← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وَجهُ القَولِ الْآخَرِ: أَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ قَدْ انعَدَمَ بِالمُرَاجَعَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَم يُطَلِّقهَا فِي الحَيضِ فَيُسَنُّ تَطلِيقُهَا فِي الظهرِ الَّذِي يَلِيهِ. (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الحَيضِ … ... … ... … ... .. محتمل، وما روي برواية شعبة كما ذكرنا محكم؛ فيحمل المحتمل على المحكم. (وجه القول الآخر) وهو ما ذكره الطحاوي. (أن أثر الطلاق قد انعدم)؛ فلما انعدم الطلاق صار هذا طهر لا جماع فيه؛ فله أن يطلقها فيه للسنة. يؤيده قوله ﵇: «إنَّ من السُّنةِ أن يستقبل الظهر استقبالًا فيطلقها لكلِّ ظهر تطليقة» فقد جعل في كل طهر طلاقا، والطهر الذي يلي الحيضة طهر؛ فكان محلا لطلاق السنة، ويجمع بين الروايتين فتحمل تلك الرواية على الأحسن عملا بهما بقدر الإمكان. وقلنا: إنما شرطنا خلو الظهر؛ ليتجدد زمان الرغبة فيكون دليل الحاجة، والجماع في الحيض سبب فتور الرغبة في طهر بعده، وتجدد الحاجة بزمان كثير متخلل بين الطلاقين وليس بين الجزئين الحيض والجزء الأول من الحيض زمان كثير تتجدد فيه الحاجة؛ فعلى هذا يكون الطلاق في ذلك الطهر بلا حاجة فلا يكون حسنًا. ألا ترى أنه يجعل هذا الطلاق بائنا فيكون جمعًا بين الطلاق في فصل واحد من فصول العدة، وهو مكروه فلا يمكن العمل بهما بقدر الإمكان فتعين الحمل. وعلى هذا لو وطئها في طهر ثم راجعها ثم طلقها ثانيًا لا يكره. وفي رواية عن أبي حنيفة على ما ذكره الطحاوي، وفي ظاهر الرواية، وهو قولهما: يكره؛ لوجود الجمع بين الطلاقين في طهر واحد، وكذا لو فعل ذلك في شهر واحد في الآيسة والصغيرة على هذا الخلاف. وعلى هذا لو أخذ بيدها بشهوة ثم قال لها: أنت طالق ثلاثا للسنة وقع الثلاث في الحال على رواية الطحاوي، وفي ظاهر الرواية تقع واحدة في الحال

стр. 2872

وَقَدْ دَخَلَ بِهَا: «أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ» وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَهِيَ طَالِقٌ عِنْدَ كُلِّ طُهر تطليقة)؛ لِأَنَّ «اللَّامَ» فِيهِ لِلوَقْتِ وَوَقتُ السُّنَّةِ … ... … .. والثاني في طهر آخر والثالث في طهر آخر. وما ذكر في المنظومة رواية الطحاوي (١). قوله: (فَهِيَ طَالِقٌ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ) وتقع واحدة في الحال إذا لم يجامعها فيه وهو ظاهر الرواية (٢). ولو جامعها فيه؛ لا يقع حتى تحيض وتطهر إذا لم ينو شيئًا، أو نوى عند كل طهر تطليقة. وعند الشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤): تقع الثلاث في الحال إذا لم يجامعها وهو ظاهر، ولو جامعها في ذلك الطهر لا تطلق الثلاث حتى تحيض وتطهر؛ لما ذكرنا أن عنده لا سنة ولا بدعة في العدد حتى لو نوى تفريق الثلاث على الأطهار لا يقبل قوله في المشهور عنه، وعن بعض أصحابه (٥) يقبل. وقال مالك: لا أعرفُ المباح من الطلاق إلا واحدة؛ فيكون الثلاث بدعيًا عنده (٦). قيد بقوله: (وقد دخل بها)؛ لأن غير المدخول تطلق ثلاثًا في الحال بالإجماع. فإن قيل: لما كان اللام هاهنا للوقت؛ كان تقدير كلامه أنت طالق ثلاثا، أوقات السُّنَّة، ولو قال هكذا ونوى الثلاث الساعة؛ لم يصح فيجب أن يكون

стр. 2873

طهرٌ لَا جِمَاعَ فِيهِ (وَإِنْ نَوَى أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ السَّاعَةَ، أَوْ عِنْدَ رَأسِ كُلِّ شَهرٍ وَاحِدَةٌ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالَةِ الحَيضِ أَوْ فِي حَالَةِ الطُّهرِ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُ نِيَّةُ الجَمعِ لِأَنَّهُ بِدعَةٌ وَهِيَ ضِدُّ السُّنَّةِ. هاهنا كذلك. كما قال زفر (١). قلنا: كلامه هاهنا ذو وجهين؛ لما أن اللام ليس بصريح في الوقت؛ فيرجح جانب الوقت لذكر السنة، ومطلق السنة ينصرف إلى الكامل وهو السنة وقوعًا وإيقاعًا؛ فلذا صرف عند فقد النية. أما احتمال أن لا يكون اللام للوقت باق؛ فيرجح جانب عدم الوقت عند إيقاع الثلاث جملة. وكان ذكر السنة منصرفًا إلى السنة من وجه وهي السنة وقوعًا، فأما عند التصريح بالوقت لم يحتمل غيره، فانصرف إلى السنة الكاملة وهو أن يكون إيقاعا ووقوعًا. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (سواء كانت)؛ أي: المرأة عند رأس الشهر. (في حالة الحيض أو في حالة الطهر)؛ لأن رأس [الشهر] (٣) إما أن يكون زمان حيضها أو طهرها؛ فإن كان زمان حيضها فيكون سنيًّا وقوعًا، فكان قوله: (عند رأس كل شهر) مترددًا بين كونه سنيًّا مطلقًا وبين كونه سنيا من وجه، ولو نوى السنية وقوعًا كما نوى الثلاث الساعة تصح نيته؛ فهذا أولى. كذا في جامع قاضي خان (٤). (لأنه) أي الجمع بين الثلاث (بدعة). (وهي)؛ أي: البدعة (ضد السنة) والشيء لا يحتمل ضده؛ فقد نوى ما لا يحتمله لفظه فيلغو.

стр. 2874

وَلَنَا: أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفَظَهُ؛ لِأَنَّهُ سُنِّيٌّ وُقُوعًا مِنْ حَيثُ إِنَّ وُقُوعَهُ بِالسُّنَّةِ لَا إِيقاعا فَلَم يَتَنَا وَلَهُ مُطلَقُ كَلَامِهِ وَيَنتَظِمُهُ عِنْدَ نِيَّتِهِ (ولنا: أنه)؛ أي: الجمع. (محتمل لفظه؛ لأنه) أي الجمع. (سني وقوعًا؛ من حيث إن وقوعه بالسنة) يعني عُرف وقوع الثلاث جملة بالسنة؛ لما روي أنه ﵇ قال: «من طلق امرأته ألفًا بانت بثلاث» (١). والباقي رد عليه، وقد ذكرنا الأحاديث في هذا الباب. ووقوع الثلاث مذهب أهل السنة خلافًا للروافض؛ ولهذا وقوع الطلاق المجتمع سُنَّة عند بعض الفقهاء؛ فيحمل على ذلك عند النية. ولأن الاقتصار على الثلاث سنة؛ لما في الجاهلية غير مقتصر، لا إيقاعها؛ لما ذكرنا أن إيقاع الثلاث جملة مكروه، فلم يتناوله مطلق كلامه؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وذا في السني وقوعًا وإيقاعا. فإن قيل: الوقوع بدون الإيقاع محال، فلما كان الوقوع سنيا يكون الإيقاع سنيا ولازمه بدعيا. قلنا: الوقوع لا يوصف بالحُرمة؛ لأنه حكم شرعي لا اختيار للعبد فيه، وحكم الشرع لا يوصف بالبدعة، والإيقاع فعل العبد فيوصف بالحرمة والبدعة؛ فكان الوقوع أشبه بالسنة الْمَرْضِيَّةِ. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (وينتظمه)؛ أي: الجمع؛ لأنه سني من وجه؛ فكان من محتمل لفظ السنة، وفيه تشديد على نفسه على ذلك فتصح نيته؛ كما لو قال: كل مملوك لي حر لا يتناول المكاتب لقصور في الملك؛ إذ هو غير مملوك يدًا، ولو نواه يصح ويعتق. وكذا لو حلف لا يأكل لحمًا، لا يتناول لحم السمك؛ لقصوره في اللحمية

стр. 2875

(وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ، وَقَعَتِ السَّاعَةُ وَاحِدَةٌ، وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى)؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّهَا دَلِيلُ الْحَاجَةِ كَالطُّهْرِ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَإِنْ نَوَى أَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ السَّاعَةَ وَقَعْنَ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ) لَمَّا قُلْنَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: «أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ» وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الثَّلَاثِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ إِنَّمَا صَحَّتْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْوَقْتِ، … ... .. على ما عرف في الأصول، ولو نواه صح ويحنث بأكله. (وإن كانت آيسة) أو مدخولا بها. [(أو من ذوات الأشهر)؛ يعني صغيرة مدخولا بها (١)]؛ فقال لها: أنت طالق ثلاثا للسنة؛ وقعت الساعة واحدة عند الشافعي (٢)، وأحمد (٣) ثلاثا الساعة كما في الحائض؛ لما ذكرنا أنه لا بدعة في العدد عنده وهو أنه محتمل كلامه؛ فيصح (خلافا لزفر). (بخلاف ما إذا قال: أنت طالق للسنة)؛ أي: بدون لفظ الثلاث؛ طلقت في الحال إن كانت طاهرة، وبه قال الشافعي (٤). وإن كانت حائضا؛ أي: في طهر جامعها فيه؛ لم يقع الساعة، فإذا حاضت وطهرت وقعت تطليقة، وبه قال الشافعي (٥)؛ لأن قوله: أنت طالق للسنة إيقاع تطليقة مختصة بالسنة المعرفة باللام؛ لأن اللام للاختصاص. ولو نوى ثلاثا جملة أو متفرقة على الأطهار؛ لم يصح. وهكذا ذكر فخر الإسلام، والصدر الشهيد، وصاحب المختلفات، وعلاء الأئمة السمرقندي (٦). لأنه إنما تصح نية الثلاث فيه جملة من حيث [أن] (٧) اللام فيه للوقت؛

