لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ فِي رَقَبَةِ العَبدِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ أَهلِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي حَقِّ المَولَى لِصُدُورِ الإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ دَفعًا لِلمَضَرَّةِ عَنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ كَمَا فِي دَينِ التِّجَارَةِ.
ليس من خراجه ولا كسبه، ولا يكون السيد ضامنا للمهر بمجرد الإذن في النكاح (١).
وقلنا: (دين وجب في رقبة العبد)؛ لأنه وجب بسببه؛ وهو: التزويج، وصدر (من أهله)؛ وهو: العاقل البالغ، (وقد ظهر في حق المولى) بإذنه؛ فيتعلق برقبته استيفاء؛ دفعا للضرر عنها كسائر ديون تجارته.
وإنما قلنا: أنه متعلق برقبته؛ لما ذكر في الأصول: أن ذمته ضعفت بسبب الرق، واستلزام الدين من خواص الآدمية، وآدمية العبد [لا تزال] بسبب كفره الذي هو الرق في الأصل وألحقه بالبهائم؛ فبقيت من وجه فلم تحمل الدين بنفسها بلا مؤكد؛ وهو: مالكية الرقبة أو الكسب في حق المكاتب، بخلاف الحر؛ لكمال ذمته.
ولهذا قلنا: لا يستوجب المولى على عبده دينا؛ لأن ماليته مستحقة له فلم تكن صالحة للحر؛ فبقيت في ذمته في حق المولى ضعيفة لا جابر له فلم يحتمل الدين منه.
ثم إذا بيع في مهرها ولم يف الثمن؛ لا يباع ثانيا؛ لأنه بيع في جميع الثمن -أي: المهر- ويطالب بالباقي بعد العتق؛ لأنه في دين النفقة يباع مرة بعد أخرى؛ لأنه يجب شيئا فشيئا. كذا ذكره التمرتاشي (٢).
ولو زوج عبده أمته؛ لا مهر عليه وبه قال الشافعي (٣)، ومالك، وأحمد (٤).
ثم اختلف المشايخ في تخريجه: فهل يجب لحق الشرع ثم يسقط حق المولى لقيام ملك المولى في الزوج؟
стр. 2732
(وَالمُدَبَّرُ وَالمُكَاتَبُ يَسْعَيَانِ فِي المَهرِ وَلَا يُبَاعَانِ فِيهِ) لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقَلَ مِنْ مِلك إِلَى مِلكَ مَعَ بَقَاءِ الكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَيُؤَدَّى مِنْ كَسْبِهِمَا لَا مِنْ نَفْسِهِمَا.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إِذنِ مَولَاهُ فَقَالَ المَولَى: «طَلَّقَهَا أَوْ فَارِقِهَا» فَلَيْسَ هَذَا بِإِجَازَة) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ، لِأَنَّ رَدَّ هَذَا العَقدِ وَمُتَارَكَتَهُ يُسَمَّى طَلَاقًا وَمُفَارَقَة، وَهُوَ أَليَقُ بِحَالِ العَبدِ المُتَمَرِّدِ، أَوْ هُوَ أَدنَى، فَكَانَ الحَملُ عَلَيْهِ أُولَى … ... … ... … ... .
والأصح، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد: لا تجب أصلا؛ لأنه لم يجب لحق الشرع وإنما وجب للمولى؛ فلا فائدة في وجوبه أصلا (١). كذا في المحيط والمبسوط وفتاوى اللولوالجي (٢).
(فليس هذا بإجازة) وقال ابن أبي ليلى: يكون إجازة؛ لأنه أمره بالطلاق، والمطلق ينصرف إلى الجائز وهو الطلاق بعد النكاح؛ ولهذا لو ادعت على رجل نكاحا وهو ينكر ثم طلقها فإن طلاقه إقرار بالنكاح.
وعند الشافعي، ومالك، وأحمد: لا ينعقد هذا العقد أصلا، ويصير لغوا؛ فلا تلحقه الإجازة؛ لما علم من أصلهم أن نكاح الفضولي لا ينعقد أصلا.
ولنا: أنه يحتمل الإجازة لما ذكر، ويحتمل الرد.
(لأن رد هذا العقد ومتاركته يسمى طلاقا ومفارقة)؛ ألا ترى أنه لو طلقها يكون متاركة والظاهر أن مراده الرد؛ لأنه (أليق بحال العبد المتمرد) زجرا له.
(أو هو أدنى)؛ لأنه منع من الثبوت، والطلاق رفع بعده، والدفع أسهل من الرفع؛ فكان الحمل على الدفع (أولى).
بخلاف ما لو زوجه الفضولي فبلغه الخبر فقال: طلقها؛ يكون إجازة لأن الزوج يملك التطليق بالإجازة فيثبت ضمنا له؛ لأن فعل الفضولي إعانة له فلا يحمل على الرد.
أما المولى لا يقدر على التطليق؛ فلا يملك الأمر به؛ فيجعل مجازا عن الرد؛ لأنه أليق بحال العبد المتمرد.
стр. 2733
(وَإِنْ قَالَ: «طَلَّقَهَا تَطلِيقَة تَملِك الرَّجْعَةَ» فَهُوَ إِجَازَةٌ)؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحَ صَحِيح فَتَتَعَيَّنُ الإِجَازَةُ.
(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: «تَزَوَّج هَذِهِ الأَمَةَ» فَتَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَدَخَلَ بِهَا، فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي المَهرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُؤْخَذُ مِنهُ إِذَا عَتَقَ) (*) وَأَصلُهُ: أَنَّ الإِدْنَ بِالنِّكَاحِ يَنتَظِمُ الفَاسِدَ وَالجَائِزَ عِندَهُ، فَيَكُونُ هَذَا المَهْرُ ظَاهِرًا فِي حَقِّ المَولَى، وَعِندَهُمَا: … ... … ... … ..
ولأن الفرد مخير في حق الزوج بملك بضع يقابله بخلاف ضرر المولى؛ فإنه لا يقابله شيء.
أما لو ([قال] (١) طلقها تطليقة)؛ تقع عليها، أو قال: أوقع عليها؛ تكون (إجازة)؛ لأن وقوع الطلاق عليها يختص بالنكاح. كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
قوله: (تزوج هذه الأمة) اعلم أن في ذكر "الأمة " لا فائدة؛ فإنه لو قال له: هذه الحرة؛ فعلى هذا الخلاف.
وكذا لا فائدة في ذكر الإشارة بالتعيين؛ لأن الحكم في غير المعين كذلك؛ فيكون العقد اتفاقيا على حسب العادة.
(وأصله)؛ أي: أصل [أبي] (٣) حنيفة (أن الإذن بالنكاح ينتظم الفاسد والجائز). وبه قال الشافعي في قول، إلا أن الحكم في المهر عنده كما ذكرنا في العبد المأذون بالنكاح من الأقوال.
(وعندهما)؛ أي: عند أبي يوسف ومحمد: لا ينتظم الفاسد. وبه قال الشافعي في أظهر قوليه (٤).
وفي وجوب مهر المثل في هذه الصورة له قولان: في القديم: تتعلق برقبته.
стр. 2734
يَنصَرِفُ إِلَى الجَائِزِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي حَقِّ المَولَى فَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعدَ العَتَاقِ، لَهُمَا: أَنَّ المَقصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فِي المُستَقبَلِ الإِعْفَافُ وَالتَّحْصِينُ، وَذَلِكَ بِالجَائِزِ، وَلِهَذَا لَو حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ يَنصَرِفُ إِلَى الجَائِزِ، بِخِلَافِ البَيعِ، لِأَنَّ بَعْضَ المَقَاصِدِ حَاصِلٌ وَهُوَ مِلكُ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَهُ: أَنَّ اللَّفظَ مُطلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا فِي
وفي الجديد: تتعلق بذمته؛ لأنه وجب برضا المستحق فصار كما لو استقرض واشترى شيئا بغير إذن المولى وأتلف. وجه القديم: أن الوطء إتلاف فبدله عليه؛ كديون الإتلافات. كذا في شرح الوجيز (١).
(وذلك بالجائز)؛ أي: الإعفاف والتحصين بالجائز؛ إذ الإعفاف امتناع عن الحرام، وكذا التحصين يحصل به. وقيد بالمستقبل؛ لأن المراد بالنكاح في المستقبل: التحصين والإعفاف؛ فيوجد منه بعد عتقه.
أما النكاح في الماضي؛ فمراده تحقق المخبر عنه فحسب لا التحصين؛ لاستحالته؛ حتى لو حلف أنه ما تزوج، وقد كان تزوج فاسدا؛ يحنث في يمينه؛ لما ذكرنا أن مقصوده تحقق المخبر عنه لا التحصين. كذا في المبسوط (٢).
(بخلاف البيع)؛ يعني: لو أمره بالبيع ينتظم الفاسد والصحيح؛ (لأن بعض المقاصد) وهو الإعتاق والتصرفات (حاصل) في البيع الفاسد (٣)، ولا كذلك ههنا.
ولأن النكاح عقد مسنون وواجب؛ فيحترز فيه [عن] جهات الفساد عند الإقدام عليه بخلاف البيع لأنه مباح، ولأنه يباشر على ملأ من المشاهير والعلماء؛ فيباشر على وجه الصحة ظاهرا فتترك الحقيقة بالعادات؛ بخلاف البيع.
(فيجري على إطلاقه)؛ أي: إطلاق اللفظ، ولا يتقيد بالصحة؛ لأن الصحة
стр. 2735
البَيعِ. وَبَعْضُ المَقَاصِدِ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ حَاصِلٌ كَالنَّسَبِ وَوُجُوبِ المَهْرِ وَالعِدَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِ الوَطءِ، وَمَسأَلَةُ اليَمِينِ مَمْنُوعَةٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
والفساد صفتا العقد، والإذن من المولى في أصل العقد؛ فلا يتقيد بصفة دون صفة؛ كالإذن في البيع والشراء للوكيل والعبد ينتظم الفاسد الصحيح.
غاية ما في الباب أن يقول الخصم: أن الظاهر من حال المسلم الأمر بالنكاح الصحيح؛ فيتقيد بالصحيح الظاهر لأنا لا نسلم أنه أمر بالفاسد؛ بل نقول: أمر بالنكاح مطلقا، والفاسد إنما يرد به الأمر باعتبار أنه نكاح لا باعتبار أنه فاسد، وكذلك الصحيح.
فاعتبر هذا بالأمر بتحرير الرقبة؛ فإنه مطلق يتناول رقبة واحدة ولم يتعرض صفة المؤمنة والكافرة والهندية والتركية، وإنما يجوز لأنها رقبة لا لكونها كذا وكذا من صفاتها المختلفة؛ فكذا الأمر بالنكاح يتناولهما باعتبار أنه نكاح، وأصل النكاح يوجب شغل ذمته بالمهر. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
ووجوب المهر والعدة وتفيد الملك أيضا؛ بدليل أنه لو وطئها مرارا لا يلزمه إلا مهر واحد؛ فلو لم يفد الملك ينبغي أن يلزم بكل وطئة مهر لكونه تصرفًا في بضع محترم، وسقط الحد بشبهة؛ فينبغي أن يجب عقد بكل وطئة، وحيث لم يجب؛ عُلم أنه يفيد نوع ملك كالبيع. كذا في جامع أبي اليسر.
