ كَلَامُهُ إِلَى العَاقِدَينِ، وَمَا جَرَى بَينَ الفُضُولِيَّينِ عَقْدٌ تَامٌ، وَكَذَا الخُلعُ وَأُختَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِين مِنْ جَانِبِهِ … .. وإذا كان الموجود (شطر العقد؛ لا يتوقف على ما وراء المجلس؛ كما في البيع)؛ لأن النكاح عقد معاوضة يحتمل الفسخ؛ فكلام الواحد فيه يكون شطر العقد كما في البيع. (بخلاف) ما إذا كان وليا (من الجانبين)؛ لأنه صار كل العقد حكما بحكم الولاية، ولهذا لا يحتاج إلى القبول كما بينا؛ فصار هو كشخصين، وكلامه ككلامين. كـ (المأمور من الجانبين)؛ فإن كلامه يصير ككلامين. (بالانتقال إلى العاقدين)؛ فينعقد وينفذ بالإجازة على اعتبار وجود الكلامين، لا على اعتبار كلام واحد. وههنا لم يوجد الأمر والولاية؛ فبقي مقصودًا على المتكلم حقيقة؛ فإنه باعتبار حقيقته كلام واحد شطر العقد -؛ فلا يتوقف على ما وراء المجلس؛ إذ لابد للتوقف من بقاء الكلام حتى يتصل به القبول ليصير عقدا معتبرا، ولا بقاء للكلام حقيقة؛ لأنه عرض يتلاشى ويضمحل حين يوجد، وإنما يعد باقيا ببقاء حكمه؛ فمتى أفاد حكما يبقى باعتباره فتعمل فيه الإجازة، وإلا لا. والعقد التام له حكم، وبعض العقد لا حكم له. (وكذا الخلع [وأختاه] (١)) أي: الطلاق والعتاق على مال. (لأنه)؛ أي: كل واحد من الخلع وأختاه. (تصرف يمين من جانبه) أي: جانب الزوج؛ لما فيه تعليق الطلاق والعتاق بالقبول لصحة تعليقهما بالشرط، فإذا بلغهما وقبلا؛ صح لوجود الشرط، ألا ترى أنه لا يملك الرجوع عن ذلك، ولليمين حكم فيبقى باعتبار حكمه. وفي النكاح قوله: تزوجت فلانة؛ لا يمكن أن يجعل تعليقا؛ لأن النكاح

стр. 2628

حَتَّى يَلزَمَ فَيَتِمَّ بِهِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَة فَزَوَّجَهُ اثْنَتَيْنِ فِي عُقدَةِ، لَم تَلزَمَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى تَنْفِيذِهِمَا لِلمُخَالَفَةِ، وَلَا إِلَى التَّنْفِيذِ فِي إِحْدَاهُمَا غَيْرَ عَين، لِلجَهَالَةِ، وَلَا إلَى التَّعيِينِ، لِعَدَمِ الأُولَوِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ … ... … ... … .. لا يحتمل التعليق بالشرط. ولا يلزم على هذا ما لو قال الزوج بمحضر منها: طلقتك بكذا، فقامت عن المجلس قبل القبول؛ فإنه يبطل، ولو كان تعليقا بالشرط؛ لما بطل بقيامها عن المجلس؛ لأن من التعليقات ما يبطل بالقيام عن المجلس؛ كقوله: أنت طالق إن شئت؛ فإنه يقتصر على وجود المشيئة في المجلس حتى يبطل بقيامها عن المجلس. إليه أشير في المبسوط (١). واحترز بقوله (في جانبه) عن الخلع من جانبها؛ بأن قالت: خالعت نفسي من فلان بكذا؛ فإنه لم يتوقف؛ لأنه من جهتها معاوضة؛ ولهذا صح رجوعها قبل قبول الزوج. وصورة الفضولي والأصيل: أن يخطب رجل امرأة على رجل غائب لم يأمره به فزوجت نفسها، فتقدم الغائب أو بلغه فأجاز النكاح؛ جاز عندنا، خلافا للشافعي؛ لما مر من أصله. (حتى يلزم)؛ أي: لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه. قوله: (للجهالة)؛ إذ النكاح لا يضاف إلى المجهول لتعطله عما هو المقصود منه وهو الوطء؛ لأن وطء غير المعينة مستحيل. وعن أبي يوسف: أنه يصح نكاح أحدهما، والبيان إلى الزوج إذا لم يكن بين (٢) المرأتين قرابة، حتى لو اختار الزوج واحدة؛ لزمه وبطل نكاح الأخرى. وإن مات الزوج قبل أن يختار واحدة؛ كان المهر والميراث بينهما، وعلى كل واحدة منهما عدة الوفاة؛ لأنه وكيل في أحدهما؛ فيلزمه. ويجوز أن تكون إحداهما منكوحة غير معلومة تتعين عند البيان؛ كما لو