стр. 2876

فَيُفِيدُ تَعْمِيمَ الوَقتِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَعْمِيمُ الوَاقِعِ فِيهِ، فَإِذَا نَوَى الجَمعَ بَطَلَ تَعْمِيمُ الوَقْتِ فَلَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ. فيفيد تعميم الوقت، ومن ضرورة تعميم الوقت الذي هو ظرف الوقوع تعميم الواقع فيه؛ فكان ناويًا محتمل لفظه فيصح. أما لو نوى وقوع الثلاث جملة فقد ألغى قضية اللام؛ أعني: العموم المستفاد منه؛ فكان هذا إيقاعًا في الحال بقوله: أنت طالق، وأنه لا يصح؛ لأنه لا يحتمل العدد، بخلاف ما إذا قال ثلاثا للسنة؛ لأن العدد يثبت بلفظه لا بقضية اللام. أما هاهنا يثبت بقضية حرف اللام، وأنه يبطل نية وقوع الثلاث جملة. وذكر صاحب الأسرار وشمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام خواهر زاده: تصح نية الثلاث جملة كما في الصورة الأولى (١)، وبه قال الشافعي (٢)؛ لأن التطليقة المختصة بالسنة المعرفة باللام نوعان حسن وأحسن؛ فالأحسن: أن يطلقها في طهر لا جماع فيه، والحسن: أن يطلق الثلاث في ثلاثة أطهار. فإذا نوى الثلاث؛ فقد نوى أحد نوعي التطليقة المختصة بالسنة؛ لأن السنة صفة لتطليق محذوف؛ إذ الفعل هو الذي يوصف بالسنية، وذكر الصفة ذكر الموصوف لغة. وفي شرح مختصر الكرخي: تقع الثلاث عند أبي يوسف ومحمد إذا نوى؛ لأن اللام كناية عن أوقات السنة؛ فكأنه قال: أنت طالق للشهور أو الحيض (٣) ونوى ثلاثًا يكون ثلاثًا؛ لأنه أضاف الطلاق إلى ما له عدد. ولو قال للحامل: أنت طالق ثلاثًا للسنة تطلق في الحال واحدة عندنا وإن كان جامعها؛ لما ذكرنا أن الطلاق عقيب قوله: إنما يكره لتوهم الحبل، وفي

стр. 2877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحامل لا يحتمل ذلك (١)، وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣): تقع ثلاثًا في [الحال] (٤)؛ لما بينا أنه لا بدعة في العدد عنده، ثم بعد شهر أخرى، ثم بعد شهر أخرى. وقال محمد وزفر: لا يُطلّق الحامل للسنة إلا واحدة (٥). وقد مرت المسألة. ولو قال: أنت طالق للبدعة، أو طلاق البدعة، ونوى الثلاث في الحال يقع؛ لأن إيقاع الثلاث في طهر لا جماع فيه بدعة، وفي طهر الجماع الواحدة بدعة، وفي حالة الحيض الواحدة بدعة أيضًا؛ فلو نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمل كلامه؛ فصحت نيته. ولو لم تكن له نية: فإن كان في طهر الجماع، أو في حالة الحيض، أو النفاس؛ وقع واحد من ساعته، وإن كانت في طهر لا جماع فيه، ولا في حالة الحيض؛ لا يقع للحال ما لم تحض (٦)، أو يجامعها في ذلك الطهر. وبه قال الشافعي (٧). وفي شرح مختصر الكرخي: روى بشر عن أبي يوسف: لو قال لامرأته: أنت طالق طلاق السنة، ولا نية له، أو طلاق العِدة، أو طلاق العدل، أو طلاق الدين، أو طلاق الإسلام؛ فهذا كله للسنة. وكذا لو قال: طلاقًا عدلا، أو طلاق سنة، أو طلاق عدة، أو سنة، أو عدلته؛ فهذا كله للسنة يقع إذا كانت طاهرًا من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها فقد [ذكر] (٨) بشر عن أبي يوسف هذا على أقسام: فالقسم الأول: وهو أن يقول للسنة، أو للعدة، أو طلاق العدل، أو طلاق

стр. 2878

فَصْلٌ: [مَنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ وَمَنْ لَا يَقَع] (وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوج إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغَا، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ الدين، أو الإسلام، أو طلاقًا عدلا، أو طلاق سنة، أو طلاق عدة، أو أحسن الطلاق، أو أجمل الطلاق، أو طلاق الحق، أو طلاق القرآن، أو طلاق الكتاب، أو أنتِ طالق للسنّة، أو في السنّة، أو على السنة؛ فيحمل على أوقات السنّة بلا نية؛ لأن كل ذلك لا يكون في المأمور به. والقسم الثاني: ما لو قال: أنت طالق في كتاب الله، أو بكتاب الله، أو مع كتاب الله؛ فإن نوى به طلاق السنة وقع في أوقاتها، وإن لم ينو وقع في الحال؛ لأن كتاب الله يدل على وقوع الطلاق للسنة والبدعة، فيحتاج إلى النية. والقسم الثالث: ما لو قال: أنت طالق على الكتاب، أو بالكتاب، أو على قول القضاة، أو على قول الفقهاء؛ فإن نوى السنّة يُدَيَّنُ ويقع في الحال؛ لأن قول القضاة والفقهاء يقتضي الأمرين، فإذا خصص يُديَّنُ، ولا يسمع في القضاء؛ لأنه غير ظاهر. ولو قال: أنت طالق عدلية أو سنية وقع عند أبي يوسف للسنة. ولو قال: حسنه أو جميله؛ وقع في الحال. وقد قال محمد في الجامع الكبير: وقع في الحال في كلاهما؛ لأن هذه الصفات جاز أن توصف بها المرأة فلا تجعل صفة الطلاق حتى يتأخر فيقع في الحال، واعتبر أبو يوسف الغالب (١). وسيجيء باقي الكلام في فصل سنّية الطلاق إن شاء الله تعالى. فَصْلٌ قوله: (فلا يقع طلاق الصبي) سواء كان عاقلا أو لا، وبه قال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد في رواية (٤).

стр. 2879

وَالنَّائِمِ) لِقَولِهِ ﵊: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ». وقال أحمد في رواية أخرى: يقع طلاقه إذا عقل الطلاق، كما يصح إسلامه؛ لصدور التصرف في عقل وتمييز. ولقوله ﵇: «الطَّلاقُ لِمَنْ أخذَ بالسَّاقِ» (١). وقلنا: هذا ينتقض بالنائم والمكره والمعتوه عنده. ولقوله ﵇: «كلُّ طلاق جائز إلا طلاق (٢)» رواه البخاري (٣). وبإطلاق قوله ﵇: «إلا طلاق الصبي» (٤). وقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النَّائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتّى يفيق» (٥). ولأن أهلية التصرف بالعقل والتمييز، وليس للصبي قصد معتبر شرعًا خصوصًا فيما يضره؛ لأن اعتبار القصد بالخطاب، ولا خطاب عليه. ولأن الطلاق لم يشرع إلا عند خروج النكاح من المصلحة، وإنما يعرف ذلك بالتأمل، والصبي لاشتغاله باللهو واللعب لا يتأمل؛ فلا يشرع في حقه. («إلا طلاق الصبي والمجنون») فإنه غير جائز.

стр. 2880

وَلِأَنَّ الأَهْلِيَّةَ بِالعَقلِ المُمَيِّزِ، وَهُمَا عَدِيمَا العَقلِ، وَالنَّائِمُ عَدِيمُ الاحْتِيَارِ. (وَطَلَاقُ المُكْرَةِ وَاقِعُ) واقعًا لِلشَّافِعِيّ، هُوَ يَقُولُ: إِنَّ الإِكْرَاهَ لَا يُجَامِعُ فإن قيل: لا يلزم من نفي الجواز نفي الوقوع؛ فإن إرسال الثلاث جملة حرام، وكذا الطلاق حالة الحيض، وما كان حرامًا لا يكون جائزًا، ومع هذا واقع. قلنا: المراد بالجواز هنا النفاذ ونفاذه بالوقوع لما أن فعل الصبي والمجنون فيما يرجع إلى المعاملات لا يوصف بالحرمة، فيكون الجواز محمولًا على النفاذ، وبالإجماع أن المراد بالجواز النفوذ. (وهما)؛ أي: المجنون والصبي عديما العقل، والمعتوه والمغمى عليه كالصبي؛ حتى لا يقع طلاقهما بالإجماع. والصبي وإن كان يعقل وكذا المعتوه؛ لكن ليس لهما اعتدال العقل فلا يكون قصدهما صحيحًا لما ذكرنا. وكذا المغمى عليه والمعتوه والمدهوش والمُبَرْسَم (١) كالمجنون والصبي؛ لعدم تمييزهم بين الصحيح والفاسد. وفي الذخيرة: طلاق الصبي والمجنون والمعتوه غير واقع ولا موقوف، وكذا طلاق النائم حتى لو أجازه بعدما انتبه والصبي بعد البلوغ لو طلق فأجازه بعد البلوغ، أو قال: أوقعت ما تلفظت به في النوم لا يقع، ولو قال: أوقعت ذلك يقع ويلغو ذلك (٢). وعند الشافعي: لا يصح ذلك أيضًا (٣). قوله: (واقعًا للشافعي) فإنه قال: لو كان الإكراه بغير حق لا يقع طلاقه ولا

