← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وَإِنَّمَا يَجِبُ بِاستِيفَاءِ مَنَافِعِ البُضْعِ (وَكَذَا بَعدَ الخَلوَةِ)؛ لِأَنَّ الخَلوَةَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ بِهَا التَّمَكَّنُ فَلَا تُقَامُ مَقَامَ الوَطءِ (فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهرُ مِثْلِهَا لَا يُزَادُ عَلَى المُسَمَّى) عِندَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ، هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالبَيعِ الفَاسِدِ، وَلَنَا: أَنَّ المُستَوفَى لَيسَ بِمَال، … ... (فإن دخل بها؛ فلها مهر مثلها)؛ لأن الوطء في المحل المعصوم سبب للضمان الجائز والحد الزاجر، وتعذر الثاني لشبهة النكاح؛ فتعين الأول. ولقوله ﵇: «أَيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل؛ فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» (١)، فبين ﵇ أن المهر يستحق في النكاح الباطل؛ بالدخول لا بالعقد والخلوة. ولأنه لا يملك بالنكاح الفاسد البضع؛ فلا يلزمه المهر ولا شيء منه. (ولا يزاد على المسمى عندنا) وعند زفر: يجب مهر المثل بالغا ما بلغ. وهو قول الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). يوم الوطء بالإجماع؛ لأن الواجب عند فساد العقد بدل المتلف، وكذا عند فساد التسمية، وههنا فسد العقد والتسمية؛ ألا ترى أن المقبوض بالشراء الفاسد مضمون بالقيمة بالغا ما بلغت؛ فكذا المستوفى بالنكاح. وهذا معنى قول المصنف (وهو يعتبره بالبيع الفاسد). وقلنا: (المستوفى) وهو منافع البضع. (ليس بمال، وإنما يتقوم بالتسمية)؛ أي: إنما يتقوم المستوفى زائدا على مهر المثل بالتسمية في العقد؛ فيثبت التقوم بقدر ما يسمى في العقد ضرورة لعدم صحة التسمية؛ لأنها بناء على العقد، وقد فسد العقد؛ فيفسد ما بني. فإن قيل: ينبغي أن يجب مهر المثل بالغا ما بلغ؛ كما قال زفر: لعدم صحة التسمية؛ لأنه صار كتسمية الخمر. قلنا: هذه التسمية صحيحة في نفسها؛ لكونها مالا متقوما، وإنما فسدت

стр. 2697

وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِذَا زَادَت عَلَى مَهرِ المِثلِ لَم تَجِب الزِّيَادَةُ لِعَدَمِ صِحَّةِ التسميةِ، وَإِنْ نَقَصَت لَم تَجِب … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... . لفساد العقد، فمن حيث الفساد لم تجب زائدة على مهر مثلها، ومن حيث الصحة لم يجب مهر المثل بالغا ما بلغ؛ بل يجب المسمى؛ وهذا: لأن تقوم منافع البضع أمر شرعي جعلها الشرع ذا قيمة تعظيما للأبضاع، ومعنى التعظيم يتأدى بالمسمى فلم تجب الزيادة. كذا نقل عن [شيخ] (١) شيخي رحمهما الله تعالى. فإن قيل: يرد على قوله (وإنما يتقوم بالتسمية) مسألة المفوضة؛ فإن مهر المثل يجب، وتقوم منافع البضع. قلنا: المراد أنها تقوم زائدا على مهر المثل بالتسمية في العقد؛ فهذا العقد يمنع النقص عن مسألة المفوضة. أو تقول: مراد المصنف من قوله (يتقوم) تفاوت قيمتها بتفاوت التسمية؛ فمرة تقع قيمتها متساوية لتلك المنافع ومرة زائدة، ومرة ناقصة. فأما أصل القيمة وهو مهر المثل لا يتفاوت في نفس الأمر، ولهذا في مسألة المفوّضة الصحيحة والفاسدة يجب مهر المثل من غير تفاوت. وهذا كالعبد قيمته الأصلية: هو المال المساوي لماليته، ولكن يتفاوت باختلاف التسمية عند التقويم. وقيل: أراد المصنف بقوله (وإنما يتقوم بالتسمية) في العقد؛ يعني: بتقويم المستوفى بالعقد؛ إذ العقد يشتمل على التسمية إما حقيقة أو حكما؛ توضيحه أن المستوفي إذا لم يكن مآلا أولا يكون حالا؛ فاعتبار التسمية في منع المال مقابلا به أولى من اعتبارها في إيجاب المال مقابلا به، ويندفع النقص بهذا التأويل، وما قرر في المتن يوافق هذا التأويل. فإن قيل: قد اعتبرتم التسمية في النقصان وأهدرتموها في الزيادة، وهذا مناقضة.

стр. 2698

الزِّيَادَةُ عَلَى المُسَمَّى، لانعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ البَيعِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي نَفْسِهِ فَيَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِقِيمَتِهِ (وَعَلَيْهَا العِدَّةُ) إلحاقا لِلشَّبْهَةِ بِالحَقِيقَةِ فِي مَوضِعِ الاحتياط، وَتَحَرُّزًا عَنْ اسْتِبَاءِ النَّسَبِ. (وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقتِ التَّفْرِيقِ لَا مِنْ آخِرِ الوَطَاتِ)، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا قلنا: ما هو ضعيف في نفسه لا يترتب مقصوده عليه إلا إذا انضم إليه ما يؤكده؛ كالقبض في البيع الفاسد والهبة، وهذه التسمية ضعيفة؛ فإذا نقصت عن مهر المثل كان مهر المثل شاهدا لها؛ فاعتبرت، وفي الزيادة معارضا لا مؤيدا؛ فأهدرت. ولأن صحة الحط تعتمد الرضا، والتسمية بالنقصان تدل على الرضا، صحيحة كانت التسمية أو فاسدة. فأما إيجاب الزائد على مهر المثل يعتمد على وجود اللفظ الصالح للإيجاب، والفاسد لم يكن صالحا. (للشبهة)؛ أي: يجب عليها العدة بالدخول بإجماع الأئمة؛ إلحاقا لشبهة النكاح بحقيقته. (في موضع الاحتياط)؛ فإن النسب مما يحتاط فيه لئلا يفضي إلى هلاك الولد، وصيانة النسب عن الاشتباه. (ابتداؤها)؛ أي: ابتداء العدة. (من وقت تفريق) القاضي، أو عزم الواطئ على ترك الوطء. (لا من آخر الوطئات) كما قال زفر وهو قياس قول الشافعي، حتى إذا وطئ في النكاح الفاسد ثم رأت ثلاث حيض ثم فرق القاضي بعدها تكون منقضية عند زفر، وعندنا: تجب الآن ولا معتبر بما مضى (١). قوله: (هو الصحيح) احترازا عما حكي عن أبي القاسم الصفار: أنه يعتبر من آخر الوطئات كما قال زفر (٢)؛ لأن وجوب العدة في النكاح الفاسد بسبب الوطء فيعتبر من آخر الوطء.

стр. 2699

تَجِبُ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ، وَرَفعُهَا بِالتَّفْرِيقِ (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ إحياء لِلوَلَدِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى الثَّابِتِ مِنْ وَجهِ. وَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ النَّسَبِ مِنْ وَقتِ الدُّخُولِ عِنْدَ مُحَمَّد وَعَلَيهِ الفَتوَى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعِ إِلَيْهِ، وَالإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِهِ. وقلنا: الموجب لها شبهة النكاح ورفع هذه الشبهة بالتفريق، وكل وطء يوجد في العقد الفاسد يستند إلى حكم العقد؛ ألا ترى أنه لا يجب بالوطئات كلها إلا مهر واحد بالإجماع؟ فلو ثبتت العدة قبل المشاركة أو العزم، ثم وجد وطء آخر؛ لم يمكن الجمع لزوال الموجب للجمع؛ إذ العدة إنما تجب عند زوال العقد، فلا يجوز أن يثبت مع جواز وجود الوطء. [ولأن التمكن من الوطء] (١) على وجه الشبهة أقيم مقام حقيقة الوطء لخفاء الوطء، فإذا وجد التفريق أو العزم؛ انقطع التمكن فانقطع جعله واطئا؛ فوجبت العدة حينئذ. (إحياء للولد)؛ يعني: في إثبات النسب إحياء للولد؛ إذ لو لم يثبت النسب لضاع الولد لعدم من يربيه. فيبني (على الثابت من وجه) والنكاح الفاسد ثابت من وجه دون وجه. (والإقامة باعتباره)؛ أي: باعتبار كون النكاح داع إلى الوطء شرعا، والفاسد ليس بداع إليه شرعا؛ فلا يقام مقام الوطء. وهذا في الحقيقة جواب عن قياس أبي حنيفة وأبي يوسف النكاح الفاسد بالصحيح؛ فقالا: تعتبر مدة النسب من وقت النكاح كما في النكاح الصحيح؛ [لأن حكم الفاسد يؤخذ من الصحيح] (٢). فقال محمد: القياس ليس بصحيح؛ لأن النكاح داع دون الفاسد. فرع وفي مجموع النوازل: لا يتحقق الطلاق في الفاسد؛ بل هو متاركه فيه، ولا تتحقق المتاركة بعدم مجيء كل واحد منهما إلى الآخر؛ بل يتحقق بالقول

стр. 2700

قَالَ: (وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعتَبَرُ بِأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ أَعْمَامِهَا) بأن يقول: تاركتك أو تاركتها، أو خليت سبيلها أو خليتها (١). وعلم غير المتارك شرط لصحة المتاركة هو الصحيح (٢). وهي بالقول لا غير؛ حتى لو تركها ومضى على بنتها سنون لم يكن لها أن تتزوج بزوج آخر. قال قاضي خان: ذلك في المدخولة، وفي غيرها بتفرق الأبدان؛ فتركها بألا يعود إليها (٣). وعلمها في المتاركة ليس بشرط على الأصح كما في الصحيح. وإنكار النكاح إن كان بحضرتها فهو متاركة وإلا فلا. هكذا عن أبي يوسف. ذكره في القنية (٤). وبالدخول في النكاح الفاسد لا يصير محصنا إلا عند أبي ثور؛ فإنه جعله كالمدخول في الصحيح، وأجمعت الأمة على أنه لا يصير محصنا في النكاح إلا بالدخول (٥). وفي الفتاوى: عدة الوفاة لا تجب في الفاسد (٦)، ولو وطئها بعد التفريق يحد. قوله: (ويعتبر مهر مثلها بأخواتها) إلى آخره. المراد بأخواتها: أخواتها لأبيها وأمها، أو لأبيها. و [كذا] (٧) عماتها، وهن: أخوات أبيها لأبيه وأمه، أو لأبيه. وبه قال:

стр. 2701

لِقَولِ ابنِ مَسْعُود: «لَهَا مَهرُ مِثْلِ نِسَائِهَا لَا وَكسَ فِيهِ وَلَا شَطَطَ» وَهُنَّ أَقَارِبُ الأَبِ، وَلِأَنَّ الإِنسَانَ مِنْ جِنسِ قَومِ أَبِيهِ، وَقِيمَةُ الشَّيْءِ إِنَّمَا تُعرَفُ بِالنَّظَرِ فِي قِيمَةِ جِنسِهِ (وَلَا يُعتَبَرُ بِأُمِّهَا وَخَالَتِهَا إِذَا لَم تَكُونَا مِنْ قَبِيلَتِهَا) لِمَا بَيَّنَّا، (فَإِنْ كَانَتِ الْأُمُّ مِنْ قَومِ الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وعامة أهل العلم. فقال الشافعي: يعتبر بنساء عصباتها الأقرب فالأقرب ممن هي بمثل حالها في الصفات المذكورة في المتن، فإن عدم العصبات فأقرب النساء إليها من الأمهات والخالات، فإن لم يكن لها أقارب يعتبر بنساء بلدها. وقال مالك: يعتبر بمن هي بمثل حالها ومالها وشرفها عن سائر النساء (٣). وقال ابن أبي ليلى: يعتبر بأمها، وبقوم أمها كالخالات؛ لأن المهر قيمة البضع؛ فيعتبر فيه قرنائها من قبل النساء (٤). ومالك يقول: المهر قيمة البضع؛ فيعتبر بمن في حالها من سائر النساء؛ كقيم الأعيان. ولنا وللشافعي: (قول ابن مسعود: لها مهر مثل نسائها "). وإنما يضاف إلى أقارب الأب؛ لأن النسب إليه، وإنما أمهات النساء أوعية وللأنساب آباء. قاله هارون الرشيد (٥). ولأن قيمة الشيء إنما تعرف بالرجوع إلى قيمة جنسه، (والإنسان من جنس قوم أبيه) لا من قوم أمه؛ ألا ترى أن الأم قد تكون أمة والبنت قرشية تبع لأبيها.

