فَلِأَنَّ المَصدَرَ قَدْ يُذكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الاسمُ، يُقَالُ: «رَجُلٌ عَدل»، أَي: عَادِلٌ، فَصَارَ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا لَو قَالَ: أَنتِ طَلَاقُ، يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أيضاً وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى النِّيَّةِ وَيَكُونُ رَجِعِيًا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ لِغَلَبَةِ الاستعمَالِ فِيهِ، وَتَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، لِأَنَّ المَصدَرَ يَحتَمِلُ العُمُومَ وَالكَثرَةَ، لِأَنَّهُ اسْمُ جنس فَيُعتَبَرُ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ فَيَتَنَاوَلُ الأَدنَى مَعَ احْتِمَالِ الكُلِّ، وَلَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّنَتَيْنِ فِيهَا … ... … ...
وهي قوله: (أنت طلاق)، إلى قوله: (ويحتاج فيه إلى النية).
لا خلاف أن المصدر يُذكر ويراد به اسم النعت؛ لكن الخلاف في قوله: " أنت الطلاق" صريح أم كناية؟
فعندنا، ومالك (١)، والشافعي [في قول (٢)] (٣)، وأحمد في قول (٤): صريح.
وقال الشافعي: إنه كناية، وبه أخذ القفال (٥)؛ لأن المصادر غير موضوعة للأعيان، ويستعمل [فيها] (٦) على سبيل التجوز؛ فيحتاج إلى النية.
وقلنا: لما أوقع المصدر خبرًا عن "أنتِ" يصير: كـ "أنت طالق" عرفًا وشرعًا؛ فيكون صريحًا لغلبة الاستعمال فيه يقال: رجل عدل؛ أي عادل.
قال الشاعر (٧):
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
أي: مقبلة ومدبرة، فصار كأنت طالق؛ فعلى هذا ينبغي أن لا تصح نية الثلاث فيه كما في قوله: أنت طالق أو مُطلّقة، إلا أن يقول يصح نظرًا إلى الظاهر؛ فلهذا قيل: الصحيح الوجه الثاني، وهو أن يكون على حذف المضاف
стр. 2907
خِلَافًا لِزُفَرَ.
هُوَ يَقُولُ: إِنَّ الثَّنَتَيْنِ بَعضُ الثَّلَاثِ، فَلَمَّا صَحَّت نِيَّةُ الثَّلَاثِ صَحَت نِيَّةُ بَعْضِهَا ضَرُورَة. وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إِنَّمَا صَحَت لِكَونِهَا جِنسًا، حَتَّى لَو كَانَتِ المَرأَةُ أَمَة تَصِحُ نِيَّةُ الثَّنَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعنَى الجِنسِيَّةِ، أَمَّا الثّنْتَانِ فِي حَقِّ الحُرَّةِ فَعَدَدُ، وَاللَّفْظُ لا يَحْتَمِلُ العَدَدَ، وَهَذَا لِأَنَّ مَعنَى التَّوَحُدِ يُرَاعَى فِي أَلفَاظِ المُحدَانِ، وَذَلِكَ بِالفَردِيَّةِ أو الجنسِيَّةِ، وَالمُثَنَّى بِمَعْزِلَ مِنْهُمَا.
(وَلَو قَالَ: «أَنتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ»، فَقَالَ: أَرَدتُ بِقَولِي: «طَالِقٌ» وَاحِدَةً،
كأنه قال: أنت ذات الطلاق، خلافًا لزفر (١). وبه قال: الشافعي (٢)، ومالك (٣).
له: أنه لما صحت نية الثلاث بالإجماع يصح نية الثنتين ضرورة، ولأن المصدر يحتمل الواحد والاثنين، ولهذا يوصف به؛ فتصح النية لأنه محتمل اللفظ.
وقلنا: إنه فرد؛ فيتناول الفرد حقيقة أو حكمًا (٤) كما في الأصول، والمثنى ليس بفرد حقيقة ولا حكما.
وذكر الطحاوي في قوله: أنت طلاق بدون الألف واللام لا تكون إلا واحدة وإن نوى الثلاث بخلاف قوله: أنت الطلاق حيث تصح نية الثلاث فيه (٥).
قال الجصاص: هذا الفرق لا يعرف له وجه، إلا على الرواية التي روى (٦) عن أبي حنيفة في قوله: "أنتِ طالق طلاقًا " أنه لا يكون إلا واحدة وإن نوى الثلاث؛ لأن المصدر للتأكيد، ونفي المجاز كقولك: "قمت قيامًا " وإلا على الرواية المشهورة لا فرق بين قوله: أنتِ، طلاق، وبين قوله: أنت الطلاق (٧).
стр. 2908
وَبِقُولِي: الطَّلَاقَ أُخرَى، يُصَدَّقُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، فَتَقَعُ رَعِيَّتَانِ إِذَا كَانَتْ مَدخُولًا بِهَا.
وفي المبسوط: ذكر ابن سماعة أن الكسائي بعث إلى محمد بن الحسن بفتوى، فدفعه إلى فقرأته عليه: ما قول قاضي القضاة فيمن يقول لامرأته (١):
فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ … وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتِ طَلَاقُ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ … ثَلَاثٌ وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ
(٢) فكتب في جوابه: إن قال ثلاث مرفوعًا تقع واحدة، وإن قال ثلاثًا منصوبًا يقع ثلاثا؛ لأنه إذا ذكر مرفوعًا كان ابتداءً [فيبقى قوله: أنت طالق] (٣)
فتقع واحدة.
وإذا قال: ثلاثًا، منصوبا على معنى البدل أو التفسير كأنه قال: طالق ثلاثا، والطلاق عزيمة؛ لأن الثلاث في تفسير الْمُوقَعَ، فاستحسن الكسائي جوابه.
وعن محمد فيمن قال لامرأته: كوني طالقًا أو أَطْلِقي؛ قال: أراه واقعا؛ لأن قوله: كوني ليس بأمر حقيقة لعدم تصور كونها طالقا منها وإن كانت صيغته صيغة الأمر؛ بل هو عبارة عن إثبات كونها طالقا، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧]، فإن قوله: كن ليس بأمر حقيقة وإن [كان] (٤) أمرًا صيغة؛ بل هو كناية عن التكوين، وكينونتها طالقا يقتضي إيقاعا من قبله، فكان هذا الأمر متضمنا طلاقًا سابقًا؛ فيقع الطلاق. وكذا قوله: اطلقي، وكذا لو قال لامرأته: كوني حرة أو عَتْقَى. كذا في المبسوط (٥)، والإيضاح (٦).
(لأن كل واحد منهما)؛ أي من قوله: طالق، ومن قوله: الطلاق.
(صالح للإيقاع) بإضمار "أنتِ".
فصار كقوله: أنت طالق أنت الطلاق؛ فيقعان في الموطوءة، والإلغاء
стр. 2909
(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى جُملَتِهَا، أَوْ إِلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجُملَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ مِثلُ أَنْ يَقُولَ: أَنتِ طَالِقٌ لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ المَرأَةِ (أو) يَقُولَ (رَقَبَتُكِ طَالِقٌ، أَوْ عُنْقُكِ) طَالِقٌ أَوْ رَأْسُكِ طَالِقٌ أَوْ رُوحُكِ، أَوْ بَدَنُكِ، أَوْ جَسَدُكِ، أَوْ فَرجُكِ، أَوْ وَجهُكِ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ. أَمَّا الجَسَدُ وَالبَدَنُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا غَيْرُهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وَقَالَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] وَقَالَ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» وَيُقَالُ: فُلَانٌ رَأْسُ القَومِ وَيَا وَجهَ العَرَبِ، وَهَلَكَت رُوحُهُ بِمَعْنَى
الكلام الثاني (١). وهو قياس قول الشافعي (٢).
قوله: (﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةِ﴾)؛ أي: تحرير مملوك ولم يُرِدْ الرقبة بعينها.
(﴿لَهَا خَضِعِينَ﴾) وأريد بالإعتاق: الذوات؛ ولهذا لم يقل خاضعة، ولو أريد بها حقيقة العتق لقيل خاضعة. (لعن الله الفروج)؛ أي: النساء على السروج.
(ويا وجه العرب)؛ أي: أنت وجه العرب.
وأيضا قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨] جاء في التفسير أن معناه: إلا هو.
وفي المبسوط: وإنما يقع الطلاق في قوله: " رأسكِ طالق" باعتبار أنه يُعَبِّرُ به عن جميع البدن لا باعتبار الإضافة إلى الرأس بعينه؛ ولهذا لو وضع يده على رأسها وقال: هذا العضو منك طالق؛ لا يقع شيء.
ويعبر به عن جميع البدن لا اعتبار الإضافة (٣) يقال: أمري حسن ما دام رأسك باق؛ أي: ما دمت باقيًا، وكذا يقال: فلان كذا كذا رأسًا (٤).
والوجه يذكر ويراد به الذات؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
стр. 2910
نَفْسُهُ، وَمِنْ هَذَا القَبِيلِ الدَّمُ فِي رِوَايَة، يُقَالُ: دَمُهُ هَدَرٌ وَمِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَكَذَلِكَ إِنْ طَلَّقَ جُزءًا شَائِعًا مِنهَا مِثلَ أَنْ يَقُولَ: نِصفُكِ، أَوْ ثُلُثَكِ طَالِقٌ) لِأَنَّ الجزء الشَّائِعَ مَحِلُّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالبَيعِ وَغَيْرِهِ، فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًا لِلطَّلَاقِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، فَيَثْبُتَ فِي الكُلِّ ضَرُورَة (وَلَو قَالَ: يَدُكِ طَالِقٌ أَوْ رِجُلُكِ طَالِقٌ: لَم يَقَع الطَّلَاقُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الخِلَافُ فِي كُلِّ جزء مُعَيَّن لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ. لَهُمَا: … ... … ... … ...
[القصص ٨٨] أي إلا هو، ولو كفل بوجه فلان؛ يصير كفيلا بنفسه.
(ومن هذا القبيل)؛ أي: مما يعبر عن الكل.
(الدم في رواية)؛ أي: رواية كتاب الكفالة.
(يقال: دمه هدر)؛ أي: نفسه. وفي رواية كتاب العتاق: لا تطلق.
(وقال: زفر) (١)، ومالك (٢) (والشافعي) (٣)، وأحمد (٤) (يقع).
(وكذا الخلاف في كل جزء معين) كالأصبع والدبر وغيرهما مما (لا يعبر به عن جميع البدن).
وقال أحمد: يقع بالإضافة إلى جزء لا ينفصل عنه حال الحياة (٥).
ولا خلاف أن بالإضافة إلى الشعر والظفر والسن والريق والعرق والحمل؛ لم تطلق.
وقال ابن أبي ليلى: يقع بالإضافة إلى كله (٦).
والعتاق، والظهار، والإيلاء، وكل سبب من أسباب الحرمة: على هذا الخلاف.
