فَصْلٌ: [فِي إِضَافَةِ الطَّلَاقِ إِلى النِّسَاءِ]
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنَا مِنكِ طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَو قَالَ: أَنَا مِنكِ بَائِنٌ أَوْ أَنَا عَلَيْكِ حَرَامٌ يَنوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ أَيضًا إِذَا نَوَى، لِأَنَّ مِلكَ النِّكَاحِ مُشتَرَكْ بَينَ الزَّوجَينِ، حَتَّى مَلَكَت هِيَ المُطَالَبَةَ بِالوَطءِ كَمَا يَمْلِكُ هُوَ المُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَكَذَا الحِلُّ مُسْتَرَكٌ بَينَهُمَا وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِإِزَالَتِهِمَا فَيَصِحَّ مُضَافًا إِلَيْهِ كَمَا صَحَّ مُضَافًا إليها كَمَا فِي الإِبَانَةِ
فصل
قوله: (في الوجه الأول) وهو قوله: (أنا منك طالق)، أما في قوله: (أنا منك بائن) أو حرام، إذا نوى؛ يقع الطلاق بالإجماع.
وبقولنا: قال أحمد (١).
وبقول الشافعي (٢): قال مالك (٣).
وجه قوله: أنه أضاف الطلاق إلى محله؛ فيصح، كما لو قال: أنا منك بائن أو عليك حرام.
وهذا لأن محل الطلاق ما ثبت فيه حكم النكاح؛ لأن الطلاق شرع لرفع ما ثبت بالنكاح، وحكم النكاح مشترك بينهما حتى حل لكل واحد منهما الاستمتاع بصاحبه، وينتهي النكاح بموت كلّ، ويسمى كل واحد ناكحًا.
وهذا التعليل غير مرضي عند أكثر أصحابه، فقالوا: لو كان كذلك لما احتاج إضافة الطلاق إليه إلى النية كما لا يحتاج الإضافة إليها إلى النية؛ بل المختار عند أصحابه أن على الزوج حجرًا من جهتها من حيث أنه لا ينكح أختها ولا أربعًا سِواها؛ فتصح إضافته إليه باعتبار رفع ذلك القيد، إلا أن الإضافة إلى الزوج غير معهودة؛ فاحتيج إلى النية. كذا في كتبهم (٤).
стр. 2942
وَالتَّحْرِيمِ، وَلَنَا: أَنَّ الطَّلَاقَ لِإِزَالَةِ القَيدِ، وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا هِيَ المَمنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ بِزَوج آخر والخُرُوجِ وَلَو كَانَ لِإِزَالَةِ المِلكِ فَهُوَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا
قوله: (ولنا أن الطلاق) إلى آخره؛ بيانه أنه أضاف الطلاق إلى غير محله فيلغو؛ وهذا لأن محل الطلاق محل موصوف بالقيد؛ لأن الطلاق لرفعه، والقيد فيها لا فيه؛ لأنه عبارة عن ملك النكاح، والملك يثبت له عليها لا لها عليه؛ لأن الملك إنما يثبتُ مع المنافي وهي: الحرية لضرورة تحقيق مقاصد النكاح، وهذه الضرورة في جانبها لا جانبه؛ ولهذا تسمى المرأة منكوحة مملوكة ولا يسمى الزوج بذلك؛ ألا ترى أن الرجل بعد النكاح ينطلق حيث يشاء ويتبوأ أين يريد ويستمتع بإمائه وإن كثرت وبثلاث سِوَاهَا، وهي ممنوعة عن الخروج والبروز والتزوج بغيره مع قيام الأهلية لحقِّ الزوج؛ فقد ظهر آثار الملك في حقها دون الزوج؛ فعلم أنها مملوكة.
فإن قيل: إنه لإزالة الحل، وهو مشترك بينهما.
قلنا: ما وضع لإبطال الحل؛ بل شرع لرفع موجب النكاح وهو: الملك؛ ولهذا سمي الزوج مالكا، وكانت ولاية التصرف إليه؛ فلا تصح إضافة ما يقطع الملك إلى المالك كما لو قال لعبده: أنا منك حر.
فإن قيل: كما منعت عن التزوج والخروج، مُنع هو أيضًا عن التزوج بأختها وأربع سواها.
قلنا: الجمع بين الأختين حرام؛ لكن ذلك لم يثبت بالنكاح لأنه كان بائنا قبله؛ ألا ترى أنه لو تزوجهما معًا لا يجوز، وكذا نكاح الخامسة حرام شرعًا لا بالنكاح فلا يكون مقدورًا له ثم منع.
أما خروجها وتزوجها بمقدورها عليه، إلا أنها منعت عنهما لحق الزوج؛ فكان قيدا وانحجارا؛ [حكما بالآخر] (١) للاختصاص الثابت بالنكاح.
وكذا نكاح الخامسة ثابت قبل النكاح؛ فلم يكن أثر النكاح فلا يكون موجبا للقيد؛ فشرحه أن الدليل ينفي المنع والحجر عن الفعل، إلا أنه ثبت في جانبها
стр. 2943
مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوجَ مَالِكٌ، وَلِهَذَا سُمِّيَت مَنكُوحَة بِخِلَافِ الإِبَانَةِ، لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الوَصلَةِ،
بالإجماع تحصيلا لمقاصد النكاح، وبقي جانب الرجل على قضية الدليل.
وفي المبسوط وحجتنا ما روي أن امرأة قالت لزوجها: لو كان إليَّ ما إليك لرأيت ما أصنع فقال: جعلت إليكِ ما إليَّ؛ فقالت: طلقتك؛ فرفع ذلك إلى ابن عباس فقال: خطأ الله نواها، هلا قالت: طلقت نفسي منك (١).
وروي: وخط الله، وصوبه مولانا نجم الدين عمر النسفي قال: ولا يجوز خطأ، وصاحب الفائق عكسه.
والنوء: كوكب يستمطر به العرب.
والحط: من الحطيطة، وهي أرض لم تمطر.
وأما الذي يقول الملك مشترك؛ فكلام لا معنى له؛ بل الملك للزوج خاصة حتى يتزوج المسلم الكتابية ولا يتزوج الكتابي المسلمة. وفيه كلام طويل لأصحابنا.
والأولى أن نقول: ما ثبت لها بالنكاح: ملك المهر والنفقة؛ وذلك لا يقبل الطلاق، ثم الملك الذي يثبت في جانبها تبع للملك الثابت للزوج عليها، وما يكون تبعًا للنكاح؛ لا يكون محلا للطلاق عندنا؛ كيدها ورجلها على ما قررناه، وفي بعض نسخ أصحابنا: ولنا الكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] والأمر بالفعل نهي عن تركه، وتطليق نفسه ترك تطليق امرأته حقيقة؛ لأنه أضاف الطلاق إلى نفسه لا إليها فيكون منهيا، والمنهي غير مشروع وما هو غير مشروع لا يعتبر شرعًا، وهو تفسير عدم الصحة. وفيه تأمل.
وأما السنة: فما روى أبو داود في سننه أنه ﵇ قال: «تزوجوا ولا تُطلقوا» (٢) وقد مر الحديث؛ نهى النبي ﵇ عن التطليق مطلقا سواء كان
стр. 2944
وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَينَهُمَا، بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الحِلِّ، وَهُوَ مُسْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّت إضَافَتُهُمَا إِلَيْهِمَا، وَلَا تَصِحُ إِضَافَةُ الطَّلَاقِ إِلَّا إِلَيْهَا.
مضافًا إلى الزوج أو إليها، ثم جاءت الرخصة في التطليق المضاف إلى المرأة بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وغيرهما؛ فبقي التطليق المضاف إلى الزوج على أصل النهي، والمنهي غير المشروع إلى آخر ما ذكرنا، وفيه تأمل أيضًا.
وأما المعقول: فهو المذكور في الكتاب.
قوله: (وهي)؛ أي: الوصلة.
(مشتركة) ثابتة في الطرفين؛ لأن الاتصال بين الشيئين ألبتة؛ فإذا زال من أحد الطرفين يزول من الطرف الآخر ضرورة؛ لاستحالة اتصال الشيء بما هو منفصل عنه.
فإن قيل: يشكل عليه قول الزوج: " أبنتُ نفسي "؛ يعني منك، ولم يذكر منكِ؛ حيث لا يقع شيء به وإن عزم الطلاق.
قلنا: إنما لا يقع هاهنا لوجه آخر، وهو أن الإباحة متعددة؛ لأنها قد تكون منها ومن غيرها، فلما لم يقل منكِ لا يتعين لقطع الوصلة التي بينهما. إليه أشير في المبسوط (١).
(وهو)؛ أي: الحل.
(مشترك)؛ فيلزم من [تحريم] (٢) نفسه عليها تحريمها له؛ لاستحالة أن يكون الشخص الواحد حلالا لمن [هو] (٣) حرام.
(إضافتهما)؛ أي: إضافة الإبانة والتحريم.
(إليهما) إلى الزوج والزوجة.
(ولا تصح إضافة الطلاق إلا) إلى المرأة؛ لما أنه لرفع القيد، والقيد عليها لا عليه.
стр. 2945
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَة أَوْ لَا، فَلَيْسَ بِشَيء). قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَاف، وَهَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا. وَعَلَى قَولِ مُحَمَّد وَهُوَ قَولُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلا: تَطلُقُ وَاحِدَة رَجْعِيَّة (*)، ذَكَرَ قَولَ مُحَمَّد فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِيمَا إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا شَيْءَ، وَلَا فَرقَ بَينَ المَسأَلَتَينِ.
وَلَو كَانَ المَذْكُورُ هَاهُنَا قَولَ الكُلِّ فَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ، لَهُ: أَنَّهُ أَدخَلَ الشَّكَ فِي الوَاحِدَةِ لِدُخُولِ كَلِمَةِ «أَوْ» بَيْنَهَا وَبَينَ النَّفْيِ، فَيَسقُطُ اعْتِبَارُ الوَاحِدَةِ وَيَبْقَى قَولُهُ: أَنتِ طَالِقٌ، بِخِلَافِ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ أو لا لِأَنَّهُ أَدخَلَ الشَّكَ فِي أَصل الإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الوَصفَ مَتَى قُرِنَ بِالعَدَدِ كَانَ الوُقُوعُ بِذِكرِ العَدَدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو قَالَ لِغَيرِ المَدخُولِ بِهَا: أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطلُقُ ثَلَاثًا، وَلَو كَانَ الوُقُوعُ بِالوَصفِ
قوله: (فليس بشيء) وكذا لو قال: أنت طالق أو لا، أو غير طالق؛ لا يقع شيء. وبه قال الشافعي (١)، ومالك، وأحمد (٢).
وعلى هذا الخلاف لو قال: أنت طالق ثلاثًا أو لا شيء.
(في كتاب الطلاق)؛ أي: طلاق المبسوط.
(ولا فرق بين المسألتين) وهي قوله: أنتِ طالق واحدة أو لا، وأنت طالق واحدة أو لا شيء؛ أي: لا فرق بينهما في حق التردد في الإيقاع أو في حق الوضع.
فـ (المذكور هاهنا) أي: في الجامع الصغير.
(له)؛ أي: لمحمد.
(أنه)؛ أي: الزوج.
(أدخل الشك في الواحدة) إلى آخره.