стр. 2702

أَبِيهَا، بِأَنْ كَانَتْ بِنتَ عَمِّهِ، فَحِينَئِذٍ يُعتَبَرُ بِمَهِرِهَا) لِمَا أَنَّهَا مِنْ قَومِ أَبِيهَا. (وَيُعتَبَرُ فِي مَهرِ المِثلِ أَنْ تَتَسَاوَى المَرأَتَانِ فِي السِّنِّ وَالجَمَالِ وَالمَالِ وَالعَقلِ وَالدِّينِ وَالبَلَدِ وَالعَصرِ)؛ لِأَنَّ مَهرَ المِثْلِ يَختَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الأَوْصَافِ، وَكَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ وَالعَصرِ، قَالُوا: وَيُعتَبَرُ التَّسَاوِي أَيضًا فِي البَكَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَختَلِفُ بِالبَكَارَةِ وَالنُّيُوبَةِ (وَإِذَا ضَمِنَ الوَلِيُّ المَهْرَ صَحَّ ضَمَانُهُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهلِ الالتِزَامِ، وَقَدْ أَضَافَهُ … .. (يختلف باختلاف هذه الأوصاف)؛ فإن الغنيّة تنكح بأكثر مما تنكح به الفقيرة، وكذا الشابة مع العجوزة، والحسناء مع الشوهاء، وكذا البواقي. ويعتبر أن تكون ممن هي بحالها في بلدها، حتى لا يعتبر مهرها بمهر عشيرتها في بلدة أخرى؛ فإن لم يوجد فيهم من تماثلها اعتبر بالأجانب من بلدها بإجماع الأئمة تحصيلا للمقصود بقاء الوسع. كذا في المبسوط (١). وفي المحيط والذخيرة: يعتبر حالها بمن هي مثلها في هذه الصفات يوم التزوج (٢). ويختلف باختلاف العصر أيضا. وفي شرح الطحاوي: مهر مثل الأمة: على قدر الرغبة (٣). وعن الأوزاعي: ثلث قيمتها (٤). قوله: (صح ضمانه)؛ أي: ضمان الولي، سواء كان الزوج صغيرا أو كبيرا، وسواء كان من جانب الزوج أو الزوجة. ولكن في الصغيرة إذا زوّجها أبوه؛ فللمرأة أن تطالب الأب بالمهر وإن لم يضمنه باللفظ. ذكره في شرح الطحاوي والتتمة (٥). (وقد أضافه)؛ أي: الضمان.

стр. 2703

إِلَى مَا يَقبَلُهُ فَيَصِحٌ ثُمَّ المَرأَةُ بِالخِيَارِ فِي مُطَالَبَتِهَا زَوجَهَا أَوْ وَلِيَّهَا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الكَفَالَاتِ، وَيَرجِعُ الوَلِيُّ إِذَا أَدَّى عَنْ الزَّوجِ إِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ، كَمَا هُوَ الرَّسْمُ فِي الكَفَالَةِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُ هَذَا الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَتْ المُزَوَّجَةُ صَغِيرَةٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ الأَبُ مَالَ الصَّغِيرَةِ وَضَمِنَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الوَلِيَّ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فِي النِّكَاحِ، وَفِي البَيعِ عَاقِدٌ وَمُبَاشِرٌ حَتَّى تَرجِعَ العُهْدَةُ عَلَيْهِ وَالحُقُوقُ إِلَيْهِ، وَيَصِحُ إِبْرَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَيَمْلِكُ قَبضَهُ بَعدَ بُلُوغِهِ، فَلَو صَحَّ الضَّمَانُ يَصِيرُ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ، وَوِلَايَةُ قَبضِ المَهرِ لِلأَبِ بِحُكمِ الأُبُوَّةِ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَاقِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ القَبْضَ بَعدَ بُلُوغِهَا فَلَا يَصِيرُ ضَامِنَا لِنَفْسِهِ. (إلى ما يقبل) الضمان، وهو: المهر؛ لأنه دين كسائر الديون. (فيصح) ضمانه. (ويصح إبراؤه)؛ أي: إبراء الأب المشتري عن الثمن. (ويملك قبضه)؛ أي: قبض الثمن بعد بلوغ الصغير. قوله: (وولاية قبض المهر … إلى آخره، [جواب] (١)) سؤال مقدر؛ وهو أن يقال: الأب تملك الصداق؛ كالوكيل يملك قبض الثمن، فلو صح ضمانه بقي ضامنا لنفسه، وذا لا يجوز هناك؛ وكذا في الأب. فأجاب عنه بقوله: يملكه بولاية (الأبوة، لا باعتبار أنه عاقد). ثم لا يشترط إحضار الزوجة لقبض الأب مهرها عند علمائنا. وعند زفر، وهو قول أبي يوسف الآخر: يشترط. وفي المرغيناني: لا يشترط، ولم يحك خلافا. (لا يملك القبض)؛ أي: قبض المهر. (بعد بلوغ) الصغيرة؛ أي: عند نهيها إياه عن القبض. ولو كان هذا الضمان في مرض الأب ومات؛ فهو باطل؛ لأنه قصد أيضا النفع إلى وارثه، وتصرف المريض في مثله باطل. ولو زوج الأب طفله الفقير امرأة بمهر معلوم؛ لا يلزم المهر أباه إلا إذا ضمن.

стр. 2704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مالك (١)، والشافعي في القديم: المهر على الأب؛ لأنه ضمن دلالة بإقدامه على النكاح مع علمه أنه لا مال له، ولا نكاح بدون المهر. وقلنا: «الصداق على من أخذ الساق» بالأثر، قاله علي (٢). والنكاح لم يدلّ على إيفاء المهر في الحال فلم يكن من ضرورته ضمان المهر. ولأن تسليم المعقود [عليه إلى الزوج] (٣)؛ فوجوب البدل عليه أيضا، والعاقد سفير. كذا في المبسوط (٤). ولو زوج ابنه الصغير في صحته وضمن المهر، وقبلت المرأة الضمان؛ صح. فلو مات؛ يؤخذ من تركته بحكم الضمان، لثبوت الاستحقاق في حياته لكفالته فلا يبطل بموته. ولو أخذ من تركته؛ ترجع سائر الورثة في نصيب الابن. وعند زفر: لا يرجعون؛ لأن الكفالة انعقدت غير موجبة للرجوع فلا تبطل بموته. وقلنا: أنها وقعت بأمر المكفول عنه حكما؛ لولاية الأب عليه؛ فالإقدام على الكفالة دلالة الأمر من جهة الابن كما لو كفل به أجنبي. بخلاف ما لو أدى الأب حال حياته؛ فإنه لا يرجع على الابن استحسانا؛ لأنه قام دلالة التبرع، إذ الآباء يتبرعون بمهر الأبناء عادة. أما لو صرح الأب بالرجوع؛ يرجع قياسًا واستحسانًا؛ لأن العرف إنما يعتبر عند عدم التصريح بخلافه. وهذا بخلاف الوصي؛ فإنه يرجع إذ العادة غير موجودة في حق الأوصياء.

стр. 2705

قَالَ: (وَلِلمَرأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأخُذَ المَهرَ وَتَمْنَعَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا) أَي: يُسَافِرَ بِهَا، لِيَتَعَيَّنَ حَقَّهَا فِي البَدَلِ كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الزَّوجِ فِي المُبْدَلِ فَصَارَ كَالبَيعِ، (وَلَيسَ لِلزَّوجِ أَنْ يَمنَعَهَا مِنْ السَّفَرِ وَالخُرُوجِ مِنْ مَنزِلِهِ وَزِيَارَةِ أَهْلِهَا حَتَّى يُوَفِّيَهَا المَهرَ كُلَّهُ أَي: المُعَجَّلَ مِنهُ، لِأَنَّ حَقَّ الحَبسِ لاستِيفَاءِ المُسْتَحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الاستِيفَاءِ قَبلَ الإِيفَاءِ، وَلَو كَانَ المَهْرُ كُلُّهُ مُؤَجَّلًا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا) لإسقاطِهَا حَقَّهَا بِالتَّأْجِيلِ كَمَا فِي البَيعِ. الكل من المبسوط (١). قوله: (حتى تأخذ المهر) بإجماع الأئمة الأربعة. وفي المحيط وقاضي خان: هذا في عرفهم، أما إذا كان في موضع يعجل البعض، ويؤجل البعض؛ كان له الجنس لاستيفاء المعجل، وهو الذي يقال بالفارسية: دست بيمان (٢). وليس لها أن تطالبه بالمؤجل بالإجماع. فإن بينوا قدر المعجل يعجل ذلك، وإن لم يبينوا شيئا ننظر إلى المرأة وإلى المهر المذكور أنه كم يكون المعجل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر؟ فيعجل ذلك، ولا يقدر بالربع والخمس، بل يعتبر المتعارف؛ لأن الثابت عرفا كالثابت بالشرط (٣). أو لو شرطا تعجيل الكل في العقد وجب تعجيل الكل؛ إذ لا يعتبر العرف إذا جاء الصريح بخلافه. وفي كتب أصحاب الشافعي: ولو أجَّل المهر؛ ليس لها حق حبس نفسها؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها (٤). ولو حلَّ الأجل؛ فليس لها حق الحبس أيضا عند بعض أصحابه؛ لرضاها