قوله: (ممنوعة على هذه الطريقة) وهي طريقة إجراء مطلق اللفظ على إطلاقه.
وفي المسألة طريقان أحدهما ما ذكر في المتن، والثاني: أن الحاجة إلى إذن المولى لشغل المهر برقبته لا لتمليك البضع؛ لأن العبد في حقه مبقى على أصل الحرية؛ بدليل تمكنه من إزالة هذا الملك بلا استطلاع رأي المولى.
والفاسد فيه مثل الجائز؛ لأن الشغل يتعلق بهما؛ فصار الأمر بالنكاح كأنه قال: اشغل رقبتك بالمهر، ولو نص على هذا ملك الشغل بالنوعين، فكذا هذا. ذكره شيخ الإسلام.
فمسألة اليمين ممنوعة على الطريقة الأولى لا على الطريقة الثانية.
والطريقة الأولى هي المُعَوَّل دون الثانية؛ لأن المولى مالك إلا نكاح العبد
стр. 2736
(وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدًا مَأذُونَا لَهُ مَديُونَا امْرَأَة جَازَ، وَالمَرأَةُ أُسْوَةٌ لِلغُرَمَاءِ فِي مَهْرِهَا)
عندنا على ما يجيء بعده؛ فعلم أن العبد لا يملكه المولى؛ لأن الأصل أن ما لا يملكه العبد على نفسه ملكه مولاه عليه، وما يملك على نفسه لا يملكه المولى؛ ألا ترى أنه تملك الإقرار بالقصاص على نفسه دون مولاه، وتملك المولى الإقرار على عبده بالدين، والعبد لا يملكه، والعبد يملك الطلاق دون المولى؛ فكان الجواب الصحيح في مسألته أن يحنث بالصحيح والفاسد، ولئن كان عدم الحنث بالفاسد قول الكل.
والعذر لأبي حنيفة: أن مبنى الإيمان على العرف؛ فكذا التوكيل بالنكاح ينتظم الفاسد والصحيح عنده خلافا لهما.
وأما قولهما: أن المقصود بالنكاح الإعفاف.
قلنا: الإعفاف الحاصل من النكاح ليس في وسع يد المولى؛ فهو إنما يكون بدوام النكاح ودوامه ليس في يده، مع أن الإعفاف أمر باطني لا يتوقف عليه؛ فلا يكون في يد المولى. كذا في جامع قاضي خان.
وثمرة اختلافهم في هذه المسألة تظهر فيما إذا جدد العقد عليها بشرائط الصحة بلا إذن، أو تزوج امرأة أخرى صحيحا بغير إذن لا يجوز عند أبي حنيفة؛ لانتهاء الأمر بالفاسد، وعندهما يجوز لعدم الانتهاء؛ لأنه لم يتناول الفاسد. كذا ذكر في المبسوط (١).
قوله: (ومن زوج عبدا مأذونا له)؛ المراد: مأذونا [مديونا] (٢) صرح به في الكافي؛ فقال: ومن زوج عبده المأذون المديون جاز النكاح، والمهر على رقبته. (والمرأة أسوة للغرماء) (٣).
وقال الشافعي: المهر والنفقة يتعلقان بربح ما في يده الحاصل بعد النكاح. وفي أظهر قوليه بالربح، سواء حصل بعد النكاح أو قبله.
وهل يتعلقان برأس المال؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتعلق كسائر أموال
стр. 2737
وَمَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ النِّكَاحُ بِمَهرِ المِثلِ. وَوَجهُهُ: أَنَّ سَبَبَ وِلَايَةِ المَولَى مِلكُهُ الرَّقَبَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَالنِّكَاحُ لَا يُلَاقِي حَقَّ الغُرَمَاءِ بِالإِبطالِ مَقْصُودًا، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا صَحَّ النِّكَاحُ وَجَبَ الدَّينُ بِسَبَب لَا مَرَد لَهُ، فَشَابَهَ دَينَ الاستهلاكِ، وَصَارَ كَالمَرِيضِ المَديُونِ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَة فَيُمِهِرُ مِثْلَهَا أُسْوَة لِلغُرَمَاءِ.
(وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ … ... … ... .
المولى، وأظهرهما التعلق؛ لأنه دين لزمه بعقد مأذون فيه فكان لدين التجارة. كذا في شرح الوجيز (١).
(إذا كان النكاح بمهر المثل)؛ أي: بمقدار مهر المثل أو أقل.
قوله: (النكاح [لا] يلاقي) إلى آخره؛ جواب سؤال مقدر؛ وهو أن يقال: ينبغي ألا تكون المرأة أسوة للغرماء؛ لأن النكاح يلاقي حق الغرماء بالإبطال؛ بل يجب أن يبدأ بدين الغرماء، كما لو قتل العبد رجلا خطأ؛ فصالح المولى مع المولى على رقبته، أو خلع أمته المزوجة أو المدبرة على رقبتها، وزوجها عبد تبدأ بدين الغرماء.
فأجاب عنه بهذا القول مقصودا؛ لأنه صح بدليله؛ وهو قيام ملك الرقبة وحاجته إلى تحصينه ولزوم المهر من ضروراته بالنظر إلى قوله تعالى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤] فكان ثبوته بمنزلة ثبوت المقتضى؛ فتراعي شرائط المقتضي؛ لكونه غير مقصود. إليه أشار الإمام التمرتاشي.
وحاصله أن حق الغرماء متعلق بماليته وكونه محلا للنكاح من حيث الآدمية؛ فلا يلاقي النكاح حق الغرماء للتغاير بين الآدمية والمالية؛ ولكن يلزم منه وجوب المهر في رقبته ضمنا، ويلزم منه إبطال حق الغرماء ضمنا.
(بسبب لا مرد له)؛ أي: لا رد له، وهو صحة النكاح؛ إذ النكاح بلا مهر غير مشروع؛ فصار (كدين الاستهلاك)؛ فإن العبد المأذون المديون (كالمريض المديون إذا تزوج امرأة؛ فمهر مثلها أسوة) لغرماء الصحة.
قوله: (فليس عليه)؛ أي: على المولى.
стр. 2738
أَنْ يُبَوِّنَهَا بَيتَ الزَّوجِ، لَكِنَّهَا تَخدُمُ المَولَى، وَيُقَالُ لِلزَّوجِ: «مَتَى ظَفِرت بِهَا وَطِئْتَهَا») لِأَنَّ حَقَّ المَولَى فِي الاستخدام باق، وَالتَّبوِئَةُ إِبْطَالُ لَهُ (فَإِنْ بَوَّأَهَا مَعَهُ بَيْتًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكَنَى وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تُقَابِلُ الاحْتِبَاسَ، (وَلَو بَوَّأَهَا بَيْتًا ثُمَّ بَدَا لَهُ
(أن يبوئها بيت الزوج ولا خلاف لأحد [فيه]) (١) من الفقهاء.
ولكن قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣): يستخدمها بالنهار ويسلمها ليلا إلى زوجها.
وقال مالك: يسلمها إليه ليلة بعد ثلاث ويأتيها زوجها فيما بين ذلك عند أهلها (٤).
وقلنا: حق المولى ثابت بالليل والنهار، ويمكن الجمع بين الحقين في الوقت؛ فلا يقسم بلا دليل.
(والتبوئة إبطال له) أي لحق المولى؛ لأن خدمتها حق المولى، والنكاح لا يبطل حقه في الاستخدام؛ لأن إبطال حقه بقدر ما أبطله، وقد أبطل حقه بالنكاح في الاستمتاع بمنافع البضع لا غير، فكان الاستخدام؛ إذ ليس من ضرورة إبطال حقه في الاستمتاع إبطال حقه في الاستخدام؛ فلم يجب عليه التبوئة لئلا يلزم بطلان حقه في الاستخدام.
فإن قيل: ينبغي أن يجب عليه التبوئة؛ لأنه لما ملك الزوج منافع بضعه يجب عليه تسليمها، والتبوئة من التسليم.
قلنا: التبوئة أمر زائد على التسليم، فإن التسليم يتحقق بدون التبوئة بأن قال له: متى ظفرت وطئتها، فلا يلزمه التبوئة جمعا بين الحقين بقدر الإمكان.
إليه أشير في المبسوط (٥)(٦).
(لأن النفقة تقابل الاحتباس)؛ فإن الشرع شرع عليها احتباسا توقيرًا لحق
стр. 2739
أَنْ يَسْتَخدِمَهَا لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الحَقَّ بَاقٍ لِبَقَاءِ المِلكِ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّبِوِئَةِ كَمَا لَا يَسْقُطُ بِالنِّكَاحِ. قَالَ: ذَكَرَ تَرْوِيجَ المَولَى عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ وَلَم يَذكُر رِضَاهُمَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى
الزوج في إقامة المصالح، وشرع لها في مقابلة الاحتباس رزقا وكفاية جزاء للاحتباس؛ كما شرع رزق الأئمة والقضاة في بيت المال لأنه مال العامة وهم محبوسون لهم؛ فإذا لم يبوئها لم تجب النفقة؛ لفوات الاحتباس له.
أي: للمولى ذلك، وهو الاستخدام؛ لقيام ملكه فيها لخدمتها حق المولى وبالتزويج حرم الاستمتاع بها، لا ملك الخدمة، ولكن تسقط النفقة بعد وجوبها بالاستخدام لزوال الاحتباس.
ولو استخدمها المولى ثم عادت إلى بيت الزوج؛ فلها النفقة، كالحرة إذا هربت من بيت الزوج ثم عادت إلى بيتها.
وقال الشافعي: إن استخدمها نهارًا وسلمها إلى الزوج ليلا؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب عليه نصف النفقة، والثاني: وهو ظاهر مذهبه أنه لا يجب شيء من النفقة (١) كقولنا.
ولو جاءت الأمة بولد؛ فنفقة ولدها على مولاها؛ لأنه مالكه لا على الأب.
ولو كانت مكاتبة فبوأها معه أولا فلها النفقة لأنها في يد نفسها كالحرة إذا لم تكن ظالمة في حبس نفسها وليس لمولاها. كذا في جامع المحبوبي (٢).
قوله: (لبقاء الملك) وحق الخدمة للملك؛ فتبقى الخدمة ويصير المولى كالمعير لها من زوجها في حق الخدمة فله أن يستردها.
وكذا لو كان شرط ذلك للزوج كان الشرط باطلا، لا يمنعه أن يستخدمها لأن المستحق بالنكاح للزوج ملك المحل لا غير، فاشتراطه أشياء أخر غير ملزم إياه. كذا في جامع قاضي خان (٣).
(ذكر) أي: محمد (تزويج المولى عبده).
(وهذا)؛ أي: ما ذكر محمد، وهو تزويج العبد والأمة بغير
стр. 2740
مَذهَبِنَا: أَنَّ لِلمَولَى إجبَارَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا إِجِبَارَ فِي العَبدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ خَصَائِصِ الآدَمِيَّةِ، وَالعَبدُ دَاخِلٌ تَحتَ مِلكِ المَولَى مِنْ حَيثُ إِنَّهُ مَالٌ، فَلَا يَمْلِكُ إِنكَاحَهُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ مَنَافِعَ بُضِعِهَا فَيَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا.
