← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

إِنْ كَانَتْ تَعَمَّدَت بِهِ الفَسَادَ، وَإِنْ لَم تَتَعَمَّد فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَإِنْ عَلِمَت بِأَنَّ الصَّغِيرَةَ امرَأَتُهُ) وَعَنْ مُحَمَّد ﵀: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الوَجْهَينِ. وقال الشافعي في قول: تضمن مهر المثل لأنه قيمة البضع كما في الشهود بالطلاق قبل الدخول إذا رجعوا ففي قول: يضمنون نصف المهر وأن الزوج لا يغرم، وفي قول: مهر المثل قيمة البضع لإتلافهم ملك البضع (١). قوله: (إن تعمدت الفساد) وفي المبسوط تفسير تعمد الفساد: أن تقصده، مع العلم بأن الرضاع يحرمها على الزوج في الشرع؛ فلو لم تعلم ذلك أو أخطأت بأن لم تعلم بالنكاح أو علمت لكن لم تعلم بأن الإرضاع يفسد النكاح أو أرادت الخير بأن خافت على الرضيع الهلاك من الجوع؛ لم يرجع به عليها، والقول فيه قولها إن لم يظهر منها تعمد الفساد؛ لأنه شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها؛ فيقبل قولها باليمين (٢). فإن قيل: يشكل هذا بصغيرتين تحت رجل، ولرجل آخر امرأتان، فأرضعت كل واحدة منهما واحدة من الصغيرتين حتى بانتا على الزوج؛ لم يغرما شيئا وإن تعمدتا. قلنا: فعل الكبيرة فيما نحن فيه مستقل بالإفساد، وأما فعل كل واحدة من الكبيرتين هناك غير مستقل بالإفساد فلا تضاف الفرقة إلى كل واحدة؛ لأن الفساد باعتبار الجمع بين الأختين، والأجنبية (٣) قائمة بهما؛ فلا تعدو إلى المرأتين؛ فلا يعتبر تعديهما، وههنا باعتبار الجمع بين الأم والبنت، والأمية قائمة بالمرضعة؛ فيعتبر تعديها؛ لأنها مخاطبة على ما ذكرنا. إليه أشير في المبسوط، والفوائد الظهيرية (٤). (يرجع في الوجهين) وهو إذا تعمدت الفساد أو لم تتعمد. وبه قال: زفر، والشافعي (٥)، وأحمد (٦)؛ فإن من أصل محمد أن المسبب كالمباشر، ولهذا

стр. 2837

وَالصَّحيحُ ظَاهِرُ الرِّواية؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ أَكَّدَت مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ، وَهُوَ نِصْفُ المَهرِ، وَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الإِتلافِ، لَكِنَّهَا مُسَبِّبَةٌ فِيهِ، إِمَّا لِأَنَّ الإِرْضَاعَ لَيْسَ بِإِفساد لِلنِّكَاحِ وَضعًا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الحَالِ، أَوْ لِأَنَّ إفسَادَ النِّكَاحِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِإِلزَامِ المَهرِ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِسُقُوطِهِ، إِلَّا أَنَّ نِصْفَ المَهرِ يَجِبُ بِطَرِيقِ المُتعَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، لَكِنَّ مِنْ شَرطِهِ … ... … ... … ... … ... … جعل فتح باب القفص والاصطبل وحل قيد الآبق موجبا للضمان. وفي رواية المباشر المتعدي وغير المتعدي سواء؛ فكذا في التسبب على قوله. ولأنها أكدت على ما كان على شرف السقوط وهو نصف المهر، وذا جار مجرى الإتلاف؛ كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا. وعند الشافعي: ضمان إتلاف أيضا؛ لإتلافها ملك البضع على الزوج فيرجع به عليها في الفصلين؛ لكن اختلف أصحابه في قدر الضمان كما ذكرنا. (وضعا)؛ لأن وضعه لتربية الصغير. (وإنما يثبت ذلك)؛ أي: فساد النكاح (باتفاق الحال) بأن صارتا أما وبنتًا بالإرضاع كما في هذه المسألة، ولهذا لو كانت المرضعة تحت رجل آخر؛ لا يفسد نكاح الصغيرة. (على ما عرف)؛ أي: في باب النكاح، وهو: أن المتعة تجب بالنص؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، لا بالعقد. وإذا فسخ العقد قبل استيفاء المعقود عليه؛ لا يوجب شيئا كما في هلاك المبيع قبل القبض. (لكن من شرطه)؛ أي: شرط وجوب المتعة؛ بيانه أن الكبيرة ما أتت بعلة وجوب نصف المهر على الزوج، وإنما أتت بشرط وجوب نصف المهر عليه؛ لأن إبطال النكاح ليس بعلة وجوب المهر بل هو علة سقوط المهر، ولكن يجب نصف المهر إذا كان هناك مسمى، والمتعة إذا لم يكن؛ فكان إبطال النكاح شرط وجوب نصف المهر، ويحصل الشرط إذا كان متعديا؛ فنلحق الشرط بالعلة؛ فيجب عليه الضمان.

стр. 2838

إبطالَ النِّكَاحِ، وَإِذَا كَانَتْ مُسَبِّبَة يُشتَرَطُ فِيهِ التَّعَدِّي كَحَفِرِ البِيْرِ، ثُمَّ إِنَّمَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَة إِذَا عَلِمَت بِالنِّكَاحِ وَقَصَدَت بِالإِرْضَاعِ الفَسَادَ، أَمَّا إِذَا لَم تَعلَم بِالنِّكَاحِ أَوْ عَلِمَت بِالنِّكَاحِ وَلَكِنَّهَا قَصَدَت دَفعَ الجُوعِ وَالهَلَاكِ عَنِ الصَّغِيرَةِ دُونَ الفَسَادِ، لَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَة؛ لِأَنَّهَا مَأمُورَةٌ بِذَلِكَ وَلَو عَلِمَت بِالنِّكَاحِ وَلَم تَعْلَم بِالفَسَادِ لَا تَكُونُ مُتَعَدِّيَة أَيضًا، وَهَذَا مِنَّا اعْتِبَارُ الجَهلِ لِدَفْعِ قَصدِ الفَسَادِ لَا لِدَفْعِ الحُكمِ. وإذا كان غير متعد؛ لا يجب إلحاق الحكم بالشرط لأنه في إلحاق الشرط إلى العلة إضرار بصاحب الشرط بلا جناية وتعدّ، وبالتعدي يجب إلحاق الضرر إليه؛ لأنه يلزمه من تعديه. كذا في جامع أبي اليسر. (وإذا كانت) أي: الكبيرة (مسببة)؛ لما ذكرنا أن الإرضاع سبب وجوب نصف المهر أو شرطه؛ فيشترط (التعدي) في مباشرته (كحفر البئر)؛ فإنه لو حفرها في ملكه لا يضمن ما وقع فيها، والإرضاع نفسه ليس بتعد؛ لأنه فريضة: إن خافت هلاك الصغيرة وهو معنى قوله؛ (لأنها مأمورة بذلك)، ومستحب: إن كانت جائعة، ومباح: إن لم تقصد الفساد. وتعمد الفساد إنما يكون إذا أرضعتها بلا حاجة وضرورة، وعلمت بقيام النكاح وبكون الإرضاع مفسدا للنكاح؛ حتى لو فات شيء من ذلك لم تكن متعمدة، والقول لها فيه. كما بينا من رواية المبسوط. (وهذا)؛ أي: القول بأن علمها بالنكاح وفساده بالإرضاع (وهذا منا اعتبار الجهل) بحكم الشرع [في دار الإسلام، وهو في الحقيقة جواب سؤال [مقدر] (١) وهو: اعتبار الجهل في دار الإسلام بحكم الشرع] (٢)، والجهل بحكم الشرع غير معتبر؟. فقال: هذا اعتبار الجهل منا لدفع قصد الفساد الذي به يصير الفعل تعديا [(لا لدفع الحكم) الشرعي وهو: وجوب الضمان، واعتبار الجهل لدفع قصد

стр. 2839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الفساد الذي به يصير الفعل تعديا] (١) صحيح؛ لتضرر صاحب الشرط به لأنه يلحقه بالعلة في وجوب الضمان؛ يعني: إذا لم يعلم بالفساد لم يقصد، وإذا لم يقصد لا تصير العلة موجودة مع الجهل؛ فكان عدم الحكم لعدم العلة؛ لأن العلة موجودة مع الجهل. كذا في جامع الكشاني (٢). ومن فروع هذه المسألة: لو كانت تحته امرأتان رضيعتان، فأرضعتهما أجنبية على التعاقب؛ حرمتا عليه كما لو أرضعتهما معا؛ لأنهما صارتا أختين والجمع بينهما نكاح حرام. وبه قال الشافعي في قول (٣)، وأحمد (٤)، واختاره المزني. وقال الشافعي في قول: ينفسخ نكاح الثانية (٥)؛ لأن الأختية ثبتت بإرضاع الثانية فيتحقق في حقها. ولو كانت تحته ثالثة، فأرضعتهن أجنبية معا بأن جلبت لبنها في قارورة وألقمت إحدى ثدييها إحداهن والآخر الأخرى وأوجرت الثلاثة معا؛ بِنَّ جميعًا لأنهنَّ صِرْنَ أخوات معا. وإن أرضعتهن على التعاقب؛ بانت الأولتان، والثالثة امرأته؛ لأنها حين أرضعت الثانية قد تحققت الأختية بينها وبين الأولى؛ فتقع الفرقة بينه وبينهما، وحين أرضعت الثالثة ليس في نكاحه غيرها؛ فلا يتحقق الجمع. ولو كُنَّ أربعًا فأرضعتهن معا، أو واحدة واحدة ثم الثلاث معا؛ بِنَّ جميعا، وكذا لو أرضعتهن على التعاقب، ولو أرضعت الثلاث أولا معا ثم الرابعة؛ جاز نكاح الرابعة؛ لأنها حين أرضعتها ليس في نكاحه غيرها.