стр. 2946
لَلَغَا ذِكرُ الثَّلَاثِ، وَهَذَا لِأَنَّ الوَاقِعَ فِي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ المَنعُوتُ المَحذُوفُ،
ومَعْنَاهُ: أَنتِ طَالِقٌ تَطلِيقَة وَاحِدَة عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا كَانَ الْوَاقِعُ مَا كَانَ العَدَدُ نَعنَا لَهُ كَانَ الشَّكُ دَاخِلًا فِي أَصلِ الإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ. (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ مَعَ مَوتِي أَوْ مَعَ مَوتِكَ: فَلَيْسَ بِشَيْء) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى حَالَةِ مُنَافِيَة لَهُ،
(للغا ذكر الثلاث) (١)؛ ولهذا لو قال: أنتِ طالق واحدة إن شاء الله؛ لا يقع شيء، فـ لو كان الوقوع بالوصف كان قوله: واحدة؛ فاصلا بين الاستثناء والمستثنى منه، فينبغي أن لا يعمل الاستثناء.
ولهذا لو صادفها العدد وهي ميتة؛ لا يقع سواء كان ثلاثًا أو واحدة.
فإذا كان [الوقوع] (٢) بالعدد؛ وهو: الواحدة مثلا.
فلو أدخل الشك في الواحدة؛ تلغو الواحدة.
وقوله: (أنت طالق) (فلا يقع شيء) إلى آخر ما ذكر في المتن.
وإنما أطلق على الواحدة اسم العدد؛ لأنها أصل [العدد] (٣).
والمراد بـ الوصف قوله: (أنت طالق).
(فليس بشيء)؛ أي: هذا القول؛ حتى لا يقع به طلاق. وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦).
قوله: (منافية له)؛ أي: للطلاق؛ لأن معنى قوله (مع موتي): بعد موتي؛ لأن الطلاق معلق بوجود الموت؛ فصار الموت شرطًا، كما قال: أنت طالق مع
стр. 2947
لِأَنَّ مَوتَهُ يُنَافِي الأَهْلِيَّةَ وَمَوتَهَا يُنَافِي المَحَلِّيَّةَ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا.
(وَإِذَا مَلَكَ الزَوْجُ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقصًا مِنهَا أَوْ مَلَكَت المَرأَةُ زَوجَهَا أَوْ شِقصًا مِنهُ وَقَعَت الفُرْقَةُ) لِلمُنَافَاةِ بَينَ المِلكَينِ. أَمَّا مِلكُهَا إِيَّاهُ فَلِلاجْتِمَاعِ بَينَ المَالِكِيَّةِ وَالمَملُوكِيَّة، وَأَمَّا مِلكُهُ إِيَّاهَا فَلِأَنَّ مِلكَ النِّكَاحِ ضَرُورِيٌّ وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ قِيَامِ مِلكِ اليَمِينِ فَيَنتَفِي النِّكَاحُ (وَلَو اشْتَرَاهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَم يَقَع شَيْءٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَدعِي قِيَامَ النِّكَاحِ، وَلَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ المُنَافِي، لَا مِنْ وَجْه وَلَا مِنْ كُلِّ وَجهِ، وَكَذَا إِذَا مَلَكَتَهُ أَوْ
دخولك الدار، والجزاء يعقب الشرط؛ فكان هذا إيقاعًا له بعد الموت، ولا ملك بعد الموت. (ملك النكاح ضروري)؛ لأن إثبات الملك على الحرة على خلاف القياس، وإنما يثبت ضرورة الحل؛ لبقاء النسل.
ولما طرأ عليه ملك اليمين (١) - وهو: الحل القوي؛ ينتفي الحل الضعيف. وفي تملك الشقص (٢) وإن كان لا يثبت الحل ولكن يثبت الملك؛ فقام مقام الحل؛ لأنه دليل عليه بخلاف المكاتب إذا اشترى منكوحته حيث لا يبطل النكاح؛ لأن الثابت له [في] (٣) كسبه حق الملك، وحق الملك لا يمنع بقاء النكاح.
[(ولا بقاء له)؛ أي: للنكاح] (٤).
(مع المنافي لا من وجه)؛ أي: من حيث العدة.
(ولا من كل وجه)؛ أي: من حيث ملك النكاح. وبه قال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧)، والظاهرية (٨).
стр. 2948
شقصًا مِنهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِمَا قُلْنَا مِنْ المُنَافَاةِ. وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّ العِدَّةَ وَاجِبَةٌ (*). بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ هُنَاكَ حَتَّى حَلَّ وَطَؤُهَا لَهُ.
(وَإِذَا قَالَ لَهَا وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ: أَنتِ طَالِقٌ لِنتَينِ مَعَ عِنقِ مَولَاكَ إِيَّاكَ فَأَعْتَقَهَا مَولَاهَا مَلَكَ الزَّوجُ الرَّجِعَةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطلِيقَ بِالإِعتاق أو العتقِ، لِأَنَّ اللَّفظ
وعن الشعبي والنخعي: لو ملكت زوجها فأعتقته حين ملكته؛ كانا على نكاحهما. وأجمعوا على بطلان نكاحها لو ملكها زوجها (١).
وللجمهور أن بين الملكين منافاة؛ فلا بقاء للمنافي مع منافيه.
(الفصل الأول) وهو إذا ملك الزوج امرأته.
(لأنه لا عدة)؛ أي: في حق مولاها الذي ملكها.
وفي الكافي: فإن قيل: أليس لا يجوز له التزويج وهذا دليل على وجوب العدة؟
قلنا: قد قالوا (لا عدة عليها)؛ بدليل أنه لو زوجها من آخر جاز.
والصحيح أنه لا يجوز تزويجها من آخر، فعلم أنه لا تجب العدة عليها في حق من اشتراها.
وفي حق غيره روايتان، وهذا لأن العدة إنما تجب لاستبراء رحمها من ماء نفسه مع بقاء السبب الموجب لحل الوطء (٢).
قوله: (مع عتق مولاك)؛ أي: إعتاق؛ فاستعير الحكم لغلبته؛ لأن العتق حكم الإعتاق، والدليل عليه أنه قال بعده: (علق التطليق بالإعتاق).
ولأن الإعتاق يضاف حقيقة إلى المولى لا العتق.
(أو العتق)؛ أي: العتق الحاصل بإعتاق المولى.
(لأن اللفظ) وهو قوله: (مع عتق مولاك) ينتظم الإعتاق والعتق؛ أي: على طريق البدل لا الشمول؛ لاستحالة اجتماع الحقيقة والمجاز مرادين.
стр. 2949
يَنتَظِمُهُمَا وَالشَّرطُ مَا يَكُونُ مَعدُومًا عَلَى خَطَرِ الوُجُودِ وَلِلحُكمِ تَعَلُّقٌ بِهِ، وَالمَذْكُورُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالمُعَلَّقُ بِهِ التَّطلِيقُ، لِأَنَّ فِي التَّعلِيقَاتِ يَصِيرُ التَّصَرُّفُ تَطلِيقًا عِنْدَ الشَّرطِ عِندَنَا، وَإِذَا كَانَ التَّطلِيقُ مُعَلَّقًا بِالإِعْتَاقِ أَوْ العِتْقِ يُوجَدُ بَعدَهُ ثُمَّ الطَّلَاقُ يُوجَدُ بَعدَ التَّطلِيقِ، فَيَكُونَ الطَّلَاقُ مُتَأَخِّرًا عَنْ العِتقِ فَيُصَادِفَهَا وَهِيَ حُرَّة فَلَا تَحْرُمُ حُرمَة غَلِيظَة
(والشرط: ما يكون معدومًا على خطر الوجود)، والعتق والإعتاق بهذه المثابة، وإنما قلنا: أن العتق شرط؛ لأنه جعل التطليق متصلا بالعتق، وذلك التعلق [إما] (١) أن يكون تعلق العلة بالمعلول، أو الشرط في المشروط.
والإعتاق أو العتق لا يكون علة لتطليق الزوج، وكذا تطليق الزوج لا يكون علة لإعتاق المولى أو للعتق الحاصل منه فتعين أنه تعلق الشرط بالمشروط والإعتاق أو العتق معدوم على خطر الوجود وللطلاق تعلق به، والمعلق به التطليق لا الطلاق عندنا؛ لما قرر في الأصول أن أثر التعليق في منع السبب لا في منع الحكم عندنا.
(وإذا كان التطليق معلقا بالإعتاق أو العتق يوجد بعده)؛ لأن المشروط مع الشرط يتعاقبان.
(فيصادفها) التطليق (وهي حرة؛ فلا تحرم حرمة غليظة) بالطلقتين.
وعند الشافعي (٢): العتق والطلاق وقعا معًا، فلم يكن رجعيا في أظهر قوليه بعد وقوع الطلاق؛ لكن عنده صورة المسألة فيما إذا قال العبد لامرأته: أنتِ طالق مع عتق مولاي إياي؛ لأن عنده اعتبار الطلاق [بالرجال] (٣). وبه قال مالك، وأحمد (٤).
وفي قول عنه: [تحرم] (٥) حرمة غليظة؛ لأن العتق لم يتقدم وقوع الطلاق؛
стр. 2950
بِالثّنتَينِ. بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ «مَعَ» لِلقِرَانِ. قُلْنَا: قَدْ تُذكَرُ لِلتَّأَخُرِ كَمَا فِي قَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٦] فَتُحْمَلَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعنَى الشرط.
فصار كما لو طلقها اثنتين ثم عتق.
وفي الكافي: ذكر في الهداية: (لأنه علق التطليق بالإعتاق أو بالعتق) (١) إلى آخره، وهو مشكل؛ لأنه أريد به الإعتاق هاهنا واستعير الحكم عن علته؛ ألا ترى [إلى] (٢) قوله: إياك، ولا تستعمل ذلك إلا في الفعل المتعدي (٣).
قيل في جوابه: ليس بمشكل؛ لأنه لما علق التطليق بالإعتاق يلزم منه تعليقه بالعتق الحاصل من الإعتاق، وقد بينا أن كل واحد يصلح شرطا؛ إذ كل واحد منهما على خطر الوجود، ويكون معنى قوله: (مع عتق مولاك إياك) مع العتق الحاصل من إعتاق مولاك إياك؛ فلهذا ردد المصنف قوله: (علق التطليق بالإعتاق أو العتق).
قوله: (بقى شيء)؛ أي: إشكال.
(وهو أن كلمة " مع " للقران) عند أرباب اللسان (قلنا: قد تذكر)؛ أي: مع (للتأخر)؛ أي: بمعنى البعدية، (كما في قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح ٦])؛ لأنه لا يمكن المعيَّة بين العسر واليسر؛ للتضاد بينهما؛ فيحمل على ذلك؛ لأن قوله: (مع عتق مولاك إياك) (٤) محكم في معنى الشرطية؛ لما ذكر، فيحمل المحتمل على المحكم. وهذا معنى قوله: (فتحمل عليه بدليل) إلى آخره.
فإن قيل: ينتقض هذا بما ذكر في الجامع بقوله لامرأته: (أنت طالق مع نكاحك)؛ حيث لم يصح، ولم يصر بمعنى الشرط؛ فينبغي أن يكون كذلك كما في قوله: مع عتق إلى آخره.
قلنا: العدول عن حقيقة معنى القرآن باعتبار أنه مالك للتطليق تنجيزًا وتعليقا؛ فكان من ضرورة كلامه أن يُحمل بمعنى الشرط، أما هاهنا لم يملك الطلاق،
стр. 2951
(وَلو قَالَ: إِذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنتِ طَالِقٌ لِنتَينِ، وَقَالَ المَولَى: إِذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنتِ حُرَّةٌ، فَجَاءَ الغَدُ لَم تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيْرَهُ، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: زَوجُهَا يَمْلِكُ الرَّجَعَةَ عليها) (*)، لِأَنَّ الزَّوجَ قَرَنَ الإِيقَاعَ بِإِعْتَاقِ المَولَى حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالشَّرطِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ المَولَى العِيقَ، وَإِنَّمَا يَنعَقِدُ المُعَلَّقُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرطِ، وَالعِيقُ يُقَارِنُ الإِعْتَاقَ، لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ وأَصلُهُ
والطلاق مع النكاح يتنافيان؛ فلا يلزم العدول عن معنى القرآن؛ فيلغو ضرورة.