стр. 2706

فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا (*) وَالخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ الدُّخُولُ بِرِضَاهَا، حَتَّى لَو كَانَتْ مُكرَهَةٍ أَوْ كَانَتْ صَبِيَّة أَوْ مَجنُونَة لَا يَسقُطُ حَقَّهَا فِي الحَبسِ بِالاتِّفَاقِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الخَلوَةُ بِهَا بِرِضَاهَا … ... .. بثبوت المهر دينا في ذمته (١). وبه قال أبو حنيفة. وعند البعض: لها حق الحبس لعدم التأجيل. ولو كان المهر كله مؤجلا؛ ليس لها حق الحبس بالإجماع من الأئمة الأربعة (خلافا لأبي يوسف)؛ فإن عنده: ليس للزوج أن يدخل بها قبل إيفاء المهر؛ لأن ملك البضع لا يخلو عن ملك البدل لما عرف؛ فلا يخلو وجوب التسليم فيه عن تسليم البدل؛ وهو: طلب تأجيل المهر؛ فقد رضي بتأخير حقه في الاستمتاع؛ بخلاف البيع لأنه [هذا] (٢) أمر فاحش فيه، وفي النكاح لا. ولو شرط الزوج في العقد أن يدخل بها قبل الأجل؛ فله ذلك؛ لأنه لم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع بخلاف البيع؛ لأن هذا أمره. وقلنا: تسلم المهر إنما وجب أولا؛ لتحقق المساواة بينهما، وقد أبطلت حقها في المساواة بالتأجيل فلم يبق لها حق استيفاء المهر كما في الثمن المؤجل، ولو كان البعض مؤجلا وبعضه معجلا؛ ليس لها حق المنع. وفي عرف ديارنا: البعض معجل؛ فإذا أدى المعجل فله الدخول؛ لأن المعروف كالمشروط. كذا في المحيط (٣). وفي فتاوى اللولوالجي: وعليه الفتوى (٤). (وقالا: ليس لها أن تمنع نفسها) بعد التمكين مرة. وبه قال الشافعي (٥) ومالك (٦). (وعلى هذا الخلاف الخلوة بها برضاها؛ يعني: إذا خلا بها برضاها لا

стр. 2707

وَيَبْتَنِي عَلَى هَذَا اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ. لَهُمَا: أَنَّ المَعقُودَ عَلَيْهِ كُلَّهُ قَدْ صَارَ مُسَلَّمًا إِلَيْهِ بِالوَطْأَةِ الوَاحِدَةِ وَبِالخَلوَةِ، وَلِهَذَا يَتَأَكَّدُ بِهَا جَمِيعُ المَهرِ، فَلَم يَبْقَ لَهَا حَقُّ الحَبسِ، كَالبَائِعِ إِذَا سَلَّمَ المَبِيعَ. وَلَهُ: أَنَّهَا مَنَعَت مِنْهُ مَا قَابَلَ البَدَلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَطْأَة تُصرَفُ فِي البُضْعِ المُحتَرَمِ فَلَا يَخْلُو عَنْ العِرَضِ إِبَانَة لِخَطَرِهِ، وَالتَّأْكِيدُ بِالوَاحِدَةِ لِجَهَالَةِ مَا وَرَاءَهَا، فَلَا يَصْلُحُ مُزَاحِمًا لِلمَعلُومِ. ثُمَّ إِذَا وُجِدَ آخَرُ وَصَارَ مَعلُومًا تَحَقَّقَتِ المُزَاحَمَةُ وَصَارَ المَهْرُ مُقَابَلًا بِالكُلِّ، كَالعَبدِ إِذَا جَنَى جِنَايَة يُدْفَعُ كُلُّهُ بِهَا، ثُمَّ إِذَا يسقط حق المجلس عنده خلافًا لهما. (وعلى هذا الخلاف يبتني استحقاق النفقة) حتى إذا منعت نفسها؛ فعند أبي حنيفة: لها النفقة؛ لأنها ليست بناشزة؛ لأن الامتناع بحق. وعندهما: لا نفقة لها؛ لأنها ناشزة إذ الامتناع بغير حق. (إذا سلم المبيع)؛ أي: باختياره، وبالمنع بعد ذلك تصير مستردة، والثابت لها حق المنع عن التسليم لا حق الاسترداد بعد التسليم. قوله: (منعت منه ما قابله البدل)؛ تقريره: أن المرأة تمنع نفسها منه ما قابل البدل؛ فيصح كما قبل الوطئة الواحدة؛ وهذا لأن المعقود عليه في الحقيقة منافع البضع، وملك الزوج ثابت في كل وطء؛ ألا ترى أن له أن يطالبها بالوطء مرة بعد أخرى إلى آخر عمرها، وولاية المطالبة إنما تثبت في شيء يقابله بدل؛ فيكون بعض المعقود عليه مسلّمًا برضاها؛ فصار كالبائع إذا سلم بعض المبيع: له أن يحتبس البعض الآخر لاستيفاء الثمن؛ وهذا لأن كل وطء تصرف في البضع المحترم؛ فلا يجوز إخلاؤها عن العوض. ولأن المهر بعد الدخول أكد من المهر قبله؛ فإذا كان لها الحبس قبل الدخول مع عدم التأكد فلها الحبس عند التأكد أولى؛ أي: يتأكد المهر بالوطئة الواحدة باعتبار أن ما ورائها مجهول (لا يصلح مزاحما للمعلوم)؛ فلا يمكن اعتبار جميعها في التوزع والانقسام. فإذا صار شيء منه معلوما زاحم الأول (وصار المهر مقابلا بالكل) فكانت ممتنعة عن تسليم ما يقابل البدل لا مستردة، بخلاف المبيع؛ لأن التسليم في كل المبيع حصل له، ونظيره العبد إذا جنى تستحق به رقبته إلى آخره.

стр. 2708

جَنَى جِنَايَة أُخرَى وَأُخرَى يُدْفَعُ بِجَمِيعِهَا، (وَإِذَا أَوفَاهَا مَهْرَهَا نَقَلَهَا إِلَى حَيْثُ شَاءَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وَقِيلَ: لَا يُخْرِجُهَا إلَى بَلَد غَيْرِ بَلَدِهَا؛ لِأَنَّ الغَرِيبة تُؤذى فلا يخلى من العوض؛ إذ لو خلا يكون بدلا وإباحة، وهذا لا يجري في الأبضاع؛ ولهذا له أن يطالبها بالوطء مرة بعد أخرى إلى آخر ما ذكرنا. وكان أبو القاسم الصفار: يفتي في السفر بقول أبي حنيفة؛ حتى لو دخل بها قبل إيفاء المهر لا يملك أن يخرجها من البلد إلى السفر، وفي عدم المنع عن الوطء بقولهما؛ حتى لو دخل بها بعد إيفاء المهر ليس لها منع نفسها (١). قوله: (وإذا أوفاها مهرها)؛ أي: المعجل. (نقلها إلى حيث شاء)، وهو ظاهر الرواية، وظاهر قول الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). لأن الغريب يؤذى وبه أفتى الفقيه أبو الليث (٥)؛ لأن الغريب مهين وإن كان طويل الذيل. فإن قيل: التعليل كيف يعارض النص وهو قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾. قلنا: النص مقيد بترك المضارة؛ بدليل سياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُوهُنَّ﴾. وفي النقل إلى غير بلدها مضارة. وبه أفتى كثير من المشايخ (٦). وبعض المشايخ، والإمام ظهير الدين أفتوا بالقول الأول؛ قال الإمام ظهير الدين: الأخذ بقول الله تعالى أولى من الأخذ بقول الفقيه (٧). وقال بعض مشايخنا: إن أوفاها المعجل والمؤجل وكان مأمونا عليها؛

стр. 2709

وَفِي قُرَى المصرِ القَرِيبَةِ لَا تَتَحَقَّقُ الغُربَةُ. جاز له النقل إلى غير بلدها (١). وإن أوفاها المعجل وحده: لا يتمكن من ذلك؛ لأن التأجيل إنما يثبت بحكم [العرف] (٢) دلالة لا بالتصريح؛ فلعلها إنما رضيت بالتأجيل إذا أمسكها في بلدها [هنا] (٣)، أما إذا أخرجها [إلى دار] (٤) الغربة فلا؛ سواء كان في حال حياتهما أو بعد موتهما، ويجب مهر المثل بالغا ما بلغ. وفي شرح المجمع: وهذا القول أقرب إلى التحقيق. وبه يفتى (٥). (وفي قرى مصر القريبة) أي: ما في دون مدة السفر (لا تتحقق الغربة). قوله: (ثم اختلفا في المهر) (٦) إلى آخره، صورة الاختلاف: أن يقول الرجل: زوجتكها بألف، والمرأة تقول بألفين. كذا في الذخيرة وجامع قاضي خان (٧). وعند الشافعي: يتحالفان كما في البيع، ولا يفسخ النكاح سواء كان الاختلاف بعد الدخول أو قبله، ووجب مهر المثل (٨). وقال مالك: إن كان الاختلاف بعد الدخول؛ فالقول قول الزوج، وكذا لو كان بعد موتهما، وإن كان قبل الدخول؛ يتحالفان ويفسخ النكاح (٩)؛ بناء على أصله: أن فساد الصداق يوجب فساد النكاح. وعن أحمد روايتان في رواية نحو قول أبي حنيفة، وفي رواية مثل قول أبي يوسف، إلا أنه إذا ادعى الزوج دون مهر المثل وهي أكثر من مهر المثل؛ وجب مهر المثل (١٠). وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة: القول قول الزوج بكل حال (١١). والوجه يندرج فيما سنبين من الجانبين إن شاء الله تعالى.

стр. 2710

قَالَ: (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَة ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي المَهرِ، فَالقَولُ قَولُ المَرأَةِ إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَالقَولُ قَولُ الزَّوجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مَهرِ المِثلِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبلَ الدُّخُولِ بِهَا فَالقَولُ قَولُهُ فِي نِصفِ المَهرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: القَولُ قَولُهُ بَعدَ الطَّلَاقِ وَقَبلَهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ قَلِيل) (*)، وَمَعْنَاهُ: مَا لَا يُتَعَارَفُ مَهْرًا لَهَا، هُوَ الصَّحِيحُ لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ المَرأَةَ تَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَالزَّوجُ يُنكِرُ، قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعض المشايخ في تفسير قول أبي يوسف. حيث قال: معناه ما دون العشرة؛ فإنه مستنكر شرعا، والأصح المذكور في المتن؛ لأنه ذكر هذا اللفظ في البيع أيضا: إذا اختلفا في الثمن بعد ملاك الثمن؛ فالقول للمشتري إلا أن يأتي بشيء مستنكر، وليس في الثمن تقدير شرعا. كذا في المبسوط (١). ولأنه متى ادعى الزوج خمسة دراهم مثلا كان مُدّعيًا للعشرة؛ إذ العشرة في النكاح لا تجزئ. ولو ادعى عشرة وادعت هي ألفا؛ فعلى قول أبي يوسف: القول قوله؛ لأن مدعاه ليس بمستنكر، والمثل (٢) شرعا؛ فكذا إذا ادعى الخمسة. اعلم أن الاختلاف في المهر لا يخلو إما أن يكون في حال حياتهما أو بعد الموت، وحال الحياة لا تخلو إما أن تكون بعد الطلاق أو قبله، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون في أصل المسمى أو في مقداره. فإن كان في الحياة قبل الطلاق في المقدار؛ يجعل مهر المثل حكما عندهما. فإن شهد لأحدهما؛ فالقول: قوله مع يمينه. فإن (ادعى الزوج الألف)، وهي (ألفين)، ومهر المثل (ألف أو أقل؛ فالقول قوله مع يمينه)؛ لأن الظاهر شاهد له.

