صِفَةٌ لِلِاحْتِيَارَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: اختَرتُ نَفْسِي بِمَرَّة وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ (وَلَو قَالَتْ: قَدْ طَلَّقتُ نَفسي بِوَاحِدَة أَوْ اختَرتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَة فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ الوَاحِدَةَ نَعتُ لِمَصْدَر مَحذُوف وَهُوَ فِي الأُولَى الاحْتِيَارَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطلِيقَةُ، إِلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَة، لِأَنَّ التَّفوِيضَ فِي البَائِنِ ضَرُورَةُ مِلكِهَا أَمْرَهَا، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ، فَتَصِيرُ الصِّفَةُ المَذْكُورَةُ فِي التَّفوِيضِ مَذْكُورَة فِي الإِيقَاعِ، وَإِنَّمَا تَصِحُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَولِهِ: أَمْرُكَ بِيَدِكَ لِأَنَّهُ يَحتَمِلُ العُمُومَ وَالخُصُوصَ وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ، بِخِلَافِ قَولِهِ: اختَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ العُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وبذلك)؛ أي: بقوله مرة واحدة؛ لأنها إنما تصير مختارة بمرة واحدة إذا وقع الثلاث.
(الأولى)؛ أي: قولها: اخترت نفسي بواحدة.
(وفي الثانية)؛ أي: قوله: طلقت واحدة.
وذلك أن الواحدة صفة؛ فلابد لها من موصوف محذوف؛ فوجب إثباته على حسب ما يدل على المذكور السابق، وهو في الأولى "اخترت" فوجب إثبات الاختيارة، وفي الثانية يجب إثبات الطلقة، وهي عبارة عن الواحد؛ فتقع واحدة.
فإن قيل: يجوز أن يراد بها المرة الواحدة كما يجوز أن يراد بها الطلقة الواحدة، [يقال] (١): ضربت ضربة؛ ألا ترى إلى ما قالوا أن الفعلة للمرة، والفعلة للحاجة، فلم يكن إرادة الطلقة الأولى [من] (٢) إرادة المرة.
قلنا: إنما يراد بها المرة إذا كانت مرتبة على فعل يصرف من مصدرها كما في ضربت ضربة، أما إذا لم يكن فلا، ومصدرها الطلاق دون التطليق، فإن أراد بها التطليقة لتعارض (٣) بين إرادة المرة والتطليقة؛ فإثبات التطليقة الأول؛ لكونها متيقنا بها. إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
(وقد حققناه من قبل)؛ أي: في فصل الاختيار؛ لأن الاختيار لا يتنوع.
стр. 3012
(وَلو قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ اليَومَ وَبَعدَ غَد لَم يَدخُل فِيهِ اللَّيلُ، وَإِنْ رَدَّت الأَمْرَ فِي يَومِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ اليَومِ، وَكَانَ الأَمرُ بِيَدِهَا بَعدَ غَد) لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكرِ وَقتَينِ بَيْنَهُمَا وَقتْ مِنْ جِنسِهِمَا لَم يَتَنَاوَلَهُ الأمرُ، إذ ذِكرُ اليَومِ بِعِبَارَةِ الفَردِ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيلَ فَكَانَا أَمْرَينِ، فَبِرَدٌ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ.
وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هُمَا أَمرٌ وَاحِدٌ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ اليَومَ وَبَعدَ غَد. قُلْنَا:
قوله: (لم يدخل فيه) (١) الثلاثة.
حتى لو اختارت في (الليل) لا يقع شيء.
(ولو ردت الأمر) [في اليوم] (٢)، (بطل [أمر] (٣) ذلك اليوم ويكون الأمر) في يدها بعد الغد.
وفي قوله: (اليوم وغدًا) (٤) على عكس ذلك.
وفي شرح الوجيز في قوله: وغدًا أو بعد غد ينبغي أن يكون على الخلاف في أن التفويض تمليك أو توكيل فإن جعلناه تمليكا لم يحتمل التراخي كما في البيع، وإن جعلناه توكيلا فهو كما لو وكل إنسانًا في اليوم والغد وبعد الغد، وعلى هذا فله الرد في بعض الأيام دون بعض (٥).
وفي الحلية: فيه قولان:
أحدهما نص [عليه] (٦) في الإملاء: أنه يجوز. وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
وفي الجديد: لا يصح؛ تغليبًا لحكم التمليك (٧)، والتمليك المضاف إلى المستقبل لا يصح عنده.
(وقت من جنسهما) (٨) احتراز عن قولهما: اليوم وغدا؛ حيث يدخل الليل
стр. 3013
الطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ، وَالأَمرُ بِاليَدِ يَحتَمِلُهُ، فَيُوَقَّتُ الأَمرُ بِالأَوَّلِ وَبِجُعَلُ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأَ (وَلَو قَالَ: أَمْرُكَ بِيَدِكَ اليَومَ وَغَدًا يَدخُلُ اللَّيلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّت الأَمْرَ فِي يَومِهَا لَا يَبْقَى الأَمرُ فِي يَدِهَا فِي غَد) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ لَم يَتَخَلَّل بَينَ الوَقتَينِ المَذْكُورَينِ وَقتْ مِنْ جِنسِهِمَا لَم يَتَنَاوَلَهُ الكَلَامُ، وَقَدْ يَهجُمُ اللَّيلُ
فيه وإن لم يكن من جنس اليوم والغد؛ لما أن المراد منه وقت واحد بيومين عادة؛ فتدخل فيهما الليلة ضرورة وإن لم تكن من جنسهما.
وهاهنا لم يدخل الغد وإن كان من جنس اليوم وبعد غد؛ فعلم أن المراد منه تجديد الأمر، فيحتمل كل واحد من جنس اليوم وبعد غد، فيعتبر كل واحد من الوقتين منفرد، ويذكر اليوم بعبارة الفرد ولا يدخل الليل.
وفي جامع التمرتاشي: أن أمرك بيدك فيهما أمر واحد (١).
[] (٢) وكذا لو قال: اليوم ورأس الشهر؛ لأنه عطف أحد الوقتين على الآخر من غير تكرار لفظ الأمر؛ فكان أمرًا واحدًا كما في قوله: اليوم وغدًا.
وقلنا: أحد الوقتين هاهنا غير متصل؛ فالأمر لما بينهما وقت غير مذكور، بخلاف قوله: وغدًا؛ لأنه متصل بالوقت الآخر، فكان ذكر الغد لامتداد حكم الأمر إليه. كذا في المبسوط (٣).
(والأمر باليد يحتمله)؛ أي: يحتمل التوقيت؛ فلما توقت الأمر باليوم الأول انقطع بمجيء الغد، فلم يعد بعد الانقطاع إلا بتجديد [الأمر] (٤)؛ فاقتضى ضرورة الإيجاب أمر آخر.
أما الطلاق فلا يحتمل التأقيت حتى ينقطع بمضي (٥) اليوم؛ فبقي الوصف بعد الغد بطلاق واحد فلم يقتض آخر. كذا في مبسوط فخر الإسلام.
قوله: (وقد يهجم الليل) هذا لبيان أن الليل المتخلل بين اليوم والغد لا
стр. 3014
وَمَجْلِسُ المَشُورَةِ لَا يَنقَطِعُ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: أَمْرُكَ بِيَدِكَ فِي يَومَينِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهَا إِذَا رَدَّت الأَمرَ فِي اليَومِ، لَهَا أَنْ تَختَارَ نَفْسَهَا غَدًا، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الإِيقَاعِ.
وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهَا إِذَا اختَارَت نَفْسَهَا اليَومَ لَا يَبقَى لَهَا الخِيَارُ فِي الغَدِ، فَكَذَا
يكون قاطعًا للمجلس، وكون الغد قريبًا من اليوم حيث لم يدخل بينهما زمان فلا يجعلهما كالوقتين، فكان الغد ملحقًا باليوم؛ لأن الأصل في العطف وقوع الشركة فيما تم به المعطوف عليه من غير أن ينفرد المعطوف بخبر آخر. وقد بين ذلك في الأصول.
قوله: (كما لا تملك رد الإيقاع)؛ يعني: ليس لها رد وقوع الطلاق الذي أوقعها الزوج، فكذا لا يكون لها رد الأمر باليد الذي صدر من زوجها بعد قوله: أمرك بيدك؛ لأن الأمر باليد يثبت لها بلا قبول منها كالإيقاع، فيكون الأمر باليد باقيًا في الغد فكان لها أن تختار نفسها غدًا.
وقال الإمام السرخسي: روى الكرخي هذه الرواية عن أبي حنيفة (١).
كأنه جعل ردها الأمر في اليوم بمنزلة قيامها عن المجلس أو اشتغالها بعمل آخر.
فيكون (لها أن تختار نفسها غدًا) وكأنه ذهب إلى أنها (لا تملك رد الأمر كما لا يملك رد الإيقاع).
(ووجه الظاهر)؛ أي: ظاهر الرواية: [أن] (٢) الوقت المذكور هاهنا بمنزلة المجلس في قولك: "أمرك بيدك " مطلقًا، وهناك لو اختارت زوجها يخرج الأمر من يدها؛ لما أن المخيّر بين الشيئين لا يملك إلا اختيار أحدهما، فإذا اختارت زوجها لا يبقى الاختيار في الغد.
وفي جامع التمرتاشي: لو قال اليوم غدا بعد غد (٣)؛ فهو أمر واحد في
стр. 3015
إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجُهَا بِرَدِّ الأمرِ، لِأَنَّ المُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيئَيْنِ لَا يَمْلِكُ إِلَّا اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: «أَمْرُكِ بِيَدِكِ اليَومَ وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ غَدًا» أَنَّهُمَا أَمْرَانِ، لِمَا أَنَّهُ ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ يَومَ يَقْدُمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ فُلَانٌ وَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِاليَدِ مِمَّا يَمْتَدُّ، فَيُحْمَلُ اليَومُ المَقْرُونُ بِهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ
ظاهر الرواية؛ لأنها أوقات مترادفة؛ فصار كقوله: أمرك بيدك أبدا فيرتد بردها مرة، وعن أبي حنيفة ﵁ ثلاثة أمور؛ لأنها أوقات حقيقية (١).
قوله: (أنهما أمران) حتى لو اختارت زوجها اليوم ثم جاء الغد يصير الأمر في يدها.
وجعل الإمام السرخسي هذه الرواية صحيحة؛ فقال: وهو صحيح؛ لأنه لما ذكر لكل وقت خبرا عرف أنه لم يرد اشتراك الوقتين في خبر الواحد (٢).