стр. 2911
أَنَّهُ جُزءٌ مُستَمتَعٌ بِعَقدِ النِّكَاحِ وَمَا هَذَا حَالُهُ يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكمِ النِّكَاحِ فَيَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، فَيَثبُتَ الحُكمُ فِيهِ قَضِيَّةٌ لِلإِضَافَةِ، ثُمَّ يَسرِي إِلَى الكُلِّ كَمَا فِي الجُزءِ الشَّائِعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ النِّكَاحُ، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مُمْتَنِعُ، إذ الحُرمَةُ فِي سَائِرِ الأَجْزَاءِ تُغَلِّبُ الحِلَّ … ... … ... … ... … ... …
وما كان من أسباب الحل كالنكاح؛ لا يصح إضافته إلى الجزء المعين بلا خلاف.
(أنه)؛ أي: الجزء المعين.
(جزء مستمتع)؛ يعني: أضاف الطلاق إلى جزء مُستمتع.
(بعقد النكاح) يوجب أن يصح؛ قياسًا على ما إذا أضافه إلى جزء شائع أو جزء يعبّر به عن جميع البدن؛ وذلك لأن ما كان مستمتعًا بعقد النكاح يكون قابلا لحكم الطلاق؛ لأن الطلاق لرفع حكم النكاح.
[فيكون ما هو محل حكم النكاح وكونه مستمتعًا؛ أي: حلال الاستمتاع، أنه كونه محل حكم النكاح] (١)؛ إذ الحكم الأصلي في النكاح الحل.
(فيثبت)؛ أي: حكم الطلاق.
(فيه)؛ أي: في محل الاستمتاع.
(قضية) لإضافة الطلاق إليه.
(ثم يسري إلى الكل كما في الجزء الشائع) تغليبًا للحرمة ابتداءً وانتهاءً.
قوله: (بخلاف ما إذا أضيف إليه النكاح)؛ جواب عما يلزم الشافعي من السؤال، وهو: أن الجزء المستمتع لو كان محلا للطلاق وحكم النكاح؛ ينبغي أن يجوز إضافة النكاح إليه، [ثم يثبت الحكم فيما وراءه قضية للتسري فقال: مع قيام المحلية لا تصح إضافة النكاح إليه] (٢)؛ لامتناع التعدي منه إلى غيره؛ لأن قيام (الحرمة في سائر الأجزاء) يمنع من تعدي الحل إليها؛ لأن الحرمة (تغلب الحل) بقوله ﵇: «لن يجتمع الحلال» (٣) الحديث.
стр. 2912
فِي هَذَا الجُزءِ، وَفِي الطَّلَاقِ الأَمرُ عَلَى القَلبِ.
ولهذا لا تصح إضافة النكاح إلى الجزء الشائع عنده.
فإن قيل: كيف تترجح الحرمة وشرط الترجيح المعارضة، وشرط المعارضة اتحاد المحل وهو معدوم ههنا؟
قلنا: المرأة في حق وقوع الطلاق والنكاح بمنزلة شيء واحد وعضو واحد بالإجماع. كذا في الفوائد الظهيرية.
(الأمر على القلب)؛ يعني: مبنى الطلاق على غلبة الحرمة والسراية؛ ولهذا يصح إضافة الطلاق إلى الجزء الشائع دون النكاح.
ولو طلق شهرًا؛ يقع الطلاق مؤبدا.
ولو قال: تزوجتك شهرًا؛ لا يصح النكاح.
وذكر في كتبهم: اختلف الأصحابُ فيما إذا أضاف الطلاق إلى جزء شائع أو مُعيّن كيف يقع؟ على المضاف إليه أولا ثم يسري إلى باقي البدن كما في العتق؟
قال الغزالي: هو ظاهر المذهب في العتق لا في الطلاق.
وقيل: يجعل الجزء الشائع المعين عبارة عن الكل فيقع باللفظ؛ لأنه لا يفرض حصول الطلاق في المضاف إليه وحده حتى يقدر سرايته إلى الباقي.
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لامرأته: إن دخلت الدار فيمينك طالق؛ فقطعت يمينها ثم دخلت، إن قلنا بالسراية؛ لا يقع هاهنا، وإن قلنا: بالعبارة عن الكل؛ يقع.
وفيمن لا يمين لها لو قال: يمينُكِ؛ قيل: على هذا الخلاف، وقيل:
стр. 2913
وَلَنَا: أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلغُوَ كَمَا إِذَا أَضَافَهُ إِلَى رِيقِهَا أَوْ ظُفُرِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ مَا يَكُونُ فِيهِ القَيدُ، لِأَنَّهُ يُنبِئُ عَنْ رَفِعِ القَيدِ، وَلَا قَيدَ فِي اليَدِ، وَلِهَذَا لَا تَصِحُ إِضَافَةُ النِّكَاحِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الجُزءِ الشَّائِعِ، لِأَنَّهُ مَحِلُّ لِلنِّكَاحِ عِنْدَنَا، حَتَّى تَصِحُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ، فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًا لِلطَّلَاقِ.
الأشبه أنه لا يقع بكلا الطرفين (١).
(ولا قيد في اليد)؛ لأنه عبارة عن المنع من الفعل مع القدرة عليه، واليد لا توصف بكونها قادرة فاعلة فلا توصف بالقيد.
ولأن حكم النكاح: الاختصاص عن الزوج بزوج آخر، واليد ليس بمحل هذا الحكم؛ ولهذا صح النكاح والطلاق وإن لم يكن لها يد.
ولو أضاف النكاح إليه لا يصح.
(فكذا يكون)؛ أي: الجزء الشائع.
(محلا للطلاق)؛ لأنه لرفع النكاح.
وفي المبسوط والتعدي في محل أضيف إليه إلى محل آخر؛ إنما يستقيم لو صلح المحل الذي أضيف إليه التصرف مستتبعًا للجزء الذي لم يضف إليه التصرف، وإنما يصلح مستتبعًا له أن لو كان أصلا بنفسه.
[والجزء الشائع أصل في نفسه] (٢)؛ إذ لا وجود للمحل بدونه فجاز أن يستتبع جزءًا مثله في الحكم تصحيحا لتصرفه.
أما الجزء المعين فتابع في نفسه في حق محلية الحكم على معنى أنه يتصور وجود المحل ووجود حكم التصرف بدونه.
فلو قلنا بالاستتباع؛ لأدّى إلى جعل الأصل تابعًا لتابعه، وجعل التابع أصلا لأصله؛ وهو باطل.
ولا تقاس اليد على الرأس؛ لأن الوقوع ثُمَّ باعتبار أن الرأس يعبر عن
стр. 2914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البدن لا باعتبار إضافته إلى الرأس، حتى لو عبر قوم باليد عن البدن يقع الطلاق بإضافته إلى اليد (١).
فإن قيل: قد جاء في الآية والحديث أن اليد تطلق على كل البدن قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي: نفسه، وقال ﵇: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه» (٢) فلم لا يجوز أن يقع الطلاق باعتبار أنه يعبر عن الكل؟
قلنا: ذكر في الأسرار والمبسوط وغيره أراد به صاحب اليد على حذف المضاف.
وعندنا متى قال الزوج: أردت صاحبها؛ يقع.
ولو كان في عُرف قوم عبارة عن البدن يقع الطلاق بإضافته إلى اليد، والطلاق مبني على العرف حتى لو لم يكن في بلد ذلك العرف؛ لا يقع (٣).
ولهذا لو أطلق النبطي بالفارسية؛ يقع، والعربي إذا تكلم به وهو لا يدري ما هو؛ لم يُطلّق. وهذا باب لا مناقشة فيه.
إنما الخلاف في أن ما يملك تبعًا هل يكون محلا لإضافة الطلاق إليه على حقيقته دون صيرورته عبارة عن جملة البدن؟.
فأما على مجازه؛ لا يقع.
الإشكال أنه يقع بذلك يدًا كان أو رجلًا بعد ما يستقيم ذلك في اللغة، أو كانت لغة قوم يعرفهم كما ذكرنا؛ ولهذا لو أضاف الطلاق إلى الرأس وعنى به اقتصار الطلاق إليه؛ لا يقع.
стр. 2915
واختَلَفُوا فِي الظهرِ وَالبَطنِ، وَالأَظهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُ، لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ.
وفي المحيط: قال الإمام الحلواني: ولو عنى الاقتصار لا يبعد أن لا يقع الطلاق، ولو أراد جميع البدن لا يبعد القول بالوقوع (١).
وفي الأسرار: يجوز أن يراد به التأكيد (٢) في الآية والحديث؛ لأن الأخذ باليد يكون.
وفي الآية أضاف الهلاك إلى اليد؛ لما أنه أخذ حجرًا ليرمي النبي ﵇؛ فكان ذلك دليلا أن المراد به جميع البدن.
ولا يكون كذلك في باب الطلاق حتى لو أراد به الكل، أو كان فيه عرفًا؛ يقع كما ذكرنا.
ولأن اليد في الغصب أصل لما أن الأخذ يتحقق بها فجاز أن تذكر ويراد بها الأصل كما في الجاسوس عينًا؛ لأن العين هو الأصل في التجسس وسائر الأعضاء تبع لها. أما في باب الطلاق فلا يجوز أن تذكر (٣)، ويراد بها الأصل لما ذكرنا أنها ليست بأصل في الطلاق.
قوله: (واختلفوا في الظهر والبطن). وفي المبسوط: قد قال بعض مشايخنا: يقع الطلاق في قوله: ظهرك طالق وبطنك طالق؛ لأن الظهر والبطن في معنى الأصل لا يتصور النكاح بدونهما (٤).
ويُعبر بالظهر عن الكل كما يُقال: فلان يُقَوِّي ظهرك، وقوله ﵇: لا صدقةَ إِلَّا عَنْ ظهر غنّى (٥).
والأصح أنه لا يقع الطلاق فيهما؛ (لأنه لا يعبر بهما عن جميع البدن)؛ ولهذا
стр. 2916
(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطلِيقَة، أَوْ ثُلُثَهَا، كَانَتْ طَالِقًا تَطلِيقَة وَاحِدَة) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَذِكرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكرِ الكُلِّ،
لو قال: ظهرك أو بطنك علي كظهر أمي، لا يكون مظاهرًا.
وما جاء في القرآن والحديث ذكر الظهر وإرادة الكل، وقالوا في قوله ﵇: «إلا عن ظَهْرِ غِنّى» الظهر معجم؛ فلا عُرف فيه كما في اليد.
حتى لو كان عُرفًا، وأراد؛ ينبغي أن يقع.
وكذا لا يقع في البضع؛ لأنه لا يُعبر به عن جميع البدن.
وفي بعض النسخ: لو قال: بِضعُكِ طالق؛ يقع، وهذا تصحيف، إنما هو: بعضك طالق أو نصفك.
وقد ذكرنا أن عند: الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣): يقع بالإضافة إلى كل جزء معين أو غيره، إلا أن أحمد قال: لا تصح إضافته إلى جزء ينفصل عنه في حالة الحياة كالشعر والظفر والسن.
قوله: (تطليقة واحدة)، وهو قول عامة العلماء (٤).
وقال نفاة القياس وربيعة (٥): لا يقع شيء بذكر النصف أو الثلث أو جزء من ألف جزء من الطلاق.
وفي ذكر كل جزء شائع؛ لأن نصف تطليقة مثلا لا يكون عين ذلك؛ بل هو بعضه، وبعضُ الشيء غيره، والمشروع طلاق لا غيره، وإيقاع غير المشروع باطل.