رضاهما. والمراد بالإجبار أن ينفذ نكاح المولى عليهما بغير رضاهما لا الحمل بالسيف.
(وهو رواية)؛ أي: قول الشافعي (١) رواية عن أبي حنيفة، وبه قال أحمد (٢).
وقال الشافعي في القديم (٣)، وأحمد في رواية (٤)، ومالك؛ كقولنا.
وهذا الخلاف في العبد، أما في الأمة يجوز عقدها بغير رضاها بالإجماع.
ولا يجوز تزوج المكاتب والمكاتبة جبرا بالإجماع.
وكذا في المستسعاة عند أبي حنيفة والشافعي، ومالك، وأحمد.
لأنه مبقى على أصل الحرية، فيما هو من خصائص الآدمية والنكاح منها، والعبد غير مملوك للمولى من حيث الآدمية بل مملوك له من حيث المالية، ولا تعلق للمالية بالنكاح؛ فكان المولى أجنبيا في إنكاحه، فلا يملكه كأجنبي آخر؛ ألا ترى أنه لا يملك عليه الإقرار بالقصاص والحد؟ لأن ذمته غير مملوكة له.
وكذلك لا يملك أن يطلق امرأته؛ لأنه غير مملوك نظرا إليه.
(بخلاف الأمة) لأن بضعها مملوك له.
(فيملك تمليكها) بلا رضاها؛ لكونه تصرفا في خالص ملكه، والنكاح في جانبها تمليك البضع من الغير وهو ما يختص بالمالية.
стр. 2741
وَلَنَا: لِأَنَّ الإِنكَاحَ إِصْلَاحُ مِلْكِهِ، لِأَنَّ فِيهِ تَحصِينَهُ عَنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ سَبَبُ الهَلَاكِ أَوْ النقصانِ، فَيَمْلِكُهُ اعْتِبَارًا بِالأَمَةِ، بِخِلَافِ المُكَاتَبِ وَالمُكَاتَبَةِ، … ... … ... … ... …
يوضحه: أن تزويجه بغير رضاه لا يفيد مقصود النكاح؛ لأن الطلاق بيد العبد فيطلقها من ساعته. كذا في المبسوط (١).
ولنا: أن الإنكاح إصلاح لملكه؛ يعني: أنه مملوكه يدا ورقبة، فيملك كل تصرف يشعر بصيانة ملكه فيه، والنكاح منه؛ لأنه يصونه عن الزنا.
(الذي هو سبب الهلاك أو النقصان) إذ بالجلد ربما يهلك لخرق الجلد أو يجرح؛ فالنقصان لازم، ألا ترى أنه لو اشترى عبدًا حُدَّ في الزنا فله الرد؟ فكان في النكاح صونه عنهما.
(فيملكه) بلا رضاه.
[اعتبارا بالأمة] (٢) وهذا لأن النفاذ عليها لملكه رقبتها لا لملكه ما يُملك بالنكاح؛ فولاية (٣) التزويج لا تستدعي ذلك؛ فإن الولي يزوج الصغيرة وهو لا يملك الطلاق، والزوج لا يملك تزويج امرأته ويملك طلاقها.
وملك الرقبة متحقق في العبد كما يتحقق في الأمة؛ فيملك إنكاحه بل أولى؛ لأن في تزويج الأمة ينظر لنفسه، وفي تزويج العبد ينظر للعبد؛ يؤيده قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وإنما (٤) عقد المولى شيء؛ فلا يقدر عليه.
ولأن الإمهار أحد شطري العقد؛ فيملكه المولى بملك الرقبة، كتمليك البضع في جانب الأمة.
وما قال: (أنه غير مملوك للمولى عليه)؛ فاسد من الكلام لأن العبد لا يستبد بالنكاح بالاتفاق، وما لا يملكه المولى عليه؛ فالعبد فيه مبقى على أصل الحرية يستبد به كالإقرار بالقصاص وإيقاع الطلاق على زوجته، وهنا لما كان
стр. 2742
لِأَنَّهُمَا التَحَقَا بِالأَحْرَارِ تَصَرُّفًا فَيُشتَرَطُ رِضَاهُمَا.
قَالَ: (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ قَتَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا زَوجُهَا، فَلَا مَهرَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ المَهْرُ لِمَولَاهَا) (*)
العبد لا يستبد به عَرَفْنا أنه مملوك للمولى عليه.
وموجب النكاح الحل، وذلك يحصل بالنكاح إلى أن يرتفع بالطلاق، والظاهر أن حشمة المولى تمنعه من إيقاع الطلاق. كذا في المبسوط (١).
(لأنهما)؛ أي: المكاتب والمكاتبة.
(التحقا بالأحرار تصرفا)؛ أي: في ملك اليد نظرا لهما لقصور ملكه فيهما؛ لأنهما مالكان يدا، فيكون في تزويجهما جبرا تفويت (٢) لملك التصرف عليهما؛ فلا يثبت.
(فيشترط رضاهما) وفي النهاية: استخرجت من هذه المسألة لطيفة، وهو: أن المولى لو زوج مكاتبته الصغيرة يتوقف على إجازة الصغيرة؛ لأنها ملحقة بالبالغة.
ثم إنها لم ترد النكاح حتى أدت البدل، فعتقت؛ بقي النكاح موقوفا على إجازة المولى لا على إجازتها؛ لأنها لم تبق مكاتبة وهي صغيرة، والصغيرة ليست من أهل الإجازة.
وهذه من أعجب المسائل؛ حيث اعتبرت إجازتها في رقبتها، ولم تعتبر في حريتها لما ذكرنا. ذكره في الخلاصة محالا إلى المحيط (٣).
قوله: (فلا مهر لها عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي (٤)، وأحمد (٥).
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف، ومحمد، ومالك (٦)، وأبو ثور: لا يسقط.
стр. 2743
اعْتِبَارًا بِمَوتِهَا حَتْفَ أَنفِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ المَقتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ وَلَهُ: أَنَّهُ مَنَعَ المُبْدَلَ قَبلَ التَّسْلِيمِ، فَيُجَازَى بِمَنعِ البَدَلِ،
وقال بعض أصحب الشافعي: هذا قول من الشافعي، أما لو قتلت الحرة نفسها لا يسقط المهر باتفاق أصحابنا وفي أصح قولي الشافعي (١).
خلافا لزفر كما يجيء. (اعتبارا بموتها) وتقتل الحرة نفسها، ويقتل السيد زوجها، وتقتل الأمة نفسها.
(ميت بأجله)؛ إذ الموت عبارة عن انتهاء، وبالقتل تنتهي أيام حياته، ولهذا لو قال: إن مت فأنتَ حرّ، فَقُتِلَ؛ عَتَقَ.
وإنما اعتبر القتل قطعا للحياة في حق القاتل إذا لزمه ضمان من دية أو قصاص؛ إذ الضمان مختص بالقتل، ولم يتعلق بقتل المولى أمته ضمان؛ فاعتبر في حقه موتا لا قطعا للحياة؛ فهو لا يمنع وجوب المهر كما لو (قتلها أجنبي). وبالموت ينتهي عقد النكاح؛ لأنه عقد العمر، وانتهاء العقد يوجب تقرير البدل؛ ولهذا يرث كل من صاحبه.
حتى لو جرحها المولى، ثم أعتقها، فاكتسبت مالًا، ثم ماتت من تلك الجراحة؛ فإن الزوج يرث منها، ولو مات الزوج قبلها؛ ورثته أيضا، والتوريث إنما يكون عند انتهاء النكاح؛ وبهذا تبين أن النكاح لم ينفسخ بينهما، وسقوط المهر من حكم انفساخ النكاح. كذا في المبسوط (٢).
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة.
(أنه)؛ أي: المولى.
(منع البدل)؛ وهو: بضعها.
(فيجازي بمنع البدل)، وهو المهر، إذا كان من أهل المجازاة؛ تحقيقا للمساواة، كالحرة إذا ارتدت قبل الدخول، والمولى إذا عيبها من غير بيع أو بأن
стр. 2744
كَمَا إِذَا ارتَدَّت الحُرَّةُ، وَالقَتلُ فِي أَحكَامِ الدُّنْيَا جُعِلَ إِتلَافًا حَتَّى وَجَبَ القِصَاصُ وَالدِّيَةُ فَكَذَا فِي حَقِّ المَهرِ.
باعها في مكان لا يقدر عليها الزوج.
وإنما قيدنا بقولنا إذا كان من أهل المجازاة؛ لأن الصغيرة لو ارتضعت من أم زوجها، أو المجنونة قبلت ابن زوجها بشهوة قبل الدخول حتى بانتا؛ لم يسقط المهر بمنعهما المبدل قبل التسليم؛ لأنهما ليستا من أهل المجازاة، بخلاف المولى فإنه من أهل المجازاة؛ حتى تجب عليه الكفارة.
ولو كان المولى صبيا قالوا: يجب ألا يسقط المهر على قول أبي حنيفة، بخلاف الصغيرة إذا ارتدت حيث [يسقط] (١) مهرها بالارتداد؛ [لأن الردة محظورة في حقها، ولهذا تحرم على الميراث، وإنما قيدنا الارتداد] (٢) بالحرة، لأن في ارتداد الأمة هل يسقط مهرها؟ لا رواية عن أصحابنا فيه، واختلف المشايخ فيه.
قيل: لا يسقط؛ لأن المنع ما جاء من قبل من له الحق وهو المولى.
وقيل: يسقط؛ لأن المهر يجب لها ثم ينتقل إلى مولاها بعد الفراغ عن حاجتها حتى لو كان عليها دين يصرف إلى دينه كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣).
وهذا وجه الرواية عن أبي حنيفة: أنه يسقط بقتل الأمة نفسها.
والقتل في أحكام الدنيا إلى آخره؛ بيانه أن القتل في الحقيقة مؤقت بأجل عند الله تعالى؛ ولكن في حق القاتل قطع إذا لزمه حكم من أحكام الدنيا كالقصاص أو الدية والكفالة، وقد ثبت حكم القتل في قتل المولى أمته؛ وهو: الكفارة.
وإنما بطل القود والدية؛ لفوات الفائدة؛ لاستحالة أن يجب القصاص أو الدية عليه له، ولهذا لو كانت رهنا عند إنسان يضمن قيمتها له.
стр. 2745
(وَإِنْ قَتَلَت حُرَّةٌ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا فَلَهَا المَهْرُ) خِلَامًا لِزُفَرَ، هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالرِّدَّةِ وَبِقَتلِ المَولَى أَمَتَهُ وَالجَامِعُ مَا بَيَّنَّاهُ. وَلَنَا: أَنَّ جِنَايَةَ المَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرُ مُعتَبَرَة فِي حَقِّ أَحكَامِ الدُّنْيَا، فَشَابَهَ مَوتَهَا حَيْفَ أَنفِهَا، … ... … ... … ... ..
أما لو قتلت نفسها أو قتلها أجنبي؛ لم يوجد منع البدل ممن له البدل.
