← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

لِأَنَّهَا وَجَبَت صِلَة مِنْ الزَّوجِ؛ لِأَنَّهُ أَوْ حَشَهَا بِالفِرَاقِ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نِصْفَ المَهرِ طَرِيقَةُ المُتعَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فَسَخُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، وَالمُتعَةَ لَا تَتَكَرَّرُ، وَلَنَا: أَنَّ المُتعَةَ خَلَفٌ عَنْ مَهرِ المِثْلِ فِي المُفَوِّضَةِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ مَهْرُ المِثْلِ وَوَجَبَت المُتَعَةُ، وَالعَقْدُ يُوجِبُ العِوَضَ فَكَانَ خُلَفا، وَالخَلَفُ لَا يُجَامِعُ الأَصلَ وَلَا شَيْئًا مِنهُ، فَلَا تَجِبُ … ... . وقول مالك: أنها مستحبة في الجميع كما ذكرنا (١). (لأنها)؛ أي: المتعة. (صلة) وليست بعوض، ولهذا تختلف بإعسار الزوج وإيساره، والأعواض لا تختلف بحال من عليه. إلا أن الزوج (أوحشها بالفراق)؛ فأوجبناها صلة؛ دفعا لوحشة الفراق. فسخ في هذه الحالة؛ أي: في الطلاق قبل الدخول لعود المعقود إليها كما ورد عليه العقد. وقيل: قوله (طريقة المتعة) وقع على اختيار بعض المتأخرين من أصحابنا؛ حيث قالوا: الطلاق في هذه الحالة فسخ؛ فيسقط جميع المسمى، وإنما يجب نصفه (٢) على طريق المتعة. وأما (٣) الآخرون منهم قالوا: يبقي نصف المهر ويسقط نصفه بالطلاق؛ لقوله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. (في المفوضة)؛ وهي: التي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا، أو تزوجها على ألا مهر لها. وإنما وجبت المتعة خلفا عن مهر المثل؛ لأن تنصيف المثل لا يمكن؛ لأنه مجهول. (ولا شيئًا منه)؛ أي: من الأصل. (فلا تجب) المتعة وجوب المهر.

стр. 2662

مَعَ وُجُوبِ شَيْء مِنْ المَهرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَان فِي الإِيحَاشِ، فَلَا تَلْحَقُهُ الغَرَامَةُ بِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الفَضلِ. (وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ بِنتَه أَوْ أَختَه عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ بِنتَهُ أَوْ أُختَهُ، لِيَكُونَ أَحَدُ العَقَدَينِ عِوَضًا عَنِ الْآخَرِ، … ... … ... … ... . قوله: (وهو غير جان) جواب عن حرف الخصم؛ يعني: فعل ما فعله بإذن الشرع؛ فلا تلحقه الغرامة؛ إذ الطلاق مباح شرعا، وربما يكون مستحبا: إذا كانت المرأة سليطة، أو تاركة للصلاة، أو خافا ألا يقيما حدود الله. قيل: هذا مما يعلم ولا يفتى [به] (١)، كما في صورة: المرأة الصالحة والزوج مدمن خمر، أو يطلقها ثلاثا ولا يفارقها (٢)؛ فإنه يجوز لها أن تدفع السم إلى زوجها فتقتله فيما بينها وبين الله تعالى. قوله: (عوضا عن الآخر)؛ قيد بذلك؛ لأنه [لو] (٣) لم يقل على أن يكون بضع كل واحد صداقا للآخر؛ يجوز النكاح ولا يكون (٤) شغارا بإجماع من الأئمة الأربعة. وقال الشافعي: يبطل العقدان (٥). وبه قال: مالك (٦)، وأحمد (٧). واحتج بقوله ﵇ «لا جَلَبَ، ولا جَنَبَ، ولا شغار في الإسلام» (٨)؛ إذ الشغار: أن يقول الرجل لآخر: زوجتك أختي أو بنتي على أن تزوجني أختك أو بنتك، على أن يكون مهر كل واحدة منهما نكاح الأخرى؛ فقد نفى النبي ﵇ الشغار فيكون منسوخا، ولئن أريد به النهي كما في

стр. 2663

فَالعَقْدَانِ جَائِزَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنهُمَا مَهرُ مِثْلِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَطَلَ العَقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نِصْفَ البُضْعِ صَدَافًا، وَالنِّصْفَ مَنكُوحَة، وَلَا اشْتِرَاكَ فِي هَذَا البَابِ فَبَطَلَ الإِيجَابُ. وَلَنَا: أَنَّهُ سَمَّى مَا لَا يَصْلُحُ صَدَاقًا، قوله تعالى ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾؛ فالنهي يقتضي بطلان المنهي عنه عندي. ولأنه شرط الاشتراك في بضع كل واحد منهما؛ حيث جعل النصف منه صداقا، والنصف منكوحا، وملك النكاح لا يحتمل الاشتراك. وإنما قال: (ولا اشتراك في هذا الباب) أي: باب النكاح؛ لأن البضع الواحد لا يكون مشتركا بين شخصين؛ لأنه لما جعل بينهما صداقا صارت منكوحة لآخر، ومملوكة بينهما بحكم المهر؛ فصار نصف البضع مملوكا للرجل، ونصفه مملوكا للمرأة صداقا؛ فإذا اجتمعت صار مشتركا، وهذا الملك يفوت مع الشركة، كمن طلق بعض امرأته؛ فأولى ألا يثبت، ويصير كما لو زوجت المرأة نفسها من رجلين. وقلنا: النهي عن النكاح لمعنى في غيره، وهو: إخلاؤه عن المهر؛ لأن الشغار هو: الخلوة في اللغة، يقال: شغر الكلب: إذا رفع إحدى رجليه يبول، وبلدة شاغرة: إذا كانت خالية من سلطان. وإنما أراد به ألا تخلو المرأة بالنكاح عن المهر، وبه نقول؛ إذ لكل واحد منهما مهر المثل. وعن ابن عمر: أن النهي للخلو عن المهر؛ قال: نهى النبي ﵇ أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحدة منهما مهر (١) فدل أن النهي لعدم المهر. كذا في الإيضاح والمبسوط (٢). ولأن النهي رد باعتبار ما جعلاه مهرا، وقد أبطلناه. (ما لا يصلح صداقا)؛ وهو: البضع، والبضع ليس بمال، والمهر ينبغي أن

стр. 2664

فَيَصِحُ العَقْدُ وَيَجِبُ مَهْرُ المِثلِ، كَمَا إِذَا سَمَّى الخَمْرَ وَالخِنْزِيرَ، وَلَا شَرِكَةَ بِدُونِ الاستحقاقِ (وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَة عَلَى خِدمَتِهِ إِيَّاهَا سَنَة أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا قِيمَةُ خِدمَتِهِ سنة (*)، وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدُ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَولَاهُ عَلَى خِدمَتِهِ سَنَةٍ جَازَ وَلَهَا خِدمَتُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا تَعلِيمُ القُرآنِ وَالخِدمَةُ فِي الوَجْهَينِ؛ يكون مالا؛ لقوله تعالى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فصار تسميته كتسمية (الخمر والخنزير)؛ فيفسد ويجب مهر المثل. غاية ما في الباب أن يقال: إن نكاح أحدهما شرط لنكاح الأخرى، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. قوله: (ولا اشتراك) (١) جواب عن حرف الخصم؛ يعني: لما لم يصلح البضع صداقا لم يتحقق الاشتراك فبقي شرطا فاسدا، والنكاح لا يفسد به. بخلاف ما لو زوجت نفسها من رجلين؛ لأنها تصلح منكوحة كل واحد منهما؛ فيتحقق الاشتراك، والتعيين ممتنع؛ فبطل ضرورة. قوله: (لها تعليم القرآن) (٢)، وبه قال: أحمد في رواية (٣)، وفي الأخرى مثل قولنا (٤)، ومالك (٥). إلا أن مالكا في رواية ابن القاسم قال: يكره ذلك (٦). (والخدمة في الوجهين) (٧)؛ أي: في الحر والعبد وبه قال مالك (٨) وأحمد (٩). وكذا الخلاف لو تزوجها وجعل مهرها صداق الضّرّة، أو العفو عن

стр. 2665

لِأَنَّ مَا يَصِحُّ أَخْذُ العِوَضِ عَنهُ بِالشَّرطِ يَصلُحُ مَهْرًا عِندَهُ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ المُعَاوَضَةُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى خِدمَةِ حُرِّ آخَرَ أَوْ عَلَى رَعِيِ الزَّوجِ غَنَمَهَا. وَلَنَا: أَنَّ المَشرُوعَ هُوَ الِابْتِغَاءُ بِالمَالِ، وَالتَّعْلِيمُ لَيسَ بِمَالٍ، وَكَذَلِكَ الْمَنَافِعُ عَلَى أَصْلِنَا، وَخِدمَةُ العَبْدِ ابْتِغَاءُ بِالمَالِ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ رَقَبَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الحُرُّ، وَلِأَنَّ خِدمَةَ الزَّوجِ الحُرِّ لَا يَجُوزُ استِحْقَاقُهَا بِعَقدِ النِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَلبِ المَوضُوعِ، … ... … .. القصاص؛ فعندنا يجب مهر المثل، وعندهم المسمى (١). والأصل عند الشافعي: أن كل ما يجوز (أخذ العوض عنه بالشرط يصلح مهرا)؛ لأن المقصود تحقيق المعاوضة وبذا تتحقق. وتعليم القرآن يصلح صداقا؛ لقوله ﵇ «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ» (٢). وخدمة الحر مال عند العقد، ولهذا لو تزوجها على خدمة آخر برضاه، أو على رعي غنمها، أو زراعة أرضها سنة؛ يجوز. (ولنا: أن المشروع الابتغاء بالمال)، وإنما أضاف إلينا بقوله ﴿بِأَمْوَالِكُم﴾ بواسطة الإحراز، وتعليم القرآن ليس بمال، فضلا عن أن يكون متقوما. والمنافع غير متقومة؛ إذ التقويم بدون الإحراز لا يكون. والمنافع أعراض لا تبقى زمانين كما بين في الأصول، وتقومها في العقد على خلاف القياس المساس الحاجة. أما (قلب الموضوع)؛ فإن موضوع النكاح أن يكون الزوج مالكا؛ قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ والمراد بالقوامة المالكية، وأن تكون مستخدما؛ فإن خدمة الزوج عليها واجبة، ألا ترى أنه لو استأجرها للخدمة لا يجوز، وإنما ذلك لكونها مستحقة عليها. فلو جعلت خدمته مهرًا لصارت المرأة مستخدمة، وبينهما تناف؛ لأن