стр. 2840

(وَلَا تُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنفَرِدَات، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُل وَامرَأَتَينِ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: تَثبتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَة وَاحِدَةٍ إِذَا كَانَتْ مَوصُوفَة ولو كانت تحته صغيرتان وكبيرة، فأرضعتهما الكبيرة على التعاقب؛ بقي نكاح الثانية؛ لأنها حين أرضعتها ليس في نكاحه غيرها، والسابق عقد مجرد؛ فلا يوجب حرمة النسب. ولو كانت تحته كبيرتان وصغيرتان، فأرضعت كل من الكبيرتين صغيرة؛ وقعت الفرقة بينه وبينهن؛ للزوم الجمع بين الأم والبنت. ولو أرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرتين، ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين، وذلك قبل الدخول بالكبيرتين؛ فالكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى بانتا منه لما قلنا، والصغيرة الثانية؛ لم تَبِنْ بإرضاع الكبيرة الأولى؛ فالكبيرة الثانية إن بدأت بإرضاع الصغيرة الثانية بانت منه، وإن بدأت بإرضاع الأولى فالصغيرة الثانية امرأته؛ لأنه حين أرضعت الأولى صارت أما لها وفسد نكاحها لصحة العقد على الصغيرة الأولى فيما سبق ثم أرضعت الثانية وليس في نكاحه غيرها؛ فلا يتحقق الجمع فلم تَبِنْ منه. الكل من المبسوط (١). قوله: (ولا تقبل في الرضاع شهادة النساء منفردات) وقال الشافعي: تقبل شهادة أربع منهن، وهو قول عطاء (٢)؛ لأن كل امرأتين بمثابة رجل واحد فيما لا يطلع عليه الرجال، والرضاع منه لأنه بالثدي، ولا يحل للأجانب النظر إليه. (وقال مالك: يثبت بشهادة امرأة واحدة إذا كانت) عدلا (٣). وهكذا روي عن عثمان (٤) ﵁ هكذا في كتبنا وفي كتب أصحاب مالك. وبه قال الثوري (٥).

стр. 2841

بِالعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الحُرمَةَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الشَّرعِ فَتَثْبُتُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، كَمَنِ اشْتَرَى لَحْمًا فَأَحْبَرَهُ وَاحِدٌ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ. وَلَنَا: أَنَّ ثُبُوتَ الحُرمَةِ لَا يَقْبَلُ الفَصْلَ عَنْ زَوَالِ المِلكِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَإِبْطَالُ المِلكِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَينِ، ........................ وقال أحمد: تكفي شهادة المرضعة وحدها (١). وهو قول الحسن البصري (٢). أما لا خلاف في قبول شهادة رجل وامرأتين أو رجلين؛ واستدل بحديث عقبة بن الحارث: أنه تزوج ابنة أبي إيهاب، فجاءت امرأة حمقاء فأخبرت أنها أرضعت عقبة والتي نكحها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأعرض، ثم ثانيا فأعرض عنه، ثم ثالثا؛ فقال: «فارِقُها إِذَنْ»، فقال: إنها حمقاء يا رسول الله، قال: «كيف وقَدْ قيل» (٣)؛ فيثبت بخبر الواحد العدل، غير أنه إذا ثبتت الحرمة يثبت زوال ملك النكاح ضمنا، وقد يثبت [الشيء] (٤) ضمنا وإن كان لا يثبت قصدا. (ذبيحة المجوسي) فإن الحرمة تثبت، ولا يحل أكله ولا يطعم غيره أيضا؛ ولكن يبقى ملكه حتى لا يرده على بائعه، وعليه الثمن. (ولنا: أن ثبوت الحرمة) أي: الحرمة المؤبدة؛ فإن المؤبدة (لا تقبل الفصل) أما المؤقتة كالحرمة بالحيض والعدة (٥) والظهار؛ تقبل الفصل. (وإبطال الملك)؛ أي: ملك النكاح يتوقف على (شهادة رجلين أو رجل وامرأتين) كما في الطلاق ينفك عن زوال الملك؛ فإن الخمر مملوكة ولا يحل تناولها، وجلد الميتة مملوك وحرم الانتفاع به، وإذا كانت حرمة الأكل لا تتضمن زوال ملكه، وكانت الشهادة قائمة على مجرد الحرمة حقا لله تعالى؛

стр. 2842

بِخِلَافِ اللَّحْم؛ لِأَنَّ حُرمَةَ التَّنَاوُلِ تَنفَثُ عَنْ زَوَالِ المِلكِ فَاعْتُبِرَ أَمْرًا دِينِيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فيقبل فيها خبر الواحد؛ لأنه أمر ديني؛ يؤيد ما ذكرنا حديث عمر ﵁ أنه قال: لا يُقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين. ولأن سبب هذه الحرمة - وهو الإرضاع - مما يطلع عليه الرجال؛ لأن ذا الرحم المحرم يطلع على الثدي، وهو مقبول الشهادة في ذلك. ولأن الإرضاع كما يحصل من الثدي يحصل بالإيجار من القارورة، وذلك مما يطلع عليه الرجال؛ فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. وحديث عقبة دليلنا؛ فإنه ﵇ أعرض عنه في المرتين؛ فلو كانت الحرمة ثابتة لما فعل ذلك. ثم إنه رأى منه طمأنينة قلبه إلى قولها حيث أعاد السؤال؛ فأمره أن يفارقها احتياطا، والدليل عليه أن الشهادة كانت عن ضغن؛ فإنه قال: "جاءت امرأة سوداء أي: حمقاء- تستطعمنا؛ فأبينا أن نطعمها؛ فجاءت تشهد على الرضاع" (١) وبالإجماع مثل هذه الشهادة لا تثبت الحرمة؛ فعرف أن ذلك كان احتياطا على وجه التنزه. وإليه أشار في قوله ﵇: «كيف وقد قيل» (٢). وعندنا: [أنه] (٣) لو وقع في قلبه صدقها؛ فالأولى أن يتنزه ويأخذ بالثقة، سواء كان الإخبار قبل النكاح أو بعده. وبه قال الشافعي؛ لأنه ترك نكاح امرأة فالأحوط التنزه؛ فأما القاضي لا يفرق [بينهما] (٤) إلا بحجة. كذا في المبسوط (٥).

стр. 2843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسائل تتعلق بهذا الباب وفي المحيط: لو كان المخبر بالرضاع واحد وقع في قلبه صدقه؛ فالأولى أن يتنزه ويأخذ بالثقة سواء كان الإخبار قبل النكاح أو بعده (١). وبه قال الشافعي (٢)؛ لأن ترك نكاح امرأة تحل له خير من نكاح امرأة لا تحل له؛ ولكن لا يجب عليه وهو في سعة من تكذيبها، وكذا لو شهد معها رجل. ولو قال لامرأته: هذه أختي أو أمي أو بنتي من الرضاع، ورجع عن ذلك بأن قال: أوهمْتُ أو أخطأتُ أو نسيتُ، وصدَّقَتْهُ؛ صُدِّقَ وبقي النكاح (٣). وقال الشافعي (٤)، وأحمد (٥): لا يقبل رجوعه وينفسخ النكاح، كما في الإقرار بالأختية والأمية والبنتية من النسب؛ لأن الرجوع عن الإقرار باطل؛ لأنه في حق المقر كالبينة، وصار كما لو أقر بطلاق ثم رجع، ولا مهر لها عليه قبل الدخول، وبعد الدخول يجب مهر المثل. ولنا: أن هذا شيء يقع فيه الاشتباه؛ فقد يقع عند الرجل أن بينه وبين امرأته رضاع فيخبر بذلك، ثم يتفحص عن حقيقة الحال فيتبين له أنه غلط في ذلك؛ فيقبل قوله شرعا لأن الحل والحرمة حق الشرع؛ فإذا تصادقا على الغلط فليس هنا من يكذبهما فيه فيقبل قولهما؛ لأن إقراره ابتداء لم يكن عن نفسه؛ لأنه أقر بحرمتها عليه والحرمة صفة للمحل، وإقرار الإنسان على الغير لا يكون لازما؛ فإذا ذكر أنه غلط لا يريد بهذا إبطال شيء لزمه؛ فلهذا قبل قوله. ثم عندنا: لو ثبت على الأول فرق بينهما، وكذا لو أقر أن هذه أخته أو أمه

стр. 2844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو بنته من الرضاع ثم قال: أُوهِمْتُ أو أخطأت؛ له أن يتزوجها (١). وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣): ليس له أن يتزوجها، والوجه قد مر. ولو ثبت على قوله الأول ثم تزوجها؛ فرق بينهما. وكذا هذا الباب في النسب عندنا؛ لأن الغلط والاشتباه منه أظهر؛ فإنَّ سبب النسب أخفى من الرضاع إلا ما بينا عليه، وهذا فيمن ليس لها نسب معروف. ولو أقرت المرأة بذلك وأنكره، ثم قالت: أخطأت؛ فالنكاح باق بالإجماع (٤). لكن عند الشافعي (٥): يحلف الزوج على العلم، وفي قول: على النيات. ولو تزوجها قبل أن تكذب نفسها؛ جاز، ولا تصدق المرأة على قولها. ولو أقر الرجل قبل التزوج وثبت على ذلك؛ لا يحل له تزوجها. وفي المحيط: لو شهدت امرأة واحدة قبل العقد يعتبر في رواية. ولا تعتبر في رواية (٦). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. تم كتاب النكاح بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، والحمد لله وحده.

стр. 2845

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّلَاقِ كتاب الطلاق لما ثبت بالنكاح القيد الشرعي أورد الشيخ الطلاق عقيبه؛ لأنه رفع لذلك القيد لما قيل: إنه من إطلاق البعير. والمناسبة الخاصة بينه وبين الرضاع أنَّ كلا منهما مُحرّم؛ فإن الرضاع الطارئ يُحرّم ويرفع النكاح؛ فكذا الطلاق. وهو اسم بمعنى التطليق كالسلام والسراح بمعنى التسليم والتسريح، ومنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أو مصدر من طلقت المرأة بالضم طلاقا، أو مِنْ طَلَقَتْ بالفتح كالفساد من فسد (١). وعن الأخفش: لا يُقال طَلقَت بالضم (٢)، وفي ديوان الأدب: أنه لغة. وطلق الرجل امرأته تطليقة. فالطلاق لغة: رفع القيد مأخوذ من الإطلاق، يقول الرجل: أطلقت إبلي، أو أسيري، وطلقت امرأتي، وفي المرأة استعمل من باب التفعيل؛ لأن في التفعيل معنى المبالغة والتكثير وهو في التكرار والطلاق يتكرر على المرأة أو فيه إزالة الملك واليد، وفي الدابة إزالة اليد فقط. وشرعًا: رفع قيد النكاح من أهله في محله، ففي الاسم الشرعي معنى اللغة، ثم الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] وغيره من الآيات.

