← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَينَ نِسَائِهِ» إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ القُرعَةَ لِتَطبِيبِ قُلُوبِهِنَّ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الاستِحْبَابِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلمَرأَةِ عِنْدَ مُسَافَرَةِ الزَّوجِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَسْتَصْحِبَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَكَذَا لَهُ وقال داود: يقضي بكل حال (١)؛ لما روي عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه (٢) وإذا عاد لا يقضي، وروي أنها قالت: «كان إذا عاد يقضي» (٣)، وبه أخذ داود. وعندنا: (لا تحتسب عليه تلك المدة)، وإن سافر بواحدة بلا قرعة. وهو قول مالك (٤). إلا أنا نقول: القرعة لكذا يعني: كان يفعل رسول الله ﷺ تطيبا لقلوبهن ونفيا لتهمة الميل عن نفسه وبه نقول أنه يستحب ذلك. واشترط صاحب الوجيز لسقوط القضاء على قول الشافعي أربعة شرائط (٥): أحدهما: أن يقرع. والثاني: ألا يعزم على النقلة؛ لأن في سفر النقلة لا تجوز أن يستصحب بعضهن دون البعض وفي سفر التجارة يجوز. والثالث: أن يكون السفر طويلا؛ لأن في السفر القصير لغرض التفرج فيه طريقان لأصحابه: أحدهما: يستصحب بالقرعة ويقضي، والثاني: أنه كالسفر الطويل ولا يقضي وهو الأصح عند صاحب التهذيب والتتمة. والرابع: ألا يعزم على الإقامة في مقصده أربعة أيام أو أكثر. (وهذا) أي: كون القرعة مستحبة باعتبار (أنه لا حق للمرأة) حالة السفر. [قوله: (ألا ترى) إلى آخره؛ دليل على أنه أن لا حق لها حالة السفر] (٦).

стр. 2802

أَنْ يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ المُدَّةِ. (وَإِنْ رَضِيَت إحدَى الزَّوجَاتِ بِتَركِ قَسمِهَا لِصَاحِبَتِهَا جَازَ)؛ لِأَنَّ سَودَةَ بِنتَ زَمعَةَ ﵂ سَأَلَت رَسُولَ اللَّهِ ﵊ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَتَجْعَلَ يَومَ نَوبَتِهَا لِعَائِشَةَ ﵂ وَلَهَا أَنْ تَرجِعَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَسقَطَت حَقًّا لَم يَجِب بَعدُ، فَلَا يَسْقُطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قوله: (ولا تحتسب عليه تلك المدة) نتيجة له، لا أنه دليل؛ لأنه مختلف فيه كما ذكرنا. قوله: (بنت زمعة) [بفتحتين] (١) اسم رجل؛ روي أنه ﵇ قال لسودة حين أسَنَّت: «اعتدي»، فسألته لوجه الله تعالى أن يراجعها ويجعل نوبتها لعائشة؛ لأن تحشر يوم القيامة مع أزواجه ففعل (٢). وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية. ذكره علي (٣) وابن عباس (٤). كذا في المبسوط (٥). (لأنها أسقطت حقًا لم يجب بعد) فيكون مجرد وعد؛ فلا يلزم. وبقولنا قال: الشافعي، ومالك (٦)، وأحمد (٧). إلا أن الشافعي قال: يشترط قبول الزوج في هبة نوبتها (٨). مسائل تتعلق بهذا الباب في المبسوط: لو أقام عند امرأته الأمة يوما، ثم أعتقت؛ لم يقم عند الحرة إلا يوما واحدًا؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، ويجعل حريتها عند انتهاء النوبة بمنزلة حريتها عند ابتداء النوبة.

стр. 2803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذا لو أقام عند الحرة يوما، [ثم أعتقت] (١)؛ تحول عنها إلى المعتقة كما ذكرنا. ولو كان له امرأة واحدة [وهو] (٢) يقوم بالليل ويصوم بالنهار، فخاصمته في ذلك؛ فإنه يؤمر بأن يبيت معها ويفطر لها (٣)؛ لما روي أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فقالت: إن زوجي يصوم بالنهار ويقوم بالليل، فقال: نعم الرجل زوجك، فأعادت كلامها، فأجابها [بهذا] (٤)، فقال كعب بن سور (٥): يا أمير المؤمنين تشكو زوجها في هجر صحبتها؛ فتعجب عمر من فطنته، فقال عمر ﵁: اقض بينهما، فقال كعب: أراها إحدى نسائه الأربع؛ لهن ثلاثة ولها يوم؛ فقضى عمر ﵁ بما ذكر كعب، فولاه قضاء البصرة (٦). وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٧)، وبه قال: أحمد (٨)، والثوري، وأبو ثور، وهكذا ذكره الطحاوي؛ لأن له أن يسقط حقها عن ثلاث ليال، وكذا لو تشاغل بالإماء، وعن الرازي: ليس هذا مذهبنا. وقيل: مذهبنا ما رواه محمد؛ ففي ظاهر الرواية: لا يتعين حقها في يوم من أربعة أيام؛ لأن القسمة والعدل إنما تكون عند المزاحمة؛ ألا ترى أن لو كان تحته أربعة نسوة أكان تستحق كل واحدة يوما من الأربع؟ فلا يشتغل بالصيام والقيام أبدا، لا يصوم رمضان ولا غيره؛ فالصحيح أن يؤمر استحسانًا أن يصحبها أحيانًا من غير أن يكون في ذلك شيء مؤقت (٩). وبه قال:

стр. 2804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد في رواية (٣). ولو كانت له مستولدات وإماء؛ فلا يقسم لهن، بل هو من خصائص النكاح بإجماع الأئمة الأربعة؛ ولكن يستحب أن لا يُعطّلهن وأن يسوي بينهنّ في المجامعة كي لا يَمِلْنَ إلى الزنا والفساد، ولا يحقد بعضهن بعضا. والمجبوب والعنين والخصي في القسمة كالفحل؛ لما ذكرنا أن وجوب العدل في الصحبة والمؤانسة دون المجامعة. وكذا الصبي؛ لأن وجوب العدل لحق النساء، وحقوق العباد تتوجه على الصبيان عند تقرر السبب. ولو جعلت لزوجها جعلا على أن يزيدها في القسم؛ لم يجز ويرجع في مالها لأنها رشته على أن يجور، والرشوة حرام، وهذا بمنزلة الرشوة في الحكم وهو من السحت، وكذا لو حطت عنه أشياء من مهرها على هذا الشرط. و [لو] زادها الزوج في المهر، أو جعل لها جعلا على أن يجعل نوبتها لفلانة؛ فهذا كله باطل؛ لأنها أخذت منه الرشوة على أن يرضى بالجور وذلك حرام. وكذا لو تزوج امرأة [بشرط أن يتزوج امرأة] (٤) ويقيم عندها يومين؛ فالشرط باطل؛ لقوله ﵇: «كُلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (٥). ولو أقام عند إحداهما شهرًا، فخاصمته الأخرى في ذلك؛ قضي عليه أن يستقبل العدل بينهما، وما مضى هدر، غير أنه أثم فيه؛ لأن القسمة تكون بعد الطلب.

стр. 2805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو عاد بالجور بعد ما نهاه القاضي؛ أوجعه عقوبة وأمره بالعدل؛ لأنه أساء الأدب وارتكب ما هو حرام عليه وهو الجور؛ فيعزر في ذلك. ولو أقام عندها أكثر مما يقيم عند الأخرى بإذنها؛ فلا بأس به. ولا يجوز أن يجمع بين الضرتين أو الضرائر في مسكن واحد إلا برضاهن كدار واحدة أو حجرة واحدة؛ للزوم الوحشة. ولو اجتمعت الضرتان في مسكن واحد بالرضا؛ يكره أن يطأ إحداهما بحضرة الأخرى؛ حتى [لو طلب وطئها] (١) لم تلزمها الإجابة ولا تصير بالامتناع ناشزة، ولا خلاف في هذه المسائل. وله أن يجبر امرأته على الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، إلا أن تكون المرأة ذمية، وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): يجبر الذمية على الغسل من الحيض والنفاس. وفي الجنابة له قولان، وله جبرها في التنظيف والاستحداد (٥). وله أن يمنعها من أكل ما يتأذى من رائحته، وقال الشافعي في وجه: ليس له ذلك (٦)، وروي أنه ﵇ قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسَنُهُم خُلُقًا وألطفهم بأهله» (٧). وفي الفتاوى: له أن يمنع [امرأته من] (٨) الهزل. ويضربها: بترك الزينة إن أرادها، وبترك الإجابة إن أراد جماعها وهي

стр. 2806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . طاهرة، وبترك الصلاة، والخروج من المنزل بلا إذنه بعد إيفاء المهر (١). ولو لم تصل؛ له أن يطلقها، وإن لم يقدر على إيفاء مهرها؛ فلأن يلقى الله تعالى ومهرها في عنقه خير من أن يطأ امرأة لا تصلّي (٢). ولو أرادت الخروج بغير إذنه إلى مجلس العلم؛ لم يكن لها ذلك، ولو وقعت لها نازلة وهو عالم بها أو جاهل؛ يسأل عالما ولا تخرج، وإلا لها الخروج (٣). ولو كان والدها زمنا وليس له من يقوم عليه، وزوجها يمنعها من الخروج إليه؛ لها أن تعصي زوجها وتطيع الوالد مؤمنًا كان أو كافرًا (٤). ولو كان لرجل أم شابة تخرج إلى الوليمة والمصيبة ولا زوج لها؛ لا يمنعها ابنها ما لم يتحقق أنها تخرج لفساد؛ فحينئذ يرفع الأمر إلى القاضي، فإذا أمره القاضي بالمنع؛ له منعها لقيامه مقامه (٥).