стр. 2666

بِخِلَافِ خِدمَةِ حُرِّ آخَرَ بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاقَضَةَ، وَبِخِلَافِ خِدمَةِ العَبدِ؛ لِأَنَّهُ يَحْدُمُ مَولَاهُ مَعنى، حَيثُ يَحْدُمُهَا بِإِذْنِهِ وَبِأَمْرِهِ، وَبِخِلَافِ رَعِيِ الْأَعْنَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ القِيَامِ بِأُمُورِ الزَّوجِيَّةِ، فَلَا مُنَاقَضَةَ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي رِوَايَة، أحدهما يشعر بشرفه والآخر بهوانه. (بخلاف خدمة حر آخر)؛ فإنها تستحق الخدمة في الصحيح. وقيل: لا تستحق؛ فإنه لا يلزم منه قلب الموضوع والتنامي. وكذا طلاق الضرة، والعفو عن القصاص؛ ليس بمال. وتأويل الحديث بحرمة ما معك من القرآن؛ كتزوج أبي طلحة على إسلامه، وروى أبو بكر النجار أن ذلك كان [خالصا] (١) لذلك الرجل. وعلى هذا الخلاف: إذا أعتق أمته على أن يتزوجها ويكون عتقها صداقها؛ فزوجت نفسها منه؛ فلها مهر المثل عندنا؛ لأن الإعتاق إبطال الرق، ولا يكون صداقا. وقال الشافعي (٢) وأبو يوسف في رواية: يجوز ذلك؛ فإنه ﵇ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها (٣). وقلنا: روي أنه تزوجها بمهر جديد، ولو ثبت فإنه ﵇ مخصوص بالنكاح بغير مهر (٤). كذا في المبسوط (٥). ويرجع الحر على الزوج بقيمة خدمته. وبخلاف خدمة العبد؛ لأنه يخدم مولاه إلى آخره؛ ولأنه كالأموال يباع في الأسواق، ويعرض عرض الدواب، وقد سُلبت منه كرامات البشر، وإنما تحرم الخدمة لشرف الحرية والزوجية، ولم توجد هنا. وبخلاف رعي الغنم والزراعة؛ حيث لا يجوز على رواية الأصل والجامع، وهو الأصح.

стр. 2667

ثُمَّ عَلَى قَولِ مُحَمَّد: تَجِبُ قِيمَةُ الخِدمَةِ؛ لِأَنَّ المُسَمَّى مَالٌ، إِلَّا أَنَّهُ عَجَزَ عَنِ التَّسْلِيمِ لِمَكَانِ المُنَاقَضَةِ، فَصَارَ كَالتَّزَوُّجِ عَلَى عَبْدِ الغَيرِ، وَعَلَى قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجِبُ مَهْرُ المِثلِ؛ لِأَنَّ الخِدمَةَ لَيسَت بِمَال، إذ لَا تُسْتَحَقُّ فِيهِ بِحَال فَصَارَ كَتَسْمِيَةِ الخَمْرِ وَالخِنزِيرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَهُ بِالعَقدِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا لَم يَجِب تَسْلِيمُهُ بِالعَقدِ لَم يَظْهَر تَقَوُّمُهُ فَيَبقَى الحُكمُ لِلأَصْلِ وَهُوَ مَهْرُ المِثْلِ. ويجوز على رواية ابن سماعة؛ لأنه ليس من باب الخدمة؛ بل القيام بأمور الزوجية لاشتراك الزوجين في منافع أموالهما؛ فلم تتمحض خدمة، ألا ترى [أن] (١) الابن إذا استأجر أباه للخدمة لا يجوز، ولو استأجره لرعي الغنم والزراعة وغيرهما؛ يجوز، كيف [وقد] (٢) وقع التنصيص على الرعي في قصة شعيب ﵇، وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا نص الله ورسوله بلا إنكار. (ثم على قول محمد: تجب قيمة الخدمة)؛ أي: خدمة الحر. (لأن المسمى) وهو الخدمة، ولهذا يرد العقد عليها؛ إذ المنفعة تصير مالا بإيراد العقد عليها لمعنى المناقضة كما بينا. (ولا تستحق)؛ أي: الخدمة. (فيه)؛ أي: في النكاح. (بحال)؛ لما بينا أن المنافع ليست بمال متقومة حقيقة؛ لعدم الإحراز، وتقومها في العقود للضرورة شرعا؛ بخلاف القياس؛ فإذا منعنا الشرع عن تسلم هذه المنفعة لمكان المناقضة لم يثبت تقومها، وتثبت على أصلها. وقيمة الشيء خلف عنه، وشرط المصير إلى الخلف تصور الأصل، والمسمى لا يصلح مستحقا في النكاح بحال؛ فلا يقوم الخلف مقامه، بخلاف الغير؛ لأنه مال متقوم في ذاته، فقامت القيمة عند العجز عن تسليمه مقامه، وههنا لا قيمة للخدمة أصلا. (فصار كتسمية الخمر والخنزير)؛ فيصار إلى مهر المثل. (فبقي الحكم على الأصل وهو مهر المثل) [إذ مهر المثل هو] (٣) الأصل في النكاح. أشير إلى جميع ما ذكرنا في المبسوط، والأسرار، وجامع البزدوي

стр. 2668

(فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلف فَقَبَضَتهَا وَوَهَبَتهَا لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا بِخَمْسِمِائَة)؛ لِأَنَّهُ لَم يَصِل إِلَيْهِ بِالهِبَةِ عَينُ مَا يَستَوجِبُهُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنَانِ فِي العُقُودِ وَالفُسُوخِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ المَهْرُ مَكِيلًا أَوْ مَوزُونًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ فِي الذِّمَّةِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا فَإِنْ لَم تَقْبِضُ الأَلفَ حَتَّى وَهَبَتِهَا لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبلَ الدُّخُولِ وغيرها (١). قوله: (رجع عليها بخمسمائة). وبه قال الشافعي في قول (٢). وقال في الأظهر: لا يرجع؛ كما في العين (٣). وبه قال: مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥)؛ لأنها عجلت له ما يستحقه بالطلاق؛ فلا تبقى المطالبة عند الطلاق كما في العين. مع أن (الدراهم والدنانير [لا] (٦) تتعينان) وهكذا الخلاف في كل مكيل أو موزون آخر؛ مثل: التبر وغيره. (في الذمة)؛ لأنها وجبت في الذمة بالوصف، وصارت بمنزلة الدراهم والدنانير، وهذا معنى قوله (لعدم تعينها)؛ أي: لعدم تعيين الدراهم والدنانير والمكيل والموزون. وفي بعض النسخ: (أو شيئا آخر)، وهو غير صحيح، والصحيح (أو موزونا آخر) كالتبر وغيره. وقلنا: لم يصل إلى لزوج عين ما استوجبه بالطلاق قبل الدخول؛ لأنه يستحق به نصف المهر، والمقبوض ليس بمهر بل هو عوض عنه، وهذا لأن المهر دين في الذمة والمقبوض عين؛ فكان مثله لا عينه، ولهذا لا يلزمها رد عين ما قبضت؛ فصارت هبة المقبوض كهبة مال آخر.

стр. 2669

بِهَا لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ). وَفِي القِيَاسِ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ المَهرَ لَهُ بِالإِبْرَاءِ فَلَا تَبَرَأُ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَجهُ الاستحسَانِ: أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ عَينُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ (لم يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء؛ أي: فيما يتعين وفيما لا يتعين. وبه قال الشافعي في وجه، وهو الأصح. وفي وجه: يرجع عليها بنصف الصداق على وجه (١). وهو قول زفر، وهو القياس؛ لأنه سلم المهر بالإبراء، واختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان؛ أصله حديث بريرة (٢)، كما لو قبضت ثم وهبت، وهناك يستحق نصف الصداق؛ فكذا هنا. كذا في جامع قاضي خان (٣). (وهو)؛ أي: ما يستحقه بالطلاق؛ كمن عليه الدين المؤجل إذا عجله، ثم حل الأجل، لا يستوجب صاحب الدين عليه شيئا، ولا يبالي باختلاف الأسباب أن يَعِدَ حصول المقصود؛ إذا كان الحكم غير مختلف؛ كالغاصب إذا وهب المغصوب إلى المغصوب منه، وكمن قال لغيره: إنك غصبت مني ألف درهم؛ فقال المدعى عليه: بل استقرضتها؛ لا يعتبر هذا الاختلاف؛ لوقوع الاتفاق على ما هو المقصود وهو وجوب الألف. فإن قيل: يلزم على هذا ما لو اشترى عبدا بألف، ثم حط البائع عشر الثمن، ثم وجد به عيبا؛ ينقص عشر الثمن حيث يرجع بنقصان العيب، وإن حصل له هذا بالحط. قلنا: موجب العيب سقوط بعض الثمن، وهذا لا يحصل له بالحط؛ لأن المحطوط خرج من كونه ثمنا. فإن قيل: المسبب يختلف باختلاف الأسباب؛ كما في حديث بريرة، وههنا الطلاق والإبراء سببان مختلفان.

стр. 2670

وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَنْ نِصفِ المَهرِ، وَلَا يُبَالَى بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ عِنْدَ حُصُولِ المَقْصُودِ (وَلَو قَبَضَت خَمْسَمِائَةِ ثُمَّ وَهَبَت الأَلفَ كُلَّهَا المَقبُوضَ وَغَيْرَهُ أَوْ وَهَبَتِ البَاقِيَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، لَم يَرجِع وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَرْجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا قَبَضَت) (*) اعتبارا لِلبَعضِ بِالكُلِّ، وَلِأَنَّ هِبَةَ البَعْضِ حَطَّ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ العَقدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ مَقصُودَ الزَّوجِ قَدْ حَصَلَ، وَهُوَ سَلَامَةُ نِصفِ الصَّدَاقِ بِلَا قلنا: الأصل عدم تغيره بتغير أسبابه، وهذا لم يتغير حقيقة، إلا أن الأعيان تتغاير بتغاير صفاتها القائمة بها؛ كالخل والدبس تتغاير حقائقهما بتغاير صفاتهما من الحلاوة والمرارة والحموضة؛ فجاز أن تتتغير حكما، وفيما نحن فيه: المهر وصف في الذمة، والأوصاف لا تقبل التغاير حقيقة بتغاير صفاتها القائمة بها؛ إذ قيام الصفة بالصفة محال؛ فبقي الدين على الأصل، وهو ألا يتصور الاختلاف فيه. كذا في الفوائد الشاهية والخبازية. قوله: (اعتبارا للبعض بالكل)، وبه قال الشافعي في الأصح (١)؛ يعني: لو قبض شيئا لم يرجع عليها، ولو قبضت الكل يرجع عليها بالنصف؛ فإذا قبضت النصف دون النصف يرجع عليها بنصف النصف وصار كل المهر هو المقبوض لا غير، ولو كان كذلك وكان له الرجوع بنصف المقبوض؛ فكذا ههنا. ولأن هبة البعض تلتحق بأصل العقد؛ فصار كأن العقد لم يقع إلا على هذا النصف؛ كما في البيع لو حط البائع صار كأن الثمن لم يكن إلا في الباقي؛ حتى أن الشفيع يأخذ بما بقي، ويبيعه مرابحة بما بقي. ولأبي حنيفة أن المقصود إلى آخره، وحاصله أن الطلاق قبل الدخول بمنزلة الفسخ؛ لأنه إعادة حق المرأة إلى قديم ملكه، أو إعادة نصف الصداق إلى الزوج بقديم ملكه؛ فيصير الصداق مشتركا بينهما؛ فإذا قبضت النصف انصرف القبض إلى حقها؛ كمكيل أو موزون بين اثنين وهو في يد أحدهما، فقبض صاحبه النصف؛ كان المقبوض خالص حقه.