وهذا الجواب لم يتضح لي؛ لأنه يملك تعليق الطلاق بالنكاح؛ فيمكن تصحيح كلامه على اعتبار معنى الشرط؛ فينبغي أن يحمل عليه.
قوله: (وقال محمد: زوجها يملك الرجعة)؛ يعني: لا تحرم حرمة غليظة، وللشافعي قولان كما في المسألة المتقدمة؛ لكن صورة المسألة في العبد عنده [كما ذكرنا] (١).
وفي الكافي: لم يذكر الاختلاف على رواية أبي سليمان.
(والعتق يقارن الإعتاق، لأنه)؛ أي: الإعتاق.
(علته)؛ أي: علة العتق، والعلة مع المعلول يقترنان عند الجمهور؛ كالاستطاعة مع الفعل، وعند البعض يتعاقبان في العلل الشرعية، والتصرفات الشرعية بمنزلة الجواهر؛ ولهذا يقال: ويفسخ، أما الاستطاعة عرض لا بقاء بها، بخلاف الاستطاعة مع الفعل.
قيل: لا يتضح كلام محمد هاهنا، إلا أن يوصف حكم العلة بالتأخر عن العلة؛ كما هو مذهب البعض. كما وصفه شمس الأئمة في مسألة (أنت طالق مع عتق) (٢) إلى آخره.
ولكن لو قال: يلزم قران الإعتاق بالتطليق، وقران العتق بوقوع الطلاق، فوقع الطلاق وهي أمة؛ قلنا: يعمل بالاحتياط، فإنه لو قلنا بتأخر العتق عن التطليق؛ تلزمه الحرمة الغليظة.
стр. 2952
الاسْتِطَاعَةُ مَعَ الفِعْلِ، فَيَكُونُ التَّطلِيقُ مُقَارِنَا لِلعِتقِ ضَرُورَةٌ فَتَطْلُقُ بَعدَ العِيقِ فَصَارَ كَالمَسأَلَةِ الأُولَى، وَلِهَذَا تُقَدَّرُ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَض.
وَلَهُمَا: أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَا عَلَّقَ بِهِ المَولَى العِتقَ، ثُمَّ العِلْقُ يُصَادِفُهَا وَهِيَ أَمَةٌ، فَكَذَا الطَّلَاقُ، وَالطَّلقَتَانِ تُحَرِّمَانِ الأَمَةَ حُرمَة غَلِيظَة، بِخِلَافِ المَسأَلَةِ الأُولَى، لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطلِيقَ بِإِعْتَاقِ المَولَى فَيَقَعَ الطَّلَاقُ بَعدَ العِتقِ عَلَى مَا قَرَّرَنَاهُ، وَبِخِلَافِ العِدَّةِ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالاحْتِيَاطِ، وَكَذَا الحُرمَةُ الغَلِيظَةُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَلَا وَجْهَ إِلَى مَا قَالَ: لِأَنَّ العِتَقَ لَو كَانَ يُقَارِنُ الإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَالطَّلَاقُ يُقَارِنُ التَّطلِيقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَيَقْتَرِنَانِ.
وإن قلنا بتأخر الطلاق عن الإعتاق على الوجه الذي قلنا؛ لا يلزم، ولم يكن لازمه قبل هذا؛ فلا يلزم بالشك، وفيه نوع تأمل.
لمحمد وجهان صحيحان ذكره في الفوائد الظهيرية:
أحدهما: أن قوله: أنت حر، أو جزء من قوله: أنت طالق، والتطليق والإعتاق يوجدان في زمان واحد؛ فيتقدم أو جزءهما في الوجود؛ فيقع الطلاق بعد العتق.
والثاني: أن حكم الإعتاق وهو العتق- أسرع ثبوتًا؛ لأنه مندوب والطلاق محظور على ما عليه الأصل؛ فيلزم تقدم العتق على الطلاق؛ ألا ترى أن البيع الصحيح أسرع نفوذًا من البيع الفاسد؛ حتى لا يحتاج في إثبات الملك إلى القبض بخلاف البيع الفاسد.
(لأنه)؛ أي: الشأن؛ الأخذ في العدة بالاحتياط، أو العدة على تأويل التربص.
ولأن العدة تجب بعد وقوع الطلاق، وهي بعده حرة فيفترقان -أي: العتق مع الطلاق-، والإعتاق مع التطليق.
واعتبار الأوجز في الإرسال لا في التعليق؛ لأن في التعليق: الوقوع عند وجود الشرط بعد التكلم بهما، ولم يبق الطلاق مبغوضًا محذورًا عند الحاجة؛ فلم يكن العتق أسرع ثبوتا منه.
стр. 2953
فَصْلٌ فِي تَشْبِيهِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ هَكَذَا يُشِيرُ بِالإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّ الإِشَارَةَ بِالأَصَابِع تُفِيدُ العِلمَ بِالعَدَدِ فِي مَجْرَى العَادَةِ إِذَا اقْتَرَنَت بِالعَدَدِ المُبْهَمِ، قَالَ ﵊: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» الحَدِيثَ، وَإِنْ أَشَارَ بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَشَارَ بِثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثِنْتَانِ لِمَا قُلْنَا، وَالإِشَارَةُ تَقَعُ
فصل في تشبيه الطلاق ووصفه
اعلم إنه طعن بعض الناس على [محمد] (١) وقال: إن السبابة اسم جاهلي، والاسم (٢) الشرعي المُسَبِّحة.
قيل في جوابه: كُتِبَ في بعض النسخ السباحة.
ولأن السبابة وردت في الحديث عن ابن عمر أنه ﵇: «أدخل السَّبَّابَتَيْنِ في أُذُنَيْهِ» (٣) في صفة الطهورية (٤).
ولأن في الأسماء الأعلام لا يوجب تحقيق معانيها في المسميات بالإجماع. كذا في جامع فخر الإسلام.
وفي الفوائد الظهيرية: لا فرق بين الإشارة بالإصبع التي اعتاد الناس الإشارة بها، وبين الإصبع الآخر؛ لما قلنا، وهو: أن الإشارة إذا اقترنت بالعدد المبهم؛ تفيد العلم عادة بإجماع الأمة والسنة.
وفي المبسوط: أنه ﵇ قال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس في المرة الثالثة إبهامه» فكان بيانًا أن الشهر تسعة وعشرين يوما، ولا خلاف في المسألة للفقهاء.
والإشارة تقع بالمنشورة منها لا بالمضمومة؛ لاعتبار العرف والعادة؛ ألا
стр. 2954
بِالمَنشُورَةِ مِنهَا، وَقِيلَ: إِذَا أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَبِالمَضمُومَةِ مِنهَا، وَإِذَا كَانَ تَقَعُ الإِشَارَةُ بِالمَنشُورَةِ مِنهَا فَلَو نَوَى الإِشَارَةَ بِالمَضمُومَتَينِ يُصَدَّقُ دِيَانَةِ لَا قَضَاء، وَكَذَا إِذَا نَوَى الإِشَارَةَ بِالكَفِّ حَتَّى يَقَعَ فِي الأُولَى: ثِنْتَانِ دِيَانَة، وَفِي الثَّانِيَةِ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ،
ترى أنه ﵇ خنس إبهامه في المرة الثالثة وفهم منه تسعة وعشرون يومًا، ولو اعتبر المقبوض لكان المفهوم إحدى وعشرون يوما (١).
(فبالمضمومة منها)؛ أي: من الأصابع.
(يصدق ديانة لا قضاء)، وبه قال الشافعي (٢)؛ لأنه كما وجدت الإشارة بالمنشورة وجدت بالمعقودة إلا أنه خلاف الظاهر؛ لأن الإشارة المعهودة فيما بين الناس في بيان العدد المبهم بالأصابع المنشورة لا المضمومة ولا بالكف، فإذا ادعى ذلك فقد ادعى خلاف الظاهر؛ فلا يصدق قضاء. كذا في مبسوط فخر الإسلام (٣)، وصورة الإشارة بالكف: أن تكون جميع الأصابع منشورة.
(يقع في الأولى)؛ أي: في المضمومتين.
(وفي الثانية)؛ أي: الإشارة بالكف.
[(واحدة)] (٤)؛ يعني: يصدق ديانة، حتى تقع واحدة لا قضاء؛ حتى يطلق ثلاثا في القضاء.
وفي المبسوط: وبعض المتأخرين قالوا: لو جعل ظهر الكف إليها والأصابع المنشورة إلى نفسه دين في القضاء؛ لأن الظاهر شاهد له، والعادة الإشارة ببطون الأصابع إلى المخاطب لا إلى نفسه.
حتى لو جعل ظهر الكف إلى نفسه وبطون الأصابع إليها؛ لا يصدق في القضاء (٥).
стр. 2955
وَلَو لَم يَقُل هَكَذَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ لَم يَقْتَرِن بِالعَدَدِ المُبْهَمِ فَبَقِيَ الاعْتِبَارُ بِقَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ وَإِذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِضَرب مِنْ الشِّدَّةِ، أَوْ الزِّيَادَةِ كَانَ بَائِنَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَلبَتَّةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ رَجِعِيًّا إِذَا كَانَ بَعدَ الدُّخُولِ بِهَا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ شُرِعَ مُعَقِّباً لِلرَّجِعَةِ.
وذكر الإمام التمرتاشي قيل: لو كان باطن كفه إلى السماء؛ فالعبرة للنشر، وإن كان إلى الأرض فالعبرة للضم.
وقيل: إن كان نشرًا عن ضم فالعبرة للنشر، وإن كان ضما عن نشر؛ فالعبرة للضم للعادة (١).
قوله: (ولم يقل هكذا)؛ يعني أشار بأصابعه فقال: أنت طالق، ولم يقل هكذا؛ تقع واحدة. وبه قال الشافعي (٢) عند عدم النية؛ لأن الإشارة إنما اعتبرت تفسيرًا إذا اقترنت بالعدد المبهم، ولم يوجد هاهنا؛ فبقي قوله: أنت طالق، وهو لا يحتمل العدد؛ فلا تقع إلا واحدة. إليه أشير في مبسوط فخر الإسلام (٣).
قوله: (وقال الشافعي: يقع رجعيًا) (٤)، وهو قول مالك (٥)، وأحمد (٦).
(إذا كان بعد الدخول)، وإن كان قبل الدخول؛ بائن بالإجماع.
وبعد الدخول البينونة عند الشافعي: بالخلع (٧).
(شرع معقبًا للرجعة) بالنص والإجماع؛ فلما قال: بائن؛ فقد أراد تغيير المشروع فيرد عليه، كما لو قال: أعرتك عارية لا رد فيها، أو وهبتك هبة موجبة للملك قبل القبض، أو ألّا رجوع لي عليك على أصلكم، أو قال: أنت
стр. 2956
فَكَانَ وَصفُهُ بِالبَينُونَةِ خِلَافَ المَشرُوعِ فَيَلغُو، كَمَا إِذَا قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ لَا رَجَعَةَ لِي عَلَيْكَ. وَلَنَا: أَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا يَحتَمِلُهُ لَفظُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ البَينُونَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَبَعدَ العِدَّةِ تَحْصُلُ بِهِ فَيَكُونُ هَذَا الوَصفُ لِتَعيِينِ أَحَدِ المُحْتَمَلَيْنِ، وَمَسأَلَةُ الرَّجِعَةِ مَمْنُوعَةٌ فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إِذَا لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى الثَّنْتَيْنِ. أَمَّا إِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاتُ.