وجعل الإمام قاضي خان هذه الرواية أصل الرواية ولم يذكر فيه خلاف أحد، ثم قال: وروى ابن سماعة عن محمد لو قال: أمرك بيدك اليوم كان الأمر بيدها إلى غروب الشمس، ولو قال في اليوم فقامت عن مجلسها؛ بطل (٣)، وهو على ما ذكرنا من الأصل في قوله: أنت طالق غدا وفي غد.
(المقرون به)؛ أي بالأمر باليد.
(على بياض النهار) فحينئذ لا يبقى لها الخيار بعد الغروب؛ لانقضاء مدة الأمر؛ كما لو جعل أمرها بيدها غدا وهي غائبة؛ [كان] (٤) لها الخيار إذا علمت؛ لأن أوامر الشرع لا تلزم بدون العلم فأمر العباد كان أولى. كذا ذكر قاضي خان.
стр. 3016
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فَيُتَوَقَّتُ بِهِ ثُمَّ يَنقَضِي بِانْقِضَاءِ وَقتِهِ (وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَومًا لَم تَقُم فَالأَمرُ فِي يَدِهَا مَا لَم تَأخُذ فِي عَمَل آخَرَ) لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطلِيقِ مِنهَا، لِأَنَّ المَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى المَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبل. (ثُمَّ إِنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا وَبُلُوغِ الخَبَرِ إِلَيْهَا) لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعنَى التَّعْلِيقِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ المَجْلِسِ، وَلَا يُعتَبَرُ مَجْلِسُهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَازِمٌ
وإنما لم يعتبر القدوم في هذه المسألة وهو غير ممتد، واعتبرنا الأمر باليد؛ لأن المقصود المضاف لا المضاف إليه. وقد بين في الأصول.
قوله: (وقد حققناه من قبل)؛ أي: في آخر فصل إضافة الطلاق إلى الزمان.
قوله: (لم تأخذ في عمل آخر) دينيا ذلك العمل أو دنيويا.
قوله: (لأنَّ هذا تمليك فيه معنى التعليق) إلى آخره.
فإن قيل: في الأمر باليد أحكام متناقضة؛ فإنه ذكر قبل هذا لو قال: "أمرك بيدك اليوم وغدًا " يدخل الليل؛ فلا يبطل هناك الأمر باليد في اليومين وإن قامت عن المجلس؛ لأنه لو بطل بالقيام عن المجلس لم يكن لتقييده باليومين فائدة؛ لما أنها [إذا] (١) لم تقم عن مجلسها أيامًا وشهورًا لا يخرج الأمر من يدها، وكذا لو كانت غائبة ولم تسمع الأمر؛ يبقى الأمر في يدها إلى ما وراء المجلس، ذكره في الذخيرة (٢).
وقال: هاهنا يبطل بالقيام عن المجلس، فلو قلنا: عدم بطلانه في المسألة باعتبار توقيته بيومين لا يصح أيضًا؛ لما أن فيه معنى التمليك والتعليق وكلاهما لا يقبل التوقيت كالبيع والهبة والطلاق.
وذكر في الذخيرة: لو جعل أمرها بيدها أو بيد أجنبي؛ يقع الأمر لازما فلا يرتد بردها (٣)، والمسألة مروية عن أصحابنا.
стр. 3017
فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ البَيعِ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَحضٌ لَا يَشُوبُهُ التَّعلِيقُ، وَإِذَا اعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا فَالمَجْلِسُ تَارَة يَتَبَدَّلُ بِالتَّحَوُّلِ وَمَرَّة بِالأَخذِ فِي عَمَل آخَرَ، عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الخِيَارِ،
وفي الكتاب فيما إذا قال: " أمرك بيدك اليوم وغدًا" إن ردت الأمر في يومها؛ لا يبقى في يدها، فكان قابلا للرد فلو قلنا: إن قبول الرد فيما ذكر في الكتاب باعتبار أنه مؤقت؛ فقد ذكر في المطلق أيضًا [أنه يرتد بالقيام عن المجلس؛ فالمطلق أيضا] (١) قابل للرد.
وفي الفصول: لو قال لها أمرك بيدك ثم طلقها بائنا؛ خرج الأمر من يدها، وقال في موضع آخر: لا يخرج وإن كان الطلاق بائنا (٢).
فلابد من بيان وجه التوفيق ودفع المناقضة.
قلنا: نبه أن في الأمر باليد معنى التمليك، ومعنى التمليك كما ذكر في المتن؛ لأن المالك من يتصرف لنفسه، وهذا كذلك؛ فإنها عاملة لنفسها بتخليصها عن ذل النكاح فلا تكون نائبة عن الغير.
وأما التعليق؛ فإن الإيقاع وإن صدر من غير الزوج إلا أن الوقوع مضاف إلى معنى من قبل الزوج على وجه يوجب الإيقاع منها أم لا؛ فصار كأنه قال لها: إن طلقت نفسك فأنت طالق.
وبناء هذه الأحكام لوجود هذين المعنيين.
والتمليك والتعليق يثبتان معنى وحكما؛ لما أن التمليك يقتضي التقرر قطعا والتعليق يقتضي التردد؛ فلذا تتراءى الأحكام متناقضة؛ لكن الشأن في التخريج.
ثم التمليك لا ينافي التوقيت، واعتبره بتمليك المنافع كالإجارة والإعارة؛ فإنهما يقبلان التوقيت مع وجود التمليك؛ فكذا هاهنا.
ولا يسقط بالقيام عن المجلس في الأمر المؤقت؛ لأن فيه معنى التعليق، والتوقيت يلائم التعليق؛ فصح التوقيت، وإذا صح التوقيت لا يبطل بالقيام عن المجلس؛ إذ لو بطل لم يكن للتأقيت فائدة.
стр. 3018
وَيَخْرُجُ الأَمرُ مِنْ يَدِهَا بِمُجَرَّدِ القِيَامِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِعْرَاضِ، إذ القِيَامُ يُفَرِّقُ الرَّأْيَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَكَثَت يوما لَم تَقُم وَلَم تَأْخُذ فِي عَمَل آخَرَ، لِأَنَّ المَجْلِسَ قَدْ يَطُولُ
وفي الأمر المطلق: لما لم يكن مؤقت حتى يراعى وجوده اعتبرنا معنى التمليك؛ فيقتصر على المجلس إذا لم تكن غائبة، واعتبرنا معنى التعليق؛ فقلنا ببقاء الإيجاب إذا كانت غائبة.
وأما في مسألة الفصول؛ فالفرق أن في أحدهما: إذا كان الأمر باليد منجزا بأن قال لها: أمرك بيدك؛ يخرج الأمر من يدها بالطلاق البائن، أما لو كان معلقا بالشرط بأن قال: أكرترايزم، أو قال: أكرتو غائب سوي، وما أشبه ذلك؛ فالأمر بيدك، ثم طلقها بائنا أو خالعها؛ لا يبطل حتى لو تزوجها ثم وجد الشرط؛ يصير الأمر بيدها.
أما وجه توفيق ما ذكر في الفصول: أن الأمر لا يرتد بردها ولا برد أجنبي، وبين ما ذكر في الذخيرة: أنه يرتد بالرد عند التفويض، أما بعد ذلك لا يرتد بالردّ، كما لو أقر بشيء لرجل وصدقه المقر له ثم ردَّ إقراره لا يصح الرد. ذكره في المحيط (١).
وحاصله: أن الأمر باليد بمنزلة الإبراء من الدين؛ من حيث لن ثبوته لا يتوقف بالقبول ويرتد بالرد؛ لما فيه من معنى الإسقاط والتمليك؛ لأن الدين عبارة عن وصف [في] (٢) الذمة؛ فبالإبراء أزال هذا الوصف فكان إسقاطا كالإعتاق، وفيه معنى التمليك قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٨٠]. سمى إبراء الدين بالتصدق، والتصدق عبارة عن التمليك؛ فلما كان في الأمر باليد معنى التمليك والتعليق والقبول في التعليقات ليس بشرط، ويرتد بالرد لمعنى التمليك بعد التفويض، ولا يتوقف على القبول عملا بالمعنيين بقدر الإمكان. وإليه أشير في الذخيرة وغيره (٣).
وَقَوْلُهُ: (مَكَثَتْ يَوْمًا)؛ لَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ.
стр. 3019
وَقَدْ يَقصُرُ، فَيَبْقَى إِلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يَقطَعُهُ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِعْرَاضِ. وَقَولُهُ مَكَثَت يَومًا لَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ.
وَقَولُهُ: مَا لَم تَأْخُذ فِي عَمَل آخَرَ: يُرَادُ بِهِ عَمَلٌ يُعرَفُ أَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا كَانَ فِيهِ لَا مُطلَقَ العَمَلِ (وَلَو كَانَتْ قَائِمَة فَجَلَسَت فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِقْبَالِ، فَإِنَّ
قوله: (وقوله)؛ أي: قول محمد في الكتاب.
(يراد به عمل يعرف أنه قطع لما كان فيه لا مطلق العمل)؛ حتى لو لبست ثيابها من غير قيام أو أكلت أو شربت أو قرأت قليلا، أو قالت: ادع أبي (١) أستشيره، وما أشبه ذلك، ما هو من عمل الفرقة؛ فكانت هي على خيارها.
وهذا الذي ذكرته كما يكون في قوله: أمرك بيدك يكون في قوله: " اختاري "، وقوله: "طلقي نفسك ".
وفي قوله: " أنت طالق إن شئت "، وفي قوله لأجنبي: " أمر امرأتي بيدك " أو قال له: "طلقها إذا شئت " أو " إن شئت "، أو "أمر امرأتي بيدك في أن تخلعها "، وكذا في قوله: "أعتق عبدي إن شئت".
بخلاف الوكيل لو قال له: "بعه إن شئتَ "؛ حيث لا يقتصر على المجلس؛ لأن البيع لا يحتمل التعليق فلم يتقيد بالمجلس.
وبخلاف قوله لها: طلقي ضرَّتَكِ؛ لأنه توكيل ويملك الرجوع منه. كذا ذكره التمرتاشي (٢).
وفي فتاوى أهل سمرقند: أمرُ امرأتي بيدها؛ فقالت هي: أعطني كذا إن طلقتني، فقال الزوج: لا أدري هذا، فقالت: إن جعلت أمري بيدي فقد طلقت نفسي؛ لا تطلق لأنها تكلمت بكلام زائد، وهو قولها: أعطني كذا؛ فقد قطعت المجلس.