стр. 2807

كِتَابُ الرَّضَاعِ كتاب الرضاع لما بين النكاح مع أحكامه، والمقصود منه التوالد على ما قال ﵇: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر … » الحديث (١)، ولا بد للولد من الرضاع؛ فيليق بيان أحكامه بعد النكاح. أو لما بين المحرمات بالنسب مع تمام أحكامه؛ شرع في بيان المحرمات بالسبب وهو الرضاع، وكان ينبغي أن يذكره في المحرمات لكنه أفرده بكتاب على حدة (٢). والرضاعة: بفتح الراء وكسرها لغتان، ورضع ورضع كلها واحد من باب علم، وعند أهل النجد من باب ضرب. ذكره في الصحاح (٣). وهو في الشرع: مص الرضيع ثدي المرضع في وقت مخصوص على حسب ما اختلف فيه، وهو من أسباب التحريم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والمعقول.

стр. 2808

قَالَ: (قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، إِذَا حَصَلَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إِلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتِ، لِقَولِهِ ﵊: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ». وَلَنَا: قَوله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، وَقَولُهُ ﵊: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» … ... … أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية. والسنة: (قوله ﵇: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ») الحديث، والحديث كثير في هذا الباب. وكذا الأمة أجمعت من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا أن الرضاع مُحَرَّمٌ؛ لكن اختلفوا في مقداره. ولأن الرضاع سبب البعضية أو فيه شبهة البعضية؛ لصيرورة اللبن جزء الآدمي؛ إليه أشار قوله ﵇: «الرَّضاع ما أنبت اللحم» (١) فكان كالتوالد. قوله: (يتعلق به) أي بالرضاع مرة (التحريم) وبه قال: مالك (٢)، وأحمد في رواية (٣). وبقول الشافعي (٤) قال أحمد في رواية (٥). وقال أحمد في رواية يتعلق بثلاث رضعات (٦). وبقولنا قال: عمر وعلي وابن عباس والحسن وطاوس والشعبي والزهري والنخعي والأوزاعي والثوري (٧).

стр. 2809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: (بخمس رضعات) (١) أي: مُشبعات. (المصة) (٢) مكيدن، وهو فعل الرضيع، و (الإملاجة) شيردادن، يقال: أملَجَتْه أي: أرضعته (٣). وجه تمسك الشافعي بالحديث: أن المصة داخلة في المصتين، كقوله: لا أكلم فلانًا يوما ولا يومين؛ فإن اليمين ينتهي بيومين، بخلاف قوله: لا أكلمه يوما ويومين حيث لا ينتهي اليمين إلا بثلاثة أيام؛ فكأنه قال: لا تحرم المصتان والإملاجتان؛ فانتفت الحرمة عن أربع رضعات فثبتت الحرمة بالخمس. وفيه ضعف. وقال داود الظاهري وأبو ثور وابن المنذر: تُحَرِّمُ ثلاث رضعات بظاهر هذا الحديث (٤). وقيل: وجه تمسكه لا يثبت إلا بنفي مذهبنا، فإذا نفى مذهبنا بهذا الحديث ثبت؛ مذهبه لعدم القائل بالفصل، وخلاف أصحاب الظاهر غير معتبر، لأنه منفي بإجماع بيننا. وقيل: تمسك بهذا الحديث لنفي مذهبنا، وإثبات مذهبه بحديث عروة عن عائشة ﵂ لنا أنها قالت: " كان فيما أُنْزِلَ في القرآن عشر رضعات معلومات يُحرِّمْنَ، فَنُسِخْنَ بخمس رضعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ، وكان ذلك مما يتلى بعد النبي ﷺ ولا نسخ بعده، وكان مكتوبًا على قرطاس بعده، فدخل داجن البيت فأكله " (٥). وتمسك في شرح الوجيز وغيره من كتبهم بهذا الحديث أيضًا (٦)،

стр. 2810

مِنْ غَيرِ فَصل، ..................................................... و [والمراد] (١) بالرضعة: التامة عادة، وهي المشبعة. وذكر فيه: ولنا وراء ظاهر المذهب وجهان أحدهما: كمذهب أبي حنيفة، والثاني: كمذهب أبي ثور وابن المنذر واختاره بعض مشايخنا. ولو حكم حاكم بالتحريم برضعة لا ينقض حكمه، وعن الإصطخري: ينقض. ويعتبر أن تكون الرضعات متفرقات في خمس أوقات حملا على العرف في ذلك، وهو أن يقطع باختياره (٢). وفي شرح الغاية: خمس رضعات متفاصلة بعضها عن بعض، والمعتبر في التواصل بين الرضعتين التفاصل عرفًا؛ حتى لا يعتبر التفاصل بالتلفظ واللهو والتحول من ثدي إلى ثدي؛ للحديث المذكور (٣). (ولنا: قوله تعالى) (٤) إلى قوله: (من غير فصل) يعني: أثبت الشارع الحرمة بفعل الإرضاع مطلقًا، ولم يفصل بين القليل والكثير؛ فلا يجوز تقييده بالكثير بخبر الواحد؛ لأنه يجري مجرى النسخ، مع أنه معارض بحديث علي أنه قال: قال ﵇: «الرضاع قليله وكثيره سواء في إيجاب الحُرمة» (٥). وعن ابن مسعود أنه قال: أن أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيرهُ يُحَرِّمُ (٦). وقيل لابن عباس أن الناس يقولون: أن الرضعة لا تحرم؛ فقال: كان ذلك ثم نسخ (٧). وروي أن امرأة مات ولدها، فانتفخ ثديها [من اللبن] (٨)، فمص ومج

стр. 2811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . زوجها ثديها، فدخل بعض اللبن حلقه، فسأل أبو موسى الأشعري عن ذلك فقال: حرمت عليك (١). وقد روي عن عمر وابنه ﵄ أن القليل يُحَرِّم (٢)؛ فدل أن نسخ خمس رضعات كان مشهوراً (٣) بينهم. كذا في الأسرار. وفي المبسوط: وأما حديث عائشة فضعيف جدا؛ لأنه إذا كان متلوا بعد النبي ﵇، فلماذا لا يتلى الآن؟ ولأن نسخ التلاوة بعد النبي ﵇ لا يجوز، وما ذكر أن الداجن دخلت فأكلت القرطاس غير قوي؛ لأنه يؤيد مذهب الروافض؛ فإنهم يقولون إن الصحابة تركوا كثيرا من القرآن بعد النبي ﷺ ولم يكتبوه في المصاحف وهو قول باطل بالإجماع (٤). قيل: والعجيب من الشافعية: لا يعملون بقراءة ابن مسعود في صوم الكفارة ويعملون برواية عائشة، والقرآن لا يثبت بخبر الواحد، والعمل بالقراءة الشاذة لا يجوز. ولو ثبت هذا يحمل على أنه كان في زمان يحتاج إلى إرضاع الكثير مشروعاً ثم نسخ، وعليه يحمل حديث المصة والإفلاجة؛ لأن في ذلك الزمان يثبت إنبات اللحم وإنشاز العظم في حق الكثير فلا يحصل بالرضعة، ثم انتسخ ذلك بالآثار المشهورة كما روينا. وقد روي عن ابن عمر حديث ابن الزبير «لا تُحَرَّمُ المَصَّةُ … » الحديث، فقال ابن عمر: قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير (٥)؛ فرد عليه قوله لمخالفته إطلاق الكتاب والحديث.

стр. 2812

وَلِأَنَّ الحُرمَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِشُبْهَةِ البَعْضِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِنُشُوءِ العَظمِ وَإِنبَاتِ اللَّحْمِ، لَكِنَّهُ أَمْرٌ مُبطَنٌ، فَتَعَلَّقَ الحُكمُ بِفِعلِ الإِرْضَاعِ، وَمَا رَوَاهُ مَردُودٌ بِالْكِتَابِ أَوْ مَنسُوخُ بِهِ، وَيَنبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ لِمَا نُبَيِّنُ. قوله: (وإن كانت لشبهة البعضية) جواب سؤال مقدر، أن يقال: لما كان التحريم باعتبار إنشاز العظم وإنبات اللحم وذلك يحصل بالكثير دون القليل. فقال: وإن كانت الحرمة باعتبار شبهة البعضية الحاصلة باللبن؛ لأن به يحصل الإنبات والإنشاز كما ورد في الحديث. (لكنه) أي: النشوز والإنبات (أمر مبطن؛ فتعلق الحكم بفعل الإرضاع)؛ إذ هو سببه كما تعلق في النسب بالوطء؛ لأنه سبب الولد الذي يحصل به البعضية. (وما رواه) أي: الشافعي (مردود بالكتاب) أي: منسوخ؛ لأنه لا يحلو إما أن يكون مقدما على الكتاب؛ فنسخه الكتاب، أو بعده؛ فهو مردود لأنه مخالف للكتاب إذ إطلاق الكتاب لا ينسخ به. كما ذكرنا. في المغرب: الإنشار بالراء المهملة الإحياء؛ ومنه قوله ﵇: «الرّضاعُ ما أنْشَرَ العَظْمَ» أي قوَّاه، وروي بالزاي المعجمة (١). وفي الصحاح: نشزت الأرض إذا أنبتت، وإنشاز بالزاء المعجمة: الرفع، يقال: إنشاز عظام الميت إذا رفعها إلى مواضعها وتركيب بعضها على بعض (٢). (وينبغي أن يكون) الرضاع المحرم (في مدته)؛ لأنه روى جابر عن النبي ﵇ أنه قال: «لا رَضاعَ بعد الفطام» (٣). وهكذا روي عن علي وابن مسعود، وآخر الحديث «ولا يُتم بعدَ الحُلم، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل، ولا وصال في صيام، ولا طلاق قبل النكاح، ولا عِنقَ قبل المُلكِ، ولا وفاء في نذر بمعصية، ولا يمين في قطيعةِ رَحِمٍ، وَلا تَغَرُّبَ بعد الهجرة، ولا هجرة بعد