طالق على ألا رجعة لي عليك.
وإنما تنقطع الرجعة بما علق الله تعالى أن نقطع به؛ بأن يجعله ببدل أو يطلقها ثلاثا.
(ولنا: أنه)؛ أي: الزوج.
(وصفه بما يحتمله)؛ وهي: البينونة؛ ولهذا تثبت البينونة به قبل الدخول وبعد انقضاء العدة بالطلاق؛ لأنه لا تأثير للأجل في ثبوت البينونة، وهذا لأن الأصل في الطلاق أن يكون موجبًا للبينونة؛ لأنه لرفع النكاح وقطعه.
والأصل أن السبب إذا انعقد تعجل حكمه، إلا أن النص ورد بالتأجيل إلى انقضاء العدة في صريح الطلاق إذا لم تتصف بالبينونة، فبقي ما وراءه على قضية القياس، وثبت أنا لا نعبر حكم الشرع بتحليل الإبانة؛ بل يقرر الحكم الأصلي، ويقصر هذا العارض الذي فيه الخيار على ما ورد فيه النص.
(فتقع واحدة بائنة: إن لم تكن نية، أو نوى الثنتين).
(وإذا نوى الثلاث فثلاث؛ لما مر).
فإن قيل: ينتقض هذا بما إذا قال: أنتِ طالق، ونوى البينونة أو الثلاث؛ حيث لا يصح بالإجماع؛ فينبغي أن تصح لأنها محتملة.
قلنا: النية تصلح للملفوظ والبينونة ما صارت ملفوظة بقوله: أنت طالق بائن، فإن البينونة ملفوظة.
ولكن في هذا الجواب نوع ضعف؛ لأنه ذكر في المبسوط أن قوله: أنتِ طالق محتمل المبين وغير المُبيّن، فكان قوله: بائنا تعيين أحد محتمليه (١).
стр. 2957
لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَو عَنَى بِقَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَة وَبِقَولِهِ بَائِنٌ أَوْ أَلبَتَّةَ أُخرَى تَقَعُ تَطلِيقَتَانِ بَائِنَتَانِ، لِأَنَّ هَذَا الوَصفَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الإِيقَاعِ.
إلا أن يقال: لا يحتمله بطريق الحقيقة؛ لكن يحتمله بطريق المجاز، ولابد للمجاز من نية. وبهذا لا يندفع السؤال.
فإن قيل: بائن صفة المرأة لا صفة الطلاق، فكيف يكون واصفًا لقوله طالق؟.
قلنا: المراد بقوله " بائن ": أنت بائن؛ أي: أنتِ طلقة بائنة فيكون واصفًا للطلاق البينونة. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
(ومسألة الرجعة ممنوعة)؛ يعني: تقع واحدة بائنة فيها.
ولئن سلم بالفرق أن في قوله: ألّا رجعة؛ صريح بنفي المشروع، وفي مسألتنا وصفه بالبينونة وما نفي الرجعة جميعًا صريحًا؛ لكن يلزم منها نفي الرجعة ضمنًا، وكم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا. كذا سمعته من شيخي العلامة رحمه الله تعالى.
(لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ)؛ أي: في باب إيقاع الطلاق؛ بقوله: ونحن نقول نية الثلاث إنما صحت لكونها جنسًا آخر.
(تقع تطليقتان بائنتان) وقياس قول الشافعي: ينبغي أن تقع تطليقتان رجعيتان.
(لأن هذا الوصف) وهو بائن، أو النية.
(يصلح لابتداء الإيقاع) بأن قال: أنت، بائن أو أنت ألبتة، ونوى به الطلاق؛ يصح ويقع، فكذا إذا نوى بلفظ البتة تطليقة أخرى.
فكأن قوله: بائن أو البتة خبرًا بعد خبر؛ فصار كأنه قال: أنت طالق أنت بائن.
وكان ينبغي أن تكون إحداهما رجعية عملا بقوله: أنت طالق، إلا أنا جعلناها بائنة؛ لعدم الإمكان؛ لأن الثاني يكون بائنا لا محالة عندنا، فيكون الأول ثابتًا ضرورة؛ إذ لا يتصور بقاء الأول رجعيا إذا صار الثاني بائنا. وكذا الحكم في كل كناية مقرونة بقوله: أنت طالق.
стр. 2958
(وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ أَفحَشَ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوصَفُ بِهَذَا الوَصفِ بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ وَهُوَ البَينُونَةُ فِي الحَالِ، فَصَارَ كَقَولِهِ بَائِنٌ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَخْبَثَ الطَّلَاقِ أَوْ أَسْوَأَهُ) لِمَا ذَكَرنَا، وَكَذَا إِذَا قَالَ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ أَوْ طَلَاقَ البِدْعَةِ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ هُوَ
فإن قيل: إنما تقع ثنتان إذا ذكرت حرف الواو.
قيل: في جوابه أن الواو للعطف، ولا يبقى غير الواو دليلًا للعطف، وقد دل الدليل على العطف هاهنا، وأن البائن صفة؛ فلابد من إدراج الموصوف، فيدرج المبتدأ، وهو: أنتِ فيصير تقديره: أنتِ بائن؛ تصحيحا لنيته.
قوله: (وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ) أو أعظمه؛ لما ذكرنا: أن معنى (١) هذه الأوصاف يظهر في الحكم. كذا في المبسوط.
أو أشد الطلاق؛ عطف على قوله: أنت طالق بائن في الأحكام كلها؛ حتى تقع واحدة بائنة بلا نية وبنية الثنتين، وتقع ثلاث بنية الثلاث.
ولو نوى بقوله: أنت طالق واحدة، وبقوله: أفحش الطلاق أخرى؛ تصح نيته. وكذا الجواب في قوله: أشد الطلاق أو أخبثه أو أكبره.
قوله: (باعتبار أثره)؛ أي: أثر الطلاق لا باعتبار ذاته؛ لأن ذاته لا توصف بهذه الأوصاف؛ أعني: الشدة، والفحش والخبث، والسوء، والعظم، والكبر؛ لأن الطلاق ليس بمحسوس ولا بذي هيئة حتى تكون وصفا لذاته.
وغير المحسوس يعرف بأثره؛ فتكون هذه الأوصاف لأثره، ومن شدة أثره وفحشه وخبثه وكبره وعظمه أن يكون قاطعًا للنكاح في الحال، فصار كأنه تلفظ بالبائن.
لأن أفعل التفضيل: لبيان أصل التفاوت، وذلك في الواحدة البائنة؛ لأنها أشد حكمًا وأفحش من الرجعية، وقد يذكر البيان نهاية التفاوت؛ وذلك في الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى محتمل كلامه؛ فصحت، وإن لم تكن له نية؛ تنصرف إلى الأدنى؛ لأنه المتيقن.
стр. 2959
السُّنِّيُّ فَيَكُونُ قَولُهُ: (البِدْعَةُ وَطَلَاقُ الشَّيْطَانِ) بَائِنَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ لِلبِدْعَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِنَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ البِدعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ حَيثُ الإِيقَاعُ فِي حَالَةِ حَيضِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّد أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ لِلبِدْعَةِ أَوْ طَلَاقِ الشَّيْطَانِ يَكُونُ رَجِعِيًّا، لِأَنَّ هَذَا الوَصفَ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِالطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الحَيضِ،.
فإن قيل: "أفحش" أفعل التفضيل، فينبغي (١) أن يكون هناك فاحشا.
قلنا: هذا الوزن مشترك بين التفضيل وبين مجرد الإثبات، فيحمل على مجرد الإثبات؛ لأن طالق لا تحتمل طالقان، ولأن هذا متيقن. كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
قوله: (لأن البدعة قد تكون) إلى آخره؛ اعلم أن عند الشافعي في قوله: أنتِ طالق للبدعة، أو طلاق بدعة، أو أسمجه، أو أفضحه، أو أفحشه، أو أخبثه، أو شر الطلاق، وما أشبه ذلك؛ يقع طلاق رجعي في الحال إذا كانت المرأة حائضا أو نفساء، ولو كانت في حال السنة لا يقع شيء حتى ينتهي إلى حال البدعة وهي حالة الحيض أو الظهر الذي وقع الجماع فيه؛ لأن الطلاق يوصف بالبدعة وغيره من الأوصاف في حالة الحيض أو الطهر الذي وقع الجماع فيه (٣).
لأن عنده لا يوصف الطلاق بالبينونة إلا في الخلع فلا تقع البينونة بهذه الأوصاف، فلا يقيده بحالة البدعة؛ لأن الطلاق في حالة البدعة يوصف بالبدعة مجازا؛ إذ البدعة في الإيقاع حقيقة لكونه منهيًا.
(لأن هذا الوصف)؛ أي: وصف البدعة والشيطان قد يكون في البائن؛ لأنه منهي عنه، وقد يكون في الطلاق في حالة الحيض؛ فيقع الشك فلا تثبت البينونة بالاحتمال.
ولو قال: أنت طالق أقبح الطلاق؛ فعند أبي يوسف: هو رجعي، وعند محمد: هو بائن.
стр. 2960
فَلَا تَثْبُتُ البَينُونَةُ بِالشَّكِّ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: كَالجَبَلِ) لِأَنَّ التَّسْبِيهَ بِهِ يُوجِبُ زِيَادَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَذَلِكَ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةِ الوَصفِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: مِثلَ الجَبَلِ لِمَا قُلْنَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رَجِعِيًّا، لِأَنَّ الجَبَلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَكَانَ تَشبِيها بِهِ فِي تَوَخُّدِهِ (وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ كَأَلف، أَوْ مِلءَ البَيتِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إِلَّا أَنْ يَنوِيَ ثَلَاثًا) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالشِّدَّةِ وَهُوَ البَائِنُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الانتِقَاضَ
وَجه قول محمد: أن الطلاق القبيح والمنهي عنه هو البائن.
وقال أبو يوسف: يحتمل القبيح الشرعي، وهو: الكراهة الشرعية، ويحتمل القبيح الطبيعي، وهو: الكراهة الطبيعية، وهو أن يطلقها في وقت يُكره الطلاق فيه طبعًا؛ (فلا تثبت البينونة بالشك).
(لأن التشبيه به)؛ أي: بالجبل.
(زيادة الوصف) وهو: البينونة؛ لما أنه لا يحتمل الزيادة من حيث العدد؛ لأنه ليس بذي عدد لكونه واحدًا في الذات؛ فيحمل على الزيادة التي ترجع إلى الوصف.
وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي (١)، وأحمد (٢): تقع رجعية في قوله: كالجبل، ومثل [الجبل] (٣).
(تشبيها به في توحده)؛ أي: توحيد الجبل، وهو تفريده عن العدد وعن الوصف، ويحتمل التشبيه في الصفة وهي العظم؛ فلا تقع البينونة بالشك (٤).
قلنا: يلغو تشبيهه؛ لما ذكرنا أن التشبيه يوجب الزيادة وهاهنا لم يثبت؛ فيلغو.
قوله: (وصفه)؛ أي: الطلاق.
(بالشدة)، وشدته تكون من حيث الحكم.