стр. 3020
القُعُودَ أَجْمَعُ لِلرَّأْيِ (وَكَذَا إِذَا كَانَتْ قَاعِدَة فَاتَّكَأَت، أَوْ مُتَّكِنَة فَقَعَدَت) لِأَنَّ هَذَا انتِقَالُ مِنْ جلسة إِلَى جِلسَة فَلَا يَكُونُ إِعْرَاضًا، كَمَا إِذَا كَانَتْ مُحْتَبِيَةٌ فَتَرَبَّعَت.
قَالَ ﵁: هَذَا رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ قَاعِدَة فَاتَّكَأَت لَا خِيَارَ لَهَا، لِأَنَّ الاِتِّكَاءَ إِظْهَارُ التَّهَاوُنِ بِالأَمرِ فَكَانَ إِعْرَاضًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الأَصَح.
وفيها أيضًا لو قال: أمر ثلاث تطليقات بيدك؛ فقالت له: لم لا تطلقني بلسانك؟ فقالت: طلقتُ نفسي؛ طلقت لأن قولها: لِمَ لا تطلقني بلسانك؟ ليس برد للتمليك، فـ[كان لها] (١) بعد ذلك تطليق نفسها. وفيه نوع نظر لأنه كلام زائد يتبدل به المجلس. كذا في المحيط والذخيرة (٢).
قوله: (والأول هو أصح)؛ لأن من حزبه أمر قد يستند للتفكر؛ لما أن الاستناد والاتكاء سبب للراحة كالقعود في حق القائم، ولأن الاتكاء نوع جلسة فلا يتغير به ما هو الثابت للجالس.
وفي المبسوط: لو خيرها في صلاة مكتوبة فأتمتها لا يبطل خيارها؛ لأنها ممنوعة عن قطعها قبل التمام؛ فلا تتمكن من الاختيار ما لم تفرغ، ودليل الإعراض ترك الاختيار بعد التمكن منه.
والوتر في هذا كالمكتوبة؛ لأنها ممنوعة عن قطعها قبل التمام.
ولو كانت [في] (٣) التطوع في الشفع الأول فأتمت ذلك [الشفع لا يبطل خيارها] (٤)؛ لأنها ممنوعة من إبطال العمل، والركعة الواحدة لا تكون صلاة معتبرة، ولو تحولت إلى الشفع الثاني بطل خيارها.
وروى ابن سماعة عن محمد في الأربع قبل الظهر: لو تمت أربعًا لا يسقط خيارها؛ لأن هذه الأربع تؤدى بتسليمة واحدة (٥).
стр. 3021
وَلَو كَانَتْ قَاعِدَة فَاصْطَجَعَت فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (وَلَو قَالَتْ اُدعُ أَبِي أَسْتَشِرُهُ أَوْ شُهُودًا أُشْهِدهُم فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا لِأَنَّ الِاسْتِشَارَةَ لِتَحَرِّي الصَّوَابِ، وَالإِشْهَادَ لِلتَّحَرُّزِ عَنِ الإِنكَارِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الإِعْرَاضِ وَإِنْ كَانَتْ تَسِيرُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فِي مَحمَلٍ فَوَقَفَت فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَإِنْ سَارَت بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّ سَيرَ الدَّابَّةِ وَوُقُوفَهَا مُضَافٌ إِلَيْهَا (وَالسَّفِينَةُ بِمَنزِلَةِ البَيتِ) لِأَنَّ سَيرَهَا غَيْرُ مُضَافَ إِلَى رَاكِبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِيقَافِهَا وَرَاكِبُ الدَّابَّةِ يَقْدِرُ.
قوله: (والسفينة بمنزلة البيت)؛ يعني: لو سارت لا يبطل خيارها.
(لأن سيرها غير مضاف إلى راكبها) قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هود: ٤٢].
أما سير الدابة فمضاف إلى الراكب؛ فكان ذلك كمشيها؛ فينبغي [أن تختار] (١) متصلا بتخيير الزوج من غير سكوت بين الكلامين.
وكذا لو كان الزوج معها على تلك الدابة، أو كانا في محمل واحد فسارت خطوة؛ لأن سيرها مضاف إلى راكبها.
وقيل: الخطوة ليست بإعراض ولا يتبدل المجلس بها.
التفريعات
في المحيط: عبد قال لمولاه زوجني أمتك هذه على أن أمرها بيدك، فزوجها؛ لم يصر أمرها بيده؛ لأنه فوض الأمر إليه قبل النكاح.
وإن بدأ المولى فقال: زوجتها منك على أن أمرها بيدي، فقبل العبد؛ صار الأمر بيده؛ لأنه صار كأنه قال: قبلت النكاح على أن أمرها بيدك فيكون التفويض بعد (٢) النكاح.
نظيره: تزوج امرأة على أنها طالق أو على أن أمرها بيدها؛ لا يقع الطلاق ولا يصير الأمر بيدها.
стр. 3022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قالت المرأة زوجتك نفسي على أني طالق، أو على أن أمري بيدي؛ وقع الطلاق وصار الأمر بيدها، وهي حيلة التحليل (١).
لو قال: أمرك بيدك فطلقي نفسك، فقالت: اخترتُ، أو قالت: طلَّقتُ؛ فبائن؛ لأنه جعل صريح الطلاق مشورة، بخلاف قوله: أو اختاري بتطليقة، أو أمرك بيدك بتطليقة؛ فرجعي.
ولو قال: أمرك بيدك واختاري فطلقي نفسك غدًا، فقوله: "غدًا" مشورة، والأمر بيدها في مجلسها، ولو قال: " أمرك بيدك " ينوي ثلاثا، فقالت: نفسي واحدة، أو اخترت بواحدة؛ قبلت؛ أي: بدفعة واحدة.
وفي الجامع قال: أنت طالق اليوم ورأس الشهر؛ تقع واحدة.
قيل: تأويل هذا أن يكون رأس الشهر غدًا، أما إذا كان بينهما حائل؛ وقع طلاقان في وقتين.
وقيل: ما ذكر في الجامع قول محمد، وهو يعتبر الفاصل، وعند أبي يوسف: تطليقتان.
ولو قال: أمركِ بيدك اليوم؛ فعن محمد: إلى الغروب، فلو قال: في اليوم؛ ينعقد بالمجلس.
ذكر القدوري: لو قال في هذا الشهر فردَّته؛ بطل عندهما لأنه تمليك واحد، وعن أبي يوسف: بطل في ذلك المجلس لا في غيره، كما لو قامت من مجلسها، وقيل: الخلاف بالقلب.
ولو قال: اليوم أو شهرًا، فردّته؛ لم يبطل خيارها فيما بقي من المدة عند أبي حنيفة خلافًا لهما؛ لأن هذا تفويض واحد فيرتد بالرد، وهو تمليك نصا، وتعليق معنى، فمتى لم يذكر الوقت فالعبرة للتمليك، ومتى ذكره فالعبرة للتعليق (٢).
стр. 3023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قال: أمرك بيدك متى شئت فردَّت؛ لم يرتد ولها الاختيار متى شاءت، ولو قال: أمرك بيدك في أن تختاري نفسك متى شئت؛ فهذا على المجلس، ولو ردته؛ بطل على رواية الكرخي عن أبي حنيفة.
ولو قال: أمرك بيدك إلى عشرة أيام؛ فالأمر في يدها من هذا الوقت إلى عشرة أيام، ولو نوى أن الأمر بيدها بعد العشرة؛ صح ديانة لا قضاء؛ لأنه خلاف الظاهر.
وجعل الأمر بيدها أو بيد فلان: إما أن يكون مؤقتًا أو مطلقا، ولو كان مؤقتًا: ما دام الوقتُ باقيًا؛ فالأمر بيدها أو فلان، علم فلان أو هي أو لم [يعلم] (١)، وإذا مضى الأمر؛ ينتهي الأمر عَلِمَ أو لم يعلم، والقبول ليس بشرط؛ ولكن إذا ردّ يرتد.
ولو كان الأمر معلقًا بشرط؛ فالأمر في يدها عند وجود الشرط مطلقًا أو مقيدًا، ولو طلقت نفسها قبل العلم بالأمر؛ لم تطلق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وبمثله لو جعل أمرها بيدها هذه السنة، ثم طلقها قبل الدخول، ثم تزوجها في السنة؛ لا خيار لها عند أبي يوسف خلافًا لأبي حنيفة.
وطلاق الموكل لا يرفع الوكالة حتى تنقضي العدة، وعن أبي يوسف طلاق الموكل يرفعها.
ولو قالت: طلاق أفكندم؛ تطلق، نوت الطلاق أم لا.
ولو قالت: أمر أفكندم؛ تطلق إن نوت؛ لأن هذا اللفظ في العرف معين لإيقاع الطلاق.
стр. 3024
فَصْلٌ فِي المَشِيئَةِ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: «طَلِّقِي نَفْسَكِ» وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَت: «طَلَّقْتُ نَفْسِي» فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ عَلَيْهَا) وَهَذَا لِأَنَّ قَولَهُ: «طَلْقِي» مَعْنَاهُ: «افعَلِي فِعلَ التَّطلِيقِ»، وَهُوَ اسْمُ جِنس فَيَقَعُ عَلَى الأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الكُلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ، فَلِهَذَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَيَنْصَرِفُ إِلَى وَاحِدَة عِنْدَ عَدَمِهَا، وَتَكُونُ الوَاحِدَةُ رَجْعِيَّة، لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ، وَلَو نَوَى الثَّنْتَيْنِ لَا تَصِحُّ، لِأَنَّهُ نِيَّةُ العَدَدِ، إِلَّا إِذَا كَانَتِ المَنكُوحَةُ أَمَةٌ لِأَنَّهُ جنسٌ فِي حَقِّهَا.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: «طَلِّقِي نَفْسَكِ»، فَقَالَت: «أَبَنْتُ نَفْسِي» طَلُقَتْ وَلَو قَالَتْ: «قَدْ اختَرتُ نَفْسِي» لَم تَطلُقْ) لِأَنَّ الإِبَانَةَ مِنْ أَلفَاظِ الطَّلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو قَالَ
فصل في المشيئة
تقدم وجه المناسبة.
قوله: (وقعن عليها)؛ أي: سواء طلقت ثلاثة أو جملة أو متفرقا، وهو إجماع، ولا اعتبار بخلاف الظاهرية.