(كذكر الكل)؛ كالعفو عن بعض القصاص يكون عفوًا عن الكل؛ صيانة
стр. 2917
وَكَذَا الجَوَابُ فِي كُلِّ جُزء سَمَّاهُ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنصَافٍ تَطلِيقَتَينِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا) لِأَنَّ نِصْفَ التَّطلِيقَتَينِ تَطلِيقَةٌ، فَإِذَا جَمَعَ بَينَ ثَلَاثَةِ أَنصَاف تَكُونُ ثَلَاثَ تَطلِيقَات ضَرُورَة. (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنصَاف تَطلِيقَة، قِيلَ: يَقَعُ تَطلِيقَتَانِ) لِأَنَّهَا طَلقَةٌ وَنِصفٌ فَيَتَكَامَل، وَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثُ تَطلِيقَاتِ، لِأَنَّ كُلَّ
لكلام العاقل عن الإلغاء، وتغليبًا للمُحرَّم على المبيح، وإعمالا للدليل بقدر الإمكان؛ لأنه إذا قام الدليل على البعض وهو مما لا يتجزأ؛ لو لم يتكامل يؤدي إلى إبطال الدليل.
(في كل جزء سماه) من الربع والخمس والسدس والسبع وغيره.
(لما بينا)؛ وهو أنه لا يتجزأ، وذكر بعضه كذكر كله.
ولهذا لو قال: أنت طالق نِصْفَيْ تطليقة، تقع واحدة؛ لأنه أوْقَعَ أجزاء تطليقة واحدة، وبه قال الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣).
ولو قال لموطوءة: أنت طالق نصف تطليقة، وثلث تطليقة، وربع تطليقة، تقع ثلاث؛ لأنه أوقع من كل تطليقة جزءاً، فإنه نكر التطليقة في كل كلمة، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، وفي غير الموطوءة تقع واحدة؛ لأنها بانت بالأولى كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق.
ولو قال: نصف تطليقة وثلثها وربعها؛ تقع واحدة؛ لأنه أضاف الأجزاء (٤) إلى تطليقة واحدة بحرف الكناية، وهو ظاهر الرواية وهو الأصح.
وقال بعض المشايخ: تقع ثنتان (٥). وبه قال: الشافعي في أصح قوليه (٦)؛ لأنه لما جمع هذه الأجزاء تكون أكثر من واحدة. كذا في المبسوط (٧).
ولو قال لأربع نسوة: بينكُنَّ تطليقة؛ طلقت كل واحدة واحدة. وبه قال:
стр. 2918
نصف يَتَكَامَلُ فِي نَفْسِهِ فَتَصِيرٍ ثَلَاثًا.
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَة إِلَى يُنتَينِ، أَوْ مَا بَينَ وَاحِدَةٍ إِلَى يُنتَينِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَلَو قَالَ: مِنْ وَاحِدَة إِلَى ثَلَاثَ، أَوْ مَا بَينَ وَاحِدَة إِلَى ثَلَاثَ فَهِيَ ثِنْتَانِ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: فِي الأُولَى: هِيَ ثِنتَانِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ثَلَاتٌ) (*) وَقَالَ زُفَرُ: الأُولَى: لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ: تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّ الغَايَةَ لَا تَدخُلُ تَحتَ المَضْرُوبِ لَهُ الغَايَةُ، كَمَا لَو قَالَ: بِعتُ مِنْكَ مِنْ هَذَا الحَائِطِ إِلَى هَذَا الحَائِطِ.
الشافعي (١)؛ لأن الطلقة الواحدة إذا قسمت على أربع أصاب كل ربعها فتتكامل.
وكذا لو قال: بينكن تطليقتان أو ثلاث أو أربع؛ لأن بقسمة التطليقتين بين الأربع يصيب كل واحدة نصف تطليقة فتتكامل، ولا يقال ينبغي أن تقسم كل تطليقة بحيالها على الأربع فيلزم تطليقتان لكل فإنه جعل التطليقتين بين الأربع والجنس واحد لا يتفاوت فتقع التطليقتين على جملته.
ولو قال: بينكن خمس تطليقات أو ست أو سبع أو ثمانية؛ تقع تطليقتان، وبه قال: الشافعي (٢).
ولو قال: أشركتكن في تطليقتين أو في ثلاث أو أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان؛ فإن هذا ولفظ بينكن سواء.
قوله: (تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ)؛ أي: تحت المُغيَّا؛ لأن الغاية إنما تذكر للفصل بينها وبين المضروب فينبغي أن لا تدخل تحته ليحصل الفصل بينهما كما في الممسوحات. كذا في جامع البرهاني (٣).
ويقول زفر قال الشافعي في وجه وهو الأصح عند صاحب التهذيب، وفي وجه مثل قول أبي حنيفة، وقد نقل عن الشافعي مثل قولهما (٤).
فإن قيل: لو قال: أنت طالق من واحدة إلى واحدة؛ ينبغي أن لا يقع شيء
стр. 2919
وَجْهُ قَولِهِمَا - وَهُوَ الإِسْتِحْسَانُ: أَنَّ مِثلَ هَذَا الكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي العُرفِ يُرَادُ بِهِ الكُلُّ، كَمَا تَقُولُ لِغَيْرِك: خُذ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَم إِلَى مِائَة.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ المُرَادَ بِهِ الأَكثَرُ مِنْ الأَقَلِّ، وَالأَقَلُّ مِنْ الأَكثَرِ، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَمَا بَينَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا ذَكَرنَاهُ، وَإِرَادَةُ الكُلِّ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الإِبَاحَةِ كَمَا ذُكِرَ، إذ الأصلُ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الحَظرُ،
على قياس قول زفر.
قلنا: هكذا ذكره بعض المتأخرين، والأصح أنه تقع واحدة؛ لأن آخر كلامه لغو باعتبار أنه جعل الشيء الواحد حدا ومحدودًا، وذلك لا يتصور فإذا لغى آخر كلامه بقي قوله: أنت طالق فيقع به كذا في جامع السرخسي (١).
(من درهم إلى مئة)؛ كان له أخذ المئة.
وكذا لو قال: كل من المالح إلى الحلو؛ يراد به تعميم الإذن.
وكذا لو قال: اشتر لي هذا العبد من مائة إلى ألف؛ يكون له إذن بالشراء بالألف؛ إذ مطلق الكلام يحمل على المتعارف، ولأنه جعلهما غاية فلابد من وجودهما ووجود الطلاق بالوقوع.
(ولأبي حنيفة ﵀ أن المراد به)؛ أي: بمثل هذا الكلام بحسب العادة، وهو يحتج أيضًا بالعادة.
وقد حاج أبو حنيفة زفر، وقال له: كم سنُّكَ؟ فقال: سني ما بين ستين إلى سبعين، فقال له: أنت إذا ابن تسع سنين فتحير زفر.
وقال فخر الإسلام حاج الأصمعي زفر على باب الرشيد فقال له: ما قولك في رجل قيل له كم سِنُّكَ؟ فقال: ما بين ستين إلى سبعين، أيكون ابن تسع سنين؟ فتحيَّر زفر وقال: أستحسن في هذا كما ذكرا -أي أبو يوسف ومحمد - يعني جرت التوسعة في الإباحات دون غيرها (٢).
إذ الأصل في الطلاق هو الحظر كما ذكرنا، كيف وأنه منهي عنه هنا
стр. 2920
ثُمَّ الغَايَةُ الأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوجُودَة لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ، وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا، بِخِلَافِ البَيعِ، لِأَنَّ الغَايَةَ فِيهِ مَوجُودَةٌ قَبلَ البَيعِ. وَلَو نَوَى وَاحِدَةٍ يُدَيِّنُ دِيَانَة لَا قَضَاء، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَة فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّربَ وَالحِسَابَ، أَوْ لَم تَكُنْ لَهُ
لاقتضائه إلى انسداد باب التدارك؟.
(ثم الغاية الأولى) وهي الواحدة.
(لا بد أن تكون موجودة) يعني القياس ما قاله زفر: أن الغاية لا تدخل تحت المغيا إلا أنه لابد من إدخال الأولى؛ لأنه أوقع الثانية، ولا ثانية قبل الأولى؛ فدعت الضرورة إلى وجودها، (ووجودها بوقوعها).
أما إيقاع الثانية يصح بلا إيقاع الثالثة، فأخذنا فيه بالقياس.
(لأن الغاية فيه؛ أي: في البيع؛ إذ الحائط موجود قبل البيع.
فإن قيل: قولهم: ما بين هذا وهذا؛ يستدعي وجودهما.
قلنا: ذلك يستدعي وجود الأول واحتمال وجود الثاني.
أما قوله: سنّي ما بين الستين إلى السبعين؛ يقتضي وجود الستين ولا يقتضي وجود السبعين؛ بل كونه منتظرا يكفيه.
فإن قيل: أليس أنه [لو] (١) قال: أنت طالق تطليقة ثانية؛ لا يقع إلا واحدة، وكان ينبغي أن يقع الأول من ضرورة وقوع الثانية؟.
قلنا: قوله: ثانية وقعت لغوا؛ لوقوع الطلاق بقوله: أنت طالق. كذا قيل (٢)
(لأنه محتمل)؛ أي: وقوع الواحدة محتمل ذلك اللفظ؛ لما ذكرنا من وجه القياس.
(لكنه خلاف الظاهر) لما ذكرنا أن مثل هذا الكلام يستعمل لإرادة الأقل من الأكثر إلى آخره.
стр. 2921
نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ ثِنَتَانِ لِعُرفِ الحُسَابِ (*)، وَهُوَ قَولُ الحَسَنِ بنِ زِيَاد. وَلَنَا: أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ أَثَرُهُ فِي تَكثِيرِ الأَجزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ المَصْرُوبِ، وَتَكثِيرُ أَجزَاءِ الطَّلقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةٍ وَثِنتَينِ فَهِيَ ثَلَاتٌ) … ... … ...
(وهو قول الحسن بن زياد) (١)، ومالك (٢)، والشافعي في وجه إذا لم يعرف الحساب وقصد موجبه عند الحساب، وهو اختيار الصيرفي من أصحابه (٣).
ولو كان ممن يعرف الحساب وقصد موجبه عند الحساب يقع ثنتان وجها واحدًا (٤). وبه قال: أحمد (٥).
وعندنا: تقع واحدة بكل حال. وبه قال: الشافعي في أظهر الوجهين (٦).
وجه قول زفر: أن هذا شيء معروف عند أهل الحساب أن واحدًا في اثنتين يكون اثنتين؛ فيحمل كلامه عليه إذا نواه.
(لا في زيادة المضروب)؛ أي: فيما ليس له طول وعرض وعمق، أما في الممسوحات - يعني: فيما له طول وعرض - يكون لبيان تكثير المضروب؛ فإنه لو زاد بالضرب في نفسه لم يبق أحد في الدنيا فقيرًا؛ لأنه يضرب ما ملكه من درهم في مائة فيصير مائة، ويضرب المائة في ألف فتصير مائة ألف، فصار معنى قولنا: واحدة في ثنتين واحدة ذو جزءين.
وكذا معنى قولنا: واحدة في ثلاث: واحدة ذات أجزاء ثلاث.