стр. 2671

عِوَض، فَلَا يَستَوجِبُ الرُّجُوعَ عِنْدَ الطَّلَاقِ. وَالحَطُّ لَا يَلتَحِقُ بِأَصلِ العَقدِ فِي النِّكَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ لَا تَلتَحِقُ حَتَّى لَا تَتَنَصَّفُ، وَلَو كَانَتْ وَهَبَت أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَقَبَضَت البَاقِيَ، فَعِندَهُ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا إِلَى تَمَامِ النِّصْفِ وَعِندَهُمَا: بِنِصفِ المَقبُوضِ (وَلَو كَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَرَضِ فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَم تَقْبِضُ، فَوَهَبَت لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبلَ الدُّخُولِ بِهَا، لَم يَرجِع عَلَيْهَا بِشَيْء) ولأن الصداق قبل الدخول نصفه متأكد لا ينفرد الزوج بإسقاطه؛ فإذا سلم الزوج النصف؛ انصرف التسليم إلى النصف المتأكد لأنه أهم، أو لأن غير المتأكد لا يعارض المتأكد، وإذا انصرف القبض إلى النصف المتأكد بقي في ذمة الزوج النصف الذي يستحقه بالطلاق قبل الدخول؛ فإذا سلم له ذلك بحكم الهبة والإبراء لا يرجع عليها بشيء. كذا في جامع قاضي خان (١). قوله: (والحط لا يلتحق) إلى آخره؛ جواب عن حرف الخصم. وقيد بالنكاح؛ لأنه يلتحق البيع بأصل العقد؛ لما أن النكاح ليس بعقد معاينة ومبادلة مال بمال؛ فلا تقع الحاجة إلى دفع العين؛ فلا يلتحق بأصل العقد، بخلاف البيع فإنه: عقد معاينة ومبادلة مال بمال ومرابحة؛ فتقع الحاجة إلى دفع الغبن، ولا يمكن ذلك إلا بأن يلتحق الحط بأصل العقد؛ والدليل على أن الحط لا يلتحق بأصل العقد في النكاح: أنها لو حطت عن الزوج إلا خمسة لم يكمل لها عشرة باعتبار الابتداء، ولو حطت النصف ولم تهب الباقي حتى لو طلقها لم يتنصف الباقي اعتبارا بالابتداء؛ فيعلم أن الحط غير ملتحق بأصل النكاح. كذا في الأسرار، وجامع أبي اليسر (٢). قوله: (تزوجها على عرض)، وفي الكافي: تزوجها [على] (٣) ما يتعين بالتعين؛ كالعرض. وفي جامع قاضي خان: والمكيل والموزون إذا كان عينا؛ فهو بمنزلة العروض، وإن كان دينا؛ فهو بمنزلة الدراهم (٤). (لم يرجع عليها بشيء) وبه قال الشافعي في القديم، وفي أحد قولي

стр. 2672

وَفِي القِيَاسِ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ نِصفِ عَينِ المَهرِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وَجهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ سَلَامَةُ نِصفِ المَقْبُوضِ مِنْ جِهَتِهَا، وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَم يَكُنْ لَهَا دَفْعُ شَيْء آخَرَ مَكَانَهُ، الجديد وهو أصح القولين عند صاحب التهذيب، واختاره المزني (١)، وهو قول مالك (٢)، وأحمد في رواية (٣). (وهو قول زفر)، وبه قال الشافعي في قول، واختاره الأكثرون من أصحابه (٤)، وقال في الغاية: وهو الأصح على ما مر تقريره، وهو: أنه استحقه بالهبة فلا تبرأ عما يستحقه بالطلاق. إذ اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان كما ذكرنا، وما يستحقه رد نصف المقبوض، وقد عجزت عن تسليم نصف المقبوض؛ فيسترد قيمته. (أن حقه)؛ أي: حق الزوج. (سلامة نصف المقبوض من جهتها) بلا عوض. (وقد وصل إليه) عين المهر بلا عوض من جهتها؛ فحصل مقصوده؛ فلا يرجع بشيء، كمن عجل الدين المؤجل قبل حلول الأجل وكمن عجل الزكاة قبل الحول. ولأنها تبرعت عليه بالهبة؛ فلا يلحقها ضمان بسبب التبرع عليه. كذا في جامع قاضي خان (٥). فإن قيل: أليس أن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان؛ بحديث بريرة؟ فينبغي أن يرجع عليها بنصف الصداق؛ لأن ما سلم له بالهبة غير ما استحقه بالطلاق، ونظرا إلى اختلاف الأسباب توجب اختلاف الأعيان بحديث بريرة؛ فينبغي أن ير- يرجع بنصف الصداق؛ لأن ما سلم له بالهبة غير ما استحقه

стр. 2673

بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ المَهْرُ دَيْنًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَت مِنْ زَوجِهَا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ بِبَدل. (وَلَو تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَان أَوْ عُرُوضِ فِي الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الجَوَابُ)؛ لِأَنَّ بالطلاق نظرًا إلى اختلاف الأسباب. قلنا: تعارض جهتان: جهة الحقيقة، وجهة الحكم؛ فبالنظر إلى الحقيقة عين الذي وجب له بالطلاق قبل الدخول، وجهة الحكم باعتبار اختلاف الأسباب؛ فرجحنا جهة الحقيقة على جهة الحكم؛ لأن الأصل عدم الرجوع. صل الله بخلاف حديث بريرة؛ فإن حرمة الطعام عليه (١) ليست لذاته؛ بل باعتبار الحكم وقد تغير حكمًا. أو نقول: إن اختلاف السبب إنما يوجب اختلاف المسبب إذا كان المسبب كاملا في الأسباب مطلقا، أما إذا لم يكن فلا، وفيما نحن فيه بقي للزوج تعلق بهذا المال، ولهذا يرجع نصفه إلى قديم ملكه بالطلاق قبل الدخول فلم [يكن] (٢) السبب كاملا؛ فصار كأن لم يوجد إلا سبب واحد وهو الطلاق قبل الدخول. كذا قيل إذا كان المهر دينا، والمسألة بحالها؛ حيث يرجع عليها بالنصف لما ذكرنا أن المقبوض لا يتعين للرد؛ إذ الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها. (وصل إليه)؛ أي: إلى الزوج. (ببدل) بعوض؛ بأن اشتراه منها، أو جعلها أجرة شيء للزوج، والسلامة بعوض كإسلامه؛ فلا ينوب عما استحقه بالطلاق، فيرجع عليها بنصف المهر. (على حيوان)؛ بأن تزوجها على حمار أو فرس، أو على عرض بأن قال: على ثوب هروي. أما إذا لم يبين النوع؛ لا تجوز التسمية. كما يجيء بعد. (فكذلك الجواب) إن لم يرجع عليها، سواء قبضت أو لا. وعلى قول الشافعي: لا تصح التسمية، ويجب مهر المثل، ومهر المثل

стр. 2674

المقبوض مُتَعَيَّنٌ فِي الرَّدِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ تُحمِّلَت فِي النِّكَاحِ، فَإِذَا عُيِّنَ فِيهِ يَصِيرُ كَأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَقَعَت عَلَيْهِ (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلف عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ البَلَدَةِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أُخرَى، فَإِنْ وَفَّى بِالشَّرطِ فَلَهَا المُسَمَّى)؛ لِأَنَّهُ صَلُحَ مَهْرًا وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ (وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أُخرَى أَوْ أَخْرَجَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّهُ سَمَّى مَا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ، يتنصف بالطلاق قبل الدخول (١). وعن مالك في رواية (٢)، وأحمد في رواية (٣): يفسد النكاح لجهالة المسمى. وعندنا، ومالك (٤)، وأحمد (٥): صح العقد، ووجب الوسط. فيكون الخلاف في هبته كالخلاف في العرض المعين؛ لأن المقبوض متعين للرد؛ إذ الأصل في العرض والحيوان العينية وثبوته في الذمة على خلاف الأصل للضرورة؛ لما فيه من الجهالة، ولكن الجهالة تحملت في النكاح؛ لأن مبناه على المسامحة عادة. (فإذا عين) أي: عند القبض. (يصير (كأن) الذي ورد عليه في العقد متعين بالرد، ولا كذلك المكيل والموزون؛ لأنه يثبت في الذمة ثبوتا أصليًا إذا صار موصوفا كالدراهم والدنانير؛ فكان ملحقا بها، والحكم فيهما ألا يتعين المقبوض بالرد. وإنما قيد بقوله (تحملت في النكاح) احترازا عن المعاوضات المحضة؛ حيث لا تحمل فيها الجهالة؛ كما لو اشترى فرسا أو حمارا لا يجوز؛ لما عرف أن مبناه المضايقة عادة؛ فيؤدي إلى المنازعة. قوله: (فلها مهر مثلها؛ لأنه) أي: لأن الزوج. سمى ما لها فيه نفع)، وهو عدم إخراجها من البلد وعدم التزوج عليها.

стр. 2675

فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَنعَدِمُ رِضَاهَا بِالأَلفِ، فَيُكمِلُ مَهرَ مِثْلِهَا كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الكَرَامَةِ وَالهِدَايَةِ ثم اعلم أن النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد عندنا، والشافعي (١)، ومالك (٢). وقال أحمد: هذه الشروط صحيحة، ومتى لم يَفِ بها؛ ثبت لها الخيار في فسخ النكاح (٣). وهكذا الخلاف في شرط الإقامة. فكل شرط لها فيه نفع إن لم يف به الزوج؛ ثبت لها الخيار؛ لأنه شرط نافع في حقها؛ فصار كما إذا باع عبدا على أنه خباز أو كاتب وهو بخلافه؛ حيث ثبت للمشتري الخيار؛ فكذا هذا. ولنا: ما روي أنه ﵇ قال: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مئة شرط» (٤)، وتلك الشروط ليست في كتاب الله تعالى؛ إذ الشرع لا يقتضيها. وقال ﵇: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرم حلالا» (٥)، وهذه الشروط تُحرِّم حلالا؛ وهو: التزوج عليها، والتسري، والمسافرة بها، وغيرها؛ فكانت مردودة. وبطلان الشرط لم يؤثر في بطلان النكاح؛ لأن فساد العوض لا يؤثر، حتى يصح النكاح بلا تسمية؛ فبفساد الشرط أولى. ثم عند الشافعي: تفسد التسمية؛ فصارت كأن لم تكن؛ فيجب مهر المثل بالغا ما بلغ (٦). قوله: (كما في تسمية الكرامة والهدية)؛ يعني تزوجها على ألف، وعلى