وعندهم: لا يجوز إيقاعها وتوكيل غيرها بالطلاق (١).
ولو نوى ثنتين؛ لا تصح. وقد بينا فيه خلاف الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤).
قوله: (طَلَّقْتُ)؛ أي طلاقًا رجعيًا. وبه قال الشافعي (٥)، وكذا لو قالت: أنا بائن أو حرام أو بتة أو برية. كذا ذكره التمرتاشي (٦).
стр. 3025
لِامَرَأَتِهِ: أَبَنتُكِ يَنوِي بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ: أَبَنتُ نَفْسِي فَقَالَ الزَّوجُ: قَدْ أَجَرْتُ ذَلِكَ بَانَت فَكَانَت مُوَافِقَة لِلتَّفوِيضِ فِي الأصلِ إِلَّا أَنَّهَا زَادَت فِيهِ وَصْفًا وَهُوَ تَعجِيلُ الإِبَانَةِ فَيَلغُو الوَصفُ الزَّائِدُ وَيَثْبُتُ الأَصلُ، كَمَا إِذَا قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي تَطلِيقَة بَائِنَة، وَيَنبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. بِخِلَافِ الاختِيَارِ، لِأَنَّهُ لَيسَ مِنْ أَلفَاظِ الطَّلَاقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اختَرتُكِ أَوْ اختَارِي يَنوِي الطَّلَاقَ لَم يَقَع، وَلَو قَالَتْ
قوله: (فيلغو الوصف الزائد) وهو الإبانة، وبقي الأصل، وهو: نفس الطلاق.
فإن قيل: يُشكل هذا بما لو قال لها: طَلّقي نفسك نصف تطليقة، فطلقت نفسها تطليقة؛ لم يقع، أو أمرَهَا بثلاث، فطلقت ألفًا؛ لم يقع. ذكرهما في جامع التمرتاشي (١)، مع أنها أتت بالأصل والزائد؛ فينبغي أن يثبت الأصل ويلغو الزائد.
قلنا: في المسألة الأولى: النصف الثاني أصل كالآخر؛ فلم تثبت التبعية، فكانت بالإتيان به مُغَيّرة للفظ لا موافقة؛ فلم يصلح جوابًا فيلغو، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن الزائد وصف وهو تبع؛ فكان في الإتيان بالأصل موافقة للزوج.
وفي المسألة الثانية: هي غير مالكة للطلاق؛ بل تمليك بالتفويض، فإذا خالفت؛ لم يصح إيجاب الألف جملة؛ فلم يثبت ما في ضمنه من الثلاث، بخلاف الزوج لو طلق ألفًا؛ تقع؛ لأنه يتكلم بالطلاق عن ملك لا عن أمر، فهو بمالكيته يملك ما يشاء من العدد، إلا أنه لا ينفذ إلا بقدر المحل؛ إذ المحل شرط النفاد لا شرط الإيجاب، فحينئذ يصح إيجاب الألف ويثبت ما في ضمنها وتقدر بقدر المحل. إليه أشار صاحب الأسرار والإمام التمرتاشي.
قوله: (وينبغي أن تقع تطليقة) شرح لإطلاق جواب محمد؛ فإنه لم يتعرض لوصف الإبانة، فكان رجعيًا نظرًا إلى الإطلاق؛ إذ هو المتيقن.
قوله: (بخلاف الاختيار) متعلق بقوله: (لأنه ليس من ألفاظ الطلاق) إلى آخره.
стр. 3026
ابْتِدَاءً: اختَرتُ نَفْسِي فَقَالَ الزَّوجُ: قَدْ أَجَرْتُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ عُرِفَ طَلَاقًا بِالإِجْمَاعِ إِذَا حَصَلَ جَوَابًا لِلتَّحْيِيرِ، وَقَولُهُ طَلْقِي نَفْسَكَ لَيسَ بِتَنجِيزِ فَيَلغُو. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَولِهَا أَبَنتُ نَفْسِي، لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إِلَيْهَا، إِذْ الإِبَانَةُ تُغَايِرُ الطَّلَاقَ.
(وَلَو قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرجِعَ عَنهُ) لِأَنَّ فِيهِ مَعَنَى اليَمِينِ، لِأَنَّهُ
ولأن الكناية إذا صلحت صفة للصريح؛ يصير الصريح عند ذكر الكناية في مضمون الكلام فيصح جوابًا؛ لأن الجواب تارة يكون صريحًا وتارة يكون ضمنًا، وفيما نحن فيه البينونة تصلح صفة للصريح؛ فإن الصريح يصير بائنا بانقضاء العدة، وكذا في غير الموطوءة، بخلاف الاختيار فإن الطلاق لا يصير اختيارًا قط فلم يصلح جوابًا؛ فكذا هذا منها إعراضًا فلا يقع شيء، وخرج الأمر من يدها؛ لاشتغالها بما لا يعنيها. كذا في الفوائد الظهيرية (١).
قوله: (بالإجماع)؛ أي: بإجماع الصحابة، كما بيناه في فصل الاختيار.
(فيلغو)؛ أي قوله: (اخترتُ)؛ لأنه إذا خرج جوابًا للتخيير؛ يصلح جوابًا، وإلا فلا؛ لأن ذلك ثبت بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره.
بخلاف ما لو قال لها: أمرك بيدكِ " ونوى الطلاق، فقالت: اخترت نفسي؛ كان جوابًا ويقع؛ لأن الأمر باليد تخيير وزيادة؛ إذ تقديره تمليك الطلاق، فيكون فيه تخيير وتمليك، فصار عين ما ورد به النص وزيادة؛ فيصح إلحاقه به بالدلالة.
قوله: (إِذِ الإِبَانَةُ تُغَايِرُ الطَّلَاقَ)؛ لأنها تحصل بدون الطلاق؛ فيكون مغايرًا له فيما أبَتْ بما فوض إليها، وكذا في سائر ألفاظ الكنايات. وبه قال ابن خيران من أصحاب الشافعي (٢).
قوله: (فليس له أن يرجع)، وبه قال مالك (٣)، وابن خيران من أصحاب الشافعي (٤).
стр. 3027
تَعلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا، وَاليَمِينُ تَصَرُّفٌ لَازِمٌ، وَلَو قَامَت عَنْ مَجْلِسِهَا بَطَلَ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهَا: طَلْقِي ضَرَّتَكَ، لِأَنَّهُ تَوكِيلٌ وَإِنَابَةٌ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى المَجْلِسِ وَيَقْبَلُ الرُّجُوعَ (وَإِنْ قَالَ لَهَا: «طَلِّقِي نَفْسَكِ مَتَى شِئتِ» فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي
وعند الشافعي (١)، وأحمد (٢): يملك الرجوع؛ لأن فيه معنى التمليك والتوكيل، وباعتبار التوكيل؛ يصح الرجوع كما في سائر التوكيلات، وباعتبار التمليك؛ يصح الرجوع قبل القبول كما في سائر التمليكات.
وقلنا: فيه تعليق الطلاق بتطليقها؛ فيكون يمينا لأن كل تعليق في الطلاق يوجَدُ من الزوج فهو يمين؛ لأن الطلاق مما يخلف، وفي كل تعليق معنى اليمين؛ لما فيه من المنع والحمل كما في الأصول، واليمين تصرف لازم لا يقبل الرجوع بإجماع الأمة؛ لأن اليمين يُعقد للزجر أو الحمل على وجه التأكيد؛ فلو قبلت الرجوع ما أفادت فائدتها.
وفيه معنى التمليك؛ لما ذكرنا لأنها تتصرّف لنفسها لا لغيرها؛ فباعتباره يُقْصَرُ على المجلس؛ عملا بالمعنيين، ولا يمكن العكس. يعرف بالتأمل.
ولهذا لو وكلها بطلاق نفسها لا يملك الرجوع؛ لما قلنا ويقتصر على المجلس. وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٣).
(بخلاف ما إذا قال لها: طلقي ضرَّتَكِ؛ لأنه توكيل)؛ لأن بالطلاق لا تعمل لنفسها، والتوكيل لا يقتصر على المجلس؛ لأنه لو اقتصر على المجلس ربما لا يقدر على الفعل في المجلس، فلا يحصل الغرض بالتوكيل، وهو: الاستعانة بالغير وأنه إنما يوكله؛ ليقوم مقامه حال غيبته وبالاقتصار لا يحصل ذلك. إليه أشير في الجامع (٤).
(ويقبل الرجوع)؛ لأن فيه نوع منة على المستعين، وفي لحوق المنة به
стр. 3028
المَجلِسِ وَبَعدَهُ) لِأَنَّ كَلِمَةَ «مَتَى» عَامَّةٌ فِي الأَوقَاتِ كُلِّهَا فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ فِي أَيِّ وَقت شِئتَ.
(وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: «طَلِّقِ امرَأَتِي» فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي المَجلِسِ وَبَعدَهُ) وَلَهُ أَنْ يَرجِعَ عَنهُ، لِأَنَّهُ تَوكِيلٌ، وَأَنَّهُ استِعَانَةٌ، فَلَا يَلزَمُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى المَجلِسِ، بِخِلَافِ قُولِهِ لا مَرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكَ، لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوكِيلًا (وَلَو قَالَ لِرَجُل: طَلِّقَهَا إِنْ شِئتَ، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي المَجلِسِ خَاصَّة) وَلَيسَ لِلزَّوجِ أَنْ يَرجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هَذَا وَالأَوَّلُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالمَشِيئَةِ كَعَدَمِهِ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ، فَصَارَ كَالوَكِيلِ بِالبَيعِ إِذَا قِيلَ لَهُ: بِعهُ إِنْ شِئتَ. وَلَنَا: أَنَّهُ تَمْلِيكَ، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ، وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِ البَيعِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ.
ضرر عليه؛ فيملك الرجوع.
(وبعده)؛ أي: بعد المجلس، ولا خلاف للأئمة الأربعة فيه.
ولا يملك الرجوع؛ لما قلنا خلافًا للشافعي وأحمد.
(والأول) واضح وهو قوله لأجنبي: "طلق امرأتي" بدون ذكر مشيئة، وبقول زفر قال أصحاب الشافعي (١).
ولنا أنه؛ أي: قول الزوج لرجل: طلقها إن شئت، (تمليك) فيقتصر على المجلس. وبه قال مالك (٢)، والثوري، والليث.
