← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَولُهُ: اعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي، رَحِمَكِ، وَأَنتِ وَاحِدَةٌ) أَمَّا الأُولَى: فَلِأَنَّهَا تَحتَمِلُ الاعْتِدَادَ عَنْ النِّكَاحِ، وَتَحتَمِلُ اعْتِدَادَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الأَوَّلَ تَعَيَّنَ بِنِيَّتِهِ فَيَقْتَضِي طَلَاقا سَابِقا وَالطَّلَاقُ يُعقِبُ الرَّجِعَةَ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّهَا تُستَعمَلُ بِمَعْنَى الاعْتِدَادِ، لِأَنَّهُ تَصْرِيحُ بِمَا هُوَ المَقْصُودُ مِنْهُ من الكنايات الظاهرة، كقوله: بائن؛ حتى لا تحتاج إلى لفظ النية (١). وعند الشافعي: هما من الصريح، وقد مرَّ البحث فيهما في أول باب إيقاع الطلاق (٢). وفي الحلية يحتاج إلى النية كما قال الشافعي في غير حال سؤال الطلاق والغضب؛ فلا تقع بلا نية في الكل. وعندنا: يقع بها الطلاق في حال مذاكرة الطلاق كما يقع بالنية، وحال مذاكرة الطلاق سؤال الطلاق إلا في قوله: حبلك على غاربك واعتدي واستبرئي وتقنعي. قوله: (أما الأولى)؛ أي قوله: اعتدي، أنثه على تأويل الكلمة. قوله: (فإن نوى الأول)؛ أي: الاعتداد من النكاح، والطلاق يعقب الرجعة، وفي النوادر: هذا استحسان، والقياس: أن يكون بائنا كما في سائر الكنايات، وإنما استحسنا لحديث سَوْدَة (٣) وهو معروف. كذا في جامع قاضي خان. والقول بالاقتضاء والرجعة إذا كان قاله بعد الدخول، أما إذا كان قاله قبل الدخول جعل قوله: "اعتدي " مقام قوله: "كوني طالقا" بطريق الاستعارة، استعارة الحكم لسببه المخصوص به. وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. (وأما الثانية) وهي قوله: استبرئي، وفي اللغة: استبراء الجارية: طلب براءة رحمها من الولد، ذكر في المغرب (٤).

стр. 2977

فَكَانَ بِمَنزِلَتِهِ، وَتَحْتَمِلُ الاستبرَاءَ لِيُطَلِّقَهَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَر مَحذُوف مَعْنَاهُ: تَطلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا نَوَاهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَهُ، وَالطَّلَاقُ يُعقِبُ الرَّجِعَةَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً عِندَهُ أَوْ عِنْدَ قَومِهِ، وَلَمَّا احْتَمَلَت هَذِهِ الأَلفَاظُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ تَحتَاجُ فِيهِ إِلَى النِّيَّةِ وَلَا تَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ قَولَهُ: أَنتِ طَالِقٌ فِيهَا مُقتضى أَوْ مُضمَرٌ، وَلَو كَانَ مُظهَراً لَا تَقَعُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ مُضمَرًا (فكان)؛ أي: لفظ الاستبراء. (بمنزلته)؛ أي: بمنزلة الاعتداد في حق إثبات الرجعة لا في حق احتمال الاعتداد بنعم الله، وإنما يحتاج إلى النية؛ لأن قوله: استبرئي رحمك يحتمل أن يكون معناه: اطلبي براءة رحمك حتى تعلمين أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك وإلا فلا، فلو كانت نيته هذا لا يقع الطلاق. ولو كانت نيته: الاعتداد عن النكاح؛ يقع الطلاق سابقا كما في اعتدي؛ فلذلك احتاج إلى النية. قوله: (مقتضى)؛ أي في قوله: اعتدي واستبرئي رحمك. (أو مضمر)؛ أي في قوله: أنتِ واحدةٌ، كان تقديره أنت طالق طلقة واحدة. وعند الشافعي لا يقع شيء بقوله: أنتِ واحدةٌ، وإن نوى؛ لأنه نعت للمرأة، وليس فيه احتمال معنى الطلاق أصلًا (١). وقلنا: إذا نوى يقع؛ لأنه أمكن حمل كلام العاقل على الفائدة فيحمل عليه. كذا في المبسوط (٢). [ولكن ذكر في شرح الوجيز: جعل قوله أنت واحدة من ألفاظ الكنايات الجلية] (٣). وعند أبي حامد من: الخفية (٤)؛ فكان مخالفًا لما ذكره في المبسوط.

стр. 2978

أولَى، وَفِي قَوْلِهِ: (وَاحِدَةٌ) إِنْ صَارَ المَصْدَرُ مَذْكُورًا، لَكِنَّ التَّنصِيصَ عَلَى الوَاحِدَةِ يُنَافِي نِيَّةَ الثَّلَاثِ، وَلَا مُعتَبَرَ بِإِعْرَابِ الوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ المَشَايِخِ، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ العَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَينَ وُجُوهِ الإِعْرَابِ. قَالَ: (وَبَقِيَّةُ الكِنَايَاتِ إِذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ كَانَتْ وَاحِدَة بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا كَانَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى لِنتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً بائنةً، وَهَذَا مِثْلُ قَولِهِ: أَنتِ بَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتلَةٌ، وَحَرَامٌ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَالحَقِي بِأَهْلِكِ، وَخَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَوَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ وَسَرَّحتُكِ وَفَارَقتُكِ، وَأَمرُكِ بِيَدِكِ، وَاختَارِي، وَأَنتِ حُرَّةٌ، وَتَقَنَّعِي، وَتَخَمَّرِي، وَاسْتَتِرِي، وَاعْرُبِي، وَاخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، وَابْتَغِي الأَزْوَاجَ) لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وعند زفر بقوله: أنت واحدة؛ تقع بائن كما في سائر الكنايات. قوله: (وهو الصحيح) هذا احتراز عن قول بعض المشايخ؛ حيث قالوا: إنما يقع الطلاق بقوله: أنت واحدة إذا نصبها؛ ليكون صفة للطلقة، ولو رفعها لا يقع؛ لكونها صفة للمرأة. وقيل: هو قول محمد. وعند أبي يوسف: يقع الطلاق في الأحوال كلها؛ لأن عند نية الطلاق يُعلم أن غرضه نعت الطلاق؛ لكن أخطأ في الإعراب، وإذا أسكن الإعراب اختلف المشايخ فيه. ذكر في مبسوط فخر الإسلام (١). وقال بعضهم: لو نصب الواحدة يقع الطلاق بلا نية؛ لأنها لا تصلح نعتا للمرأة، فتعين أنها نعت للطلقة. وقلنا: لا تصح الواحدة وإن انتصبت كما تصلح نعتا للطلقة تصلح نعتا للمرأة؛ ألا ترى أنه يستقيم: أنت ضاربه ضربة واحدة، وإذا كان كذلك لا يقع بغير نية. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). قوله: (واحدة بائنة)، وعند الشافعي: تقع واحدة رجعية بعد الدخول.

стр. 2979

قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ فِي القَضَاءِ، وَلَا يَقَعُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَنوِيَهُ). قَالَ له: سَوَّى بَينَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَقَالَ: وَلَا يُصَدَّقُ فِي القَضَاءِ إِذَا كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، قَالُوا: وَهَذَا فِيمَا لَا يَصْلُحُ رَدًّا وَالجُملَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطلَقَةٌ وَهِيَ حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، وَحَالَةُ الغَضَبِ. وَالكِنَايَاتُ ثَلَاثَةُ أَقسَام: مَا يَصلُحُ جَوَابًا وَرَدًا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا رَدًّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَسَبًّا وَشَتِيمَة. فَفِي حَالَةِ الرِّضَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهَا طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَالقَولُ قَولُهُ فِي إِنكَارِ النِّيَّةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا، وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا فِي القَضَاءِ مِثْلُ قَولِهِ: «خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، اعتَدِّي أَمْرُكِ بِيَدِكِ، اختَارِي»؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ الطَّلَاقُ عِنْدَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، قوله: (سوى)؛ أي القدوري أو محمد في الجامع. (بين هذه الألفاظ)؛ أي: ألفاظ الكنايات. (ما يصلح جوابًا وردًا) وهو سبعة؛ أي: من المذكورات في الكنايات: اخرجي، اذهبي قومي تقنّعي اغربي تخمّري، فصلاحية الرد فيها أن يرد الزوج قولها بسؤال الطلاق. ففي قوله: اخرجي اذهبي وقومي واغربي؛ أي: اخرجي واتركي سؤال الطلاق، وكذا في اذهبي وقومي واغربي. وفي القدرية: "اغربي" بالغين والراء وبالعين والراء. وأما تقنّعي فمن القناعة، وقيل: من القناع وهو الخمار، ومعنى الرد فيه أن ينوي: اقنعي بما رزقك الله من أمر المعيشة، أو اتركي سؤال الطلاق واشتغلي بالتقنع الذي هو أهم لك من سؤال الطلاق؛ إذ كشف رأسك يشينك والتقنع يزينك. وكذا قوله: استبرئي وتخمَّري؛ لأنهما من الستر والخمار. قوله: (لأن الظاهر أن مرادَهُ الطلاق)، والقاضي مأمور باتباع الظاهر، ولأن كلامه جواب لسؤالها الطلاق، والسؤال يصير مفادًا في الجواب؛

стр. 2980

وَيُصَدَّقُ فِيمَا يَصلُحُ جَوَابًا وَرَدًا مِثْلُ قَولِهِ: اذهَبِي، أخرُجِي، قُومِي، تَقَنَّعِي، تَخَمَّرِي وَمَا يَجْرِي هَذَا المَجْرَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَهُوَ الْأَدْنَى فَحُمِلَ عَلَيْهِ. وَفِي حَالَةِ الغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ وَالسَّبِّ، إِلَّا فِيمَا يَصلُحُ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالشَّتمِ كَقَولِهِ: اعتَدِّي وَاختَارِي وَأَمرُكَ بِيَدِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهَا لِأَنَّ الغَضَبَ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الطَّلَاقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَولِهِ: ولهذا لو قال: لي عليك ألف درهم؟ فقال: (نعم) كان إقرارًا بالمال، وكذا لو قال: أعتقت عبدك؟ فقال: (نعم) يكون إقرارًا بالعتق. قوله: (وما يجري هذا المجرى) مثل قوله استبرئي واغربي. قوله: (وفي حالة الغضب يصدق في جميع ذلك)؛ أي: فيما يصلح جوابًا ولا يصلح ردا، وفيما يصلح جوابًا وردًّا. (لاحتمال الرد) في السبعة المذكورة مثل: اخرجي، إلى آخره. ولاحتمال (السب) في الخمسة المذكورة في أوائل الثمانية، وهي: خلية، إلى آخره. فإن قوله: أنت خلية، برية، بائن، بتة، حرام، فالخلية والبرية: تحتمل النسبة إلى الشر؛ أي: خلية من الخير، وبرية من حسن الخلق أو أفعال المسلمين، بتة؛ أي: لا أصل لك بائن من الخيرات، حرام الصحبة والعشيرية لسوء خلقك. قوله: (إلا فيما يصلح للطلاق) استثناء من قوله: (يصدق في جميع ذلك) إلا في هذه الثلاثة. (لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق)؛ ألا ترى أن من قال لغيره في حال الرضا: لست لأبيك لا يكون قاذفا، ولو قالها في حالة الغضب يكون قاذفا. قوله: (وعن أبي يوسف) إلى آخره. ألحق أبو يوسف خمسة أخرى وهي: "خليتُ سبيلك، ولا سبيل لي عليك، وفارقتكِ، ولا ملك لي عليكِ، والحقي بأهلك" بتلك الخمسة التي تحتمل السب؛ لأن فيها معنى السب أيضًا.