стр. 2881

الاختيار، وَبِهِ يُعتَبَرُ التَّصَرُّفُ الشَّرعِيُّ، بِخِلَافِ الهَازِلِ؛ لِأَنَّهُ مُختَارٌ فِي التَّكَلُّمِ يصح خلعه (١)، وبه قال: مالك (٢)، وأحمد (٣)، وهو مروي عن: عمر وعلي وابن عمر وشريح وعمر بن عبد العزيز (٤). وبقولنا قال: الثوري والشعبي والنخعي (٥). احتج الشافعي بقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٦) والمراد حكمه وهو يشمل حكم الدارين فيكونان مرادين. ولأن التصرف الشرعي إنما يُعتبر إذا صدر عن قصد صحيح واختيار، والإكراه يسلب القصد والاختيار؛ فيفسد قصده شرعًا؛ ألا ترى أنه لو أكره على الإقرار بالطلاق يلغو إقراره بالإجماع، بخلاف الهازل؛ لأنه مختار في السبب، وهذا التكلم بالطلاق وإن لم يكن مختارًا لحكمه. وكذا اللاعب. ولما روي أنه ﵇ قال: ثلاث جدهُنَّ جِد وهزلُهُنَّ جِدٌ: النَّكاحُ، والطلاق، والعتاق» (٧).

стр. 2882

بِالطَّلَاقِ. وَلَنَا: أَنَّهُ قَصَدَ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي مَنكُوحَتِهِ فِي حَالِ أَهْلِيَّتِهِ فَلَا يَعْرَى عَنْ قَضِيَّتِهِ وقيل: إن كان الرجل في الجاهلية يُطلق امرأته ثم يرجع ويقول: كنت لاعبًا ويعتق عبده ثم يرجع ويقول كنت لاعبًا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوا﴾ [البقرة ٢٣١] فقال ﵇: «من طلق أو حرر أو نكح فقال: إني كنت لاعبًا، ويعتق عبده ثم يرجع، ويقول: إني كنت لاعبًا فهو جائز» (١). ولنا: حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «ثلاث جِدُّهنَّ جِد وهزلُهُنَّ جد: النكاح والطلاق والرجعة». رواه الطحاوي (٢) وأبو داود وابن ماجه وابن حنبل والترمذي وقال: حديث حسن غريب، فدل على عدم اشتراط الرضا والقصد في ذلك. (أنه)؛ أي: المكره. (قصد الإيقاع) واحترز به عن الإكراه بالإقرار (٣) بالطلاق؛ فإنه ما قصد الإيقاع بل قصد الإقرار به كرها، والإقرار يتمثل بين الصدق والكذب، وقيام السيف على رأسه دليل كذبه. (في حال أهليته) واحترز به عن الصبي والمجنون. (فلا يعرى عن قضيته)؛ أي: حكمه، وهو الوقوع؛ لأن التصرف لما صدر عن أهله في محله عن ولاية شرعية وجب القول بنفاذه كما في الطائع.

стр. 2883

دفعًا لِحَاجَتِهِ اعتبارًا بِالطَّائِعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّرِّينِ وَاختَارَ أَهْوَنَهُمَا، وَهَذَا آيَةُ القَصدِ وَالاحْتِيَارِ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ رَاضِ بِحُكمِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُخِلٌ بِهِ كَالهَازِلِ. ولا خفاء في الأهلية؛ لأن الإكراه لا يزيل العقل والقصد والاختيار، وبالإكراه لا يفوت القصد الصحيح، فإن المكره يقصد ما باشره ولكن لغيره وهو دفع الشر عن نفسه لا بعينه؛ فكان (كالهازل)، فإنه يقصد بالتكلم بالطلاق اللعب والهزل لا عينه، وذا لا يمنع وقوع الطلاق فكذا الإكراه. وللمكره اختيار صحيح؛ حيث عرف الشر من الهلاك والطلاق (واختار أهونهما) وهو الطلاق، وهذا دليل صحة قصده واختاره، إلا أن رضاه فائت، وفواته لا يخل بوقوع الطلاق كالهازل. ولأن المكره مخاطب؛ لأنه أبيح ما أكره عليه مرة، ويفترض مرة، ويحرم عليه مرة كما عرف في الأصول، وذا باعتبار الخطاب، والخطاب بلا أهلية محال. قوله: (وهذا)؛ أي اختيار الأهون. (آية)؛ أي علامة القصد الصحيح. (والاختيار) جواب عن قوله: (الإكراه لا يجامع الاختيار). وقد روى محمد بإسناده: أن امرأةً اعتقلت زوجها، وجلست على صدره، ومعها شفرة، فوضعتها على حلقه، وقالت: طلقني ثلاثًا وإلا أنفَذْتُها، فناشدها الله أن لا تفعل فأبت فطلقها ثلاثا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﵇: «لا قيلولة في الطلاق» (١). وعن عمر أنه قال: أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رد: النكاح والطلاق

стр. 2884

(وَطَلَاقُ السَّكْرَانِ وَاقِعٌ) … والعتاق والصدقة. هكذا في المبسوط (١). وإطلاق روينا يدل أيضا على إيقاع طلاقه، والحكم يثبت اقتضاء أو اشتراكا على ما عرف في الأصول؛ فلا عموم له، وقد ارتد حكم الآخرة إجماعا؛ فلم يبق الآخر مرادا. وفي شرح الآثار: الرفع يدل على عدم المؤاخذة، لا على عدم الوقوع فإن المولى [لو قال (٢)] لعبده رفعت عنك ما تخطئ وما تنساه؛ كان معناه: لا تتعرض للوم والتوبيخ. (٣) قوله: (وطلاق السكران واقع)، وكذا يصح خلعه وإعتاقه. وبه قال: الشافعي في المنصوص والأصح (٤)، ومالك (٥)، وأحمد في رواية (٦) والثوري (٧). وهذا في سكر بسبب محظور؛ بأن شرب الخمر أو النبيذ طوعا حتى سكر وزال عقله. واختلف في حد السكر، قيل: السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء والرجل من المرأة؛ فعلى هذا لا يصح طلاقه وعتاقه وخلعه، ولو كان له من العقل والتمييز ما يقوم به التكليف والخطاب؛ فهو كالصاحي فتصح منه التصرفات. كذا في شرح الإرشاد (٨). قال صاحب المجتبى: وهذا سبيل حسن لابد من حفظه، والناس عنه غافلون (٩).

стр. 2885

وَاخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَهُوَ أَحَدُ قَولَيِ الشَّافِعِيِّ؛ وقد اختلف نسخ المختصر والشروح له؛ ففي بعضها قال: يقع الطلاق إذا قال: نويت به الطلاق، يعني طلاق المكره والسكران واقع إذا قال: نويت به الطلاق. كذا ذكره في شرح قاضي خان (١). وفي شرح الأقطع: هذا ليس مذهب أصحابنا، ولعل صاحب الكتاب كان قوي عنده مذهب أبي الحسن في أنه لا يقع الطلاق، فإذا قال: نويت الطلاق صدق بالإجماع، وفي بعض النسخ: يقع طلاقه بقوله: أنت حرة إذا قال: نويت به الطلاق، قال: وهو حسن (٢). وتقرير لمذهب أصحابنا: أن طلاق السكران وكنايته إذا اقترنت بالكلمة (٣) معتبر ورافع، ولكن ترك الزيادة أقيس بمذهب أصحابنا. وفي شرح بكر: السكران الذي يصح منه التصرفات أن يصير بحال يستحسن ما يستقبحه الناس، ويستقبح ما يستحسنوهم؛ لكنه يعرف الرجل من المرأة (٤). وفي جمل الفقه: أما ردة السكران لا يصح استحسانا نظرا له؛ لأن إبقاء عقله للزجر، والحاجة إلى الزجر فيما يغلب وجوده، والردة لا تغلب وجوده، ولأن جهة زوال العقل حقيقة تقتضي بقاء الإسلام، وجهة بقائه تقديرا تقتضي زوال الإسلام، فيرجح جانب البقاء؛ لأن الإسلام يعلو (٥). وعن عثمان ﵁: أنه لا يقع طلاقه وعتاقه (٦). وبه أخذ: زفر والظاهرية (٧) والطحاوي والكرخي ومحمد بن سلمة من أصحابنا (٨)، والشافعي