بيانه: قول الزوج: طلقها؛ يصح للتوكيل وللتمليك؛ لأنه مالك فيملك إبانة غيره وتمليكه على ما هو الأصل في الملك، فإذا أطلق كان توكيلا؛ لأن تصرفه يقع للموكل، وإذا قيد بالمشيئة كان تمليكا؛ لأن (المالك هو الذي يتصرف) بمشيئته واخياره وتدبيره وإيثاره، أما غير المالك؛ يطلب التصرف منه حتما.
فإذا ذكر المشيئة فيما يحتمل التعليق على وجه الشرط؛ يصح ذكر المشيئة ويصير لازمًا، بخلاف التوكيل بالبيع؛ لأن ذكر المشيئة على وجه الشرط، و (البيع لا يحتمل) التعليق أي بشرط - لا يكون من مقتضيات البيع المشيئة،
стр. 3029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبدون ذكر المشيئة لا يصير لازمًا، والتوكيل وإن كان قابلًا للتعليق؛ لكنه اعتبر بأصل البيع حتى لا يحتمل التعليق. كذا ذكره قاضي خان (١).
فإن قيل: الوكيل يتصرف عن مشيئة واختيار.
قلنا: نشأ ذلك الاختيار من عدم نفاذ الأمر عليه؛ لعدم الولاية لا من الصيغة؛ لأن الصيغة ملزمة إذا صدرت من ذي ولاية، فمتى قال لأجنبي: إن شئت، فالمشيئة جاءت من الصيغة صريحًا وأثبتت خاصية المالكية، فكان هذا الكلام تمليكا لا التزامًا؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠] لم يكن التزامًا بل تمليكا.
وتشريحه أن المشيئة نوعان: نوع يذكر ويراد الاختيار في الفعل بمعنى نفي الغلبة ودفع الاضطرار، والوكيل موصوف بهذه المشيئة.
ونوع يراد به إيثار الفعل أو الترك لمصلحة، وأنه معنى كما في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠] والإيثار يبنى على استحسان الفعل لمصلحة، وأنه معنى آخر وراء المشيئة بمعنى نفي الغلبة ودفع الاضطرار، والوكيل غير موصوف بهذه المشيئة، والموكل المالك هو الذي يؤثر الفعل أو الترك، فإذا فرض الأمر إلى الوكيل وقطع تدبيره ورأيه، وتركه لمصلحة ما، فكان قوله: طلقها "إن شئتغ" تمليكا لا توكيلًا.
فيعلم من هذا: أن التصريح بالمشيئة ليس كعدمه فإن ذكر المشيئة صار تمليكا بعد أن كان توكيلًا، وتحمل المشيئة على المعنى الثاني لا على نفي الاضطرار؛ صيانة لتصرف العاقل عن الإلغاء؛ إذ لو حملت على نفي الاضطرار لم تُفد إلا ما أفاد السكوت، وفيه إلغاء تصرف العاقل.
وفي المبسوط: لو قال لغيره: "طلقها" فهو رسول؛ معناه: أن الرسول والوكيل في الطلاق سواء؛ لأنه سفير ومعبر، والرسالة لا تختص بالمجلس، بخلاف ما لو قال له: طلقها إن شئتَ؛ حيث يقتصر على المجلس؛ لأن تأخر
стр. 3030
(وَلوْ قَالَ لَهَا: «طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثاً» فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً)، فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُلِّكَتْ إِيقَاعَ الثَّلَاثِ فَتَمْلِكُ إِيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثاً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا أَنَّثَتْ بِمَا مُلِّكَتْهُ وَزِيَادَةً، فَصَارَ كَمَا إِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفاً. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا أَتَّتْ بِغَيْرِ مَا
كلامه يبين أن مراده تمليك أمرها منه لا الرسالة، وجواب التمليك يقتصر على المجلس، أما في حقها لا تتحقق الرسالة؛ فإنها لا تكون رسولا إلى نفسها؛ فيكون تمليكا سواء ذكر المشيئة أو لا (١).
وفي جامع العتابي: ولو طلقها بلا مشيئة بأن جرى على لسانه الطلاق من غير مشيئة؛ لا يقع، فعلم أنه مالك؛ إذ المالك هو الذي يعمل بمشيئة نفسه، بخلاف الوكيل؛ فإنه يعمل بمشيئة الموكل ورأيه لا بمشيئة نفسه، حتى لو طلقها بلا مشيئة؛ يصح.
قوله: (فهي واحدة)؛ أي: بالاتفاق، وبه قال الشافعي (٢) وأحمد (٣).
وقال مالك: لا يقع؛ لأنها أنثت بغير ما فوض إليها (٤).
قوله: (وقالا تقع واحدة)، وبه قال الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧).
وقوله: (وزيادة) بالجر عطفا على (بما)، وهذا لأن الواحدة موجودة في الثلاث، فصار كما لو قالت: طلقت نفسي واحدة وواحدة وواحدة، وكما لو قال لها: طلقي نفسك فطلقت نفسها وضرتها، أو قال لعبده: أعتق نفسك فأعتق نفسه وصاحبه، وكما لو قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي؛ تقع عليها رجعية، وبما زادت من صفة البينونة لا تنعدم الموافقة في أصل الطلاق، فكذا إذا أوقعت الثلاث؛ لأن موجب الثلاث: البينونة الغليظة.
стр. 3031
فَوَّضَ إِلَيْهَا فَكَانَتْ مُبْتَدِئَةً، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّوجَ مَلَّكَهَا الوَاحِدَةَ، وَالثَّلَاثُ غَيْرُ الوَاحِدَةِ، لِأَنَّ الثَّلَاثَ اسمٌ لِعَدَد مُرَكَّب مُجْتَمِع، وَالوَاحِدَةُ فَردٌ لَا تَركِيبَ فِيهِ، فَكَانَت بَيْنَهُمَا مُغَائِرَةٌ عَلَى سَبِيلِ المُضَادَّةِ، بِخِلَافِ الزَّوجِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكمِ المِلكِ، وَكَذَا هِيَ
قوله: (فكانت مبتدئة) فتوقف إيقاعها على إجازته كما لو قال لها: طلقي نفسك فطلقت ضرتها. وبقول أبي حنيفة قال زفر، ومالك في رواية.
(بينهما)؛ أي بين الواحدة والثلاث (مغايرة على سبيل المضادة)؛ لأن الواحدة أصل العدد لا يتركب فيها، والثنتان أو الثلاث اسم للعدد المذكور المركب؛ فيكون بينهما تضاد بخلاف قولها: واحدة وواحدة وواحدة؛ لأنها بالكلام الأول تكون ممتثلة لما فوض إليها، وفي الكلام الثاني والثالث مبتدأة، وكذا لو أوقعت على نفسها وضرتها.
فإن قيل: فكذلك هاهنا بقولها: "طلقتُ نفسي " ممتثلة لو اقتصرت عليه، وتكون مبتدأة بقولها "ثلاثا " فتلغو الزيادة.
قلنا: الطلاق متى قرن بالعدد؛ كان الوقوع بالعدد، وإلا لم تقع الثلاث على غير الموطوءة بقوله: أنت طالق ثلاثًا، والحال أنه يقع الطلاق بالإجماع، وكذا لو ماتت قبل قولها: ثلاثًا؛ لا تقع الثلاث، فحينئذ كان الإيقاع بذكر الثلاث، وفيه مخالفة.
بخلاف قولها: أبنتُ نفسي؛ أي: طلقتها تطليقة بائنة، فأصل الطلاق يقع بقولها " [طلقت] (١) نفسي " لا بذكر صفة البينونة وهي في ذلك ممتثلة.
وبخلاف ما لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فطلقت واحدة؛ لأن الثلاث غير الواحدة، ولكن من ضرورة صيرورة الأمر من يدها في واحدة صيرورة الثلاث في يدها فكانت في إيقاع الثلاث غير متصرفة (٢) فيما تملك ولا ممتثلة أمره. كذا في المبسوط (٣).
стр. 3032
فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى لِأَنَّهَا مَلَكَت الثَّلَاثَ، أَمَّا هَاهُنَا لَم تَمْلِكُ الثَّلَاثَ وَمَا أَتَتْ بِمَا فُوِّضَ إِلَيْهَا فَلَغَت.
(وَإِنْ أَمَرَهَا بِطَلَاقِ يَمْلِكُ الرَّجعَةَ، فَطَلَّقَت بَائِنَةً، أَوْ أَمَرَهَا بِالبَائِنِ فَطَلَّقَت رَجْعِيَّةً، وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ الزَّوجُ) فَمَعْنَى الأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ لَهَا الزَّوجُ: طَلْقِي نَفْسَكَ وَاحِدَة أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَتَقُولُ: طَلَّقت نَفْسِي وَاحِدَة بَائِنَة فَتَقَعُ رَجْعِيَّة، لِأَنَّهَا أَتَتْ بِالْأَصْلِ وَزِيَادَةِ وَصفٍ كَمَا ذَكَرنَا فَيَلغُو الوَصفُ وَيَبْقَى الأَصلُ، وَمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلْقِي نَفْسَكَ وَاحِدَةً بَائِنَةٌ، فَتَقُولُ: طَلَّقت نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةٌ فَتَقَعُ بَائِنَةٌ، لِأَنَّ قَولَهَا
فإن قيل: قد ذكر في المبسوط في أول فصل الأمر باليد: أن الزوج إذا قال لها: "أمرك بيدك " ونوى الواحدة، وهي طلقت نفسها ثلاثًا؛ تقع واحدة عندنا خلافًا لابن أبي ليلى، فعلى ما ذكر أبو حنيفة هاهنا ينبغي أن لا تقع؛ لأنها أتت بغير ما فوض إليها؛ لأن الثلاث غير الواحدة.
قلنا: الجواب ما قلناه هناك: أن التفويض لم يتعرض لشيء؛ فقد يكون خاصا وقد يكون عاما، فإذا نوى فقد قصد تفويضًا خاصًا وهو غير مخالف للظاهر، فلما أوقعت ثلاثًا؛ فقد أوقعته فيما هو أصل التفويض، وهو لا يكون أقل من الواحدة فتقع الواحدة.
فإن قيل: مذهبنا أن الواحدة لا عين العشرة ولا غيرها، فينبغي أن تقع من حيث أنها لا غير الثلاث.