стр. 2981

لَا مِلكَ لِي عَلَيْكِ وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ وَخَلَّيْتُ سَبِيلَكِ وَفَارَقْتُكِ، أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي حَالَةِ الغَضَبِ لِمَا فِيهَا مِنْ احْتِمَالِ مَعنَى السَّبِّ. فإن قوله: (لا ملك لي عليكِ)؛ أي: أنكِ أقل من أن أملكك أو أنسبكِ إلى نفسي بالملك. (ولا سبيل لي عليكِ)؛ لسوء خلقك واجتماع أنواع الشر فيك. (وخليت سبيلك): كراهة مني لصحبتكِ، ولا ألتفت إليكِ بعد هذا لسوء خلقك. (فارقتك)؛ أي: في المسكن لسوء خلقك. والحقي بأهلك بمعنى: فارقتك. ولما كانت هذه الألفاظ تحتمل معنى السب باعتبار سوء الخلق إذا لم يرد به الطلاق في حالة الغضب يُدَيَّنُ في القضاء. كذا في جامع شمس الأئمة والمحيط (١) والفوائد. ثم اعلم أن الخمسة الملحقة برواية أبي يوسف بالخمسة المذكورة في ظاهر الرواية: رواية هذا الكتاب، ورواية الجامع الصغير لشمس الأئمة، ورواية الإيضاح، وغيرها. فأما رواية جامع فخر الإسلام ورواية الفوائد الظهيرية؛ فالخمسة المروية عن أبي يوسف ملحقة بالألفاظ الثلاثة التي لا يُديَّنُ الزوج في حالة الغضب أيضًا كما لا يُدين في مذاكرة الطلاق وهي: اعتدي، اختاري، أمرك بيدك. ثم الكنايات على نوعين: كناية في إنشاء الطلاق، كقوله: أنتِ بائن، وحرام، ونحوهما. وكناية في تفويض الطلاق؛ كقوله: اختاري وأمرك بيدك؛ فإنه لا يكون الأمر بيدها في هذين اللفظين إلا بنية الزوج الطلاق، ولا يقع الطلاق بهما إلا بعد قول المرأة: طلقتُ نفسي، أو اخترتُ، وهما من باب الكنايات باعتبار معنى آخر غير الطلاق من اختيار الدخول والخروج والطبخ والخبز.

стр. 2982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التفريعات وفي مختصر الكرخي: قال أبو حنيفة: " لا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليك، واعتد، وتقنّعي، واستبرئي، واخرجي واذهبي، وقومي، وتزوجي، ولا نكاح لي عليكِ " يدين في الغضب؛ لأن هذه الألفاظ تذكر للإبعاد، وحالة الغضب يبعد الإنسان الزوجة. وكذا في حالة ذكر الطلاق؛ فإن قوله: "لا سبيل لي عليكِ" احتمل لا سبيل لي على طلاقكِ، ولا ملك لي على طلاق، وهذا يذكر ويراد به الامتناع عن الطلاق. ولفظ "انتقلي وانطلقي " كقوله: الحقي بأهلك. وفي قوله: "وهبتك لأهلك"؛ يقع الطلاق إذا نوى قبولها أولا. وبه قال الشافعي (١)؛ لأن الهبة تقتضي زوال الملك، والقبول يحتاج إليه للدخول في ملك الموهوب له، وبضعها لا يملكه أهلها؛ فلم يحتج إلى القبول. وعن أحمد (٢) والنخعي إن قبلوها؛ فواحدة بائنة، وإلا؛ فرجعية، ومثله عن علي. وروى الحسن عن أبي حنيفة لو قال: وهبتك لأهلك، أو لأبيك، أو لابنك، أو للأزواج؛ فهو طلاق؛ لأن المرأة تُرَدُّ على هؤلاء بالطلاق عادة. ولو قال: وهبتك لأخيك أو لأختك أو لخالتكِ، أو لعمتك أو لفلان الأجنبي، أو نحو ذلك؛ لم يكن طلاقا وإن نوى. وقال الشافعي: بالنية يقع كما في الأول؛ لأنها لا ترد بالطلاق على هؤلاء (٣).

стр. 2983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط: لو قال: اذهبي وبيعي ثوبك ونوى الطلاق؛ لا يقع عند أبي يوسف. وعند زفر يقع ذكره في اختلاف زفر ويعقوب، وبه قال الشافعي؛ لأن قوله: "اذهبي" كناية؛ فتعمل فيه نية الطلاق، وقوله: " وبيعي ثوبك" مشورة؛ فلا يتغير به حكم اللفظ الأول. ولأبي يوسف أن معنى قوله: اذهبي لتبيعي ثوبك فكان تصريحه بخلاف المنوي؛ فلهذا لا تعمل نيته (١). في المحيط: ما يصلح جوابًا وردا مثل قوله: اخرجي، واذهبي، واغربي، وقومي، وتقنعي، واستبرئي، وأنت حرة، وحبلك على غاربكِ، ووهبتكِ لأهلك، وخليتُ سبيلكِ، وفارقتكِ، وسرَّحتكِ، ولا مِلكَ لي عليك، ولا سبيل لي عليك، والحقي بأهلك، وأفلحي، واذهبي (٢). تقول العرب: أفلح عني؛ أي اذهب عني. وفي جامع التمرتاشي: في الأجناس لو قال: تنح عني تقع واحدة إذا نوى. وفي اختلاف أبي حنيفة: قال: لا حاجة لي فيكِ، أو لا أريدك، أو لا أحبكِ، أو لا أشتهيك، أو لا رغبة لي فيك؛ لم تقع وإن نوى. في قول أبي حنيفة، وقال ابن أبي ليلى: يقع في قول " لا حاجة لي فيك" إذا نوى (٣)، وبه قال الشافعي (٤)، وفي التفاريق عن ابن سلام: يكون ثلاثًا إذا نوى. ولو قال: "فسخت النكاح" ونوى الطلاق، فعن أبي حنيفة: إن نوى ثلاثا؛ فثلاث، والرواية هكذا عن محمد أنه بائن إن نوى الطلاق. وفي جامع برهان قال: لم يبق بيني وبينك عمل ونوى الطلاق لا يقع، وفي

стр. 2984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتاوى الفضلي خلافه (١). وفي التفاريق: قيل في قوله: " لم يبق بيني وبينك شيء "؛ أنه لا يصح، ولو قال: "أربعة طرق عليكِ مفتوحة "؛ لا يقع، وإن نوى [ما] (٢) لم يقل: خذي أي طريق شئت. وفي اللآلي: وهكذا عن محمد (٣). وفي النظم: قال أسد: قال محمد وقال ابن سلام: أخاف أن تقع ثلاث لمعاني كلام الناس ولو قال: أنا بريء من طلاقك؛ يقع رجعي إن نوى، ولو قال: من نكاحك يقع بائن. قاله ابن سلام (٤). ولو قال: نجوت مني ونوى بائن، ولو قال: تركتُ طلاقك؛ تقع إذا نوى. وكذا في خليت طلاقك؛ أي: سبيل طلاقك. ولو قال: برئت إليك من طلاقك؛ تقع، ولو لم يقل "إليك" فحتى نوى. وقيل: لا يقع فيهما. وهو الصحيح. ذكر بكر: لا نص في قوله "برئتُ من طلاقك "، وقال الإسكاف: لا يقع (٥)، وبه قال الشافعي (٦). وقال ابن سلام والهندواني: يقع، وهو الأصح. وبه قال البوشنجي من أصحاب الشافعي (٧). وفي قوله: " أعرتُكِ طلاقك " لا رواية لها. وعن أبي يوسف: يقع، خلافًا لمحمد.

стр. 2985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي النوازل عن أبي حنيفة: يصير الطلاق بيدها؛ لأنه مَلَكها منافع الطلاق (١). وفي قوله: "وهبتك طلاقك" لم يرو عن المتقدمين فيه شيء، وقالوا: يجب ألا يقع (٢). وفي قوله لآخر: " [احمل] (٣) إليها طلاقها" أو "أخبرها به"؛ طلقت في الحال؛ لأن الحمل لا يتحقق قبل وجود الطلاق (٤). وفي التعويذ: "خذي طلاقكِ" أو "وهبتكِ طلاقكِ" (٥) أو "أقرضتُكِ"؛ يقع (٦). وفي المرغيناني: لو قال: وهبتك طلاقاً (٧)؛ قال المتأخرون: لا [يقع] (٨)، وقيل: يقع (٩). ولو [قال] (١٠): بعتك طلاقك، فقالت: اشتريت؛ يقع رجعياً. وبه قال مالك (١١). وقال أحمد والثوري: لا يقع (١٢). ونحن نعتبره بالهبة.