стр. 2813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الفتح» (١). وقال داود وهو مروي عن عائشة: أن الرضاع يحرم أبدا، ويستوي فيه الكبير والصغير؛ لظاهر النصوص (٢). ولحديث سهلة امرأة أبي حذيفة؛ فإنها جاءت إلى النبي ﷺ بعد ما انتسخ حكم التبني بنزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فقالت: يا رسول الله، إن أبا حذيفة تبنى سالما فكنا نعده ولدا لنا، وإن لنا بيتا واحدا فماذا ترى في شأنه؟ (٣)، وفي رواية: وإنه ليدخل علي، وأنا أرى الكراهة في وجه أبي حذيفة، فقال ﵇: «أرضعي سالِمًا خمسًا تحرُمينَ بها عليه» (٤)؛ ولهذا [روي] أن عائشة [كانت] إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الرجال أمرت أختها أم كلثوم أو بعض بنات أختها أن ترضعه خمسا (٥). وقلنا: انتسخ هذا الحكم باتفاق من الصحابة بقوله ﵇: «الرّضاع ما أنبت اللحم وأنشر العَظْمَ» (٦)، وبقوله: «الرضاعُ مِنَ المَجاعة» (٧) وذا لا يحصل في الكبير، يعني: ما يرد الجوع، وقال ﵇: «الرّضاع ما فتق الأمعاء، وكان ذلك قبل الطعام» (٨)، والآثار في الباب كثيرة. وغير عائشة من نساء النبي [كن] (٩) يأبين ذلك، ويقلن: لا نرى هذا من

стр. 2814

(ثُمَّ مُدَّةُ الرَّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: سَنَتَانِ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِي ﵀. وَقَالَ زُفَرٌ: ثَلَاثَةُ أَحوال؛ لِأَنَّ الحَولَ حَسَنٌ لِلتَّحَوُّلِ مِنْ حَالَ إِلَى حَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الحَولَيْنِ لِمَا نُبَيِّنُ فَيُقَدَّرُ بِهِ. وَلَهُمَا: قوله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَمُدَّةُ الحَملِ أَدنَاهَا سِتَّةُ أَشْهُر فَبَقِيَ لِلْفِصَالِ حَولَانِ. وَقَالَ رسول الله ﷺ إلا رخصة السهلة خاصة، كذا في المبسوط (١). قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد. (سنتان)، وبه قال: الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، ومالك، وهو قول الشعبي. وزاد مالك في رواية: شهرين، وفي رواية شهرا، وفي رواية: ما دام محتاجا إلى اللبن غير مستغن عنه، فله أربع روايات (٤). وذكر في بعض الفوائد: وعند الحسن البصري: أربع سنين، وعند بعضهم: عشرين سنة، وعند بعضهم: أربعين سنة. وليس يثبت. (لأن الحول حسن) أي: صالح (للتحول)؛ أي: للتغيير بطبع الصبي (من حال إلى حال) كما في الرجل العنين والزكاة؛ لاشتماله على الفصول الأربعة. (لما نبين) أي: في قول أبي حنيفة. (فَيُقَدَّرُ) أي: بالحول. (فبقي الفصال حولان) لأنه تعالى قال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، ولا رضاع بعد الفصال؛ لقوله ﵇: «لا رضاع بعد الفطام» (٥). وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ولا زيادة بعد التمام، وهذا نص، والأول ظاهر.

стр. 2815

النَّبِيُّ ﵊: «لَا رَضَاعَ بَعدَ حَولَينِ» وَلَهُ: هَذِهِ الآيَةُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَضَرَبَ لَهُمَا مُدَّة، فَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِكَمَالِهَا كَالأَجَلِ المَضْرُوبِ لِلدَّينَينِ، إِلَّا أَنَّهُ قَامَ المُنْقِصُ فِي أَحَدِهِمَا فَبَقِيَ فِي الثَّانِي عَلَى ظَاهِرِهِ، … ... … ... … ... .. ولأن الظاهر أن الصبي في الحولين يكتفي باللبن، وبعدهما لا يكتفي به، فكان هو بعد الحولين بمنزلة الكبير في حكم الرضاع. كذا في المبسوط (١). (قوله ﵇: «لا رضاعَ بعدَ حَولَيْنِ») (٢) نص؛ لأنه أراد به نفي الحكم دون الحقيقة؛ إذ الحقيقة توجد بعده. (له) أي: لأبي حنيفة (هذه الآية) [يعني] قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. (كالأجل المضروب للدينين) بأن قال: أجلت الدين الذي على فلان، والذي على فلان سنة؛ يفهم منه تقدير المدة في حق كل واحد من الدينين. (قام المُنْقِصُ) أي: الدليل قام على أن مدة الحمل لا تكون أكثر من سنتين. وقول عائشة: "الولد" لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين، ولو بقدر فلكة مغزل (٣)، وفي رواية "ولو بقدر ظل مغزل"؛ والظاهر أنها قالته سماعًا؛ لأن المقادير لا يهتدى إليها بالرأي. (فبقي) مدة الفصال (على ظاهره). فإن قيل: هذا خبر الواحد؛ فلا يجوز تفسير الكتاب به. قلنا: الكتابُ مُؤَوّل؛ فإن فخر الإسلام وعامة أهل التفسير ذكروا: أن الأجل المضروب للدينين يتوزع عليهما بقدر الإمكان. ويعرف تمامه في شرحنا

стр. 2816

وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَغَيَّرِ الغِذَاءِ لِيَنقَطِعَ الإِنبَاتُ بِاللَّبَنِ، وَذَلِكَ بِزِيَادَةِ مُدَّةٍ يَتَعَوَّدُ الصَّبِيُّ فِيهَا غَيْرَهُ فَقُدِّرَت بِأَدنَى مُدَّةِ الحَملِ؛ لِأَنَّهَا مُغَيَّرَةٌ، فَإِنَّ غِذَاءَ الجَنِينِ يُغَايِرُ غِذَاءَ المسمى «بيان الوصول في شرح الأصول» وليس (١) هذا مخالف لما ذكره ههنا؛ فإنه تمسك به صاحب الهداية. أو نقول المراد بالآية: الحمل [على] (٢) الأكف - والله أعلم - والحجور؛ لأن الحمل بالبطون استفيد من قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾؛ فلو حمل على الحمل في البطن لكان تكرارا، والأصل أن يحمل الكلام على الإفادة لا على الإعادة. وفي المبسوط (٣) والمحيط (٤): قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ بعد قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ دليل على أن وقت الفصال بعد الحولين باق؛ حيث اعتبر التراضي والتشاور في الفصال بعد الحولين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ قيل: بعد الحولين إذا أبت الأمهات. قوله: (لا بد من تغير الغذاء … ) إلى آخره، يعني: إن الصبي كما يتغذى باللبن قبل الحولين يتغذى به بعده، والفصام لا يحصل في ساعة؛ بل يحصل درجة فدرجة حتى ينسى اللبن ويتعود الطعام؛ فلا بد من زيادة على الحولين بمدة، وإذا وجبت الزيادة قدرنا بمدة الحمل (٥)؛ اعتبارا للانتهاء بالابتداء. ولأنها مدة تغير الغذاء؛ فإن الولد في بطن الأم ستة أشهر بيقين يتغذى بغذاء الأم، وبعد الانفصال غذاؤه اللبن ويصير أصلا في الغذاء والطعام، وبهذا يحتج زفر وهو الموعود بقوله (لما نبين).

стр. 2817

الرَّضِيعِ كَمَا يُغَايِرُ غِذَاءَ الفَطِيمِ، وَالحَدِيثُ مَحمُولٌ عَلَى مُدَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَعَلَيهِ يُحمَلُ النَّصُّ المُقَيَّدُ بِحَولَينِ فِي الكِتَابِ. قَالَ: (وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعِ لَم يَتَعَلَّق بِالرَّضَاعِ تَحْرِيمُ) لِقَولِهِ ﵊: «لَا رَضَاعَ بَعدَ الفِصَالِ» وَلِأَنَّ الحُرمَةَ بِاعتِبَارِ النُّشُوءِ، وَذَلِكَ فِي المُدَّةِ، إذ (والحديث) وهو: «لا رَضاعَ بعدَ حَوْلَينِ» (١) (محمول على) الرضاع المستحق؛ حتى لا تستحق نفقة الإرضاع على الأب بعد ذلك. وقالوا: إن تمام الرضاع في حق استحقاق الأجر على الأب مقدر بحولين؛ حتى لو طلق امرأته وطلبت [نفقة] الإرضاع بعد الحولين وأبي الزوج؛ لا يجبر على ذلك، ولو وقع ذلك في الحولين؛ يجبر على الإعطاء. و (النص المقيد) وهو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ محمول على هذا أيضًا؛ بدليل أنه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ الآية، ذكره بعد حولين بحرف الفاء، فدل على بقاء مدة الرضاع كما بينا. إليه أشير في المبسوط (٢). قوله: (وإذا مضت مدة الرضاع) يعني: على حسب اختلافهم (لم يتعلق به تحريم) سواء فطم الصبي أو لا، وقد بينا خلاف أصحاب الظاهر فيها. قوله: («لا رضاع») أراد به حكمه؛ لأنه يوجد حقيقة بعده، وحكمه: الحرمة؛ فقد نفى الحرمة («بعد الفصال»)، وهكذا روي عن علي وابن مسعود (٣). (وذلك) أي: النشز (في المدة)؛ لأن الحرمة بالرضاع باعتبار معنى الجزئية، وذا إنما يتحقق في حال ينبت اللحم وينشز العظم، وإنما يكون ذلك في حالة الصغر؛ لأن الصغير لا يتغذى بغيره.