стр. 2846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما السنة: فما روي أنه ﵇ قال: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزُ» (١) الحديث، وغيره من الأحاديث. والإجماع: انعقد من لدن رسول الله ﷺ على وقوعه. ولأن المصالح قد تتغلب بمفاسد من التناغص والعداوة فشرع الطلاق دفعًا لهذه المفاسد؛ وذلك أن أعم النساء يختص بسوء الاختيار، وسرعة الاغترار، وسخافة العقل، ونقصان الدين، وسوء التدبير، وكفران نعمة الأزواج، وبغضهن في المعاشرة، واشتغالهن بالمكايد، وإفشاء سر الأزواج؛ فشرع البر الرحيم تخليص عبده من هذا العذاب الأليم بالطلاق. ثم إيقاع الطلاق مباح (٢) وإن كان مبغضًا في الأصل عند عامة العلماء. ومن الناس من يقول: لا يباح إيقاعه إلا للضرورة. وذلك إما (٣) كبر السن وإما الريبة؛ لقوله ﵇: «لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ مِذْوَاقٍ مِطْلَاق» (٤). وقال ﵇: «أيما امرأة اختلعت من زوجها من غير نشوز فعليها لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين» (٥). وقد روي مثله في الرجل يخلع امرأته، ولأن فيه كفران نعمة النكاح فإنه تعالى مَنَّ على عباده به بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١] وفي رفع النكاح كفران نعمة النكاح. وإنما طلق النبي ﷺ [سودة] (٦) لكبر سنها.

стр. 2847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولنا: إطلاق الآيات فإنه يقتضي الإباحة مطلقا، وطلق النبي ﷺ حفصة فأمره الله تعالى أن يراجعها فإنها «صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ» (١) ولم يكن هناك زينة ولا كبر السن. وكذا الصحابة؛ فإن عمر ﵁ طلق أم عاصم، وابن عوف تماضر والمغيرة بن شعبة أربع نسوة له. والحسن بن علي استكثر النكاح بالكوفة والطلاق بها فقال علي ﵁ وهو على المنبر: إن ابني هذا مطلاق فلا تزوجوه فقالوا: ثم يزوجوه، ثم يزوجوه. ولأن فيه معنى كفران النعمة، ومعنى إزالة الرق من وجه؛ فإن «النِّكاحُ رِقّ» بالحديث (٢)؛ ولهذا صينت القرابة القريبة عن هذا الرق حيث حرم نكاح المحارم إليه أشار بقول ﵇: «إنَّ أبغض المباحات عند الله الطلاق» رواه أبو داود وابن ماجه (٣)، فقد نص على إباحته؛ لما فيه من كفران. ثم للطلاق ركن وهو: أنت طالق، ونحوه. وأهل: وهو كل بالغ عاقل. ومحل: وهو المنكوحة، وشرط النية وغيرها كما سنذكرها. وحكم: وهو زوال الحكم عن المنكوحة عند شرطه. وصفة: وهو كونه محظورًا في الأصل عندنا، وعند الشافعي على العكس، ويتبين هذا في مسألة الإرسال في كونه بدعيًا أو سنيًا، فقدَّم الشيخ بيان الصفة فقال:

стр. 2848

بَابُ طَلَاقِ السُّنَّةِ قَالَ: (الطَّلَاقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوجُه: حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ، وَبِدَعِيُّ. فَالأَحْسَنُ: أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطلِيقَة وَاحِدَة فِي طُهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ، وَيَتْرُكَهَا حَتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهَا)؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يَزِيدُوا فِي الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَة حَتَّى تَنقَضِيَ العِدَّةُ فَإِنَّ هَذَا أَفضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَهَا الرَّجُلُ ثَلَاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهر وَاحِدَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ النَّدَامَةِ وَأَقَلُّ ضَرَرًا بِالمَرأَةِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي الكَرَاهَةِ باب طلاق السنة في المبسوط: الطلاق نوعان: سنّي وبدعي. فالسني نوعان: سنّي من حيث العدد، وسني من حيث الوقت (١). والبدعي نوعان: بدعي بمعنى يعود إلى العدد، وبدعي بمعنى يعود إلى الوقت. فالسني من حيث العدد نوعان: حسن، وأحسن. (فالأحسن) إلى قوله: (لأن الصحابة ﵃ كانوا يستحبون). (ولأنه)؛ أي إيقاع الواحدة، أبعد من الندامة؛ حيث أبقى لنفسه مُكْنَة التدارك بأن يُراجعها في العدة، وبعدها بتجديد النكاح من غير تحلل زوج آخر. وإبقاء مُكْنَة التدارك مندوب، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١]، وأقل ضررًا بالمرأة؛ حيث لم تبطل محليتها نظرًا إليه؛ لأن اتساع المحلية نعمة في حقهن فلا يتكامل ضرر الإيحاش. (ولا خلاف لأحد في الكراهة)؛ أي: في عدم الكراهة، يعني: لم يقل أحد بكراهة إيقاع الواحدة، بخلاف الحسن فإنه كان منه خلاف مالك (٢)؛ فيكون هذا أحسن؛ لأنه متيقن فيه (٣) فكان أحسن من المختلف فيه؛ لأن الأصل في الطلاق الحظر على ما نبين بعد، والإباحة لحاجة الخلاص؛ يعني: التخلص

стр. 2849

(وَالحَسَنُ هُوَ طَلَاقُ السُّنَّةِ، وَهُوَ: أَنْ يُطَلِّقَ المَدخُولَ بِهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَار) وَقَالَ مَالِكٌ لَهُ: إِنَّهُ بِدعَةٌ وَلَا يُبَاحُ إِلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الأَصلَ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الحَظرُ وَالإِبَاحَةُ لِحَاجَةِ الخَلَاصِ، وَقَدِ انْدَفَعَت بِالوَاحِدَةِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «إِنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَستَقبِلَ الطُّهر استقبالًا فَتُطَلِّقَهَا لِكُلِّ قُرءٍ تَطلِيقَة» وَلِأَنَّ الحكمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ الحَاجَةِ، منها بتباين الأخلاق، وتنافر الطباع، وسوء المعاشرة منها، وهذا المعنى يحصل بالواحدة فلا يحتاج إلى الثانية. في حديث روي أنه ﵇ قال لعمر حين طلق ابنه امرأته في حال الحيض: «إنّ ابنك أخطأ السُّنةَ، مُر ابنك فليراجعها، ما هكذا أمرك الله تعالى، إنَّ من السنة أن يستقبل الظهر استقبالًا فيطلقها لكلِّ قرء تطليقة؛ فتلك العدَّةُ التي أمر الله تعالى أن يُطَلَّقَ لهَا النِّساء» (١) يريد به الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]. ولما قابل الله تعالى الطلاق [بالعدّة] (٢)، والطلاق ذو عدد، والعدّة ذات عدد؛ ينقسم آحاد هذا على آحاد ذلك؛ كقوله: أعط هؤلاء الثلاثة ثلاثة دراهم (٣)، فالله تعالى أمر بتفريق الطلاق على الأطهار، والوجوب ليس بمراد إجماعًا فبقيت السنة. ولأن أدنى درجات الأمر الندب، والمندوب إليه يكون حسنًا. ولأنه ﵇ نصّ على كونه سنة؛ حيث قال: «إن من السنة». يؤيده ما روى إبراهيم عن الصحابة. (إن هذا)؛ أي: إيقاع الواحدة أحسن، وإذا كان هذا أحسن كان هذا حسنًا في نفسه ضرورة. ولأن الحكم وهو إباحة الطلاق يدار على دليل الحاجة لا على حقيقة

стр. 2850

وَهُوَ الإِقْدَامُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي زَمَانِ تَجَدُّدِ الرَّعْبَةِ، وَهُوَ الظهرُ الخَالِي عَنِ الجِمَاعِ، فَالحَاجَةُ كَالمُتَكَرِّرَةِ نَظَرًا إِلَى دَلِيلِهَا، … ... … الحاجة؛ لأن تباين الأخلاق وتنافر الطباع أمر باطن لا يمكن الوقوف عليها، فأقيم السبب الظاهر الدال عليها وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه مقام حقيقة الحاجة؛ لأنه زمان رغبة فيها طبعًا وشرعًا فلا يختار فراقها إلا لحاجة، والطهر الثاني والثالث نظير للأول في كونهما دليلا الرغبة؛ فصارت الحاجة كالمتكررة بالنظر إلى دليلها، وهذا جواب عن قول مالك: اندفعت الحاجة بالواحدة؛ يعني: لا نسلم اندفاعها. والشرط أن لا يكون في طهر جماع على ما تبين. ولأن اندفاع حقيقة الحاجة ممنوع؛ فإن الإنسان قد يحتاج إلى حسم باب النكاح لما لم يكن فيه مصلحة للتنافر والتباين؛ لكن يميل قلبه إليها لحسن ظاهرها فيحتاج إلى الحسم على وجه ينسد باب الوصول إليها ولا يلحقه الندم، ولا يمكن دفع هذه الحاجة بإيقاع الثلاث جملة واحدة؛ لأنها عسى تعقب الندم، ولا يمكن دفع هذه ولا يمكنه التدارك فيقع في الزنا فيحتاج إلى إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار، فيطلقها تطليقة رجعية في طهر لا جماع فيه ويجرب نفسه أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ فإن لم يمكنه أرجعها وإن أمكنه طلقها أخرى في الطهر الثاني، ويجرب نفسه ثم يطلقها ثالثة في الطهر الثالث فينحسم عليه باب النكاح من غير ندم يلحقه ظاهرًا وغالبًا؛ فكان إيقاع الثانية والثالثة في الطهر الخالي مع الحاجة، فيكون مسنونا. كذا في مبسوط فخر الإسلام (١). ثم إذا وقع عليها الثلاث في ثلاثة أطهار فقد مضى من عدتها حيضتان إن كانت حرة؛ لأن العدَّة بالحيض عندنا، وبقيت حيضة واحدة؛ فإذا حاضت أخرى انقضت عدتها. ولو كانت أمة فبوقوع الطلقتين في طهرين، تمضي من عدتها حيضة وبقيت حيضة؛ لانقضاء عدتها.