стр. 2986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو قال: " أبحتك طلاقكِ "؛ لا يقع، وإن نوى (١). وفي المبسوط: لو قال لها: أنت عليَّ كالميتة أو لحم الخنزير أو الخمر ونوى الطلاق؛ يقع (٢). وبه قال الشافعي (٣). وفي الكافي: قال لامرأته: هذه أختي أو ابنتي أو أمي من الرضاع، وثبت عليه؛ فُرِّق بينهما، ولو قال: أخطأت أو غلطت أو أوهمْتُ أو نسيتُ؛ لم يصدق قياسًا؛ لأنه أقر بالتحريم، ويصدق استحسانًا لأن هذا إيجاب بالتحريم؛ فلا يقع إلا بقرينة وهي الدوام بأن يقول: ما قلته حق (٤). [ولو] (٥) قال لامرأته: "هذه بنتي من نسب" [ولها نسب معروف؛ لم يُفَرَّق لأن الظاهر يكذبه (٦). وكذا لو قال: " هي أمي" والأم معروفة ولو لم يكن لها نسب معروف] (٧) ومثلها يولد لمثله وثبت عليه؛ فرق، وكذا لو قال: هي أختي (٨) [وأمي] (٩). ولو قال: أعتقك؛ طلقت بالنية. وفي المحيط: لو قالت: " هب لي طلاقي"؛ أي: أعرض عنه، فقال: " وهبت طلاقك "؛ لا يقع، وإن نوى، ولو قال: "أعرضت عن طلاقكِ" أو صفَحْتُ "؛ لم يقع، وإن نوى. وكذا الصلح بمعنى الإعراض. وبه قال الشافعي (١٠).

стр. 2987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو قال: طلقَكِ الله، أو لعبده: أعتقك الله؛ وقعا بلا نية (١). وبه قال الشافعي (٢). ولو قال: طلاقك عليَّ واجب، أو لازم، أو ثابت، أو فرض، أو طلاقك عليَّ؛ تكلموا فيه، قيل: تقع واحدة رجعية. وبه قال أصحاب الشافعي (٣). وفي قوله: لازم أو واجب؛ تقع عند الجميع. وقيل: لا يقع شيء، وهو رواية عن أبي حنيفة. وقيل: عند أبي حنيفة؛ يقع، خلافًا لهما. إلا في قوله: لازم؛ فإنه يقع به (٤). وقال أكثر أصحاب الشافعي: يقع بلا نية؛ لأنه بمنزلة الصريح (٥). ومع النية يقع عند جميعهم. وبه قال مالك، وأحمد. وقيل: على عكسه. وقيل في قوله: "واجب"؛ يقع بلا نية. والصحيح: أنه يقع في الكل (٦). بخلاف ما لو قال لعبده: "عتقك عليَّ لازم" أو "واجب"؛ لا يعتق. ولو قال: " قولي أنا طالق"؛ تطلق إذا قالت، وإذا لم تقل؛ لا (٧). ولو قال: "نساء أهل الري طوالق" وهو من أهل الري، أو قال: "نساء أهل الدنيا " أو " عبيد أهل الدنيا أحرار"؛ يقع بالنية، وبه أخذ عصام بن يوسف وعليه الفتوى، وعن محمد: يقعان بلا نية، وبه أخذ الشداد (٨)، وبه قال

стр. 2988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشافعي (١). ولو قال: "أنت طالق" ونوى؛ يقع، وإلا؛ فلا. ولو قال: يا طالِ بكسر اللام يقع بلا نية، وهذا كله في حالة الرضا. وفي حالة مذاكرة الطلاق؛ يقع، وإن لم يذكر اللام مكسورًا. ثم وقوع الطلاق بلفظ الصريح أو الكناية عندنا وبه قال الشافعي، وأحمد. وعن مالك: أنه يقع الطلاق بكل لفظ أراد به الطلاق سواء كان من ألفاظ الصريح أو الكناية أم لا، حتى قيل في رواية عنده أنه يقع الطلاق بالنية وإن لم يتلفظ باللفظ. ثم كل لفظ يحتمل معنى الإزالة فهو من الكناية عند أصحاب الشافعي فيقع الطلاق به بالنية، وبه قال أحمد. وفي شرح مختصر الكرخي: لو كتب طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو حائط أو أرض وكان مستبينا؛ فهو بمنزلة الكلام المُكَنَّى؛ حتى لا يقع به شيء بلا نية (٢). وبه قال: الشافعي (٣)، ومالك (٤). وقال أحمد: يقع بلا نية؛ لأن الكنايات كالخطاب (٥). وقلنا: إن الإنسان قد يكتب ويريد الإيقاع، وقد يكتب لتجويد الخط؛ فلا يُحمل على الإيقاع بلا نية. هذا إذا كتب لا على طريقة المخاطبة. أما لو كتب الخطاب أو الرسالة، مثل أن يقول: أما بعد يا فلانة فأنتِ طالق، أو إذا وصل كتابي إليك فأنتِ طالق؛ فإنه يقع بذلك ولا يصدق في عدم

стр. 2989

ثُمَّ وُقُوعُ البَائِنِ بِمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مَذهَبْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ بِهَا رَجِعِيًّا لِأَنَّ الوَاقِعَ بِهَا طَلَاقُ، لِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْ الطَّلَاقِ، وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ وَيُنتَقَصُ بِهِ العَدَدُ، وَالطَّلَاقُ القصد به إلا أن يقول: نويت طلاقًا من وثاق فيصدَّق ديانة (١). ثم الطلاق يقع عقيب الكناية على طريق الخطاب إذا لم يعلقه بشيء، أما لو علقه بأن قال: إذا وصل إليكِ كاتبي فأنت طالق؛ فالطلاق لا يقع بدون الوصول إليها كما لو علقه بدخول الدار وغيره. وقالوا في من كتب كتابًا على وجه الرسالة وقال فيه: إذا وصل إليك كتابي فأنت طالق، ثم محى ذكر الطلاق منه وأنفد الكتاب وسطره باق؛ وقع الطلاق، ولو محاه في الكتاب حتى لم يبقَ فيه كلام يكون رسالة؛ لم يقع وإن وصل؛ لعدم وجود الشرط وهو وصول الكتاب (٢) .. وبه قال: أصحاب الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥). قوله: (وقال الشافعي: يقع بها)؛ أي: بألفاظ الكنايات. (رجعيا) إذا لم يرد به الثلاث (٦). وبقولنا قال: مالك (٧)، وأحمد في وراية إذا لم يُرد الثلاث (٨). والمسألة مختلفة بين الصحابة: فقال عمر وابن مسعود: الواقع بها رواجع، وقال علي وزيد ابن ثابت: الواقع بها بوائن. والمسألة مستقصاة في الأصول، وقد بينا الوجه من الجانبين في بيان الوصول في شرح الأصول.

стр. 2990

مُعقِبٌ لِلرَّجِعَةِ كَالصَّرِيحِ. وَلَنَا: أَنَّ تَصَرُّفَ الإِبَانَةِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحِلِّهِ عَنْ وِلَايَة شَرعِيَّة، وَلَا خَفَاءَ فِي الأَهْلِيَّةِ وَالمَحَلِّيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى الوِلَايَةِ أَنَّ الحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى إِثْبَاتِهَا كَي لَا يَنسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ التَّدَارُكِ وَلَا يَقَعُ فِي عُهْدَتِهَا بِالمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصد، وَلَيْسَت كِنَايَات عَلَى التَّحقِيقِ، لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا، وَالشَّرطُ تَعيِينُ أَحَدِ نَوعَي البَينُونَةِ دُونَ الطَّلَاقِ، وَانتِقَاصُ العَدَدِ لِثُبُوتِ الطَّلَاقِ بِنَاء عَلَى زَوَالِ الوَصلَةِ، وَإِنَّمَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهَا لِتَنَوُّعِ البَينُونَةِ إِلَى غَلِيظَة قوله: (معقب للرجعة) بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تسريح﴾ [البقرة ٢٢٩]، أو بقوله ﴿وَبُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة ٢٢٨] بعد قوله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة ٢٢٩]. قوله: (صدر من أهله)، وهو الزوج؛ لأنه لا يملك تصرف البينونة؛ ولهذا إذا أخذ العوض يقع البائن بالإجماع، أو أوقع الثلاث تبين بالإجماع، فعلم أن الإبانة مملوكة للزوج وإلا لم يجز الاعتياض عنه. (مضافًا إلى محله)؛ أي: محل التصرف، وهو المرأة، ولا خلاف في ذلك. قوله: (والشرط تعيين) جواب سؤال مقدَّر، وهو أن يقال: لما لم تكن كنايات على الحقيقة كانت صريحة؛ إذ ألفاظ الطلاق لا تخلو عنهما على ما مر؛ فينبغي أن لا تشترط النية. فقال: النية شرط لا باعتبار أنها تحتمل معانٍ أخر سوى الطلاق، وهي: البينونة عن الخيرات أو غيرها؛ فاشتراطها لتعيين الطلاق، ثم بعد تعيين جانب الطلاق تصير عاملة بحقائها؛ إذ الحقيقة حقيق بأن تراد. قوله: (وانتقاص العدد) إلى آخره؛ جواب عمَّا قال الشافعي بقوله: وينتقص به؛ يعني انتقاص العدد باعتبار وصلة النكاح، ومنه يلزم وقوع الطلاق. قوله: (وإنما تصح نية الثلاث) جواب سؤال أيضًا، وهو أن: البائن لو كان عاملا بنفسه ينبغي ألا تصح نية الثلاث كما في قوله: " أنت طالق" عندكم. فقال: صحة نية الثلاث باعتبار (تنوع البينونة إلى غليظة وخفيفة) لا باعتبار أنه عامل بنفسه.