стр. 2886

لِأَنَّ صِحَّةَ القَصدِ بِالعَقلِ، وَهُوَ زَائِلُ العَقلِ، فَصَارَ كَزَوَالِهِ بِالبَنجِ وَالدَّوَاءِ. وَلَنَا: أَنَّهُ زَالَ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ، … ... … ... … ... .. في القديم واختاره المزني (١)، وأبو ثور وداود (٢). لأن الإيقاع يعتمد القصد الصحيح، وليس له قصد صحيح؛ فصار كالنائم بل أقوى، فالنائم ينتبه إذا نبه لا السكران. ولأن صحة التكلم بالعقل؛ فإذا زال عقله لم يكن الموجود منه كلامًا بل هو كصوت الطائر وصار كزواله بالبنج والدواء. ولا يقال: زواله بسبب هو: معصيته (٣)، وذا سبب التغليظ لا التخفيف؛ لأنه لو ارتد لا تصح ردته، ولو اعتبر هذا المعنى لحكم بصحة (٤) ردته. وقلنا: إنه مخاطب أوقع الطلاق في منكوحته فلا يُعرّى (٥) عن قضيته اعتبارًا بالصاحي. وبيان ذلك: أنه مخاطب؛ فإنه تعالى قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وهذا خطاب حال سكره على ما عرف في الأصول. ولأن الخطاب إنما يتوجه باعتدال الحال، وذا أمر باطن لا يتوقف عليه؛ فأقيم السبب الظاهر الدال عليه، وهو: البلوغ عن عقل مقامه؛ تيسيرًا، وبالسكر لم يَزُلْ هذا المعنى. وغفلته عن نفسه بسبب هو معصيته (٦)، فلا يستحق [به] (٧) التخفيف، ولم يكن عُذرًا في المنع من نفوذ تصرفاته بعد ما تقرر سببه؛ لأن بالسكر لا يزول عقله، ولكن عجز عن استعماله؛ لغلبة السرور عليه، ولئن زال فهو حاصل

стр. 2887

فَجُعِلَ بَاقِيًا حكمًا زَجْرًا لَهُ، حَتَّى لَو شَرِبَ فَصُدِعَ وَزَالَ عَقْلُهُ بِالصُّدَاعِ نَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ. بسبب هو معصيته فلم يؤثر في إسقاط ما بني على التكليف؛ بل يجعل باقيا حكمًا؛ زجرا وتنكيلا؛ ألا ترى أنه ألحق (١) بالصاحي في حق وجوب القصاص وحد القذف حتى لو قتل وقذف في هذه الحالة يجب حد القذف والقصاص؛ فلأن يلحق بالصاحي فيما لا يسقط بالشبهة أولى. فإن قيل: يشكل بسفر المعصية؛ فإنه لا يجعل كالإقامة في حق الأحكام عندنا زجرا له. قلنا: تعلقت الرخصة بسفره لا بمعصيته، بخلاف السُّكر فإنه حصلت بسبب هو معصيته (٢)؛ فيجعل كالصاحي زجرًا له، بخلاف البنج والدواء؛ فإن غفلته ليست بسبب هو معصيته (٣)، وما يعتبر به نوع مرض فلا يكون سُكْرًا حقيقة؛ فكان كالإغماء. وبه قال: الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦). وذكر عبد العزيز الترمذي (٧): سألت أبا حنيفة وسفيان الثوري عن من شرب المُبَنّج فارتفع رأسه فطلق امرأته؛ قالا: إن كان حين شرب يعلم أنه ما هو فهي طالق، وإلا لا (٨). ولو شرب من الأشربة التي تتخذ من العسل أو الشهد أو السكر أو من الحبوب كالحنطة والشعير وغيرهما، وسَكِرَ وطلق؛ لا يقع طلاقه عند أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 2888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند [محمد] (١): يقع (٢). وبه قال: الشافعي؛ لأن كل مسكر حرام عندهما، وعليه الفتوى كما يجيء في الأشربة (٣). ولو شرب الخمر فلم يزل عقله، ولكن صدع فزال عقله بالصداع؛ لم يقع طلاقه لأن زوال عقله بالصداع لا بالسكر فما زال عقله بمعصيته فإن الصداع مرض كسائر الأمراض. فإن قيل: الصداع حصل بالخمر ويضاف الزوال إليها؛ فإن الحكم يضاف إلى علة العلة كما في شراء القريب. قلنا: الخمر ليس بموضوع للصداع، والشراء موضوع للملك؛ فافترقا. ولو شرب الخمر مكرها أو لضرورة العطش فسكر فطلق، قال بعض مشايخنا: لا يقع طلاقه؛ لأنه سكر بسبب مباح. وبه قال: الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)؛ لأنه كالمغمى عليه. وبه أخذ صاحب الإيضاح (٧). وقال أكثرهم: يقع؛ لأن عقله زال عند كمال التلذذ، وعند ذلك لا يبقى مكرها؛ فجعل قائماً (٨). وفي "المبسوط": وأما ردة السكران فلا حكم بها؛ لانعدام ركنها وهو الاعتقاد؛ لأن السكران غير معتقد لما يقول، وأما إقراره بالحد لا يعتبر؛ لأنه لا يثبت على شيء فيجعل راجعًا عما أقر به فيؤثر السكر فيما يحتمل الرجوع (٩).

стр. 2889

(وَطَلَاقُ الأَخرَسِ وَاقِعٌ بِالإِشَارَةِ)؛ لِأَنَّهَا صَارَت مَعهُودَة فَأُقِيمَت مَقَامَ العِبَارَةِ دفعا لِلحَاجَةِ، وَسَتَأْتِيكَ وُجُوهُهُ فِي آخِرِ الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وطَلَاقُ الأَمَةِ لِنتَانِ، حُرًّا كَانَ زَوجُهَا أَوْ عَبدًا، وَطَلَاقُ الحُرَّةِ ثَلَاثُ، حُرًّا كَانَ زَوجُهَا أَوْ عَبْدًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَدَدُ الطَّلَاقِ مُعتَبَرُ بِحَالِ الرِّجَالِ، … ... (وطلاق الأخرس واقع بالإشارة) إن كان له إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه، وعتاقه وبيعه وشرائه واقع استحسانا سواء قدر على الكتابة أو لا. وبه قال: الشافعي (١)، ومالك (٢)؛ لأنه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الناطق، فلو لم (٣) نجعل إشارته كعبارة الناطق؛ لأدى إلى الحرج. وهو مدفوع بالنص (في آخر الكتاب)، أي: كتاب الهداية لا كتاب الطلاق. وقال صاحب التتمة من أصحاب الشافعي: إن قدر على الكتابة لا يقع طلاقه بالإشارة؛ لعدم الضرورة؛ فإن الكتابة أدل على المراد من الإشارة، وينبغي مع ذلك قصد (٤) الطلاق (٥). قوله: (وقال الشافعي: عدد الطلاق معتبر بحال الرجال) (٦). وبه قال: مالك (٧)، وأحمد (٨)، وهو قول: عمر وزيد بن ثابت (٩). وبقولنا قال الثوري، وهو مذهب علي وابن مسعود (١٠)، والخلاف يظهر في حرة تحت عبد وأمة تحت حر. وقال ابن عمر: يعتبر بأيهما كان رقيقا.

стр. 2890

لِقَولِهِ ﵊: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» وَلِأَنَّ صِفَةَ المَالِكِيَّةِ كَرَامَةٌ وَالآدَمِيَّةُ مُستَدعِيَةٌ لَهَا، وَمَعنَى الآدَمِيَّةِ فِي الحُرِّ أَكمَلُ، فَكَانَت مَالِكِيَّتُهُ أَبْلَغَ وَأَكثَرَ. وَلَنَا قَولُهُ ﵊: .............................. والعدة تعتبر بحالها بالإجماع. وله: قوله ﵇: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» الحديث (١)، قابل العدة بالطلاق على وجه يختص كل واحد بجنس على حدة، واعتبار العدة بالنساء بالإجماع من حيث القدر، فكذا اعتبار الطلاق بالرجال من حيث القدر تحقيقا للمقابلة. ولا يقال: يراد به إيقاع الطلاق؛ لأن ذا معلوم لا يحتاج إلى البيان، فإن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] صريح فيه. وفي رواية: «يُطلق العبد تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين» (٢). (ولأن) الزوج هو المالك للطلاق بالإجماع، و (صفة المالكية كرامة)، واستحقاق الكرامات بوصف الآدمية؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] فوجب أن يُزاد صفة المالكية بزيادة وصف الآدمية. (ومعنى الآدمية في الحر) أوفر و (أكمل) فإن العبد يشتمل على جهة الآدمية والمالية؛ ولهذا يباع في الأسواق كما تباع الدواب والأثواب، وتجب القيمة في قتله كما في البهيمة. (ولنا قوله عليه الصلاة السلام) عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠] والنص ورد في الحرة بدليل قوله تعالى: ﴿فَلا

стр. 2891

«طَلَاقُ الأَمَةِ ثِنَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» ....................... جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والأمة لا تملك الافتداء، وبدليل قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والأمة لا تملك نكاح نفسها، وبدليل قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي: تناكحا بغير الطلاق وذا في الحر والحرة. و (قوله ﵇: «طلاقُ الأَمَةِ ثنتان») (١) قاله مطلقا، سواء كانت تحت حر أو عبد، وقد جمع بين الطلاق والعدة، والعدة معتبرة بالنساء فكذا الطلاق المذكور. ولأنه تعالى بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قابل الطلاق بالعدة، والمقابلة تقتضي التسوية، وبالإتفاق يعتبر حالها في العدة؛ فكذا في الطلاق. ومن ملك على امرأته عددًا من الطلاق يملك إيقاعه (٢) في أوقات السُّنَّة، وبهذا أفحم عيسى بن أبان الشافعي؛ فقال: أيها الفقيه إذا ملك الحر على امرأته الأمة ثلاث تطليقات، كيف يطلقها في أوقات السنة؟ فقال: يوقع عليها واحدة، فإذا حاضت وطهرت أوقع أخرى، فلما أراد أن يقول فإذا حاضت وطهرت، قال: حسبك فإن عدتها قد انقضت، فلما تحير رجع وقال: ليس في الجمع بدعة، ولا في التفريق سنة. ومعنى ما رُوي: إيقاع «الطلاق بالرجال»؛ لأن الطلاق متى أضيف إلى الرجال يراد به الإيقاع، ولأنه مراد إجماعًا فلم يبق غيره مرادًا؛ لأن المقتضى لا عموم له. وقيل: أنه كلام زيد، لا يثبت مرفوعا إلى النبي ﷺ .