стр. 2711

وَالقَولُ قَولُ المُنكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فِيهِ، … ... … ... … .. فإن قيل: لو اختلف المتبايعان في الثمن وقيمة المبيع تشهد لأحدهما؛ لا يعتبر قوله: وإن شهد له الظاهر. قلنا: القيمة لا يمكن إثباتها ثمنا بمطلق العقد؛ فافترقا. ولو نكل: أعطاها ألفين تسمية، لا خيار للزوج أن يجعلها دراهم أو دنانير؛ لأن النكول كالإقرار. وإن حلف أعطاها ألفا أيضا تسمية. ولو برهنت هي؛ قبلت وثبت ألفان. ولو برهن هو؛ قبل أيضا، والمسمى ألف؛ لأنه يدعي ظاهرًا وإن كان منكرًا حقيقة فصار كالمودع إذا ادعى رد الوديعة أو الهلاك. ولو برهنا؛ فبينتها أولى؛ لأنه [مثبت] (١) للزيادة كالبائع والمشتري. ولو [كان] (٢) مهر مثلها. ([ألفين] (٣) أو أكثر؛ فالقول قولها) مع يمينها فيما أنكرت من الحط عن مهر المثل. فلو نكلت؛ وجب لها ألف باعتبار التسمية. ولو حلفت؛ لم يثبت الحط، ووجب ألفان، ألف مسمى باتفاقهما، وألف باعتبار مهر المثل، ويتخير الزوج في الألف الذي وجب باعتبار مهر المثل؛ إن شاء جعلها دراهم وإن شاء جعلها دنانير. ولو برهن هو؛ قبل أيضا، والمسمى ألف؛ لأنه يدعي ظاهرا وإن كان منكر حقيقة فصار كالمودع إذا ادعى. ولو برهنت هي؛ قبل أيضا، لأنها مدعية ظاهرًا؛ فتصير الألفان مسمى؛ فيثبت التعيين بهذه البينة. ولو برهنا: فبينته أولى؛ لأنه يثبت الحط عن مهر المثل، وهي تثبت صفة

стр. 2712

وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ مَنَافِعِ البُضْعِ ضَرُورِيٌّ، فَمَتَى أَمْكَنَ إِيجَابُ شَيْءٍ مِنْ المُسَمَّى لَا يُصَارُ إِلَيْهِ. التعيين لا ثبوت الألفين بشهادة مهر المثل، والمثبت للأصل أولى من المثبت للوصف. وقيل: بينتها أولى؛ لما مر أنها مثبتة للزيادة. ولو ([كان] (١) مهر مثلها ألفا وخمس مئة)؛ فإن كل واحد منهما يحلف على دعوى صاحبه؛ لأن الظاهر لا يشهد لأحدهما. ويجب أن يقرع بينهما بالبداية بالحلف؛ لعدم الرجحان. فلو نكل هو؛ وجب الألفان تسمية. ولو نكلت هي؛ وجب ألف مسمى. ولو حلفا؛ وجب ألف تسمية بالاتفاق، وخمسمئة باعتبار مهر المثل. وأيهما برهن؛ قبل. ولو برهنا؛ قضي بألف مسمى وخمسمئة باعتبار مهر المثل لأن البينتين بطلتا بالتعارض. (وهذا)؛ أي: عدم الحكم بمهر المثل. لأن تقوم منافع البضع (ضروري)؛ لأنه ليس بمال؛ [إذ هو حر الحر] (٢)، وإنما يتقوم تعظيما لخطره؛ فيكون تقومها ضروريا فيتقدر بقدر الضرورة. فمتى تيقنا بوجود المسمى لا يصار إليه؛ أي: إلى مهر المثل ما أمكن المصير إلى ماله حكم الثبوت بالشرط وهو ما أقر به الزوج، ألا ترى أن العاقدين إذا اختلفا في الإجارة في قدر المسمى؛ [لا] (٣) يصار إلى أجرة المثل؛ لأن تقوم المنافع به؛ أي: صير إليه للضرورة فلا يصار إليه ما أمكن المصير إلى المسمى؛ كذا هنا.

стр. 2713

وَلَهُمَا: أَنَّ القَولَ فِي الدَّعَاوَى قَولُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ المُوجِبُ الأَصْلِيُّ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَصَارَ كَالصَّبَّاغِ مَعَ رَبِّ الثَّوبِ إِذَا اختَلَفَا فِي مِقدَارِ الأَجرِ يُحَكَّم فِيهِ قِيمَةُ الصِّبغ. ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا: أَنَّ بَعدَ الطَّلَاقِ قَبلَ الدُّخُولِ القَولَ قَولُهُ فِي نِصفِ المَهرِ، وَهَذَا رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالأَصلِ، وَذَكَرَ فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ: أَنَّهُ يُحَكَّم مُتعَةُ مِثْلِهَا، وَهُوَ قِيَاسُ قَولِهِمَا؛ لِأَنَّ المُتعَةَ مُوجَبَةٌ بَعدَ الطَّلَاقِ كَمَهرِ المِثْلِ قَبْلَهُ فَتُحَكَّم كَهُوَ. (لأنه)؛ أي: مهر المثل، (هو الموجب الأصلي في باب النكاح) شرعا. قوله: أن تقومه ضروري (١) (٢) قلنا: أنه متقوم شرعا تعظيما لخطر الأبضاع، والواجب لتعظيم الخطر أحق بالعمل به من التقوم الذي يثبت نسب المالية في البضع؛ لأن ذا يقبل الإبطال. وهذا بخلاف القصار (ورب الثوب إذا اختلفا في الأجر)؛ لأنه ليس لعمله موجب في الأجر بدون التسمية، وللنكاح موجب بدونها وهو مهر المثل؛ فلا يعدل عنه إلا بتسمية صحيحة. (ثم ذكر)؛ أي: محمد. (هاهنا)؛ أي: في هذه المسألة. (والأصل)؛ أي: المبسوط. (وهو قياس قولهما)؛ أي: قول أبي حنيفة ومحمد، وخصهما؛ لأن على قول أبي يوسف: القول قول الزوج في جميع الصور. (موجبه)؛ أي: موجب النكاح. (بعد الطلاق) قبل الدخول. (كمهر المثل قبله)؛ أي: قبل الطلاق. (فتحكم)؛ أي: المتعة. (كهو)؛ أي: كمهر المثل قبل الطلاق.

стр. 2714

وَوَجهُ التَّوْفِيقِ: أَنَّهُ وَضَعَ المَسأَلَةَ فِي الأَصل فِي الأَلْفِ وَالأَلفَينِ، وَالمُتَعَةُ لَا تَبْلُغُ هَذَا المَبْلَغَ فِي العَادَةِ فَلَا يُفِيدُ تَحْكِيمُهَا، وَوَضَعَهَا فِي الجَامِعِ الكَبِيرِ فِي المِائَةِ والعشرَة وَمُتَعَةُ مِثْلِهَا عِشرُونَ فَيُفِيدُ تَحْكِيمُهَا، وَالمَذْكُورُ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ سَاكِتٌ عَنْ ذِكرِ المِقْدَارِ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ المَدْكُورُ فِي الأَصْلِ. وَشَرحُ قَولِهِمَا فِيمَا إِذَا اختَلَفَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ، أَنَّ الزَّوجَ إِذَا ادَّعَى الأَلفَ وَالمَرأَةَ الأَلْفَينِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مَهرِ مِثْلِهَا أَلفًا أَوْ أَقَلَّ فَالقَولُ قَولُهُ، وَإِنْ كَانَ أَلفَيْنِ أَوْ أَكثَرَ فَالقَولُ قَولُهَا، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ البَيِّنَةَ فِي الوَجْهَيْنِ تُقبَلُ. وَإِنْ أَقَامَا البَيِّنَةَ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا؛ (ووجه التوفيق)؛ أي: من رواية الجامع الصغير والأصل ورواية الجامع الكبير. (أنه)؛ أي: محمدا. (وضعها)؛ أي: المسألة. (فيحمل على ما هو المذكور في الأصل)؛ أي: المبسوط، وهو المتعارف؛ إذ المتعارف هو الاختلاف في الألوف. وقيل: إن المبسوط صنف أولا ثم الجامع الصغير؛ فيكون المذكور في المبسوط كالمعهود؛ فيحمل عليه. كذا قيل. وقيل: في المسألة روايتان: فوجه رواية المبسوط هو أنه عاد إلى المرأة حقها كما كان؛ فينبغي أن يسقط المهر، وإنما عرفنا بقاء الصفة نصا بخلاف القياس فيما إذا كان المهر معلوما وتعذر إيجاب المتعة؛ لأن المتعة حكم نكاح لا تسمية فيه أصلا، وههنا قد اتفقا على التسمية، فقلنا: ببقاء ما اتفقنا عليه؛ وهو: نصف ما أقر به الزوج. ووجه رواية الجامع الكبير مذكور في المتن. (فالقول قوله)؛ أي: مع اليمين؛ لأن الظاهر شاهد له كما ذكرنا، وفي الدعاوي: القول لمن يشهد له الظاهر. (قولها)؛ أي: مع يمينها؛ لما بينا.

стр. 2715

لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ. وَفِي الوَجهِ الثَّانِي بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تُثَبِتُ الحَطَّ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلفًا وَخَمْسَمِائَة تَحَالَنَا، وَإِذَا حَلَفَا يَجِبُ أَلفٌ وَخَمسُمِائَهُ، هَذَا تَحْرِيجُ الرَّازِيِّ. وَقَالَ الكَرْخِيُّ: يَتَحَالَفَانِ فِي الفُصُولِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ يُحكِّمُ مَهْرُ المِثْلِ بَعدَ ذَلِكَ، (تحالفا) وينبغي أن يقرع القاضي في البداية بالحلف؛ لما ذكرنا. ذكره في جامع قاضي خان (١). والقرعة مستحبة؛ ولكن له أن يبدأ بأيهما شاء. وذكر الإمام المحبوبي: يبدأ بيمين الزوج؛ لأنه أبينُهُمَا إنكارا (٢). وقال مالك: يبدأ بيمينها (٣) على المشهور كالبائع (٤). (هذا)؛ أي: تحكيم مهر المثل قبل التحالف. ما ذكره أبو بكر (الرازي) (٥). وفي المبسوط: كان أبو بكر الرازي يقول: يحكم مهر المثل أولا؛ فإن كان ألفين أو أكثر؛ فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر يشهد لها. وإن كان ألف أو أقل؛ فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهر يشهد له. وإن كان ألف وخمسمئة؛ فحينئذ يتحالفان ثم يقضى لها بمقدار مهر مثلها؛ لأن التحالف إذا لم يمكن ترجيح قول أحدهما بشهادة الظاهر له، وذلك في هذا الموضع (٦). والأصح قول الكرخي أنه: (يتحالفان في) الصور (الثلاثة، ثم يحكم مهر المثل)؛ لأن ظهور مهر المثل عند عدم التسمية؛ وذلك إنما يكون بعد التحالف؛ فإن ما يدعي كل واحد من المسمى ينتفي بيمين صاحبه؛ فبقي نكاحا بلا تسمية؛ فيكون الواجب مهر المثل (٧). وقيل: النكاح وإن كان لا يحتمل الفسخ بالتحالف؛ فالتسمية تحتمل