стр. 2991

وَخَفِيفَة، وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الأَدنَى، (وَلَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّنَتَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ) لِأَنَّهُ عَدَدٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. (وَإِنْ قَالَ لَهَا: اعتدي اعتدي اعتَدِّي وَقَالَ: نَوَيت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالبَاقِي حيضًا دُيِّنَ فِي القَضَاءِ) لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْمُرُ امْرَأَتَهُ فِي العَادَةِ بِالاعْتِدَادِ بَعدَ الطَّلَاقِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ (وَإِنْ قَالَ: لَم أَنوِ بِالبَاقِي شَيْئًا فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالأُولَى الطَّلَاقَ صَارَ الحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، فَتَعَيَّنَ قوله: (خلافا لزفر)، وبه قال: الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد في الكنايات الخفية (٣)؛ لأن وقوع الطلاق بنيته، فصار قوله: أنتِ بائن كقوله: أنتِ طالق، ولو نوى ثنتين فيه تصح نيته عندهم فكذا هذا. ونحن بينا أن قوله: "أنتِ" "بائن " لا يحتمل العدد؛ لأنه فرد، وكذا قوله: طالق. (وقد بيناه من قبل)؛ أي في أوائل باب إيقاع الطلاق بقوله: (ونحن نقول إنما صحت به نية الثلاث؛ لكونه جنسا) إلى آخره. قوله: (دين في القضاء)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد. قوله: (فهي ثلاث) وبه قال أحمد. وقال زفر والشافعي ومالك: تقع واحدة؛ لما أن عندهم لا يتعين قوله: " اعتدي " للطلاق في حال مذاكرة الطلاق؛ فيحتاج إلى النية. فإن قيل: ينبغي أن لا يقع؛ لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لا يحمل على المجاز وإن كانت الحقيقة على خلاف العادة؛ لما عُرف في مسألة لا أشرب الماء، وشرب جميع المياه؛ لا يحنث أبدًا، وهاهنا أمكن حمله عليه لمكان العدة على وجه لا يخالف العادة؛ فالأولى أن لا يقع. قلنا: لما صار الطلاق مرادًا بقوله: اعتدي؛ فكان خاطرًا بالبال، فيحمل

стр. 2992

البَاقِيَانِ لِلطَّلَاقِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفِي النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: لَم أَنوِ الباقي عليه، وإنما يحمل على الحقيقة لخطرانها بالبال، وما كان أشد خطرا كان أولى بالحمل عليه، وفيه نوع تأمل. وفي مسألة الشرب ليس فيه داع يدعو إلى المجاز؛ فيحمل على الحقيقة، إليه أشير في الفوائد الظهيرية. قوله: (فلا يصدق)؛ أي: قضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، وتخفيفا عليه. أما يصدق ديانة؛ لأنه نوى محتمل كلامه. وكذا لو قال: أنت طالق وطالق وطالق، وقال: نويت بهن واحدة؛ لا يصدق قضاء، ويصدق ديانة، ويحمل الثاني والثالث على التكرار. كذا في جامع البرهاني. وعند الشافعي: يصدق قضاء أيضًا. قال الإمام السرخسي وقاضي خان المسألة على اثني عشر وجها: أحدها، أن يقول: لم أنو الطلاق بشيء منها، فكان القول له مع اليمين. وبه قال الشافعي وأحمد. والثاني: نويت بالأولى ولم أنو بالباقي شيئًا. وقال: لم أنو بالثالثة شيئاً وهو الثالث، وفيه خلاف زفر والشافعي كما بينا. أو نويت بكلها الطلاق فهي ثلاث بالإجماع. وهو الرابع. والخامس، إذا قال: نويت بالأولى الطلاق وبالباقي لا؛ فهو كما قال قضاء وديانة بالإجماع. والسادس أن يقول: نويت بالأولى والثانية الطلاق والثالث الحيض يدين قضاءً بالإجماع. والسابع، أن يقول: نويت بالأولى الطلاق، وبالثالثة الحيض، ولم أنو بالثانية شيئًا، أو قال: نويت بالأولى الطلاق، وبالثانية الحيض، ولم أنو بالثالثة

стр. 2993

بِالكُلِّ الطَّلَاقَ حَيْثُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: نَوَيت بِالثَّالِثَةِ الطَّلَاقَ دُونَ الأُولَيَيْنِ حَيثُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَة لِأَنَّ الحَالَ عِنْدَ الأُولَيَيْنِ لَم تَكُنْ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، وَفِي كُلِّ مَوضِع يُصَدَّقُ الزَّوجُ عَلَى نَفِي النِّيَّةِ، إِنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ اليَمِينِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الإِخبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، وَالقَولُ قَولُ الأَمِينِ مَعَ اليَمِينِ. شيئاً، فإنها تطلق ثنتين في هذين الوجهين، وبه قال أحمد. وعند الشافعي، وزفر، ومالك في الأولى تطلق واحدة. والتاسع، أن يقول: لم أنو بالأولى والثانية شيئًا، ونويت بالثالثة الطلاق؛ تقع واحدة بالإجماع. والحادي عشر، أن يقول: لم أنو بالأولى شيئاً ونويت بالثانية الطلاق، ولم أنو بالثالثة شيئًا؛ فهي ثنتان عندنا وأحمد. وعند زفر، والشافعي، ومالك: تقع واحدة. والثاني عشر، لو قال: اعتدي ثلاثًا، وقال: نويت بقولي اعتدي طلاقًا، وبالثلاث ثلاث حيض فهو كما قال بالإجماع. وفي المبسوط: لو قال: اعتدي، ثم قال: لم أنو به الطلاق؛ فهي امرأته بعد الحلف، وكذا في جميع ألفاظ الكنايات؛ فالقول قوله مع اليمين لنفي التهمة عنه (١). وبه قال الشافعي (٢). وقال مالك (٣) وأحمد (٤) في الكنايات الخفية كذلك لا في الظاهرة كما بينا، وفي حديث ركانة إشارة إلى ما ذكرنا؛ فإن القول قوله مع اليمين، والله أعلم.

стр. 2994

بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ فَصَلِّ فِي الاحْتِيَارِ (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اختَارِي يَنوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا باب تفويض الطلاق (فصل في الاختيار) لما ذكر بيان الطلاق بنفسه؛ إذ هو الأصل، شرع في بيان الطلاق بنائبه. قوله: (لأن المخيرة لها المجلس بإجماع الصحابة) (١) اعلم أن القياس يقتضي عدم وقوع شيء في قوله: اختاري، وإن نوى الزوج الطلاق؛ لأن التفويض إنما يصح فيما يملك الزوج مباشرته. ولو قال الزوج: اخترت نفسي منك، أو اخترتك من نفسي؛ لا يقع شيء فلا يملك التفويض بهذا اللفظ. لكن ترك القياس بإجماع الصحابة وآثارهم ﵃، فروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وجابر وزيد وعائشة فيه: أن لها الخيار ما دامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت منه أو أخذت في عمل؛ خرج الأمر من يدها (٢). وقد خير النبي ﷺ نساءه بقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب ٢٨]. والقياس: أن لا يبطل الخيار بالقيام عن المجلس؛ لأن التخيير من الزوج مطلق، فالمطلق فيما يحتمل التأبيد [يتأبد] (٣) لكن ترك بآثار الصحابة كما روينا. ولأن الخيار لها على النكاح من قبل الزوج يعتبر بخيار الطارئ لها من قبل الشرع وهو خيار المعتقة، وذا يتوقف بالمجلس؛ فكذا هذا. كذا في المبسوط (٤).

стр. 2995

مَا دَامَت فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِنْ قَامَت مِنهُ أَوْ أَخَذَت فِي عَمَلَ آخَرَ خَرَجَ الأَمْرُ مِنْ يَدِهَا) لِأَنَّ المُخَيَّرَةَ لَهَا المَجْلِسُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الفِعْلِ مِنهَا، وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي المَجْلِسِ كَمَا فِي البَيعِ، لِأَنَّ سَاعَاتِ المَجْلِسِ وبه قال الشافعي في الجديد (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، وأكثر العلماء (٤). وقال الزهري، وقتادة، ومالك في رواية (٥)، والشافعي (٦): لا يقتصر على المجلس. وكذا قال أحمد في الأمر باليد (٧). قوله: (ما دامت في مجلسها)؛ يدل على أن المجلس وإن تطاول يومًا [أو] (٨) أكثر لا يبطل خيارها؛ لأن المجلس قد يطول وقد يقصر. ذكره في المبسوط (٩). وقوله: (فإذا قامت منه أو أخذت في عمل آخر؛ خرج الأمر من يدها)، وهذا المجموع قول الصحابة أيضًا كما ذكرنا. (ولأنه)؛ أي قوله: (اختاري) أو (طلقي نفسك). (تمليك الفعل منها)؛ يعني لا توكيلها؛ إذ الوكيل عامل لغيره. قوله: (تقتضي جوابًا في المجلس)؛ لأنه خطاب، فإذا أخذت في عمل آخر؛ بطل التفويض، وكذا لو خاضت في كلام آخر بطل التفويض أيضًا، قال تعالى: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء ١٤٠] علم أن الخوض في عمل آخر بمنزلة الإعراض. وليس بتوكيل؛ لأن الوكيل من يعمل لغيره، وهي عاملة لنفسها بأن تخلص نفسها عن ذل رق النكاح؛ بخلاف ما إذا قال لأجنبي: طلق امرأتي فإنه توكيل؛ لأنه عامل لغيره.

стр. 2996

اعتُبِرَت سَاعَة وَاحِدَة، إِلَّا أَنَّ المَجْلِسَ تَارَة يَتَبَدَّلُ بِالذَّهَابِ عَنهُ وَتَارَة بِالِاسْتِغَالِ بِعَمَلَ آخَرَ، إِذْ مَجْلِسُ الأكلِ غَيْرُ مَجْلِسِ المُنَاظَرَةِ وَمَجْلِسُ الْقِتَالِ غَيْرُهُمَا. فإن قيل: إجماع الصحابة في أن الخيار يقتصر على المجلس بخلاف النص؛ لأنه ﵇ قال لعائشة حين نزلت آية التخيير: «فلا تجيبيني حتى تستأمري أبويك» (١) وأبواها ليسا بحاضرين في المجلس، فهذا دليل على أن الخيار لا يبطل بالقيام عن المجلس كما قال الشافعي في القديم. قلنا: إحسان الظن بالصحابة فرض؛ لأنا تلقينا الشرع منهم فلا يجوز مخالفتهم بلا دليل وهاهنا لا دليل؛ لأنه ﵇ أثبت لها الخيار مطلقًا ومنعها إلى غاية استشارتها الأبوين، وكلامنا فيما إذا كان التخيير مطلقًا ولم تتعرض السنة لمطلق (٢) التخيير؛ فيلزم تقليد الصحابة. فإن قيل: يرد عليه شبه أحدها: أن رب الدين إذا وكل المديون بإبراء ذمته؛ فهو وكيل وإن كان عاملًا لنفسه في إبراء ذمته مع أنه لا يقتصر على المجلس ويملك صاحب الدين قبل الإبراء الرجوع. ذكره في الجامع. وهاهنا لا يملك الزوج أن يرجع عندنا وبه قال: مالك (٣)، وابن خيران من أصحاب الشافعي (٤). وعند الشافعي (٥)، وأحمد (٦): يملك الزوج الرجوع. والثاني: أنها لو كانت مالكة بالتخيير ينبغي أن لا يبقى الزوج مالكا؛ لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكًا لشخصين في زمان واحد، والحال أن الزوج مالك للطلاق بعد التخيير، فلا تكون هي مالكة؛ بل نائبة عن زوجها. والثالثة كما ذكره محمد في الزيادات: قال لامرأته: طلقي نفسك، ثم