وإذا قتل المولى زوجها قبل الدخول؛ لما منع القود عليه عن العاقد، بل منع العاقد عن المعقود عليه، وهذا لا يوجب سقوط البدل؛ كالبائع إذا قتل المشتري قبل تسليم المبيع لم يسقط الثمن.
وأما الميراث فنقول: هذا في الحقيقة موت، ولكن جعلناه إتلافا في حق القاتل، والميراث للقاتل؛ بل ذلك شيء بينها وبين الزوج، وفيما بينهما هذا موت منه للنكاح.
(خلافا لزفر) (١) وفي المبسوط قال: " الشافعي " مكان "زفر " (٢).
وفي الكافي: ذكرهما.
وهذا قول من الشافعي، وفي الحلية المنصوص أنه لا يسقط مهرها (٣).
وفي شرح الوجيز للأصحاب فيه طريقان؛ أشهرهما: أن المسألة على القولين بالنقل والتخريج، أحدهما: أنه يسقط كما قال زفر، والثاني: لا يسقط وهو اختيار المزني (٤).
وقولنا: (والجامع ما بيناه) وهو أنه وجد منع البدل؛ لأن الحق في المهر لها.
وقلنا: الموت منه للنكاح، والعقد إذا انتهى تقرر موجبه، وهذا لأن قتلها نفسها كـ (موتها حتف أنفها)؛ إذ لا يمكن إضافة القتل إليها حقيقة وحكما؛ لأن قتلها نفسها هدر في أحكام الدنيا إذ جناية المرء على نفسه غير معتبرة، وإنما يؤاخذ بها في الآخرة؛ ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد في المسلم إذا قتل نفسه
стр. 2746
بِخِلَافِ قَتلِ المَولَى أَمَتَهُ لِأَنَّهُ مُعتَبَرٌ فِي حَقِّ أَحكَامِ الدُّنْيَا، حَتَّى تَجِبَ الكَفَّارَةُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَالإِذْنُ فِي العَزِلِ إِلَى المَولَى)
يُغسل ويُصلَّى عليه ولا يصير باغيًا على نفسه.
ولأن قتلها نفسها لو اعتبر تفويتا إنما يصير تفويتا بعد الموت، وبالموت انتقل المهر إلى الورثة؛ فلا يسقط بتفويتها.
أما في الأمة مهرها ملك المولى فكان فعله بإتلاف المبدل إبطالا لحق نفسه، وهو يملك إبطال حق نفسه، وهذا كمن قال لغيره: اقتل عبدي، فقتله؛ لا يجب عليه قيمته، و [لو] (١) قال الحر: اقتلني، فقتله؛ فعلى القاتل ديته، ولا يصح إذنه في إبطال حق الورثة فكذا ههنا.
فإن قيل: يشكل هذا بالحرة إذا قتلها وارثها؛ فإنه لا يسقط المهر أيضا وينبغي أن يسقط.
قلنا: إنما لا يسقط لأن الوارث صار محروما عن الميراث بالقتل؛ فلم يصر مبطلا حق نفسه في المهر وهذا بخلاف ردتها؛ لأنه معتبر في أحكام الدنيا، ولأن المهر لها بعد الردة، وتفويت المعقود عليه كان منها. كذا في المبسوط، وجامع قاضي خان (٢).
وفي المبسوط: لو قتلت الأمة نفسها؛ فعن أبي حنيفة روايتان: في رواية لا يسقط كما في الحرة بل أولى لأن المهر هنا لمولاها وبه قال الشافعي في قول ومالك وهو قولهما.
وفي رواية: يسقط كما لو ارتدت. وبه قال الشافعي في المذهب؛ وهذا لأن فعل المملوك يضاف إلى مالكه في موجبه؛ ألا ترى أنها لو قتلت غيرها كان الولي هو المخاطب بدفعها أو فدائها؛ فإذا قتلت نفسها جعل الحكم كأن المولى قتلها فيسقط مهرها (٣).
قوله: (فالإذن في العزل) إلى آخره، اعلم أن العزل هو أن يجامع فإذا جاء
стр. 2747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقت الإنزال نزع فأنزل خارج الفرج، وهو حلال في الأمة المملوكة بإجماع العلماء.
وفي الأمة المنكوحة: تجوز عند الشافعي في الأصح بغير الرضا (١).
وبالإذن تجوز عندنا، والشافعي في وجه (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤).
ولكن ولاية الإذن للمولى عند أبي حنيفة، وعندهما للأمة. وبه قال الإمام الشافعي.
وفي المنكوحة الحرة لا يجوز بغير رضاها بالإجماع، وبرضاها يجوز عندنا والشافعي في الصحيح (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧).
ولكن يكره لإخلاله بمقصود النكاح؛ قال ﵇: «تناكَحُوا توالدوا … » (٨) الحديث، وعن علي: أنه كره ذلك.
وعن الشافعي في وجه: لا يجوز العزل برضاها (٩)؛ لما روي أنه ﵇ قال في العزل «إنه الوَادُ الخَفِي» (١٠).
وقلنا: هو محمول على الكراهة؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: "الحرة تستأذن (١١)، وعن جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل (١٢)؛ عملا بهما.
стр. 2748
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّد: أَنَّ الإِذنَ فِي العَزلِ إِلَيْهَا (*)، لِأَنَّ الوَط ءَ حَقَّهَا، حَتَّى تَثبُتَ لَهَا وِلَايَةُ المُطَالَبَةِ، وَفِي العَزلِ تَنقِيصُ حَقَّهَا، فَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا كَمَا فِي الحُرَّةِ، بِخِلَافِ الأَمَةِ المَملُوكَةِ، لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ لَهَا، فَلَا يُعتَبَرُ رِضَاهَا. وَجهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ العَزلَ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الوَلَدِ وَهُوَ حَقُّ المَولَى فَيُعتَبَرُ رِضَاهُ وَبِهَذَا
وفي قوله: (وعن أبي يوسف ومحمد) إشارة إلى أن في ظاهر الرواية على قولهما؛ كقول أبي حنيفة.
(حتى تثبت لها) أي: للمرأة ولاية مطالبة الزوج بالوطء بالإجماع؛ لأن النكاح شرع صيانة لها عن السفاح، وذا بقضاء الوطر بشرط رضاها كما في الحرة.
بخلاف الأمة المملوكة؛ لأنه لا مطالبة لها بالوطء؛ (فلا يعتبر رضاها) وللأمة المنكوحة ولاية المطالبة؛ فلا يجوز بغير رضاها.
(وجه ظاهر الرواية أن الأمة لا حق لها في قضاء الشهوة؛ لأن النكاح لم يشرع حقا لها ابتداء وبقاء، ولهذا لا تتمكن من مطالبة مولاها بالتزويج، ويقدر الزوج على إبطال نكاحها بلا استطلاع [رأيها]). (١)
وأنها وإنما كانت الكراهة للولد، والولد حق المولى؛ فيشترط رضاه لا رضاها.
وفي جامع المحبوبي: وعلى هذا الخلاف حق الخصومة لوجود زوجها عنينا؛ فعنده يكون للمولى، وعندهما لها، وبه قال: الشافعي، ومالك، وأحمد (٢).
وفي جامع المحبوبي وقاضي خان: هذه المسألة تدل على جواز العزل (٣). وقال بعض الناس: لا يجوز العزل كما روينا من وجه قول الشافعي (٤).
стр. 2749
فَارَقَتِ الْحُرَّةُ.
والأصل فيه: ما روي أن الصحابة استأذنوا النبي ﷺ فأذن لهم (١).
وقد جاء عن بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إن شئتم عزلا وإن شئتم غير عزل؛ لما أن اليهود يكرهون العزل ويقولون: هو الوادة الصغرى؛ فنزلت (٢).
وأجمعوا في الحرة: أن العزل لا يجوز بغير رضاها كما ذكرنا؛ ولكن ذكر في الفتاوى: إن خاف [من] (٣) الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها؛ لفساد الزمان، وكذا يسعها المعالجة؛ لإسقاط الولد ما لم يبن شيء من خلقه (٤).
ثم إذا عزل بإذن أو بغير إذن، وظهر بها حبل، هل يحل نفيه؟ قالوا: يحل إن لم يعد إليها أو عاد ولكن بال قبل العود (٥)؛ يحل النفي، وإن لم يبل؛ لا يحل النفي. كذا روي عن علي ﵁.
قوله: (وإن تزوجت بإذن مولاها) (٦) [وهكذا الحكم لو زوجها مولاها] (٧)؛ فإنه ذكر في المبسوط: ولو عتقت ولها زوج، وقد كان زوجها المولى منه، أو تزوجته بإذن المولى؛ فلها الخيار كبريرة حين أعتقت (٨).
وروي أن بريرة هي وزوجها مغيث [كانا] مملوكان لعائشة، فلما أعتقت بريرة؛ قال ﵇ لها: «ملكت بضعك فاختاري» (٩)، وكان مغيثا يمشي
стр. 2750
(وَإِنْ تَزَوَّجَت أَمَةٌ بِإِذنِ مَولَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَت، فَلَهَا الخِيَارُ حُرًّا كَانَ زَوجُهَا أَوْ عبداً) لِقَولِهِ ﵊ لِبَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَت: «مَلَكتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» فَالتَّعْلِيلُ بِمِلكِ البُضْعِ صَدَرَ مُطلَقًا فَيَنتَظِمُ الفَصْلَينِ، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيمَا إِذَا كَانَ زَوجُهَا حُرًّا وَهُوَ … ...
خلفها ويبكي وهي تأباه؛ فقال ﵇ لها: اتق الله فإنه زوجك وأبو ولدك؛ فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟؛ قال ﷺ : «لا، إنما أنا شافع»؛ فقالت: إذا لا حاجة لي؛ فاختارت (١)؛ فقد علل ﵇ [الخيار] بملك البضع؛ فيقتضي التسوية بين الفصلين: وهو ما إذا كان زوجها حرا أو عبدا.
(والشافعي يخالفنا فيما إذا كان زوجها حرا) (٢)؛ حيث لا يثبت لها الخيار في هذه الصورة. وبه قال: مالك (٣)، وأحمد (٤).
واحتج بما روي أن عائشة لما أرادت عتقهما - أي: بريرة وزوجها- سألت النبي ﷺ عن ذلك؛ فأمرها بالبداءة بالغلام (٥)، وإنما أمرها بذلك كيلا يثبت لها الخيار.
وروي أن بريرة أعتقت وزوجها عبد، ولكن علة ثبوت الخيار: ملك البضع، وعدم الكفاءة، ومما لا يوجد أن في الزوج الحر فلا يثبت الخيار. ولأن اعتبار الطلاق بالرجال عنده؛ فبإعتاقها لا يزداد ملك الطلاق عليها إذا كان زوجها حرا فلا يتضرر (٦) فلا يثبت لها الخيار. (وهو)؛ أي: الشافعي.
стр. 2751
مَحْجُوجٌ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَزْدَادُ المِلكُ عَلَيْهَا عِنْدَ العِتقِ فَيَمْلِكُ الزَّوجُ بَعدَهُ ثَلَاثَ تطليقات، فَتَمْلِكُ رَفَعَ أَصل العَقدِ دَفعًا لِلزِّيَادَةِ (وَكَذَلِكَ المُكَاتَبَةُ) يَعْنِي: إِذَا تَزَوَّجَت
(محجوج به)؛ أي: بذلك الحديث؛ لما قلنا أن التعليل بملك البضع مطلقا ينتظم الفصلين.