(وهو البائن) كما ذكرنا؛ لذكره المصدر وهو اسم جنس يحتمل الثلاث بلا وصف الشدة؛ فهاهنا أولى.
стр. 2961
وَالارْتِفَاضَ، أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَيَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِذِكرِهِ المَصْدَرَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَذَا التَّسْبِيهِ فِي القُوَّةِ تَارَة وَفِي العَدَدِ أُخرَى، يُقَالُ: هُوَ كَأَلْفِ رَجُلٍ، وَيُرَادُ بِهِ القُوَّةُ فَتَصِحُ نِيَّةُ الأَمْرَينِ، وَعِنْدَ فِقدَانِهَا يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، لِأَنَّهُ عَدَدٌ فَيُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي العَدَدِ ظَاهِرًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا
فإن قيل: ينبغي أن يتعين الثلاث بلا نية؛ لأنه قال: أنت طالق شديده؛ تقع البائن وأشد أقوى منه؛ فينبغي أن ينصرف إلى الثلاث بلا نية.
قُلنا: هذه الصيغة تَرِدُ مرةً لإثبات التفضيل، وطورا لبيان مجرد الإثبات، كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان؛ أي: عادلاهم فلا يجوز حمل مطلق اللفظ مع الاحتمال على الثلاث، وقد مرّ مثله في قوله: في أفحش الطلاق.
(وأما الثاني): وهو كألف؛ فلأنه الضمير للشأن.
(التشبيه في القوة) يقال: فلان كألف، وقولهم: رُب واحد يعدل ألفًا.
(ويراد به القوة) والعظم، وقوة الطلاق وعظمه في البينونة.
(نية الأمرين) وهما: العدد والقوة.
(وعند فقدانها)؛ أي: عند عدم النية.
يحمل على (أقلهما)؛ لأنه متيقن ولا يحمل على العدد بالشك.
(وعن محمد: أنه يقع الثلاث عند عدم النية؛ أي: نية الثلاث، وبه قال الشافعي (١).
(لأنه) أي قوله: أنت طالق.
(عدد فيراد به)؛ أي: بالألف، أو بهذه الكلمة.
(التشبيه) من حيث العدد ظاهرًا).
(فصار كما) لو نصّ على العدد؛ فقال: أنت طالق كعدد الألف، أو كقدر الألف، أو مثل عدد الألف، فلو قال ذلك؛ كان ثلاثًا، فكذا هذا.
وعلى هذا الخلاف لو قال: أنت طالق مثل الألف.
стр. 2962
قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ كَعَدَدِ أَلفٍ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَمْلَأُ البَيْتَ لِعِظَمِهِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ يَمْلَؤُهُ لِكَثرَتِهِ، فَأَيُّ ذَلِكَ نَوَى صَحَت نِيَّتُهُ، وَعِنْدَ انعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الأَقَلُّ. ثُمَّ
أما لو قال: أنت طالق واحدة كألف أو مثل ألف؛ فهي واحدة بائنة بالإجماع؛ لأنه لما نص على الواحدة عُلم أنه ما أراد التشبيه في العدد؛ فتعين التشبيه في الشدة والقوة، وذلك في البائن.
هذا في التشبيه بما هو ذو عدد.
أما لو شبهه بالعدد فيما لا عدد له: كالشمس والقمر والتراب، فقال: أنت طالق مثل عدد الشمس، أو كعدد الشمس؛ فهي واحدة بائنة في قياس أبي حنيفة؛ لأن التشبيه يقتضي ضربًا من الزيادة كما مر، ولا يمكن حمله على الزيادة في العدد، فيحمل على الزيادة في الصفة.
وقال أبو يوسف: هي واحدة رجعية، واختاره إمام الحرمين من أصحاب الشافعي؛ لأن التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغو، فبطل التشبيه وبقي قوله: أنت طالق فيقع به واحدة.
وقال محمد: يقع الثلاث. وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لأنه يراد به الكثرة.
وقالوا فيمن قال لها: أنت طالق عدد شعر راحتي، أو عدد ما على ظهر كفي من الشعر، وقد يحلق شعر ظهر كفه؛ طلقت واحدة لأنه شبه بما لا عدد له؛ لأنه علقه بوجود الشعر على الراحة أو على ظهر الكف للحال، وليس عليهما شعر للحال؛ فلا يتحقق التشبيه بالعدد؛ فيلغو.
وبقي قوله: أنت طالق؛ فيكون رجعيا.
ولو قال: عدد شعر رأسي، أو عدد شعر ظهري، وقد حلقه؛ وقعت ثلاثًا.
(وأما الثالث) وهو قوله: ملء البيت.
(فلأن الشيء قد يملأ) الشيء لغلظه (وقد يملأه لكثرته)؛ فيثبت الأقل لتيقنه عند عدم النية.
стр. 2963
الأَصلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ الطَّلَاقَ بِشَيْءٍ يَقَعُ بَائِنَا: أَيَّ شَيْءٍ كَانَ المُشَبَّهُ بِهِ ذَكَرَ العِظَمَ أَوْ لَم يَذكُر لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّسْبِيهَ يَقْتَضِي زِيَادَةَ وَصفٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: إِنْ ذَكَرَ العِظَمَ يَكُونُ بَائِنَا وَإِلَّا فَلَا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ المُشَبَّهُ بِهِ، لِأَنَّ التَّسْبِيهَ قَدْ يَكُونُ فِي التَّوحِيدِ عَلَى التَّجْرِيدِ. أَمَّا ذِكرُ العِظَمِ فَلِلزِّيَادَةِ لَا مَحَالَةَ. وَعِنْدَ زُفَرَ: إِنْ كَانَ المُشَبَّهُ بِهِ مِمَّا يُوصَفُ بِالعِظَمِ عِنْدَ النَّاسِ يَقَعُ بَائِنَا، وَإِلَّا فَهُوَ رَجِعِيٌّ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: مَعَ أَبِي يُوسُفَ (*). وَبَيَانُهُ فِي قَولِهِ: مِثْلُ رَأْسِ الإِبْرَةِ مِثْلُ عِظَمِ رَأْسِ الإِبْرَةِ وَمِثْلُ الجَبَلِ مِثْلُ عِظَمِ الجَبَلِ (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ تَطلِيقَة شَدِيدَة، أَوْ عَرِيضَة، أَوْ طَوِيلَة فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ يَسْتَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ البَائِنُ، وَمَا يَصعُبُ تَدَارُكُهُ يُقَالُ: لِهَذَا الأَمرِ طُولٌ وَعَرضُ (**).
وعند الشافعي (١) وأحمد (٢): تقع واحدة رجعية؛ لعدم ذكر العدد والتشبيه، ولا يوجب البينونة سواء كان التشبيه بالعظم أو بملء البيت وغيرهما.
(وإلا فلا)؛ أي: إن لم يذكر لفظ العِظَم، ولكن شبهه بشيء صغير حقير أو عظيم؛ لا يكون بائنا.
وزاد في الذخيرة وجامع البرهاني بأنه إذا لم يكن بذكر لفظ العظيم فإن كان المشبه به له حدّة؛ يكون بائنا، وإن لم تكن له حدة؛ يكون رجعيا، فعلى هذا التشبيه برأس الإبرة تكون واحدة بائنة عند أبي يوسف (٣).
قوله: (بيانه)؛ أي: بيان هذا الخلاف.
(في قوله: مثل رأس الإبرة)؛ أي: أنتِ طالق مثل: رأس الإبرة، أو مثل حبة خردل أو سمسم؛ تقع واحدة بائنة عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف وزفر: رجعية.
ولو قال: (مثل عظم رأس الإبرة) أو عظم حبة خردل، أو عظم سمسم؛ تقع بائنة عند أبي حنيفة.
стр. 2964
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا رَجْعِيَّة لِأَنَّ هَذَا الوَصفَ لَا يَلِيقُ بِهِ فَيَلغُو (*)، وَلَو نَوَى الثَّلَاثَ فِي هَذِهِ الفُصُولِ صَحَت نِيَّتُهُ لِتَنَوُّعِ البَينُونَةِ عَلَى مَا مَرَّ وَالْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ.
وعند أبي يوسف وزفر: رجعية.
أما عند أبي حنيفة؛ فلذكر التشبيه.
وأما عند أبي يوسف فلذكر العِظم.
وأما عند زفر؛ فلأنه ليس للمشبه به عظم.
ولو قال: مثل الجبل؛ تقع بائنة عند أبي حنيفة وزفر، ورجعية عند أبي يوسف.
ولو قال: مثل عظمه؛ تكون بائنة عند الكل، وعند الشافعي وأحمد تقع رجعية لما ذكرنا.
وفي جامع قاضي خان: ولو قال: أنت طالق مثل: الأساطين، أو الجبال، أو التراب: على قول أبي حنيفة ومحمد وزفر: تكون بائنا؛ لوجود أصل التشبيه عندهما.
ولعظم هذه الأشياء عند زفر وعند أبي يوسف: يكون رجعيا؛ لعدم ذكر لفظة العظم.
وعن أبي يوسف أنه يقع بها: رجعية. وبه قال: زفر، والشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لأن الطلاق لا يوصف بالطول والعرض فيلغو ذكر الوصف.
وقلنا: العرض والطول يقتضيان القوة بألا يحتمل الانتقاض كما ذكرنا.
ولو قال: أنت طالق من هنا إلى الشام؛ تقع رجعية عند الثلاثة، وبه قال: الشافعي (٣)، وأحمد (٤).
وقال زفر: تقع بائنة؛ لأنه وَصَفه بالطول، فصار كما لو قال: أنت طالق تطليقة طويلة.
وقلنا: لا بل وصفه بالقصر، والطلقة القصيرة هي الرجعية.
стр. 2965
فصلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَعْنَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الوَاقِعَ مَصْدَرٌ مَحذُوفٌ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَم يَكُنْ قَولُهُ: أَنتِ طَالِقٌ، إيقاعًا
[فصل في الطلاق قبل الدخول]
لما كان النكاح قبل الدخول؛ كان البيان بعده على الأصل، وقبله بالعوارض؛ فقدم الأصل على العوارض.
قوله: (وَقَعْنَ عَلَيْهَا)، وهذا عند عامة العلماء، وهو مذهب علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة (١).
وعند الحسن البصري وعطاء وجابر بن زيد: طالق واحدة؛ لأنها بقوله: أنت أنت طالق؛ تبين لا إلى عدة (٢).
وقوله: ثلاثًا يصادفها وهي مباينة؛ لأن قوله: أنت طالق بنفسه إيقاع؛ فصار كقوله: أنت طالق وطالق وطالق.
أما لو قال: أوقعت عليك ثلاث تطليقات؛ تقع ثلاث عند الكل.
ولنا: أنه متى ذكر العدد؛ فالموقع العدد لما مر، فكان العامل هو لا ذكر الوصف؛ ولهذا لو ماتت هي بعد قوله: أنت طالق قبل قوله ثلاثًا لا يقع شيء؛ وهذا لأن الصفة مع العدد صار الكلام واحدا في الحكم؛ لأن إيقاع الثلاث لا يتأتى بعبارة أوجز من هذا.
ولأن الثلاث صفة للطلاق الذي أوقعه والموصوف لا يوجد بدون وصفه، فصار ككلام واحد، والكلام الواحد لا يفصل بعضها عن بعض بخلاف قوله: أنت طالق وطالق؛ لأنها كلمات متفرقة. كذا في المبسوط (٣)؛ لما بينا في باب إيقاع الطلاق.
وقوله: (فلم يكن قوله: أنت طالق إيقاعًا) جواب عن قوله: أن قوله أنت طالق؛ إيقاع بنفسه.