стр. 2997

(وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ القِيَامِ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِعْرَاضِ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ وَالسَّلَم، حلف ألا يطلقها، فطلقت هي نفسها؛ حنث الزوج في يمينه، وإنما يحنث إذا كانت في تطليق نفسها بائنة عن الزوج لا مالكة (١). قلنا: معنى المالك: هو القادر على التصرف؛ لأنه فاعل من الملك: وهو القدرة، والتمليك يفتعل منه فيكون هو الاقتدار على التصرف إلا أنه في الشرع: هو القادر على التصرف باختياره على وجه لا يلحقه إثم ولا خلف وعد في عدم فعله، وما وقع النزاع فيه بهذه المثابة. بخلاف الوكيل؛ لأنه مأمور، وإذا لم يأتمر بما أمر به؛ يلزم فيه خلف الوعد أو الإثم. والجواب في مسألة المديون: أنه مأمور ووكيل وإنما وقع تصرفه لنفسه، وصحة الرجوع لا تدل على أنه ليس بتمليك؛ فإن الهبة للأجنبي قبل القبض وبعده تمليك، ويقبل الرجوع. وعند الشافعي: هبة الوالد وأمره تمليك يقبل الرجوع (٢). وعدم صحة الرجوع في التخيير؛ لاشتماله معنى التعليق لا لكونه تمليكا. وفي مسألة اليمين؛ فالحنث ممنوع على رواية محمد. ذكر المنع في الزيادات (٣). وأما قوله: لو كانت مالكة؛ فقلنا بقاء ملك الزوج في الطلاق؛ لبقاء ملكه في النكاح، وبالتمليك أثبت لها ولاية التصرف لا سلب ولاية تصرفه عن الطلاق؛ فإن سلب ولاية التصرف تبقى له ما دام سببه باقيًا كما في الوكالة بالبيع وسائر التصرفات. إليه أشير في الفوائد الظهيرية. ثم إن كانت المرأة غائبة في قوله: طلقي واختاري؛ يعتبر مجلس علمها إذا كان التفويض مطلقا، ولو كان مقيدًا بأن قال لها: طلقي نفسك

стр. 2998

لِأَنَّ المُفْسِدَ هُنَاكَ الافْتِرَاقُ مِنْ غَيْرِ قَبض، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ: اختَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَحْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْتَمِلُ تَحْيِيرَهَا فِي تَصَرُّف آخَرَ غَيْرِهِ (فَإِنْ اختَارَتْ نَفْسَهَا في قوله «اختَارِي» كَانَتْ وَاحِدَة بَائِنَة). اليوم؛ فيعتبر مجلس العلم في هذا اليوم، فإذا مضى اليوم ثم علمت لم يبق في يدها شيء. ولو قال: طلقي متى شئت؛ فلها أن تطلق نفسها في المجلس أو غيره؛ لأن "متى" لتعميم الزمان. ولو قال لها: طلقي مرة؛ فلها أن تطلق نفسها مرة لا ثانيًا؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار. كذا في الفوائد. قوله: (لابد من النية)؛ أي: نية الطلاق. (في قوله: اختاري لأنه يحتمل) يجوز أن يكون مراده اختاري نفقة أو كسوة أو دار السكنى، وفي الكلام المحتمل القول قوله مع يمينه؛ لكونه متهما كما في سائر الكنايات. والواقع به طلاق بائن عندنا؛ لأنه من الكنايات. خلافًا للشافعي وقد مر. أما لو خيرها بعد ذكر الطلاق واختارت نفسها، ثم قال: لم أنو به الطلاق؛ لم يصدق في القضاء، وكذا في حالة الغضب. خلافًا للشافعي ومالك، وقد بيناه في الكنايات. وكذا لا يسع للمرأة أن تقيم معه إلا بنكاح مستقبل. قوله: (كانت واحدة بائنة) وهو قول علي (١). وقال الشافعي: رجعية (٢). وبه قال أحمد (٣)، وهو قول: عمر وابن مسعود (٤). كما في سائر الكنايات.

стр. 2999

وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الزَّوجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَمْلِكُ التَّفوِيضَ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِأَنَّهُ بِسَبِيلَ مِنْ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا أَوْ يُفَارِقَهَا فَيَمْلِكُ إِقَامَتَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَقِّ هَذَا. وعند زيد ثلاث (١)، وكأنه حمل على إثم ما يكون من الاختيار. وبه قال مالك (٢) كما في سائر الكنايات. وعمر وابن مسعود: حملاه على أدنى ما يكون منه وهو طلاق رجعي. وجه قول علي: أن اختيارها لنفسها إنما يتحقق بزوال ملك الزوج حتى صارت [مالكة] (٣) أمر نفسها، وذلك بالواحدة البائنة، وليس في هذا اللفظ ما يدلُّ على الثلاث؛ لأن حكم مالكيتها أمر نفسها لا يختلف بالثلاث والواحدة البائنة؛ ولهذا قلنا: لو نوى الثلاث بهذا اللفظ لا تقع إلا واحدة بائنة، وهذا رد المختلف على المختلف فإن [عند] (٤) زيد ومالك: تقع ثلاث، نوى أو لم ينو. وقوله: "اختاري "، أمر بالفعل؛ فلا يحتمل العدد بخلاف قوله: "أنتِ بائن"؛ لأن البينونة متنوعة كما بينا؛ فتصح نية الثلاث فيه باعتبار تنويعها. أما هاهنا الاختيار لا يتنوع فبقي مجرد نية العدد؛ فلا يصح. كذا في المبسوط (٥). فإن قيل: لو قال لها: " أمرك بيدك " أو "طلقي نفسك" أو "أنت بائن"؛ تصح نية الثلاث، وهاهنا لا تصح مع أن فيها لفظ الأمر، مع أن الاختيار متنوع (٦) أيضًا، وهو الأدنى والأعلى كما قال زيد. قيل في الفرق وجهان: أحدهما: ما ذكر في الإيضاح وشرح مختصر الكرخي: أن الوقوع بلفظ الاختيار على خلاف القياس، وإنما ثبت ذلك بإجماع

стр. 3000

الحُكمِ، ثُمَّ الوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ، لِأَنَّ احْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ احْتِصَاصِهَا بِهَا وَذَلِكَ فِي البَائِنِ (وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى الزَّوجُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الِاحْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، بِخِلَافِ الإِبَانَةِ، لِأَنَّ البَينُونَةَ قَدْ تَتَنَوَّعُ. الصحابة، والإجماع انعقد بالطلقة الواحدة بخلاف تلك المسائل (١). والثاني: ما أشار إليه شيخ الإسلام بأن "الأمر" اسم عام يتناول كل شيء قال تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩] أراد به الأشياء كلها؛ فيصلح اسما لكل فعل؛ فإذا نوى الطلاق صار كأنه قال: "طلاقك بيدك" و "الطلاق" يحتمل العموم والخصوص، وأما "الاختيار " اسم لفعل خاص، وهو: الخلوص والصفوة، وثبوت البينونة فيه مقتضى الصفوة؛ فلم تصح فيه نية العموم (٢). فإذا حصلت لها بالاختصاص بنفسها فبعد ذلك لا تزداد هي بانضمام شيء آخر؛ بخلاف قوله: "طلقي " فإن الطلاق له أجزاء؛ فيحتمل العموم والخصوص، وقوله: طلقي مختصر من قوله: "افعلي فعل الطلاق"؛ فكان محتملا للعموم، وقوله: "أنتِ بائن"، فإن البينونة نوعان على ما مر؛ فيحتمل الأدنى والأعلى. وفيه نوع تأمل أيضًا. ثم لو اختارت المرأة زوجها لا يقع به شيء عندنا. وبه قال الشافعي (٣)، وهو قول عمر وابن مسعود وأبو الدرداء وغيرهم (٤)، غير علي. فقالت عائشة: "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه ولم يكن ذلك طلاقا " (٥). وقال علي في رواية: "تقع رجعية " (٦)، وبه قال الحسن البصري

стр. 3001

قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ فِي كَلَامِهَا، حَتَّى لَو قَالَ لَهَا: اختَارِي، فَقَالَت: قد اختَرتُ فَهُوَ بَاطِلٌ)؛ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالإِجْمَاعِ وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَينِ، وَلِأَنَّ المُبهَمَ لَا يَصلُحُ تَفسِيرًا لِلمُبْهَمِ الآخَرِ، وَلَا تَعيِينَ مَعَ الإِبْهَامِ (وَلَو قَالَ لَهَا: اختَارِي نَفْسَكِ فَقَالَت: اختَرْتُ تَقَعُ وَاحِدَة بَائِنَة). وربيعة (١)؛ فكأنه جعل عين هذا اللفظ طلاقا. وقال علي في رواية: "لا يقع به شيء" (٢) كما قلنا، وفيه روايتان. قوله: (ولا بد من ذكر النفس في كلامه أو كلامًا يقوم مقام النفس كالتطليقة والاختيار؛ لورود الشرع في المفسرة من أحد الجانبين). وفي المحيط: لابد من ذكر النفس أو التطليقة أو الاختيارية في أحد الكلامين؛ لأن الاختيار محتمل للمعاني فلابد له من تفسير، وهو ذكر النفس أو ما يدل عليها (٣). لأن الاختيار عبارة عن الخلوص كما بينا؛ فإذا اختارت نفسها يقتضي خلوص نفسها لها، وذلك بوقوع طلقة بائنة. وذكر النفس ليس بشرط عند الأئمة الثلاثة. أما عند مالك: فأي الكلام صدر منه مع النية؛ يقع به الطلاق وإن لم يشعر به (٤). وأمَّا عند الشافعي (٥)، وأحمد (٦): فلابد أن يكون في كلامه أو جوابها ما يصرف [الكلام] (٧) عند عدم ذكر النفس.