والتطليقة الواحدة وإن كثرت أجزاؤها لا تصير أكثر من واحدة، كما لو قال: أنتِ طالق نصف تطليقة وسدسها وثلثها؛ لم تقع إلا واحدة، فهذا مثله.
стр. 2922
لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ حَرفَ الوَاوِ لِلجَمعِ وَالظَّرف يَجمَعُ المَعْرُوفَ، وَلَو كَانَتْ غَيْرَ مدخُولٍ بِهَا تَقَعُ وَاحِدَة كَمَا فِي قَولِهِ وَاحِدَة وَثِنَتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةٌ مَعَ ثِنَتَيْنِ تَقَعُ الثَّلَاثُ، لِأَنَّ كَلِمَةَ «فِي» تَأْتِي بِمَعنَى «مَعَ» كَمَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَدِى﴾ [الفجر: ٢٩] أَي مَعَ عِبَادِي، (وَلَو نَوَى الظَّرفَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ)، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ ظرفًا فَيَلغُوَ ذِكرُ الثَّانِي (وَلَو قَالَ: اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرَبَ وَالحِسَابَ فَهِيَ ثِنَتَانِ)
(لأنه)؛ أي: التلفظ يحتمل الثلاث؛ فتقع الثلاث إذا كانت موطوءة، كما لو قال: أنت طالق واحدة وثنتين.
في غير الموطوءة (تقع واحدة كما في قوله: واحدة وثنتين).
(والظرف يجمع المظروف) فكان بينهما اتصال فيُصدق؛ لأنه شدد على نفسه.
(تقع الثلاث) سواء دخل بها أو لا، وبه قال الشافعي (١).
(قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِى﴾) قال بعض أهل التأويل: أي مع عبادي الصالحين الجنة (٢). وقال صاحب الكشاف: لا تكون (في) بمعنى (مع) هاهنا؛ إذْ لو كان كذلك لما قيل: ﴿وَادْخُلِي جَنَّنِي﴾، وقال: على حقيقته؛ أي: ادخلي في جملة عبادي (٣). وفي المبسوط: ويقال دخل الأمير البلدة في جنده؛ أي: مع جنده (٤).
لما بين الظرف والمظروف من المعية؛ لأن الطلاق لا يصلح ظرفًا للطلاق؛ إذ الشيء الواحد لا يصلح ظرفًا لنفسه.
ولأنه عرض (٥) لا يقوم بنفسه فكيف يقوم غيره به؟.
(فهي ثنتان)، وبه قال: الشافعي في الأظهر (٦).
стр. 2923
وَعِنْدَ زُفَرَ: ثَلَاثُ، لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَربَعًا، لَكِن لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَعِنْدَنَا: الاعْتِبَارُ المَدْكُورُ الأَوَّلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ويَمْلكُ الرَّجعَةَ) وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بالطول.
(وعند زفر ثلاث)، وبه قال الحسن، ومالك (١)، والشافعي في وجه (٢)، وأحمد (٣).
وكذا إذا لم ينو شيئًا على ما بيناه، وهو أن عمل الضرب في تكثير الأجزاء؛ فيكون (الاعتبار للمذكور أولا).
وعلى هذا الخلاف مسائل الإقرار بأن قال: على عشرة في عشرة، أو درهم في دينار أو كر حنطة في كرّ شعير؛ لم يكن عليه إلا المذكور أولا عندنا، إلا أن ينوي الواو أو حرف مع؛ فيلزمه جميع ذلك، ويحلفه القاضي بأنه ما أراد (٤) الجميع إذا ادعى الخصم الجميع. كذا في المبسوط (٥).
(لأنه وصف الطلاق بالطول) والطول يستعمل في القوة؛ يقال: لفلان طول وعرض، وقوة الشيء إنما تظهر بامتناعه عن قبول الانطلاق، وهذا في البائن دون الرجعي.
فإن قيل: يشكل على قول زفر ما لو قال: أنت طالق تطليقة طويلة؛ حيث يقع عنده الرجعي. ذكره في المنظومة؛ فكيف تقع البائن هاهنا وأنه كناية عنه؟
قلنا: لما وصفه بالطول صريحًا فقد وصفه بما لا يوصف به حقيقة؛ إذ الطلاق لا يوصف بالعرض والطول؛ فيلغو وصفه فبقي وصف الطلاق صريحًا؛ فيقع رجعيا.
أما هاهنا لما قال: (من هنا إلى الشام) فقد أثبت الطول بطريق الكناية،
стр. 2924
قُلْنَا: لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالقِصَرِ، لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا.
وثبوت الشيء كناية أقوى من ثبوته صريحًا؛ ألم ترى أن قولك: (كثير الرماد) أبلغ في إثبات الجود من قولك: فلان جواد؛ لأن كثرة الرماد أثر الجود وعلامته فكان دليلا عليه بخلاف قولنا جواد، فإنه مجرد وصف له بذلك لا غير، أو يحتمل أن يوقعه.
تحليل المسألة بأن يقول: قوله من هاهنا إلى الشام وصف بالطول بطريق الكناية، وفي الوصف بالطول صريحًا تثبت البينونة عندكم؛ فكذا في وصفه بالطول بطريق الكناية عندي.
كما علل زفر مسألة سقوط النية في رمضان بالقياس على صاحب النصاب إذا وهبه للفقير بلا نية مع أن الزكاة بلا نية لا تسقط عنده.
وفي الكافي: جاز أن يكون له روايتان في هذه المسألة (١).
فقد [ذكر] (٢) المشايخ ﵏ في دليله: لأنه وصف الطلاق بالطول، فصار كأنه قال: أنتِ طالق طويلة، ولو قال كذلك كان بائنا كذا هاهنا.
ولأن قوله: من هنا إلى الشام؛ يُفيد الطول والعرض، وجاز أن لا تحصل البينونة عنده بمجرد وصف الطول، ويحصل بوصف الطول والعرض؛ لأنه يفيد العظم فصار كأنه قال: أنت طالق كالجبل؛ وثَمَّ عنده يقع البائن؛ لأن المشبه به عظيم فكذا هاهنا، بخلاف نفس الطول؛ لأنه فيه عِظَم فكان كنفس التشبيه إذا لم يكن المشبه به عظيمًا.
و (قلنا: لا بل وصفه بالقصر)، ونفس الطلاق لا يحتمل القصر؛ لأنه ليس بجسم فكان قصر حكمه، وقصر حكمه بكونه رجعيا، وطوله بكونه بائنا.
ولأنه لم يصفها بعظم ولا كبر، وإنما مدها إلى مكان، وهو لا يحتمل ذلك أصلا؛ فلم يثبت بهذا اللفظ زيادة شدة فلا تثبت البينونة.
وذكر التمرتاشي: مع أنه إنما مد المرأة لا الطلاق (٣).
стр. 2925
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الحَالِ فِي كُلِّ البِلَادِ، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانَ دُونَ مَكَانَ، وَإِنْ عَنَى بِهِ إِذَا أَتَيْتِ مَكَّةَ يُصَدَّقُ دِيَانَة لَا قَضَاء، لِأَنَّهُ نَوَى الإِصْمَارَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَأَنتِ مَرِيضَةٌ، وَإِنْ نَوَى إِنْ مَرِضت لَم يُدَيَّن فِي القَضَاءِ (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ إِذَا دَخَلتِ مَكَّةَ، لَم تَطلُق حَتَّى تَدخُلَ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ.
(لأن الطلاق لا يتخصص بمكان)؛ أي: بإجماع العلماء، ويختص بالزمان، ففي قوله: " أنت طالق غدًا " لا تطلق في الحال، وفي قوله: " أنت طالق في مكة" تطلق في الحال.
قال العلامة شمس الأئمة الكردري: قوله: "طالق" فيه معنى الفعل، وبين الفعل والزمان مناسبة من حيث أنه لا بقاء لهما فكما يوجدان يذهبان وللمكان بقاء ولا يتجدد كل ساعة، أما الزمان يتجدد ويحدث كل ساعة كالفعل، فكان اختصاص الطلاق بالزمان أكثر فيتعلق بالزمان دون المكان (١).
ولأن الطلاق وصف حكمي فيعتبر بالوصف الحقيقي، وذا لا يختص بمكان دون مكان فكذا هذا.
(وهو)؛ أي: الإضمار.
(خلاف الظاهر) فلا يصدقه القاضي؛ لما فيه نوع تخفيف على نفسه.
بخلاف قوله: (إذا دخلت مكة)؛ لأنه صريح بالتعليق، فتعلق بالدخول.
وفي المبسوط: وكذا لو قال: أنت في ثوب كذا وعليها غيره، طلقت في الحال؛ لأن وصفها بالطلاق لا يختص بثوب دون ثوب، إلا إذا قال: عنيت به إذا لبستيه، يُصدَّق ديانةً لا قضاء (٢).
وكذا لو قال: أنت طالق في ظل الشمس؛ تطلق في الحال لمقارنة (٣) بين الظرف والشرط؛ إذ الظرف يقتضي المظروف والشرط يقتضي المشروط، فكان
стр. 2926
وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِ الدَّارِ، يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ لِمُقَارَبَة بَينَ الشَّرط وَالطَّرفِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذَّرِ الظَّرْفِيَّةِ.
فصلٌ فِي إِضَافَةِ الطَّلَاقِ إِلَى الزَّمَانِ
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ غَدًا، وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا
اتصال الظرف بالمظروف كاتصال الشرط بالمشروط فيحمل عليه عند تعذر الظرفية؛ لأن الفعل لا يصلح ظرفًا لأنه عرض لا يقوم بنفسه كما بينا فلا يصلح المدخول ظرفًا للطلاق.
وفي المبسوط: وكذا الحكم في ذهابك إلى مكان كذا، أو في لمسك ثوب كذا؛ لم تطلق حتى تفعل ذلك لتعذر الظرفية، فيتعلق.
بخلاف قوله: أنت طالق في الدار، وقال: عنيتُ مع الدار، تطلق في الحال؛ لأنه قرن الطلاق بما هو موجود.
ولو قال: أنت طالق فيها بدخولكِ الدار، طلقت للحال؛ لأنه جعل الطلاق ظرفًا للدخول، والطلاق لا يصلح ظرفًا للدخول ولا شرطًا للدخول؛ فلغا كلمة في؛ لتعذر الحمل على الظرفية والشرطية، فبقي قوله: أنت طالق، فيقع للحال (١).
فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان
قوله: (وقع عليها الطلاق بطلوع الفجر)؛ أي: لا يقع في الحال، وبه قال: الشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وهو قول ابن عباس، وأبي ذر، وعطاء، وجابر بن زيد، وإبراهيم، والنخعي، والثوري، وابن المسيب (٤).
وقال مالك: يقع في الحال إذا كان الوقت يأتي لا محالة مثل أن يقول: إذا طلعت الشمس أو دخل رمضان، ونحو ذلك (٥).