стр. 2676

مَعَ الأَلْفِ وَلَو تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلف إِنْ أَقَامَ بِهَا وَعَلَى أَلفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ أَقَامَ بِهَا فَلَهَا الأَلفُ، وَإِنْ أَخرَجَهَا فَلَهَا مَهْرُ المِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى الْأَلْفَيْنِ وَلَا يُنْقَصُ عَنْ الأَلفِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: الشَّرطَانِ جَمِيعًا جَائِزَانِ (*) حَتَّى كَانَ لَهَا الألفُ إن أَقَامَ بِهَا، وَالأَلْفَانِ إِنْ أَخْرَجَهَا. وَقَالَ زُفَرُ: الشَّرْطَانِ جَمِيعًا فَاسِدَانِ، أَنْ يكرمها ولا يكلفها الأعمال الشاقة، أو يهدي لها هدية من الثياب الفاخرة مع الألف، ثم لم يَفِ بالكرامة والهدية؛ فإن لها تمام مهر المثل؛ كذا هنا. وقال زفر: إن شرط بالألف ما هو مال؛ كالهدية؛ فالجواب كذلك، وإن شرط ما ليس بمال كطلاق الضرة؛ فليس إلا الألف؛ لأن المال يتقوم بالإتلاف؛ فكذا يمتنع التسليم إذا شرط لها في العقد. فأما الطلاق ونحوه فلا يتقوم بالإتلاف فلا يتقوم بالمنع من التسليم؛ ولكنا نوجب التسليم، لا للتقوم بل لانعدام رضاها بالألف بدون الشرط؛ إذ لها فيه منفعة. كذا في المبسوط (١). (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد. الشرطان جائزان اعتبارا بالإجارة؛ لأنهما عقدان ذكر لكل منهما بدل على حدة وخيار؛ فوجب أن يثبت على التخيير. لأبي حنيفة: أن الشرط الأول لا تعارض فيه ولا خطر؛ فإنه لو اقتصر عليه؛ يجوز، والشرط الثاني فيه تعليق وخطر؛ فصح الأول دون الثاني. (وقال زفر: الشرطان جميعًا فاسدان) للمزاحمة. وبه قال مالك، والشافعي (٢). وذكر مشايخ العراق قول زفر والحسن كقول أبي حنيفة. ذكره في فتاوى قاضي خان، وسيجيء بيانه في الإجارة بأوضح من هذا (٣). وفي شرح الطحاوي: وعلى هذا الخلاف إذا تزوجها بألف إن كان له امرأة

стр. 2677

وَيَكُونُ لَهَا مَهرُ مِثْلِهَا لَا يُنْقَصُ مِنْ أَلف وَلَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ، وَأَصلُ المَسأَلَةِ فِي الإِجَارَاتِ فِي قَولِهِ: «إِنْ خِطتَهُ اليَومَ فَلَكِ دِرهَمٌ، وَإِنْ خِطتَهُ غَدًا فَلَكِ نِصْفُ دِرْهَم، وَسَنُبَيِّنُهَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَلَو تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا العَبدِ أَوْ عَلَى هَذَا العَبدِ، فَإِذَا أَحَدُهُمَا أَوكَسُ وَالْآخَرُ أَرفَعُ؛ فَإِنْ كَانَ مَهرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ أَوكَسِهِمَا فَلَهَا الأَوكَسُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرفَعِهِمَا فَلَهَا الأَرفَعُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَلَهَا مَهرُ مِثْلِهَا)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهَا الأَوكَسُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (*) (فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا نصفُ الأَوكَسِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإِجْمَاعِ). وبألفين إن لم تكن، أو بألف إن كانت عجمية وبألفين إن كانت عربية، أو بألف إن كانت ثيبا وبألفين إن كانت بكرا (١). وعن الدبوسي وغيره: لو تزوجها بألف إن قبيحة وبألفين إن كانت جميلة؛ يصحان بالإجماع؛ لأنه [لا] (٢) خطر في التسمية الثانية؛ لأن أحد الوصفين ثابت جزما (٣). وفي نوادر ابن سماعة: عن محمد؛ نص على الخلاف فيه (٤). ولو طلقها قبل الدخول في هذه الفصول؛ فلها نصف الألف عنده. قوله: (أحدهما أوكس والآخر أرفع)؛ هذا ما ذكره في نسخ الجامع الصغير، وليس ذلك في أصل نسخ الهداية. (فلها الأوكس) وكذا إن كان مثله، إلا أن يرضى الزوج بتسليم الأرفع؛ فلها الأرفع إلا أن ترضى المرأة بالأوكس. وعند الشافعي: يعتبر مهر المثل بالغا ما بلغ؛ لفساد التسمية (٥). (لجهالته بالإجماع)؛ أي: بإجماع أصحابنا. أما عندهما فظاهر، وأما عند أبي حنيفة فكما يجي، وعلى هذا الخلاف: لو تزوجها على ألف أو على ألفين.

стр. 2678

لَهُمَا: أَنَّ المَصِيرَ إِلَى مَهرِ المِثْلِ لِتَعَذُّرِ إِيجَابِ المُسَمَّى، وَقَدْ أَمْكَنَ إِيجَابُ الأوكس، إذ الأَقَلُّ مُتَيَقَّنٌ فَصَارَ كَالخُلعِ وَالإِعْتَاقِ عَلَى مَالَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ المُوجِبَ الأَصْلِيَّ مَهْرُ المِثلِ، إذ هُوَ الأَعدَلُ، وَالعُدُولُ عَنهُ عِنْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَقَدْ فَسَدَت لِمَكَانِ الجَهَالَةِ، بِخِلَافِ الخُلعِ وَالإِعْتَاقِ عَلَى مَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لَهُ وفي الكافي: هذا الخلاف في المسألة بناء على أن الموجب الأصلي في النكاح التسمية عندهما؛ لأنه إلزام مال بمقابلة ما ليس بمال حقيقة، والرجوع إلى مهر المثل في نكاح لا تسمية فيه، وبالتخيير لا تنعدم التسمية (١). وعند أبي حنيفة: مهر المثل والمصير إليه عند تعذر إيجاب المسمى. وفي جامع قاضي خان جهالة البدل لا تمنع صحة النكاح؛ فإذا صح النكاح يلزمه الأقل؛ لأنه متيقن (٢). (فصار) كأنه؛ أي: التزوج على هذا العبد أو هذا العبد. (كالخلع) بأن قال لا مرأته: خالعتك على هذا العبد. (والإعتاق) بأن قال لعبده: أعتقتك على هذا العبد أو على هذا العبد؛ فإنه يجب الأوكس في هاتين المسألتين بالاتفاق؛ فكذا هنا. (أن الموجب الأصلي) أي: في النكاح. (مهر المثل)؛ كالقيمة في باب البيع. (إذ هو) أي: مهر المثل. (الأعدل)؛ لأنه لا تجري فيه الزيادة والنقصان؛ لأنه قيمة البضع. أما في المسمى تجري الزيادة والنقصان. (وقد فسدت للجهالة)؛ إذ لا يوجب (٣) إيجاب أحدهما عينا؛ لأنه ذكر بكلمة " أو " ولا إيجاب في غير المعين؛ لأنه لا يمكن تسليمه، والنكاح عقد يستحق فيه التسليم والتسلم، وإذا لم تصح التسمية من كل وجه وجب

стр. 2679

فِي البَدَلِ، إِلَّا أَنَّ مَهرَ المِثْلِ إِذَا كَانَ أَكثَرَ مِنْ الأَرفَعِ فَالمَرأَةُ رَضِيَت بِالحَقِّ، وَإِنْ كَانَ أَنقَصَ مِنْ الأَوكَسِ فَالزَّوجُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ، وَالوَاجِبُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مِثْلِهِ المُتعَةُ، وَنِصْفُ الأَوكَسِ يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي العَادَةِ فَوَجَبَ لِاعْتِرَافِهِ بِالزِّيَادَةِ. (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى حَيَوَان غَيْرِ مَوصُوف، صَحَّت التَّسْمِيَةُ وَلَهَا الوَسَطُ مِنهُ، وَالزَّوجُ مُخَيَّرُ: إِنْ شَاءَ أَعطَاهَا ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ أَعطَاهَا قِيمَتَهُ) قَالَ ﵀: مَعْنَى هَذِهِ المَسأَلَةِ أَنْ يُسَمِّيَ جِنسَ الحَيَوَانِ دُونَ الوَصفِ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى فَرَس أَوْ حِمار. الرجوع إلى الأصل وهو مهر المثل، بخلاف الخلع والإعتاق؛ لأنه لا موجب لذلك العقد في البدل، حتى لا يجب شيء عند عدم ذكر البدل؛ فأوجبنا الأقل لتيقنه. قوله: (والواجب في الطلاق قبل الدخول) إلى آخره؛ جواب عن قوله: (فلها نصف الأوكس في ذلك بالإجماع) (١). (في مثله)؛ أي: في مثل هذا العقد الذي فسدت التسمية [فيه] (٢). (ونصف الأوكس يزيد عليها)؛ أي: على المتعة عادة. (لاعترافه) أي: لاعتراف الزوج، (بالزيادة) على المتعة. فإن قيل: إذا فسدت التسميتان عند أبي حنيفة؛ ينبغي أن تجب المتعة كما لو لم يسم شيئا. قلنا: قد مر أن نصف الأوكس بطريق المتعة. فإن قيل: ينبغي أن يحكم [بـ]ـالمتعة كما حكم [بـ]ـمهر المثل قبل الطلاق؛ لأن المتعة هي الموجب الأصلي قبل الطلاق. قلنا: إنما لا نحكم المتعة؛ لأنها لا تزيد على نصف الأوكس عادة؛ حتى لو كانت زائدة عليه بحكم المتعة. قوله: (أن يسمى جنس الحيوان)؛ أي: نوعه. بأن قال: (على فرس أو حمار)؛ فإن الفرس والحمار نوع الحيوان.