والجواب عما تمسك؛ أنه ﵇ أمر عائشة بالبداية بإعتاق الغلام؛ لإظهار فضيلة الرجال على النساء؛ فإنها لو أعتقتهما معا لا يثبت لها الخيار عنده، واختلف الرواة في زوج بريرة حين أعتقت؛ فروي أنه كان عبدا (١) وروي أنه كان حرًا (٢)؛ فلما تعارضت الروايات بقي إطلاق قوله ﵇ «ملكتِ بضعكِ فاختاري» (٣) وقد عرف في الأصول جوابه أيضا.
وأما الكفاءة؛ فإنما تعتبر في ابتداء النكاح لا في بقاءه؛ ألا ترى أنه لو أعسر الزوج أو انتفى نسبه لا يثبت الخيار.
ولأن ثبوت الخيار باعتبار ازدياد الملك، وفي هذا لا فرق بين كون الزوج حرا أو عبدا عندنا؛ لما بين أن اعتبار الطلاق بالنساء على ما يجيء. كذا في المبسوط (٤).
قوله: (ولأنه يزداد الملك عليها) إلى آخره، وفي الإيضاح والأسرار: هذا تعليل مسألة بمسألة أخرى فيها الخلاف بيننا وبين الشافعي.
وله أن يقول: لا يزداد الملك ههنا؛ لأن عدد الطلاق معتبر بالرجال عندي؛ ولكن المصنف جعل المسألة المبني عليها لرجحان دليلنا على دليله كما يجيء.
ثم خيارها يقتصر على المجلس عندنا.
وعند الشافعي: في الأصح على الفور، وفي قول: على التراخي، وفي التراخي قولان: في قول: إلى ثلاثة أيام، وفي قول إلى أن يمكنه من وطئها (٥).
стр. 2752
بِإِذْنِ مَولَاهَا ثُمَّ عَتَقَت، وَقَالَ زُفَرُ: لَا خِيَارَ لَهَا، لِأَنَّ العَقْدَ نَفَذَ عَلَيْهَا بِرِضَاهَا وَكَانَ المَهْرُ لَهَا فَلَا مَعنَى لِإِثْبَاتِ الخِيَارِ، بِخِلَافِ الأَمَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُعتَبَرُ رِضَاهَا. وَلَنَا: أَنَّ
وإن اختارت نفسها: فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأن فسخ النكاح جاء من قبلها، وبعده؛ فالمهر لسيدها. وبه قال الشافعي (١).
قوله: (ثم أعتقت) [أو عتقت] (٢) بأداء بدل الكتابة؛ لها الخيار عندنا؛ لزيادة الملك عليها. وبه قال: الشافعي، ومالك، وأحمد.
(نفذ عليها)؛ أي: على المكاتبة (برضاها).
وتحقيق كلام زفر: أن ثبوت الخيار في الأمة لنفوذ العقد عليها بغير رضاها وسلامة المهر لمولاها، وهذا غير موجود ههنا؛ لأن المهر لها، ولا ينفذ نكاحها إلا برضاها.
وقال ابن أبي ليلى: إن أعانها على أداء بدل الكتابة؛ لا خيار لها، وإن لم يعنها؛ فلها الخيار.
ولكن الصحيح الموافق لتعليل صاحب الشرع كما بينا. كذا في المبسوط (٣).
ولأنه ﵇ خير بريرة وهي مكاتبة.
ولو قيل: تحتمل أنها لم تكن مكاتبة وقت النكاح، وحينئذ لم يكن نفاذ نكاحها برضاها.
قلنا: الظاهر أنها كانت مكاتبة وقت النكاح؛ لأن الحال يدل على ما قبله؛ على أنه ﵇ رتب الخيار على ملك بضعها؛ فكان علة لثبوت الخيار، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فإن قيل: المكاتبة مالكة لبضعها قبل العتق، ولهذا يكون البدل لها، ولا يحل للمولى وطئها؛ فلم يتناولها النص.
قلنا: أنها ليست بمالكة بضعها؛ لأنها لا تملك نفسها؛ وبضعها جزؤها فلا تملكه.
стр. 2753
العِلَّةَ ارْدِيَادُ المَلِكِ وَقَدْ وَجَدْنَاهَا فِي المُكَاتَبَةِ لِأَنَّ عِدَّتَهَا قُرْآنِ وَطَلَاقَهَا لِئْنَانِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَت أَمَةٌ بِغَيْرِ إِذنِ مَولَاهَا، ثُمَّ أُعْتِقَت صَحَ النِّكَاحُ) لِأَنَّهَا مِنْ أَهلِ العِبَارَةِ، وَامْتِنَاعُ النُّفُوذِ … ... .
وإنما وجب البدل لها؛ لأنها أحق باكتسابها، ولم تحل لأن منافعها لها. (وقد وجدناها)؛ أي: العلة، وهي: ازدياد الملك بدليل أن طلاقها ثنتان وعدتها شهران.
وفي المبسوط: لو كانت حرة في أصل العقد ثم صارت أمة بالارتداد مع الزوج مع لحوقها بدار الحرب والسبي مع زوجها؛ فأعتقت الأمة؛ فلها الخيار عند أبي يوسف خلافا لمحمد؛ فإنها بالعتق ملكت نفسها وازداد ملك الزوج عليها؛ وذلك يثبت الخيار لها، ولما صارت أمة حقيقة التحقت بالتي كانت أمة في الأصل في حكم النكاح؛ فيثبت لها الخيار.
وجه قول محمد: أن بأصل العقد ثبت عليها ملك كامل برضاها، ثم [انتقض] (١) الملك بعارض الرق؛ فإذا أعتقت عاد الملك إلى أصله كما كان؛ فلا يثبت لها الخيار (٢).
قوله: (ثم أعتقت؛ صح النكاح) وفي المبسوط وكذا الحكم في العبد لو زوج بغير رضا المولى، ثم أعتق، وكذا لو باعه ثم أجاز المشتري (٣)؛ فكان التخصيص بالأمة لبناء مسألة تليها؛ وهي: المسألة المتعلقة بالخيار. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يصح؛ لأنه نكاح الفضولي، وبعبارة النساء؛ فلا ينعقد أصلا عندهم. (لأنها)؛ أي: الأمة.
(من أهل العبارة)؛ ولهذا لو أقرت بدين؛ صح، ويطالب بالعتق. وأهلية العبارة من خواص الآدمية، وهي فيها مبقاة على أصل الحرية؛ فينعقد نكاحها.
(وامتناع النفوذ)؛ أي: نفوذ النكاح.
стр. 2754
لِحَقِّ المَولَى وَقَدْ زَالَ (وَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ النُّفُوذَ بَعدَ العِيقِ فَلَا تَتَحَقَّقُ زِيَادَةُ المِلكِ، كَمَا إِذَا زَوَّجَت نَفْسَهَا بَعدَ العِلْقِ.
(لحق المولى)؛ لأنه في بضعها، وقد زال حقه بالعتق.
وعن زفر: أنه قال يبطل النكاح؛ لأن توقفه كان على إجازة المولى فلا ينفذ من جهة غيره، ولا يمكن إبقاؤه موقوفا على إجازته لسقوط حقه بالعتق فتتعين جهة العتق بالبطلان، كما لو باع مال الغير ثم إن المالك باعه من إنسان آخر؛ بطل بيع الأول.
وقلنا: ما توقف هذا العقد على إجازة المولى، وإنما امتنع نفوذه لحق المولي، وقد سقط حقه بالعتق فنفذ. كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: يُنقض هذا التعليل بما لو اشترت شيئا ثم أعتقت؛ يبطل الشراء، وبما لو تزوج عبد بغير إذن المولي ثم أذن له مولاه؛ حيث لا يجوز ذلك النكاح، وبما لو زوج الصغيرة الولي الأبعد حال وجود الأقرب ومات الأقرب أو غاب غيبة منقطعة وتحولت الولاية إلى الأبعد؛ حيث لا يجوز ذلك النكاح، وبما لو زوج مكاتبته الصغيرة ثم أعتقت؛ لا يجوز ذلك النكاح إلا بإجازة مستأنفة.
قلنا: أما الجواب عن المسألة الأولى: أن شراءها انعقد موجبا للملك للمولى، ولو نفذ بعد عتقها كان موجبا للملك لها؛ فيتغير حكم من له الحق؛ فلا تجوز، أما ههنا عقد النكاح موجب الحل لها وبعد العتق إنما ينفذ بهذه.
وعن الثانية: أن الإذن فك الحجر عن التصرف، فلو جاز النكاح المباشر قبل الإذن لا يقع الإذن فكا له؛ فيمتنع الجواز، وقضية هذا ألا يجوز بإجازة مستأنفة (٢) قياسا؛ إلا أنا استحسنا [وقلنا] (٣) بالجواز؛ لقيام الإجازة مقام النكاح كما في نكاح الفضولي، وهكذا الجواب في الوكيل.
وعن الثالثة: أن الأبعد حين باشر لم يكن وليا ومن لم يكن وليا في
стр. 2755
(فَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَت بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَلَى أَلف وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةٌ، فَدَخَلَ بِهَا زَوجُهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا مَولَاهَا، فَالمَهْرُ لِلمَولَى) لِأَنَّهُ اسْتَوفَى مَنَافِعَ مَملُوكَة لِلمَولَى (وَإِنْ لَم يَدخُل بِهَا حَتَّى أَعْتَقَهَا فَالمَهْرُ لَهَا) لِأَنَّهُ اسْتَوفَى مَنَافِعَ مَملُوكَة لَهَا. وَالمُرَادُ بِالمَهرِ الأَلفُ المُسَمَّى
شئ (١) لا يتأنى في عواقبه، بل يتوانى في ذلك اتكالا على رأي الأقرب؛ فلم يكن النكاح على الوجه الأصلح؛ فيجب توقيفه على إجازته بعد صيرورته وَلِيًّا؛ تمكينا له من اكتساب الأصلح. وبهذا الجواب يقع الانفصال عن المسألة الرابعة. كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
قوله: (تزوَّجت)؛ أي: الأمة.
قوله: (بغير إذنه)؛ أي: بغير إذن المولى.
(على ألف … .. ) إلى آخره، اعلم أنه قيد مهر المثل بمئة والمسمى بألف؛ ليعلم أن المسمى زيادة على مهر المثل؛ فإن محمدا ذكر في كتاب النكاح:
تزوجت بغير إذنه على ألف، وذلك مهر مثلها؛ فلولا رواية الجامع الصغير لكنا نقول: إذا كان مهر مثلها أقل من المسمى يكون بقدر مهر المثل للمولى ولها الزيادة؛ لأنه يجب في النكاح الفاسد مهر المثل [والزيادة] (٣) تجب بنفوذ النكاح، والنفوذ بعد العتق؛ فتكون الزيادة لها؛ فأزالت رواية الجامع تلك الشبهة. كذا في جامع بعض المشايخ (٤).