стр. 2851

ثُمَّ قِيلَ: الأُولَى أَنْ يُؤَخِّرَ الإِيقَاعَ إِلَى آخِرِ الطَّهرِ احْتِرَازًا عَنْ تَطْوِيلِ العِدَّةِ، وَالأَظْهَرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَمَا طَهُرَت؛ لِأَنَّهُ لَو أَخَّرَ رُبَّمَا يُجَامِعُهَا، وَمِنْ قَصدِهِ التَّطلِيقُ فَيُبْتَلَى بِالإِيقَاعِ عَقِيبَ الوِقَاعِ. (وَطَلَاقُ البِدْعَةِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة، أَوْ ثَلَاثًا فِي طُهر وَاحِد، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَكَانَ عَاصِيًا) وَقال الشافعي في قول: ابتداء العدة من آخر التطليقات إذا تكرر الإيقاع؛ لأن الطلاق بعد الدخول موجب للعدة كالحدث بعد الطهارة موجب للوضوء؛ فالحدث بعد غسل أعضاء الوضوء يلزمه استئناف الوضوء فكذا تكرر وقوع الطلاق يلزمها استئناف العدة (١). وقلنا: السبب الموجب للعدة الطلاق بعد الدخول، وإنما تصير شارعة في العدة حين يصير الزوج غير مريد لها، وقد حصل ذلك بالطلقة الأولى، ثم الثانية والثالثة تقرر ذلك المعنى ولا يبطل (٢). يوضحه أن المقصود من العدة تَبَيَّنُ فراغَ الرَّحم، وذا لا يتغير بتكرار الطلاق وعدمه؛ فكانت عدتها من الأولى، وعلى هذا اتفقت الصحابة. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ثم قيل) قال بعض مشايخنا: (يؤخر الإيقاع إلى آخر الظهر) ليكون أبعد (عن تطويل العدة). والأظهر أن ظاهر ما يقول محمد في الكتاب يدل على أنه يُطلقها كما طهرت؛ فيبتلى بالإيقاع عقيب الوقاع وهو بدعة (٤). قوله: (فإذا فعل ذلك)؛ أي: إيقاع الثلاث بكلمة واحدة أو في طهر واحد (وقع الطلاق).

стр. 2852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذا إيقاع الطلاق في حالة الحيض حرام، ويقع الطلاق باتفاق الفقهاء. وقال أصحاب الظاهر والشيعة: لا يقع الطلاق في حالة الحيض (١) (٢) والثلاث بكلمة واحدة. فعند الإمامية: لا يقع شيء أصلا، وبه قال المريسي. وعند الزيدية منهم: تقع واحدة (٣)، وبه قال أصحاب الظاهر (٤)، ويزعمون أنه قول علي. وعن ابن عباس: «كان طلاق الثلاث على عهد رسول الله واحدةً وكذا في زمن أبي بكر وثلاثا من إمارة عمر» رواه البخاري ومسلم (٥). ولأنه مأمور شرعًا بإيقاع الطلاق للسنة، [والمأمور من جهة الزوج بإيقاع الطلاق بالسنة] (٦) وهو الوكيل لو أوقع لغير السنة لا يقع؛ فكذا المأمور شرعًا بل أولى لأن أمر الشرع [ألزم] (٧). وقلنا: النهي في التصرفات الشرعية دليل على وجود المنهي عنه شرعًا على ما عُرف في الأصول، خصوصًا إذا دلَّ الدليل على أنه في غير المنهي عنه كالصلاة في الأرض المغصوبة، وهاهنا دليل على أنه لمعنى في غير المنهي وهو تطويل العدة أو اشتباه أمر العدة عليها أو سد باب التدارك عند الندم؛ فلا يمنع نفوذه. بخلاف الوكيل؛ فإن نفوذ تصرفه بأمر الموكل فإذا خالف لا ينفذ، وهاهنا يقوده باعتبار ملكه وهو أهل له. يؤيده ما قلنا ما روى عبادة ابن الصامت أن قوما جاؤوا إلى النبي ﷺ وقالوا: إن أبانا طلق امرأته ألفًا، فقال ﵇: «بانت بثلاث في

стр. 2853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معصية الله، وبقي تسع مائة وسبع وتسعون إثما في عنقه» (١). وما أن عويمرًا العجلاني لما لاعن امرأته قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثًا (٢)؛ فلم ينكر عليه إيقاع الثلاث جملة. وقالت فاطمة بنت قيس: طلقني زوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي النبيّ ﵇ نفقةً ولا سكنى (٣). وطلق ابن عوف تماضر في مرضه ثلاثًا (٤)، وطلق الحسن ابن علي امرأته شهباء ثلاثًا حين هَنَّأَتْهُ بالخلافة بعد موت عليه (٥). وما قالوا إنه قول علي، افتراء منهم على علي [رضي الله تعالى عنه] (٦)، ومشهور من قول علي: كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه (٧). كذا في المبسوط (٨). وفي تفسير الكلبي: أجمعت الأمة على وقوع الثلاث (٩). وفي شرح الطحاوي وغيره: لم يجعل أصحابنا قول من نفى الوقوع خلافًا؛ لأنهم أوجبوا الحد على من وطئها في العدة حتى لا يجوز لقاض أن يقضي به ولو قضى لا ينفذ فكان قاضيًا لمخالفة السنة (١٠)، وبه قال: مالك (١١) وأحمد في رواية (١٢).

стр. 2854

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (وقال الشافعي) (١)، وأحمد في رواية (٢)، وأبو ثور: إيقاع الثلاث جملة أو في غير طهر ليس بحرام فغير بدعة؛ لكون الطلاق مأمورًا به مطلقًا بالنص، والشارع ﵇ لم يأمر إلا بما هو مشروع؛ ولهذا يقع بالإجماع، ومتى كان مشروعًا لا يكون محظورًا للتنافي بينهما. ولحديث عويمر العجلاني كما ذكرنا، وحديث فاطمة، وابن عوف، والحسن بن علي؛ فإن الكل يدل على إباحته. ولأنه إزالة ملك بطريق الإسقاط فيكون مباحًا مطلقًا جَمَعَ أو فَرَّقَ، فكذا في حق الواحد بل أولى؛ لأن هذا يزيل الملك عن امرأة واحدة وهنا يزيل الملك عن أربع، بخلاف ما لو طلقها في حالة الحيض؛ لأنه مباح له في الأصل لما ذكرنا، والحرمة تعارض الإضرار بها، وهو تطويل العدة عليها بخلاف ما لو وطئها في طهر جامعها؛ حيث يلزم الإضرار بها أيضًا بتلبيس أمر العدة عليها. وبخلاف ما لو طلقها في طهر؛ فإنه لا يدري أنها حامل فتعتد بفرض وضع الحمل، أو حائل فتعتد بالأقراء، وذلك منعدم فيما نحن فيه، وهذا معنى قول أصحاب الشافعي: هذا طلاق صادف زمان الاحتساب مع زوال الارتياب. كذا في المبسوط (٣). وفي الإيضاح: هذا راجع إلى أصل، وهو أن الإباحة في الطلاق أصل عنده كما في سائر التصرفات المشروعة فيكون إيقاع الطلاق مباحًا غير بدعة عنده (٤). وعندنا: الأصل الحظر؛ لما روي أنه ﵇ قال: «أبغض المباحات

стр. 2855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى الله تعالى الطَّلاقُ» (١) وصفه بكونه مبغضًا، وحقيقة إطلاق البغض إثبات الكراهة لذلك الشيء. وقال ﵇: «تَزَوَّجوا ولا تُطَلِّقوا امرأةً؛ فإن الطلاق يهتز به عرش الرحمن» (٢) رواه أبو داود في سننه. ولما روينا من قوله ﵇: «لعنَ اللهُ كلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلاق» (٣). وقوله ﵇: «أيما امرأة اختلعت» (٤) الحديث. فإن قيل: قد قلنا إنه مأمور به فكيف يكون محظورًا؟ قلنا: الأمر لا ينفي الحظر؛ فإن المحظور قد يرخص لصيغة الأمر حتى لا يقع في محظور فوقه كالحنث في اليمين. وروي أن رجلا طلق امرأته ثلاثًا بين يدي النبي ﵇ فقام ﵇ مغضبًا وقال: «أتلعبون بكتاب الله تعالى وأنا بين أظهرِكُم» (٥) واللعب بكتابه تعالى ترك العمل به، فدل على أن إيقاع الثلاث جملة مخالف للعمل بما في الكتاب، وأن المراد بقوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] تفريق الطلقات على عدد الأقراء.

стр. 2856

كُلُّ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَشرُوعٌ حَتَّى يُستَفَادَ بِهِ الحُكمُ، وَالمَشرُوعِيَّةُ لَا تُجَامِعُ الحَظرَ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الحَيضِ؛ لِأَنَّ المُحَرَّمَ تَطْوِيلُ العِدَّةِ عَلَيْهَا لَا الطَّلَاقُ. وَلَنَا: أَنَّ الأَصلَ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الحَظرُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الَّذِي وفي حديث عبادة أنه قال: «بانَتْ في معصية الله» (١) دليل على ما قلنا، وهو أنه واقع مع الكراهة. وبهذه الآثار تبين أنه ﵇ إنما ترك الإنكار على العجلاني في ذلك الوقت شفقة عليه؛ لعلمه أنه لشدة الغضب ربما لا يقبل قوله فيكفر فأخره لذلك وأنكر عليه في قوله: «اذهب فلا سبيل لك عليها». أو كراهة إيقاع الثلاث؛ لما فيه من سد باب التلاقي من غير حاجة، وذلك غير موجود في حق العجلاني؛ لأنه كان مصرًا على اللعان وباب التلاقي مُنسَدٌ على المتلاعنين ما داما مُصرين على اللعان. كذا في المبسوط (٢). وفيه: ولنا: إجماع الصحابة روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعمران ابن الحصين كراهة إيقاع الثلاث بألفاظ مختلفة. وعن أبي قتادة الأنصاري قال: لو أن الناس طلقوا نساءهم كما أمروا؛ ما فارق رجل امرأته وله إليها حاجة، فإنه يذهب يطلقها ثلاثًا ثم يقعد يعصر عينيه، فهلا مهلا بارك الله عليكم فيكم كتاب الله وسنة رسوله، فماذا بعد ذلك إلا الضلالة (٣). ولأن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] معناه في دفعتين، كقولك: أعطيته مرتين وضربته مرتين واللام للجنس فينبغي أن يكون كل طلاق مباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أو في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانِ﴾ على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير. قال الكرخي: لا أعرف بين أهل العلم خلافًا أن إيقاع الثلاث جملة مكروه