стр. 2927
بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الغَدِ، وَذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ جُزءٍ مِنهُ. وَلَو نَوَى بِهِ آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةٌ لَا قَضَاءً، لِأَنَّهُ نَوَى التَّحْصِيصَ فِي العُمُومِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ اليَومَ غَدًا أَوْ غَدًا اليَومَ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ الوَقتَينِ الَّذِي تَفَوَّهَ بِهِ) فَيَقَعُ فِي الأَوَّلِ فِي اليَومِ وَفِي الثَّانِي فِي الغَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: اليَومَ كَانَ تنجيزا، وَالمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الإِضَافَةَ، وَإِذَا قَالَ: غَدًا، كَانَ إِضَافَةٌ وَالمُضَافُ لَا يُنَجَّزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ الإِضَافَةِ فَلَغَا اللَّفْظُ الثَّانِي فِي الفَصْلَينِ.
وهو باطل بالتدبير؛ فإن الموت يأتي زمانه لا محالة ولا يتنجز.
قوله: (وهو)؛ أي: العموم يحتمل الخصوص؛ فتصح نيته ديانة، كما لو قال: لا أكل طعامًا، ونوى طعامًا دون طعام.
(لكنه مخالف للظاهر)؛ لما أنه وصفه بالطلاق في جميع الغد، وذلك بوقوعه في أوله، وفيه تخفيف عليه فلا يُصدقه القاضي.
قوله: (وَالمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الإِضَافَةَ)؛ فكان قوله (غدًا) لغوًا.
وبقولنا: قال الشافعي، وحكي عنه في قوله: أنت طالق غدا اليوم، وجهان:
أصحهما: أنه لا يقع في الحال شيء، ويقع واحدة كقولنا.
والثاني: أن الحكم فيه كما لو قال: أنت طالق اليوم غدا (١).
فإن قيل: الْمُنَجَّزُ إنما لا يحتمل الإضافة إذا لم يكن في آخر كلامه ما يغير أوله؛ ألا ترى إلى قوله: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، يقع الطلاق لطلوع الفجر؟ وبه قال: الشافعي في وجه، وقال في وجه: لا يقع شيء (٢)، فينبغي أن يكون هاهنا كذلك؛ لأنه لا يلغى ذكر الإضافة كما لا يلغى عند ذكر حرف التعليق.
قلنا: ذكر الشرط يخرج كلامه من أن يكون تنجيزا، وتبين بذكر الشرط أن قوله: اليوم؛ لبيان وقت التعليق لا لبيان وقت الوقوع.
стр. 2928
(وَ لَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ، وَ قَالَ: نَوَيت آخِرَ النَّهَارِ دُيِّنَ فِي القَضَاءِ عِنْدَ
أما ما نحن فيه ليس ذكر الشرط؛ فيبقى قوله: اليوم؛ بيانا لوقت الوقوع، كذا في المبسوط (١)، وفيه نوع تأمل.
وفي الذخيرة في جواب هذا السؤال: أن قوله: أنت طالق اليوم؛ إيقاع في الحال (٢).
وقوله: (في غد) للتعليق؛ فلا بد من اعتبار أحدهما، واعتبار التعليق أولى؛ لأن في اعتباره إلغاء كلمة واحدة وهي اليوم، وفي اعتبار اليوم إلغاء كلمات وهي قوله: إذا جاء غد.
أما فيما نحن فيه في ذكر اليوم إيقاع في الحال حقيقة، فلو وقع أخرى غدا إنما يقع كيلا يلغو ذكر الغد، ولا يلغو إذا لم يقع منه أخرى؛ لأنه جعل الغد ظرفًا لكونها طالقًا في الغد، والواقعة في اليوم تبقى في الغد، فيكون ظرفًا لكونها طالقا فلا يلغو.
فإن قيل: كونها طالقًا في الغد يثبت بدون ذكر الغد، فينبغي أن يكون لذكره فائدة أخرى، فتطلّق ثنتين إحداهما في اليوم والأخرى في الغد تصحيحًا لكلامه؛ لأنه ليس في وسعه أن يجعل طلاقه الواقع في اليوم الواقع غدًا، ولكن في وسعه أن يطلق أخرى في الغد.
قلنا: ذكر الغد بغير حرف العطف؛ فلا يكون مشاركًا للمعطوف عليه في الحكم.
ولأن إيقاع الطلقتين في حالة واحدة مكروه؛ فلا يسعى في إيجادها. وفي جامع شمس الأئمة: إنما جعلنا كلامه الذي وصفنا إنشاء للحاجة إلى الإيقاع ولا حاجة هاهنا؛ لأنها بالتطليقة الواحدة تكون طالقا في الوقتين جميعًا فلا يجعله إنشاء أخرى.
وفي قوله: (أنتِ طالق في غدٍ)؛ لا يجعل كلامه إيقاعا بتطليقة أخرى
стр. 2929
أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُدَيَّنُ فِي القَضَاءِ خَاصَّة) (*) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الغد، ..................
أيضًا؛ لأنه وصفها بكونها طالقا بتطليقة واحدة، فلا يمكن إيقاع تطليقتين؛ إذ لو جعلناها اليوم طالقا؛ لم تكن طالقا بالطلاق الذي صرح ووصفها به، فكذا جعلنا آخر الوقتين لغوا في الوجهين.
فإن قيل: لم لا ينسخ الثاني الأول في الصورتين؟
قلنا: لما عرف أن النسخ إنما يكون لكلام مستند لنفسه متراخ، واللفظ الثاني في الصورتين ليس بمستند في نفسه ولا بمتراخ، ولأن النسخ لا يكون إلا بعد الثبوت، والطلاق بعد ثبوته لا يحتمل النسخ. كذا نقل عن العلامة حميد الدين ﵀ (١).
وفي المبسوط: ولو قال: أنت طالق اليوم وغدًا تطلق اليوم واحدة ولا تطلق أخرى غدًا؛ لأن العطف للاشتراك، فقد وصفها بالطلاق في الوقتين، وهي بالتطليقة الواحدة تتصف بالطلاق في الوقتين جميعًا (٢)، وبه قال: أكثر أصحاب الشافعي.
وقال بعضهم: يقع اليوم طلقة وغدًا طلقة (٣).
ولو قال: غدًا واليوم؛ تطلق واحدة اليوم عندنا وأخرى غدًا؛ لأنه عطف الجملة الناقصة على الكاملة، فالخبر المذكور في الكاملة يكون معادًا في الناقصة؛ لأن العطف للاشتراك في الخبر فكأنه قال: أنت طالق اليوم.
وعن زفر: أنها لا تطلق إلا واحدة؛ لأن صيغة الكلام وصف، وهي بالتطليقة الواحدة تتصف بأنها طالق في الوقتين جميعًا.
وجوابه ما ذكرناه وهو قوله: أنت طالق اليوم غدًا وغدا اليوم؛ لأنه لما وصفها بأنها طالق بتطليقة واحدة في الوقتين، ولا يمكن إيقاع تطليقة أخرى؛
стр. 2930
فَصَارَ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ غَدًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلِهَذَا يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزءٍ مِنهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَذَفَ فِي وَإِثْبَاتَهُ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ ظَرفٌ فِي الحَالَينِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ «فِي» لِلظَّرْفِ وَالظَّرْفِيَّةُ لَا تقتضي الاستيعاب، …
لأنه ذكر الوقتين بغير حرف العطف كما بينا على ما ذكرناه وهو أنه تخصيص العموم وهو خلاف الظاهر؛ فلا يصدق قضاء، ويصدق ديانة.
ولا يتغير حكمه بذكر (في)؛ لأنه مقدر في قوله: غدًا، وانتصابه لكونه مفعولا فيه، وهذا معنى قوله.
(وهذا لأن حذف في وإثباته سواء) إلى آخره.
(ولأبي حنيفة: أنه نوى حقيقة كلامه) وفيه جواب عن قولهما، (غدا على ما بيناه)؛ يعني في خلاف الظاهر، إنما لم يصدق؛ إذا لم ينو حقيقة كلامه.
أما إذا نوى حقيقة كلامه؛ يُصدَّق لأنه لما قال: في الغد؛ جعل الغد ظرفًا صريحًا.
(والظرفية لا تقتضي) استيعاب المظروف؛ فكأن كلامه كقولك: زيد في الدار؛ يقتضي وجوده في جزء من أجزاء الظرف، وقد يشغل جميع المظروف؛ فكان كلامه محتملا للوجهين فيه.
(آخر النهار) (١) تعيينا لمحل الكلام المبهم لا تعبيرًا؛ فيصدق قضاء أيضًا.
(بخلاف قوله: غدًا) بغير ذكر (في)؛ لأنه وصفها بهذه الصفة في جميع الغد، فكان حقيقة الكلام الوصف لها بهذه الصفة في جميع الغد، وذلك بوقوعه في أول جزء منه.
فإذا نوى آخر النهار لا يصدق قضاء؛ لأنه خلاف ظاهر كلامه.
والفقه فيه: أن " غدًا " بغير " في " ظرف ضروري لثبوته لا بلفظه، وقوله: " في غد " ثبتت ظرفيته بلفظ يدل عليها، وما يثبتُ باللفظ يحتمل النية؛ لأنها لتعيين بعض محتملات اللفظ، وما يثبت بلا لفظ ضرورة لا يحتمل النية.
стр. 2931
وَتَعَيَّنَ الجُزْءُ الأَوَّلُ ضَرُورَةَ عَدَمِ المُزَاحِمِ، فَإِذَا عَيَّنَ آخِرَ النَّهَارِ كَانَ التَّعْيِينُ القَصدِيُّ أَولَى بِالاعْتِبَارِ مِنْ الضَّرُورِيِّ، بِخِلَافِ قَولِهِ: غَدًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الاسْتِيعَابَ حَيثُ وَصَفَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُضَافًا إِلَى جَمِيعِ الغَدِ. نَظِيرُهُ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ عُمرِي، وَنَظِيرُ الأَوَّلِ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ فِي عُمرِي، وَعَلَى هَذَينِ الدَّهْرَ وَفِي الدَّهْرِ.
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ أَمسِ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا اليَومَ لَم يَقَع شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إِلَى حَالَةٍ مَعَهُودَة مُنَافِيَة لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ فَيَلغُوَ، كَمَا إِذَا قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخلَقَ، وَلِأَنَّهُ يُمكِنُ تَصْحِيحُهُ إِخبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ كَونِهَا مُطَلَّقَة بِتَطلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ
تأمل في قوله: لا أشرب شرابًا ونوى شرابا دون شراب؛ لا يصح، وفي قوله: لا أشرب شرابًا؛ يصح ليتضح لك الفرق. كذا في شروح الجامع والفوائد الظهيرية.
وقوله: (وَتَعَيَّنَ الجُزْءُ الأَوَّلُ)؛ جواب عن قولهما.
ولهذا يقع في أول جزء منه يعني يعينه باعتبار السبق.
و (عدم المزاحم)؛ أي: المعارض إلى آخره.
(لأصومن عمري) يتناول ساعة من عمره؛ حتى لو صام ساعة بر في يمينه.
قوله: (إلى حالة معهودة)؛ أي: معلومة.
(منافية لمالكية الطلاق)؛ لأنها لم تكن في ملكه في ذلك الوقت.
(فيلغو، كما إذا قال: أنت طالق قبل أن أخلق) أو قبل أن تخلقي، ولا خلاف فيه للفقهاء؛ وذلك لأنه وصفها بالطلاق في وقت لم تكن هي في ملكه، أولا يصح منه الطلاق؛ فكان ذلك منه إنكارًا للطلاق، لا إقرارًا به.