وينبغي أن يكون للمولى مهر المثل بالدخول قبل العتق بالغا ما بلغ؛ كما قال الشافعي وغيره، وهو القياس.
فأجاب عن هذا بقوله: (والمراد بالمهر: الألف المسمى) يعني: وجوب المسمى استحسان، ويجيء بمكان وجههما.
فإن قيل: ينبغي أن يجب مهران في القياس مهر المثل بالدخول قبل النكاح بناء على العقد الموقوف، ومهر بالنكاح وهو المسمى لنفوذ النكاح بعد
стр. 2756
لِأَنَّ نَفَاذَ العَقدِ بِالعِيقِ اسْتَنَدَ إِلَى وَقتِ وُجُودِ العَقدِ، فَصَحَّت التَّسْمِيَةُ وَوَجَبَ المُسَمَّى، وَلِهَذَا لَمْ يَجِب مَهْرُ آخَرُ
العتق؛ لأن ثبوت ملك الحل بعد العتق لا يجوز إثباته بغير مهر، وصار كمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، فتزوجها ودخل بها؛ طلقت وعليه نصف المهر بالطلاق قبل الدخول بحكم العقد (١)، ومهر الدخول بعد الطلاق.
ولكنا استحسنًا وأوجبنا مهرًا واحدًا، وهو المسمى وقت العقد، ولهذا لو لم يسبق العقد؛ لا يجب المهر بل يجب الحد، والعقد الواحد لا يوجب إلا مهرًا واحدًا، وإن تكررت الواجبات.
وإذا وجب به مهر للمولى لا يجب لها به مهر آخر؛ لاستحالة الجمع بين المهرين بعقد واحد، ولهذا لو تزوج عبد بغير إذن سيده ثم دخل؛ يجب المهر ويؤخذ منه بعد العتق، فلو كان وجوبه بالدخول لا غير؛ لوجب في الحال لأن المحجور مؤاخذ بضمان الفعل في الحال دون القول. إليه أشير في المبسوط (٢).
(منافع مملوكه لها) (٣)؛ أي: للمرأة توجب البدل لها.
فإن قيل: على طريق الإسناد ينبغي أن يجب المهر لسيدها، ولهذا يجب مهر واحد بطريق الإسناد؛ كما لو تزوجت بإذنه ولم يدخل بها حتى أعتقها؛ إذ جواز النكاح مستندا إلى أجل العقد.
قلنا: حكم الإسناد يظهر فيما لا يختلف مستحقه لا فيما يختلف، وههنا يختلف؛ لأن المستحق زمان الثبوت الأمة، و [المستحق] (٤) زمان العقد الولي (٥)؛ فيمتنع إسناد هذا الاستحقاق إلى زمان العقد؛ لأنه لو استند هذا الاستحقاق إلى زمان العقد لبطل هذا الاستحقاق زمان الثبوت؛ فيبطل الاستناد من حيث يثبت. كذا في الكافي (٦).
стр. 2757
بِالوَطْءِ فِي نِكَاحَ مَوقُوف لِأَنَّ العَقدَ قَدْ اتَّحَدَ بِاسْتِنَادِ النَّفَاذِ، فَلَا يُوجِبُ إِلَّا مَهْرًا وَاحِدًا.
(وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَت مِنهُ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَا مَهرَ عَلَيْهِ)
فإن قيل: ينبغي أن يثبت لها الخيار نظرا إلى الاستناد.
قلنا: يظهر الاستناد لحق القائم دون الفائت، ومالكية الخيار قد فاتت بمضي وقته؛ لأن وقته بعد الإعتاق، وهو وقت نفاذ النكاح أيضا؛ فلا يثبت الخيار مع النفاذ؛ لأن الخيار لدفع ضرر ازدياد الملك عن الحال ثبوت الخيار بدون الملك (١).
قوله: (ولا مهر عليه)؛ أي: العقر على الأب إذا ادعى الولد سواء صدقه الابن أو لم يصدقه، وتصير أمته أم ولد للأب. وبه قال: الشافعي في الصحيح (٢)، وأحمد (٣).
وقال المزني: لا تصير أم ولد له، وروي ذلك [عن مالك] (٤)؛ لأنها ليست ملكا له وقت الإحبال (٥).
ويجب أن تكون في ملك الابن من حين الوطء إلى حين الدعوة.
وفي المبسوط وغيره: العقر عبارة عن مهر المثل.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: ينظر إلى هذه المرأة بكم كانت تستأجر على الزنا مع جمالها لو جاز الاستئجار على الزنا؛ فالقدر الذي يستأجر على الزنا يجعل عقرا (٦).
ثم اعلم أن وطء جارية [الابن] (٧) لا يحل عند عامة العلماء، وقال ابن أبي
стр. 2758
وَمَعْنَى المَسأَلَةِ: أَنْ يَدَّعِيَهُ الأَبُ. وَوَجهُهُ: أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ تَمَلُّكِ مَالِ ابنِهِ لِلحَاجَةِ إِلَى البَقَاءِ فَلَهُ تَمَلُّكُ جَارِيَتِهِ لِلحَاجَةِ إِلَى صِيَانَةِ المَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى إِبْقَاءِ نَسلِهِ دُونَهَا إِلَى إِبْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلِهَذَا يَتَمَلَّكُ الجَارِيَةَ بِالقِيمَةِ وَالطَّعَامَ بِغَيْرِ قِيمَة، ثُمَّ هَذَا المِلكُ يَثْبُتُ قُبَيلَ الاستيلاء
ليلي: لا بأس به إن احتاج إليه. وهو مذهب أنس بن مالك ﵁؛ قياسا على الطعام، ولكن الصحيح قول العامة؛ لأنه لو كان كذلك ينبغي أن يجوز له تزوجها.
ولأن الحاجة إلى الوطء ليست بكاملة؛ لأنها ليست من ضرورات البقاء؛ ولهذا لا يجبر الابن على أن يعطي أباه أمة يستولدها بخلاف الطعام؛ فإن الحاجة إليه ماسة ومن ضرورات البقاء.
وذكر التمرتاشي: أن الأب لو كان عبدًا أو مكاتبًا أو كافرًا؛ لم تجز دعوته لعدم الولاية (١)، والجد كالأب عند عدمه، وأما أب الأم؛ فلا ولاية له بحال.
كذا في جامع المحبوبي (٢).
(ووجهه)؛ أي: وجه ما قلنا.
(أن له)؛ أي: للأب ولاية تملك مال الابن عند الحاجة إلى صيانة نفسه؛ لقوله ﵇ «أنتَ ومالك لأبيك» (٣) والمراد به حق التمليك لا حقيقة الملك وحق الملك؛ إذ لو كان للأب (حقيقة الملك أو حقه) (٤) لما حل للابن وطء جاريته، ولا يجوز إعتاقه لها أيضا كما لا يملك المولى وطء المكاتبة؛ لأن للمكاتبة حق في نفسها، وقد حل له الوطء والإعتاق بالإجماع؛ فعلم أن له حق التملك للحاجة إلى إبقاء نفسه، وماؤه جزؤه؛ فوجب صون مائه عن الضياع بمال الابن، وذا بتملك جاريته لتصحيح فعل الاستيلاد.
والاستيلاد إذا خلا عن الملك لغا، وإذا تملكها غرم قيمتها لابنه؛ لأن
стр. 2759
شرطًا لَهُ، إذ المُصَحَّحُ حَقِيقَةُ المِلكِ أَوْ حَقَّهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ثَابِت لِلأَبِ فِيهَا، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقدِيمِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الوَطْءَ يُلَاقِي مِلكَهُ فَلَا يَلزَمُهُ العُقرُ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ المَهْرُ، لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ المِلكَ حُكْمًا لِلاسْتِيلَادِ كَمَا
حاجته ليست بكاملة؛ لأنها ليست من ضرورات البقاء إلى آخر ما ذكرنا؛ فلقيام الحاجة أوجبنا له التملك، ولعدم الضرورة أوجبنا عليه القيمة صيانة لمال الولد.
ولأن المقصود الأب إذا حصل مع مراعاة حق ابنه؛ يجب اعتباره؛ فوجب اعتباره إذ زوال الملك ببدل كلا زوال معنى، بخلاف الطعام فإن له تناوله بلا عوض عند الحاجة لكمال الحاجة؛ فإنها من ضرورات البقاء؛ كنفقة ينفقها الابن عليه، وهذا معنى [قول] (١) الشيخ أن الحاجة إلى إبقاء نسله.
(دونها) (٢)؛ أي: دون الحاجة إلى إبقاء نفسه إلى آخره.
(شرطا له)؛ أي: للاستيلاد كما ذكرنا؛ لأن الاستيلاد إذا خلا عن الملك أو حق الملك؛ لغا.
قوله: (حتى يجوز له)؛ أي: للأب التزوج بأمة الابن عندنا، وهو نقل المزني عن الشافعي؛ ولكن الصحيح من مذهبه أن تزوج الأب بجارية الابن لا يجوز. (٣) و [به] (٤) قال أحمد. (٥)
ونتيجة عدم الملك وحقه، أو بهما؛ لا يجوز النكاح.
(فلا بد من تقديمه)؛ أي: تقديم الملك على الوطء؛ لئلا يصير الأب زانيا، ولا يضيع ماؤه؛ لأنه لو جعل زانيا في ابتداء الإيلاجات لكان ماء الزاني هدرا.
والاستيلاد عبارة عن الفعل الذي يحصل به الولد، وهو واحد حكما وإن تعددت الإيلاجات؛ فيقدم الملك على جملة الفعل؛ ليقع الاستيلاد في الملك (فلا يلزمه العقر).
(أو حقه)؛ أي: حق الملك كالمكاتبة والجارية المشتركة، وحكم الشيء
стр. 2760
في الجَارِيَةِ المُشتَرَكَةِ وَحُكمُ الشَّيْءِ يَعقُبُهُ وَالمَسأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
قَالَ: (وَلَو كَانَ الابْنُ زَوَّجَهَا أَبَاهُ فَوَلَدَت مِنْهُ لَم تَصِر أُمَّ وَلَد لَهُ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ المَهْرُ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ) لِأَنَّهُ صَحَ التَّزَوُّجُ عِنْدَنَا، خِلَافا لِلشَّافِعِيِّ لِخُلُوهَا عَنْ
يعقبه؛ لأن الأثر بعد المؤثر، وحكم الشيء أثره الثابت به؛ فكان الإيلاج واقعا في غير الملك كما في الجارية بين اثنين إذا ادعى أحدهما ولده؛ فإن النسب يثبت، ويضمن المدعي نصف العقد مع تملك نصيب شريكه.
وما قلنا أولى؛ لما ذكرنا أن شرط الاستيلاد الملك أو حقه، مع أن فيه صيانة الأب عن الحرمة والولد عن الرق.
وفيما قاله الخصم: ينبغي أن يجب الحد؛ لأن حال وجود الوطء خلا المحل عن الملك أو شبهته؛ ألا ترى أن هذا الوطء يثبت الإحصان بالإجماع حتى لو قذفه إنسان يجب على قاذفه حد القذف. نص عليه شمس الأئمة السرخسي (١).
أما في الجارية المشتركة: الملك موجود قبل الوطء؛ فلا يحتاج إلى تقديم التملك لصحة الاستيلاد؛ لكن ملكه ناقص؛ فيجب نصف العقر لمصادفة الوطء ملك الغير.