стр. 2857

تَعَلَّقَت بِهِ المَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ، وَالإِبَاحَةُ لِلحَاجَةِ إِلَى الخَلَاصِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الجَمعِ بَينَ الثَّلَاثِ وَهِيَ فِي المُفَرَّقِ عَلَى الأَطْهَارِ ثَانِيَةِ نَظَرًا إِلَى دَلِيلِهَا، إلا قول ابن سيرين، وإن قوله ليس بحجة. وعلم مما ذكرنا أن ابن عوف طلق تماضر ثلاثا في ثلاثة أطهار. والحسن قال الشهباء: أنت طالق ثلاثا للسنة، وهذا لا بأس به عندنا. ولأن فيه تحريم البضع بالقول من غير حاجة؛ فيكون مكروها كالظهار [بل أولى؛ فإن الظهار] (١) تحريمة بلا إزالة ملك، والطلاق تحريمة مع إزالة الملك، إلا أن الشرع جعل الطلاق متعددًا لمعنى التدارك عند الندم فلا يحل له تفويت هذا المعنى على نفسه بإيقاع الثلاث دفعة بعد ما نظر له الشرع، كما لا يباح له الإيقاع في حالة الحيض؛ لأنه حالة نفرة الطبع؛ فالظاهر أنه يندم إذا جاء زمان الظهر فيكره فهذا مثله، وهذا معنى قوله: (والإباحة للحاجة إلى الخلاص) إلى آخره. وفي مبسوط فخر الإسلام في إيقاع الثلاث دفعة معارضة الشرع؛ فإن الإسقاطات لا تتعدد في الأصل كالعتاق وغيره، وإنما جعل الشرع الطلاق متعددا لمعنى التدارك عند الندم فلا يحل له تفويت هذا المعنى على نفسه بعدما نظر الشرع له المصالح الدينية وهي: حفظ نفسه ونفسها من الزنا، وتكثير الموحدين، [وتحقيق] (٢) مباهاة سيد المرسلين بكثرة أمته، ومصالح الدنيا وبه: من السكن والازدواج وغيرهما من أمر المعيشة؛ فإنه يعمل خارج البيت وهي داخل البيت فينتظم أمرها. كذا في تعليقات البرغري (٣). قوله: (وهي) أي: الحاجة إلى آخره؛ جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لو كان الأصل في الطلاق الحظر والإباحة تعارض الحاجة، ينبغي أن لا يتاح التفريق على الأطهار؛ لأنه لا يمكن تصور الحاجة في الثانية والثالثة؛ لأن هذه الحاجة حاجة التخلص عن عُهدتها وقد حصلت بالواحدة.

стр. 2858

وَالحَاجَةُ فِي نَفْسِهَا بَاقِيَةٌ فَأَمْكَنَ تَصوِيرُ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، والمَشرُوعِيَّةُ فِي ذَاتِهِ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ إِزَالَةُ الرِّقٌ لَا تُنَا فِي الحَظِرَ لِمَعنِّى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرنَاهُ، وَكَذَا إِيقَاعُ الثَّنْتَيْنِ فِي طهر واحِد بِدعَةٌ؛ لِمَا قُلْنَا. وَاختَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الوَاحِدَةِ البَائِنَةِ. يقال: دليل الحاجة، وهو الطهر الخالي عن الجماع باق؛ فتثبت الحاجة نظرا إلى دليلها. وقوله: (والحاجة في نفسها) أي: في ذاتها؛ جواب سؤال أيضًا يرد على هذا الجواب، وهو أن يقال: دليل الحاجة إنما يتصور في صورة بتصور الحاجة ولا يتصور هاهنا. يقال: الحاجة باقية في نفسها فأمكن تصوير الدليل عليها، وذلك أنا قررنا أن الإنسان يحتاج إلى حسم باب النكاح إلى آخر ما ذكرنا في جواب قول مالك. وقوله: (والمشروعية) إلى آخره؛ جواب عن قول الخصم: أن لا جامع الحظر لمعنى في غيره، وهو تضمنه قطع النكاح المسنون المشتمل على المصالح، وهو المراد بقوله: (وهو ما ذكرناه)؛ يعني: يجوز أن يكون الطلاق باعتبار قطع النكاح المسنون محظورًا، [وباعتبار الأثر المصوغ له، وهو: إزالة العبد والمملوكية غير محظور] (١)؛ بل كان مشروعًا فيكون محظورًا؛ فيجامع المشروعية كالصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء. لما قلنا: وهو أنه لا حاجة إلى الجمع والكراهة لمعنى عدم الحاجة حقيقة وحكما وهذا موجود في الثانية. ولأن إيقاع الثنتين وإن كان لا يحصل منه تحريم البضع فإنه يقرب من تحريم البضع، وهذا القرب معتبر في الحكم؛ ألا ترى أن المرأة إذا قالت لزوجها: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة يلزمه (٢) ثلث الألف، ولو طلقها ثنتين يجب ثلثا الألف؛ فكما أن سد باب التلاقي حرام من غير حاجة؛ فكذا ما

стр. 2859

قَالَ فِي الأَصل: إِنَّهُ أَخطأَ السُّنَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى إِثْبَاتِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ فِي الخَلَاصِ وَهِيَ البَينُونَةُ، وَفِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَا يُكرَهُ لِلحَاجَةِ إِلَى الخَلَاصِ نَاجِزًا. (وَالسُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ وَجَهَينِ: … ... … ... … ... .. يقرب منه يكون حرامًا. كذا في المبسوط (١). (قال في الأصل) - أي المبسوط -: وهو ظاهر الرواية. وفي الزيادات: أن الثانية بصفة السنة كالرجعية؛ لأن ابن ركانة طلق امرأته ألبتة ولم ينكر النبي ﵇ عليه إيقاعه بهذا اللفظ (٢). والواقع به يكون بائنا، ولو كان خلاف السنة لأنكر كما أنكر على ابن عمر. ألا ترى أنه يجوز الخلع بلا كراهة والواقع به بائن به، والطلاق قبل الدخول سنّي مع أنه بائن. وجه ظاهر الرواية: أن إثبات صفة البينونة؛ كإثبات عدد الثلاث في سد باب (٣) التلاقي عن نفسه عند الندم يقطع خيار الرجعة، بخلاف الخلع؛ فإنه قد يحتاج إلى ذلك لاسترداد ما بذل عليها من الصداق إذا كان النشوز منها مع أن الخلع لا يكون إلا عند ضيق الحاجة؛ ولهذا روي عن أبي حنيفة: أن الخلع لا يكره في حالة الحيض، والطلاق قبل الدخول لا يكون بائنا (٤). وتأويل حديث ركانة: أنه طلقها قبل الدخول، وقبله بأي لفظة أوقع يكون بائنا، ويحتمل أنه أخر الإنكار شفقة عليه؛ لعلمه أنه لفرط الغيظ لا يقبل في ذلك الوقت قوله فَيُكَفِّرُ.

стр. 2860

سُنَّةٌ فِي الوَقتِ، وَسُنَّةٌ فِي العَدَدِ. فَالسُّنَّةُ فِي العَدَدِ يَستَوِي فِيهَا المَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ المَدخُولِ بِهَا) وَقَدْ ذَكَرنَاهَا (وَالسُّنَّةُ فِي الوَقتِ تَثْبُتُ فِي المَدخُولِ بِهَا خَاصَّةٌ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهر لَم يُجَامِعهَا فِيهِ) لِأَنَّ المُرَاعَى دَلِيلُ الحَاجَةِ وَهُوَ الإِقْدَامُ عَلَى قوله: (سنة في الوقت) وهو: أن يطلقها في ظهر خال عن الجماع. (يستوي فيها) أي في السنة. (في العدد) وهو أن يطلقها واحدة. (وغير المدخول) سواء في أن لا يحل له أن يطلقها إلا واحدة؛ حتى لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا للسنة؛ تقع في الحال واحدة، سواء كانت حائضًا أو طاهرة، ولا يقع عليها الثانية إلا بالتزوج، وكذا الثالثة بالتزوج ثالثا؛ لأن الطلاق السني المرتب في غير المدخول بها لا يتصور إلا على هذا الوجه. ذكره محمد في الجامع الكبير (١). وسمى الواحد عددًا؛ باعتبار أنه أصل العدد، وإن لم يكن الواحد عددًا في نفسه في المدخول بها خاصة، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣). والخلوة كالدخول عندنا في وقت العدة، ومراعاة وقت السنة في الطلاق لأجل العدة؛ فتقام الخلوة (٤) فيه أيضًا مقام الدخول. كذا في المبسوط (٥). في طهر لم يجامعها فيه؛ هاهنا قيد لابد من معرفته، وهو: أن الطهر الذي جامعها فيه، ولم يسبق طلاق في حيض ذلك الطهر وجماع؛ فإنه لو طلقها في حيض ذلك الطهر لم يكن الطلاق في ذلك الطهر شيئًا وإن لم يجامعها فيه، وكذا لو وطئها حالة الحيض؛ لم يكن الطلاق فيه شيئًا. كذا في الذخيرة والزيادات (٦).

стр. 2861

الطَّلَاقِ فِي زَمَانِ تَجَدُّدِ الرَّغْبَةِ وَهُوَ الطُّهرُ الخَالِي عَنِ الجِمَاعِ، أَمَّا زَمَانُ الحَيضِ فَزَمَانُ النَّفْرَةِ، وَبِالجِمَاعِ مَرَّة فِي الطُّهرِ تَفتُرُ الرَّغْبَةُ (وَغَيْرُ المَدخُولِ بِهَا يُطَلِّقُهَا فِي حَالَةِ الظُّهْرِ وَالحَيضِ) خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ هُوَ يَقِيسُهَا عَلَى المَدخُولِ بِهَا. وَلَنَا: أَنَّ الرَّغْبَةَ فِي غَيْرِ المَدخُولِ بِهَا صَادِقَةٌ لَا تَقِلُّ بِالحَيضِ مَا لَم يَحصُل مَقْصُودُهُ مِنهَا، وَفِي المَدخُولِ بِهَا تَتَجَدَّدُ بِالظُّهْرِ. وإنما شرط أن لا يكون في حيضة طلاق ولا جماع؛ لأن الطلاق في الحيض بمنزلة الطلاق في الظهر؛ لأن تلك الحيضة لا يُعتد بها فيكون كالطلاق في الطهر فلا يطلقها أخرى فيه، وكذا لو جامعها في الحيض؛ لاحتمال أن الجماع (١) وقع معلّقا؛ فيظهر الحبل فيندم على صنيعه؛ فيظهر أنه طلق لا لحاجة ويأثم. (ولنا: أن الرغبة) إلى آخره، في المبسوط: رغبته فيها بالنكاح، فلا يعد (٢) ذلك بحيضها ما لم تحصل مقصودة منها؛ فكان الإيقاع دليل عدم موافقة الأخلاق، بخلاف المدخول بها؛ فإن ما كان مقصوده بالنكاح قد حصل منها، وإنما رغبته في الطهر بعد ذلك؛ لتمكنه فيه من قربانها، فينعدم ذلك بالحيض (٣). يوضحه: أن إباحة الإيقاع بشرط أن يأمن الندم كما قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١] وفي الإيقاع في الحيض على المدخول بها لا يحصل الندم إذا جاء زمان الطهر والرغبة فيها، وكذا الإيقاع في طهر الجماع لا يأمن الندم فربما يظهر الحبل فيحمله شفقته على الولد على تحمل سوء خلقها. إليه أشار ابن مسعود بقوله: لعل شفقة الولد تندمه، وحديث ابن عمر في المدخول بها بدليل قوله ﵇: «فَليراجعها» والرجوع يكون بعد الدخول لا قبله.