стр. 2680

أَمَّا إِذَا لَم يُسَمِّ الجِنسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى دَابَّةٍ لَا تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ المِثلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ مَهْرُ المِثلِ فِي الوَجهَينِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عِندَهُ مَا لَا يَصلُحُ ثَمَنا في البَيعِ لَا يَصْلُحُ مُسَمًّى فِي النِّكَاحِ، إذ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَاوَضَةٌ. وَلَنَا: أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَال بِغَيْرِ مَال، (أما إذا لم يسم الجنس)؛ أي: النوع. بأن قال: (على) ثوب (أو دابة). (يجب مهر المثل) بالغا ما بلغ؛ لأن المسمى مجهول الجنس؛ إذ الثياب أجناس مختلفة من القطن والكتان والإبريسم والقز وغيرها، وتختلف باختلاف الصنعة أيضا، وكذا الدواب تقع على الجمال والبغال والحمير وغيرها؛ فلا يعرف وسطها؛ فتكون هذه الجهالة أفحش من جهالة مهر المثل؛ فإيجاب مهر المثل أولى. وعند إعلام النوع تقل الجهالة؛ فإن جهالة الفرس دون جهالة مهر المثل، وكذا تقويم الأموال أيسر من تقويم الأبضاع، وكان إيجاب الوسط منه أولى، وكذا المثل لو سمى عبدا وخادما؛ يجب الوسط عندنا. وبقولنا قال: مالك (١) وأحمد (٢). (وعند الشافعي: يجب مهر المثل بالغا ما بلغ (٣). في الوجهين) فيما إذا سمى النوع أو لم يسم في الكل؛ لأن النكاح عقد معاوضة كالبيع، والعبد المطلق والفرس المطلق؛ لا يصلح ثمنا في البيع، فكذا في النكاح لجهالته؛ لأن المقصود بالمسمى المالية، وبمجرد ذكر النوع دون الوصف لا تصير المالية معلومة؛ فلا يصح التزامه بعقد المعاوضة لبقاء الجهالة والغرر فيه، ألا ترى أنه لو سمى ثوبا أو دابة؛ لم تصح التسمية بالإجماع؛ فكذا لو سمّى عبدًا أو فرسا. (قلنا: أنه معاوضة مال بغير مال)، فإن منافع البضع ليست بمال؛ بدليل أنه

стр. 2681

فَجَعَلْنَا التِزَامَ المَالِ ابْتِدَاء حَتَّى لَا يَفْسُدُ بِأَصلِ الجَهَالَةِ كَالدِّيَةِ وَالأَقَارِيرِ، وَشَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ المُسَمَّى مَالًا وَسَطُهُ مَعْلُومٌ رِعَايَة لِلجَانِبَينِ، وَذَلِكَ عِنْدَ إِعْلَامِ الجِنسِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَمِلُ عَلَى الجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالوَسَطُ ذُو حَظٍّ مِنهُمَا، بِخِلَافِ جَهَالَةِ الجِنسِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَسَطَ لَهُ لِاخْتِلَافِ مَعَانِي الأَجنَاسِ، وَبِخِلَافِ البَيعِ؛ لِأَنَّ مَبَنَاهُ لا يصح إمهاره، ولا يبطله الشرط الفاسد، والحيوان يثبت في الذمة في مبادلة مال بما ليس بمال ألا ترى أن الشرع أوجب مئة من الإبل في الدية وصفتها مجهولة، وأوجب غرة في الجنين عبدا أو أمة فكذا يثبت شرطا. تشريحه: أن النكاح جهتين: جهة كونه التزام مال؛ فإن الجهالة اليسيرة فيهما متحملة ابتداء؛ لما ذكرنا: أن منافع البضع ليست بمال فشابه الدية؛ فتتحمل فيه الجهالة اليسيرة كما في الدية والإقرار، مع أن الدية في موضع ثأر وانتقام؛ فلأن تتحمل في النكاح وهو عقد مسامحة أولى. قوله: (وشرطنا أن يكون النكاح المسمى مالا) جواب سؤال مقدر، وهو: أن يقال: لما شابه عقد النكاح الإقرار في كونه التزام مال ابتداء؛ ينبغي أن تصح التسمية فيما إذا سمى الحيوان ولم يبين نوعه، كما لو أقر بشئ يصح الإقرار ويلزمه البيان. فقال: (وشرطنا أن يكون المسمى مالا)؛ يعني: جهة كونه معاوضة بشرط أن يكون المسمى مالا وسطه معلوم عملا بالشبهين؛ فتتحمل الجهالة اليسيرة دون الفاحشة. (رعاية للجانبين) أي: جانب الزوج والزوجة؛ كما أوجب الشرع الوسط في الزكوات؛ نظرا للفقراء وأرباب الأموال. (لأنه لا وسط له)؛ أي: لا يعرف الوسط؛ لاختلاف معاني الأجناس، فإنا لو عينا نوعًا ينعدم معنى نوع آخر فيه أصلا؛ فلا يمكن اعتبار الوساطة بخلاف الجهالة في النوع أشير في المبسوط إلى الكل (١). وفيه: ومن أصحابنا من يقول: لو لم تصح التسمية احتجنا إلى إيجاب مهر

стр. 2682

عَلَى المُضَايَقَةِ وَالمُمَاكَسَةِ، أَمَّا النِّكَاحُ فَمَبْنَاهُ عَلَى المُسَامَحَةِ، وَإِنَّمَا يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الوَسَطَ لَا يُعرَفُ إِلَّا بِالقِيمَةِ فَصَارَت أَصلًا فِي حَقِّ الإِيفَاءِ، وَالعَبدُ أَصلُ تَسْمِيَة فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا. المثل؛ إذ بفساد التسمية لا يفسد النكاح؛ فكل جهالة في المسمى إذا كانت دون جهالة مهر المثل؛ لا تمنع صحة التسمية. وإذا كانت فوق جهالة مهر المثل تمنع (١). إلى آخر ما ذكرناه. (على المضايقة والمماكسة)؛ فأفضت الجهالة في الصفة إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم. (فمبناه)؛ أي: مبنى النكاح. (على المسامحة) أي: المساهلة، فلا تؤدي الجهالة في الصفة إلى المنازعة، ألا ترى أن الشارع أوجب مهر المثل فيه مع جهالة القدر. (وإنما يتخير)؛ أي الزوج بين أداء الوسط وبين أداء قيمته، وتعتبر قيمة الوسط بقدر الغلاء والرخص عندهما. وهو الصحيح، وعليه الفتوى (٢). وإنما قدر أبو حنيفة ﵀ بأربعين دينارا في السود، وفي البيض خمسين دينارا؛ لما شاهد في زمانه. وهما بنيا الفتوى على الأوقات والأمكنة كلها، والأمر على ما قالا؛ إذ القيمة تختلف باختلاف الغلاء والرخص، خصوصا في بلادنا، هذا إذا ذكر مطلقا ولم يضف إلى نفسه. أما لو أضاف إلى نفسه بأن قال: تزوجتك على عبدي؛ فليس له أن يعطي القيمة؛ لأن الإضافة من أسباب التعريف؛ كالإشارة ولو كان مشارا إليه ليس له أن يعطي القيمة؛ كذا هنا. كذا ذكر في المحيط والمبسوط (٣). (فيتخير بينهما)؛ أي: بين أداء القيمة وبين أداء العبد الوسط؛ حتى يجبر

стр. 2683

(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ثَوب غَيْرِ مَوصُوف فَلَهَا مَهرُ المِثْلِ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ ذَكَرَ الثَّوبَ وَلَم يَزِد عَلَيْهِ، وَوَجهُهُ: أَنَّ هَذِهِ جَهَالَةُ الجِنسِ، إذ الثَّيَابُ أَجنَاسٌ، وَلَو سَمَّى جِنسًا بِأَنْ قَالَ هَرَوِيٌّ تَصِحُ التَّسْمِيَةُ وَيُخَيَّرُ الزَّوجُ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَا إِذَا بَالَغَ فِي وَصفِ الثَّوبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ المرأة على القبول بأيهما أتى. وقال: زفر، ومالك، وأحمد: لا تجبر المرأة على قبول القيمة. وقال القاضي من الحنابلة: يجب عليه قبولها إن سمى عبدا وسطا، أو جيدا، أو رديئا، كقولنا. (فلها مهر المثل)؛ أي: بإجماع الأئمة الأربعة؛ لما ذكرنا أن الثوب (أجناس)؛ أي: أنواع مختلفة من القطن والكتان والخز والإبريسم. (ولو سمى جنسا) أي نوعا. سمى الثوب (الهروي) جنسا باصطلاح الفقهاء؛ لأن اختلاف الحقيقة عندهم باختلاف الأحكام، وإن كان نوعا باصطلاح الحكماء. (ويخير الزوج؛ لما بينا) أن القيمة أصل من وجه. (وكذا إذا بالغ في وصف)؛ يعني: يتخير حتى لو أتاها بالثوب؛ أجبرت على القبول، ولو أتى بالقيمة؛ أجبرت على القبول. والمبالغة في الوصف: أن يذكر طوله وعرضه وذرعه ورفعته، وذكر أنه على منوال كذا وكذا، وصار بحال يجوز السلم فيه لو أسلم. وقيد (في ظاهر الرواية)؛ لما روي عن أبي يوسف أنه قال: إن ذكر الأجل مع ذلك لم تجبر المرأة على قبول القيمة، وإن لم يذكر الأجل أجبرت؛ لأن الثياب لا تثبت في الذمة ثبوتا صحيحا إلا مؤجلا، ألا ترى أنه يجوز استقراضها ويجوز السلم فيها؛ لأن القرض لا يكون إلا حالا، والسلم لا يكون إلا مؤجلا؛ فعند ذكر الأجل تثبت في الذمة دينا صحيحا فلا يجبر على قبول القيمة، وعند عدم ذكر الأجل لا تثبت ثبوتا صحيحا؛ أي: ثبوتا مطلقا في السلم وغيره.

стр. 2684

لِأَنَّهَا لَيْسَت مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، وَكَذَا إِذَا سَمَّى مَكِيلًا أَوْ مَوزُونًا وَسَمَّى جِنسَهُ دُونَ صِفَتِهِ، وَإِنْ سَمَّى جِنسَهُ وَصِفَتَهُ لَا يُخَيَّرُ؛ لِأَنَّ المَوصُوفَ مِنْهُمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا … وعند زفر: يثبت في الذمة موصوفا [ثبوتا] (١) صحيحا؛ لأنه بالمبالغة في ذكر الصفة يلتحق بذوات الأمثال حتى يجوز السلم فيه. وجه الظاهر: وأنه وإن ثبت في الذمة دون الحيوان إلا أنها تستحقه بدلًا عما ليس بمال، والحيوان يثبت في الذمة بدلا عما ليس بمال؛ لما ذكرنا؛ فيجبر على قبول القيمة كما في الحيوان. (وسمى جنسه)؛ أي: جنس المكيل؛ يعني: نوعه دون وصفه. تجبر المرأة على قبول قيمته في ظاهر الرواية؛ لأنه بتسمية الجنس دون الصفة لا يثبت في الذمة ثبوتاً صحيحًا؛ فكان كالثوب والحيوان. وعن أبي حنيفة: أنه لا يجبر على القيمة؛ لأن التسمية متى صحت بذكر الجنس؛ أي: النوع- فيما تعين من الوسط شرعا؛ يكون كالمذكور شرعا؛ فلا يجبر على قبول القيمة. كذا في المبسوط (٢). (لأن الموصوف منهما)؛ أي من المكيل (٣) والموزون. يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا حالاً أو مؤجلا؛ بدليل جواز استقراضه والسلم فيه، وإن لم يذكر الصفة. فروع في المحيط وغيره: تزوجها على بيت [وهو بدوي؛ يلزمه بيت من شعر أو وبر، وفي الحضري قال محمد: بيت] (٤) وسط، أراد به ثياب بيت؛ ولهذا قال: مما يجهز [به] (٥) هنالك، والتجهيز لا يكون بالبيت، وفي عرفنا يراد بالبيت المبني الذي من المدر يُبات فيه؛ فلا يصلح مهرا إذا لم يكن معينًا (٦).