فإن قيل: إن من العجب [أن] (٢) ملك الجارية لو كانت مشتركة بين الأب والابن، وولدت فادعاه الأب؛ يثبت النسب ويجب العقر إجماعا.
قلنا: الفرق ظاهر لأن الوطء فيما نحن فيه صادف المحل الخالي عن الملك وشبهته؛ فمست الحاجة إلى تقديم الملك شرطا لعدم صحة الاستيلاد.
أما في الجارية المشتركة: فلم يصادف المحل الخالي عن الملك وشبهته فلا يحتاج إلى إثبات الملك في الكل؛ فيجب نصف العقر كما في المشتركة بين الواطئ وبين أجنبي. كذا في جامع المحبوبي (٣).
قوله: (خلافا للشافعي)؛ فإن عنده: لا يجوز تزوجه لجارية الابن؛ لأن
стр. 2761
مِلكُ الأَبِ، أَلَا يُرَى أَنَّ الاِبْنَ مَلَكَهَا مِنْ كُلِّ وَجهِ؛ فَمِنْ المُحَالِ أَنْ يَمْلِكَهَا الْأَبُ
للأب في مال ولده حق الملك؛ لأن الشرع أضاف ماله إليه بقوله ﵇ «أنت ومالك لأبيك» (١)) فإن تقاصرت عن إفادة حقيقة الملك فلا تتقاصر عن إفادة حقه؛ عملا بالحديث بقدر الإمكان، ولهذا لو وطئها لا يجب الحد وإن ظن حرمتها، ويملك الاستيلاد بالإجماع، وحق الملك يمنع صحة النكاح لجارية مكاتبة؛ فعلى هذا يجب المهر عليه وتصير أم ولده على الأصح كما ذكرنا.
وقلنا: الابن حر، والحرية تستدعي خلوص الملك؛ فلا يثبت لأحد في ماله حق يمتنع به النكاح تحقيقا للحرية، بخلاف المكاتب؛ لأنه مملوك للمولى رقبة؛ فوجب له حق في مكاسبه، ألا ترى أن الابن ملكها من كل وجه؛ فيلزم ألا يملكها الأب من وجه لأنه لو ثبت له الملك من وجه لا يثبت للابن من ذلك الوجه.
وإضافة الشرع إليه أوجبت له [حق] (٢) التملك عند الحاجة لا حق الملك؛ لأنه قرر المال على ملك الابن من كل وجه؛ بدليل جواز جميع تصرفات الابن فيه ثم أضافه إلى الأب، ومثله يذكر لجواز الانتفاع.
وثبوت (٣) حق التملك في العادة وحق الملك يمنع النكاح؛ لأنه عبارة عن ثبوت الملك من وجه فيه، وثبوت الملك في المحل يمنع النكاح؛ ألا ترى أن لنا حق التملك في الأشياء المباحة كالصيد والحشيش، وليس لنا حق الملك فيهما؛ فلا يمتنع النكاح بحق التملك؛ لعدم شيء به (٤) من الملك في المحل، وسقوط الحد لا يعتمد الملك؛ فإن البائع لو وطئ المبيعة قبل قبض المشتري لا يحد؛ بل يعتمد دليل الإباحة، وقد وجد، وملك الاستيلاد يثبت؛ لما ذكرنا أنه يمتلكها بالوطء لصيانة مائه لحاجته إليها؛ كما ذكرنا.
стр. 2762
مِنْ وَجهِ، وَكَذَا يَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا لَا يَبقَى مَعَهُ مِلكُ الْأَبِ لَو كَانَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ مِلْكِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَسقُطُ الحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، فَإِذَا جَازَ النِّكَاحُ صَارَ مَاؤُهُ مَصُونًا بِهِ، فَلَم يَثبُت مِلكُ اليَمِينِ فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَد لَهُ، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا فِي وَلَدِهَا لِأَنَّهُ لَم يَمْلِكُهُمَا، وَعَلَيْهِ المَهْرُ لِالْتِزَامِهِ بِالنِّكَاحِ وَوَلَدُهَا حُرٌّ،
(ما لا يبقى معهه)؛ أي: مع التصرفات كالوطء والبيع والتزويج والهبة والإعتاق والإجارة وغيرها بلا إذن الأب فلم يثبت ملك اليمين؛ لأن ثبوته لصيانة مائه وقد صار مصونا بالنكاح.
قوله: (لا يسقط الحد للشبهة) جواب سؤال مقدر؛ يعني: ينبغي أن يجب الحد بالوطء لما لم يثبت للأب حق الملك، وجواب الخصم كما (١) ذكرنا.
وفي المبسوط: وكذا لو استولد بنكاح فاسد أو بوطء عن شبهة؛ لا تصير أم ولد له؛ لعدم الضرورة إلى ثبوت ملك اليمين (٢).
وقال زفر: تصير أم ولد له لعدم الضرورة له في الصورتين؛ لأنه لو استولد بالفجور تصير أم ولد له؛ فإذا استولدها بنكاح فاسد أو شبهة أولى أن تصير أم ولد.
وقلنا: في الفجور يصير ممتلكا لحاجته إلى ذلك لصيانة مائه وثبوت النسب، وههنا غير محتاج إلى التملك لثبوت النسب بالنكاح الفاسد أو بالوطء عن شبهة؛ فلم يصر متملكا فلا تصير أم ولده.
(ولا قيمة عليه)؛ أي: على الأب.
(فيها)؛ أي: في الجارية؛ لأنه لم تملك الجارية بالاستيلاد.
(وولدها)؛ أي: ولد الجارية حر.
(وعليه)؛ أي: على الأب (المهر) المسمى عند الشافعي العقر كما ذكرنا من أصله.
(لأنه)؛ أي: لأن الولد.
стр. 2763
لِأَنَّهُ مَلَكَهُ أَخُوهُ فَيُعتَقُ عَلَيْهِ ..
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتِ الحُرَّةُ تَحتَ عَبد فَقَالَت لِمَولَاهُ: «أَعْتِقَهُ عَنِّي بِأَلف» فَفَعَلَ فَسَدَ النِّكَاحُ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَفْسُدُ، وَأَصلُهُ: أَنْ يَقَعَ العِتْقُ عَنِ الْآمِرِ عِنْدَنَا حَتَّى يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُ، وَلَو نَوَى بِهِ الكَفَّارَةَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا، وَعِندَهُ يَقَعُ عَنِ المَأْمُورِ، لِأَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يُعتِقَ المَأمُورُ عَبدَهُ عَنهُ، وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّهُ لَا عِنقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، فَلَم يَصِحَ الطَّلَبُ فَيَقَعُ العِلْقُ عَنِ المَأْمُورِ. وَلَنَا: أَنَّهُ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ...
(ملكه أخوه)، وهو مولى الجارية. وبه قال مالك.
وقال الشافعي: لا عتق في ملك غير الوالدين والمولودين. كما يجيء في الإعتاق.
وفي فوائد الكافي فيه اختلاف، عند البعض يعتق قبل الانفصال من الأم حتى إذا مات المولى -وهو الابن- قبل الانفصال؛ يرث الولد منه لأنه عتق.
وعند البعض يعتق بالانفصال؛ حتى لا يرث قبل الانفصال؛ لأن الرق مانع من الإرث (١).
قوله: (فسد النكاح) وسقط المهر، وللمولى عليها ألف.
وكذا لو قال رجل تحته أمة لمولاها: أعتقها عني بألف ففعل؛ عتقت الأمة وفسد النكاح وللمولى على الزوجة ألف وهو قول الشافعي (٢).
(وقال زفر: لا يفسد) النكاح.
(وأصله)؛ أي: أصل الخلاف.
(وهذا)؛ أي: إعتاق المأمور عبد نفسه عن الأمر محال.
إذ ((لا عتق فيما لا يَمْلِكُه ابنُ آدمَ)) (٣) كذا الحديث؛ فيقع هذا الكلام في حق الطالب باطلا، فيقع عن المأمور.
وقلنا: (أنه)؛ أي: الشأن.
стр. 2764
أَمْكَنَ تَصحِيحُهُ بِتَقْدِيمِ المِلكِ بِطَرِيقِ الاقتضَاءِ، إذ المِلكُ شَرطٌ لِصِحَّةِ العِتقِ عَنهُ
(أمكن تصحيحه)؛ أي: تصحيح طلب العتق منه عنه.
قلنا: كم من شيء يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا؟؛ كالجندي (١)، [وبيع] (٢) الأجنة في الأرحام، والفقه: أن الثابت ضمنا يراعى منه شرائط المتضمن لا شرائطه؛ فسقط الإيجاب والقبول من البيع لوقوعه في الضمان، والبيع يثبت بلا إيجاب وقبول؛ كما في التعاطي.
أما إذا صرح به بأن قال: ملك عبدك عني ثم كن وكيلا بالإعتاق؛ لا يصح.
قلنا: كم من شيء يثبت ضمنا صار مقصودا؟ فتراعى شرائطه وقد انعدمت، وإذا [ثبت] (٣) الملك للآمر؛ فسد النكاح [للتنافي بين ملك اليمين وملك النكاح.
فإن قيل: ينبغي ألا يفسد النكاح] (٤)؛ لأن الملك كما يثبت حكما للإعتاق فصار كما لو اشترى الوكيل منكوحته؛ حيث لا يفسد النكاح؛ لأن الملك كما يثبت يزول.
قلنا: الملك للوكيل لا يثبت بل يثبت للموكل ابتداء في الصحيح من المذهب، ولئن ثبت له ثم انتقل عنه إلى الموكل كما زعم البعض؛ فإنما لا يفسد به النكاح لتعلق حق الغير وهو الموكل به زمان الثبوت، ومثله لا يفسد النكاح، وفيما نحن فيه لم يتعلق به غيره زمان ثبوته فيفسد به النكاح. كذا في الفوائد الظهيرية.
فإن قيل: ينبغي ألا يفسد النكاح؛ لأن الملك ثبت ضرورة العتق، وما يثبت بالضرورة يتقدر بقدرها، والضرورة في ثبوت العتق عن الأمر لا في فساد النكاح.
قلنا: الشيء إذا ثبت ثبت بلوازمه وضروراته؛ إذ لو لم تثبت لوازمه
стр. 2765
فَيَصِيرُ قَولُهُ: أَعتِق، طَلَبُ التَّمْلِيكِ مِنهُ بِالأَلفِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِ الْآمِرِ عَنهُ، وَقَولُهُ: «أَعْتَقتُ» تَمْلِيكُ مِنهُ، ثُمَّ الإِعْتَاقُ عَنهُ، وَإِذَا ثَبَتَ المِلكُ لِلْآمِرِ فَسَدَ النِّكَاحُ للتنافي بين الملكين.
(وَلَو قَالَتْ: «أَعْتِقَهُ عَنِّي»، وَلَم تُسَمِّ مَالًا، لَم يَفْسُد النِّكَاحُ، وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد.
لاستحال ثبوته؛ لأن عدم اللازم يدل على عدم الملزوم، ومن لوازم ثبوت الملك العاري عن تعلق ملك الغير به فساد النكاح؛ فيفسد.