стр. 2862

قَالَ: (وَإِذَا كَانَتِ المَرأَةُ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، فَإِذَا مَضَى شَهْرٌ طَلَّقَهَا أُخرَى)؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّهَا قَائِمٌ مَقَامَ الحَيضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّتِي بَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وَالإِقَامَةُ فِي حَقِّ الحَيضِ خَاصَّة، حَتَّى يُقَدَّرَ الاسْتِبْرَاءُ قوله: (من صِغَر أو كبر) وكذا من حمل عندنا؛ لأن الحامل لا تحيض. وعند الشافعي: وإن كانت الحامل تحيض؛ فطلاقه في حالة الحيض ليس ببدعة (١). وقال أبو إسحاق من أصحابه: بدعة [عنده؛ ولكن الأولى عندي التفريق] (٢) ومذهبه الأول، ولا يتأتى هاهنا خلاف الشافعي؛ لأن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة غير بدعة عنده وقد مرّ، ولكن الأولى عنده التفريق [على الأطهار] (٣) على الأشهر (٤). ﴿وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]؛ أي: الصغائر اللاتي لم يبلغن، أو اللاتي بلغن بغير الحيض؛ كذلك يعتدون ثلاثة أشهر. كذا في التيسير (٥). وَعَنْ العلامة مولانا حميد الدين: إنما قال: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾، وما قال: لا يحضن؛ لأنه لو قال لا يحضن؛ يمكن أن لا ترى الحيض في هذا الزمان، ويمكن أنها قد كانت رأت قبل هذا الزمان؛ فقال: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾؛ يعني: لا يرين الحيض أصلا (٦). قوله: (والإقامة) إلى آخره؛ أي: إقامة الشهر مقام الحيض، والطهر في حق التي لم تحض، وليس كذلك؛ بل الشهر مقام الحيض في التي لم تحض حتى يتقدر به الاستبراء، ويفصل به بين طلاقي السنة.

стр. 2863

فِي حَقِّهَا بِالشَّهْرِ وَهُوَ بِالحَيضِ لَا بِالطُّهرِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تُعتَبَرُ الشُّهُورُ بِالأَهِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ فَبِالأَيَّامِ فِي حَقِّ التَّفْرِيقِ، وَفِي حَقِّ العِدَّةِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِندَهُمَا: يُكمِلُ الأَوَّلَ بِالأَخِيرِ وَالمُتَوَسِّطَانِ بِالأَهِلَّةِ (*) وَهِيَ مَسْأَلَةُ وهذا؛ لأن المعتبر في حق ذوات الأقراء (١) الحيض، ولكن لا يتصور تجدد الحيض إلا بتخلل الظهر، وفي الشهور ينعدم هذا المعنى؛ فكان الشهر قائما مقام ما هو المعتبر. كذا في المبسوط (٢). وثمرة اختلاف أصحابنا تظهر في حق التزام الحجة على البعض؛ لإجماعهم أن الاستبراء يكتفي بالحيض على أن الشهر مقام الحيض، وذا التبع خلف الأصل بحاله لا بذاته. فإن قيل: لما كان الشهر مكان الحيض؛ ينبغي أن يكون الطلاق الثاني في الشهر الثاني في حالة الحيض. قلنا: قد ذكر أن الخلف تبع الأصل بحاله لا بذاته، وذات الشهر طاهر، والشهر أقيم مقام الحيض في حكم خاص وهو انقضاء العدة، لا في حق جميع الأحكام؛ ألا ترى أن الطلاق بعد الجماع في ذوات الأقراء حرام وفي الآيسة والصغيرة لا يحرم، فكذا في الطلاق الثاني في الشهر الثاني. إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (٣). (في حق التفريق)؛ أي: تفريق الطلاق على الأشهر بالإجماع؛ فتحتسب كل شهر ثلاثون يومًا في إيقاع الطلاق، وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة؛ أي: يعتبر ثلاثون يومًا، وهي: مسألة الإجارات؛ فإن الإجارة إن كانت في رأس الشهر يُعتبر بالأهلة بلا خلاف كما في الطلاق، ناقصة كانت أو كاملة. وإن كانت فيما بين ذلك تعتبر بالأيام عند أبي حنيفة، وعندهما بعض الشهر الأول يكمل بالشهر الآخر بالأيام، وفيما بين ذلك بالأهلة (٤).

стр. 2864

الإِجَارَاتِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلَا يَفْصِلُ بَينَ وَطَئِهَا وَطَلَاقِهَا بِزَمَانِ) وَقَالَ زُفَرُ: يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِشَهر لِقِيَامِهِ مَقَامَ الحَيضِ؛ وَلِأَنَّ بِالجِمَاعِ تَفتُرُ الرَّعْبَةُ، وَإِنَّمَا وقيل: الفتوى على قولهما؛ لأنه أسهل (١). وفي الفتاوى الصغرى: تعتبر الشهور بالأهلة في باب العدة بالإجماع (٢). وفي المبسوط: وجه قولهما أنَّ الأهلة هي الأصل قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] والأيام بدل عنه، ففي الشهر الواحد تعذر اعتبار ما هو الأصل فاعتبر البدل، وفي الشهرين لم يتعذر اعتبار ما هو الأصل فيعتبر. وأبو حنيفة يقول: ما لم يتم الشهر الأول لا يدخل الشهر الثاني، فدخول الشهر الثاني في وسط الشهر أيضًا، وكذا في الشهر الثالث؛ فيتعذر اعتبار الكل بالأهلة فوجب اعتبارها بالأيام، ولا نحكم بانقضاء عدتها إلا بتمام تسعين يومًا (٣) قوله: (ولا يفصل بين وطئها وطلاقها)؛ أي: طلاق الآيسة أو الصغيرة بزمان، وبه قال: الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وأبو ثور. قال الإمام الحلواني: هذا في صغيرة لا يُرجَى منها الحبل أو الحيض، أما لو كانت يرجى منها الحيض والحَبَل؛ فالأفضل أن يفصل بين وطئها وطلاقها بشهر كما قال زفر. كذا في المحيط (٧). (وقال زفر: يفصل بينهما)؛ أي: بين طلاق الآيسة والصغيرة وبين وطئهما. (لقيامه) أي: بقيام الشهر في حق الآيسة والصغيرة مقام الحيض فيمن يختص، وفيها يفصل بين طلاقها وبين وطئها بحيضة فكذا هاهنا بشهر.

стр. 2865

تَتَجَدَّدُ بِزَمَان وَهُوَ الشَّهْرُ: وَلَنَا: أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ الحَبَلُ فِيهَا، وَالكَرَاهِيَةُ فِي ذَوَاتِ الحَيضِ بِاعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يُشتَبَهُ وَجهُ العِدَّةِ، وَالرَّعْبَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَفْتُرُ مِنْ الوَجهِ الَّذِي ذُكِرَ، لَكِن تَكثُرُ مِنْ وَجهِ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَرغَبُ فِي وَطءٍ غَيْرِ مُعَلَّق، فِرَارًا عَنْ مُؤَنِ الوَلَدِ فَكَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ رَعْبَة، وَصَارَ كَزَمَانِ الحَبَلِ. (وَطَلَاقُ الحَامِلِ يَجُوزُ عَقِيبَ الجِمَاعِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى اسْتِبَاءِ وَجْهِ العِدَّةِ، وَزَمَانُ الحَبَلِ زَمَانُ الرَّعْبَةِ فِي الوَطءِ لِكَونِهِ غَيْرَ مُعَلَّق، أَوْ يَرغَبُ فِيهَا لِمَكَانِ وَلَدِهِ مِنهَا، قوله: (والكراهية)؛ أي: كراهية الطلاق في الظهر الذي وُجد فيه الجماع في ذوات الأقراء؛ لتوهم الحبل، فيجوز أن تحبل بالجماع فينعدم، وهذا المعنى لا يوجد في الآيسة والصغيرة؛ فكان الإيقاع بعد الجماع مباحًا. ولأن الإياس والصغر في الدلالة على براءة الرحم فوق الحيض في ذوات الأقراء؛ فلما جاز الإيقاع ثمة عقيب الحيض فلأن يجوز هاهنا عقيب الجماع أولى باعتباره أي باعتبار توهم الحبل؛ لأن عد ذلك؛ أي: عند [توهم (١)] الحبل - يشتبه في أيهما وضع الحمل أو انقضاء المدة؟ قوله: (والرغبة) جواب عن قول زفر: وإنما تجدد الرغبة بزمان؛ فقال: (والرغبة وإن كانت تفتر من الوجه، لكن تكثر من وجه) كما ذكر في المتن. فإن قيل: لما تعارضت جهة الرغبة مع جهة الفتور تساقطتا فبقي الأصل في الطلاق الحظر؛ فيحرم عند عدم الفصل. قلنا: ترجحت جهة الرغبة بكون الوطء غير معلق، أو تعارض الفتور بالجماع مع الرغبة المعينة، وهي: الرغبة في وطء غير معلق، فتبقى نفس الرغبة في وطء غير معلق؛ فتبقى نفس الرغبة باعتبار الزمان: زمان الظهر. كذا قيل (٢). قوله: (لمكان ولده منها)؛ أي: وجود الولد داع إلى الوطء باعتبار أنه جزؤه فيها، وبوطئه يتقوى الولد كما عرف، أو فيها عطف على الوطء والضمير للمرأة. والتقدير: زمان الرغبة في الوطء أو في المرأة.