стр. 2966
عَلَى حِدَةٍ فَيَقَعْنَ جُملَة (فَإِنْ فَرَّقَ الطَّلَاقَ بَانَت بِالأُولَى وَلَم تَقَعَ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ إِيقَاعٌ عَلَى حِدَةٍ، إِذَا
قوله: (فإن فرق الطلاق) إلى آخره.
اعلم أنه لو قال لغير الموطوءة: أنت طالق طالق طالق؛ تقع واحدة، وكذا لو ذكر بالواو. عند أكثر العلماء.
وحكي عن الشافعي في القديم: أنها تطلق ثلاثة (١).
وقال علي بن أبي هريرة من أصحابه: هذا قول آخر، وبه قال بن أبي ليلى والأوزاعي والليث ابن سعد وربيعة ومالك (٢).
وقال أحمد: لو ذكر بالواو تطلق ثلاثًا وفي غير الواو لا تطلق ثلاثًا كمذهب العامة؛ لأن المذكور بحرف الجمع كالمذكور بلفظ الجمع (٣).
وجه قول ابن أبي ليلى والأوزاعي ومتابعيهما: أن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة؛ فتقع الثلاث إذا كان المجلس واحدًا.
وقلنا: الواو للعطف المطلق، وليس في آخر كلامه ما يغير أوله من الشرط والاستثناء، وكل كلمة إيقاع على حدة؛ فبانت بالأول لعدم توقفه على شيء فلم يبق محلا للثانية والثالثة؛ لأنها مبانة غير معتدة بخلاف ما لو ذكر الشرط أو الاستثناء في آخر كلامه ما يغير موجب أوّله فيتوقف أوله على آخره.
أما قولهم: إن الجمع بحرف الجمع إلى آخره.
قلنا: نعم إذا صح الجمع، وهاهنا لم يصح؛ لأنها بانت بالأولى.
فإن قيل: ينبغي أن يتوقف أول الكلام على آخره ليتحقق الجمع.
قلنا: لو توقف لصار الواو للقران.
فإن قيل: لو لم يتوقف لصار للترتيب.
قلنا: الترتيب يحصل من ضرورة التكلم بكلمات متفرقة لا من الواو؛ بل
стр. 2967
لَم يَذْكُر فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ صَدرَهُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ، فَتَقَعُ الأُولَى فِي الحَالِ فَتُصَادِقُهَا الثَّانِيَةُ وَهِيَ مُبَانَةٌ (وَكَذَا إِذَا قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةٍ وَقَعَت وَاحِدَةٌ) لِمَا ذَكَرنَا أَنَّهَا بَانَت بِالأُولَى وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَت قَبلَ
هي لمطلق العطف لما ذكرنا، وهو أن كل واحدٍ إيقاع على حدة إلى آخره.
وقال مالك والليث وربيعة وأحمد والأوزاعي وابن ليلى: تقع الثلاث؛ لما ذكرنا أن الملفوظ بحرف الجمع كالملفوظ بلفظ الجمع.
وقد مر جوابه.
فإن قيل: ينتقض تعليلنا بقوله لغير الموطوءة: أنت طالق واحدة ونصفا، وبقوله: أنت طالق أحدًا وعشرين؛ حيث تقع الأولى ثنتان، وفي الثانية ثلاث مع أنه ذكر بالواو العاطفة، وليس في آخر كلامه ما يغير أوله.
وينتقض أيضًا بقوله: أنت طلاق ثلاثًا إن شئت واحدة وواحدة وواحدة؛ تطلق ثلاثا مع أنه ذكر بحرف العطف.
قلنا: القياس أن تقع واحدة في هاتين الصورتين أيضًا، كما قال زفر؛ لأن المراد كماله؛ ولكنا نقول: كله كلام واحد لا يعبر عن واحد ونصف أو جزء من هذا، فإن لواحدة ونصف عبارتين: أحدهما هذه، والثانية ثنتان إلا نصفا، وذلك لا يصير معلومًا إلا بالاستثناء، وهذا معلوم في نفسه أنه أوجز؛ فكان أولاهما.
بخلاف قوله: أنت طالق أحدًا وعشرين، أنه ليس لهذا العدد عبارة أو جزء من هذا، فصار الاسمان كاسم واحد، وصار كقوله: أَنْتِ طَالِقٌ أَحَدَ عَشَرَ، وهاهنا تطلق ثلاثا بالاتفاق فكذا هذا. كذا في المبسوط (١)، وفيه نوع تأمل.
وفي مسألة التعليق بمشيئتها: إنما تطلق ثلاثًا؛ لأن تمام الشرط بآخر كلامها، فما لم يتم الشرط لا ينزل الجزاء، فإذا ثم الشرط وقع الثلاث جملة، إليه أشير في المبسوط (٢).
وفيه: ثم عند أبي يوسف تبين بالأولى قبل الفراغ من الكلام الثاني، وعند
стр. 2968
قَوْلُهُ (وَاحِدَة كَانَ بَاطِلًا)؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ الْوَصْفَ بِالْعَدَدِ فَكَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدَ، فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَاتَ الْمَحَلُّ قَبْلَ الْإِيقَاعِ فَبَطَلَ. (وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِمَا بَيَّنَّا، وَهَذِهِ تُجَانِسُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
محمد: بعد الفراغ منه (١).
وفائدة الخلاف: تظهر فيمن مات قبل الفراغ فعنده يقع، خلافا لمحمد؛ لجواز أن يلحق بآخره شرط أو استثناء.
وهذا الخلاف إنما يتحقق عند العطف بالواو، فأما بدون الواو لا يتحقق الخلاف؛ لأنه لا يلحق به الشرط والاستثناء.
قوله: (إذا ماتت) قيد بموتها؛ لأن بموت الزوج قبل ذكر العدد تقع واحدة؛ لأن الزوج وصل لفظ الطلاق بذكر العدد في موتها، وذكر العدد حصل بعد موتها.
وفي موت الزوج ذكر لفظ الطلاق، ولم يتصل به ذكر العدد؛ فبقي قوله: أنت طالق، وهو عامل بنفسه في وقوع الطلاق؛ ألا ترى أنه لو قال لامرأته: أنت طالق، يريد أن يقول ثلاثا، فأخذ رجل فاه فلم يقل شيئا بعد ذكر الطلاق؛ تقع واحدة؛ لأن الوقوع بلفظه لا بقصده.
وفائدة وضع المسألة في غير الموطوءة مع أن الموطوءة كذلك: بيان أن تأثير هذا الإيجاب ما لم يظهر في ملك واه، وهو ملك النكاح قبل الدخول، فلأن لا يظهر في ملك مؤكد بالدخول أولى. كذا في الفوائد الظهيرية.
(لما بينا)، وهو: أن المحل فات قبل ذكر العدد.
(وهذه)؛ أي: المسائل الثلاث.
(تجانس ما قبلها)؛ أي: من أول الفصل إلى هنا من حيث التعليل، وهو أن المحل فات عند الإيقاع.
ولها مناسبة خاصة؛ كقوله: أنت طالق ثلاثا قبل الدخول بها؛ إذ الواقع هو العدد فيهما.
стр. 2969
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، قَبلَ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَت وَاحِدَةٌ)
وَالأَصلُ: أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا حَرفَ الطَّرفِ إِنْ قَرَنَهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ كَانَ صِفَةٌ لِلمَذْكُورِ آخِرًا كَقَولِهِ: جَاءَنِي زَيدٌ قَبْلَهُ عَمْرُو، وَإِنْ لَم يَقْرِنهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ كَانَ صِفَة لِلمَذْكُورِ أَوَّلًا كَقَولِهِ: جَاءَنِي زَيدٌ قَبْلَ عَمرو، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي المَاضِي إِيقَاعٌ فِي الحَالِ، لِأَنَّ الإِسْنَادَ لَيسَ فِي وُسِعِهِ فَالقَبلِيَّةُ فِي قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ صِفَةٌ لِلأُولَى فَتَبِينُ بِالأُولَى فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ، وَالبَعدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: بَعدَهَا وَاحِدَةٌ، صِفَةٌ لِلأَخِيرَةِ فَحَصَلَت الإِبَانَةُ بِالأُولَى (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبلَهَا وَاحِدَةٌ
لكن الأولى من حيث الصورة؛ لأنه ثمة يقع، وهاهنا لم يقع.
ثم لأصحاب الشافعي فيما إذا ماتت قبل ذكر العدد ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو اختيار المزني: أنه تقع واحدة في المسألة الأولى، وفي قصد الثنتين ثنتين، وفي قصد الثلاث الثلاث؛ لأن قوله: أنت طالق مع قصد الطلاق الثلاث أو الثنتين يقتضي وقوع ما قصد به.
وثانيها: أنه تقع واحدة بقوله: أنت طالق؛ لوقوع لفظ الطلاق الثلاث بعد الموت وخروجها عن المحلية.
وثالثها: أنه لا يقع شيء؛ كقولنا؛ لأن الكل كلام واحد لا يفصل بعضه عن بعض، واختار صاحب التهذيب الوجه الأول (١).
قال البوشنجي: الذي تقتضيه الفتوى أن نقول: إن نوى الثلاث بقوله: أنت طالق، وقصد تحقيقه به؛ تقع الثلاث، وإن لم يقصد؛ فلا تقع واحدة (٢).
وكذا في موته الأوجه الثلاثة (٣). كذا في شرح الوجيز (٤).
قوله: (ولو قال: أنتِ طالق واحدة قبل واحدة) إلى آخره.
اعلم أن عندنا: في "قبل"؛ معتبرا بكنايته.
стр. 2970
تَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ القَبْلِيَّةَ صِفَةٌ لِلثَّانِيَةِ، لِاِتِّصَالِهَا بِحَرفِ الْكِنَايَةِ فَاقْتَضَى إِيقَاعَهَا فِي المَاضِي وَإِيقَاعَ الأُولَى فِي الحَالِ، غَيْرَ أَنَّ الإِيقَاعَ فِي المَاضِي إِيقَاعٌ فِي الحَالِ أَيْضًا فَيَقْتَرِنَانِ فَيَقَعَانِ، (وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٍ بَعدَ وَاحِدَةٍ يَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ البَعدِيَّةَ صِفَةٌ لِلأُولَى فَاقْتَضَى إِيقَاعَ الوَاحِدَةِ فِي الحَالِ وَإِيقَاعَ الأُخرَى قَبْلَ هَذِهِ فَتَقْتَرِنَانِ فَيَقَعان (وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلقِرَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: مَعَهَا وَاحِدَةٌ أَنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الكِنَايَةَ تَقتَضِي سَبقَ المُكَنَّى عَنهُ لَا مَحَالَةَ، (وَفِي المَدخُولِ بِهَا تَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الوُجُوهِ كُلِّهَا) لِقِيَامِ المَحَلِّيَّةِ بَعدَ وُقُوعِ الأُولَى (وَلَو قَالَ لَهَا: «إِنْ دَخَلتِ الدَّارَ فَأَنتِ طَالِقٌ
و "بعد" بالكناية؛ تقع واحدة.
وفي "قبل" بالكناية و "بعد" بغير الكناية؛ تقع ثنتان. وبه قال مالك.
وعند الشافعي في "قبل" بالكناية وجهان: أحدهما أنه لا يقع شيء، والثاني أنه تقع واحدة.
وفي "بعد" بغير الكناية تقع واحدة كما في "قبل" بغير الكناية فعنده تقع في الصور الأربع واحدة (١).