فإن قيل: أليس أنه [إذا] (١) قال لعبده: كفر يمينك بالمال؛ أنه لا يعتق، وينبغي أن يثبت عتقه اقتضاء؛ لأنه لا يتمكن من التكفير بالمال إلا بالعتق.
قلنا: الحرية لا تصلح أن تثبت اقتضاء؛ لأن الثابت بالاقتضاء ثابت، وبالحرية يصير أهلا للتكفير بالمال؛ فكانت الحرية أصلا لا تبعا فلا تثبت اقتضاء؛ كما أن الكفار لا يخاطبون بالشرائع عندنا للزوم ثبوت الإيمان اقتضاء تبعا للعبادات، وأنه أصل العبادات فلا يثبت تبعًا، وعلى هذا يخرج قوله لعبده: تزوج أربعًا حيث لا يعتق تبعًا. كذا في الظهيرية (٢).
فإن قيل: ينبغي ألا يفسد النكاح بهذا الملك؛ لأن استحالة اجتماع ملك اليمين مع ملك اليمين باعتبار حصول الحل، وبه يستغني عن الحل بالنكاح وههنا لا يثبت الحل بهذا الملك فينبغي ألا يفسد النكاح.
قلنا: ثبوت الحل غير مسلم؛ لكنه يزول كما يثبت؛ كالملك حكما للإعتاق، ولئن سلمنا عدم ثبوت الحل فإنما يفسد النكاح باعتبارنا في الملكين؛ ولهذا لو اشترى جزءا من منكوحته؛ يفسد النكاح، وإن لم يثبت حل الوطء. إليه أشير في جامع قاضي خان.
قوله: (ولم تسم مالا؛ لم يفسد النكاح) إذا أعتقه، ويقع العتق عن المأمور، والولاء له. وبه قال زفر.
стр. 2766
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هَذَا وَالأَوَّلُ سَوَاءٌ (*)، لأَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّمْلِيكَ بِغَيْرِ عِوَض تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ القَبْضِ، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارِ فَأَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الهِبَةَ مِنْ شَرطِهَا القَبْضُ بِالنَّصْ، فَلَا يُمْكِنُ إِسْقَاطُهُ.
والشافعي مع أبي يوسف.
(لأنه)؛ أي: أبا يوسف (يقدم التمليك بغير عوض).
(ويسقط اعتباره؛ يعني: القبض شرط لتصحيح التمليك بلا عوض، وقد سقط اعتباره تصحيحا لتصرفه) مع أن الركن أقوى من الشرط؛ فهذا أولى، كما لو قال لآخر: أطعم عني عن كفارة يميني بشيء أو بغير شيء، فأطعم عنه؛ تسقط عنه الكفارة وإن لم يقبض الطعام، مع أن القبض شرط في الاستيهاب، ومع هذا سقط تصحيحا لكلامه. كذا في جامع أبي اليسر (١).
(من شرطها)؛ أي: من شرط الهبة.
(القبض بالنص) وهو: قوله ﵇ «لا تجوز الهبة إلا مقبوضةً» (٢)، ولم يوجد القبض؛ فلا يملكه. ولا يقع العتق عنها كما لو قالت تصريحا: هبة مني، ففعل ثم أعتقه عنها قبل التسلم إليها؛ فإنه يصير معتقا عن نفسه وتبطل الهبة، فكذا هنا.
قوله: (ولا يمكن إسقاطه) جواب عن قول أبي يوسف: أن القبض شرط فيسقط تبعا كالركن؛ فقال: لا يمكن إسقاطه؛ لأنه إنما يسقط تبعا إذا احتمل السقوط. والقبض شرط في الهبة لا يحتمل السقوط بحال مع انحطاط رتبته عن الركن، كالطهارة في الصلاة لا تحتمل السقوط، والركن يحتمل السقوط بالاقتدار وبالعذر فلا يعمل فيه.
стр. 2767
وَلَا إِنبَاتُهُ اقْتِضَاء، لِأَنَّهُ فِعل حِسِّيٌّ، بِخِلَافِ البَيعِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ شَرعِيٌّ، وَفِي تِلكَ المَسأَلَةِ الفَقِيرُ يَنُوبُ عَنْ الآمِرِ فِي القَبضِ، أَمَّا العَبدُ فَلَا يَقَعُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِيَنُوبَ عَنْهُ.
دليل السقوط: وهو التبعية.
والركن في البيع يحتمل السقوط كما في بيع التعاطي.
(ولا إثباته)؛ أي: إثبات القبض.
(اقتضاء) لأنه فعل حسي، والحسي أقوى من القولي؛ فلا يتضمن الشيء أقوى منه، بخلاف البيع فإنه تصرف شرعي يعني الإيجاب والقبول قولي؛ فجاز أن يتضمنه القول، وهو: قوله أعتق عبدك عني بألف مع أن الركن في البيع يحتمل السقوط كما في التعاطي؛ لأن كل واحد منهما مجانس لصاحبه. إليه أشير في جامع صدر الإسلام وقاضي خان.
فإن قيل: لو قال لآخر أعتق عبدك عني بألف [درهم] (١) ورطل من خمر ففعل أنه يصح ويعتق عنه وإن لم يوجد القبض والبيع الفاسد كالهبة في اشتراط القبض للملك.
قلنا قد ذكر الكرخي: أن العتق يقع عن المأمور هنا على قولهما، والمذكور قول أبي يوسف، ولئن سلم فالبيع الفاسد ملحق بالصحيح ويأخذ الحكم منه؛ فاحتمل سقوط القبض كالصحيح لأن حكمه يعرف من الصحيح (٢).
(وفي تلك المسألة)؛ أي: مسألة الكفارة.
(الفقير (٣) ينوب عن الآمر)، أما العبد فلا يقع في يده شيء بالإعتاق.
ولأن الإعتاق إزالة ملكه وإتلاف ماليته؛ فلا يقع في يده شيء.
(لينوب عنه) أي: عن الأمر.
стр. 2768
بَابُ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ
باب نكاح أهل الشرك
لما ذكر أحكام نكاح المسلمين شرع في بيان أحكام نكاح من تابعهم في ذلك.
ثم اعلم أن كل نكاح يجوز فيما بين المسلمين يجوز في حق أهل الذمة؛ لأنهم يعتقدون جوازه ونحن نعتقد ذلك في حقهم أيضا؛ قال ﵇ «بُعِثْتُ إلى الأسود والأحمر» (١) وقال ﵇: «خطابي للواحد خطابي للجماعة» (٢). وبه قال الشافعي (٣) وأحمد (٤).
وقال مالك: لا يصح نكاح أهل الشرك حتى لو ابتدأوه بعد الإسلام صح، وإلا فلا؛ لأن جواز النكاح يفتقر إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم من الولاية وغيره؛ فيجب فسادها لتخلف الشرط عن المشروط فلا يقر عليه (٥).
وفي الذخيرة المالكية: قولنا أنكحة الكفار فاسدة مُشْكل؛ فإن ولاية الكافر على الكافرة صحيحة، والشهادة عندنا ليست شرطا في العقد.
ولو قلنا: أنها شرط، فإذا عقدها جماعة من المسلمين؛ ينبغي أن تصح، فينبغي أن يفصل ويقال: ما صادف شروط الصحة فهو صحيح، أسلموا أو لا (٦).
ولنا: قوله تعالى ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ولولا انعقاد نكاحهم لما صح الإخبار بأنها امرأته.
وقوله ﵇: «وُلِدتُ مِنْ نِكاح لا مِنْ سفاح» (٧) ولولا صحة العقد لما ترتب الافتخار بذلك.
стр. 2769
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الكَافِرُ بِلَا شُهُود، أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِر، وَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ جَائِزٌ، ثُمَّ أَسْلَمَا أُقِرًّا عَلَيْهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ زُفَرُ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ فِي الوَجْهَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ قَبلَ الإِسْلَامِ وَالمُرَافَعَةِ إِلَى الحُكَّامِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي الوَجهِ الثَّانِي كَمَا قَالَ زُفَرٌ (*). لَهُ: أَنَّ الخِطَابَاتِ عَامَّةٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
وروي أن فيروز الديلمي أسلم على أختين؛ فقال ﵇: «اِخْتَرْ إحداهما» (١)، وابن غيلان أسلم على عشر؛ فقال ﵇: «أمسك أربعًا، وفارق سائِرَهُن» (٢) بغير الأمر بتجديد النكاح.
فأما النكاح الذي لا يجوز بين المسلمين؛ فأنواع منها: النكاح بغير شهود أو في عدة كافر فإنه جائز بين أهل الذمة يُقَرُّون عليه إذا أسلموا عندنا. وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد في رواية في النكاح بغير شهود (٤).
(وقال زفر: النكاح فاسد في الوجهين)؛ أي: في النكاح بغير شهود، وفي الوجه الثاني: وهو النكاح في عدة الكافر.
(له)؛ أي: لزفر.
أن الخطابات عامة على ما مر من قبل من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ وقوله ﵇: «لا نكاح إلا بشهود» (٥)، إلا أنا أمرنا بتركهم ولم نتعرض لهم.
стр. 2770
فَتَلزَمُهُم، وَإِنَّمَا لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ لِذِمَّتِهِم إِعْرَاضًا لَا تَقرِيرًا، فَإِذَا تَرَافَعُوا أَوْ أَسلَمُوا وَالحُرمَةُ قَائِمَةٌ وَجَبَ التَّفْرِيقُ. وَلَهُمَا: أَنَّ حُرمَةَ نِكَاحِ المُعتَدَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا فَكَانُوا
فإذا أسلموا أو ترافعوا؛ فحينئذ يفرق القاضي عنهم؛ لقوله تعالى ﴿وَأَنِ أَحكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
ولأنهم بعقد الذمة صاروا من أهل دارنا والتزموا أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات؛ فيثبت في حقهم ما هو ثابت في حقنا.
وإنما لم نتعرض لهم لعقد الذمة لا لأنا نقرهم على ذلك؛ كما نتركهم وعبادة النار والأوثان على سبيل الإعراض لا على سبيل التقرير والحكم بصحة ما يفعلون؛ لقوله ﵇: «اتركوهم وما يدينون» (١).
ولا نعرض عنهم في عقد الربا؛ لأن ذا مستثنى عن عقد الذمة؛ قال ﵇: «أَلَا مَنْ أَرْبَا فليس بيننا وبينَهُ عَهْدٌ» (٢)، وكتب ﵇ إلى بني نجران «إما أن تدعوا الربا أو فأذنوا بحرب منَ اللهِ ورسولِهِ».
فلما ترافعا أو أسلما والحرمة قائمة؛ وجب التفريق بينهما. كذا في المبسوط (٣).
(لهما)؛ أي: لأبي يوسف ومحمد.
(أن حرمة نكاح) معتدة الغير بالإجماع سواء كان الغير مسلما أو كافرا.
وبقولهما قال: الشافعي (٤)، وأحمد (٥)؛ فكان باطلاً في حقهم أيضا لأنهم أتباع لنا، ولكنا لا نعرض لعقد الذمة، فلما ترافعا أو أسلما؛ وجب الحكم بما هو حكم الإسلام.