وفي فروق الكرابيسي: لو قال لعبده: أنت حر أمس وقد اشتراه اليوم؛ عتق؛ لأنه يصير إقرارًا بحريته؛ فيحرم استرقاقه عليه (١).
(ولأنه يمكن تصحيحه)؛ أي: تصحيح هذا الكلام.
(إخبارًا عن عدم النكاح وعن كونها مطلقة بتطليق غيره) وهذا الكلام في وضعه إخبارًا وإنما يحتمل إنشاء في موضع تعذر جعله إخبارًا.
стр. 2932
الأَزوَاجِ (وَلَو تَزَوَّجَهَا أَوَّلَ مِنْ أَمسِ وَقَعَ السَّاعَةَ) لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إِلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ وَلَا يُمكِنُ تَصْحِيحُهُ إِخبَارًا أَيضًا فَكَانَ إِنشَاءٌ، وَالإِنشَاءُ فِي المَاضِي إِنشَاءُ فِي الحَالِ
فإذا أمكن جعله إخبارًا لا يجعل إنشاء؛ لأن العمل بحقيقة كل كلام واجب ما أمكن.
فإن قيل: هذا منقوض بما لو قال لامرأته الموطوءة: أنت طالق ثلاث مرات؛ تقع الثلاث، وإن أمكن جعل الثاني والثالث إخبارًا.
قلنا: إن القيد كما يزول عنها يعود إليها لوجود العدة، وهذا عند البعض.
والمتأخرون من مشايخنا يقولون: يتوقف زوال القيد على انقضاء العدة، كما لو قال لها: أنت طالق، ثم قال: كل امرأة لي طالق؛ يقع عليها طلاق آخر، وهذا شاهد لهم بقيام النكاح، فحينئذ تعذر جعل الثاني والثالث إخبارًا؛ لأن بالطلاق الأول ما زال قيد النكاح؛ ولأجل المحلية. كذا في الفوائد الظهيرية (١). وفيه نوع تأمل.
وفي المبسوط: لو قال: عنيت بالثاني الإخبار؛ صُدّق ديانة لا قضاء؛ لأن كل واحد من الكلامين إيقاع من حيث الظاهر لبقاء محله، والقاضي مأمور باتباع الظاهر ولكن محتمل للإخبار والتكرار فيُصدَّق ديانة؛ لأنه تعالى مطلع على ضميره (٢).
(ولو تزوجها أول من أمس) ثم قال: أنت طالق أمس؛ طلقت حين قال ذلك؛ لأنه ما أسنده إلى حالة منافية؛ لأنها في الأمس ملكه.
ولا يمكن تصحيحه إخبارًا أيضًا في حق نفسه وكذا في حق غيره؛ لأن الإخبار حقيقة مهجورة فلا يعتبر في مقابلة الإنشاء؛ لأن الإنشاء صار حقيقة عرفا وشرعا.
(والإنشاء في الماضي إنشاء في الحال)؛ لأنه يملك الإيقاع في الحال ولا
стр. 2933
فَيَقَعُ السَّاعَةَ (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ لَم يَقَع شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إِلَى حَالَةٍ مُنَافِيَة، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: طَلَّقْتُكِ وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ، أَوْ يُصَحَحُ إِخْبَارًا عَلَى مَا ذَكَرنَا.
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ مَا لَم أُطَلِّقكِ، أَوْ مَتَى لَم أُطَلِّقكِ، أَوْ مَتَى مَا لَم أُطَلِّقكِ وَسَكَتَ، طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى زَمَان خَالٍ عَنْ التَّطلِيقِ وَقَدْ وُجِدَ حَيثُ سَكَتَ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ «مَتَى» «وَمَتَى مَا» صَرِيحٌ فِي الوَقتِ لِأَنَّهُمَا مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ، وَكَذَا كَلِمَةُ «مَا» للوقت، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ [مريم: ٣١] أَي وَقتَ الحَيَاةِ.
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ إِنْ لَم أُطَلِّقكِ لَم تَطلُق حَتَّى يَمُوتَ) لِأَنَّ العَدَمَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاليَأْسِ عَنْ الحَيَاةِ وَهُوَ الشَّرطُ كَمَا فِي قَولِهِ: إِنْ لَم آتِ البَصَرَةَ، وَمَوتُهَا بِمَنزِلَةِ مَوتِهِ هُوَ الصَّحِيحُ.
يملك الإسناد؛ فلهذا انطلق في الحال.
(أو نائم) أو قال: أنا مجنون، وجنونه كان معروفًا حتى لو لم يكن جنونه معروفًا؛ طلقت لأنه أقر بطلاقها وأسنده إلى حالة غير معهودة فلا يُعتبر قوله في الإضافة على ما ذكرناه؛ وهو الإخبار عن عدم النكاح، أو الإخبار عن كونها مطلقة.
قوله: (وَسَكَتَ طَلُقَتْ)؛ أي باتفاق الفقهاء.
وفي مسألة: (إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق؛ لم تطلق حتى يموت)، وذلك أيضًا باتفاق الفقهاء.
وكذلك كلمة "ما " فإنها تستعمل للوقت لا محالة؛ فترجحت جهة الوقت.
(لأن العدم)؛ أي: عدم إيقاع الطلاق عليها شرط وقوع الطلاق.
ولا يثبت العدم (إلا باليأس عن الحياة)؛ كما لو قال: إن لم تدخلي الدار فأنت طالق، أو (إن لم آت البصرة) فأنتِ طالق؛ فإذا انتهى إلى الموت فقد وجد اليأس؛ فوُجِد الشرط، والمحلُّ قابل، والملك باق؛ فوقع قبل موته بقليل،
стр. 2934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وليس لذلك القليل حَدٌّ معروف باتفاق الفقهاء.
ثم إن كان دخل بها فلها الميراث بحكم القرار عندنا، خلافًا للشافعي، وإن لم يدخل بها فلا ميراث لها (١).
وموت المرأة بمنزلة موت الرجل في ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي ﵁ (٢).
وفي النوادر: يقول: لا يقع بموتها؛ لأنه قادر على أن يطلقها ما لم تمت، وإنما [عجز بموتها؛ فلو وقع الطلاق لوقع بعد موتها؛ وذا لا يجوز (٣).
وفي الكتاب إشارة] (٤) إليه؛ حيث قال: (حتى تموت) (٥) ولم يقل حتى يموت أحدهما.
وقول الشيخ (هو الصحيح) (٦) احتراز عن هذه الرواية.
وجه الظاهر: أن انقطاع الطلاق كما يفوت بموت الزوج يفوت بموتها؛ لأنها إذا أشرفت على الموت وبقي جزء من أجزاء حياته؛ فقد بقي من حياتها ما لم يَسَع التكلم بالطلاق، وذلك القدر من الزمان صالح لوقوع المعلق؛ لأنه يُسْتَغْنَ عن زمان التكلم، فوجد الشرط، والملك قائم، والمحل باق؛ فيقع.
وفائدة وقوع الطلاق عليها بعد موتها: أن لا يرث الزوج عنها؛ لأنها بانت قبل الموت، فلا تبقى بينهما زوجية عند الموت، وشرط التوريث هذا وقد عدم.
стр. 2935
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ إِذَا لَم أُطَلِّقكِ، أَوْ إِذَا مَا لَم أُطَلِّقكِ. لَم تَطلُق حَتَّى يَمُوتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَطلُقُ حِينَ سَكَتَ) (*) لِأَنَّ كَلِمَةَ «إِذَا» لِلوَقتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ﴾ [التكوير: ١] وَقَالَ قَائِلُهُم:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدعَى لَهَا … وَإِذَا يُحَاسُ الحَيسُ يُدعَى جُندُبٌ
فَصَارَ بِمَنزِلَةِ «مَتَى، وَمَتَى مَا»، وَلِهَذَا لَو قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ إِذَا شِئتِ، لَا يَخْرُجُ الأَمرُ مِنْ يَدِهَا بِالقِيَامِ عَنْ المَجْلِسِ، كَمَا فِي قَولِهِ: مَتَى شِئتِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ:
قوله: (حتى يموت عند أبي حنيفة)، وبه قال الشافعي في الأصح (١)، ومالك، وأحمد في رواية (٢).
وفي المبسوط: وأصل الخلاف بين أهل اللغة والنحو؛ فالكوفيون يقولون: (إذا) قد تستعمل للشرط، وقد تستعمل للوقت على السواء، وإذا كان بمعنى الشرط يسقط عنه معنى الوقت أصلا كحرف (إن) وهو مذهب أبي حنيفة، وعند البصريين: حقيقة للوقت، وللشرط يستعمل مجازا ولا يسقط منه معنى الوقت، والمسألة مذكورة في الأصل مع تمامها (٣).
(الحيس): طعام يتخذ من التمر والأقط، يحايس: يطعم.
أول الشعر أنشده عنترة العبسي (٤): (شعر).
هَلْ فِي القَضِيَّةِ أَنْ إِذَا اسْتَغْنَيْتُمُ … وَأَمَنتُمُ فَأَنَا البَعِيدُ الأَجْنَبُ
وإذا الشدائد بالشدائد مرة … أَشْجَتِكُمُ فأنا الحبيب الأقرب
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدعى لَهَا … وَإِذَا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
هَذَا لَعُمرُكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ … لا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ
والأشجاء: الأحزان.
(ولأبي حنيفة): أنه؛ أي: حرف [إذا] (٥).
стр. 2936
أَنَّ كَلِمَةَ «إِذَا» تُستَعمَلُ فِي الشَّرطِ أَيضًا، قَالَ قَائِلُهُم:
وَاسْتَغْنِ مَا أَعْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى … وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّل
فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرطُ لَم تَطلُق فِي الحَالِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الوَقتُ تَطلُقُ، فَلَا تَطلُقُ بِالشَّكِّ وَالاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ مَسأَلَةِ المَشِيئَةِ، لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الأمرُ مِنْ يَدِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلشَّرطِ يَخْرُجُ، وَالأَمرُ صَارَ فِي يَدِهَا، فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَالاحْتِمَالِ، … ... … ... … ... … ...
(تستعمل في الشرط)؛ أي: الشرط الخالص، يقول الرجل: إذا زرتني زرتك، وإذا أكرمتني أكرمتك، والمراد الشرط.
(واستغن) إلى آخره.
أول الشعر أنشده الفراء (١):
أَبْني إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَوْمِه … فإذا دُعِيتَ إلى المَكَارِمِ فاعْجَلِ
أُوصِيكَ إِيصَاءَ امرئٍ لَكَ ناصح … طَبِنٌ بريبِ الدَّهْرِ غَيرِ مُغَفَّل
واسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى … وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّل
(وإذا تصبك)، أي: (إن تصبك) بالجزم، ولهذا الجزم فلو كان للوقت لما انجزم، ودخلت الفاء في جوابه وهو (فتجمل)، وقد تبين هذا البحث في الأصول بتمامه.
كرب الشيء: دنا.
التجمل: التصبر.
فإن قيل: التجمل أكل الْجَمِيلَ، وهو: الشحم المذاب، والمراد الاكتفاء به.