стр. 2892

وَلِأَنَّ حِلَّ المَحَلِّيَّةِ نِعْمَةٌ فِي حَقِّهَا، … وما روي «يطلق العبد ثنتين»؛ فليس فيه ألّا (١) يطلق الثالثة، أو معناه: إذا كانت تحته أمة، وإنما قاله بناءً على ظاهر الحال، واعتبار الكفاءة في النكاح كذا في المبسوط (٢). قيل: الحديثان غريبان، ثم إنهما من الآحاد مع أنه قيل أنه مطعون فلم يَرْوِه إلا القتبي، وقيل: طعن في حديثه (٣). فلا يجوز تقييد مطلق الكتاب بهما، ولا معارضة الخبر المشهور به، مع أن قوله: «يطلق العبد ثنتين» لا ينفي الثالثة؛ كما يقال فلان يملك درهمين، وقوله ﵇: «طلاق الأمة ثنتان» يقتضي اختصاص الطلاق بها؛ لأنه أضافه إليها؛ فيقتضي اختصاص الطلقتين، فلو ملك الزوج عليها الثالثة لبطل الاختصاص. وقوله: (لأن ذا معلوم لا يحتاج إلى البيان) ممنوع، بل يحتاج؛ لأنه قد يُشكل؛ فإن النكاح يشترك بين الزوجين في الانعقاد، والأصل في كل عقد كان انعقاده بعاقدين أن يكون ارتفاعه بهما (٤) أيضًا كالبيع والإجارة، ولأنه مشترك بينهما في المقاصد والأحكام، فيشكل أن يكون الارتفاع بهما على الشركة؛ فجلى الإشكال بقوله: «الطلاق بالرجال». قوله: (وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ) إلى آخره، هذا جواب عن تعليل الخصم؛ يعني: (حلّ المحلية)، وهو: حل تزوجها للرجل (نعمة في حقها) كما هو في حقه؛ لأن هذا حل مشترك بينهما يبتني عليه مقاصد مشتركة كحل الاستمتاع

стр. 2893

وَلِلرِّقٌ أَثَرٌ فِي تَنصِيفِ النِّعَمِ، إِلَّا أَنَّ العُقدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَتَكَامَلَت عُقدَتَانِ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّ الإِيقَاعَ بِالرِّجَالِ. (وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبدُ امْرَأَة بِإِذنِ مَولَاهُ وَطَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مَولَاهُ عَلَى امْرَأَتِهِ)؛ لِأَنَّ مِلكَ النِّكَاحِ حَقُّ العَبدِ فَيَكُونُ الإِسْقَاطُ إِلَيْهِ دُونَ المَولَى. والازدواج، وإليه أشار تعالى بقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلُّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]. (وللرق أثر في تنقيص النعم) فيكون للحرّ أزيد منه للعبد. كما أن حل النبي ﷺ أزيد بسبب النبوة. ويملك الحر تزويج أربع، والعبد ثنتين؛ فكان (١) حلّ حرة تحت عبد أوسع من حلّ أمة تحت حر، [وفيه] (٢) وقع النزاع. ولأن الطلاق تصرف يبتني على الحل فيقدر بقدر الحل؛ كأصل النكاح. وحل الرجل يَتَنَصَّفُ بِرِقٌ الرجل؛ فكذا حِل المرأة يَتَنَصَّفُ بِرِق المرأة. ثم الحرة تملك أن تتزوج الرجل ثلاث مرات؛ أي: بتجدد العقد، فوجب أن تملك الأمة أن تتزوج مرة ونصفها، (إلا أن العقدة لا تتجزأ) فيملك عقدين، ومن ضرورة عقد النكاح يكون الطلاق أيضًا طلاقين؛ لأنه لا يتجزأ. قوله: (عَلَى امْرَأَتِهِ)؛ أي: على امرأة العبد باتفاق الفقهاء. (لأن ملك النكاح حق (٣) العبد)؛ لأنه من خواص الآدمية، وفيما يتعلق بالآدمية فالعبد مبقى فيه على أصل الحرية، وينبغي أن يملك النكاح بلا إذن مولاه. كما قال مالك (٤). إلا أنه لو ملك يتضرر المولى به؛ فلا يملكه بدون إذنه، وإذا ملكه بإذنه يكون إسقاطه إليه؛ لأنه حقه (دون المولى).

стр. 2894

بَابُ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ (الطَّلَاقُ عَلَى ضَربَينِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ. فَالصَّرِيحُ قَولُهُ: «أَنتِ طَالِقٌ، وَمُطَلَّقَةٌ، وَطَلَّقْتُكِ»، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا تُستَعمَلُ فِي غَيْرِهِ، فَكَانَ صَرِيحًا، … .. باب إيقاع الطلاق لما فرغ الشيخ عن بيان الطلاق، وشرعيته، وكونه سنيا وبدعيًا، ومالكه (١)؛ شرع في بيان ما يقع به الطلاق. قوله: (والطلاق على ضربين)؛ أي نوعين. والطلاق هنا بمعنى التطليق من طلّق، كسلّم تسليمًا وسلامًا، لا مصدر طلّق. ثم الطلاق لا يقع بمجرد العزم والنية عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، وقال الزهري: يقع بالعزم والنية من غير نطق (٢). (لأن هذه الألفاظ) وهي قوله: أنت طالق وطلقتك وأنت مطلقة. (لا تستعمل في الطلاق ولا في غيره) ويراد بها الطلاق عن النكاح عرفًا وشرعًا. (فكان صريحًا) بالإجماع؛ لأنه ظهر المراد به ظهورا بينا، وغير هذه الألفاظ كله كنايات. وبه قال الشافعي في القديم (٣). وعند الشافعي الصريح ثلاثة ألفاظ: الطلاق والفراق والسراح؛ لورود لفظ الفراق والسراح في القرآن بمعنى الطلاق كثيرًا وكذا في الحديث، فكانا كلفظ الطلاق في عدم احتياجها إلى النية (٤). وعند مالك: لفظ الفراق والسراح ليسا بصريحين، ولكنهما من الظاهر؛ لأنه يفتقر إلى النية كما في الكنايات الظاهرية (٥).

стр. 2895

وَأَنَّهُ يَعقُبُ الرَّجِعَةَ بِالنَّصِّ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ لِغَلَبَةِ الاسْتِعْمَالِ، (وأنه)؛ أي: الصريح. (يعقب الرجعة بالنص) والإجماع (١)، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] سماه بعلا؛ فدلَّ أن الطلاق الرجعي لا يُبطل الزوجية. فإن قيل: لفظ الرد يدل على زوال ملكه. قلنا: أطلق اسم الرد بعد انعقاد سبب زوال الملك، فيكون بمعنى رد السبب عن إثبات زوال الملك، ويكون فسخا للسبب، ويطلق الرد على الفسخ كما يقال رده بالعيب، وأنه فسخ. فإن قيل: لا يخلو عن ارتكاب أحد المجازين: إما حمل الرد على الفسخ، أو إطلاق اسم البعل على المطلق مجازا. قلنا: لما أن البعل لغة حقيقة للزوج، والرّد يستعمل في الوجهين. ولأنه جعل أحق بالرد، والرد إذا كان بسبب نكاح جديد لا يكون هو أحق منها. إليه أشير في شرح التأويلات. وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. (ولا يفتقر)؛ أي: الصريح. (إلى النية) بإجماع الفقهاء، وقال داود: يفتقر الصريح إلى النية؛ لاحتمال غير الطلاق (٢). وقلنا: هذا الاحتمال مرجوح فلا يُعتبر؛ لغلبة الاشتغال في الطلاق، والنية في تعيين المبهم ولا إبهام فيها. ولأنه تعالى قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] من غير شرط النية. وحديث ابن عمر حيث أمره بالمراجعة، ولم يسأله هل نوى الطلاق أو لا؟

стр. 2896

(وَكَذَا إِذَا نَوَى الإِبَانَةَ) لِأَنَّهُ قَصَدَ تَنجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرِعُ بِانقِضَاءِ العِدَّةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ. فلو كانت النية شرطًا لسأله فلا مراجعة [إلّا] (١) بعد الوقوع؛ فدل أن الوقوع لا يحتاج إلى النية. (وكذا إذا نوى الإبانة)؛ أي: بلفظ الصريح؛ يكون طلاقًا رجعيا. وإن نوى الإبانة يتخير ما علقه الشرع؛ قال تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة ٢٣١] على ما ذكرنا. وإذا كانت العدة [باقية] (٢) كانت الرجعة باقية؛ بقوله ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وفي القنية: ذكر في مختصر المنية: أنه ذكر في شرح البزدوي: يكرر مسائل الطلاق عند زوجته ويقول: (أنتِ طالق) ولا ينوي؛ لا تطلق (٣). وفي فتاوي النور المنصوري: متعلّم يكتب ناقلا من كتاب فيقل: رجل، قال: ويوقف، ثم يقول: امرأتي طالق ثلاثًا، وقاله باللسان وكتب ويوقف، ثم نقل عنه: إن لم أدخل الدار، وقاله باللسان وكتب، ولكن قصده الحكاية لا الإيقاع لا يقع (٤). ولو قال لجماعة لا يعلمون الفارسية: تعلمت ذكرا فقولوه معي، فقال: رَنِ مِنْ بَسه طلاق، فقالوا ذلك؛ لا يحكم بالحرمة، وكذا لو لم يعتقدوه تسبيحًا؛ بل اعتقدوه شيئًا آخر ولم يعرفوا معناه (٥). ولو كتبت: (أنت طالق) فقالت لزوجها: اقرأها، فقرأه؛ لا يقع الطلاق ما لم يقصد خطابها به (٦).