قوله: (تقتضي سبق المُكَنَّى عنه) بسبق الوقوع أيضًا، فإذا وقعت لم يبق المحل فلا تقع الثانية.
وبقول أبي يوسف قال الشافعي في وجه وهو اختيار المزني، والأظهر من قوله: أنه تقع تطليقتان كقولهما؛ لأن المعية تنافي السبق في الوجوه كلها؛ أي: مع ذكر قبل وبعد بالكناية وغيرها. وبه قال الشافعي في المشهور (٢).
(لقيام المحلية) إلى آخره.
قيل: هو أن هذا الجواب مشكل في قوله: أنت طالق واحدة قبل واحدة؛ فإن كون الشيء قبل غيره لا يقتضي وجود ذلك الغير على ما ذكر محمد في الزيادات.
стр. 2971
وَاحِدَة وَوَاحِدَة فَدَخَلَت وَقَعَت عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ ثِنْتَانِ (*)،
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣]، وقوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف ١٠٩]، وقوله ﵇: «خلّلوا أصابعكم قبل أن تخلّلها نار جهنم» (١)
وجوابه مذكور في أصول الجامع الكبير. كذا في الفوائد الظهيرية.
ومن جملة مسائل قبل وبعد ما قيل منظوما: رجل علق الطلاق بشهر قبل ما بعد قبله رمضان.
والضابط فيه وفيما إذا كان جميع ما ذكر قبل، كما إذا قال: في شهر قبل ما قبل قبله رمضان أو بعد، كقوله: بعدما بعد بعده رمضان، أو ذكرا معًا؛ أن ينظر: فإن كانا مذكورين، كما في البيت؛ فيلقى قبل ببعد، فيبقى شهر قبله رمضان؛ فيقع في شوال، وفي بعد ما قبل بعده رمضان؛ يقع في شعبان.
وإن كان المذكور محض قبل؛ كأن قال: قبل ما قبل قبله رمضان؛ يقع في ذي الحجة، وإن كان المذكور بعدًا محضًا كأن قال: بعدما بعد بعده رمضان؛ يقع في جمادى الآخرة. ويقاس عليه.
قوله: (وقعت عليها واحدة عند أبي حنيفة). وبه قال الشافعي في وجه، وقال أبو نصر من أصحابه: وهو أقيس (٢).
[(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد
(تقع ثنتان) وبه قال الشافعي في وجه] (٣) وهو اختيار القاضي أبي
стр. 2972
وَلَو قَالَ لَهَا: «أَنتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِنْ دَخَلتِ الدَّارَ» فَدَخَلَتْ طَلُقَت ثِنتَينِ) بالاتِّفَاقِ. لَهُمَا: أَنَّ حَرفَ الوَاوِ لِلجَمعِ المُطلَقِ، فَتَعَلَّقْنَ جُملَةٍ كَمَا إِذَا نَصَّ عَلَى الثّنتين أو أَخَّرَ الشَّرط.
وَلَهُ: أَنَّ الجَمعَ المُطلَقَ يَحتَمِلُ القِرَانَ وَالتَّرتِيبَ، فَعَلَى اعْتِبَارِ الأَوَّلِ تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، كَمَا إِذَا نَجَّزَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَلَا يَقَعُ
الطيب (١)، وهو قول: مالك (٢)، وأحمد (٣)، وربيعة، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى؛ لأن حرف الجمع كلفظ الجمع عندهم.
قوله: (أو أخّر الشرط)، وهذا لا يتعلق بالشرط كالملفوظ لذي الشرط، والواو لمطلق الجمع لا للترتيب، وصار موجب الكلام الاجتماع؛ لأن الثانية ناقصة فشاركت الأولى، والأولى تعلقت بلا واسطة فكذا الثانية، وهذا لأنه في الحال تكلم بالطلاق وليس بطلاق، فلو حصل الترتيب لصار في التكلم بالطلاق لا في صيرورته طلاقًا، كما إذا حصل التعليق بشروط يتخللها أزمنة.
وإذا كان موجبه الاجتماع لا يتغير بالواو؛ فيعقب حمله كما عُلقت، والمسألة مذكورة في الأصول.
(كما إذا أنجز) بأن قال: أنت طالق واحدة وواحدة؛ تقع واحدة بالاتفاق، وبه قال الشافعي (٤).
وقال أحمد (٥)، وربيعة، وابن أبي ليلى، ومالك (٦): تقع الثلاث؛ لما بينا أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع عندهم؛ لأن المعلق بالشرط كالملفوظ لذي الشروط؛ فلذلك اعتبر بالمنجز.
فإن قيل: ينتقض هذا الأصل بما لو قال لغير الموطوءة: إن دخلت الدار
стр. 2973
الزَّائِدُ عَلَى الوَاحِدَةِ بِالشَّكْ،
فأنت طالق واحدة لا بل اثنتين، أو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة ونصف، فدخلت؛ تقع ثنتان، وعند زفر: تطلق ثلاثًا، ولو كان المعلق كالمنجز ينبغي أن تقع واحدة واحدة.
قلنا: الواو للعطف المطلق، وذا لا يختلف بالتعليق والتنجيز، أما في هذه المسألة إنما كان كذلك؛ لأن (بل) للاستدراك بإقامة الثاني مقام الأول، وقد صح ذلك لبقاء المحل بعد ما تعلق الأول بالشرط، فتعلق الثنتان بالشرط بلا واسطة كالأولى، فصار كأنه أعاد الشرط في حق الثنتين عملا بموجب (لا بل) بخلاف ما لو نجز بقوله: (لا بل)؛ لأنها بانت بالأولى فلم تبق محلا للثنتين، وهو قوله: أنت طالق واحدة ونصف اسم واحد كقولنا: أحد وعشرين؛ لأنه لا يقدر أن يعبر عن واحدة ونصف أو جزء من هذا؛ فكان تعليقا على الجمع. كذا في المبسوط (١).
وفيه: وعلى هذا الخلاف لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي ووالله لا أقربك، ثم دخلَتْ؛ طلُقَتْ وسقط الظهار والإيلاء عند أبي حنيفة؛ لأن تعليقهما بالشرط بواسطة الطلاق فيسبق الطلاق فتبين لا إلى عدة، فلم يبق محل الإيلاء والظهار.
وعندهما: مطلق مظاهر مولى كما في الطلاق (٢).
وعلى هذا الخلاف إذا قال لأجنبية: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق وطالق وطالق فتزوجها؛ لا تقع إلا واحدة عنده، وعندهما تقع الثلاث.
ولو قال: إن تزوجتك فأنتِ طالق وأنتِ عليَّ كظهر أمي، فتزوجها؛ طلقت، ولم يصر موليًا مُظاهرًا عنده، خلافًا لهما (٣).
ولو قدم الظهار والإيلاء على الطلاق بأن قال: إن تزوجتك فأنت عليَّ كظهر أمي، والله لا أقربك وأنت طالق يقع الطلاق والظهار جميعًا بالإجماع (٤).
стр. 2974
بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخَرَ الشَّرط، لِأَنَّهُ مُغَيِّرُ صَدْرَ الكَلَامِ فَيَتَوَقَّفُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ فَيَقَعْنَ جُملَة، وَلَا مُغَيِّرَ فِيمَا إِذَا قَدَّمَ الشَّرطَ فَلَم يَتَوَقَّف. وَلَو عَطَفَ بِحَرفِ الفَاءِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ فِيمَا ذَكَرَ الكَرخِيُّ، وَذَكَرَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيثِ: أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَة بِالاتِّفَاقِ، لأَنَّ الفَاءَ لِلتَّعقِيبِ، وَهُوَ الْأَصَحُ.
قوله: (بخلاف ما إذا أخر الشرط)؛ لأن الشرط (يغير صدر الكلام)؛ يعني: التعليق حمله وإن كان متفرقًا ضرورة كضرورة حاجتهم إلى تدارك الغلط، فإن وضع الشرط والاستثناء لتدارك الغلط، فإن الطلاق والعتاق مما يجري على اللسان غلطا من غير القصد، فوضع الشرط والاستثناء في الكلام لتدارك الغلط، وذلك عند تأخير الشرط لا تقديمه، فوجب العمل بحقيقة الوضع عند التقديم، وهذا معنى قول المصنف: (ولا مغير فيما إذا قدم الشرط فلم يتوقف).
قوله: (ذكر الكرخي)، وفي المبسوط: الطحاوي مكان الكرخي؛ فإنه جعل العطف بالواو والفاء على السواء، وقال: إن حرف العطف يجعلهما كلامًا واحدًا فيعلقا كما في صورة الواو.
وسواء قدم الشرط أو أخره عندهما، خلافًا له.
(وهو)؛ أي: الاتفاق أصح؛ لأن الفاء للعطف على التعقيب لغة، لا مطلق العطف، فيقتضي التعليق على التعقيب كما علّقت، وبالأولى تبين فلم تقع الثانية. كذا في المبسوط.
وفيه: لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق في المدخولة تُعلَّق الأولى ووقعت الثانية والثالثة، وفي غير المدخولة؛ تقع واحدة في الحال ويلغو ما سوى ذلك عنده (١).
وعندهما، والشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): تتعلق الثلاث بالشرط
стр. 2975
(وَأَمَّا الضَّرِبُ الثَّانِي. وَهُوَ الكِنَايَاتُ. لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِدَلَالَةِ الحَالِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوضُوعَة لِلطَّلَاقِ، بَلْ تَحتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعيِينِ أَوْ دَلَالَتِهِ. قَالَ: (وَهِيَ عَلَى ضَربَينِ: مِنهَا ثَلَاثَةُ أَلفَاظ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ وَلَا يَقَعُ بِهَا إِلَّا
سواء قدم الشرط أو أخره في المدخولة وغيرها.
وعند وجود الشرط إن كانت مدخولة؛ تقع الثلاث، وإلا؛ تطلق واحدة، والمسألة مذكورة في الأصول.
وأما الضرب الثاني من الكنايات
لما ذكر أحكام الصريح شرع في بيان الكنايات.
وقدم الصريح؛ إذ هو الأصل في الكلام.
والكناية: من الكنيت والكنون، كما بين في الأصول.
قوله: (أو بدلالة الحال)؛ إذ هي دليل على المراد، كما في البيع بالدراهم المطلقة يصرف إلى غالب نقد البلد بدلالة الحال.
وكذا لو أطلق النية في الحج؛ يُصرف إلى الفرض بدلالة الحال؛ ولهذا جعل أحمد دلالة الحال مقام النية في جميع الكنايات سواء في حالة الغضب أو لا (١).
وقال الشافعي: لا يقع الطلاق بشيءٍ من الكنايات في حالة الغضب وغيره بلا نية من الزوج والمرأة (٢).
وعندنا تكفي نية الزوج؛ لاحتمال إرادة غير الطلاق منها في جميع الأحوال، فلا يعتبر دلالة الحال.
وقال مالك: يقع الطلاق بلا نية في الكنايات الظاهرة، كقوله: بائن، بتة وحرام، فإذا قال: ما نويت الطلاق؛ لا يصدق؛ لأن ظاهرها في الطلاق.
وكذا لفظ السراح والفراق عند مالك ليسا من الصريح ولكنهما
стр. 2976
وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَولُهُ: اعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي، رَحِمَكِ، وَأَنتِ وَاحِدَةٌ) أَمَّا الأُولَى: فَلِأَنَّهَا تَحتَمِلُ الاعْتِدَادَ عَنْ النِّكَاحِ، وَتَحتَمِلُ اعْتِدَادَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الأَوَّلَ تَعَيَّنَ بِنِيَّتِهِ فَيَقْتَضِي طَلَاقا سَابِقا وَالطَّلَاقُ يُعقِبُ الرَّجِعَةَ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّهَا تُستَعمَلُ بِمَعْنَى الاعْتِدَادِ، لِأَنَّهُ تَصْرِيحُ بِمَا هُوَ المَقْصُودُ مِنْهُ
من الكنايات الظاهرة، كقوله: بائن؛ حتى لا تحتاج إلى لفظ النية (١).