قوله: (فلا تطلق بالشك).
فإن قيل: النظر إلى الشرطية يقتضي بقاء النكاح والحل، والنظر إلى الوقتية يوجب الطلاق والحرمة، فاجتمعت الحرمة والحل؛ فينبغي أن ترجح الحرمة كما عرف.
قلنا: هذا متروك في جميع صور التردد؛ فإنه لو شك في الانتقاض بعد الطهارة فإن بقاءها يُوجبُ إباحة الصلاة، وبالنظر إلى الانتقاض يحرم أداؤها،
стр. 2937
وَهَذَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَلبَتَّةَ، أَمَّا إِذَا نَوَى الوَقتَ يَقَعُ فِي الحَالِ وَلَو نَوَى الشَّرطَ يَقَعُ فِي آخِرِ العُمُرِ، لِأَنَّ اللَّفظَ يَحتَمِلُهُمَا.
ومع هذا لا تترجح الحرمة وإن كان مبنى الصلاة على الاحتياط؛ لأن الشك لا يثبت شيئًا فلا يكون من قبيل تعارض الحرمة مع دليل الحلّ، كذا قيل (١).
(وهذا الخلاف)؛ أي: المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه.
(لأن اللفظ يحتملهما) على السواء، فإذا احتملهما على السواء؛ يقع ما نوى بالإجماع.
فإن قيل: إنّ " إذا " تستعمل للشرط مجازا عند أبي حنيفة وكذا عندهما؛ فينبغي أن لا يصدقه القاضي فيما لو نوى به معنى "أن" فيه؛ تخفيفًا على نفسه.
قيل في جوابه: لما كثر استعماله في معنى الشرط فصار كالظاهر في حقه، فجاز أن يصدقه القاضي، مع أنه قيل حقيقة فيهما عنده، وفيه نوع تأمل.
فإن قيل: يقتضي الاختلاف في مسألة الشرب من دجلة أن يكون الاختلاف هاهنا على عكس هذا؛ لأنه اعتبر المجاز هاهنا. وثمة اعتبر الحقيقة، وهما عكسا فيهما فلابد من الفرق لهما.
قيل: الفرق لهما: أن المجاز ثمة غالب الاستعمال عرفا؛ فترجحت جهته على جهة الحقيقة، أما هاهنا المجاز ليس بغالب الاستعمال.
والفرق لأبي حنيفة: أن ثمة التيقن في ثبوت موجب اعتبار الحقيقة، وفي الشك اعتبار المجاز ثابتًا؛ لأن اعتبار الحقيقة يقتضي الحنث بالشرب من دجلة كرعا لا غير.
واعتبار المجاز يقتضي الحنث من مائها كرعًا منها، وبالشرب من مائها اغترافًا منها، والحنث لازم بالشرب منها؛ أي: من مائها كرعًا على تقدير اعتبار الحقيقة واعتبار المجاز، وأما الحنث بالشرب من مائها اغترافًا منها فليس بثابت على تقدير اعتبار الحقيقة، وإن كان ثابتًا على تقدير اعتبار المجاز؛ فيثبت ما هو متيقن فيه، ولم يثبت ما هو مشكوك فيه؛ فترجحت الحقيقة، وهاهنا بالعكس.
стр. 2938
(وَلو قَالَ: «أَنتِ طَالِقٌ، مَا لَم أُطَلِّقكِ أَنتِ طَالِقٌ» فَهِيَ طَالِقٌ بِهَذِهِ التَّطلِيقَةِ) مَعْنَاهُ: قَالَ ذَلِكَ مَوصُولًا بِهِ، وَالقِيَاسُ: أَنْ يَقَعَ المُضَافُ فَيَقَعَانِ إِنْ كَانَتْ مَدخُولًا بِهَا، وَهُوَ قولُ زُفَرَ ﵀، لِأَنَّهُ وُجِدَ زَمَانٌ لَم يُطَلِّقهَا فِيهِ، وَإِنْ قَلَّ، وَهُوَ زَمَانُ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ، قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنهَا. وَجهُ الاستِحْسَانِ: أَنَّ زَمَانَ البِرِّ مُستَثنى عَنْ اليَمِينِ بِدَلَالَةِ الحَالِ،
قوله: (هذه التطليقة)؛ أي: التطليقة الأخيرة لا المضافة؛ أي: المعلقة بعدم التطليق.
(معناه)؛ أي: معنى ما قال محمد أو القدوري.
(قال ذلك موصولًا) قيد به؛ لأنه لو قال مفصولاً؛ يقعان بالإجماع قياسًا واستحسانا؛ لأنه وجد الزمان الخالي عن التطليق.
وقيد بكونها (مدخولًا بها)؛ لأن في غير الموطوءة لا يقعان، بل تقع المضافة في المفصول، وفي الموصول تقع المضافة بالإجماع، وعندنا غير المضافة.
قوله: (لأنه وُجِدَ زمان) إلى آخره؛ بيانه: أنه وجد ما بين اليمين، ووقوع الطلاق مقدار ما يسع فيه ستة أحرف وهو قوله: أنت طالق؛ لأن الطلاق يقع بآخر الحروف حين تكلم بالاتفاق، وفيما بين ذلك ستة أحرف، وشرط الحنث يستوي فيه القليل والكثير.
قوله: (أن زمان (البر)) إلى آخره؛ بيانه: أن الحالف إنما يحلف ليبر في يمينه، ولا يمكنه البر في هذه المسألة إلا أن يجعل الساعة التي يشتغل بالإيقاع فيها مستثناة؛ فيصير هذا القدر مستثنى من اليمين بدلالة الحال.
ولأنه متى شرع في قوله: (أنت طالق) موصولا؛ لم يوجد زمان عدم فيه الفعل؛ إذ به لا يكون تاركًا لفعل التطليق، والإنسان إنما سمي تاركًا للفعل في زمان يقدر على الفعل، ولا يفعل؛ فلم يوجد.
ولئن تحقق الترك فهو غير معتبر؛ لأن شرط الحنث بترك يمكنه الامتناع عنه؛ لأن غرضه البر من اليمين وذا لا يتحقق إلا أن تكون الساعة التي يشتغل بالإيقاع [فيها] مستثناة. كذا في جامع البزدوي.
وبقولنا قال الشافعي (١)، وأكثر الفقهاء.
стр. 2939
لِأَنَّ البِرَّ هُوَ المَقْصُودُ، وَلَا يُمكِنُهُ تَحقِيقُ البِرِّ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ هَذَا القَدرَ مُستَثنى، وأَصلُهُ: مَنْ حَلَفَ لَا يَسكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَغَلَ بِالنَّقَلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَخَوَاتُهُ عَلَى مَا يَأْتِيكَ فِي الأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَة: يَومَ أَتَزَوَّجُكِ فَأَنتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَت) لِأَنَّ اليَومَ يُذكَرُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ يَمْتَدُّ كَالصَّومِ وَالْأَمْرِ بِاليَدِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ المِعيَارُ، وَهَذَا أَليَقُ بِهِ، وَيُذكَرُ وَيُرَادُ بِهِ مُطلَقُ الوَقتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وتظهر ثمرة الاختلاف في هذه المسألة: فيما إذا قال: أنت طالق ثلاثا إن لم أطلقكِ أنتِ طالق؛ فعندنا تقع واحدة، وعنده الثلاث.
قوله: (وأخواته) وهو قوله: (لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه؛ فنزعه في الحال)، و (لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل من ساعته؛ لم يحنث عندنا خلافًا لزفر)، ويجيء في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى.
قوله: (بفعل يمتد)، والمراد بامتداده: أن يقبل حرف المدة والتأقيت والأجل.
(أن اليوم) يستعمل لغة لمطلق الوقت (فينتظم الليل والنهار) (١).
وبيان استعماله لمطلق ما ذكر في الكتاب؛ فإن الفرار من الزحف ليلا يوجب الإثم أيضًا، فكان المراد به (مطلق الوقت) ويقال: انتظر يوم فلان؛ أي: وقت إقباله وإدباره، وقولهم في مبتدأ الكلام: يوم لنا ويوم علينا؛ ويراد به مطلق الوقت، ويستعمل لـ (بياض النهار)؛ قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة ٩]؛ فلابد من ضابط يمتاز به أحدهما عن الآخر.
فيقول: (وإذا قُرن بفعل يمتد كالصوم، والأمر باليد لأنه يراد به المعيار)؛ أي: بياض النهار.
لأنه (أليق به)؛ إذ الممتد يناسب الممتد؛ فلو قال: أمرك بيدك يوم يقدم فلان فقدم فلان نهارًا فلم يعلم به حتى جن الليل؛ قال: لا خيار لها؛ لأن العلم بعد انقضاء الأمر، فلم يبق الأمر.
стр. 2940
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وَالمُرَادُ بِهِ مُطلَقُ الوَقتِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إِذَا قُرِنَ بِفِعل لَا يَمْتَدُّ، وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ فَيَنتَظِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
وَلَو قَالَ: «عَنَيْتُ بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّة دُيْنَ» فِي القَضَاءِ، لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَاللَّيلُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا السَّوَادَ، وَالنَّهَارُ يَتَنَاوَلُ البَيَاضَ خَاصَّة، وَهَذَا هُوَ اللُّغَةُ.
(وإذا قرن بفعل لا يمتد)؛ يراد به: مطلق الوقت؛ لأنه أليق به، وبه قال مالك (١). وقال الشافعي: هو لبياض النهار (٢).
(والطلاق)؛ أي: إيقاع الطلاق أو نفس الطلاق لا يقبل التأقيت أيضًا، حتى لو قال: أنتِ طالق شهرًا؛ يتأبد ولا يتوقت.
(من هذا القبيل)؛ أي: قبيل ما لا يمتد. والمذكور في الأصل: والتزوج من هذا القبيل، وكأنه وقع غلطًا؛ إذ الصحيح: والطلاق.
وفي الشرح: والصحيح من النسخ: والتزوج من هذا القبيل، وقال: هكذا وجدته بخط شيخي.
ولأنه اعتبر في الكتاب في وزان هذه المسألة: فعل الشرط لا فعل الجزاء؛ فقال في اليمين: يوم أكلم فلانًا فامرأته طالق؛ فهو على الليل والنهار؛ لأن الكلام مما يمتد، ولأن ذكر الفعل يستقيم في "أتزوجكِ" بغير تأويل، لا في (أنت طالق).
ولأن لفظ (القران) يدل على أن المراد "التزوج"؛ لأن مقارنة اليوم أقوى؛ لأنه على وجه الإضافة، والمضاف والمضاف إليه كشيء واحد.
(فينتظم الليل والنهار) فيقع الطلاق إذا قدم ليلًا أو نهارًا؛ إذا قال: أنت طالق يوم يقدم فلان عندنا. وبه قال الشافعي في وجه (٣).
وفي الأصح عنده: لا يتناول الليل؛ [فلا يقع الطلاق إذا قدم ليلًا] (٤)؛ لأنه حقيقة لبياض النهار (٥) ولو نوى الوقت يصح؛ لأنه نوى محتمل كلامه.