стр. 2818

الكَبِيرُ لَا يَتَرَبَّى بِهِ، وَلَا يُعتَبَرُ الفِطَامُ قَبلَ المُدَّةِ إِلَّا فِي رِوَايَة عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ إِذَا استَغنَى عَنْهُ. وَوَجهُهُ: انقِطَاعُ النُّشُوءِ بِتَغَيرِ الغِذَاءِ، وَهَل يُبَاحُ الإِرْضَاعُ بَعدَ المُدَّةِ؟ فَقِيلَ: لَا يُبَاحُ؛ لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ ضَرُورِيَّةٌ لِكُونِهِ جُرْءَ الْآدَمِيِّ. قَالَ: (وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) لِلحَدِيثِ الَّذِي رَوَينَا (إِلَّا أُمَّ أُختِهِ .................... (ووجهه) أي: وجه ما روي عن أبي حنيفة؛ فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا فطم قبل المدة وصار بحيث يكتفي بالطعام؛ لا تثبت الحرمة برضاعه؛ لأنه لما اكتفى بالطعام فاللبن بعده لا يغذيه، فلا تحصل به البعضية؛ لعدم النشوز. بيانه: ما ذكر في حديث أبي هريرة «الطعامُ ما فتقَ الأمعاء، وكان ذلك قبل الطعام» (١). وفي الواقعات: الفتوى على ظاهر الرواية، أنه: لا يعتبر الفطام قبل المدة. (لكونه) أي: لكون اللبن (جزء الآدمي) والانتفاع به حرام، وكان الأصل فيه الحرمة، وإنما أبيح للضرورة؛ فيتقدر بقدرها. وقال الإمام التمرتاشي: واختلف المشايخ في الانتفاع به للدواء، قيل: لم يجز، وقيل: يجوز إذا علم أنه يزول به الرمد (٢). (للحديث الذي روينا) وهو قوله ﵇: «يَحرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (٣). (إلا أم أخته)، وهكذا الحكم في أم أخيه من الرضاعة، ومن جاز أن يتعلق بالآم وجاز أن يتعلق بالأخت أو الأخ؛ لأن كليهما نسخه وجاز أن يتعلق بهما. يعرف بأدنى تأمل.

стр. 2819

مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُختِهِ مِنْ النَّسَبِ)؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ أُمَّهُ أَوْ مَوطُوءَةَ أَبِيهِ، بِخِلَافِ الرَّضَاعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُختَ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَطِئَ أُمَّهَا حُرِّمَت عَلَيْهِ، وَلَم يُوجَد هَذَا المَعْنَى فِي الرَّضَاعِ. وفي المحيط: قال أصحابنا: ما يتعلق به التحريم في النسب يتعلق به في الرضاع إلا في مسألتين إحداهما: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أم أخته من النسب ويجوز ذلك من الرضاع، وإنما كان كذلك؛ لأن في النسب إن كانا أخوين لأم؛ فأم الأخ أمه، وإن كانا أخوين لأب؛ فأم الأخ امرأة أبيه، وهذا المعنى معدوم في الرضاع. والمسألة الثانية: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز في الرضاع وإنما كان كذلك؛ لأن أخت ابنه من النسب إن كانت منه؛ فهي بنته، وإن لم تكن منه؛ فهي ربيبته، وهذا المعنى لا يوجد في الرضاع، حتى إن في النسب لو لم يوجد هذين المعنيين؛ فإنه يجوز. فإن كانت جارية بين رجلين فأتت بولد فادعياه؛ ثبت النسب منهما، ويتعلق التحريم بلبنها كهما بإجماع الأئمة الأربعة، ولكل واحد منهما بنت من امرأة أخرى جاز لكل واحد من الموليين أن يتزوج بابنة شريكه، وإن كان كل واحد من الموليين متزوجا بأخت ابنه من النسب، وفي غيرهما من المسألتين فحكم الرضاع وحكم النسب سواء (١). وقال بعض الفقهاء من بخارى [مرتجزا] (٢): المسائل التي تفارق حكم الرضاع حكم النسب في النكاح: يفارق الإرضاع حكم النسب … في خمسة مسطورة في الكتب أم أخ، وأم أخت سيدي … وأم أم الابن [فافقه] (٣) سيدي وهكذا وقعت أخت الولد … فاقتبس العلم لكيما تهتدي

стр. 2820

(وَامْرَأَةُ أَبِيهِ أَوْ امرَأَةُ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَذَكَرَ الأَصْلَابَ فِي النَّصْ لِإِسْقَاطِ اعْتِبَارِ التَّبَنِّي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. (وَلَبَنُ الفَحْلِ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ، … وأم عم، ثم أم عمة … فافهم مقالي لا لقيتَ غُمَّهْ وأم خال، ثم أم خالة … والحقُّ لا يخفى من الجهالة نكاحهن في الرضاع واقع … وما عداه فالدليل مانع (١). قوله: (وامرأة أبيه) المراد: امرأة تزوج بها زوج المرضعة ثم فارقها؛ فإنه لا يحل لولده أن يتزوجها؛ (لما روينا) وهو قوله ﵇: «يحرُمُ مِنَ الرضاع ما يحرُمُ مِنْ النِّسب» (٢). قوله: (وذكر الأصلاب) إلى آخره؛ جواب السؤال تقديري، وهو أن يقال: إنه تعالى حرم حليلة الابن من الصلب، وحليلة ابن الرضاع ينبغي أن لا تحرم؛ لأن هذا ليس صلبه. والجواب: ما ذكر المتن على ما بينا، وقد مر هذا البحث بتمامه في فصل (بيان المحرمات). فإن قيل: يجوز أن يكون لإسقاط حليلة الابن من الرضاع وحليلة المتبنى؛ فما وجه التخصيص؟ قلنا: حليلة ابن الرضاع حرام بالحديث المشهور (٣)؛ فلو كان التقييد لإسقاطه يلزم أن لا يبقى الحديث معمولا به، ولو حمل على إسقاطه كذلك حليلة المتبني؛ يثبت العمل بالكتاب أو الحديث؛ فيحمل عليه للتعارض. قوله: (ولبن الفحل يتعلق به التحريم)، وبه قال عامة أصحاب الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وإضافة اللبن إلى الفحل من قبيل إضافة الشيء إلى

стр. 2821

وَهُوَ أَنْ تُرْضِعَ المَرأَةُ صَبِيَّة فَتَحرُمُ هَذِهِ الصَّبِيَّةُ عَلَى زَوجِهَا وَعَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَيَصِيرُ الزَّوجُ الَّذِي نَزَلَ لَهَا مِنهُ اللَّبَنُ أَبا لِلمُرضَعَةِ) وَفِي أَحَدٍ قَولَي الشَّافِعِيِّ: لَبَنُ الفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ، لِأَنَّ الحُرمَةَ لِشُبهَةِ البَعْضِيَّةِ، وَاللَّبَنُ بَعضُهَا لَا بَعضُهُ. وَلَنَا: مَا رَوَينَا، وَالحُرمَةُ بِالنَّسَبِ مِنْ الجَانِبَينِ فَكَذَا بِالرَّضَاعِ. سببه؛ لأن سبب اللبن إنما هو الفحل. وفي المبسوط: وقال بعض العلماء وهو داود وابن علية: - لم يتعلق [به] (١) التحريم (٢)، وهو أحد قولي الشافعي. ولكن ذكر في شرح وجيزهم: ويتعلق بلبن الفحل التحريم عند عامة العلماء، وعن بعض الصحابة خلافه، واختاره عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، رواه عن الشافعي (٣). لأن النص ذكر حرمة الرضاع في جانب النساء. ولأن الحرمة لا تثبت في حق الرجل بحقيقة فعل الإرضاع منه، حتى لو نزل له لبن فأرضع به صبيا؛ لا تثبت الحرمة؛ فلأن لا يثبت بإرضاع زوجته أولى. ولأن الحرمة به إنما تثبت لشبهة البعضية باعتبار النشوز والنماء باللبن، لا بحقيقة البعضية؛ فإن حقيقة البعضية تتحقق بالماء. (واللبن بعضها لا بعضه) فلو اعتبر؛ لكان شبهة الشبهة وهي غير معتبرة. (ولنا: ما روينا) وهو قوله ﵇: «يَحرم من الرضاع ما يحرمُ مِنَ النَّسب» وفي رواية عائشة قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرُمُ بالولادة» (٤) فقد ألحقه بالنسب، وفي النسب (الحرمة) تثبت (من الجانبين). فإن قيل: الحرمة هنا تثبت باللبن واللبن منها لا منه، ولهذا يتحقق بنزول اللبن من البكر.

стр. 2822

وَقَالَ ﵊ لِعَائِشَةَ ﵂: «لِيَلِج عَلَيْكِ أَفَلَحُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنْ الرَّضَاعَةِ» وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِ اللَّبَنِ مِنهَا فَيُضَافُ إِلَيْهِ فِي مَوضِعِ الحُرمَةِ احتياطا. قلنا: اللبن منه أيضًا؛ لأن سببه الولادة، وهي: بالإحبال، وهو منه؛ فتثبت منهما كما في النسب، ونزول اللبن بلا إصابة الفحل نادرة فلا عبرة به. («ليلج عليك أفلح») روي أن أفلح بن أبي قُعَيْسِ أراد أن يدخل على عائشة فلم تأذن له، فقال أفلح: أنا عمك من الرضاعة، أرضعتك امرأة أخي، فقالت: لا حتى أسأل رسول الله، فسألته، فقال ﵇: «لِيَلِجَ عليكِ فإنهُ عَمُّكِ» (١). كذا ذكره البزدوي، ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة أيضًا. وفي المبسوط: عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، إن أفلح بن أبي قُعَيْسِ دخل علي وأنا في ثياب فَضْلٍ، فقال ﵇: «ليلج عليكِ؛ فإنه عَمُّكِ من الرضاعة» فقلت: إنما أرضعتني المرأة لا الرجل، فقال: «عمكِ من الرضاعة» (٢)، وذا لا يكون إلا باعتبار لبن الفحل (٣). وفي المغرب: والصواب في ثوب فُضُل، وهو الثوب الواحد كقميص لا كم له (٤). وعائشة أرضعت من امرأة قعيس، وكان قعيس أخ لأفلح، والأفلح لغة: مشقوق الشفة. (ولأنه) أي: الفحل (سبب لنزول اللبن من المرأة فيضاف) أي: اللبن (إليه) أي: إلى الفحل في موضع الحرمة احتياطا؛ فإن إقامة السبب مقام المسبب خصوصًا في باب المحرمات أمر شائع، كما أقمنا المس بشهوة مقام الوطء في باب حرمة المصاهرة وغير ذلك، وهو معنى قوله: (احتياطا). ومن فروع هذه المسألة:

стр. 2823

(وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِأُختِ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ)؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُختِ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ وَذَلِكَ مِثلُ الأَخِ مِنْ الأَبِ إِذَا كَانَتْ لَهُ أُختٌ مِنْ أُمِّهِ جَازَ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. (وَكُلُّ صَبِيَّيْنِ اجْتَمَعَا عَلَى ثَدي امرأة وَاحِدَة لَم يَجُرْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالأُخرَى) هَذَا هُوَ الأَصلُ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمَا وَاحِدَةٌ فَهُمَا أَخٌ وَأُخْتٌ … ... … ... امرأتان تحت رجل وحملتا منه، فأرضعت كل واحدة صبيتين؛ فهما أختان من الرضاع لأب؛ لأن لبنهما من رجل واحد، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُم منَ الرَّضَاعَةِ﴾ يتناوله. وتثبت الحرمة من اللبن النازل بالزنا وولد الملاعنة في حق الفحل عندنا، وبه قال مالك في المشهور (١). وعند الشافعي لا يثبت في الزنا والمنفية باللعان (٢). وهكذا ذكر الوبري والإسبيجابي وصاحب الينابيع من أصحابنا (٣). ويثبت في حق الأم بالإجماع؛ لأن نسبهما غير ثابت من الرجل، وثبوت الحرمة في حق الرجل باعتبار ثبوت النسب. ولو نزل لها لبن من زوج وطلقها، وتزوجت بآخر بعد العدة وحبلت منه ونزل لبن، وزاد اللبن الأول فأرضعت صبيا؛ فهو لبن الأول عند أبي حنفية. وبه قال الشافعي في الجديد (٤). وقال في القديم: هو ابنهما (٥). وبه قال: أبو يوسف، ومحمد، وأحمد (٦). قوله: (فهما أخ وأخت) يعني: لو أرضع صبيتان من امرأة واحدة وزوجها مختلف عند الإرضاعين فهما أختان لأب وأم من الرضاعة؛ فيحرم لتناول النص

стр. 2824

(وَلَا يَتَزَوَّجُ المُرضَعَةَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الَّتِي أَرضَعَت) لِأَنَّهُ أَخُوهَا (وَلَا وَلَدِ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ أَخِيهَا. والحديث الكل. كذا في المبسوط (١)، ولا خلاف للفقهاء فيه. قوله: (ولا يتزوج الْمُرْضَعَةَ) بفتح الضاد هكذا عن الثقات، وبصيغة الفاعل غير صحيح. يعرف بالتأمل. وفي بعض النسخ: بنصب (الْمُرْضَعَةَ) ورفع (أَحَدٌ) وأراد به أن المرأة أرضعت ولداً لامرأة ولم ترضع ولد نفسها؛ لا يجوز لهذا الْمُرْضَع أن يتزوج بواحدة من أولاد هذه الْمُرْضَعَة وإن لم يجتمعا على ثدي واحد، من تقدم ومن تأخر؛ لأنهن أخواته. غو كذا (ولد ولدها) اعتبارًا بالنسب؛ لأنه ولد أختها، فهذا هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى، ولا خلاف للفقهاء بينهما. قوله: (خلافا للشافعي) (٢)؛ فإن عنده على الأصح: يتعلق به التحريم إذا كان بمقدار خمس رضعات من اللبن (٣) .. وبه قال أحمد (٤). وكذا الخلط: بالدواء، أو بلبن بهيمة، أو بكل مائع، أو جامد. واعتبر مالك: أن يكون اللبن مستهلكا في جميع ذلك؛ لعدم تعلق التحريم به (٥). [وعندنا تعتبر الغلبة. وبه قال الشافعي في قول (٦). وفسر محمد الغلبة: بأن لم يغير الدواء اللبن، فإن غير؛ لا تثبت الحرمة. وقال أبو يوسف: إن غير طعم اللبن ولونه؛ لا يتعلق به التحريم] (٧) وإن غير أحدهما فقط؛ يكون رضاعا. وقيل على قول أبي حنيفة: إذا جعل اللبن في دواء، أو خلط بالماء؛ لم

стр. 2825

(وَلَا يَتَزَوَّجُ الصَّبِيُّ المُرضَعُ أُختَ زَوجِ المُرضِعَةِ) لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ (وَإِذَا اخْتَلَطَ اللَّبَنُ بِالمَاءِ وَاللَّبَنُ هُوَ الغَالِبُ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ غَلَبَ المَاءُ لَم يَتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيمُ)، خِلَافا لِلشَّافِعِيِّ نَظَهُ هُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ مَوجُودٌ فِيهِ حَقِيقَةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ: المَعْلُوبُ غَيْرُ مَوجُود حُكمًا حَتَّى لَا يَظْهَرَ فِي مُقَابَلَةِ الغَالِبِ كَمَا فِي اليَمِينِ يتعلق التحريم بكل حال. كذا في فتاوى قاضي خان (١). (هو)؛ أي: الشافعي (يقول: إنه)؛ أي: اللبن (موجود) في الماء (حقيقة). غاية ما في الباب: أن اللبن هالك معنى؛ لفوات منفعته لغلبة الماء؛ فدارت الحرمة بين الثبوت وعدمه؛ فُنُغَلِّبُ الحرمة احتياطا مع أن اللبن موجود حقيقة وصار مستهلكا حكما والحقيقة أولى. وهكذا نقول في كل مائع وطعام. وقلنا: أن (المغلوب غير موجود حكما) كما في اليمين؛ بأن حلف لا يشرب اللبن؛ فشرب لبنا مغلوبا بالماء؛ لا يحنث. لكن للخصم أن يجيب عنه، ويقول: بأن مبنى الأيمان على العرف، فلا يحنث؛ لأن في العرف لا يسمى المغلوب لبناً، أما الحرمة فمبنية على وجود اللبن. ولكن الأولى أن يقول: إن الحرمة لا تتعلق بصورة الإرضاع ووجود اللبن، كما في الكبير بالإجماع؛ بل تتعلق به باعتبار إنشاز العظم وإنبات اللحم، وبالمغلوب لا يحصل الإنشاز والإنبات؛ لأنه لا يحصل التغذي به؛ لأنه صار تبعا لغيره. فإن قيل: يشكل هذا بما لو وقعت قطرة دم أو خمر في جب من ماء؛ حيث تنجسه وإن [كان] (٢) الماء غالبا حقيقة. قلنا: [لما] (٣) لم يكن الماء كثيرا شرعا بأن لم يكن عشرا في عشر؛ لم يكن غالبا حكما فتعارضا؛ فرجحنا جهة النجاسة احتياطا. كذا نقل عن العلامة

стр. 2826

(وَإِنْ اختَلَطَ بِالطَّعَامِ لَم يَتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيمُ) وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. مولانا حميد الملة والدين ﵀ (١). ولكن سمعت شيخي العلامة مولانا علاء الدين عبد العزيز رحمه يقول: أن الرجحان الذاتي إنما يكون سابقا على الرجحان الحالي إذا لم يكن في الحادثة نص، وقد وجد النص ههنا؛ وهو قوله ﵇: «لا يَبولَنَّ أَحدُكُم في الماء الدائم … » الحديث (٢)، وقوله: «إذا بلغ الماء قلتين … » الحديث (٣) (٤)، وقوله ﵇: «الماء طهور … ». الحديث (٥)، فلا يعتبر الرجحان الذاتي؛ لأنه يثبت بالاجتهاد، ولا اعتبار للاجتهاد في مقابلة النص. وإنما قلنا: إن [المغلوب] (٦) كالمستهلك؛ لأن القليل تتفرق أجزاؤه بحيث لا يبقى لأجزائه منفعة الماء العذب؛ فكذا المغلوب ههنا. قوله: (هو الصحيح) (٧) احتراز عن قول بعض المشايخ أنه قال: إذا كان لا يتقاطر اللبن من الطعام عند حمل اللقمة؛ لا تثبت به الحرمة، أما لو تقاطر منه اللبن؛ يثبت التحريم عند أبي حنيفة؛ لأن القطرة من اللبن إذا دخلت حلق الصبي كافية لإثبات الحرمة. والصحيح عدم ثبوت الحرمة بكل حال؛ لأن التغذي بالطعام [يمنع] (٨)، والأصل في الباب: التغذي باللبن؛ فيكون اللبن تابعا له في حق المقصود. بيانه: أن اللبن غالب حال ما يكون في القصعة، أما حال الوصول إلى المعدة وهو حال التغذي؛ ف [عدم] اعتبار ثبوت الحرمة بالطعام الغالب؛ لأنه

стр. 2827

وَقَالَا: إِذَا كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ (*) قَالَ ﵁: قَولُهُمَا فِيمَا إِذَا لَم تَمَسَّهُ النَّارُ، حَتَّى لَو طَبَخَ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ فِي قَولِهِم جَمِيعًا. لَهُمَا: أَنَّ العِبَرَةَ لِلغَالِبِ كَمَا فِي المَاءِ إِذَا لَم يُغَيِّرهُ شَيْءٌ عَنْ حَالِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الطَّعَامَ أَصلُ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ لَهُ فِي حَقِّ المَقصُودِ فَصَارَ كَالمَعْلُوبِ، وَلَا مُعتَبَرَ بِتَقَاطُرِ اللَّبَنِ مِنْ الطَّعَامِ عِندَهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ التَّغَذِّي بِالطَّعَامِ إِذْ هُوَ الأَصلُ. (وَإِنِ اخْتَلَطَ بِالدَّوَاءِ وَاللَّبَنُ غَالِبٌ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ)؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَبقَى مَقْصُودًا فِيهِ، إِذِ الدَّوَاءُ لِتَقْوِيَتِهِ عَلَى الوُصُولِ، وَإِذَا اختَلَطَ اللَّبَنُ بِلَبَنِ الشَّاةِ وَهُوَ الغَالِبُ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ غَلَبَ لَبَنُ الشَّاةِ لَم يَتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيمُ اعْتِبَارًا لِلغَالِبِ كَمَا فِي الماء. (وَإِذَا اخْتَلَطَ لَبَنُ امْرَأَتَيْنِ تَعَلَّقَ التَّحْرِيمُ بِأَعْلَبِهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ)؛ لِأَنَّ الكُلَّ صَارَ شَيْئًا وَاحِدًا فَيُجْعَلُ الأَقَلُّ تَابِعًا لِلأَكثَرِ فِي بِنَاءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) يأكل لقمة بعد لقمة ولا يحسو، حتى لو حسا حسواً؛ فإنه يثبت الحرمة عنده، ولهذا يسمى آكلا، والموجب للحرمة شرب اللبن دون أكل الطعام. بخلاف ما إذا خلط بالماء؛ لأنه صار تبعا له فيعتبر الغالب. وبخلاف ما إذا خلط بالدواء؛ (لأن اللبن يبقى مقصودا فيه)؛ لأنه إنما جعل في الدواء ليصل بقوة الدواء إلى ما لا يصل وحده؛ حتى قالوا: لو كان الطعام قليلا وبقي اللبن مشروبا تثبت به حرمة الرضاع. كذا في المبسوط (١). وقال شيخ الإسلام: لو كان بحيث يمكن أن يحسى؛ ينبغي أن تثبت الحرمة. (فيجعل الأقل تابعا للأكثر)؛ أي: وإن كان في جنس واحد؛ لما ذكرنا أن المغلوب كالمستهلك لعدم بقاء منفعته، كصب كوز من الماء العذب في البحر وقد مر.