стр. 2716

(وَلَو كَانَ الاحْتِلَافُ فِي أَصلِ المُسَمَّى يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ بِالإِجْمَاعِ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الأَصلُ عِندَهُمَا، وَعِندَهُ تَعَذَّرَ القَضَاءُ بِالمُسَمَّى فَيُصَارُ إِلَيْهِ، (وَلَو كَانَ الاخْتِلَافُ بَعدَ مَوتِ أَحَدِهِمَا فَالجَوَابُ فِيهِ كَالجَوَابِ فِي حَيَاتِهِمَا)؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ مَهرِ المِثْلِ لَا يَسْقُطُ بِمَوتِ أَحَدِهِمَا، وَلَو كَانَ الاخْتِلَافُ بَعدَ مَوتِهِمَا فِي المِقْدَارِ فَالقَولُ قَولُ وَرَثَةِ الزَّوجِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُستَثَنَى القَلِيلُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسف: القولُ قولُ الورثة، إلا أن يأتوا بشيء قليل. وَعِنْدَ مُحَمَّد الجَوَابُ فِيهِ كَالجَوَابِ فِي حَالَةِ الحَيَاةِ (*)، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ المُسَمَّى، … ... … ... … .. الانتفاء، فإذا تحالفا نظر إلى مهر مثلها، فإن كان ألفين أو أكثر؛ يجب الألفان لرضاهما بهما. وإن كان ألفا أو أقل؛ تجب الألف لإقرار الزوج به (١). (ولو [كان] (٢) الاختلاف في أصل المسمى)؛ أي: في حال الحياة؛ فأنكره أحدهما. (يجب مهر المثل) بإجماع الفقهاء؛ لأنه لا يمكن المصير إلى المسمى مع وقوع الشك في وجوده. ولو كان قبل الدخول؛ تجب المتعة بالإجماع. (كالجواب في حياتهما)؛ أي: حال قيام النكاح في الأجل والمقدار. وفي الأصل: يجب مهر المثل في المفوضة بعد موت أحدهما بالإجماع. ولو ماتا واختلفت ورثتهما: فإن اختلفوا في مقدار المسمى؛ فالقول لورثة الزوج بسقوط اعتبار مهر المثل بعد موتهما عنده على ما يجيء. (ولا يستثنى القليل)؛ يعني: صار قول أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف ههنا، إلا أنه لم يستثنى القليل. ويجوز أن يكون القليل مستثنى أيضا عنده. كذا في جامع البزدوي. (في أصل المسمى)؛ أي: اختلفوا في أصل التسمية بعد موتهما.

стр. 2717

فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: القَولُ قَولُ مَنْ أَنكَرَهُ، فَالحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا حُكمَ لِمَهرِ المِثْلِ عِندَهُ بَعدَ مَوتِهِمَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الزَّوجَانِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهرًا، فَلِوَرَثَتِهَا أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوجِ، وَإِنْ لَم يُسَمِّ لَها مَهْرًا فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لِوَرَثَتِهَا المَهْرُ فِي الوَجهَينِ) (*) مَعْنَاهُ: المُسَمَّى فِي الوَجهِ الأَوَّلِ، وَمَهْرُ المِثْلِ فِي الوَجهِ الثَّانِي، أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ المُسَمَّى دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ بِالمَوتِ فَيُقْضَى فالقول لمن ينكر التسمية، ولا يقضى [بشيء] (١). وعندهما يقضى بمهر المثل. وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وعليه الفتوى (٥)، ولكن الشافعي يقول: بعد التحالف، وعندنا، ومالك، وأحمد: لا يجب التحالف. (في الأول فيما إذا سمى، وفي الثاني) فيما إذا لم يسم. وبقولهما قال: الشافعي، ومالك، وأحمد، وعليه الفتوى. كما ذكرنا. (ولأبي حنيفة) إلى آخره، في المبسوط: قولهما قياس؛ ولأن الموت مؤكد ومنهي للنكاح؛ فإن المؤكد إن كان لا يزيد التأكيد فلأن لا ينقلب إلى الإسقاط أولى. واستحسن أبو حنيفة؛ فقال: لا يقضى بشيء، واستدل بالكتاب فقال: أرأيت لو ادعى ورثة عليّ على ورثة عمر (٦) مهر أم كلثوم ﵃ أكنت أقضي فيه بشيء؟، وهذا إشارة إنما نقول بهذا بعد تقادم العهد (٧)؛ لأن مهر المثل يختلف باختلاف الأوقات.

стр. 2718

مِنْ تَرِكَتِهِ، إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهَا مَاتَتْ أَوَّلًا فَيَسْقُطُ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ مَهْرَ المِثْلِ صَارَ دَيْنَا فِي ذِمَّتِهِ كَالمُسَمَّى، فَلَا يَسْقُطُ بِالمَوْتِ كَمَا إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ مَوْتَهُمَا يَدُلُّ عَلَى انْقِرَاضِ أَقْرَانِهِمَا، فَمُهْرُ مَنْ يُقَدَّرُ القَاضِي مَهْرَ المِثْلِ (وَمَنْ بُعِثَ إِلَى امْرَأَةٍ شَيْئًا فَقَالَتْ: «هُوَ هَدِيَّةٌ» وَقَالَ الزَّوْجُ: «هُوَ مِنَ المَهْرِ» فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ المُمَلِّكُ فَكَانَ أَعْرَفَ بِجِهَةِ التَّمْلِيكِ، كَيْفَ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَسْعَى فِي إِسْقَاطِ الوَاجِبِ. قَالَ: (إِلَّا فِي الطَّعَامِ الَّذِي يُؤْكَلُ فَإِنَّ القَوْلَ قَوْلُهَا) … ... … ... فإذا تقادم العهد وانقرض أهل ذلك العصر؛ يتعذر على القاضي الوقوف على مقدار مهر المثل؛ فعلى هذا الطريق إذا لم يكن [العهد] (١) متقادما؛ يقضى بمهر المثل (٢). والطريق الآخر أن مهر المثل قيمة البضع؛ فمن ذلك الوجه يشبه المسمى، ومن حيث إنه يجب بغير شرط يشبه النفقة؛ فللشبه الأول لا يسقط بموت أحدهما، وللشبه الثاني يسقط بموتها توفيرا للشبهين، ولا يمكن العكس وهو ظاهر، إلا أن الصحابة اختلفوا أن مهر المثل يسقط بموت أحدهما؛ فيكون ذلك اتفاق منهم على أنه يسقط بموتهما؛ فعلى هذا الطريق يسقط، وإن لم يتقادم العهد. قوله: (فالقول قوله)؛ أي: قول الزوج مع يمينه، وبه قال: الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥). (كيف وأنه يسعى في إسقاط الواجب) [يعني المهر واجب والإهداء تبرع فالظاهر أنه يسعى في إسقاط الواجب] (٦)؛ فكان الظاهر شاهدا له. (إلا في الطعام الذي يؤكل)؛ فحينئذ (القول قولها) مع يمينها. وبه قال مالك فقط؛ لما أن العرف فيه الإهداء.

стр. 2719

وَالمُرَادُ مِنهُ: مَا يَكُونُ مُهَيَّأ لِلأَكل؛ لِأَنَّهُ يُتَعَارَفُ هَدِيَّة، فَأَمَّا فِي الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ فَالقَولُ قَولُهُ لِمَا بَيَّنَّا، وَقِيلَ: مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الحِمَارِ وَالدِّرْعِ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَهُ مِنْ المَهرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وأطلق الشافعي وأحمد القول في الكل. وإنما قال (والمراد منه) إلى آخره؛ أي: من الطعام المهيأ للأكل؛ كالجَمَل المشوي، والدجاجة المشوية، والحلواء، والخبز، والفاكهة، وكل شيء يسارع إليه الفساد؛ حتى لو كان طعاما غير مهيأ للأكل؛ كالشاة الحية والحنطة والشعير والدقيق والسكر؛ يكون القول قوله مع اليمين. وفي الذخيرة: لو حلف والمتاع قائم؛ ترده إن كان من غير جنسه، [ولم يرض بيعه بالصداق] (١) وترجع بما بقي من المهر، وإن كان هالكا لا ترجع بالمهر (٢). وبه قال: الشافعي، ومالك، وأحمد. وأما الذي بعثه أبو المرأة: إن كان هالكا لا يجب على الزوج [شئ] (٣)، وإن كان قائما وقد بعثه الأب من مال نفسه يرجع فيه، وإن كان من مالها لم يرجع. وفي فتاوى أهل سمرقند: بعث إليها هدايا، وعوضته المرأة، ثم زفت إليه، ثم فارقها، وقال: بعثتها إليك عارية، وأراد أن يسترد ذلك، وأرادت المرأة أن تسترد العوض؛ فالقول قوله في الحكم؛ لأنه أنكر التمليك، وإذا استرده منها استردت ما عوضته (٤). (ما يجب عليه)؛ أي: ما يجب على الزوج في الشرع. (من الخمار والدرع وغيرهما) كمتاع البيت. (ليس) للزوج (أن يحتسبه من المهر)؛ لتكذيب الظاهر. وبه قال مالك؛ فإنه قال: ما جرت العادة بإهدائه كالخاتم والثوب؛ فالقول لها فيه (٥). وقيد (بما يجب عليه)؛ لأنه لو بعث الخف والملائة؛ له أن يحسبه من المهر؛ لأنهما لا يجبان عليه (٦).

стр. 2720

فَصْلٌ: [تَزَوُّجُ النَّصْرَانِيِّ نَصْرَانِيَّةً عَلَى مَيْتَةٍ] (وَإِذَا تَزَوَّجَ النَّصْرَانِيُّ نَصْرَانِيَّةً عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَهْر، وَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ جَائِزُ، وَدَخَلَ بِهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبلَ الدُّخُولِ بِهَا، أَوْ مَاتَ عَنهَا فَلَيسَ لَهَا مَهْرٌ، وَكَذَلِكَ الحَربِيَّانِ فِي دَارِ الحَربِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَولُهُمَا فِي الحَربِينِ (*). وَأَمَّا فِي الذِّمِّيَّةِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ مَاتَ عَنهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا، وَالمُتَعَةُ إِنْ طَلَّقَهَا فرع في الذخيرة: جهز بنته ودفع إليها، وقال: هو عارية، وقالت: هو ملكي، وقال الزوج كذلك بعد موتها؛ فالقول قولها دون الأب، لأن الظاهر شاهد لها؛ إذ العادة دفع ذلك إليها بطريق الملك (١). وقال السغدي: القول للأب لأن ذلك يستفاد من جهته، وبه أخذ بعض المشايخ (٢). وفي الواقعات: المختار للفتوى إن كان العرف ظاهرا في الجهاز بمثل ذلك كما في ديارنا؛ فالقول للزوج، وإن كان مشتركا؛ فالقول للأب (٣). فصل قوله: (وإذا تزوج النصراني) هذا القيد اتفاقي؛ لأن الحكم في كل أهل الذمة هكذا (٤)؛ ولهذا ذكر في المبسوط بلفظ " الذمي (٥). (وأما في الذمية؛ فلها مهر مثلها) إلى آخره. وبه قال الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨). يعني: إذا ترافعا إلينا أو أسلما.