стр. 2897

(وَلَو نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاق لَم يُدَيَّن فِي القَضَاءِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ … ... … ولو كتب على قرطاس أو لوح أو حائط كتابة مستبينة؛ لكن لا (١) على وجه التخاطب لامرأته: طالق؛ فيُسأل عن نيته، فإن قال: لم (٢) أنو شيئًا لا يقع (٣). وبه قال: الشافعي (٤)، ومالك (٥). وقال أحمد: يقع (٦). ولو كتب كتابا مرسوما معنويا، فقال فيه: إذا وصل إليك كتابي فأنت طالق يقع به الطلاق بالإجماع. ولو قال: ما أردت الطلاق أصلا لا يصدق قضاء ويصدق ديانة. (عن وثاق) وهو القيد بفتح الواو، والكسر لغة فيه. (لم يُديَّن في القضاء)؛ أي: لم يصدقه القاضي، واستعمال لفظ المداينة (٧) في التصديق مجاز، وذكر الملزوم وإرادة اللازم. وبه قال: الشافعي (٨)، وأحمد (٩). وعن مالك: يصدقه القاضي في حال الرضا دون الغضب (١٠). (لأنه)؛ أي: الطلاق عن الوثاق. (خلاف الظاهر) لما ذكرنا أنه بمنزلة الحقيقة للطلاق عن قيد النكاح؛ فلا يصدقه القاضي في صرف الكلام عن الظاهر فيما فيه تخفيف عليه، وكذا لا يسع للمرأة أن تصدقه لأنه خلاف الظاهر.

стр. 2898

(وَيُدَيَّنَ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحتَمِلُهُ. وَلَو نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ العَمَلِ لَم يُدَيَّن فِي القَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفِعِ القَيدِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَيَّدَة بِالعَمَلِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُدَيَّنُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُستَعمَلُ لِلتَّخليص. (ويُديَّنُ)؛ أي: يُصدق. (فيما بينه وبين الله تعالى) فإنه مطلع على نيته. وبه قال: الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣). (لأنه)؛ أي: لفظ الطلاق، يحتمل الطلاق عن وثاق؛ فإنه يستعمل في البعير. ولو صرح فقال: «أنتِ طالق عن وثاق»؛ لم يقع في القضاء شيء؛ لأنه صرح ما يحتمل كلامه. وبه قال: الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦). (وهي غير مقيد بالعمل) فلا يستعمل لفظ الطلاق في العمل حقيقةً ولا مجازا؛ لأن الطلاق لرفع قيد النكاح حقيقة كما ذكرنا، ولغيره مجاز فلا يصح نفيه؛ لأنه ما لا يحتمله اللفظ. (وعن أبي حنيفة): روى الحسن عن أبي حنيفة. (يُديَّنُ)؛ لأن الطلاق عن العمل يرد فيه التخلص (٧)؛ فصحت نيته مجازا. ولو صرح فقال: «أنت طالق من عمل كذا»؛ وقع الطلاق في القضاء؛ لأن هذا اللفظ لا يستعمل في الطلاق عن العمل لا حقيقة ولا مجازا، فكان قوله: (من هذا العمل) بيانًا، صورة لا حقيقة؛ فلا يصدق قضاء ويُصدق ديانة؛ لأنه بيان ما يحتمله في الجملة، وإن كان خلاف الظاهر.

стр. 2899

(وَلَو قَالَ: أَنتِ مُطْلَقَةٌ) بِتَسْكِينِ الطَّاءِ (لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُستَعمَلَة فِيهِ عُرفًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا. وعلى قياس رواية الحسن ينبغي أن لا يقع في القضاء أيضًا. (لأنها)؛ أي: لفظ المطلقة. (غير مستعملة فيه)؛ أي: في الطلاق؛ فإن لفظ الإطلاق لا يستعمل في قيد النكاح، وإنما يستعمل في القيد الحقيقي والحبس. (فلم (١) يكن صريحًا) ويوقف على النية. وفي اللغة التسكين والتشديد واحد؛ لأن كلاهما نعت، إلا أن بالتشديد من باب التفعيل وبالتسكين من باب الإفعال؛ فعلى هذا لا يتوقف على النية. وبه قال الشافعي (٢). أما في العرف يستعمل في الطلاق بالتشديد. ولو قال: يا مطلقة بالتشديد يقع؛ لأنه وصفها بكونها مطلقة، ولا تكون مطلقة إلا بالتطليق. ولو قال: أردت حرمة الشتم لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، ويُديَّنُ فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه قد يراد بمثله الشتم. ولو كان لها زوج قبله فقال: عنيت ذلك الطلاق؛ دُيِّنَ في القضاء؛ لأنه محتمل اللفظ. ولو لم يكن لها زوج قبله لا يُدَيَّنُ في القضاء؛ لأنه لا يحتمل أن تكون مطلقة غيره. ولو قال: أنت أطلق من امرأة فلان، وهي مطلقة؛ فذلك على نيته، إلا أن يكون جوابًا لمسألة الطلاق؛ لأن (٣) لفظ أَفْعَلُ ليس صريحًا في الكلام؛ ولهذا لو قال: أنتَ أزنَى من فلان؛ لا يجب الحد؛ لأنه غير صريح في القذف فإذا لم

стр. 2900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يكن صريحًا وقف على النية، إلا إذا خرج جوابًا لسؤال (١) الطلاق فينصرف إليه بقرينة السؤال. ولو قال: أنتِ طال - بحذف القاف -، ونوى؛ يقع وإلا لا. ولو قال: يا طال - بكسر اللام -؛ يقع نوى أو لم ينو. ولو قال: أنتِ طالق طالق؛ تطلق ثنتان. أو: أنتِ طالق أنت طالق؛ تطلق ثنتان؛ لكون اللفظ صريحًا في الطلاق والمحل قابل. ولو قال: عنيتُ بالثاني الإخبار عن الأول؛ لم يصدق في القضاء لأنه خلاف الظاهر، ويصدق ديانة لأن صنيعتها للإخبار. أما لو قال: أنت طالق، فقال له رجل: ما قلت؟ فقال: طلقتها، أو قلت: هي طالق؛ وقعت واحدة قضاء لأنه أخبر بقرينة الاستخبار. أما الطلاق بالفارسية: لو قال لامرأته: بهشتم از زني، أو قال: از زني بهشتم؛ لا يكون طلاقًا إلا بالنية؛ لأن معنى هذا اللفظ بالعربية: خليّتُ، وقوله خليت من الكنايات. و"تخليت" يقع الطلاق بائنا، و"بهشتم" يقع رجعيًا عند أبي حنيفة؛ لأن هذا اللفظ يحتمل أن يكون صريحًا في لغتهم، ويحتمل أن يكون كناية فلا تثبت البينونة بالشك. وقال أبو يوسف: بهشتم از زِنِي أو قال: از زني بهشتم يقع طلاقا بلا بينونة؛ لأن أبا يوسف خالط العجم ودخل جُرْجَانَ فعرف أن اللفظ في لغتهم صريح (٢). وبقوله (٣) قال: الشافعي (٤)، ومحمد (٥).

стр. 2901

قَالَ: (وَلَا يَقَعُ بِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى، ولو قال: بهشتم، ولم يقل: از زني، فإن قال ذلك في حال سؤال الطلاق أو حال الغضب؛ فهي واحدة رجعية، ولا يصدق إذا قال: ما أردت به الطلاق؛ لأنه خلاف الظاهر. وفي غير حال الغضب أو مذاكرة الطلاق يُديَّنُ قضاء؛ لأن معنى قوله: بهشتم: خليت، وليس في قوله: خلّيت، إضافة إلى النكاح ولا إلى الزوجة إلا بقرينة نية، أو مذاكرة طلاق، أو غضب. ولو نوى منه بائنا؛ فبائن. ولو نوى ثلاثًا فثلاث؛ لأنه يحتمل البينونة بنوعية "تخلّيتُ"، إلا أن محمدًا قال: في حال الرضاء والغضب يدين أنه ما أراد به الطلاق، وعند زفر: بقوله "بهشتم" يقع بائن نوى أو لم ينو، ولو نوى ثلاثًا فثلاث (١). هذا ما نقل عن أصحابنا في الطلاق بالفارسية. والأصل الذي عليه الفتوى في الطلاق بالفارسية أنه: إذا كان فيها لفظ لا يُستعمل إلا في الطلاق؛ فذلك اللفظ صريح يقع بلا نية إذا أُضيفت إلى المرأة مثل: ززن رها كردم، وفي عُرف أهل خراسان والعراق: بهشتم؛ لأن الصريح لا يختلف باختلاف اللغات، وما كان في الفارسية يستعمل في الطلاق وغيره فهو من كنايات الفارسية فحكمه حكم كناية العربية في جميع الأحكام. قوله: (ولا يقع)؛ أي: بلفظ الصريح، وهو قوله: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك إلا واحدة عندنا. وبه قال أحمد (٢). وقال الشافعي: يقع ما نوى فيه (٣). [به] (٤) قال: زفر (٥)، ومالك (٦)،