стр. 2828

وَزُفَرٌ: (يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا) (*)؛ لِأَنَّ الجنسَ، لَا يَغْلِبُ الجِنسَ، فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَصِيرُ مُستَهلَكا فِي جِنسِهِ لاتِّحَادِ المَقصُودِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ، وَأَصْلُ المَسْأَلَةِ فِي الأَيْمَانِ. (وَإِذَا نَزَلَ لِلبِكْرِ لَبَنٌ فَأَرضَعَت صَبِيًّا، تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ) لِإِطْلَاقِ النَّصِّ وَلِأَنَّهُ سَبَبُ النُّشُوءِ فَتَثَبِّتُ بِهِ شُبَهَةُ البَعْضِيَّةِ .. (وَإِذَا حُلِبَ لَبَنُ المَرأَةِ بَعدَ مَوتِهَا فَأُوجِرَ الصَّبِيُّ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ) خِلَافاً لِلشَّافِعِيِّ، هُوَ يَقُولُ: الأَصلُ فِي ثُبُوتِ الحُرمَةِ إِنَّمَا هُوَ المَرأَةُ ثُمَّ تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا (لا يصير مستهلكا في جنسه) بل يتكثر بجنسه؛ (لاتحاد) مقصودهما؛ فلا ينتفي القليل فيتعلق به التحريم. (وعن أبي حنيفة روايتان) في رواية كما قال أبو يوسف. وبه قال الشافعي في قول (١). وفي رواية [كما] (٢) قال محمد. وهو قول زفر، وقول للشافعي (٣). (وأصل المسألة في الأيمان)؛ أي: فيما إذا حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة، فخلط لبنها بلبن بقرة أخرى فشربه؛ فهو على الخلاف الذي بيناه. قوله: (وإذا نزل للبكر لبن … ) إلى آخره، ولا خلاف للأئمة فيه. وعن الشافعي وجه أنه لا يتعلق به التحريم (٤). وبه قال أحمد في رواية (٥)؛ لأنه نادر فأشبه لبن الرجل. لكن نص الشافعي أنه يتعلق به التحريم (٦)؛ لما ذكرنا في الكتاب. قوله: (بعد موتها) قيد؛ لأنه لو حلب قبل الموت وأوجر بعد الموت؛ لا

стр. 2829

بِوَاسِطَتِهَا، وَبِالمَوتِ لَم تَبقَ مَحَلًّا لَهَا، .................................. يتأتى (خلاف الشافعي) (١) (٢)؛ فإن عنده على الأظهر يتعلق به التحريم كمذهبنا (٣). وبقولنا قال: مالك (٤)، وأحمد (٥). (وبالموت لم تبق محلا لها)؛ أي: للحرمة؛ لأنها التحقت بالجمادات فيما يرجع إلى أحكام الدنيا؛ لأن ثبوتها بطريق الكرامة، وصار كلبن البهيمة؛ ألا ترى أنه لو وطء الميتة لا يوجب حرمة المصاهرة عندكم، وإذا لم تثبت في حقها لم يثبت في حق غيرها. وهذا بخلاف ما لو حلب قبل الموت فأوجر بعده؛ فإن الحرمة تثبت؛ لأن اللبن كان محللا للحكم عند حدوثه فيتعلق به الحكم ولم يبطل ذلك بالموت؛ فصار كما لو أوجر قبل الموت. وفي المبسوط: ولأن اللبن حياة عنده فيموت بموتها ويصير نجس العين فلا يثبت به ما هو بمعنى الكرامة وهو حرمة الرضاع، أو لأن عنده هذا الفعل حرام؛ لأنه انتفاع بنجس العين فلا يثبت حكم الرضاع كما في الزنا؛ حيث لا يوجب حرمة المصاهرة عنده (٦). وعندنا: لا حياة في اللبن فلا يموت ولا ينجس عند أبي حنيفة؛ فيبقى طاهرا. وعندهما: يتنجس بنجاسة الوعاء؛ كما في المنفحة الميتة، وصار كلبن امرأة حلب في قارورة نجسة وأَوْجَر الصبي؛ تثبت به الحرمة باعتبار معنى البعضية.

стр. 2830

وَلِهَذَا لَا يُوجِبُ وَطؤُهَا حُرمَةَ المُصَاهَرَةِ. وَلَنَا: أَنَّ السَّبَبَ هُوَ شُبَهَةُ الجُزْئِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّبَنِ لِمَعْنَى الإِنشَارِ وَالإِنبَاتِ وَهُوَ قَائِمٌ بِاللَّبَنِ، وَهَذِهِ الحُرمَةُ تَظْهَرُ فِي حَقٌّ المَيِّتَةِ دَفنَا وَتَيَمُّما. أَمَّا الحُرمَةُ فِي الوَطءِ لِكَونِهِ مُلَاقِيًا لِمَحَلِّ الحَرْثِ وَقَدْ زَالَ بِالمَوتِ فَافْتَرَقَا. وإن كان الفعل حراما تثبت به الحرمة إذا تحقق فيه المعنى الموجب للحرمة (١)؛ لأن معنى البضعية لا ينعدم به حقيقة. ولو سلمنا له حرمة اللبن؛ فبالحرمة لا يخرج عن كونه معتديا؛ ألا ترى أن لحم الميتة مُغَذِّ فكذا لبنها. وبه فارق وطء الميتة؛ لأن معنى البضعية ينعدم منه أصلا؛ وهو معنى ما قال في الكتاب: (الجماع بعد الموت ليس بجماع)، وإيجار لبن الميتة رضاع، وشبه اللبن بالبيضة؛ فإنها لا تخرج بالموت من كونها مغذية؛ فكذا اللبن (٢)؛ وبه يُعرف ما ذكر الشيخ في المتن من قوله (ولنا) إلى قوله (فافترقا). قوله: (وهذه الحرمة تظهر في حق الميتة) إلى آخره، جواب عما قال الخصم: أنها بالموت لم تبق محلا (٣). فإن قيل: الرضيع غير قادر على الدفن والتيمم؛ فكيف يثبت هذا الحكم في حقه؟ قلنا: القدرة ليست بلازمة لثبوت الحكم؛ بدليل حل الوطء للعنين مع عدم قدرته عليه. ولأنه جاز أن يتزوج الصغيرة رجل؛ فتصير الميتة أم امرأته من الرضاع؛ فيثبت هذا الحكم في حقه بواسطتها، وكذا جاز أن يتزوج امرأة كبيرة فيثبت هذا الحكم في حقها بواسطة الصغير.

стр. 2831

(وَإِذَا احْتَقَنَ الصَّبِيُّ بِاللَّبَنِ لَم يَتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيمُ) … ... … ... الْوَجُورُ: دواء يُصب في الفم. والسَّعُوطُ: دواء يُصب في الأنف. وقال داود (١)، وأحمد في رواية (٢): لا يتعلق التحريم بهما؛ لأنهما لا يسميان رضاعا ولا تحصل بهما التغذية غالبا. وعن أبي حنيفة رواية مثل قولهما خلاف ظاهر الرواية. وعن أصحاب الشافعي في وجه مثل قولهما (٣). وقلنا: قال ﵇: «الرَّضاعُ ما أنبتَ اللّحم … .» الحديث (٤)؛ فعلم أن التحريم إنما يتعلق باعتبار معنى البعضية، وبالوجور والسعوط يحصل ذلك المعنى؛ فإنه بالأدهان المطيبة إذا حصل في الدماغ انتشر في العروق وتغذت المعدة بها، وكما في الأطعمة الحاصلة فيها. قوله: (وإذا احْتُقِنَ) في المغرب: الصواب: حُقِنَ؛ إذا عولج بالحقنة، واحْتُقِنَ بالضم غير جائز (٥)، وفي تاج المصادر: الاحتقان حَقَنَهُ كَرَدَنَ- فجعله متعديا فعلى هذا يجوز استعماله على بناء المفعول وهو الأكثر في استعمال الفقهاء (٦). (لم يتعلق به)؛ أي: بالاحتقان (التحريم)، وكذا بالإقطار في: الإحليل، والأذن، والجائفة. وبه قال الشافعي في الجديد (٧)، ومالك (٨)، وأحمد (٩).