стр. 2721

قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا. وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ المِثْلِ فِي الحَربِيَّيْنِ أَيضًا. لَهُ: أَنَّ الشَّرعَ مَا شَرَعَ ابْتِغَاءَ النِّكَاحِ إِلَّا بِالمَالِ، وَهَذَا الشَّرعُ وَقَعَ عَامًا فَيَثْبُتُ الحُكمُ عَلَى العُمُومِ. وَلَهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الحَربِ غَيْرُ مُلتَزِمِينَ أَحكَامَ الإِسْلَامِ، وَوِلَايَةُ الإِلزَامِ مُنقَطِعَةٌ لِتَبَايُنِ الدَّارِ، بِخِلَافِ أَهلِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُم التَزَمُوا أَحكَامَنَا فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى المُعَامَلَاتِ كَالرِّبَا وَالزِّنَا، وَوِلَايَةُ الإِلزَامِ مُتَحَقِّقَةٌ لِاِتِّحَادِ الدَّارِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا وكذا الخلاف لو تزوجها على ميتة أو دم؛ لأنهم لا يتمولون الميتة والدم كالمسلمين. ولو تزوج المسلم بهذه الصفة؛ كان لها مهر المثل فكذا الذمي. (ما شرع ابتغاء النكاح إلا بالمال)؛ قال تعالى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. (وهذا الشرع)، وهو قوله ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ [النساء: ٢٤]. (وقع عاما)؛ لأنه ﵇ بعث إلى الكل؛ قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال ﵇ «بُعِثتُ إلى الأحمر والأسود» (١) أي: العرب والعجم، وقال ﵇: «خطابي للواحد خِطابي للجماعة» (٢). ولأن هذا الدين ناسخ للأديان كلها. (غير ملتزمين) إذ الالتزام بعقد الذمة - قال ﵇: «إذا قَبِلُوا عَقدَ الذمةِ فَلَهُم مَا لِلمُسلِمينَ وعَلَيْهِم ما علَى المُسلمين» (٣) - ولم يوجد. (كالزنا)؛ أي: يحد الذمي حد الزنا، وينهى عن الزنا. والنكاح من المعاملات؛ فتلزمهم أحكامنا في الديانات كالصلاة والصيام

стр. 2722

يَلْتَزِمُونَ أَحكَامَنَا فِي الدِّيَانَاتِ وَفِيمَا يَعْتَقِدُونَ خِلَافَهُ فِي المُعَامَلَاتِ، وَوِلَايَةُ الإِلزَامِ بِالسَّيفِ وَبِالمُحَاجَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُنقَطِعٌ عَنهُم بِاعْتِبَارِ عَقدِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُم وَمَا يَدِينُونَ فَصَارُوا كَأَهلِ الحَربِ، بِخِلَافِ الزِّنَا لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي الأَديَانِ كُلِّهَا، وَالرِّبَا مُستَثنى عَنْ عُقُودِهِم، لِقَولِهِ ﵊: «إِلَّا مَنْ أَربَى فَلَيسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» وَقَولُهُ فِي الكِتَابِ: «أَوْ عَلَى غَيْرِ مَهر» يَحْتَمِلُ نَفِيَ المَهرِ، وَيَحْتَمِلُ وغيرهما من العبادات والحل والحرمة. (وفيما يعتقدون خلافه من المعاملات) فتلزمهم أحكامنا؛ كبيع الخمر والخنزير ونكاح المحارم. (باعتبار عقد الذمة؛ فإن الشرع منعنا عن التعرض لهم. و (أمرنا أن نتركهم وما يدينون؛ فصاروا كأهل الحرب) بل أقوى؛ إذ المانع المنعة الحسية، وأمرنا بإبطالها، وهنا المنعة الشرعية، وأمرنا بتقريرها؛ فلما امتنع الحكم لقيام المنعة الحسية؛ فبالشرعية أولى. والخطاب قاصر عنهم؛ لاعتقادهم كذب المبلغ، ولهذا صح نكاحهم بغير شهود. وشربهم الخمر؛ لا يوجب الحد، ويوجب لهم الضمان على المسلم إذا أتلفه؛ لديانتهم. فكذا المتنازع لديانتهم. وكان الخطاب غير نازل في حقهم؛ فوجب الوفاء بالشرط ما لم يسلموا وبعد الإسلام. والمرافعة حال بقاء النكاح، [والمهر ليس بشرط؛ لبقاء النكاح] (١). ([«إلّا من أَرْبَى] فليس بيننا وبينه عهد») (٢) وكتب النبي ﵇ إلى أهل نجران: «إمّا أن تدعوا الرّبا، أو فأذنوا بحربٍ مِنَ اللهِ ورسوله»، ولقد قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾

стр. 2723

السُّكُوتَ. وَقَدْ قِيلَ: فِي المَيْتَةِ وَالسُّكُوتِ رِوَايَتَانِ، وَالأَصَحُ أَنَّ الكُلَّ عَلَى الخِلَافِ. (فَإِنْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّة عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنزِير، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، فَلَهَا الخَمْرُ وَالخِنزِيرُ) وَمَعْنَاهُ: إِذَا كَانَا بِأَعْيَانِهِمَا وَالإِسْلَامُ قَبْلَ القَبْضِ، وَإِنْ كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا فَلَهَا فِي الخَمْرِ القِيمَةُ وَفِي الخِنْزِيرِ مَهْرُ المِثْلِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا مَهْرُ المِثْلِ فِي الوَجهَينِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا القِيمَةُ فِي الوَجْهَيْنِ (*). وَجهُ قَولِهِمَا: (روايتان) (١) عن أبي حنيفة: ففي رواية الأصل: لها مهر المثل، وذكر الكرخي: أنه لا فرق على قياس أبي حنيفة بين حالتي السكوت والنفي (٢). وفي المبسوط: في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة: إذا سكتا عن ذكر المهر؛ لا يجب مهر المثل أيضا؛ لأن تملك البضع في حقهم كملك المال في حق المسلمين؛ فلا يجب العوض إلا بالشرط. وفي رواية عنه: يجب؛ لأن النكاح معاوضة البضع بالمال؛ فالتنصيص عليه بمنزلة اشتراط العوض كالتنصيص على البيع فيما بين المسلمين؛ فما لم يوجد التنصيص على نفي العوض؛ يكون العوض مستحقا لها. وتسمية الدم والميتة؛ كالسكوت عن ذكر المهر عنده؛ لأن ذلك لغو باعتبار أنه ليس بمال عند الكل؛ فكان هذا والسكوت عن ذكر المهر سواء (٣). قوله: (معناه)؛ أي: معنى هذا الكلام، وهو قوله (فلها الخمر والخنزير في الوجهين)؛ أي: في غير العين وفي العين. وبقول أبي يوسف قال: الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦). (وجه قولهما)؛ أي: قول أبي يوسف ومحمد، وإنما جمع قولهما وإن كانا مختلفين فيما بينهما؛ لكونهما متفقين في عدم وجوب عين الخمر والخنزير.

стр. 2724

أَنَّ القَبضَ مُؤَكِّدٌ لِلمِلكِ فِي المَقْبُوضِ لَهُ، فَيَكُونُ لَهُ شَبَةٌ بِالعَقدِ، فَيَمْتَنِعُ بِسَبَبٍ الإِسْلَامِ كَالعَقدِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا، وَإِذَا التَحَقَت حَالَةُ القَبْضِ بِحَالَةِ العَقدِ، فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَو كَانَا مُسلِمَينِ وَقتَ العَقدِ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَحَّت التَّسْمِيَةُ لِكَونِ المُسَمَّى مَالًا عِندَهُم، إِلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ التَّسْلِيمُ لِلإِسْلَامِ، فَتَجِبُ القِيمَةُ، كَمَا إِذَا هَلَكَ العَبدُ المُسَمَّى قَبلَ القَبْضِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ المِلكَ فِي الصَّدَاقِ المُعَيَّنِ يَتِمُّ بِنَفْسِ العَقدِ، وَلِهَذَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، (أن القبض)؛ أي: قبض المهر المعين. (يؤكد الملك في المقبوض) ولهذا لو هلك قبل القبض يهلك من الزوج، وعليه مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان قيميًا. وبعد القبض يهلك من المرأة، وينتصف بالطلاق قبل الدخول ويعود إلى ملكه. وبعد القبض لا يعود إلا بقضاء أو رضا. وكذا الزوائد تنتصف قبله، ولا تنتصف بعد القبض. وكذا لو مر يوم الفطر قبل القبض عليها، وطلقها قبل الدخول لا تجب صدقة الفطر، وبعد القبص تجب عليه (١)، وكذلك الزكاة عند أبي حنيفة. وإذا ثبت هذا فنقول: الإسلام كما يمنع تملك الخمر والخنزير بالعقد ابتداء يمنع تأكد الملك فيه بالقبض؛ إلحاقا لشبهة العقد بحقيقته في المحرمات. كذا في الأسرار (٢). (إلا أنه)؛ أي: التسليم (امتنع) وتعذر (بالإسلام)، وإذا تعذر التسليم صار كهلاك المسمى قبل القبض؛ فوجب المصير إلى بدله وهو (القيمة)؛ بتعذر تسليم مثل الخمر خمرا. (ولهذا تملك التصرف فيه)؛ أي: كيف شاءت ببدل وبغير بدل؛ فالقبض ههنا غير موجب ملك التصرف، ولا ملك العين.

стр. 2725

وَبِالقَبْضِ يَنتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الزَّوجِ إِلَى ضَمَانِهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ بِالإِسْلَامِ كَاستِردَادِ الخَمرِ المَعْصُوبَةِ، وَفِي غَيْرِ المُعَيَّنِ القَبضُ يُوجِبُ مِلكَ العَينِ فَيَمْتَنِعُ بِالإِسلام، بِخِلَافِ المُشتَرِي، … ... . وخص التصرف في المهر قبل القبض؛ لأنه ﵇ «نهى عن بيع ما لم يقبض» (١) بالإجماع، أو خص منه العقار على قول؛ فيلحق هذا به (٢). (وذلك)؛ أي: انتقال الضمان. (لا يمتنع بالإسلام) لأن ذلك صورة اليد؛ فلا يحصل به ملك الرقبة ولا ملك التصرف، وصورة اليد لم تمنع بالإسلام؛ كالمسلم إذا تخمر عصيره، وكالذمي إذا غصب منه الخمر ثم أسلم؛ له أن يسترد من الغاصب وكذا الخنزير. (وفي غير المعين: القبض يوجب ملك العين)؛ لأن حقها كان في الدين، وإنما يثبت في العين (٣) ابتداء بالقبض (فيمتنع بالإسلام). وفي الأسرار: ولئن سلمنا أن القبض يؤكد الملك في المقبوض، ولكن لا نسلم أن الإسلام يمنع تأكد الملك؛ بدليل أن من باع عبدا بخمر وقبض الخمر؛ فإن الملك فيه واه؛ لجواز أن تهلك العين عنده قبل التسليم إليه، [التسليم إليه] (٤) يتقرر الملك، وهذا التسليم غير ممتنع بالإسلام وإن كان فيه تأكيد الملك في الخمر. ولو اشترى خمرا وقبضها وبها عيب ثم أسلم؛ فإنه يسقط خيار الرد، وإن كان في سقوطه تأكيد في الخمر، ومع هذا لم يمتنع بالإسلام؛ فعلم أن الإسلام لا يمنع تأكد الملك في الخمر (٥). (بخلاف المشتري)؛ فإن الذمي [لو] اشترى خمرا ثم أسلم قبل القبض فإنه لا يجوز أن يقبضه.