стр. 2902

لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفظَهُ، فَإِنَّ ذِكرَ الطَّالِقِ ذِكرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَة، كَذِكرِ العَالِمِ ذِكرٌ لِلعِلمِ، وَلِهَذَا يَصِحُ قِرَانُ العَدَدِ بِهِ، فَيَكُونَ نَصْبًا عَلَى التَّمْيِينِ. وَلَنَا: أَنَّهُ نَعْتٌ فَردٌ وأحمد في رواية (١)، والظاهرية (٢) وهو قول أبي حنيفة أولا ولم يرتضه ورجع عنه (٣). (يصح قران العدد به)؛ أي بقوله: أنت طالق. (ويكون العدد نصبا على التفسير)؛ أي: التمييز، يعني إذا قال: أنت طالق واحدة أو ثنتين أو ثلاثا انتصبت هذه على التمييز، والتمييز يعين أحد محتملات اللفظ؛ ألا ترى أنه يصح الاستفسار عن العدد فيقال: كم طلقتها؟ فصحت نية العدد فيه كما لو نص على الطلاق، أو قال: أنت طالق طلاقا، وكما في قوله: طلقي نفسك. يؤيده حديث ركانة بن عبد يزيد أنه " أتى النبي ﷺ فقال: طلقت امرأتي ألبتة والله ما أردت إلا واحدة، فقال ﵇: «والله ما أردت إلا واحدة؟» فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة؛ فردها إليه النبي ﷺ " (٤)، فدل صلى الله أنه لو أراد ما زاد على الواحدة وقع. كذا في شرح الوجيز (٥). (ولنا: أنه)؛ أي قوله: طالق. (نعت فرد) يقال للواحدة طالق، وللثنتين طالقان، وللثلاث طوالق، ونعت الفرد لا يحتمل العدد فينوي ما يحتمله اللفظ؛ فلغت نيته؛ لأن النية لتعيين بعض

стр. 2903

حَتَّى قِيلَ لِلمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يَحْتَمِلُ العَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ، … ... … ... … ... … محتملات اللفظ، والنية الخالية عن اللفظ الدال على ما نوى لا تفيد. ثم المراد بالنعت: الخبر تجوّزًا لكونه مشتقا كالنعت؛ لأن الطالق خبر لا صفة؛ إذ المضمر لا يوصف عند البصريين، ولكنه لو كان صفة يبقى المبتدأ بلا خبر. ولأن قوله: (طالق) نكرة؛ فلا يجوز أن يكون صفة للمعرفة. فإن قيل: قوله: (أنتِ طالق) نعت لغة لكنه إنشاء شرعًا؛ ولهذا لو قال للمعتدة من طلاق رجعي: أنتِ طالق، يقع الطلاق بالإجماع ولا يحمل على الإخبار وإن كان صادقًا فيه، والإنشاء يحتمل العدد، والإنشاء هو الطلاق وأنه يحتمل العدد، ولئن سلَّمنا؛ ولكن الثلاث فرد من حيث الجنس كما يجيء أن الجنس فرد بالإضافة إلى سائر الأجناس حكمًا فيتناوله عند النية؛ لأنها محتملة. قلنا: (أنتِ طالق) نعت لغة وشرعًا؛ لأن الأصل تقرير الألفاظ في موضوعاتها إلا أن المخبر به إذا كان ثابتا قبل الإخبار؛ صح الخبر بدون إثبات شيء آخر، وإذا لم يكن ثابتا قبله مست الحاجة إلى إثباته قبيل الخبر بطريق الاقتضاء ضرورة صحة الخبر فلا حاجة إلى تغيير الوضع. والدليل على صحة ما ذكرنا قول الرجل لأجنبية ولامرأته: أحدكما طالق؛ لا يقع الطلاق ولو كان إنشاء لوقع. وأما وقوع الطلاق في المعتدة عن طلاق رجعي؛ فلأن الطلاق إنما يقع ضرورة صحة الخبر الأول، فلا يظهر في حق صحة الخبر الثاني؛ فتقع طلقةً أخرى تصحيحا له في الثاني. وأما قوله: (إن الثلاث فرد من حيث الجنس) غير مسلم؛ بل هو عدد من الجنس؛ فإن جنس الطلاق ما له وجود. ولأن الطلاق وإن كان من جنس الطلاق المشروع؛ لكن هذا الجنس في ذاته عدد، ولا يعرى عن وصف العدد؛ فلا يحتمله نعت الفرد. كذا قيل وفيه نوع تأمل.

стр. 2904

وَذِكرُ الطَّالِقِ ذِكرُ لِطَلَاق هُوَ صِفَةٌ لِلمَرأَةِ لَا لِطَلَاق هُوَ تَطلِيقٌ، وَالعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ وفي المبسوط: وقوله: "طلقتُكِ " ذكر فعل، وهو لا يحتمل العدد؛ كقوله: قمت وقعدت، وَأَحَدٌ لا يخالف في هذا (١). وكذلك قوله: " طلقتك " حكاية. قوله: ولا احتمال فيه لمعنى العدد ولا لمعنى العموم؛ بل يثبت طلاقًا شرعًا لتصحيح كلامه بطريق الاقتضاء، ولا عموم للمقتضى بخلاف قوله: طلقي نفسك؛ فإن نية الثلاث لا باعتبار معنى العدد ولا باعتبار معنى العموم؛ لأنه تفويض، والتفويض قد يكون عاما وقد يكون خاصا، وَالْمُفَوَّضُ إليه بهذا اللفظ طلاق، وذلك ثابت لغة (٢). قوله: (وَذِكْرُ الطَّالِقِ) إلى آخره؛ جواب عما قال الخصم: إن ذكر الطالق ذكر الطلاق لغة؛ كذا العالم ذكر للعلم. قلنا: هو مُسلَّم؛ لكن هاهنا ذكر الطلاق الذي هو عبارة عن الانطلاق الذي هو (صفة للمرأة لا لطلاق هو تطليق)؛ إذ هو صفة الزوج، لكن يثبت التطليق من ضرورة كونها موصوفة بالطلاق اقتضاء والمقتضى لا عموم له؛ لأن الثابت اقتضاء ليصحح الكلام عدم فيما وراءه، ونية الثلاث أو الثنتين أمر وراء الوقوع؛ فلا يكون ثابتا في حقه. يؤيده أنه ﵇ أمر ابن عمر بالمراجعة ولم يستفسره أنه أراد الثلاث أو لا، ولو كانت نية الثلاث تجوز [لكان] (٣) ينبغي أن يسأله ويحلفه كما حلف ابن ركانة في لفظ البتة؛ فإن البتة تحتمل البينونة بنوعيه فتصح نية الثلاث. وبهذا يعلم جواب ما ذكر في شرح الوجيز وإنما انتصب العدد باعتبار أنه نعت لمصدر محذوف وقام مقام المصدر (٤). قال الغزالي في البسيط والقول بأن ثلاثًا نصب على التفسير جهل

стр. 2905

نَعتُ لِمَصْدَر مَحذُوف مَعْنَاهُ: طَلَاقًا ثَلَاثًا، كَقَولِك: أَعطَيتُهُ جَزِيلًا، أَي: عَطَاء جَزِيلًا (وَلَو قَالَ: أَنتِ الطَّلَاقُ، أَوْ أَنتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، أَوْ أَنتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، فَإِنْ لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، أَوْ نَوَى وَاحِدَة أَوْ ثِنَتَيْنِ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَعِيَّةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاتٌ) وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَو ذَكَرَ النَّعْتَ وَحدَهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَإِذَا ذَكَرَهُ وَذَكَرَ المَصْدَرَ مَعَهُ وَأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَكَادَة أَولَى. وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِاللَّفْظَةِ الأُولَى. بالعربية؛ بل هو نعت لمصدر محذوف (١). وفي المبسوط: ثلاثًا، منصوب بنزع حرف الخافض معناه بثلاث، كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ بطريق البدل عن مصدر محذوف، وصحة الاستفسار عن العدد في الحكاية لا يدلُّ على أنه من محتملات اللفظ كما يصح الاستفسار عن الشرط والبدل (٢). بخلاف ما لو قال: أنت طالق طلاقًا؛ فإن الطلاق هناك منصوص عليه فكان ثابتا من جميع الوجوه فيثبت في حق قبول النية فتصح نية الثلاث لا نية الثنتين؛ لأن اسم الجنس يتناول الفرد حقيقة أو حكمًا، ولا يحتمل المثنى. وعن أبي حنيفة لا تقع إلا واحدة؛ لأن ذكر المصدر للتأكيد (٣). وقلنا: إنما يحمل على التأكيد إذا لم يكن حمله على فائدة جديدة، وقد أمكن هاهنا. وبخلاف قوله: طلقي نفسك؛ لما ذكر في الأصول أن الأمر بالفعل يتناول المصدر وأنه اسم جنس فيقع على الأدنى ويحتمل الكل، فإذا نوى الكل فقد نو محتمل لفظه فيصح. وكذا قوله: طلقتكِ، أو أنتِ مطلقة، لا يحتمل العدد. ولأنه فرد فلا تصح نية العدد. قوله: (وأما وقوعه باللفظة الأولى).