وعند الشافعي: هما من الصريح، وقد مرَّ البحث فيهما في أول باب إيقاع الطلاق (٢).
وفي الحلية يحتاج إلى النية كما قال الشافعي في غير حال سؤال الطلاق والغضب؛ فلا تقع بلا نية في الكل.
وعندنا: يقع بها الطلاق في حال مذاكرة الطلاق كما يقع بالنية، وحال مذاكرة الطلاق سؤال الطلاق إلا في قوله: حبلك على غاربك واعتدي واستبرئي وتقنعي.
قوله: (أما الأولى)؛ أي قوله: اعتدي، أنثه على تأويل الكلمة.
قوله: (فإن نوى الأول)؛ أي: الاعتداد من النكاح، والطلاق يعقب الرجعة، وفي النوادر: هذا استحسان، والقياس: أن يكون بائنا كما في سائر الكنايات، وإنما استحسنا لحديث سَوْدَة (٣) وهو معروف. كذا في جامع قاضي خان.
والقول بالاقتضاء والرجعة إذا كان قاله بعد الدخول، أما إذا كان قاله قبل الدخول جعل قوله: "اعتدي " مقام قوله: "كوني طالقا" بطريق الاستعارة، استعارة الحكم لسببه المخصوص به. وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول.
(وأما الثانية) وهي قوله: استبرئي، وفي اللغة: استبراء الجارية: طلب براءة رحمها من الولد، ذكر في المغرب (٤).
стр. 2977
فَكَانَ بِمَنزِلَتِهِ، وَتَحْتَمِلُ الاستبرَاءَ لِيُطَلِّقَهَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَر مَحذُوف مَعْنَاهُ: تَطلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا نَوَاهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَهُ، وَالطَّلَاقُ يُعقِبُ الرَّجِعَةَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً عِندَهُ أَوْ عِنْدَ قَومِهِ، وَلَمَّا احْتَمَلَت هَذِهِ الأَلفَاظُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ تَحتَاجُ فِيهِ إِلَى النِّيَّةِ وَلَا تَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ قَولَهُ: أَنتِ طَالِقٌ فِيهَا مُقتضى أَوْ مُضمَرٌ، وَلَو كَانَ مُظهَراً لَا تَقَعُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ مُضمَرًا
(فكان)؛ أي: لفظ الاستبراء.
(بمنزلته)؛ أي: بمنزلة الاعتداد في حق إثبات الرجعة لا في حق احتمال الاعتداد بنعم الله، وإنما يحتاج إلى النية؛ لأن قوله: استبرئي رحمك يحتمل أن يكون معناه: اطلبي براءة رحمك حتى تعلمين أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك وإلا فلا، فلو كانت نيته هذا لا يقع الطلاق.
ولو كانت نيته: الاعتداد عن النكاح؛ يقع الطلاق سابقا كما في اعتدي؛ فلذلك احتاج إلى النية.
قوله: (مقتضى)؛ أي في قوله: اعتدي واستبرئي رحمك.
(أو مضمر)؛ أي في قوله: أنتِ واحدةٌ، كان تقديره أنت طالق طلقة واحدة.
وعند الشافعي لا يقع شيء بقوله: أنتِ واحدةٌ، وإن نوى؛ لأنه نعت للمرأة، وليس فيه احتمال معنى الطلاق أصلًا (١).
وقلنا: إذا نوى يقع؛ لأنه أمكن حمل كلام العاقل على الفائدة فيحمل عليه. كذا في المبسوط (٢).
[ولكن ذكر في شرح الوجيز: جعل قوله أنت واحدة من ألفاظ الكنايات الجلية] (٣).
وعند أبي حامد من: الخفية (٤)؛ فكان مخالفًا لما ذكره في المبسوط.
стр. 2978
أولَى، وَفِي قَوْلِهِ: (وَاحِدَةٌ) إِنْ صَارَ المَصْدَرُ مَذْكُورًا، لَكِنَّ التَّنصِيصَ عَلَى الوَاحِدَةِ يُنَافِي نِيَّةَ الثَّلَاثِ، وَلَا مُعتَبَرَ بِإِعْرَابِ الوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ المَشَايِخِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ العَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَينَ وُجُوهِ الإِعْرَابِ.
قَالَ: (وَبَقِيَّةُ الكِنَايَاتِ إِذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ كَانَتْ وَاحِدَة بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا كَانَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى لِنتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً بائنةً، وَهَذَا مِثْلُ قَولِهِ: أَنتِ بَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتلَةٌ، وَحَرَامٌ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَالحَقِي بِأَهْلِكِ، وَخَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَوَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ وَسَرَّحتُكِ وَفَارَقتُكِ، وَأَمرُكِ بِيَدِكِ، وَاختَارِي، وَأَنتِ حُرَّةٌ، وَتَقَنَّعِي، وَتَخَمَّرِي، وَاسْتَتِرِي، وَاعْرُبِي، وَاخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، وَابْتَغِي الأَزْوَاجَ) لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
وعند زفر بقوله: أنت واحدة؛ تقع بائن كما في سائر الكنايات.
قوله: (وهو الصحيح) هذا احتراز عن قول بعض المشايخ؛ حيث قالوا: إنما يقع الطلاق بقوله: أنت واحدة إذا نصبها؛ ليكون صفة للطلقة، ولو رفعها لا يقع؛ لكونها صفة للمرأة.
وقيل: هو قول محمد.
وعند أبي يوسف: يقع الطلاق في الأحوال كلها؛ لأن عند نية الطلاق يُعلم أن غرضه نعت الطلاق؛ لكن أخطأ في الإعراب، وإذا أسكن الإعراب اختلف المشايخ فيه. ذكر في مبسوط فخر الإسلام (١).
وقال بعضهم: لو نصب الواحدة يقع الطلاق بلا نية؛ لأنها لا تصلح نعتا للمرأة، فتعين أنها نعت للطلقة.
وقلنا: لا تصح الواحدة وإن انتصبت كما تصلح نعتا للطلقة تصلح نعتا للمرأة؛ ألا ترى أنه يستقيم: أنت ضاربه ضربة واحدة، وإذا كان كذلك لا يقع بغير نية. كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
قوله: (واحدة بائنة)، وعند الشافعي: تقع واحدة رجعية بعد الدخول.
стр. 2979
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ فِي القَضَاءِ، وَلَا يَقَعُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَنوِيَهُ). قَالَ له: سَوَّى بَينَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَقَالَ: وَلَا يُصَدَّقُ فِي القَضَاءِ إِذَا كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، قَالُوا: وَهَذَا فِيمَا لَا يَصْلُحُ رَدًّا وَالجُملَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطلَقَةٌ وَهِيَ حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، وَحَالَةُ الغَضَبِ.
وَالكِنَايَاتُ ثَلَاثَةُ أَقسَام: مَا يَصلُحُ جَوَابًا وَرَدًا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا رَدًّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَسَبًّا وَشَتِيمَة. فَفِي حَالَةِ الرِّضَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهَا طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَالقَولُ قَولُهُ فِي إِنكَارِ النِّيَّةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا، وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا فِي القَضَاءِ مِثْلُ قَولِهِ: «خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، اعتَدِّي أَمْرُكِ بِيَدِكِ، اختَارِي»؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ الطَّلَاقُ عِنْدَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ،
قوله: (سوى)؛ أي القدوري أو محمد في الجامع.
(بين هذه الألفاظ)؛ أي: ألفاظ الكنايات.
(ما يصلح جوابًا وردًا) وهو سبعة؛ أي: من المذكورات في الكنايات: اخرجي، اذهبي قومي تقنّعي اغربي تخمّري، فصلاحية الرد فيها أن يرد الزوج قولها بسؤال الطلاق.
ففي قوله: اخرجي اذهبي وقومي واغربي؛ أي: اخرجي واتركي سؤال الطلاق، وكذا في اذهبي وقومي واغربي.
وفي القدرية: "اغربي" بالغين والراء وبالعين والراء.
وأما تقنّعي فمن القناعة، وقيل: من القناع وهو الخمار، ومعنى الرد فيه أن ينوي: اقنعي بما رزقك الله من أمر المعيشة، أو اتركي سؤال الطلاق واشتغلي بالتقنع الذي هو أهم لك من سؤال الطلاق؛ إذ كشف رأسك يشينك والتقنع يزينك.
وكذا قوله: استبرئي وتخمَّري؛ لأنهما من الستر والخمار.
قوله: (لأن الظاهر أن مرادَهُ الطلاق)، والقاضي مأمور باتباع الظاهر، ولأن كلامه جواب لسؤالها الطلاق، والسؤال يصير مفادًا في الجواب؛
стр. 2980
وَيُصَدَّقُ فِيمَا يَصلُحُ جَوَابًا وَرَدًا مِثْلُ قَولِهِ: اذهَبِي، أخرُجِي، قُومِي، تَقَنَّعِي، تَخَمَّرِي وَمَا يَجْرِي هَذَا المَجْرَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَهُوَ الْأَدْنَى فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وَفِي حَالَةِ الغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ وَالسَّبِّ، إِلَّا فِيمَا يَصلُحُ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالشَّتمِ كَقَولِهِ: اعتَدِّي وَاختَارِي وَأَمرُكَ بِيَدِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهَا لِأَنَّ الغَضَبَ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الطَّلَاقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَولِهِ:
ولهذا لو قال: لي عليك ألف درهم؟ فقال: (نعم) كان إقرارًا بالمال، وكذا لو قال: أعتقت عبدك؟ فقال: (نعم) يكون إقرارًا بالعتق.
قوله: (وما يجري هذا المجرى) مثل قوله استبرئي واغربي.
قوله: (وفي حالة الغضب يصدق في جميع ذلك)؛ أي: فيما يصلح جوابًا ولا يصلح ردا، وفيما يصلح جوابًا وردًّا.
(لاحتمال الرد) في السبعة المذكورة مثل: اخرجي، إلى آخره.
ولاحتمال (السب) في الخمسة المذكورة في أوائل الثمانية، وهي: خلية، إلى آخره.
فإن قوله: أنت خلية، برية، بائن، بتة، حرام، فالخلية والبرية: تحتمل النسبة إلى الشر؛ أي: خلية من الخير، وبرية من حسن الخلق أو أفعال المسلمين، بتة؛ أي: لا أصل لك بائن من الخيرات، حرام الصحبة والعشيرية لسوء خلقك.
قوله: (إلا فيما يصلح للطلاق) استثناء من قوله: (يصدق في جميع ذلك) إلا في هذه الثلاثة.
(لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق)؛ ألا ترى أن من قال لغيره في حال الرضا: لست لأبيك لا يكون قاذفا، ولو قالها في حالة الغضب يكون قاذفا.
قوله: (وعن أبي يوسف) إلى آخره.
ألحق أبو يوسف خمسة أخرى وهي: "خليتُ سبيلك، ولا سبيل لي عليك، وفارقتكِ، ولا ملك لي عليكِ، والحقي بأهلك" بتلك الخمسة التي تحتمل السب؛ لأن فيها معنى السب أيضًا.