стр. 2726

لِأَنَّ مِلكَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِنَّمَا يُستَفَادُ بِالقَبْضِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ القَبْضُ فِي غَيْرِ المُعَيَّنِ لَا تَجِبُ القِيمَةُ في الخِنزِيرِ، لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ القِيَمِ، فَيَكُونُ أَخذُ قِيمَتِهِ كَأَخِذِ عَيْنِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الخَمْرُ، لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو جَاءَ بِالقِيمَةِ، قَبلَ الإِسْلَامِ تُجبَرُ عَلَى القَبُولِ فِي الخِنزِيرِ دُونَ الخَمرِ، وَلَو طَلَّقَهَا قَبلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَمَنْ أَوجَبَ مَهرَ المِثْلِ أَوجَبَ المُتعَةَ، وَمَنْ أَوجَبَ القِيمَةَ أَوجَبَ نِصْفَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ نِكَاحِ الرَّقِيقِ (لأن ملك التصرف فيه)؛ أي: في المبيع. (فيكون أخذ قيمته)؛ أي: قيمة الخنزير. (كأخذ عينه) فكان فيه تقرير عقد باشراه في الكفر لا على وجه الشرع. (لأنه) أي: الخمر على تأويل المذكور (من ذوات الأمثال)، وأخذ القيمة فيما ليس بمثلي كأخذ العين، لا في المثلي. ولهذا (لو جاء بالقيمة) في الخنزير (قبل الإسلام؛ تُجبر على القبول) كما لو أتى بالعين فيما إذا تزوج امرأة على خنزير. ولو تزوجها على خمر لا يخير بين إعطاء القيمة وبين إعطاء العين. (ولو طلقها قبل الدخول)؛ ففي العين لها نصف العين عند أبي حنيفة، وفي غير العين: [في الخمر] (١) لها نصف القيمة، وفي الخنزير المتعة. وعند محمد: لها نصف القيمة بكل حال. وعند أبي يوسف: لها المتعة بكل حال. الكل من المبسوط (٢). باب نكاح الرقيق لما بين أحكام نكاح الحرائر وشرائطه؛ شرع في بيان أحكام الرقيق. وهو: المملوك، وقد تطلق على الواحد والجمع. كذا في الصحاح (٣). وفي المغرب: الرقيق: العبد (٤).

стр. 2727

(لَا يَجُوزُ نِكَاحُ العَبْدِ وَالأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ مَولَاهُمَا) وَقَالَ مَالِكُ: يَجُوزُ لِلعَبْدِ، لِأَنَّهُ قوله: (ولا يجوز تزويج العبد، وتزوجه) (١) إلى آخره. وبه قال: الشافعي (٢)، وأحمد (٣). ولكن عندنا: يتوقف على إجازة المولى، وهو رواية عن أحمد (٤)، وقول مالك (٥). وعندهما: يقع باطلا. والمراد بقوله: (لا يجوز) لا ينفذ؛ كما في نكاح الفضولي. كذا نقل عن العلامة مولانا حافظ الدين ﵀ (٦). (وقال مالك: يجوز للعبد) (٧) قيد بالعبد؛ لأنه لا يجوز للأمة بالإجماع. لأن النكاح من خواص الإنسان؛ فبقي على أصل الحرية؛ إذ هو مملوك المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي؛ ألا ترى أنه يملك [الطلاق] (٨) وهو أثر النكاح؛ فيملك سببه وهو النكاح؛ لأن من ملك رفع شيء يملك وضعه. (ولنا: قوله ﵇: «أيما عبد») (٩) الحديث، رواه أبوداود والترمذي (١٠)) وقال: هذا حديث حسن. وفي المبسوط: لنا قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ والنكاح شيء، وقال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾.

стр. 2728

يَمْلِكُ الطَّلَاقَ فَيَمْلِكُ النِّكَاحَ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «أَيُّمَا عَبد تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذنِ مَولَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» وَلِأَنَّ فِي تَنفِيذِ نِكَاحِهِمَا تَعيِيبَهُمَا، إذ النِّكَاحُ عَيبٌ فِيهِمَا فَلَا يَمْلِكَانِهِ بِدُونِ إِذْنِ مَولَاهُمَا (وَكَذَلِكَ المُكَاتَبُ) لِأَنَّ الكِتَابَةَ أَوجَبَت فَكَ الحَجَرِ فِي حَقِّ الكَسبِ، فَبَقِيَ فِي حَقِّ النِّكَاحِ عَلَى حُكمِ الرِّقٌ. وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ المُكَاتَبُ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ، وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الاكتِسَابِ، وَكَذَا المُكَاتَبَةُ لَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ وعن عمر أنه قال: "أيما عبد تزوَّجَ" (١) إلى آخره، أسنده إلى عمر، وفي الإيضاح رفعه إلى النبي ﵇ (٢). ولأن هذا تصرف في ملكه على وجه لا يَعْرَى عن ضرر به؛ فلا ينفذ إلا برضاه. وذلك أن في النكاح (تعييبهما)؛ أما في العبد فلشغل ماليته بالمهر والنفقة، وماليته ملك، مولاه، وأما في الأمة: فإنه يحرم عليه بضعها والاستمتاع بها؛ ألا ترى أن العبد -أو الأمة- لو باع رقبته بمال لم يجز مع أن نفعه يعود إلى المولى؟ فلأن لا يجوز النكاح ولا منفعة فيه للمولى أولى. ويعلم الجواب عن قول مالك أنه: (يملك الطلاق فيملك النكاح) بقوله: أن في النكاح تعييبهما. (في حق الكسب) يعني: ليس بمحجور عن الكسب؛ لينال به الحرية. (فبقي) المكاتب عبدًا فيما وراء الكسب في النكاح؛ [فالنكاح] ليس [بسبب] لاكتساب المال؛ بل هو سبب إتلافه. ولهذا لا يملك تزويج عبده؛ لأنه ليس بكسب في حق الزوج. (لأنه)؛ أي: تزويج الأمة. (من باب الاكتساب) إذ به يحصل له المهر والنفقة؛ إذ كل مهر وجب للأمة بعقد أو دخول فهو للمولى؛ لأنه بدل الحر المستوفى فكان كالأرش. فأما (المكاتبة) ومعتقة البعض؛ فالمهر لهما لاختصاصهما بنفسهما كأرشهما.

стр. 2729

نَفْسَهَا بِدُونِ إِذنِ المَولَى وَتَمْلِكُ تَرْوِيجَ أَمَتِهَا لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَا المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ) لِأَنَّ المِلكَ فِيهِمَا قَائِمٌ. وفي المبسوط: الأب والجد والقاضي والوصي والمكاتب والمضارب والشريك المفاوض؛ يملكون تزويج الأمة. ذكر في الخلاصة (١). قوله: (لما بينا) وهو ([لأنه] (٢) من باب الاكتساب). فإن قيل: ينبغي أن تملك المكاتبة بتزويج نفسها؛ لأنه من [باب] (٣) الاكتساب كتزويج أمتها. قلنا: منافع البضع منفعة حقيقية، لكنها عين حكما حتى كان التأبيد من شرطه، والتوقيت يبطله؛ فاعتبار الحقيقة يثبت الجواز، واعتبار الحكم يمنع، ولا يثبت الجواز بالكل بخلاف منافع سائر الأعضاء؛ لأنها منفعة حقيقة وحكما. وبخلاف أمتها؛ لأن لها التصرف في كلها فكذا في جزئها عينا كان أو منفعة. ولأن المكاتبة أمة؛ لقوله ﵇: «المكاتب عبد ما بَقِيَ عليه درهم» (٤)، وقد قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فلا يجوز نكاحها بغير إذن مولاها. (وكذا المدبر وأم الولد)؛ أي: لا يملكان تزويج نفسهما إلا بإذن المولى. وكذا معتق البعض عند أبي حنيفة؛ لأن الملك قائم؛ أي: بطريق الكمال؛ ولهذا يعتقان في قوله: كل مملوك لي حر. ثم الإذن من السيد يثبت بالقول والفعل: أما القول؛ كقوله: رضيت أو أجزت أو أذنت، أو قال عند سماعه: هذا حسن، أو صواب، أو نِعْمَ ما

стр. 2730

(وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِإِذنِ مَولَاهُ فَالمَهْرُ دَينٌ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ) صنعت، أو قال: بارك الله لك فيها، أو قال: أحسنت، أو رضيت. وبه [كان] يفتي الصدر الشهيد، إلا إذا علم أنه قاله على وجه الاستهزاء (١). والإجازة بالفعل: أن يسوق إليها مهرها أو شيئا منه مما يدل على الرضا. وفي الذخيرة: لو ساق إليها هدية لا تكون إجازة، وإعتاق العبد والأمة إجازة ضرورية، وسكوت السيد عند تزوجه لا يكون إجازة (٢). قوله: (فالمهر دين في رقبته)، وكذا النفقة، حتى [لو] (٣) مات العبد؛ سقط المهر والنفقة؛ لأن محل الاستيفاء قد فات. كذا ذكره التمرتاشي (٤)، وبه قال: أحمد (٥)، وبعض أصحاب الشافعي (٦). ومذهبه: أن دين المهر والنفقة يتعلق بذمة العبد، فيثبت الخيار للمرأة في قوله الأصح؛ لأنه دين وجب برضا المستحق، وصار كما لو استقرض شيئا. وفي قول: يجب على المولى؛ لأن الإذن في النكاح في عبد [ل] (٧) كسب له التزام للمؤنات، وهذا في عبد لم يكن له كسب (٨). فلو كان العبد مكتسبا؛ يجب في كسبه بعد النكاح، حتى لو حبسه المولى واستخدمه زمان كسبه غرم للمرأة المهر والنفقة. وهل للعبد أن يؤجر نفسه للمهر والنفقة؟ فيه قولان. كذا في شرح الوجيز (٩). وقال مالك: المهر والنفقة لازمان له، ومتعلقان بما يحصل في يده مما