стр. 2941
فَصْلٌ: [فِي إِضَافَةِ الطَّلَاقِ إِلى النِّسَاءِ]
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنَا مِنكِ طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَو قَالَ: أَنَا مِنكِ بَائِنٌ أَوْ أَنَا عَلَيْكِ حَرَامٌ يَنوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ أَيضًا إِذَا نَوَى، لِأَنَّ مِلكَ النِّكَاحِ مُشتَرَكْ بَينَ الزَّوجَينِ، حَتَّى مَلَكَت هِيَ المُطَالَبَةَ بِالوَطءِ كَمَا يَمْلِكُ هُوَ المُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَكَذَا الحِلُّ مُسْتَرَكٌ بَينَهُمَا وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِإِزَالَتِهِمَا فَيَصِحَّ مُضَافًا إِلَيْهِ كَمَا صَحَّ مُضَافًا إليها كَمَا فِي الإِبَانَةِ
فصل
قوله: (في الوجه الأول) وهو قوله: (أنا منك طالق)، أما في قوله: (أنا منك بائن) أو حرام، إذا نوى؛ يقع الطلاق بالإجماع.
وبقولنا: قال أحمد (١).
وبقول الشافعي (٢): قال مالك (٣).
وجه قوله: أنه أضاف الطلاق إلى محله؛ فيصح، كما لو قال: أنا منك بائن أو عليك حرام.
وهذا لأن محل الطلاق ما ثبت فيه حكم النكاح؛ لأن الطلاق شرع لرفع ما ثبت بالنكاح، وحكم النكاح مشترك بينهما حتى حل لكل واحد منهما الاستمتاع بصاحبه، وينتهي النكاح بموت كلّ، ويسمى كل واحد ناكحًا.
وهذا التعليل غير مرضي عند أكثر أصحابه، فقالوا: لو كان كذلك لما احتاج إضافة الطلاق إليه إلى النية كما لا يحتاج الإضافة إليها إلى النية؛ بل المختار عند أصحابه أن على الزوج حجرًا من جهتها من حيث أنه لا ينكح أختها ولا أربعًا سِواها؛ فتصح إضافته إليه باعتبار رفع ذلك القيد، إلا أن الإضافة إلى الزوج غير معهودة؛ فاحتيج إلى النية. كذا في كتبهم (٤).
стр. 2942
وَالتَّحْرِيمِ، وَلَنَا: أَنَّ الطَّلَاقَ لِإِزَالَةِ القَيدِ، وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا هِيَ المَمنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ بِزَوج آخر والخُرُوجِ وَلَو كَانَ لِإِزَالَةِ المِلكِ فَهُوَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا
قوله: (ولنا أن الطلاق) إلى آخره؛ بيانه أنه أضاف الطلاق إلى غير محله فيلغو؛ وهذا لأن محل الطلاق محل موصوف بالقيد؛ لأن الطلاق لرفعه، والقيد فيها لا فيه؛ لأنه عبارة عن ملك النكاح، والملك يثبت له عليها لا لها عليه؛ لأن الملك إنما يثبتُ مع المنافي وهي: الحرية لضرورة تحقيق مقاصد النكاح، وهذه الضرورة في جانبها لا جانبه؛ ولهذا تسمى المرأة منكوحة مملوكة ولا يسمى الزوج بذلك؛ ألا ترى أن الرجل بعد النكاح ينطلق حيث يشاء ويتبوأ أين يريد ويستمتع بإمائه وإن كثرت وبثلاث سِوَاهَا، وهي ممنوعة عن الخروج والبروز والتزوج بغيره مع قيام الأهلية لحقِّ الزوج؛ فقد ظهر آثار الملك في حقها دون الزوج؛ فعلم أنها مملوكة.
فإن قيل: إنه لإزالة الحل، وهو مشترك بينهما.
قلنا: ما وضع لإبطال الحل؛ بل شرع لرفع موجب النكاح وهو: الملك؛ ولهذا سمي الزوج مالكا، وكانت ولاية التصرف إليه؛ فلا تصح إضافة ما يقطع الملك إلى المالك كما لو قال لعبده: أنا منك حر.
فإن قيل: كما منعت عن التزوج والخروج، مُنع هو أيضًا عن التزوج بأختها وأربع سواها.
قلنا: الجمع بين الأختين حرام؛ لكن ذلك لم يثبت بالنكاح لأنه كان بائنا قبله؛ ألا ترى أنه لو تزوجهما معًا لا يجوز، وكذا نكاح الخامسة حرام شرعًا لا بالنكاح فلا يكون مقدورًا له ثم منع.
أما خروجها وتزوجها بمقدورها عليه، إلا أنها منعت عنهما لحق الزوج؛ فكان قيدا وانحجارا؛ [حكما بالآخر] (١) للاختصاص الثابت بالنكاح.
وكذا نكاح الخامسة ثابت قبل النكاح؛ فلم يكن أثر النكاح فلا يكون موجبا للقيد؛ فشرحه أن الدليل ينفي المنع والحجر عن الفعل، إلا أنه ثبت في جانبها
стр. 2943
مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوجَ مَالِكٌ، وَلِهَذَا سُمِّيَت مَنكُوحَة بِخِلَافِ الإِبَانَةِ، لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الوَصلَةِ،
بالإجماع تحصيلا لمقاصد النكاح، وبقي جانب الرجل على قضية الدليل.
وفي المبسوط وحجتنا ما روي أن امرأة قالت لزوجها: لو كان إليَّ ما إليك لرأيت ما أصنع فقال: جعلت إليكِ ما إليَّ؛ فقالت: طلقتك؛ فرفع ذلك إلى ابن عباس فقال: خطأ الله نواها، هلا قالت: طلقت نفسي منك (١).
وروي: وخط الله، وصوبه مولانا نجم الدين عمر النسفي قال: ولا يجوز خطأ، وصاحب الفائق عكسه.
والنوء: كوكب يستمطر به العرب.
والحط: من الحطيطة، وهي أرض لم تمطر.
وأما الذي يقول الملك مشترك؛ فكلام لا معنى له؛ بل الملك للزوج خاصة حتى يتزوج المسلم الكتابية ولا يتزوج الكتابي المسلمة. وفيه كلام طويل لأصحابنا.
والأولى أن نقول: ما ثبت لها بالنكاح: ملك المهر والنفقة؛ وذلك لا يقبل الطلاق، ثم الملك الذي يثبت في جانبها تبع للملك الثابت للزوج عليها، وما يكون تبعًا للنكاح؛ لا يكون محلا للطلاق عندنا؛ كيدها ورجلها على ما قررناه، وفي بعض نسخ أصحابنا: ولنا الكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] والأمر بالفعل نهي عن تركه، وتطليق نفسه ترك تطليق امرأته حقيقة؛ لأنه أضاف الطلاق إلى نفسه لا إليها فيكون منهيا، والمنهي غير مشروع وما هو غير مشروع لا يعتبر شرعًا، وهو تفسير عدم الصحة. وفيه تأمل.
وأما السنة: فما روى أبو داود في سننه أنه ﵇ قال: «تزوجوا ولا تُطلقوا» (٢) وقد مر الحديث؛ نهى النبي ﵇ عن التطليق مطلقا سواء كان
стр. 2944
وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَينَهُمَا، بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الحِلِّ، وَهُوَ مُسْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّت إضَافَتُهُمَا إِلَيْهِمَا، وَلَا تَصِحُ إِضَافَةُ الطَّلَاقِ إِلَّا إِلَيْهَا.
مضافًا إلى الزوج أو إليها، ثم جاءت الرخصة في التطليق المضاف إلى المرأة بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وغيرهما؛ فبقي التطليق المضاف إلى الزوج على أصل النهي، والمنهي غير المشروع إلى آخر ما ذكرنا، وفيه تأمل أيضًا.
وأما المعقول: فهو المذكور في الكتاب.
قوله: (وهي)؛ أي: الوصلة.
(مشتركة) ثابتة في الطرفين؛ لأن الاتصال بين الشيئين ألبتة؛ فإذا زال من أحد الطرفين يزول من الطرف الآخر ضرورة؛ لاستحالة اتصال الشيء بما هو منفصل عنه.
فإن قيل: يشكل عليه قول الزوج: " أبنتُ نفسي "؛ يعني منك، ولم يذكر منكِ؛ حيث لا يقع شيء به وإن عزم الطلاق.
قلنا: إنما لا يقع هاهنا لوجه آخر، وهو أن الإباحة متعددة؛ لأنها قد تكون منها ومن غيرها، فلما لم يقل منكِ لا يتعين لقطع الوصلة التي بينهما. إليه أشير في المبسوط (١).
(وهو)؛ أي: الحل.
(مشترك)؛ فيلزم من [تحريم] (٢) نفسه عليها تحريمها له؛ لاستحالة أن يكون الشخص الواحد حلالا لمن [هو] (٣) حرام.
(إضافتهما)؛ أي: إضافة الإبانة والتحريم.
(إليهما) إلى الزوج والزوجة.
(ولا تصح إضافة الطلاق إلا) إلى المرأة؛ لما أنه لرفع القيد، والقيد عليها لا عليه.
стр. 2945
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَة أَوْ لَا، فَلَيْسَ بِشَيء). قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَاف، وَهَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا. وَعَلَى قَولِ مُحَمَّد وَهُوَ قَولُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلا: تَطلُقُ وَاحِدَة رَجْعِيَّة (*)، ذَكَرَ قَولَ مُحَمَّد فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِيمَا إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا شَيْءَ، وَلَا فَرقَ بَينَ المَسأَلَتَينِ.
وَلَو كَانَ المَذْكُورُ هَاهُنَا قَولَ الكُلِّ فَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ، لَهُ: أَنَّهُ أَدخَلَ الشَّكَ فِي الوَاحِدَةِ لِدُخُولِ كَلِمَةِ «أَوْ» بَيْنَهَا وَبَينَ النَّفْيِ، فَيَسقُطُ اعْتِبَارُ الوَاحِدَةِ وَيَبْقَى قَولُهُ: أَنتِ طَالِقٌ، بِخِلَافِ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ أو لا لِأَنَّهُ أَدخَلَ الشَّكَ فِي أَصل الإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الوَصفَ مَتَى قُرِنَ بِالعَدَدِ كَانَ الوُقُوعُ بِذِكرِ العَدَدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو قَالَ لِغَيرِ المَدخُولِ بِهَا: أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطلُقُ ثَلَاثًا، وَلَو كَانَ الوُقُوعُ بِالوَصفِ
قوله: (فليس بشيء) وكذا لو قال: أنت طالق أو لا، أو غير طالق؛ لا يقع شيء. وبه قال الشافعي (١)، ومالك، وأحمد (٢).
وعلى هذا الخلاف لو قال: أنت طالق ثلاثًا أو لا شيء.
(في كتاب الطلاق)؛ أي: طلاق المبسوط.
(ولا فرق بين المسألتين) وهي قوله: أنتِ طالق واحدة أو لا، وأنت طالق واحدة أو لا شيء؛ أي: لا فرق بينهما في حق التردد في الإيقاع أو في حق الوضع.
فـ (المذكور هاهنا) أي: في الجامع الصغير.
(له)؛ أي: لمحمد.
(أنه)؛ أي: الزوج.
(أدخل الشك في الواحدة) إلى آخره.