قلنا: المغايرة بين أسماء الأعداد أصلها ونفسها فوق المغايرة بين ألفاظ العموم والخصوص حتى جرى المجاز والاستعارة بين العام والخاص، ولا يجري بين أسماء الأعداد؛ لأنها بمنزلة الإعلام، فيقال: ستة ضعف ثلاثة بغير تنوين؛ للعلمية والتأنيث، ولا يجوز إطلاق لفظ الثلاثة على غيرها لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، فعلم أن المغايرة بينهما ثابتة من كل وجه.
وأما قولنا: " لا غيرها " فباعتبار عدم تصور الأكثر منها بدون الأقل منه، وبهذا الاعتبار لا يقدح ثبوت المغايرة بينهما بحسب العُرف والاستعمال مع أن الواحد في العشرة الموجودة، وأما الثلاث فهاهنا معدوم،
стр. 3033
وَاحِدَة رَعِيَّة لَغْوٌ مِنْهَا، لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ المُفَوَّضِ إِلَيْهَا فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى إِيقَاعِ الأَصْلِ دُونَ تَعْيِينِ الوَصْفِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا اقْتَصَرَت عَلَى الأَصْلِ فَيَقَعُ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الزَّوْجُ بَائِنَا أَوْ رَجْعِيًّا (وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا إِنْ شِئْتِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَة لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ: إِنْ شِئْتِ الثَّلَاثَ، وَهِيَ بِإِيقَاعِ الوَاحِدَةِ مَا شَاءَتِ الثَّلَاثَ، فَلَمْ يُوجَد الشَّرْطُ (وَلَو قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً إِنْ شِئْتِ فَطَلَّقَتْ
والواحد الموجود غير الثلاث المعدوم لا محالة.
قوله: (لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) وبه قال الشافعي (١)، ومالك (٢)؛ لأن معناه إن شئت الثلاث؛ لأن قوله: إن شئت شرط فلابد له من الجزاء ولم يذكر بعد، فكان جزاؤه ما ذكر قبل الشرط، والمذكور قبل الشرط ثلاث فصار كما [إذا] (٣) قال: (إن شئت الثلاث) و (بإيقاع الواحدة ما شاءت الثلاث) بل شاءت الواحدة (فلم يوجد الشرط) فلم يقع شيء.
فعلى هذا لو قالت: شئت واحدة وواحدة وواحدة؛ وقع الثلاث، دخل بها أو لا، وبه قال [أصحاب] (٤) الشافعي؛ لأن تمام الشرط بآخر كلامها فما لم يتم الشرط لا يترك الجزاء؛ ولهذا تقع الثلاث عند تمام الشرط جملة. وبه قال الشافعي.
ولو قالت: "شئت واحدة" وسكتت، ثم قالت: قد شئت واحدة وواحدة؛ لم يقع عليها شيء؛ لأن كلامها يفرق بسكوتها، وهي في الكلام الأول شاءت غير ما جعله الزوج شرطًا؛ فكان ذلك بمنزلة قولها: "لا أشاء" فلم تكن لها مشيئة بعد ذلك؛ فكذا هاهنا. كذا في المبسوط (٥).
والفرق بين هذه المسألة وبين قوله لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فطلقت واحدة؛ تقع واحدة. وفي هذه المسألة لم يقع شيء: [أنها إذا ملكت إيقاع الثلاث ملكت أجزاء الطلاق أيضًا؛ فملكت إيقاع الواحدة فتقع] (٦)، وهاهنا لم تقع الواحدة؛ لعدم وجود الشرط، وهو: مشيئة الثلاث، وبمشيئة الواحدة لا يقع
стр. 3034
ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ لَيسَت بِمَشِيئَةٍ لِلوَاحِدَةِ كَإِيقَاعِهَا (وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) (*) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ مَشِيئَةٌ لِلوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّ إِيقَاعَهَا إِيقَاعٌ لِلوَاحِدَةِ فَوُجِدَ الشَّرطُ.
(وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ إِنْ شِئتِ، فَقَالَت: شِئتُ إِنْ شِئتَ، فَقَالَ الزَّوجُ: شِئتُهُ، يَنوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الأَمرُ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالمَشِيئَةِ المُرسَلَةِ، وَهِيَ أَتَت بِالمُعَلَّقَةِ، فَلَم يُوجَد الشَّرطُ، وَهُوَ اسْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعنِيهَا، فَخَرَجَ الأَمرُ مِنْ يَدِهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَولِهِ: «شِئتُ» وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ المَرأَةِ ذِكرُ
شيء؛ لأن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط.
قوله: (وكذلك عند أبي حنيفة)؛ أي: لم يقع شيء، وبه قال الشافعي (١).
قوله: (كإيقاعها) أي: كإيقاع الواحدة فيما لو قال: لها طلقي نفسك واحدة، فطلقت ثلاثًا؛ لم يقع شيء عند أبي حنيفة لما بينا.
قوله: (فخرج الأمر من يدها) كما لو علقت بمشيئة رجل آخر.
(ولا يقع الطلاق بقوله: شئت) وبه قال الشافعي في وجه (٢).
[قلنا يملك] (٣) الإيقاع بمشيئة الطلاق، وهو بهذا اللفظ شاء مشيئتها؛ لأنه قصد جوابها، حتى لو قالت: شئت الطلاق؛ يقع. كذا في المبسوط (٤).
سواء أراد بهذا اللفظ جوابها أو ذكره ابتداء، وإنما تشترط النية بذكر الطلاق صريحًا؛ لأنه قد يقصد وجوده وقوعًا وقد يقصد وجوده ملكًا فلابد من النية؛ لتتعين جهة الوجود وقوعًا (٥).
وفي المحيط: لو قال لها: شئت طلاقك، ذكر في شرح شيخ الإسلام: يقع الطلاق بلا نية الإيقاع (٦).
قوله: (ليس في كلام المرأة ذكر) فإن قيل: كلامها لما كان بناءً على كلام
стр. 3035
الطَّلَاقِ لِيَصِيرَ الزَّوجُ شَائِيًا طَلَاقَهَا، وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ المَذْكُورِ حَتَّى لَو قَالَ: شِئْتُ طَلَاقَكَ يَقَعُ إِذَا نَوَى، لِأَنَّهُ إِيقَاعٌ مُبْتَدَأَ، إذ المَشِيئَةُ تُنبِئُ عَنِ الوُجُودِ، بِخِلَافِ قَولِهِ: «أَرَدتُ طَلَاقَك»، لِأَنَّهُ لَا يُنبِئُ عَنِ الوُجُودِ.
(وَكَذَا إِذَا قَالَتْ: شِئتُ إِنْ شَاءَ أَبِي، أَوْ شِئْتُ إِنْ كَانَ كَذَا لِأَمر لَم يَجِئْ بَعدُ)
وقد ذكر الزوج الطلاق؛ فيكون مذكور في كلامها تقديرًا.
قلنا: الجواب يعتمد كلامها، وكلامها لغو؛ لأنه اشتغال بما لا يعنيها فيلغو ما يبنى عليه.
قوله: (المشيئة تنبئ عن الوجود) فصار كأنه قال: أوقعتُ طلاقكِ؛ لأن المشيئة مأخوذة عن الشيء، والشيء اسم للموجود، فكان قوله "شئت" بمنزلة قوله: أوجدتُ، وإيجاد الطلاق بإيقاعه. (بخلاف) الإرادة فإنها لغة عبارة عن الطلب، قال ﵇: «الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ» (١) أي طالبه.
وفي المثل: لا يكذب الرائد أهله؛ أي: طالب العشب، وليس من ضرورة الطلب الوجود.
وعن أبي حنيفة [ما يدل] (٢) عليه، والتفرقة بينهما استدلالا بهذه المسألة.
وتجوز التفرقة بينهما بالنسبة إلى العباد (٣)، والتسوية بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأن ما يطلبه يوجد كما يشاء بخلاف العباد. كذا في الفوائد الظهيرية (٤).
فإن قيل: إن الله تعالى طلب الإيمان من فرعون وأبي جهل وأمثالهما بالأمر ولم يوجد منهم.
قلنا: الطلب من الله تعالى على نوعين: طلب من المكلف على وجه الاختيار، وهو المسمى بالأمر، ولا يلزم منه الوجود؛ لتعلقه باختيار المكلف.
стр. 3036
لِمَا ذَكَرنَا، أَنَّ المَأْتِيَّ بِهِ مَشِيئَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الْأَمْرُ وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ
وطلب لا تعلق له باختيار العبد، وهو المسمى بالمشيئة والإرادة، والوجود من لوازمها؛ إذ لو لم يكن يلزم العجز وهو منزه عنه بخلاف العباد.
قال شيخي العلامة: هذا ما أشير إليه في عامة الكتب في بيان هذه المسألة، ولكنه مشكل؛ لأن ما ذكروه يشير إلى [أن] (١) الإيجاد [هو المعنى الأصلي للمشيئة وليس كذلك؛ فإن المشيئة مفسرة في أكثر كتب اللغة بالإرادة لا بالإيجاد] (٢)، ومستعمله في القرآن والحديث وفي تراكيب كلام الناس: بمعنى الإرادة دون الإيجاد، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ﴿وَيُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾، وقال ﵇: «إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد» (٣) ومثله كثير، فكان بناء إثباتها عن الوجود مأخوذة من الشيء بمعنى: الموجود غير قوي، ولو كان أصل معناها الإيجاد؛ ينبغي ألا يتوقف على النية.
وما ذكروه من العذر ليس بصحيح؛ لأن قوله: "شئت" مضافًا إلى نفس الطلاق؛ فكانت حقيقة إيجاد نفس الطلاق على تقدير معناه أن يكون: " أوجدت " وإيجاد مالكية الطلاق مجازة، ومثل هذا الاحتمال لا يمنع ثبوت موجب الكلام ولا يوجب توقفه على النية؛ بل يوجب ثبوت هذا المحتمل والمجاز على النية، فعرف أن معناها الأصلي هو الإرادة لا الإيجاد.
ولكن يحتمل جواز استعماله في الإيجاد باعتبار أن لفظ الشيء مشترك بين المصدر بمعنى الإرادة وبين الموجود، يقال: شاء شياءً ومشيئة؛ أي: أراد إرادة، وكل شيء يحدث بخلق الله تعالى، وقد ثبت من طريق العرف أنهم يصوغون من لفظ "هو" حرف أو اسم أو جملة مصدر، أو يصرفونه صرف المصادر الأصلية كالتسويف والحوقلة والبسملة والحيعلة؛ فإنهم صاغوها من:
стр. 3037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سوف، ومن لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن حي على الصلاة، ومن اسم الله.