стр. 2906

فَلِأَنَّ المَصدَرَ قَدْ يُذكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الاسمُ، يُقَالُ: «رَجُلٌ عَدل»، أَي: عَادِلٌ، فَصَارَ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا لَو قَالَ: أَنتِ طَلَاقُ، يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أيضاً وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى النِّيَّةِ وَيَكُونُ رَجِعِيًا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ لِغَلَبَةِ الاستعمَالِ فِيهِ، وَتَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، لِأَنَّ المَصدَرَ يَحتَمِلُ العُمُومَ وَالكَثرَةَ، لِأَنَّهُ اسْمُ جنس فَيُعتَبَرُ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ فَيَتَنَاوَلُ الأَدنَى مَعَ احْتِمَالِ الكُلِّ، وَلَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّنَتَيْنِ فِيهَا … ... … ... وهي قوله: (أنت طلاق)، إلى قوله: (ويحتاج فيه إلى النية). لا خلاف أن المصدر يُذكر ويراد به اسم النعت؛ لكن الخلاف في قوله: " أنت الطلاق" صريح أم كناية؟ فعندنا، ومالك (١)، والشافعي [في قول (٢)] (٣)، وأحمد في قول (٤): صريح. وقال الشافعي: إنه كناية، وبه أخذ القفال (٥)؛ لأن المصادر غير موضوعة للأعيان، ويستعمل [فيها] (٦) على سبيل التجوز؛ فيحتاج إلى النية. وقلنا: لما أوقع المصدر خبرًا عن "أنتِ" يصير: كـ "أنت طالق" عرفًا وشرعًا؛ فيكون صريحًا لغلبة الاستعمال فيه يقال: رجل عدل؛ أي عادل. قال الشاعر (٧): فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ أي: مقبلة ومدبرة، فصار كأنت طالق؛ فعلى هذا ينبغي أن لا تصح نية الثلاث فيه كما في قوله: أنت طالق أو مُطلّقة، إلا أن يقول يصح نظرًا إلى الظاهر؛ فلهذا قيل: الصحيح الوجه الثاني، وهو أن يكون على حذف المضاف

стр. 2907

خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَقُولُ: إِنَّ الثَّنَتَيْنِ بَعضُ الثَّلَاثِ، فَلَمَّا صَحَّت نِيَّةُ الثَّلَاثِ صَحَت نِيَّةُ بَعْضِهَا ضَرُورَة. وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إِنَّمَا صَحَت لِكَونِهَا جِنسًا، حَتَّى لَو كَانَتِ المَرأَةُ أَمَة تَصِحُ نِيَّةُ الثَّنَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعنَى الجِنسِيَّةِ، أَمَّا الثّنْتَانِ فِي حَقِّ الحُرَّةِ فَعَدَدُ، وَاللَّفْظُ لا يَحْتَمِلُ العَدَدَ، وَهَذَا لِأَنَّ مَعنَى التَّوَحُدِ يُرَاعَى فِي أَلفَاظِ المُحدَانِ، وَذَلِكَ بِالفَردِيَّةِ أو الجنسِيَّةِ، وَالمُثَنَّى بِمَعْزِلَ مِنْهُمَا. (وَلَو قَالَ: «أَنتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ»، فَقَالَ: أَرَدتُ بِقَولِي: «طَالِقٌ» وَاحِدَةً، كأنه قال: أنت ذات الطلاق، خلافًا لزفر (١). وبه قال: الشافعي (٢)، ومالك (٣). له: أنه لما صحت نية الثلاث بالإجماع يصح نية الثنتين ضرورة، ولأن المصدر يحتمل الواحد والاثنين، ولهذا يوصف به؛ فتصح النية لأنه محتمل اللفظ. وقلنا: إنه فرد؛ فيتناول الفرد حقيقة أو حكمًا (٤) كما في الأصول، والمثنى ليس بفرد حقيقة ولا حكما. وذكر الطحاوي في قوله: أنت طلاق بدون الألف واللام لا تكون إلا واحدة وإن نوى الثلاث بخلاف قوله: أنت الطلاق حيث تصح نية الثلاث فيه (٥). قال الجصاص: هذا الفرق لا يعرف له وجه، إلا على الرواية التي روى (٦) عن أبي حنيفة في قوله: "أنتِ طالق طلاقًا " أنه لا يكون إلا واحدة وإن نوى الثلاث؛ لأن المصدر للتأكيد، ونفي المجاز كقولك: "قمت قيامًا " وإلا على الرواية المشهورة لا فرق بين قوله: أنتِ، طلاق، وبين قوله: أنت الطلاق (٧).

стр. 2908

وَبِقُولِي: الطَّلَاقَ أُخرَى، يُصَدَّقُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، فَتَقَعُ رَعِيَّتَانِ إِذَا كَانَتْ مَدخُولًا بِهَا. وفي المبسوط: ذكر ابن سماعة أن الكسائي بعث إلى محمد بن الحسن بفتوى، فدفعه إلى فقرأته عليه: ما قول قاضي القضاة فيمن يقول لامرأته (١): فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ … وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ فَأَنْتِ طَلَاقُ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ … ثَلَاثٌ وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ (٢) فكتب في جوابه: إن قال ثلاث مرفوعًا تقع واحدة، وإن قال ثلاثًا منصوبًا يقع ثلاثا؛ لأنه إذا ذكر مرفوعًا كان ابتداءً [فيبقى قوله: أنت طالق] (٣) فتقع واحدة. وإذا قال: ثلاثًا، منصوبا على معنى البدل أو التفسير كأنه قال: طالق ثلاثا، والطلاق عزيمة؛ لأن الثلاث في تفسير الْمُوقَعَ، فاستحسن الكسائي جوابه. وعن محمد فيمن قال لامرأته: كوني طالقًا أو أَطْلِقي؛ قال: أراه واقعا؛ لأن قوله: كوني ليس بأمر حقيقة لعدم تصور كونها طالقا منها وإن كانت صيغته صيغة الأمر؛ بل هو عبارة عن إثبات كونها طالقا، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧]، فإن قوله: كن ليس بأمر حقيقة وإن [كان] (٤) أمرًا صيغة؛ بل هو كناية عن التكوين، وكينونتها طالقا يقتضي إيقاعا من قبله، فكان هذا الأمر متضمنا طلاقًا سابقًا؛ فيقع الطلاق. وكذا قوله: اطلقي، وكذا لو قال لامرأته: كوني حرة أو عَتْقَى. كذا في المبسوط (٥)، والإيضاح (٦). (لأن كل واحد منهما)؛ أي من قوله: طالق، ومن قوله: الطلاق. (صالح للإيقاع) بإضمار "أنتِ". فصار كقوله: أنت طالق أنت الطلاق؛ فيقعان في الموطوءة، والإلغاء

стр. 2909

(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى جُملَتِهَا، أَوْ إِلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُملَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ مِثلُ أَنْ يَقُولَ: أَنتِ طَالِقٌ لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ المَرأَةِ (أو) يَقُولَ (رَقَبَتُكِ طَالِقٌ، أَوْ عُنْقُكِ) طَالِقٌ أَوْ رَأْسُكِ طَالِقٌ أَوْ رُوحُكِ، أَوْ بَدَنُكِ، أَوْ جَسَدُكِ، أَوْ فَرجُكِ، أَوْ وَجهُكِ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ. أَمَّا الجَسَدُ وَالبَدَنُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا غَيْرُهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وَقَالَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] وَقَالَ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» وَيُقَالُ: فُلَانٌ رَأْسُ القَومِ وَيَا وَجهَ العَرَبِ، وَهَلَكَت رُوحُهُ بِمَعْنَى الكلام الثاني (١). وهو قياس قول الشافعي (٢). قوله: (﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةِ﴾)؛ أي: تحرير مملوك ولم يُرِدْ الرقبة بعينها. (﴿لَهَا خَضِعِينَ﴾) وأريد بالإعتاق: الذوات؛ ولهذا لم يقل خاضعة، ولو أريد بها حقيقة العتق لقيل خاضعة. (لعن الله الفروج)؛ أي: النساء على السروج. (ويا وجه العرب)؛ أي: أنت وجه العرب. وأيضا قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨] جاء في التفسير أن معناه: إلا هو. وفي المبسوط: وإنما يقع الطلاق في قوله: " رأسكِ طالق" باعتبار أنه يُعَبِّرُ به عن جميع البدن لا باعتبار الإضافة إلى الرأس بعينه؛ ولهذا لو وضع يده على رأسها وقال: هذا العضو منك طالق؛ لا يقع شيء. ويعبر به عن جميع البدن لا اعتبار الإضافة (٣) يقال: أمري حسن ما دام رأسك باق؛ أي: ما دمت باقيًا، وكذا يقال: فلان كذا كذا رأسًا (٤). والوجه يذكر ويراد به الذات؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

стр. 2910

نَفْسُهُ، وَمِنْ هَذَا القَبِيلِ الدَّمُ فِي رِوَايَة، يُقَالُ: دَمُهُ هَدَرٌ وَمِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَّقَ جُزءًا شَائِعًا مِنهَا مِثلَ أَنْ يَقُولَ: نِصفُكِ، أَوْ ثُلُثَكِ طَالِقٌ) لِأَنَّ الجزء الشَّائِعَ مَحِلُّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالبَيعِ وَغَيْرِهِ، فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًا لِلطَّلَاقِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، فَيَثْبُتَ فِي الكُلِّ ضَرُورَة (وَلَو قَالَ: يَدُكِ طَالِقٌ أَوْ رِجُلُكِ طَالِقٌ: لَم يَقَع الطَّلَاقُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الخِلَافُ فِي كُلِّ جزء مُعَيَّن لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ. لَهُمَا: … ... … ... … ... [القصص ٨٨] أي إلا هو، ولو كفل بوجه فلان؛ يصير كفيلا بنفسه. (ومن هذا القبيل)؛ أي: مما يعبر عن الكل. (الدم في رواية)؛ أي: رواية كتاب الكفالة. (يقال: دمه هدر)؛ أي: نفسه. وفي رواية كتاب العتاق: لا تطلق. (وقال: زفر) (١)، ومالك (٢) (والشافعي) (٣)، وأحمد (٤) (يقع). (وكذا الخلاف في كل جزء معين) كالأصبع والدبر وغيرهما مما (لا يعبر به عن جميع البدن). وقال أحمد: يقع بالإضافة إلى جزء لا ينفصل عنه حال الحياة (٥). ولا خلاف أن بالإضافة إلى الشعر والظفر والسن والريق والعرق والحمل؛ لم تطلق. وقال ابن أبي ليلى: يقع بالإضافة إلى كله (٦). والعتاق، والظهار، والإيلاء، وكل سبب من أسباب الحرمة: على هذا الخلاف.
следующие страницы →