стр. 2832

وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ الحُرمَةُ كَمَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّومُ. وَوَجهُ الفَرِقِ عَلَى الظَّاهِرِ (*): أَنَّ المُفسِدَ فِي الصَّومِ إصْلَاحُ البَدَنِ وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي الدَّوَاءِ. فَأَمَّا المُحَرِّمُ فِي الرَّضَاعِ فَمَعْنَى النُّشُوءِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الاحْتِقَانِ؛ لِأَنَّ المُغَذِّي وُصُولُهُ مِنْ الأعلى. (وعن محمد: أنه يثبت به)؛ أي: بالاحتقان (الحرمة). وبه قال الشافعي في القديم وهو اختيار المزني (١)، كما يحصل به الفطر. وكذا قال الشافعي في قوله القديم في الإقطار في الإحليل وفي الأذن والجائفة إذا وصل إلى الجوف يحصل به التحريم كما يحصل به الفطر في رمضان (٢). (لأن الْمُغَذِّي وصوله من الأعلى)؛ ليصل إلى المعدة لا من السافل؛ لأنه لا يصير إليها، وكذا الإقطار في الإحليل والجائفة؛ لأنه لا يتغذى به عادة. أما في الإقطار في الأذن: الظاهر أنه لا يصل إلى الدماغ؛ لضيق ذلك الثقب، وكذا الإقطار في الإحليل؛ فإن أكثر ما فيه أن يصل إلى المثانة فلا يتغذى به الصبي عادة. قوله: (وإذا نزل للرجل لبن) (٣) إلى آخره؛ [ولا خلاف] (٤) للأئمة الأربعة فيه (٥). وعن الكرابيسي من أصحاب الشافعي: أنه يثبت التحريم به؛ لأنه لبن حقيقة فيحصل به معنى النشوز (٦). وحكي عن مالك كراهة نكاح من أرضعه الرجل (٧).

стр. 2833

(وَإِذَا نَزَلَ لِلرَّجُلِ لَبَنٌ فَأَرضَعَ بِهِ صَبِيًّا لَم يَتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيمُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَن عَلَى التَّحْقِيقِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّشُوءُ وَالنُّمُوُّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الوِلَادَةُ. (وَإِذَا شَرِبَ صَبِيَّانِ مِنْ لَبَنِ شَاةَ لَم يَتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيمُ)؛ لِأَنَّهُ لَا جُزئِيَّةَ بَينَ الآدَمِيِّ وَالبَهَائِمِ وَالحُرمَةُ بِاعْتِبَارِهَا. (وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ صَغِيرَة وَكَبِيرَة فَأَرضَعَت الكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ حُرِّمَنَا عَلَى الزَّوج)؛ … ... . وقلنا: أن اللبن من أثر الولادة؛ فلا يصلح لبنه لغذاء الولد فلم يتعلق به التحريم كسائر المائعات، وإنما سمي لبنا لتصوره بصورة اللبن. قوله: (من لبن شاة) إلى آخره، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة (١). وما روي عن مالك أنه يثبت به التحريم؛ غير صحيح. وفي المبسوط: دخل محمد بن إسماعيل صاحب الأخبار ببخارى من الشيخ أبي حفص الكبير وأفتى بذلك؛ فنصحه الشيخ وقال: لا تفعل؛ فلم يقبل فاجتمعوا وأخرجوه من بخارى (٢). والفقه فيه: أن ثبوت الحرمة بطريق الكرامة، وذلك يختص بلبن الآدمية؛ لأن شبهة البعضية لا تثبت بين الأنعام والآدمي بشرب لبنها؛ فكذا بين الآدميين إذا شربوا لبن بهيمة، ولهذا لا تثبت حرمة المصاهرة بوطء البهائم؛ لأن ذا بطريق الكرامة؛ فكذا هذا. ولأن البهيمة لا يتصور أن [تكون] (٣) أما للآدمي وولادًا؛ فكذا رضاعًا. قوله: (حرمتا على الزوج)؛ فينفسخ النكاح. وبه قال الشافعي (٤)،

стр. 2834

لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بَينَ الأُمِّ وَالبِنتِ رَضَاعًا وَذَلِكَ حَرَامٌ كَالجَمْعِ بَيْنَهُمَا نَسَبًا (ثُمَّ إِنْ لَم يَدخُل بِالكَبِيرَةِ فَلَا مَهرَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الفُرقَةَ جَاءَت مِنْ قِبَلِهَا قَبلَ الدُّخُولِ بِهَا (وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ المَهرِ)؛ لِأَنَّ الفُرقَةَ وَقَعَت لَا مِنْ جِهَتِهَا، .......... وأحمد (١). وحكي عن مالك: أنه إذا لم يدخل بالكبيرة بطل نكاحها ويثبت نكاح الصغيرة؛ لأن الفرقة جاءت منها؛ وببطلان نكاحها لم يبق الجمع (٢). وعن الأوزاعي: أنه إذا لم يدخل بالكبيرة يثبت نكاحها، وبطل نكاح الصغيرة (٣). (فلا مهر لها)؛ أي: للكبيرة سواء تعمدت الفساد أو لا. وجاز أن يتزوج الصغيرة مرة أخرى؛ لأنها ربيبته ولم يدخل بأمها. ولا يتزوج الكبيرة؛ لأنها أم امرأته. (لأن الفرقة وقعت لا من جهتها) فإن قيل: يشكل بصغيرة مسلمة ارتد أبوها ولحق بها بدار الحرب بانت، ولا يقضي لها بشئ من المهر، ولم يوجد الفعل منها. قلنا: لما حكمنا بارتدادها تبعًا لهما؛ صارت في الحكم كأنها ارتدت، والردة محظورة لا إباحة لها بحال؛ فلا تبقى مستحقة النظر فلا يحل نصف المهر، أما الارتضاع لا حاظر له؛ فيستحق النظر فلا يسقط المهر. فإن قيل: يشكل بقتل الرجل امرأة رجل قبل الدخول؛ فإنه يقضي على الزوج بالمهر، ولا يرجع على القاتل بشيء مع أن القتل محظور. قلنا: وجب القتل قصاصا أو دية، وللزوج نصيب فيما هو الواجب بالقتل؛ فلا يتضاعف حقه بالتضمين، أما الزوج فيما نحن فيه؛ لا نصيب له في شيء فيضمن من أتلف نصف المهر. كذا في الفوائد الظهيرية (٤).

стр. 2835

وَالارْتِضَاعُ وَإِنْ كَانَ فِعلًا مِنهَا لَكِنَّ فِعَلَهَا غَيْرُ مُعتَبَر فِي إسْقَاطِ حَقَّهَا كَمَا إِذَا قَتَلَت مُوَرِّثَهَا (وَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوجُ عَلَى الكَبِيرَةِ ............ وفي الأسرار: في جواب سؤال الردة قال: لا يمكن إضافة الفرقة إلى ردة أبويها؛ لأن ردتها قد تنفصل عن ردتهما، ولا تبين بردتهما وتبين بردة نفسها؛ فكانت الفرقة لمعنى فيها. ثم قال فيه: هذه مسألة مشكلة. قوله: (والارتضاع وإن كان فعلا) جواب عن قول مالك: أن الفرقة جاءت من قبل الصغيرة؛ فلا مهر لها فلا يضمن للمرضعة شيئا؛ وذلك لأنها بالارتضاع صارت بنتا له كما أن الكبيرة صارت أما لها بالإرتضاع، والارتفاع فعلها. فقلنا: نعم الارتفاع فعلها؛ ولكن فعلها غير معتبر في حقها وإسقاط مهرها؛ لأن المهر إنما يسقط جزاء للفعل، والصغيرة ليست من أهل المجازاة على الفعل؛ فلا يسقط حقها أي: مهرها؛ ألا ترى أنها لو (قتلت مورثها) لا تجب الكفارة بالقتل، ولا تحرم عن الميراث، حتى لو وجد في البالغة ما يمنع المجازاة لا يسقط مهرها؛ بأن كانت مكرهة. ولأنها في الامتصاص والارتضاع مجبورة على ذلك بحكم الطبع، والكبيرة في إلقام الثدي فَمَها مختارة؛ فأضيف الفساد إليها كمن ألقى حية على إنسان فلدغته فانضاف على الملقي؛ لأن اللدغ لها طبع. حتى لو كانت الكبيرة نائمة فارتفعت الصغيرة؛ بانتا ولكل واحدة نصف المهر، ولا يرجع الزوج على أحدهما. وبه قال الشافعي (١). (ويرجع به)؛ أي: بنصف المهر على الزوج (٢). وهو أحد قولي الشافعي (٣)، وأحمد (٤). وقال مالك: لا يرجع (٥)؛ لما ذكرنا من مذهبه.

стр. 2836

إِنْ كَانَتْ تَعَمَّدَت بِهِ الفَسَادَ، وَإِنْ لَم تَتَعَمَّد فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَإِنْ عَلِمَت بِأَنَّ الصَّغِيرَةَ امرَأَتُهُ) وَعَنْ مُحَمَّد ﵀: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الوَجْهَينِ. وقال الشافعي في قول: تضمن مهر المثل لأنه قيمة البضع كما في الشهود بالطلاق قبل الدخول إذا رجعوا ففي قول: يضمنون نصف المهر وأن الزوج لا يغرم، وفي قول: مهر المثل قيمة البضع لإتلافهم ملك البضع (١). قوله: (إن تعمدت الفساد) وفي المبسوط تفسير تعمد الفساد: أن تقصده، مع العلم بأن الرضاع يحرمها على الزوج في الشرع؛ فلو لم تعلم ذلك أو أخطأت بأن لم تعلم بالنكاح أو علمت لكن لم تعلم بأن الإرضاع يفسد النكاح أو أرادت الخير بأن خافت على الرضيع الهلاك من الجوع؛ لم يرجع به عليها، والقول فيه قولها إن لم يظهر منها تعمد الفساد؛ لأنه شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها؛ فيقبل قولها باليمين (٢). فإن قيل: يشكل هذا بصغيرتين تحت رجل، ولرجل آخر امرأتان، فأرضعت كل واحدة منهما واحدة من الصغيرتين حتى بانتا على الزوج؛ لم يغرما شيئا وإن تعمدتا. قلنا: فعل الكبيرة فيما نحن فيه مستقل بالإفساد، وأما فعل كل واحدة من الكبيرتين هناك غير مستقل بالإفساد فلا تضاف الفرقة إلى كل واحدة؛ لأن الفساد باعتبار الجمع بين الأختين، والأجنبية (٣) قائمة بهما؛ فلا تعدو إلى المرأتين؛ فلا يعتبر تعديهما، وههنا باعتبار الجمع بين الأم والبنت، والأمية قائمة بالمرضعة؛ فيعتبر تعديها؛ لأنها مخاطبة على ما ذكرنا. إليه أشير في المبسوط، والفوائد الظهيرية (٤). (يرجع في الوجهين) وهو إذا تعمدت الفساد أو لم تتعمد. وبه قال: زفر، والشافعي (٥)، وأحمد (٦)؛ فإن من أصل محمد أن المسبب كالمباشر، ولهذا