стр. 3002

لِأَنَّ كَلَامَهُ مُفَسَّرٌ، وَكَلَامَهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ (وَكَذَا لَو قَالَ: اخْتَارِي اخْتِيَارَة فَقَالَت: اختَرتُ) لِأَنَّ الهَاءَ فِي الاحْتِيَارَةِ تُنبِئُ عَنْ الاتِّحَادِ وَالانْفِرَادِ، وَاحْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّة وَيَتَعَدَّدُ أُخرَى فَصَارَ مُفَسَّرًا مِنْ جَانِبِهِ. (وَلَو قَالَ: اخْتَارِي، فَقَالَتْ: قَدْ اختَرتُ نَفْسِي، يَقَعُ الطَّلَاقُ إِذَا نَوَى الزَّوجُ) لِأَنَّ كَلَامَهَا مُفَسَّرٌ، وَمَا نَوَاهُ الزَّوجُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ (وَلَو قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَت: قوله: (لأن كلامه مفسر) إلى آخره؛ خرج جوابًا لسؤال مقدر، وهو أن يقال: إن قولها "اخترتُ" مُبهَم، والمبهم لا يصلح مفسرا لكلام غيره. فقال جوابه: إن كلامها خرج جوابًا له؛ فيتضمن إعادة ما في السؤال. (لأن الهاء)؛ أي: التاء سماها هاء؛ لتصورها بصورة الهاء، أو لكونها هاء عند الوقف. (هو الذي يتحد مرة)؛ بأن قال: اختاري نفسك تطليقة واحدة. (ويتعدد أخرى)؛ بأن قال: اختاري بثلاث تطليقات أو بما شئت. ولو قال: اختاري، فقالت: اخترت اختيارة أو تطليقة؛ تقع لأن ذكر الاختيارة أو التطليقة لما صلح للنفس صار ذكرها كذكر النفس؛ فذكر النفس في أي الكلامين يكون مفسرا؛ فكذا هذا. ولو قالت: اخترت أبي أو أمي أو أهلي أو الأزواج بعد قول الزوج لها: اختاري في القياس لا يقع شيء. وبه قال الشافعي في وجه (١)؛ لأنه لم يوجد في لفظهما ما يدل على اختيار البينونة. وفي الاستحسان: يقع. وبه قال الشافعي في أصح الوجهين (٢)؛ لأن الزوج لو قال لها: الحقي بأهلك - يقع (٣) ونوى الطلاق؛ يكون طلاقًا؛ فكذا اختيارها الانضمام إليهم اختيارًا للبينونة، واختيار الأزواج لا يصح إلا بعد المفارقة.

стр. 3003

أَنَا أَحْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ) وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا تَطلُق، لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعد أو يَحْتَمِلُهُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكَ فَقَالَتْ: أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي. وَجهُ الِاسْتِحْسَانِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فَإِنَّهَا قَالَتْ: «لَا بَلْ أَختَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» اعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ جَوَاباً مِنهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الحَالِ وَتَجُوزُ فِي الاستِقْبَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ، بِخِلَافِ قَولِهَا: أُطَلِّقُ أما لو قالت: اخترت قومي أو ذا محرم مني؛ لا يقع. وللشافعي فيه وجهان، وقال البوشنجي: الأظهر أنه يقع الطلاق فيه. قوله: (والقياس ألا تطلق)، وبه قال الشافعي (١) كما لو قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أطلق نفسي؛ لا يقع به شيء في القياس. وقال الشافعي: لأن مطلقه الاستقبال؛ فيكون مجرد وعد، إلا إذا قال: أردت إنشاء الطلاق؛ فحينئذ وقع. وجه الاستحسان: حديث عائشة وهو ما رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ياَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب ٢٨] بدأ رسول الله ﷺ بعائشة فقال: «إنِّي مخبرك بأمر فلا تجيبيني بأمر حتى تستأمِري أبوَيْكِ»، ثم أخبرها بالآية فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ لا بل أختار الله ورسوله، فجعل النبي ﷺ هذا الكلام منها إيجابًا. كذا في جامع فخر الإسلام والكيساني (٢). (ولأن هذه الصيغة حقيقة في الحال)؛ أي بحسب استعمال الشرع والعرف، وإن كان صيغة المضارع مشتركة في الحال والاستقبال كما ذكر في النحو إلا أنه يرجح بحسب الشرع والعرف، يقول الرجل: فلان يختار كذا وأنا أختار كذا، ويقول: أنا أملك كذا من العبيد وغيرها، والمراد الحال، وكذا أشهد في كلمة الشهادة وأشهد في أداء الشهادة يدلان على الحال شرعًا. إليه أشير في الفوائد الظهيرية (٣).

стр. 3004

نَفْسِي، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الحَالِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِكَايَةٍ عَنْ حَالَة قَائِمَة، وَلَا كَذَلِكَ قَولُهَا: أَنَا أَختَارُ نَفْسِي، لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَة قَائِمَة وَهُوَ احْتِيَارُهَا نَفْسَهَا، (وَلَو قَالَ لَهَا: اختاري اختاري اختَارِي فَقَالَت: قد اخترت الأُولَى أَوْ الوُسْطَى أَوْ الأَخِيرَةَ، طَلُقَت ثَلَاثًا فِي قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الزَّوجِ، وَقَالَا: تَطْلُقُ وَاحِدَة) (*) وَإِنَّمَا لَا يُحتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الزَّوجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ، إذ الاختِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ، لَهُمَا: إِنْ ذَكَرَ الأُولَى، وَمَا يَجْرِي مَجرَاهُ إِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيثُ الترتيب يُفِيدُ مِنْ حَيثُ الإِفْرَادُ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يُفِيدُ. (ليس بحكاية عن حالة قائمة)؛ إذ لا حال قبل هذا، وإنما الإيجاب حاصل بهذه الصيغة نفسها من قِبَل أن الإيقاع باللسان دون القلب؛ فلم يصح فعل اللسان حكايةً عن فعل قائم باللسان على سبيل الحال؛ فتعذر الأصل. فحمل على أمر ماض ليجعل إيجابًا وهو قولها: طَلَقْتُ، إما من عمل القلب، فيكون الذكر باللسان حكاية عن أمر قائم لا محالة، وذلك كـ[قول] (١) الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وقول الشاهد في مجلس الحكم: أشهد؛ فصار إيجابًا في الحال، ويقال: فلان يقرأ ويصلي ويراد به الحال. كذا في جامع فخر الإسلام والكيساني (٢). قوله: (ولا يحتاج إلى نية) ولا إلى ذكر نفسها؛ لأن اختيار الطلاق يتكرر، واختيار الزوج لا يتكرر؛ فتكرار التخيير دليل على أن مراده الطلاق. (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد وبه قال الشافعي إن نوى الطلاق (٣). (لا يفيد من حيث الترتيب)؛ أي: بالاتفاق مفيدٌ من حيث الإفراد؛ فصار كقولها: اخترت التطليقة، وهذا لأن "الأولى" وهو اسم لفرد سابق، و"الوسطى" تأنيث الأوسط وهو اسم لفرد يقدم عليه مثل ما تأخر عنه، و " الأخيرة " اسم لفرد لاحق؛ فكان لقولها معنيان الفردية والسبق، فلو بطل

стр. 3005

وَلَهُ: أَنَّ هَذَا وَصفٌ لَعْوٌ، لِأَنَّ المُجتَمِعَ فِي المِلكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالمُجْتَمِعِ فِي المَكَانِ، وَالكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ وَالإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، فَإِذَا لَنَا فِي حَقِّ الأَصْلِ لَنَا فِي حَقِّ البِنَاءِ معنى السبق الذي يقتضي الترتيب بالاتفاق؛ فبقي الفردية، فصار كقولها: اخترتُ التطليقة الأولى؛ فصار كأنها صرحت بذلك، وفي ذلك تقع واحدة وكذا هنا. قال الطحاوي: وبقولهما نأخذ (١). وأبو حنيفة [يقول] (٢): "الأولى" نعت لمؤنث، والنعت ينصرف إلى المنعوت المذكور إذ هو الأصل، والمذكور "الاختيار " دُونَ "الطلاق"؛ فكان هذا بمنزلة قولها: اخترت الاختيارة أو المرة الأولى، فلو صرحت بذلك؛ طَلُقَتْ ثلاثًا؛ فكذا هذا. أو لأنها أتت بالترتيب فيما لا يليق به صفة الترتيب؛ فيلغو ذكر الترتيب، ويبقى قولها "اخترت" به يكون جوابًا للكل؛ فتقع الثلاث. كذا في المبسوط والفوائد الظهيرية (٣). (كالمجتمع في المكان) فإن القوم إذا اجتمعوا في مكان لا يقال هذا أول وهذا آخر، وإنما الترتيب في فعل الأعيان يقال: هذا جاء أولا وهذا جاء آخرًا. ولأن الأولى أو الوسطى كما تصلح نعتًا للتطليقة تصلح نعتا للاختيارة الحاصلة منها، ولو اقتصرت على قولها: "اخترت " كان جوابا للكل فلا يتغير ذلك بكلام محتمل. بخلاف ما لو اختارت التطليقة؛ لأن التطليقة لا تتناول الثلاث. كذا ذكره قاضي خان. (في حق الأصل)، وهو الترتيب. (لغا [في حق البناء] (٤)) وهو الإفراد.