стр. 2685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط: المراد بالبيت متاع البيت وهو معروف بالعراق، وهو: ما يجهز به تلك المرأة، وينصرف إلى الوسط. وعن أبي حنيفة: أربعون دينارا (١). وفي جوامع الفقه: وفي عرفنا يجب مهر المثل وإن عين البيت وهو على عينه، بخلاف الدراهم والدنانير (٢). وفي تعيين التبر روايتان، والفلوس التي تروج كالدراهم، والغطارق كذلك، وفي التي لا تروج يتعين. وقال مالك: في بيت وخادم؛ يجب الوسط. وعند الشافعي: فيهما مهر المثل؛ كما مر في المحيط: زوجت نفسها بمهر مثلها؛ يجوز. وفي الذخيرة: هو الصحيح (٣). وفي جوامع الفقه: تزوجها على مثل مهر فلانة؛ يجب مهر المثل، ولو تزوجها على ملء هذا الزنبيل حنطة، أو قيمة هذا العبد، أو قيمة عبد، أو على سكنى دار موقوفة، أو على أن يحترمها ما عاش، أو برد آبقها، أو على دراهم، أو ناقة من هذه الإبل، أو على ثوب قيمته عشرة، أو بجميع ما أملكه؛ يجب مهر المثل في ذلك كله (٤). وفي المرغيناني: هذا قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: ناقة من إبله. ولو قال: على ما في يدي، وفي يدها عشرة دراهم؛ إن شاءت أخذت مهر المثل، وإن شاءت أخذتها، ومثله على نصيبي من هذه الدار. وفي المرغيناني: تزوجها على خادم بعينه نكاحا فاسدا، ودفعه إليها؛ فأعتقته قبل الدخول؛ لا يصح العتق، وبعده صحيح.

стр. 2686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تزوجها على غنم على [أن] (١) أصوافها له؛ كان له الصوف استحسانا. ولو تزوج جارية حبلى على أن ما في بطنها له؛ فله الجارية وولدها. قال: تزوجتك على حكمي؛ يجب مهر المثل، إلا أن يحكم شيئا (٢)؛ فيجب ذلك. وعلى حكم فلان؛ فحكم بأقل من مهر المثل؛ فلابد من رضاها، وبأكثر منها لا. وفي المغني: لو تزوج على حكمها، أو حكمه، أو حكم أجنبي؛ لا يصح. وهو قول الشافعي، وقال مالك: يجوز؛ فإن وقع الرضا بالحكم فيه، وإلا فسخ، ولا شيء لها (٣). وإن فرض لها الزوج مهر المثل؛ لزمها النكاح. ولو تزوجها على ألف مؤجل؛ لا يصح التأجيل ويؤمر بتعجيل ما تعارف أهل بلده وبتعجيله، ويؤخذ الباقي بعد الطلاق أو الموت. فلو طلقها رجعياً لا يصير المهر حالا. وبه قال عامة مشايخنا. وقال قاضي خان، وقال بديع: يصير حالا (٤). ولو قال: بعضه مؤجل وبعضه معجل، ولم يزد؛ يحل بالموت والفرقة والطلاق. وقيل: يجب حالا. وهو أقرب إلى الحق. ولو ذكر أجلا مجهولا؛ كالميسرة، وهبوب الريح، ومجئ المطر؛ فهي حالة؛ لجهالة الأجل. ولو تزوجها على ألف إلى: الحصاد، أو الدياس، أو النيروز، أو المهرجان؛ قال الإسبيجابي: لا رواية لهذه المسألة في الكتب الظاهرة (٥).

стр. 2687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال السرخسي: الصحيح صحة التأجيل إلى هذه الأشياء في الصداق؛ كالكفالة. وهكذا قال المرغيناني، ثم قال: ومن المشايخ من قال: لا يثبت الأجل في المهر إلى هذه الآجال بخلاف الكفالة. والأول أصح (١). وفي المغني: يجوز بمهر معجل ومؤجل، ولا يحل الأجل إلا بموت أو فرقة (٢). وقد قال الشافعي: ولو تزوجها على أن ينفذ ما تيسر له والبقية إلى سنة؛ كان الألف كله إلى سنة إلا أن تقيم المرأة بينة أنه قد تيسر له منه شيء أو كله؛ فتأخذه (٣). وقال مالك: إن كان عرفهم أنه لا يؤخذ إلا بعد الموت أو الطلاق؛ فإنه ينظر إلى مهر مثل تلك المرأة بالنقد (٤) ما ينفذ فتعطى مثله إن دخل بها، وإن لم يدخل بها يعجل المهر، وإلا يفسخ (٥). وفي القنية: يجوز الزيادة في المهر بغير شهود، ولا يصح من غير قبول، والأصح اشتراط قبولها وفي المجلس. ولو قال لمطلقته الرجعية: على ألف إن قبلت؛ جاز، ويشترط قبولها في المجلس على الأصح. زوجها بألف ثم جدده بألفين؛ على قول أبي حنيفة ومحمد: لا يلزمه الباقي. وقيل: إن الخلاف على العكس، وقيل: المختار عندنا عدم لزوم الزيادة؛ لأنها في ضمن النكاح ولم تصح. ذكره الإمام ظهير الدين. وفي القنية: قالت زوجتك نفسي بخمسين دينار وأبرأتك من الخمسين، فقال: قبلت؛ ينعقد بمهر المثل.

стр. 2688

(وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسلِمٌ عَلَى خَمْر أَوْ خِنزِير فَالنِّكَاحُ جَائِنٌ، وَلَهَا مَهرُ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّ ولو قال: تزوجتك بمهر جائز في الشرع؛ ينصرف إلى مهر المثل. ذكره قاضي خان، وأبو الليث (١). وقال صاحب المحيط: ينصرف إلى عشرة دراهم. تزوجها على أكثر من مهر مثلها على أنها بكر؛ فإذا هي ثيب؛ لا تجب الزيادة. وفي المرغيناني: قال زوجتك بنتي على أن ألفًا منها في مالي وعليك ألف، فقال الزوج قبلت؛ فالمهر كله على الزوج والأب ضامن ألف بأمره فيرجع عليه إذا أدى. تزوجها على دينار وشيء؛ يجب مهر المثل ولا يزاد على ألف. تزوجها على حجة، أو على أن يحججها؛ فلها قيمة حج وسط، وهو: الحج على الراحلة. وعند مالك: يجب قيمة مهر المثل، إلا أن تكون معه (٢). وقال الشافعي، وأحمد (٣): التسمية فاسدة؛ لأن الحملان مجهول. قلنا: هذا باطل؛ للإجماع على جواز الاستئجار وأزوادهم إلى مكة من جميع بلاد الإسلام. قوله: (فالنكاح جائز ولها مهر المثل)؛ وبه قال الشافعي في الأصح (٤)، وأحمد في رواية (٥)، ومالك في المشهور من الرواية منه (٦). وقال: أحمد (٧)، ومالك في رواية (٨)، والشافعي في القديم، والظاهرية (٩): يفسد النكاح؛ لأن تسمية الخمر والخنزير تمنع وجوب عوض

стр. 2689

شَرْطَ قَبُولِ الخَمرِ شَرطٌ فَاسِدٌ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلغُو الشَّرطُ، بِخِلَافِ البَيعِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، لَكِن لَم تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ لِمَا أَنَّ المُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ المُسلِمِ فَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ. (فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَة عَلَى هَذَا الدَّرِّ مِنْ الخَلِّ، فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَهَا مِثْلُ وَزْنِهِ خَلًا (*)، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجِبُ القِيمَةُ) (**) لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ أَطْمَعَهَا مَالًا وَعَجَزَ عَنْ تَسلِيمِهِ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ آخر، ولا يمكن إيجاب الخمر والخنزير بالعقد على المسلم، وكان باطلا كما في البيع. قلنا: النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، والفقه فيه: أن الشرط الفاسد في البيع صيَّره ربا، والربا حرام، ولا ربا في باب النكاح؛ فلم يؤثر الشرط الفاسد في العقد فبقي صحيحًا ولغا الشرط الفاسد وصار كأن لم يُسمّ مهرا؛ لأن شرط صحة التسمية أن يكون المسمى مالا، ولم يكن الخمر والخنزير مالا؛ - أي: مالا متقوّما في حق المسلم؛ فكان لها مهر مثلها. كذا في المبسوط (١)، والإيضاح. وقال الشافعي في قول قديم (٢)، وأحمد (٣): يجب في الخمر مثله في العصير، وفي الخنزير القيمة. قوله: (لأبي يوسف) هو أحد قولي الشافعي في القديم (٤). وأحمد: يجب في رواية، وفي أظهر قوليه مع أبي حنيفة (٥). وفي إشارات الأسرار: وهذا الاختلاف ينشأ من أصل مجمع عليه، وهو: أن الإشارة والتسمية إذا اجتمعتا والمشار إليه ليس من جنس المسمى؛ فالعبرة

стр. 2690

الأمثال، كما إذا هلك العبدُ المُسَمَّى قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: اجْتَمَعَتِ الإِشَارَةُ والتَّسْمِيَةُ فَتُعْتَبَرُ الإِشَارَةُ؛ لِكَوْنِهَا أَبْلَغَ فِي المَقْصُودِ، وهُوَ التَّعْرِيفُ، فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ حُرٍّ. وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: الأَصْلُ أَنَّ المُسَمَّى إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ المُشَارِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّقُ العَقْدُ بِالمُشَارِ إِلَيْهِ؛ لأَنَّ المُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي المُشَارِ إِلَيْهِ ذَاتاً، والوَصْفُ يَتْبَعُهُ، وإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمُسَمَّى؛ لأَنَّ المُسَمَّى مِثْلٌ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ يَتَابِعُ لَهُ، للتسمية (١). وإن كان جنسا واحدا؛ فالعبرة للمشار إليه. فأبو يوسف يقول: العبد المسمى والخل المسمى مال صالح لجعله مهرا، والحر والخمر لا يصلحان؛ فكأنا جنسين في المهر. وأبو حنيفة: اعتبر الذات والمعينات الخلية والخمرية والرقية والحرية يتصور إثباتهما لذات واحد على التعاقب؛ فلم يتصور اختلاف الجنس باختلاف الجنسان؛ لأن اختلاف الجنسين باختلاف الصورة والمعنى؛ لأن كل موجود من الحوادث موجود بصورته ومعناه، واتخذ الصورة ههنا فكان من جنس المسمى؛ فكانت العبرة للإشارة في الفصلين؛ كأنه يتزوجها على خمر وحر؛ فيجب مهر المثل. وفي شرح الكافي: تشريحه يزوجها على هذا العبد؛ فإذا هو حر، أو على هذا الدن من الخل؛ فإذا هو خمر؛ قال أبو يوسف: تجب قيمة العبد ومثل هذا الدن من الخل، وفي عكسهما لها المشار إليه. ولو تزوجها على هذه الميتة؛ فإذا هي زكية؛ فلها المشار إليه عند محمد، وعلى الدن من الخمر؛ فإذا هو خل؛ يجب مهر المثل. وهذه المسائل مبنية على أصل؛ وهو: أن الإشارة والتسمية إذا اجتمعتا والمشار إليه من خلاف جنس المسمى؛ فالعبرة للتسمية؛ لأنها يعرف الماهية والإشارة تعرف الصورة؛ فكان اعتبار التسمية، وهو معرفة أولى من