стр. 2731

لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ فِي رَقَبَةِ العَبدِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ أَهلِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي حَقِّ المَولَى لِصُدُورِ الإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ دَفعًا لِلمَضَرَّةِ عَنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ كَمَا فِي دَينِ التِّجَارَةِ. ليس من خراجه ولا كسبه، ولا يكون السيد ضامنا للمهر بمجرد الإذن في النكاح (١). وقلنا: (دين وجب في رقبة العبد)؛ لأنه وجب بسببه؛ وهو: التزويج، وصدر (من أهله)؛ وهو: العاقل البالغ، (وقد ظهر في حق المولى) بإذنه؛ فيتعلق برقبته استيفاء؛ دفعا للضرر عنها كسائر ديون تجارته. وإنما قلنا: أنه متعلق برقبته؛ لما ذكر في الأصول: أن ذمته ضعفت بسبب الرق، واستلزام الدين من خواص الآدمية، وآدمية العبد [لا تزال] بسبب كفره الذي هو الرق في الأصل وألحقه بالبهائم؛ فبقيت من وجه فلم تحمل الدين بنفسها بلا مؤكد؛ وهو: مالكية الرقبة أو الكسب في حق المكاتب، بخلاف الحر؛ لكمال ذمته. ولهذا قلنا: لا يستوجب المولى على عبده دينا؛ لأن ماليته مستحقة له فلم تكن صالحة للحر؛ فبقيت في ذمته في حق المولى ضعيفة لا جابر له فلم يحتمل الدين منه. ثم إذا بيع في مهرها ولم يف الثمن؛ لا يباع ثانيا؛ لأنه بيع في جميع الثمن -أي: المهر- ويطالب بالباقي بعد العتق؛ لأنه في دين النفقة يباع مرة بعد أخرى؛ لأنه يجب شيئا فشيئا. كذا ذكره التمرتاشي (٢). ولو زوج عبده أمته؛ لا مهر عليه وبه قال الشافعي (٣)، ومالك، وأحمد (٤). ثم اختلف المشايخ في تخريجه: فهل يجب لحق الشرع ثم يسقط حق المولى لقيام ملك المولى في الزوج؟

стр. 2732

(وَالمُدَبَّرُ وَالمُكَاتَبُ يَسْعَيَانِ فِي المَهرِ وَلَا يُبَاعَانِ فِيهِ) لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقَلَ مِنْ مِلك إِلَى مِلكَ مَعَ بَقَاءِ الكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَيُؤَدَّى مِنْ كَسْبِهِمَا لَا مِنْ نَفْسِهِمَا. (وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إِذنِ مَولَاهُ فَقَالَ المَولَى: «طَلَّقَهَا أَوْ فَارِقِهَا» فَلَيْسَ هَذَا بِإِجَازَة) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ، لِأَنَّ رَدَّ هَذَا العَقدِ وَمُتَارَكَتَهُ يُسَمَّى طَلَاقًا وَمُفَارَقَة، وَهُوَ أَليَقُ بِحَالِ العَبدِ المُتَمَرِّدِ، أَوْ هُوَ أَدنَى، فَكَانَ الحَملُ عَلَيْهِ أُولَى … ... … ... … ... . والأصح، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد: لا تجب أصلا؛ لأنه لم يجب لحق الشرع وإنما وجب للمولى؛ فلا فائدة في وجوبه أصلا (١). كذا في المحيط والمبسوط وفتاوى اللولوالجي (٢). (فليس هذا بإجازة) وقال ابن أبي ليلى: يكون إجازة؛ لأنه أمره بالطلاق، والمطلق ينصرف إلى الجائز وهو الطلاق بعد النكاح؛ ولهذا لو ادعت على رجل نكاحا وهو ينكر ثم طلقها فإن طلاقه إقرار بالنكاح. وعند الشافعي، ومالك، وأحمد: لا ينعقد هذا العقد أصلا، ويصير لغوا؛ فلا تلحقه الإجازة؛ لما علم من أصلهم أن نكاح الفضولي لا ينعقد أصلا. ولنا: أنه يحتمل الإجازة لما ذكر، ويحتمل الرد. (لأن رد هذا العقد ومتاركته يسمى طلاقا ومفارقة)؛ ألا ترى أنه لو طلقها يكون متاركة والظاهر أن مراده الرد؛ لأنه (أليق بحال العبد المتمرد) زجرا له. (أو هو أدنى)؛ لأنه منع من الثبوت، والطلاق رفع بعده، والدفع أسهل من الرفع؛ فكان الحمل على الدفع (أولى). بخلاف ما لو زوجه الفضولي فبلغه الخبر فقال: طلقها؛ يكون إجازة لأن الزوج يملك التطليق بالإجازة فيثبت ضمنا له؛ لأن فعل الفضولي إعانة له فلا يحمل على الرد. أما المولى لا يقدر على التطليق؛ فلا يملك الأمر به؛ فيجعل مجازا عن الرد؛ لأنه أليق بحال العبد المتمرد.

стр. 2733

(وَإِنْ قَالَ: «طَلَّقَهَا تَطلِيقَة تَملِك الرَّجْعَةَ» فَهُوَ إِجَازَةٌ)؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحَ صَحِيح فَتَتَعَيَّنُ الإِجَازَةُ. (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: «تَزَوَّج هَذِهِ الأَمَةَ» فَتَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَدَخَلَ بِهَا، فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي المَهرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُؤْخَذُ مِنهُ إِذَا عَتَقَ) (*) وَأَصلُهُ: أَنَّ الإِدْنَ بِالنِّكَاحِ يَنتَظِمُ الفَاسِدَ وَالجَائِزَ عِندَهُ، فَيَكُونُ هَذَا المَهْرُ ظَاهِرًا فِي حَقِّ المَولَى، وَعِندَهُمَا: … ... … ... … .. ولأن الفرد مخير في حق الزوج بملك بضع يقابله بخلاف ضرر المولى؛ فإنه لا يقابله شيء. أما لو ([قال] (١) طلقها تطليقة)؛ تقع عليها، أو قال: أوقع عليها؛ تكون (إجازة)؛ لأن وقوع الطلاق عليها يختص بالنكاح. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). قوله: (تزوج هذه الأمة) اعلم أن في ذكر "الأمة " لا فائدة؛ فإنه لو قال له: هذه الحرة؛ فعلى هذا الخلاف. وكذا لا فائدة في ذكر الإشارة بالتعيين؛ لأن الحكم في غير المعين كذلك؛ فيكون العقد اتفاقيا على حسب العادة. (وأصله)؛ أي: أصل [أبي] (٣) حنيفة (أن الإذن بالنكاح ينتظم الفاسد والجائز). وبه قال الشافعي في قول، إلا أن الحكم في المهر عنده كما ذكرنا في العبد المأذون بالنكاح من الأقوال. (وعندهما)؛ أي: عند أبي يوسف ومحمد: لا ينتظم الفاسد. وبه قال الشافعي في أظهر قوليه (٤). وفي وجوب مهر المثل في هذه الصورة له قولان: في القديم: تتعلق برقبته.

стр. 2734

يَنصَرِفُ إِلَى الجَائِزِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي حَقِّ المَولَى فَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعدَ العَتَاقِ، لَهُمَا: أَنَّ المَقصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فِي المُستَقبَلِ الإِعْفَافُ وَالتَّحْصِينُ، وَذَلِكَ بِالجَائِزِ، وَلِهَذَا لَو حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ يَنصَرِفُ إِلَى الجَائِزِ، بِخِلَافِ البَيعِ، لِأَنَّ بَعْضَ المَقَاصِدِ حَاصِلٌ وَهُوَ مِلكُ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَهُ: أَنَّ اللَّفظَ مُطلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا فِي وفي الجديد: تتعلق بذمته؛ لأنه وجب برضا المستحق فصار كما لو استقرض واشترى شيئا بغير إذن المولى وأتلف. وجه القديم: أن الوطء إتلاف فبدله عليه؛ كديون الإتلافات. كذا في شرح الوجيز (١). (وذلك بالجائز)؛ أي: الإعفاف والتحصين بالجائز؛ إذ الإعفاف امتناع عن الحرام، وكذا التحصين يحصل به. وقيد بالمستقبل؛ لأن المراد بالنكاح في المستقبل: التحصين والإعفاف؛ فيوجد منه بعد عتقه. أما النكاح في الماضي؛ فمراده تحقق المخبر عنه فحسب لا التحصين؛ لاستحالته؛ حتى لو حلف أنه ما تزوج، وقد كان تزوج فاسدا؛ يحنث في يمينه؛ لما ذكرنا أن مقصوده تحقق المخبر عنه لا التحصين. كذا في المبسوط (٢). (بخلاف البيع)؛ يعني: لو أمره بالبيع ينتظم الفاسد والصحيح؛ (لأن بعض المقاصد) وهو الإعتاق والتصرفات (حاصل) في البيع الفاسد (٣)، ولا كذلك ههنا. ولأن النكاح عقد مسنون وواجب؛ فيحترز فيه [عن] جهات الفساد عند الإقدام عليه بخلاف البيع لأنه مباح، ولأنه يباشر على ملأ من المشاهير والعلماء؛ فيباشر على وجه الصحة ظاهرا فتترك الحقيقة بالعادات؛ بخلاف البيع. (فيجري على إطلاقه)؛ أي: إطلاق اللفظ، ولا يتقيد بالصحة؛ لأن الصحة

стр. 2735

البَيعِ. وَبَعْضُ المَقَاصِدِ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ حَاصِلٌ كَالنَّسَبِ وَوُجُوبِ المَهْرِ وَالعِدَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِ الوَطءِ، وَمَسأَلَةُ اليَمِينِ مَمْنُوعَةٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. والفساد صفتا العقد، والإذن من المولى في أصل العقد؛ فلا يتقيد بصفة دون صفة؛ كالإذن في البيع والشراء للوكيل والعبد ينتظم الفاسد الصحيح. غاية ما في الباب أن يقول الخصم: أن الظاهر من حال المسلم الأمر بالنكاح الصحيح؛ فيتقيد بالصحيح الظاهر لأنا لا نسلم أنه أمر بالفاسد؛ بل نقول: أمر بالنكاح مطلقا، والفاسد إنما يرد به الأمر باعتبار أنه نكاح لا باعتبار أنه فاسد، وكذلك الصحيح. فاعتبر هذا بالأمر بتحرير الرقبة؛ فإنه مطلق يتناول رقبة واحدة ولم يتعرض صفة المؤمنة والكافرة والهندية والتركية، وإنما يجوز لأنها رقبة لا لكونها كذا وكذا من صفاتها المختلفة؛ فكذا الأمر بالنكاح يتناولهما باعتبار أنه نكاح، وأصل النكاح يوجب شغل ذمته بالمهر. كذا قيل، وفيه نوع تأمل. ووجوب المهر والعدة وتفيد الملك أيضا؛ بدليل أنه لو وطئها مرارا لا يلزمه إلا مهر واحد؛ فلو لم يفد الملك ينبغي أن يلزم بكل وطئة مهر لكونه تصرفًا في بضع محترم، وسقط الحد بشبهة؛ فينبغي أن يجب عقد بكل وطئة، وحيث لم يجب؛ عُلم أنه يفيد نوع ملك كالبيع. كذا في جامع أبي اليسر. قوله: (ممنوعة على هذه الطريقة) وهي طريقة إجراء مطلق اللفظ على إطلاقه. وفي المسألة طريقان أحدهما ما ذكر في المتن، والثاني: أن الحاجة إلى إذن المولى لشغل المهر برقبته لا لتمليك البضع؛ لأن العبد في حقه مبقى على أصل الحرية؛ بدليل تمكنه من إزالة هذا الملك بلا استطلاع رأي المولى. والفاسد فيه مثل الجائز؛ لأن الشغل يتعلق بهما؛ فصار الأمر بالنكاح كأنه قال: اشغل رقبتك بالمهر، ولو نص على هذا ملك الشغل بالنوعين، فكذا هذا. ذكره شيخ الإسلام. فمسألة اليمين ممنوعة على الطريقة الأولى لا على الطريقة الثانية. والطريقة الأولى هي المُعَوَّل دون الثانية؛ لأن المولى مالك إلا نكاح العبد
следующие страницы →