стр. 2837

وَالصَّحيحُ ظَاهِرُ الرِّواية؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ أَكَّدَت مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ، وَهُوَ نِصْفُ المَهرِ، وَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الإِتلافِ، لَكِنَّهَا مُسَبِّبَةٌ فِيهِ، إِمَّا لِأَنَّ الإِرْضَاعَ لَيْسَ بِإِفساد لِلنِّكَاحِ وَضعًا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الحَالِ، أَوْ لِأَنَّ إفسَادَ النِّكَاحِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِإِلزَامِ المَهرِ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِسُقُوطِهِ، إِلَّا أَنَّ نِصْفَ المَهرِ يَجِبُ بِطَرِيقِ المُتعَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، لَكِنَّ مِنْ شَرطِهِ … ... … ... … ... … ... … جعل فتح باب القفص والاصطبل وحل قيد الآبق موجبا للضمان. وفي رواية المباشر المتعدي وغير المتعدي سواء؛ فكذا في التسبب على قوله. ولأنها أكدت على ما كان على شرف السقوط وهو نصف المهر، وذا جار مجرى الإتلاف؛ كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا. وعند الشافعي: ضمان إتلاف أيضا؛ لإتلافها ملك البضع على الزوج فيرجع به عليها في الفصلين؛ لكن اختلف أصحابه في قدر الضمان كما ذكرنا. (وضعا)؛ لأن وضعه لتربية الصغير. (وإنما يثبت ذلك)؛ أي: فساد النكاح (باتفاق الحال) بأن صارتا أما وبنتًا بالإرضاع كما في هذه المسألة، ولهذا لو كانت المرضعة تحت رجل آخر؛ لا يفسد نكاح الصغيرة. (على ما عرف)؛ أي: في باب النكاح، وهو: أن المتعة تجب بالنص؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، لا بالعقد. وإذا فسخ العقد قبل استيفاء المعقود عليه؛ لا يوجب شيئا كما في هلاك المبيع قبل القبض. (لكن من شرطه)؛ أي: شرط وجوب المتعة؛ بيانه أن الكبيرة ما أتت بعلة وجوب نصف المهر على الزوج، وإنما أتت بشرط وجوب نصف المهر عليه؛ لأن إبطال النكاح ليس بعلة وجوب المهر بل هو علة سقوط المهر، ولكن يجب نصف المهر إذا كان هناك مسمى، والمتعة إذا لم يكن؛ فكان إبطال النكاح شرط وجوب نصف المهر، ويحصل الشرط إذا كان متعديا؛ فنلحق الشرط بالعلة؛ فيجب عليه الضمان.

стр. 2838

إبطالَ النِّكَاحِ، وَإِذَا كَانَتْ مُسَبِّبَة يُشتَرَطُ فِيهِ التَّعَدِّي كَحَفِرِ البِيْرِ، ثُمَّ إِنَّمَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَة إِذَا عَلِمَت بِالنِّكَاحِ وَقَصَدَت بِالإِرْضَاعِ الفَسَادَ، أَمَّا إِذَا لَم تَعلَم بِالنِّكَاحِ أَوْ عَلِمَت بِالنِّكَاحِ وَلَكِنَّهَا قَصَدَت دَفعَ الجُوعِ وَالهَلَاكِ عَنِ الصَّغِيرَةِ دُونَ الفَسَادِ، لَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَة؛ لِأَنَّهَا مَأمُورَةٌ بِذَلِكَ وَلَو عَلِمَت بِالنِّكَاحِ وَلَم تَعْلَم بِالفَسَادِ لَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَة أَيضًا، وَهَذَا مِنَّا اعْتِبَارُ الجَهلِ لِدَفْعِ قَصدِ الفَسَادِ لَا لِدَفْعِ الحُكمِ. وإذا كان غير متعد؛ لا يجب إلحاق الحكم بالشرط لأنه في إلحاق الشرط إلى العلة إضرار بصاحب الشرط بلا جناية وتعدّ، وبالتعدي يجب إلحاق الضرر إليه؛ لأنه يلزمه من تعديه. كذا في جامع أبي اليسر. (وإذا كانت) أي: الكبيرة (مسببة)؛ لما ذكرنا أن الإرضاع سبب وجوب نصف المهر أو شرطه؛ فيشترط (التعدي) في مباشرته (كحفر البئر)؛ فإنه لو حفرها في ملكه لا يضمن ما وقع فيها، والإرضاع نفسه ليس بتعد؛ لأنه فريضة: إن خافت هلاك الصغيرة وهو معنى قوله؛ (لأنها مأمورة بذلك)، ومستحب: إن كانت جائعة، ومباح: إن لم تقصد الفساد. وتعمد الفساد إنما يكون إذا أرضعتها بلا حاجة وضرورة، وعلمت بقيام النكاح وبكون الإرضاع مفسدا للنكاح؛ حتى لو فات شيء من ذلك لم تكن متعمدة، والقول لها فيه. كما بينا من رواية المبسوط. (وهذا)؛ أي: القول بأن علمها بالنكاح وفساده بالإرضاع (وهذا منا اعتبار الجهل) بحكم الشرع [في دار الإسلام، وهو في الحقيقة جواب سؤال [مقدر] (١) وهو: اعتبار الجهل في دار الإسلام بحكم الشرع] (٢)، والجهل بحكم الشرع غير معتبر؟. فقال: هذا اعتبار الجهل منا لدفع قصد الفساد الذي به يصير الفعل تعديا [(لا لدفع الحكم) الشرعي وهو: وجوب الضمان، واعتبار الجهل لدفع قصد

стр. 2839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الفساد الذي به يصير الفعل تعديا] (١) صحيح؛ لتضرر صاحب الشرط به لأنه يلحقه بالعلة في وجوب الضمان؛ يعني: إذا لم يعلم بالفساد لم يقصد، وإذا لم يقصد لا تصير العلة موجودة مع الجهل؛ فكان عدم الحكم لعدم العلة؛ لأن العلة موجودة مع الجهل. كذا في جامع الكشاني (٢). ومن فروع هذه المسألة: لو كانت تحته امرأتان رضيعتان، فأرضعتهما أجنبية على التعاقب؛ حرمتا عليه كما لو أرضعتهما معا؛ لأنهما صارتا أختين والجمع بينهما نكاح حرام. وبه قال الشافعي في قول (٣)، وأحمد (٤)، واختاره المزني. وقال الشافعي في قول: ينفسخ نكاح الثانية (٥)؛ لأن الأختية ثبتت بإرضاع الثانية فيتحقق في حقها. ولو كانت تحته ثالثة، فأرضعتهن أجنبية معا بأن جلبت لبنها في قارورة وألقمت إحدى ثدييها إحداهن والآخر الأخرى وأوجرت الثلاثة معا؛ بِنَّ جميعًا لأنهنَّ صِرْنَ أخوات معا. وإن أرضعتهن على التعاقب؛ بانت الأولتان، والثالثة امرأته؛ لأنها حين أرضعت الثانية قد تحققت الأختية بينها وبين الأولى؛ فتقع الفرقة بينه وبينهما، وحين أرضعت الثالثة ليس في نكاحه غيرها؛ فلا يتحقق الجمع. ولو كُنَّ أربعًا فأرضعتهن معا، أو واحدة واحدة ثم الثلاث معا؛ بِنَّ جميعا، وكذا لو أرضعتهن على التعاقب، ولو أرضعت الثلاث أولا معا ثم الرابعة؛ جاز نكاح الرابعة؛ لأنها حين أرضعتها ليس في نكاحه غيرها.

стр. 2840

(وَلَا تُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنفَرِدَات، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُل وَامرَأَتَينِ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: تَثبتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَة وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَتْ مَوصُوفَة ولو كانت تحته صغيرتان وكبيرة، فأرضعتهما الكبيرة على التعاقب؛ بقي نكاح الثانية؛ لأنها حين أرضعتها ليس في نكاحه غيرها، والسابق عقد مجرد؛ فلا يوجب حرمة النسب. ولو كانت تحته كبيرتان وصغيرتان، فأرضعت كل من الكبيرتين صغيرة؛ وقعت الفرقة بينه وبينهن؛ للزوم الجمع بين الأم والبنت. ولو أرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرتين، ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين، وذلك قبل الدخول بالكبيرتين؛ فالكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى بانتا منه لما قلنا، والصغيرة الثانية؛ لم تَبِنْ بإرضاع الكبيرة الأولى؛ فالكبيرة الثانية إن بدأت بإرضاع الصغيرة الثانية بانت منه، وإن بدأت بإرضاع الأولى فالصغيرة الثانية امرأته؛ لأنه حين أرضعت الأولى صارت أما لها وفسد نكاحها لصحة العقد على الصغيرة الأولى فيما سبق ثم أرضعت الثانية وليس في نكاحه غيرها؛ فلا يتحقق الجمع فلم تَبِنْ منه. الكل من المبسوط (١). قوله: (ولا تقبل في الرضاع شهادة النساء منفردات) وقال الشافعي: تقبل شهادة أربع منهن، وهو قول عطاء (٢)؛ لأن كل امرأتين بمثابة رجل واحد فيما لا يطلع عليه الرجال، والرضاع منه لأنه بالثدي، ولا يحل للأجانب النظر إليه. (وقال مالك: يثبت بشهادة امرأة واحدة إذا كانت) عدلا (٣). وهكذا روي عن عثمان (٤) ﵁ هكذا في كتبنا وفي كتب أصحاب مالك. وبه قال الثوري (٥).
следующие страницы →