стр. 2866

فَلَا تَقِلُّ الرَّعْبَةُ بِالجِمَاعِ (وَيُطَلِّقُهَا لِلسُّنَّةِ ثَلَاثًا، يَفْصِلُ بَينَ كُلِّ تَطلِيقَتَينِ بِشَهرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا يُطَلِّقُهَا لِلسُّنَّةِ إِلَّا وَاحِدَة) (*) لِأَنَّ الأَصلَ فِي الطَّلَاقِ الحَظرُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرعُ بِالتَّفْرِيقِ عَلَى فُصُولِ العِدَّةِ، وَالشَّهْرُ فِي حَقِّ الحَامِلِ لَيْسَ مِنْ فُصُولِهَا فَصَارَ كَالمُمتَدٌ طُهرُهَا. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِبَاحَةَ بِعِلَّةِ الحَاجَةِ، وَالشَّهْرُ دَلِيلُهَا وفي بعض النسخ: أو يرغبُ وهو ظاهرُ، والأول أصح، يُعرف بالتأمل؛ لأن الأصل في الطلاق الحظر لما مر، وإنما ورد الشرع بإباحته مفرقًا على فصول العدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]. قال ابن عباس: أي الأطهار عدتهن؛ ففي ذوات الأقراء فرق على الأقراء، وفي حق الآيسة والصغيرة على الأشهر؛ لما بينا أن كل شهر فصل من فصول العدة في حقهن؛ كالقرء في ذوات الأقراء. (والشهر في حق الحامل ليس من فصولها) لأن مدة الحمل وإن طالت فهي طهر وحيض واحد حقيقةً وحكمًا؛ ألا ترى أن انقضاء العدة لا يتعلق به؛ فصار كالممتد طهرها فلا يكون محلا لتفريق الثلاث. وقد بلغنا عن ابن مسعود وجابر والحسن البصري أن الحامل لا تطلق أكثر من واحدة لِلسُّنَّةِ، وقول الصحابي إذا كان فقيها مقدمًا على القياس. كذا في المبسوط (١). وبقول محمد قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤). (ولهما: أنَّ الإباحة)؛ أي إباحة الطلاق. (بعلة الحاجة)؛ أي: باعتبار الحاجة. (والشهر دليلها)؛ أي دليل الحاجة في حق الحامل.

стр. 2867

كَمَا فِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ تَجَدُّدِ الرَّغْبَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الجِبِلَّةُ السَّلِيمَةُ فَصَلَحَ عِلمًا وَدَلِيلًا، بِخِلَافِ المُمتَدٌ طُهرُهَا؛ لِأَنَّ العِلْمَ فِي حَقِّهَا إِنَّمَا هُوَ الظهرُ، وَهُوَ مَرجُو فِيهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلَا يُرجَى … ... … .. (كما في حق الآيسة والصغيرة)؛ لأن مدة الحمل مدة كاملة؛ ولهذا يلزمها الحداد وأحكام العدة؛ فكانت كالشهور في حقها فكذا في الحامل. (لأنه) أي: الشهر. (زمان تجدد الرغبة) فإذا تجدد زمان الرغبة بحدوث الحاجة، ومدة الحمل زمان الرغبة كالشهر في حقهما بل أقوى؛ لأن الرغبة في الحامل أكثر لكون الحبل سبب الرغبة بخلاف الممتد طهرها وإن طال؛ لأن طهرها بعض العدة؛ ولهذا لا تنقضي به العدة، وبعض العدة ليس بمحل التفريق الثلاث. (وهو)؛ أي: تجدد طهر يعقبه الحيض. (مرجو فيها)؛ لأنها ليست يائسة، ولا صغيرة ممكن حيضها، فلم يقم الشهر في حقها مقام الحيض، ولا كذلك الحامل؛ لأنها لا تحيض عندنا فصارت كالآيسة. يؤيده قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] شرع الثلاث متفرقًا من غير فصل بين الحائل والحامل، سواء كانت الطلقة الثالثة بقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحُ﴾، أو بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. ولا معنى لما قال: إن مدة الحبل كحيض وطهر؛ بل هي بمنزلة ثلاث حيض حتى تنقضي بها العدة؛ ولكن الاستبراء إنما لا يتقدر ببعض مدة الحمل؛ لأن المقصود منه تبين فراغ الرحم، وذا لا يحصل قبل الوضع. إليه أشير في المبسوط (١). ولا حجة لمحمد فيما ذكر في الأصل؛ لأن لفظ الحديث: «أفضل الطلاق أن يُطلقها واحدةً ثم يدَعَها حتى تضع حملها» وبه نقول، وإن ذلك أفضل ولا كلام فيه. (ولا يرجى)؛ أي: تجدد الطهر.

стр. 2868

مَعَ الحَبَلِ. (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الحَيضِ وَقَعَ الطَّلَاقُ)؛ لِأَنَّ النَّهِيَ عَنهُ لِمَعنى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرنَاهُ فَلَا تَنعَدِمُ مَشرُوعِيَّتُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا لِقَولِهِ ﵊ لِعُمَرَ: مُرِ ابْنَك فَلْيُرَاجِعهَا وَقَدْ طَلَّقَهَا فِي حَالَةِ الحَيضِ. وَهَذَا يُفِيدُ الوُقُوعَ وَالحَثَّ عَلَى الرَّجْعَةِ، ثُمَّ الِاسْتِحْبَابُ … ... … .. (مع الحبل) لأن الحيض غير ممكن من الحامل؛ فلا يمكن الطهر، أما في الممتدة طهرها يمكن كما ذكرنا. قوله: (وقع الطلاق) ويأثم بإجماع الفقهاء. وعند الشيعة، وابن عليَّة، وهشام ابن الحكم: لا يقع. وقد مر بيان الاختلاف في هذه المسألة، والوجه من الطرفين في مسألة إيقاع الثلاث بكلمة واحدة. أما الخلع في الحيض لا يكره بإجماع الفقهاء، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٢٩]. وكذلك الطلاق على مالٍ، والاختبار والتخيير في الحيض لا يُكره. (وهو)؛ أي: المعنى الذي في غير المنهي عنه. (ما ذكرناه) وهو: تطويل العدة، أو اشتباه أمر العدة، أو سد باب التدارك، والدليل عليه: الأمر بالمراجعة لابن عمر كما يجيء؛ ولأن ابنه ذكر عند عمر ﵁ في الشورى فقال: "سبحان الله أقلّد أمر المسلمين من لم يحسن طلاق امرأته وطلقها حالة الحيض"، وهذا إشارة منه إلى الوقوع. (وهذا) أي قوله ﵇: «مر ابنك» الحديث. (يفيد الوقوع)؛ إذ لا يتصور الرجعة بدون الرجوع. (والحث على الرجعة)؛ أي: استحباب الرجعة؛ لأن أدنى درجات الأمر الندب. ولأن الرجعة شرعت له فلا تجب عليه؛ لئلا يعود على موضوعه بالنقض. ولأن المعصية في الإيقاع، وذلك مما لا يمكن تداركه بالرجعة؛ فلا تجب. (ثم الاستحباب)؛ أي: استحباب الرجعة.

стр. 2869

قَولُ بَعضِ المَشَايِخِ، وَالأَصَحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الأَمْرِ وَرَفعًا لِلمَعْصِيَةِ بِالقَدرِ المُمكِنِ بِرَفْعِ أَثَرِهِ وَهُوَ العِدَّةُ وَدَفعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ العِدَّةِ. قَالَ: (فَإِذَا طَهُرَت وَحَاضَت ثُمَّ طَهُرَت، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا). قَالَ: (هَكَذَا ذَكَرَ فِي الأَصْلِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّهُ يُطلقُهَا فِي الطُّهرِ الَّذِي يَلِي الحَيضَةَ الأُولَى). قَالَ أَبُو الحَسَنِ الكرخِيُّ: مَا ذَكَرَهُ الطحاويُّ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا ذَكَرَ فِي الأَصْلِ قَولُهُمَا، … ... … [(قول بعض المشايخ) وبه قال الشافعي وأحمد (والأصح أنه واجب) أي: الرجوع إليها] (١) واجب. وفي بعض النسخ: أنها؛ أي: الرجعة واجبة، وهو الأظهر (٢)، وبه قال مالك (٣)؛ لأن مطلق الأمر للإيجاب حقيقة. ولأن إيقاع الطلاق في الحيض معصية، والسبيل في المعاصي رفعها ما أمكن؛ كالبيع الفاسد أو النكاح الفاسد، ورفع إيقاع الطلاق في الحيض وإن كان لا يمكن؛ لكن بقي أثره وهو العدة. وفي الرجعة إبطال أثره؛ لئلا يبين بطلاق محظور عند انقضاء العدة. والرجعة شرعت لدفع ضرر تطويل العدة عنها فتكون واجبة، وهذا معنى قوله: (برفع أثره) إلى آخره؛ أي أثر طلاق هو معصيته؛ لأن في إبقاء أثره [إبقاء الملك] (٤) لتلك المعصية من وَجْه، وهذا كمن أثبت نكاح امرأة بشهادة الزور يستحب إزالتها عن ملكه؛ لاشتماله على أثر المعصية. قوله: (يلي الحيضة)؛ أي: الحيضة التي طلقها فيها. (وما ذكر في الأصل)؛ أي المبسوط، قول: أبي يوسف ومحمد. وفي الكافي (٥): هو ظاهر رواية أبي حنيفة، وبه قال الشافعي في المشهور عنه (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨).

стр. 2870

وَوَجهُ المَذْكُورِ فِي الأَصلِ: أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَفْصِلَ بَينَ كُلِّ طَلَاقَينِ بِحَيْضَةِ، وَالفَاصِلُ هَاهُنَا بَعضُ الحَيضَةِ فَتَكمُلُ بِالثَّانِيَةِ وَلَا تَتَجَزَّأُ فَتَتَكَامَلُ. وإذا تكاملت الحيضة الثانية فالطهر الذي يليه زمانُ السُّنة، فأمكن تطليقها على وجه السنة وما ذكره الطحاوي رواية عن أبي حنيفة، وبه قال الشافعي في وجه (١): أن السنة، وهي: ما روي أنه ﵇ قال لعمر حين طلق ابنه امرأته في حالة الحيض: «مُر ابنك فَلْيراجعها ثمّ ليَدَعْها تحيض فتطهر ثم تحيض فتطهر ثم ليُطَلِّقها إن شاء طاهرا من غير جماع» (٢) أمره بترك الطلاق إلى غاية الظهر الثاني؛ فدل أن وقت طلاق السنة لها هو الطهر الثاني دون الأول. ولأنَّ الحيضة التي طلقها غير محسوبة من العدة وكان إيقاع الطلاق فيها كإيقاعه في الظهر الذي [بعده] (٣). ولو طلقها في الطهر لم يكن له أن يطلقها فيه أخرى فكذا هذا. فإن قيل: قد روي حديث ابن عمر بروايتين أحدهما ما ذكر. والثانية ما روي أنه ﵇ قال: «مُر ابنك فليراجعها فإذا حاضت وظهرت فليطلقها إن شاء» (٤). وهذا يحتمل بقية الحيضة، والدليل عليه قوله ﵇: «إنَّ من السُّنة أن يستقبل الطهر استقبالا» (٥) غير متعرض لطهر طلقها في الحيض الذي قبله أو لا. قلنا: الطهر مع الحيض المتصل به فصل واحد من فصول العدة، فكان الطلاق في الحيض كالطلاق في الطهر المتصل به. ولو طلقها في الطهر ثانيًا لم يكن على وجه السنة، وما روي برواية أخرى