стр. 2691

وَالتَّسْمِيَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعرِيفِ مِنْ حَيثُ إِنَّهَا تُعَرِّفُ المَاهِيَّةَ، وَالإِشَارَةُ تُعَرِّفُ الذَّاتَ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى فَصَّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتُ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ، لَا يَنعَقِدُ العَقدُ لاختِلافِ الجِنسِ، وَلَو اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتُ أَحْمَرُ، فَإِذَا هُوَ أَحْضَرُ، يَنعَقِدُ العَقدُ لاتِّحَادِ الجِنسِ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا العَبْدُ مَعَ الحُرِّ جِنسٌ وَاحِدٌ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ فِي المَنَافِعِ، وَالخَمْرُ مَعَ الخَلِّ جِنسَانِ لِفُحشِ التَّفَاوُتِ فِي المَقَاصِدِ. اعتبار الإشارة وهي معرفة للصورة؛ لأن المعاني أحق بالاعتبار، وإن كان المشار إليه من جنس المسمى إلا أنهما اختلفا وصفا؛ فالعبرة للإشارة؛ لأن المسمى موجود في المشار ذاتا والوصف يتبعه (١). (ألا ترى أن من اشترى فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج) إلى آخر ما ذكر في المتن. والشأن في التخريج على هذا الأصل؛ فأبو يوسف يقول: الحر مع العبد، والخل مع الخمر؛ جنسان مختلفان في حق الصداق؛ لأن أحدهما مال متقوم يصلح صداقا، والآخر لا يصلح؛ فيكون الحكم بالمسمى وهو مال؛ فصارت الإشارة لبيان وصف المسمى؛ كأنه قال: عبد مثل هذا في الوصف وكذا في الخل. ومحمد يقول: العبد مع الحر جنس واحد؛ إذ معنى الذات لا يفترق فيهما؛ فإن منفعتهما تحصل على نمط واحد؛ فإذا لم يتبدل معنى الذات اعتبر جنسا واحدا؛ فكانت العبرة للإشارة، والمشار إليه لا يصلح مهرا؛ فيجب مهر المثل. فأما الخل مع الخمر جنسان مختلفان؛ إذ المطلوب من الخل معلوم ومن الخمر الاضطراب. وإذا كانا جنسين؛ صار الحكم كما قال أبو يوسف. وأبو حنيفة يقول: لا تأخذ الذاتان حكم الجنسين إلا بتبدل الصورة (٢). وفي المغني: لأن كل موجود من الحوادث موجود بهما، وصورة الخل

стр. 2692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والخمر والحر والعبد متحدة؛ فكانت العبرة للإشارة في الفصلين؛ فصار كأنه تزوجها على حر أو خمر أو ميتة؛ فيجب مهر المثل. ولأن اعتبار التسمية حال صحتها لا يدل على اعتبارها حال فسادها. وأبو حنيفة يقول، فيما روى أبو يوسف أن لها المشار إليه؛ لأنه من جنس المسمى. وهذه الرواية أصح. كذا حكم شمس الأئمة السرخسي (١). وفي رواية محمد عنه، وقد عول عليها البعض لها مهر مثلها؛ لأن الموجب الأصلي مهر المثل، والتسمية أقوى من حيث إنها تعرف المعنى، والإشارة تعرف الصورة؛ لكن الإشارة أقوى من حيث إنها تقطع الشركة ولا تحتمل المجاز بخلاف التسمية؛ فإنه لا يجوز أن يجعل الإشارة إلى عين الإشارة إلى غيره؛ ولكن يجوز إطلاق اسم عين على عين آخر مجازاً؛ ألا ترى أن من قال لامرأته هذه الكلبة طالق، ولعبده هذا الحمار حر؛ طلقت وعتق (٢). والمقصود هو التعريف، والإشارة أنفع فيه؛ لأن عين المشار إليه لا يشارك المشار إليه، سواء كان من جنسه أو غير جنسه. وفي التسمية يشارك المسمى ما كان من جنسه، وإن لم يشاركه ما كان من جنسه فيما كان المشار إليه لا يصلح مهراً؛ رجحت الإشارة. وفيما إذا كان يصلح مهراً رجحت التسمية رعاية للموجب الأصلي وهو مهر المثل في الفصلين. كذا نقل من مبسوط فخر الإسلام (٣). كما إذا ملك العبد المسمى قبل التسليم؛ فإنه يجب قيمته باتفاق أصحابه، والشافعي في قول، وأحمد. قوله: (لكونها) (٤)؛ أي لكون الإشارة أبلغ إلى آخره؛ فإن التسمية لا تقطع الشركة، والإشارة تقطع ولا تحتمل المجاز كما ذكرنا، والإشارة لا

стр. 2693

(فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَينِ العَبدَينِ، فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ، فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا البَاقِي إِذَا سَاوَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّهُ مُسَمَّى، وَوُجُوبُ المُسَمَّى وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُ وُجُوبَ مَهرِ المِثْلِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا العَبدُ وَقِيمَةُ الحُرِّ عَبدًا)؛ لِأَنَّهُ أَطْمَعَهَا سَلَامَةَ العَبدَينِ وَعَجَزَ عَنْ تَسلِيمٍ أَحَدِهِمَا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (لَهَا العَبدُ البَاقِي وَتَمَامُ مَهرِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ مَهرُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ) (*)؛ لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا حُرِّينِ يَجِبُ تَمَامُ مَهرِ المِثْلِ عِندَهُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا يَجِبُ العَبْدُ تحتمل ذلك كما ذكرنا. والوصف يتبعه؛ أي: في الاستحقاق. (والتسمية أبلغ في التعريف) (١) إلى آخره، وفي جامع قاضي خان: الإشارة تقطع الشركة عن الأعيان وتفيد التعيين؛ لكن لا تفسد العلم بالماهية والحقيقة، والتسمية تفيد العلم بالماهية؛ لكن شائعا في الجنس؛ فيجب اعتبارهما. وتعذر اعتبارهما في شيء واحد؛ إذ قضية الإشارة وجوب مهر المثل إذا كان المشار [إليه] (٢) حرا وقضيته تسمية العبد وجوب القيمة فيجب اعتبارهما في حالين (٣). ففي الجنس الواحد: اعتبرنا الإشارة، وفي الجنسين: التسمية، والاعتبار على هذا الوجه أولى من العكس؛ لأن المرأة رضيت بالمسمى، وعند قلة التفاوت لو علقنا حقها بالمشار إليه لتضررت كثير ضرر؛ فتتعلق بالمسمى. والتفاوت في الجنس الواحد يسير، وفي الجنسين كثير. وهو معنى قول مشايخنا: والمشار إليه لو كان عين المسمى؛ يتعلق العقد بالمشار إليه، وإذا كان من خلاف جنسه؛ يتعلق العقد بالمسمى، حتى قالوا: (لو اشترى فصا … ) إلى آخره. قوله: (على هذين العبدين؛ فإذا أحدهما حر) إلى آخره، هذه المسألة مبنية على الأصل الذي مهدناه والخلاف فيه كالخلاف في الأول.

стр. 2694

وَتَمَامُ مَهرِ المِثْلِ. وجهه عند أبي حنيفة: تسمية العبد عند الإشارة إلى الحر تكون لغوا، فإذا لغت تسمية العبد الثاني؛ صار كأنه تزوجها على عبد؛ فليس لها إلا ذلك، ولا يجب مهر المثل لأنهما لا يجتمعان. وعند أبي يوسف: تسمية العبد معتبرة وإن أشار إلى الحر؛ فاعتبر تسمية العبدين هنا؛ لكنه عجز عن تسليم أحدهما؛ فتجب قيمته، وبه قال: أحمد (١) والشافعي في قول (٢)، وكذا لو ظهر أحدهما مغصوبا. وعند الشافعي في الأظهر: يبطل في الحر والمغصوب، ويصح في المملوك، وتتخير فإن فسخت؛ فمهر المثل. ومحمد يقول: الأمر كما قال أبو حنيفة؛ لكنها ما رضيت بأن يتملك بضعها بعبد؛ فيجب النظر إلى مثلها دفعا للضرر عنها. وفي جامع قاضي خان وعما ذكر أبو حنيفة يقع التقصي عن المسألة السابقة، وهي: ما إذا تزوج امرأة على ألف على ألا يخرجها من البلد؛ فإن بفوات ذلك الشرط يصار إلى مهر المثل؛ لأن ذلك الشرط استحق بعقد النكاح ولا كذلك في مسألتنا؛ إذ الحر لم يستحق أصلا. وفي الحقيقة هذا جواب سؤال؛ وهو: أن يقال: يلزم على قول أبي حنيفة ما لو تزوجها على ألف على ألا يخرجها من البلد، أو يكرم أو يهدي لها هدية، أو يعتق أباها، [فإن] (٣) عند فوات [ذلك] (٤) الشرط؛ يصار إلى مهر المثل. قيل: لا يلزم ذلك في رواية الحسن؛ لأن لها الألف فقط، والفرق على ظاهر الرواية أن ذلك الشرط استحق بعقد النكاح، ولا كذلك في مسألتنا؛ إذ الحر لم يستحق أصلا. والفرق الثاني: أنه لا يمكن الوقوف على ما شرط؛ لأنه شرط على خطر الوجود؛ فلو لم يجب لها إلى تمام مهر المثل للزمها ضرر لا يمكن الاحتراز عنه؛ فأما ههنا فيمكن الوقوف على النكاح بالتفحص ليظهر أنه حر أو عبد؛ فلو

стр. 2695

(وَإِذَا فَرَّقَ القَاضِي بَينَ الزَّوجَينِ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ قَبلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهرَ لَهَا)؛ لِأَنَّ المَهْرَ فِيهِ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ العَقدِ لِفَسَادِهِ، … ... … ... … ... . لزمها ضرر لكان تقصيرها (١). قوله: (في النكاح الفاسد قبل الدخول) والنكاح الفاسد: النكاح بغير شهود، ونكاح الأخت في عدة الأخت في الطلاق البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة، ونكاح الأمة على الحرة. ولا يتوقف التفريق بينهما على تفريق القاضي؛ بل لكل واحد من الزوجين فسخ هذا النكاح بغير محضر من صاحبه قبل الدخول، وبعده بمحضر كالبيع الفاسد؛ فإن لكل فسخه قبل القبض وبعده لا بمحضر منه. كذا في الذخيرة (٢). ثم الحكم: عدم المهر قبل الدخول بإجماع الأئمة الأربعة. (لفساده)؛ أي: لفساد العقد، والمهر قبل الدخول لتقرير النكاح، والنكاح الفاسد واجب الرفع، ولهذا لا يجب الثمن في البيع الفاسد؛ لأن بإيجابه يتقرر العقد وهو واجب الرفع. ولا يجب بالخلوة أيضا بإجماع الأئمة؛ لأن فساد النكاح يمنع صحة الخلوة؛ لأنها إنما أقيمت مقام الوطء لأنه يتمكن فيها من الوطء، وهذه الخلوة غير ممكنة له منه؛ لحرمة الوطء فصار كخلوة الحائض، وهذا معنى قول المشايخ: الخلوة الصحيحة في النكاح [الفاسد] (٣) كالخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح. وعن أحمد: يجب بالخلوة كالصحيح (٤). ولا أصل له؛ لأن التمكين من الوطء حرام ههنا؛ فلا يقوم مقام الوطء. وعنه: أنه أقام المس والقبلة من غير خلوة مقام الوطء فيه، وواجب بذلك كمال المهر (٥). وهذا (٦) ضعيف جدا.