стр. 3006

(وَلَو قَالَتِ: اختَرتُ احْتِيَارَة، فَهِيَ ثَلَاثُ فِي قَولِهِم جَمِيعًا) لِأَنَّهَا لِلمَرَّةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا صَرَّحَت بِهَا، وَلِأَنَّ الِاحْتِيَارَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ تَقَعُ الثَّلَاثُ فَمَعَ التَّأْكِيدِ أُولَى (وَلَو قَالَتْ: قَدْ طَلَّقتُ نَفْسِي، أَوْ اختَرتُ نَفْسِي بِتَطلِيقَة فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجِعَةَ) لِأَنَّ هَذَا اللفظ يُوجِبُ الانطِلَاقَ بَعدَ انقِضَاءِ العِدَّةِ، فَكَأَنَّهَا اختَارَت نَفْسَهَا بَعدَ العِدَّةِ. [] (١) بقي قولها: "اخترت" وهو يصلح جوابًا للكل؛ فيقع الثلاث. ولا يقال: ينبغي أن لا يقع هنا شيء؛ لأنه لما بقي قولها "اخترت" وقد بينا أن هذا اللفظ لا يقع بدون ذكر النفس أو ما يقوم مقامها. لأنا نقول هذا إذا لم يكن في لفظ الزوج ما يدل على تخصيص الطلاق، وهاهنا ما يدل عليه؛ فإن تكريره لفظ الاختيار يدل عليه؛ لما ذكرنا أن اختيار الطلاق يتكرر، واختيار الزوج لا يتكرر. (ولو قالت: قد طلقت نفسي)؛ أي: في جواب قول الزوج: "اختاري" بلا تكرار. (فهي واحدة يملك الرجعة) وبه قال الشافعي تقع واحدة رجعية (٢). وفي الفوائد الظهيرية: هذا سهو وقع من الكاتب؛ لأن المرأة تتصرف بحكم التفويض، والتفويض تطليق وصفه الإبانة (٣) عندنا؛ لأنه من الكنايات فتملك الإبانة (٤) لا غير. والأصح من الرواية "فهي واحدة لا تملك الرجعة" وهي رواية: المبسوط، والجامع الكبير، والزيادات، وعامة نسخ الجامع الصغير سوى جامع صدر الإسلام فإنه ذكر فيه ما ذكر في الكتاب، والدليل يساعد ما ذكر في عامة النسخ؛ لأن العامل تخيير الزوج، والواقع بالتخيير بائن؛ لأنه تمليك النفس منها، وفي الرجعي لا يثبت ملك النفس (٥).

стр. 3007

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فِي تَطلِيقَة، أو اختَارِي تَطلِيقَة، فَاخْتَارَت نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ) لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الاختِيَارَ لَكِن بِتَطلِيقَة وَهِيَ مُعقِبَةٌ لِلرَّجِعَةِ بالنص. وفي بعض النسخ: " تقع واحدة رجعية " والصحيح ما ذكرنا. نص عليه في الزيادات. وجه ما ذكر في الكتاب هو المذكور فيه؛ فكأنه اعتبر صريح اللفظ. (لأنه) أي بلفظ الصريح. فإن قيل: ما الفرق بين قوله: طلقتُ وبين قوله: اخترتُ؟ فإن قولها: " اخترتُ " أو "طلقتُ نفسي " يصلح جوابًا لقوله: اختاري، وقولها: "اخترت " لا يصلح جوابًا لقوله: طلقي نفسك، إلا على قول زفر؛ حتى يقع لغوا. ذكره في المبسوط (١). قلنا: لفظ "الاختيار" أضعف من لفظ "الطلاق"؛ فإن الزوج يملك الإيقاع بلفظ الطلاق ولا يملك بلفظ الاختيار، فالأضعف لا يصلح جوابًا للأقوى، والأقوى يصلح جوبًا للأضعف. ولهذا لو قالت: " طلقت نفسي " قبل تخيير الزوج يتوقف على إجازته، فإذا كان بعد التخيير كان عاملا، وقولها: "اخترتُ نفسي " قبل التخيير يكون لغوا فلا يتوقف على الإجازة، فكذلك بعد التفويض بقوله: طلقي نفسك؛ لأن التفويض غير التخيير. كذا في المبسوط (٢). قوله: (لكن بتطليقة)، فإن قيل: لو كان كذلك كان قوله هذا بمنزلة قوله: طلقي نفسك. وقد ذكرنا أن قولها: " اخترتُ " لا يصلح جوابًا لقوله: طلقي نفسك. قلنا: آخر كلامه لما صار تفسيرًا للأول؛ كان العامل هو المفسر، والمفسر هو الأمر باليد والتخيير، وقولها: اخترت يصلح جوابًا له. كذا في جامع قاضي خان (٣).

стр. 3008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المحيط: تقع رجعية؛ لأنه أمرها باختيارها نفسها بتطليقة؛ فكأنه قال لها: خلصي نفسك بتطليقة، والتطليقة معقبة للرجعة (١). مسائل تتعلق بهذا الفصل ولو قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي لا بل زوجي؛ يقع، ولو قالت: اخترت زوجي (٢) لا بل نفسي؛ لم يقع؛ لأنها اختارت نفسها أولا، فقد وقع؛ فلا يصح الرجوع من بعد، أما لو اختارت زوجها أولا خرج الأمر من يدها فلا يصح اختيارها من بعد. ولو قالت: اخترت نفسي أو زوجي؛ لم يقع؛ لأن "أو" للتشكيك فلا يثبت اختيارها نفسها بالشك. أما لو قالت: اخترت نفسي وزوجي؛ تقع؛ لأن باختيارها نفسها بانت، ثم عطفت اختيار الزوج عليها؛ فلم يصح. ولو قدمت الزوج؛ لا يقع. ولو قال لها بعد قوله: (اختاري)، لك ألف على أن تختاريني، فاختارته؛ لا يجب شيء ولا يجب المال؛ لأن الاعتياض عن ترك حق تملك النفس لا يجوز كما لا يجوز عن ترك حق الشفعة. ولو قال: اختاري إن شئت، فقالت: اخترت نفسي؛ يقع؛ لأنه بمنزلة طلقي نفسك إن شئت. ولو قال: أنت طالق إن شئت واختاري، فقالت: شئت واخترت؛ يقع طلاقان: أحدهما بالمشيئة، والآخر بالخيار. كذا في المحيط (٣). ولو قال: اختاري ثلاثا، وقالت: اخترت نفسي مرة أو بمرة أو واحدة أو بواحدة أو اختيارة أو اخترت؛ طلقت ثلاثا؛ لأنه جواب الكل.

стр. 3009

فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِاليَدِ ولو قال: اختاري اختاري اختاري بألف، فقالت: جميع ذلك؛ وقعت الأوليان بلا شيء، والثالثة بألف؛ لأنها مقرونة بالبدل كما في الاستثناء والشرط، وكذا لو قالت: نفسي اختيارة أو واحدة بواحدة. ولو قالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة تطلق ثلاثًا بألف على قياس قول أبي حنيفة، وعلى قياس قولهما وقعت بغير شيء. ولو قالت: اخترت الأخيرة وقعت بألف. ولو قالت: طلقت نفسي واحدة أو اخترت نفسي بتطليقة؛ فهي واحدة بائنة؛ لأن التطليقة اسم للواحدة، فلا يمكن أن يجعل جوابًا عن الكل، فيجعل جوابًا عن البعض فبعد ذلك تسأل المرأة عن ذلك، بأن قالت: عنيت الأولى أو الثانية؛ وقعن بلا شيء. وإن قالت: عنيت بها الثالثة؛ وقعت بألف. ولو قال لها: اختاري واختاري واختاري بألف؛ فالألف مقابل للثلاث للعطف، حتى لو قالت: اخترت نفسي بتطليقة؛ لم يقع شيء؛ لأن الواحدة لو وقعت وقعت بثلث البدل، ولم يرض بذلك بالبينونة. ولو قالت: اخترت الأولى أو الثانية أو الثالثة؛ وقعت ثلاثًا بألف عنده، وعندهما لا يقع؛ لأنه لو وقع لوقع بثلث الألف الكل في جامع التمرتاشي (١). فصل في الأمر باليد قدم فصل الاختيار في باب التفويض على غيره ليؤيده بإجماع الصحابة. ثم اعلم أن الحكم باليد كالحكم في الخيار في المسائل، إلا أن هذا صحيح قياسًا واستحساناً؛ لأن الزوج مالك لأمرها فيملكها ما هو مملوك له؛ فيصح منه قياسًا واستحساناً؛ لأن الزوج مالك لأمرها. ويلزم حتى لا يملك الرجوع اعتبارًا بإيقاع الطلاق.

стр. 3010

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَنوِي ثَلَاثًا فَقَالَت: قَدْ اختَرْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ)؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلأَمْرِ بِاليَدِ، لِكَونِهِ تَملِيكًا كَالتَّحْيِيرِ، وَالوَاحِدَةُ ولو نوى الأمر باليد ثلاثًا؛ كان كما نوى؛ لأن الأمر يحتمل العموم والخصوص كما بينا بخلاف "اختاري "، فإنه أمر بالفعل، والفعل لا يحتمل العموم. قوله: (ينوي ثلاثا) قيد به؛ لأنه إذا لم [ينو] (١) ثلاثًا؛ تقع واحدة بائنة عندنا. ورجعية عند الشافعي (٢)، وأحمد (٣). وعند ابن أبي ليلى، ومالك (٤): تقع ثلاث، ولا يصدق قضاء إذا نوى واحدة؛ لأنه فوض إليها بهذا الكلام جنس ما يملكه عليها، وذلك ثلاث. وقلنا: التفويض قد يكون خاصًا وقد يكون عامًا، فبنية الواحد قصد الخاص، وهو غير المخالف للظاهر. وكذا الخلاف لو نوى الطلاق فقط؛ لأنه لا يثبت به إلا العدد المتيقن عند الاجتماع. وكذا لو نوى ثنتين؛ تقع واحدة عندنا، خلافًا للشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧)؛ لأن هذا نية العدد، وهي لا تسع في هذا اللفظ فتكون واحدة بائنة، كذا في المبسوط (٨). (فهي ثلاث)؛ أي: بلا خلاف بين الأئمة الأربعة.