فكأن هذا القائل لما نوى الإيقاع بقوله: "شئتُ طلاقك" قد جعل الشيء الذي هو بمعنى الوجود مصدرًا وأخذ منه الفعل ولم يغيره إلى صيغة أخرى كما غيروا "سوف " إلى التسويف؛ لأن نفسه يصلح للمصدرية؛ إذ هو مصدر شاء بمعنى أراد، فهذا الطريق يحتمل أن يكون الشيء بمعنى الإيجاد، وشئت بمعنى أوجدت، فعلم أن الإيجاد محتمل هذا اللفظ لا موجبه؛ فيحتاج إلى النية، بخلاف الإرادة؛ فإنها لا تحتمل معنى الإيجاد؛ لما قلنا: فلا يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن النية لم تصادف محلًا فلا يقع به الطلاق كما في قولك: هويت طلاقك أو أحببت طلاقك.
وحاصل ما ذكره أن الإرادة والمشيئة شيئان في المعنى؛ ولهذا لا يقع بهما عند عدم النية، إلا أن المشيئة تحتمل الإيجاد بالطريق الذي ذكرنا لا الإرادة.
وفي المبسوط: لو قال لها: "شائي "الطلاق تنوي به الطلاق، فقالت: شئت؛ فهي طالق، وإن لم تكن له نية؛ لا تطلق؛ لما بينا أن مشيئتها من عمل قلبها كاختيارها، فكان بمنزلة: اختاري الطلاق، وقالت: اخترت، إن نوى الزوج الإيقاع؛ يقع، فكذلك في المشيئة (١).
ولو قال لها: أحبّي الطلاق أو أريدي الطلاق أو اهوي الطلاق، فقالت: قد فعلت؛ كان باطلا، وإن نوى؛ [الأن] (٢) الإرادة والمحبة والهوى من العباد نوع تمن [فكأنه قال لها: تمني] (٣) فقالت: تمنيت لا يقع؛ وهذا لأن المشيئة في صفات المخلوقين ألزم من الإرادة والهوى والمحبة لغة؛ ألا ترى أن المشيئة لا تذكر مضافةً إلى غير العقلاء، وقد تذكر الإرادة قال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَ﴾ [الكهف ٧٧] وليس إلى الجدار شيء من الإرادة (٤). وفيه نوع تأمل.
стр. 3038
شِئتُ إن كان كذا - لأمرٍ قد مضى - طَلُقَت لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرط كَائِنِ تَنجِيزُ.
(ولو قال لها: أنتِ طَالِقٌ إذا شئتِ، أو إذا ما شئتِ، أو متى شئتِ، أو متى ما شئت فَرَدَّت الأَمْرَ لَم يَكُنْ رَدًّا، ولا يَقْتَصِرُ عَلَى المَجْلِسِ) أَمَّا كَلِمَةُ «مَتَى» «وَمَتَى مَا» فَلِأَنَّهُمَا لِلوَقتِ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الأَوقَاتِ كُلِّهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: فِي أَيِّ وَقتٍ شئت، فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى المَجْلِسِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَو رَدَّت الأَمْرَ لَم يَكُنْ رَدًّا، لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ فِي الوَقتِ الَّذِي شَاءَت، فَلَم يَكُنْ تَمْلِيكًا قَبلَ المَشِيئَةِ حَتَّى يَرتَدَّ بِالرَّدِّ، وَلَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا إِلَّا وَاحِدَة، لِأَنَّهَا تَعُمُّ الأَزمَانَ دُونَ الأَفعَالِ فَتَمْلِكُ التَّطلِيقَ فِي كُلِّ
قوله: (بأمر كائن) (١)، أي: ثابت موجود؛ بأن قالت: إن مضى أمس أو إن كانت السماء فوقنا.
فإن قيل: لو كان التعليق به تنجيزًا ينبغي أن يكون تنجيزًا فيما إذا قال: إن فعلت كذا أمس، فهو يهودي، وهو يعلم أنه قد فعله فوجب تكفيره ولم يجب.
قلنا: اختلف المشايخ فيه؛ فيمنع على رواية، ولئن سلمنا [أنه لا يكفر] (٢) قلنا: هذه الألفاظ صارت كناية عن اليمين عُرْفًا، فيحمل عليها؛ تحاميا عن تكفير المسلم.
قوله: (ولا يقتصر على المجلس)؛ أي: بالإجماع.
فإن قيل: في قوله: إذا شئت أو متى شئت؛ ينبغي أن لا تبقى لها المشيئة بعد القيام عن المجلس، أو إذا انقطع المجلس بقولها: لا أشاء؛ لأن المفوض إليها مشيئة واحدة حتى لا تبقى لها المشيئة مرة أخرى بعد قوله: شئت مرة؛ كما في قوله: إن شئت فأنت طالق، فقالت: لا أشاء.
قيل في جوابه: الثابت بها مشيئة واحدة في حق الحنث؛ لأن الحنث متعلق بإيجاد مشيئة واحدة، أما البر فمعلق بنفي المشيئات لا بنفي مشيئة واحدة؛ لأن البر معلق بنفي مشيئة نكرة، فإن قوله: " إن شئتِ " يقتضي مشيئة؛ فالبر متعلق بنفي هذه المشيئة، والنكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص، وإذا كانت النكرة تعم في النفي فإنما يتم البر بنفي المشيئات ولم يوجد فيبقى اليمين. كذا قيل.
стр. 3039
زَمَان وَلَا تَمْلِكُ تَطلِيقًا بَعدَ تَطلِيق، وَأَمَّا كَلِمَةُ «إِذَا» «وَإِذَا مَا» فَهُمَا وَ «مَتَى» سَوَاءٌ عِندَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرِطِ كَمَا يُستَعمَلُ لِلوَقتِ، لَكِنَّ الأَمرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكْ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
(وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئتِ، فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً بَعدَ وَاحِدَةٍ حَتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا) لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تُوجِبُ تَكرَارَ الأَفْعَالِ، إِلَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ يَنصَرِفُ إِلَى المِلكِ القَائِمِ حَتَّى لَو عَادَتْ إِلَيْهِ بَعدَ زَوج آخَرَ فَطَلَّقَت نَفْسَهَا لَم يَقَع شَيْءٌ لِأَنَّهُ مِلكُ مُستَحدَثُ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَة) لِأَنَّهَا
(فلا يخرج بالشك)؛ يعني: لو نظرنا إلى كونه للشرط: يخرج الأمر من يدها بالقيام كما في قوله: إن شئت، ولو نظرنا إلى كونه للوقت: لا يخرج؛ فلا يخرج بالشك.
فإن قيل: وجب أن يحمل على الشرط هاهنا تصحيحا للرد.
قلنا: إنما يحمل على الشرط إذا صدر الرد ممن صدر عنه التعليق؛ لأن إرادة الشرط تختص بمن كان التعليق منه لا بمن صدر الرد منه؛ فلذا لا يحمل على الشرط تصحيحا للرد. كذا في الفوائد الظهيرية (١).
قوله: (توجب تكرار الأفعال) فتتناول جميع ما يوجد من الأفعال إلى وقت الموت، وجميع الأفعال إلى وقت الموت لا تتصور في وقت؛ بل تتصور في الأوقات؛ فصارت الأوقات كالمذكور اقتضاء بكلمة "كلما "، فصار كقوله: كلما شئت في الأوقات، فكان لها المشيئة في الوقت وبعده. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (ملك مستحدث)، وصحة التفويض منه باعتبار التطليقات المملوكة له، فبوقوع الثلاث ينتهي التفويض، وليس في كلامه ما يدل على الإضافة إلى الملك، ولا له يمين؛ لما فيه من تعليق الطلاق بمشيئتها، واليمين لا يصح إلا في الملك أو مضافًا إلى الملك كما يجيء. وبه قال مالك، والشافعي في قول.
وعند زفر، وأحمد، والشافعي: نفي اليمين في مسألة التخيير هل يبطل التعليق؟
стр. 3040
تُوجِبُ عُمُومَ الاِنفِرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ، فَلَا تَمْلِكُ الإِيقَاعَ جُملَة وَجَمْعًا.
(وَلَو قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ «حَيثُ شِئتِ» أَوْ «أَينَ شِئتِ» لَم تَطْلُق حَتَّى تَشَاءَ، وَإِنْ قَامَت مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا) لِأَنَّ كَلِمَةَ «حَيثُ» «وَأَينَ» مِنْ أَسْمَاءِ المَكَانِ وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلَّقَ لَهُ بِالمَكَانِ، فَيَلغُو وَيَبقَى ذِكرُ مُطلَقِ المَشِيئَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى
قوله: (جملة وجمعًا) قيل: معناهما واحد، وقيل: أراد بالجمع أن تقول: طلقت وطلقت وطلقتُ، وبالجملة أن تقول: طلقت نفسي ثلاثًا، والأصح الأول؛ لأنه ليس في لفظه ما يدل على العدد والعموم؛ فإن قوله " أنت طالق " نعت فرد، وتحمل [كلما] (١) في تكرار الفعل، فصار بمنزلة ما لو قال: أنت طالق كلما دخلت هذه الدار، ونوى وقوع الثلاث عند الدخلة الأولى؛ لم تعمل نيته، لكنها كلما دخلت وقعت واحدة. كذا في جامع المحبوبي. وتعمل نيته عند الشافعي، وهل تقع واحدة؟ فعلى الاختلاف.
قوله: (فيلغو)؛ أي: ذكر "حيث " و " أين"؛ لأنهما للمكان.
فإن قيل: لما لغا ذكر المكان بقي قوله: أنت طالق شئت، وبهذا لا يقع شيء.
قلنا: يجعل مجازًا عن حرف الشرط؛ لما فيهما من معنى تأخير الطلاق كما في الشرط احترازا عن الإلغاء، ويجعل مجازا عن حرف "إن"؛ لأنه الأصل في باب الشرط؛ حتى [لا] (٢) يقتصر على المجلس؛ لما قلنا: إن المحض الشرط (٣)، وهو الأصل في باب الشرط الذي هو مجاور للمجاز (٤). كذا في الفوائد الظهيرية، وفيه بحث ذكرناه في شرح المنار وشرح البزدوي خصوصًا كما في قوله: أنت طالق غدًا (٥)، وعمومًا كما في قوله: أنت طالق في أي وقت شئت (٦).