стр. 2696

وَإِنَّمَا يَجِبُ بِاستِيفَاءِ مَنَافِعِ البُضْعِ (وَكَذَا بَعدَ الخَلوَةِ)؛ لِأَنَّ الخَلوَةَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ بِهَا التَّمَكَّنُ فَلَا تُقَامُ مَقَامَ الوَطءِ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهرُ مِثْلِهَا لَا يُزَادُ عَلَى المُسَمَّى) عِندَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ، هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالبَيعِ الفَاسِدِ، وَلَنَا: أَنَّ المُستَوفَى لَيسَ بِمَال، … ... (فإن دخل بها؛ فلها مهر مثلها)؛ لأن الوطء في المحل المعصوم سبب للضمان الجائز والحد الزاجر، وتعذر الثاني لشبهة النكاح؛ فتعين الأول. ولقوله ﵇: «أَيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل؛ فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» (١)، فبين ﵇ أن المهر يستحق في النكاح الباطل؛ بالدخول لا بالعقد والخلوة. ولأنه لا يملك بالنكاح الفاسد البضع؛ فلا يلزمه المهر ولا شيء منه. (ولا يزاد على المسمى عندنا) وعند زفر: يجب مهر المثل بالغا ما بلغ. وهو قول الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). يوم الوطء بالإجماع؛ لأن الواجب عند فساد العقد بدل المتلف، وكذا عند فساد التسمية، وههنا فسد العقد والتسمية؛ ألا ترى أن المقبوض بالشراء الفاسد مضمون بالقيمة بالغا ما بلغت؛ فكذا المستوفى بالنكاح. وهذا معنى قول المصنف (وهو يعتبره بالبيع الفاسد). وقلنا: (المستوفى) وهو منافع البضع. (ليس بمال، وإنما يتقوم بالتسمية)؛ أي: إنما يتقوم المستوفى زائدا على مهر المثل بالتسمية في العقد؛ فيثبت التقوم بقدر ما يسمى في العقد ضرورة لعدم صحة التسمية؛ لأنها بناء على العقد، وقد فسد العقد؛ فيفسد ما بني. فإن قيل: ينبغي أن يجب مهر المثل بالغا ما بلغ؛ كما قال زفر: لعدم صحة التسمية؛ لأنه صار كتسمية الخمر. قلنا: هذه التسمية صحيحة في نفسها؛ لكونها مالا متقوما، وإنما فسدت

стр. 2697

وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِذَا زَادَت عَلَى مَهرِ المِثلِ لَم تَجِب الزِّيَادَةُ لِعَدَمِ صِحَّةِ التسميةِ، وَإِنْ نَقَصَت لَم تَجِب … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... . لفساد العقد، فمن حيث الفساد لم تجب زائدة على مهر مثلها، ومن حيث الصحة لم يجب مهر المثل بالغا ما بلغ؛ بل يجب المسمى؛ وهذا: لأن تقوم منافع البضع أمر شرعي جعلها الشرع ذا قيمة تعظيما للأبضاع، ومعنى التعظيم يتأدى بالمسمى فلم تجب الزيادة. كذا نقل عن [شيخ] (١) شيخي رحمهما الله تعالى. فإن قيل: يرد على قوله (وإنما يتقوم بالتسمية) مسألة المفوضة؛ فإن مهر المثل يجب، وتقوم منافع البضع. قلنا: المراد أنها تقوم زائدا على مهر المثل بالتسمية في العقد؛ فهذا العقد يمنع النقص عن مسألة المفوضة. أو تقول: مراد المصنف من قوله (يتقوم) تفاوت قيمتها بتفاوت التسمية؛ فمرة تقع قيمتها متساوية لتلك المنافع ومرة زائدة، ومرة ناقصة. فأما أصل القيمة وهو مهر المثل لا يتفاوت في نفس الأمر، ولهذا في مسألة المفوّضة الصحيحة والفاسدة يجب مهر المثل من غير تفاوت. وهذا كالعبد قيمته الأصلية: هو المال المساوي لماليته، ولكن يتفاوت باختلاف التسمية عند التقويم. وقيل: أراد المصنف بقوله (وإنما يتقوم بالتسمية) في العقد؛ يعني: بتقويم المستوفى بالعقد؛ إذ العقد يشتمل على التسمية إما حقيقة أو حكما؛ توضيحه أن المستوفي إذا لم يكن مآلا أولا يكون حالا؛ فاعتبار التسمية في منع المال مقابلا به أولى من اعتبارها في إيجاب المال مقابلا به، ويندفع النقص بهذا التأويل، وما قرر في المتن يوافق هذا التأويل. فإن قيل: قد اعتبرتم التسمية في النقصان وأهدرتموها في الزيادة، وهذا مناقضة.

стр. 2698

الزِّيَادَةُ عَلَى المُسَمَّى، لانعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ البَيعِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي نَفْسِهِ فَيَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِقِيمَتِهِ (وَعَلَيْهَا العِدَّةُ) إلحاقا لِلشَّبْهَةِ بِالحَقِيقَةِ فِي مَوضِعِ الاحتياط، وَتَحَرُّزًا عَنْ اسْتِبَاءِ النَّسَبِ. (وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقتِ التَّفْرِيقِ لَا مِنْ آخِرِ الوَطَاتِ)، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا قلنا: ما هو ضعيف في نفسه لا يترتب مقصوده عليه إلا إذا انضم إليه ما يؤكده؛ كالقبض في البيع الفاسد والهبة، وهذه التسمية ضعيفة؛ فإذا نقصت عن مهر المثل كان مهر المثل شاهدا لها؛ فاعتبرت، وفي الزيادة معارضا لا مؤيدا؛ فأهدرت. ولأن صحة الحط تعتمد الرضا، والتسمية بالنقصان تدل على الرضا، صحيحة كانت التسمية أو فاسدة. فأما إيجاب الزائد على مهر المثل يعتمد على وجود اللفظ الصالح للإيجاب، والفاسد لم يكن صالحا. (للشبهة)؛ أي: يجب عليها العدة بالدخول بإجماع الأئمة؛ إلحاقا لشبهة النكاح بحقيقته. (في موضع الاحتياط)؛ فإن النسب مما يحتاط فيه لئلا يفضي إلى هلاك الولد، وصيانة النسب عن الاشتباه. (ابتداؤها)؛ أي: ابتداء العدة. (من وقت تفريق) القاضي، أو عزم الواطئ على ترك الوطء. (لا من آخر الوطئات) كما قال زفر وهو قياس قول الشافعي، حتى إذا وطئ في النكاح الفاسد ثم رأت ثلاث حيض ثم فرق القاضي بعدها تكون منقضية عند زفر، وعندنا: تجب الآن ولا معتبر بما مضى (١). قوله: (هو الصحيح) احترازا عما حكي عن أبي القاسم الصفار: أنه يعتبر من آخر الوطئات كما قال زفر (٢)؛ لأن وجوب العدة في النكاح الفاسد بسبب الوطء فيعتبر من آخر الوطء.

стр. 2699

تَجِبُ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ، وَرَفعُهَا بِالتَّفْرِيقِ (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ إحياء لِلوَلَدِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى الثَّابِتِ مِنْ وَجهِ. وَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ النَّسَبِ مِنْ وَقتِ الدُّخُولِ عِنْدَ مُحَمَّد وَعَلَيهِ الفَتوَى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعِ إِلَيْهِ، وَالإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِهِ. وقلنا: الموجب لها شبهة النكاح ورفع هذه الشبهة بالتفريق، وكل وطء يوجد في العقد الفاسد يستند إلى حكم العقد؛ ألا ترى أنه لا يجب بالوطئات كلها إلا مهر واحد بالإجماع؟ فلو ثبتت العدة قبل المشاركة أو العزم، ثم وجد وطء آخر؛ لم يمكن الجمع لزوال الموجب للجمع؛ إذ العدة إنما تجب عند زوال العقد، فلا يجوز أن يثبت مع جواز وجود الوطء. [ولأن التمكن من الوطء] (١) على وجه الشبهة أقيم مقام حقيقة الوطء لخفاء الوطء، فإذا وجد التفريق أو العزم؛ انقطع التمكن فانقطع جعله واطئا؛ فوجبت العدة حينئذ. (إحياء للولد)؛ يعني: في إثبات النسب إحياء للولد؛ إذ لو لم يثبت النسب لضاع الولد لعدم من يربيه. فيبني (على الثابت من وجه) والنكاح الفاسد ثابت من وجه دون وجه. (والإقامة باعتباره)؛ أي: باعتبار كون النكاح داع إلى الوطء شرعا، والفاسد ليس بداع إليه شرعا؛ فلا يقام مقام الوطء. وهذا في الحقيقة جواب عن قياس أبي حنيفة وأبي يوسف النكاح الفاسد بالصحيح؛ فقالا: تعتبر مدة النسب من وقت النكاح كما في النكاح الصحيح؛ [لأن حكم الفاسد يؤخذ من الصحيح] (٢). فقال محمد: القياس ليس بصحيح؛ لأن النكاح داع دون الفاسد. فرع وفي مجموع النوازل: لا يتحقق الطلاق في الفاسد؛ بل هو متاركه فيه، ولا تتحقق المتاركة بعدم مجيء كل واحد منهما إلى الآخر؛ بل يتحقق بالقول

стр. 2700

قَالَ: (وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعتَبَرُ بِأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ أَعْمَامِهَا) بأن يقول: تاركتك أو تاركتها، أو خليت سبيلها أو خليتها (١). وعلم غير المتارك شرط لصحة المتاركة هو الصحيح (٢). وهي بالقول لا غير؛ حتى لو تركها ومضى على بنتها سنون لم يكن لها أن تتزوج بزوج آخر. قال قاضي خان: ذلك في المدخولة، وفي غيرها بتفرق الأبدان؛ فتركها بألا يعود إليها (٣). وعلمها في المتاركة ليس بشرط على الأصح كما في الصحيح. وإنكار النكاح إن كان بحضرتها فهو متاركة وإلا فلا. هكذا عن أبي يوسف. ذكره في القنية (٤). وبالدخول في النكاح الفاسد لا يصير محصنا إلا عند أبي ثور؛ فإنه جعله كالمدخول في الصحيح، وأجمعت الأمة على أنه لا يصير محصنا في النكاح إلا بالدخول (٥). وفي الفتاوى: عدة الوفاة لا تجب في الفاسد (٦)، ولو وطئها بعد التفريق يحد. قوله: (ويعتبر مهر مثلها بأخواتها) إلى آخره. المراد بأخواتها: أخواتها لأبيها وأمها، أو لأبيها. و [كذا] (٧) عماتها، وهن: أخوات أبيها لأبيه وأمه، أو لأبيه. وبه قال:
следующие страницы →