стр. 3011

صِفَةٌ لِلِاحْتِيَارَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: اختَرتُ نَفْسِي بِمَرَّة وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ (وَلَو قَالَتْ: قَدْ طَلَّقتُ نَفسي بِوَاحِدَة أَوْ اختَرتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَة فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ الوَاحِدَةَ نَعتُ لِمَصْدَر مَحذُوف وَهُوَ فِي الأُولَى الاحْتِيَارَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطلِيقَةُ، إِلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَة، لِأَنَّ التَّفوِيضَ فِي البَائِنِ ضَرُورَةُ مِلكِهَا أَمْرَهَا، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ، فَتَصِيرُ الصِّفَةُ المَذْكُورَةُ فِي التَّفوِيضِ مَذْكُورَة فِي الإِيقَاعِ، وَإِنَّمَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَولِهِ: أَمْرُكَ بِيَدِكَ لِأَنَّهُ يَحتَمِلُ العُمُومَ وَالخُصُوصَ وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ، بِخِلَافِ قَولِهِ: اختَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ العُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. (وبذلك)؛ أي: بقوله مرة واحدة؛ لأنها إنما تصير مختارة بمرة واحدة إذا وقع الثلاث. (الأولى)؛ أي: قولها: اخترت نفسي بواحدة. (وفي الثانية)؛ أي: قوله: طلقت واحدة. وذلك أن الواحدة صفة؛ فلابد لها من موصوف محذوف؛ فوجب إثباته على حسب ما يدل على المذكور السابق، وهو في الأولى "اخترت" فوجب إثبات الاختيارة، وفي الثانية يجب إثبات الطلقة، وهي عبارة عن الواحد؛ فتقع واحدة. فإن قيل: يجوز أن يراد بها المرة الواحدة كما يجوز أن يراد بها الطلقة الواحدة، [يقال] (١): ضربت ضربة؛ ألا ترى إلى ما قالوا أن الفعلة للمرة، والفعلة للحاجة، فلم يكن إرادة الطلقة الأولى [من] (٢) إرادة المرة. قلنا: إنما يراد بها المرة إذا كانت مرتبة على فعل يصرف من مصدرها كما في ضربت ضربة، أما إذا لم يكن فلا، ومصدرها الطلاق دون التطليق، فإن أراد بها التطليقة لتعارض (٣) بين إرادة المرة والتطليقة؛ فإثبات التطليقة الأول؛ لكونها متيقنا بها. إليه أشير في الفوائد الظهيرية. (وقد حققناه من قبل)؛ أي: في فصل الاختيار؛ لأن الاختيار لا يتنوع.

стр. 3012

(وَلو قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ اليَومَ وَبَعدَ غَد لَم يَدخُل فِيهِ اللَّيلُ، وَإِنْ رَدَّت الأَمْرَ فِي يَومِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ اليَومِ، وَكَانَ الأَمرُ بِيَدِهَا بَعدَ غَد) لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكرِ وَقتَينِ بَيْنَهُمَا وَقتْ مِنْ جِنسِهِمَا لَم يَتَنَاوَلَهُ الأمرُ، إذ ذِكرُ اليَومِ بِعِبَارَةِ الفَردِ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيلَ فَكَانَا أَمْرَينِ، فَبِرَدٌ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هُمَا أَمرٌ وَاحِدٌ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ اليَومَ وَبَعدَ غَد. قُلْنَا: قوله: (لم يدخل فيه) (١) الثلاثة. حتى لو اختارت في (الليل) لا يقع شيء. (ولو ردت الأمر) [في اليوم] (٢)، (بطل [أمر] (٣) ذلك اليوم ويكون الأمر) في يدها بعد الغد. وفي قوله: (اليوم وغدًا) (٤) على عكس ذلك. وفي شرح الوجيز في قوله: وغدًا أو بعد غد ينبغي أن يكون على الخلاف في أن التفويض تمليك أو توكيل فإن جعلناه تمليكا لم يحتمل التراخي كما في البيع، وإن جعلناه توكيلا فهو كما لو وكل إنسانًا في اليوم والغد وبعد الغد، وعلى هذا فله الرد في بعض الأيام دون بعض (٥). وفي الحلية: فيه قولان: أحدهما نص [عليه] (٦) في الإملاء: أنه يجوز. وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني. وفي الجديد: لا يصح؛ تغليبًا لحكم التمليك (٧)، والتمليك المضاف إلى المستقبل لا يصح عنده. (وقت من جنسهما) (٨) احتراز عن قولهما: اليوم وغدا؛ حيث يدخل الليل

стр. 3013

الطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ، وَالأَمرُ بِاليَدِ يَحتَمِلُهُ، فَيُوَقَّتُ الأَمرُ بِالأَوَّلِ وَبِجُعَلُ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأَ (وَلَو قَالَ: أَمْرُكَ بِيَدِكَ اليَومَ وَغَدًا يَدخُلُ اللَّيلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّت الأَمْرَ فِي يَومِهَا لَا يَبْقَى الأَمرُ فِي يَدِهَا فِي غَد) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ لَم يَتَخَلَّل بَينَ الوَقتَينِ المَذْكُورَينِ وَقتْ مِنْ جِنسِهِمَا لَم يَتَنَاوَلَهُ الكَلَامُ، وَقَدْ يَهجُمُ اللَّيلُ فيه وإن لم يكن من جنس اليوم والغد؛ لما أن المراد منه وقت واحد بيومين عادة؛ فتدخل فيهما الليلة ضرورة وإن لم تكن من جنسهما. وهاهنا لم يدخل الغد وإن كان من جنس اليوم وبعد غد؛ فعلم أن المراد منه تجديد الأمر، فيحتمل كل واحد من جنس اليوم وبعد غد، فيعتبر كل واحد من الوقتين منفرد، ويذكر اليوم بعبارة الفرد ولا يدخل الليل. وفي جامع التمرتاشي: أن أمرك بيدك فيهما أمر واحد (١). [] (٢) وكذا لو قال: اليوم ورأس الشهر؛ لأنه عطف أحد الوقتين على الآخر من غير تكرار لفظ الأمر؛ فكان أمرًا واحدًا كما في قوله: اليوم وغدًا. وقلنا: أحد الوقتين هاهنا غير متصل؛ فالأمر لما بينهما وقت غير مذكور، بخلاف قوله: وغدًا؛ لأنه متصل بالوقت الآخر، فكان ذكر الغد لامتداد حكم الأمر إليه. كذا في المبسوط (٣). (والأمر باليد يحتمله)؛ أي: يحتمل التوقيت؛ فلما توقت الأمر باليوم الأول انقطع بمجيء الغد، فلم يعد بعد الانقطاع إلا بتجديد [الأمر] (٤)؛ فاقتضى ضرورة الإيجاب أمر آخر. أما الطلاق فلا يحتمل التأقيت حتى ينقطع بمضي (٥) اليوم؛ فبقي الوصف بعد الغد بطلاق واحد فلم يقتض آخر. كذا في مبسوط فخر الإسلام. قوله: (وقد يهجم الليل) هذا لبيان أن الليل المتخلل بين اليوم والغد لا

стр. 3014

وَمَجْلِسُ المَشُورَةِ لَا يَنقَطِعُ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: أَمْرُكَ بِيَدِكَ فِي يَومَينِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهَا إِذَا رَدَّت الأَمرَ فِي اليَومِ، لَهَا أَنْ تَختَارَ نَفْسَهَا غَدًا، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الإِيقَاعِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهَا إِذَا اختَارَت نَفْسَهَا اليَومَ لَا يَبقَى لَهَا الخِيَارُ فِي الغَدِ، فَكَذَا يكون قاطعًا للمجلس، وكون الغد قريبًا من اليوم حيث لم يدخل بينهما زمان فلا يجعلهما كالوقتين، فكان الغد ملحقًا باليوم؛ لأن الأصل في العطف وقوع الشركة فيما تم به المعطوف عليه من غير أن ينفرد المعطوف بخبر آخر. وقد بين ذلك في الأصول. قوله: (كما لا تملك رد الإيقاع)؛ يعني: ليس لها رد وقوع الطلاق الذي أوقعها الزوج، فكذا لا يكون لها رد الأمر باليد الذي صدر من زوجها بعد قوله: أمرك بيدك؛ لأن الأمر باليد يثبت لها بلا قبول منها كالإيقاع، فيكون الأمر باليد باقيًا في الغد فكان لها أن تختار نفسها غدًا. وقال الإمام السرخسي: روى الكرخي هذه الرواية عن أبي حنيفة (١). كأنه جعل ردها الأمر في اليوم بمنزلة قيامها عن المجلس أو اشتغالها بعمل آخر. فيكون (لها أن تختار نفسها غدًا) وكأنه ذهب إلى أنها (لا تملك رد الأمر كما لا يملك رد الإيقاع). (ووجه الظاهر)؛ أي: ظاهر الرواية: [أن] (٢) الوقت المذكور هاهنا بمنزلة المجلس في قولك: "أمرك بيدك " مطلقًا، وهناك لو اختارت زوجها يخرج الأمر من يدها؛ لما أن المخيّر بين الشيئين لا يملك إلا اختيار أحدهما، فإذا اختارت زوجها لا يبقى الاختيار في الغد. وفي جامع التمرتاشي: لو قال اليوم غدا بعد غد (٣)؛ فهو أمر واحد في

стр. 3015

إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجُهَا بِرَدِّ الأمرِ، لِأَنَّ المُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيئَيْنِ لَا يَمْلِكُ إِلَّا اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: «أَمْرُكِ بِيَدِكِ اليَومَ وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ غَدًا» أَنَّهُمَا أَمْرَانِ، لِمَا أَنَّهُ ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَومَ يَقْدُمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ فُلَانٌ وَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِاليَدِ مِمَّا يَمْتَدُّ، فَيُحْمَلُ اليَومُ المَقْرُونُ بِهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ ظاهر الرواية؛ لأنها أوقات مترادفة؛ فصار كقوله: أمرك بيدك أبدا فيرتد بردها مرة، وعن أبي حنيفة ﵁ ثلاثة أمور؛ لأنها أوقات حقيقية (١). قوله: (أنهما أمران) حتى لو اختارت زوجها اليوم ثم جاء الغد يصير الأمر في يدها. وجعل الإمام السرخسي هذه الرواية صحيحة؛ فقال: وهو صحيح؛ لأنه لما ذكر لكل وقت خبرا عرف أنه لم يرد اشتراك الوقتين في خبر الواحد (٢). وجعل الإمام قاضي خان هذه الرواية أصل الرواية ولم يذكر فيه خلاف أحد، ثم قال: وروى ابن سماعة عن محمد لو قال: أمرك بيدك اليوم كان الأمر بيدها إلى غروب الشمس، ولو قال في اليوم فقامت عن مجلسها؛ بطل (٣)، وهو على ما ذكرنا من الأصل في قوله: أنت طالق غدا وفي غد. (المقرون به)؛ أي بالأمر باليد. (على بياض النهار) فحينئذ لا يبقى لها الخيار بعد الغروب؛ لانقضاء مدة الأمر؛ كما لو جعل أمرها بيدها غدا وهي غائبة؛ [كان] (٤) لها الخيار إذا علمت؛ لأن أوامر الشرع لا تلزم بدون العلم فأمر العباد كان أولى. كذا ذكر قاضي خان.
следующие страницы →