стр. 2629

(وَمَنْ أَمَرَهُ أَمِيرٌ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةِ، فَزَوَّجَهُ أَمَةً لِغَيْرِهِ، جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) رُجُوعًا إلَى إطلاقِ اللَّفظِ وَعَدَمِ التُّهمَةِ (وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُزَوِّجَهُ طلق إحدى امرأتيه ثلاثا. والجامع أن كل واحد تصرف لا يحتمل الرد، ويستوي فيهما الهزل والجد. قال شمس الأئمة: وهو قول أبي يوسف الأول، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن النكاح لا يحتمل التعليق بالشرط؛ لأنه تمليك مبتدأ. وما لا يحتمل التعليق بالشرط لا يثبت في المجهول؛ لأنه تعليق بالبيان. بخلاف الطلاق؛ لأنه يحتمل التعليق؛ فيصح في المجهول. كذا في جامع قاضي خان (١). وفي النهاية الشاهية: هذا كله إذا وكله بنكاح امرأة غير معينة، فأما إذا وكله بنكاح امرأة معينة فتزوجها مع أخرى؛ جاز نكاح المعينة وتوقف نكاح الأخرى على الإجازة؛ لأنه وكيل فيها فضولي في الأخرى (٢). قوله: (ومن أمره أمير) إلى قوله (وقالا)؛ أي: أبي يوسف ومحمد. (لا يجوز) وبه قال: الشافعي، ومالك، وأحمد، [أما عندهم] (٣)؛ فلِطَوْلِ الحرة. وأما عندهما؛ فلصرف المطلق إلى المتعارف؛ كنقد البلد. والمتعارف: تزويج الكفء. وفي جامع قاضي خان وعلى هذا الخلاف إذا لم يكن أميرا، فزوجه الوكيل امرأة حرة عمياء أو رتقاء أو مفلوجة أو مجنونة أو مقطوعة اليدين؛ فعلى هذا [كان] (٤) قيد الأمير اتفاقا. وقيل: قيد به؛ لأن الكفاءة في جانب النساء للرجال مستحسنة في الوكالة عندهما.

стр. 2630

كُفؤا (*)؛ لِأَنَّ المُطلَقَ يَتَصَرَّفُ إِلَى المُتَعَارَفِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ بِالأَكْفَاءِ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... أما لو زوجه صغيرة لا تشتهى؛ يجوز بالإجماع؛ لأنه ﵇ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين. وقيد بقوله: (أمة لغيره) (١)؛ إذ لو زوجه أمة لنفسه؛ لا يجوز بالإجماع؛ لمكان التهمة. ذكره في جامع قاضي خان (٢). دلت المسألة أن الكفاءة في جانب النساء [معتبرة عندهما أيضا. وفي المحيط: الكفاءة من جانب النساء] (٣) غير معتبرة عند أبي حنيفة، وبه قال: الشافعي (٤)، وأحمد (٥). وعندهما: معتبرة استحسانا (٦). وقيل: غير معتبر عندهما بلا خلاف، وإنما لا يجوز غير الكفء في هذه الصورة باعتبار المتعارف لا باعتبار الكفاءة؛ [ولهذا ذكر أن اعتبار الكفاءة استحسان عندهما، ولو كان باعتبار الكفاءة] (٧)؛ لوجب ألا يجوز عندهما قياسا واستحسانا. وعند الشافعي: التوكيل بامرأة مجهولة؛ لا يجوز، في قول. وفي قول: يجوز، وينصرف إلى المعتاد والمتعارف؛ إذ العادة مقيدة للتوكيل (٨) كما في التوكيل بشراء العجم والجهد (٩). ولأبي حنيفة: أن هذا الكلام صدر مطلقا؛ فيجري على إطلاقه في غير موضع التهمة كما في أمة نفسه - والضرورة كما إذا كانت تحته حرة.
следующие страницы →