стр. 2871

وَجهُ القَولِ الْآخَرِ: أَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ قَدْ انعَدَمَ بِالمُرَاجَعَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَم يُطَلِّقهَا فِي الحَيضِ فَيُسَنُّ تَطلِيقُهَا فِي الظهرِ الَّذِي يَلِيهِ. (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الحَيضِ … ... … ... … ... .. محتمل، وما روي برواية شعبة كما ذكرنا محكم؛ فيحمل المحتمل على المحكم. (وجه القول الآخر) وهو ما ذكره الطحاوي. (أن أثر الطلاق قد انعدم)؛ فلما انعدم الطلاق صار هذا طهر لا جماع فيه؛ فله أن يطلقها فيه للسنة. يؤيده قوله ﵇: «إنَّ من السُّنةِ أن يستقبل الظهر استقبالًا فيطلقها لكلِّ ظهر تطليقة» فقد جعل في كل طهر طلاقا، والطهر الذي يلي الحيضة طهر؛ فكان محلا لطلاق السنة، ويجمع بين الروايتين فتحمل تلك الرواية على الأحسن عملا بهما بقدر الإمكان. وقلنا: إنما شرطنا خلو الظهر؛ ليتجدد زمان الرغبة فيكون دليل الحاجة، والجماع في الحيض سبب فتور الرغبة في طهر بعده، وتجدد الحاجة بزمان كثير متخلل بين الطلاقين وليس بين الجزئين الحيض والجزء الأول من الحيض زمان كثير تتجدد فيه الحاجة؛ فعلى هذا يكون الطلاق في ذلك الطهر بلا حاجة فلا يكون حسنًا. ألا ترى أنه يجعل هذا الطلاق بائنا فيكون جمعًا بين الطلاق في فصل واحد من فصول العدة، وهو مكروه فلا يمكن العمل بهما بقدر الإمكان فتعين الحمل. وعلى هذا لو وطئها في طهر ثم راجعها ثم طلقها ثانيًا لا يكره. وفي رواية عن أبي حنيفة على ما ذكره الطحاوي، وفي ظاهر الرواية، وهو قولهما: يكره؛ لوجود الجمع بين الطلاقين في طهر واحد، وكذا لو فعل ذلك في شهر واحد في الآيسة والصغيرة على هذا الخلاف. وعلى هذا لو أخذ بيدها بشهوة ثم قال لها: أنت طالق ثلاثا للسنة وقع الثلاث في الحال على رواية الطحاوي، وفي ظاهر الرواية تقع واحدة في الحال

стр. 2872

وَقَدْ دَخَلَ بِهَا: «أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ» وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَهِيَ طَالِقٌ عِنْدَ كُلِّ طُهر تطليقة)؛ لِأَنَّ «اللَّامَ» فِيهِ لِلوَقْتِ وَوَقتُ السُّنَّةِ … ... … .. والثاني في طهر آخر والثالث في طهر آخر. وما ذكر في المنظومة رواية الطحاوي (١). قوله: (فَهِيَ طَالِقٌ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ) وتقع واحدة في الحال إذا لم يجامعها فيه وهو ظاهر الرواية (٢). ولو جامعها فيه؛ لا يقع حتى تحيض وتطهر إذا لم ينو شيئًا، أو نوى عند كل طهر تطليقة. وعند الشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤): تقع الثلاث في الحال إذا لم يجامعها وهو ظاهر، ولو جامعها في ذلك الطهر لا تطلق الثلاث حتى تحيض وتطهر؛ لما ذكرنا أن عنده لا سنة ولا بدعة في العدد حتى لو نوى تفريق الثلاث على الأطهار لا يقبل قوله في المشهور عنه، وعن بعض أصحابه (٥) يقبل. وقال مالك: لا أعرفُ المباح من الطلاق إلا واحدة؛ فيكون الثلاث بدعيًا عنده (٦). قيد بقوله: (وقد دخل بها)؛ لأن غير المدخول تطلق ثلاثًا في الحال بالإجماع. فإن قيل: لما كان اللام هاهنا للوقت؛ كان تقدير كلامه أنت طالق ثلاثا، أوقات السُّنَّة، ولو قال هكذا ونوى الثلاث الساعة؛ لم يصح فيجب أن يكون

стр. 2873

طهرٌ لَا جِمَاعَ فِيهِ (وَإِنْ نَوَى أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ السَّاعَةَ، أَوْ عِنْدَ رَأسِ كُلِّ شَهرٍ وَاحِدَةٌ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالَةِ الحَيضِ أَوْ فِي حَالَةِ الطُّهرِ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُ نِيَّةُ الجَمعِ لِأَنَّهُ بِدعَةٌ وَهِيَ ضِدُّ السُّنَّةِ. هاهنا كذلك. كما قال زفر (١). قلنا: كلامه هاهنا ذو وجهين؛ لما أن اللام ليس بصريح في الوقت؛ فيرجح جانب الوقت لذكر السنة، ومطلق السنة ينصرف إلى الكامل وهو السنة وقوعًا وإيقاعًا؛ فلذا صرف عند فقد النية. أما احتمال أن لا يكون اللام للوقت باق؛ فيرجح جانب عدم الوقت عند إيقاع الثلاث جملة. وكان ذكر السنة منصرفًا إلى السنة من وجه وهي السنة وقوعًا، فأما عند التصريح بالوقت لم يحتمل غيره، فانصرف إلى السنة الكاملة وهو أن يكون إيقاعا ووقوعًا. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (سواء كانت)؛ أي: المرأة عند رأس الشهر. (في حالة الحيض أو في حالة الطهر)؛ لأن رأس [الشهر] (٣) إما أن يكون زمان حيضها أو طهرها؛ فإن كان زمان حيضها فيكون سنيًّا وقوعًا، فكان قوله: (عند رأس كل شهر) مترددًا بين كونه سنيًّا مطلقًا وبين كونه سنيا من وجه، ولو نوى السنية وقوعًا كما نوى الثلاث الساعة تصح نيته؛ فهذا أولى. كذا في جامع قاضي خان (٤). (لأنه) أي الجمع بين الثلاث (بدعة). (وهي)؛ أي: البدعة (ضد السنة) والشيء لا يحتمل ضده؛ فقد نوى ما لا يحتمله لفظه فيلغو.

стр. 2874

وَلَنَا: أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفَظَهُ؛ لِأَنَّهُ سُنِّيٌّ وُقُوعًا مِنْ حَيثُ إِنَّ وُقُوعَهُ بِالسُّنَّةِ لَا إِيقاعا فَلَم يَتَنَا وَلَهُ مُطلَقُ كَلَامِهِ وَيَنتَظِمُهُ عِنْدَ نِيَّتِهِ (ولنا: أنه)؛ أي: الجمع. (محتمل لفظه؛ لأنه) أي الجمع. (سني وقوعًا؛ من حيث إن وقوعه بالسنة) يعني عُرف وقوع الثلاث جملة بالسنة؛ لما روي أنه ﵇ قال: «من طلق امرأته ألفًا بانت بثلاث» (١). والباقي رد عليه، وقد ذكرنا الأحاديث في هذا الباب. ووقوع الثلاث مذهب أهل السنة خلافًا للروافض؛ ولهذا وقوع الطلاق المجتمع سُنَّة عند بعض الفقهاء؛ فيحمل على ذلك عند النية. ولأن الاقتصار على الثلاث سنة؛ لما في الجاهلية غير مقتصر، لا إيقاعها؛ لما ذكرنا أن إيقاع الثلاث جملة مكروه، فلم يتناوله مطلق كلامه؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وذا في السني وقوعًا وإيقاعا. فإن قيل: الوقوع بدون الإيقاع محال، فلما كان الوقوع سنيا يكون الإيقاع سنيا ولازمه بدعيا. قلنا: الوقوع لا يوصف بالحُرمة؛ لأنه حكم شرعي لا اختيار للعبد فيه، وحكم الشرع لا يوصف بالبدعة، والإيقاع فعل العبد فيوصف بالحرمة والبدعة؛ فكان الوقوع أشبه بالسنة الْمَرْضِيَّةِ. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (وينتظمه)؛ أي: الجمع؛ لأنه سني من وجه؛ فكان من محتمل لفظ السنة، وفيه تشديد على نفسه على ذلك فتصح نيته؛ كما لو قال: كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب لقصور في الملك؛ إذ هو غير مملوك يدًا، ولو نواه يصح ويعتق. وكذا لو حلف لا يأكل لحمًا، لا يتناول لحم السمك؛ لقصوره في اللحمية

стр. 2875

(وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ، وَقَعَتِ السَّاعَةُ وَاحِدَةٌ، وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى)؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّهَا دَلِيلُ الْحَاجَةِ كَالطُّهْرِ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَإِنْ نَوَى أَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ السَّاعَةَ وَقَعْنَ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ) لَمَّا قُلْنَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: «أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ» وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الثَّلَاثِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ إِنَّمَا صَحَّتْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْوَقْتِ، … ... .. على ما عرف في الأصول، ولو نواه صح ويحنث بأكله. (وإن كانت آيسة) أو مدخولا بها. [(أو من ذوات الأشهر)؛ يعني صغيرة مدخولا بها (١)]؛ فقال لها: أنت طالق ثلاثا للسنة؛ وقعت الساعة واحدة عند الشافعي (٢)، وأحمد (٣) ثلاثا الساعة كما في الحائض؛ لما ذكرنا أنه لا بدعة في العدد عنده وهو أنه محتمل كلامه؛ فيصح (خلافا لزفر). (بخلاف ما إذا قال: أنت طالق للسنة)؛ أي: بدون لفظ الثلاث؛ طلقت في الحال إن كانت طاهرة، وبه قال الشافعي (٤). وإن كانت حائضا؛ أي: في طهر جامعها فيه؛ لم يقع الساعة، فإذا حاضت وطهرت وقعت تطليقة، وبه قال الشافعي (٥)؛ لأن قوله: أنت طالق للسنة إيقاع تطليقة مختصة بالسنة المعرفة باللام؛ لأن اللام للاختصاص. ولو نوى ثلاثا جملة أو متفرقة على الأطهار؛ لم يصح. وهكذا ذكر فخر الإسلام، والصدر الشهيد، وصاحب المختلفات، وعلاء الأئمة السمرقندي (٦). لأنه إنما تصح نية الثلاث فيه جملة من حيث [أن] (٧) اللام فيه للوقت؛
следующие страницы →