стр. 3041
المَجْلِسِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقا بِهِ حَتَّى يَقَعَ فِي زَمَانِ دُونَ زَمَانِ، فَوَجَبَ اعتبارُهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ كَيفَ شِئتِ، طَلُقَت تَطلِيقَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) وَمَعْنَاهُ: قَبلَ المَشِيئَةِ، فَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْتُ وَاحِدَة بَائِنَة أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ الزَّوجُ: «ذَلِكَ نَوَيتُ» فَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَثبُتُ المُطَابَقَةُ بَينَ مَشِيئَتِهَا وَإِرَادَتِهِ، أَمَّا إِذَا أَرَادَت ثَلَاثًا وَالزَّوجُ وَاحِدَة بَائِنَةً أَوْ عَلَى القَلبِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجِعِيَّةٌ، لِأَنَّهُ لَغَا تَصَرُّفَهَا لِعَدَمِ المُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إِيقَاعُ الزَّوجِ، وَإِنْ لَم تَحضُرهُ النِّيَّةُ تُعتَبَرُ مَشِيئَتُهَا فِيمَا قَالُوا جَرِيَا عَلَى مُوجِبِ التَّحْيِيرِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ -: وَقَالَ فِي الأَصْلِ: هَذَا قَولُ أَبِي
قوله: (قال ﵁: قال في الأصل) إلى آخره، وإنما قال هذا؛ لأن ما أورده في هذا الفصل مسائل الجامع، وليس في أصل رواية الجامع الصغير ذكر قوليهما؛ بل ذكر الرواية على قول أبي حنيفة لا غير، فذكر هذا ليبين أن ما ذكر في الجامع قول أبي حنيفة بدليل ما ذكر في الأصل.
وحاصل الاختلاف راجع إلى أصل الطلاق هل يتعلق بمشيئتها أم لا؟ عنده: لا يتعلق، وبه قال القفال من الشافعية (١).
وعندهما: يتعلق بها أصل الطلاق بأوصافه، وبه قال أبو علي من الشافعية (٢)، وأحمد (٣).
وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا قامت من مجلسها قبل المشيئة، فعنده: تقع واحدة رجعية، وعندهما لا يقع شيء، والمسألة مستقصاة في الأصول على الخصوص في بيان الوصول في شرح الأصول.
وعلى هذا الخلاف لو قال لعبده: أنت حر كيف شئت. يعتق عنده في الحال ولا مشيئة له، وعندهما لا يعتق قبل المشيئة، وبه قال الشافعي (٤).
стр. 3042
حَنِيفَةَ، وَعِندَهُمَا: لَا يَقَعُ مَا لَم تُوقِع المَرأَةُ، فَتَشَاءُ رَعِيَّة، أَوْ بَائِنَة أَوْ ثَلَاثًا) (*). وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ العِتَاقُ. لَهُمَا: أَنَّهُ فَوَّضَ التَّطلِيقَ إِلَيْهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٌ شَاءَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعلِيقِ أَصل الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا لِتَكُونَ لَهَا المَشِيئَةُ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، أَعْنِي: قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعدَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ كَلِمَةَ كَيفَ لِلِاسْتِيصَافِ، يُقَالُ كَيْفَ أصبحت وَالتَّفوِيضُ فِي وَصفِهِ يَستَدعِي وُجُودَ أَصْلِهِ وَوُجُودَ الطَّلَاقِ بِوُقُوعِهِ.
قوله: (فلا بد من تعليق أصل الطلاق)؛ لأنه إذا لم يتعلق أصله لا يقع كيف شاءت؛ بل يقع على خلاف أصله، ولا يقع ما شاءت؛ لأنه يقع رجعياً بعد الدخول وبائنا قبله. ويلغو قوله: "كيف شئتِ " في غير الموطوءة؛ لعدم اشتغالها بإثبات الوصف، و "كيف" الاستيصاف (١) يصير جميع الأوصاف معلقًا بها، وذا لا يتحقق بدون تعليق الأصل لما قلنا.
(والتفويض في وصفه)؛ أي: وصف الطلاق (يستدعي وجود أصله)؛ أي: أصل الطلاق؛ قال الشاعر (٢):
خَليلِي: كيف صبرُكَ بعدنا … فقلت: وهل صبر فتسأل عن كيف
فإن قيل: لما كان تفويضًا في وصفه إلى مشيئتها، فيجب أن تكون هي مستقلة في إثبات [ما شاءت] (٣) بلا نية الزوج؛ كما في سائر التفويضات.
قلنا: ذكر الطحاوي وأبو بكر الرازي: [أن] لها المشيئة في إثبات وصف البينونة أو الثلاث بلا نية الزوج، وهذا معنى قوله في الكتاب: (وإن لم تحضره النية تعتبر مشيئتها فيما قالوا جريًا على موجب التخيير)، وما ذكر في الكتاب قول الجصاص، وقد راجعت الفحول في جواب هذا الإشكال ولم يقرع سمعي جواب شافي فيجب التعويل [على] (٤) ما ذكره الطحاوي. كذا في الفوائد الظهيرية (٥).
стр. 3043
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنتِ طَالِقٌ كَمْ شِئتِ، أَوْ مَا شِئتِ، طَلَّقَت نَفْسَهَا مَا شَاءَت)
ولكن ذكر شيخي العلامة في كشفه وجه قول الجصاص: أن الحال مشتركة بين البينونة والعدد؛ فيحتاج إلى نية لتعين أحدهما. ولكن فيه ضعف كما ترى (١).
وفي الكافي: وما قاله أبو حنيفة أولى؛ لأن إثبات الموصوف وإن كان فيه تخصيص بعض الأوصاف عن التعليق لِيَصِحَ الاستيصاف أولى من تعليق أصل الطلاق بالمشيئة وتعميم الأوصاف، وفيه إبطال الاستيصاف؛ لأن الكلام يحتمل التخصيص دون التعطيل، واعتبر هذا بالاستثناء فإن استثناء البعض يصح واستثناء الكل لا يصح (٢).
قوله: (طلقت نفسها ما شاءت)، وذكر في أصل رواية الجامع الصغير قال: (إن شاءت طلقت نفسها واحدة أو ثنتين أو ثلاثًا ما لم تقم من مجلسها، وينبغي ألا يباح لها أن تطلق نفسها ثلاثًا كما لا يباح للزوج)؛ لكن روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: (أن ذلك مباح لها في التخيير).
واحتمل أن يكون المراد بقوله: إن شاءت طلقت ثلاثا مشيئة القدرة لا مشيئة الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]، كما قال علماؤنا في كتاب العتاق: عبد بين اثنين دبّر أحدهما نصيبه؛ فالآخر بالخيار إن شاء دبّر نصيبه، وإن شاء استسعى، وإن شاء أعتق، وإن شاء تركه على حاله، وقد علمنا أنه لا يباح له عتق نصيبه، وإن عنى به مشيئة القدرة؛ فإنه لو أعتق نصيبه يضمن للمدبر قيمة نصيبه مدبَّرًا. كذا في كشف الغوامض (٣).
وفي الفوائد الظهيرية في المسألة التي تليها: لو طلقت نفسها ثلاثًا على قولهما، أو اثنتين على قول أبي حنيفة؛ لا يكره؛ لأنها مضطرة إلى ذلك؛ لأنها لو فرقت خرج الأمر من يدها بخلاف ما لو أوقع الزوج ذلك (٤).
стр. 3044
لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلعَدَدِ فَقَد فَوَّضَ إِلَيْهَا أَيَّ عَدَد شَاءَت (فَإِنْ قَامَت مِنْ المَجْلِسِ بَطَلَ، وَإِنْ رَدَّت الأَمْرَ كَانَ) رَدًّا لِأَنَّ هَذَا أَمرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خِطَابٌ فِي الحَالِ فَيَقْتَضِي الجَوَابَ فِي الحَالِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئتِ، فَلَهَا أَنْ تُطَلَّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَة أَوْ ثِنَتَيْنِ وَلَا تُطَلِّقَ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تُطَلِّقُ ثَلَاثًا إِنْ شَاءَت) (*) لِأَنَّ كَلِمَةَ «مَا» مُحكَمَةٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَكَلِمَةَ «مَنْ» قَدْ تُستَعمَلُ لِلتَّمييز،
(لأنهما) أي: (كم) و (ما) (يستعملان للعدد) يقال: كم مالك؟ وخذ دراهمي ما شئت؛ أي: العدد الذي شئت، (فقد فوض إليها أي عدد شاءت).
فإن قيل: كلمة (ما) كما تستعمل للعدد تستعمل للوقت كقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم ٣١] فوقع الشك في تفويض العدد فلا يثبت العدد بالشك.
قلنا: هذا معارض بمثله، فإنا لو عملناه بمعنى الوقت؛ لا يبطل بالقيام عن المجلس، ولو عملنا بمعنى العدد؛ يبطل، فوقع الشك في ثبوته فيما وراء المجلس؛ فلا يثبت بالشك، ثم رجحنا جانب العدد بأصل آخر وهو: أن التفويض بمعنى التمليك كما ذكرنا والتمليكات مقتصرة على المجلس، وذا إنما يكون أن لو كانت معمولة بمعنى العدد لا بمعنى الوقت.
قوله: (لأن هذا أمر واحد) هذا احتراز عن (كلما).
وقوله: (خطاب في الحال احتراز عن "إذا " و "متى" يعني هذا تمليك في الحال؛ لأنه ليس في كلامه ذكر الوقت فاقتضى جوابًا في الحال)، ولا يقال إن "كم" تستعمل في العدد، والواحد ليس بعدد؛ فينبغي ألا يملك الواحد؛ لأنا نقول: الواحد أصل العدد، وفي العُرف تستعمل بمعنى العدد؛ ألا ترى لو قيل: كم معك؟ استقام الجواب عن الواحد.
قوله: (تستعمل للتمييز)؛ أي: للبيان كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، وقد تكون صلة كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدِ﴾ [المؤمنون ٩١]
стр. 3045
فَحُمِلَ عَلَى تَمْيِيزِ الجِنسِ، كَمَا إِذَا قَالَ: كُلُّ مِنْ طَعَامِي مَا شِئتَ أَوْ طَلِّق مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَت. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ كَلِمَةَ «مِنْ» حَقِيقَةٌ لِلتَّبعِيضِ وَ «مَا» لِلتَّعْمِيمِ فَعُمِلَ بِهِمَا، وَفِيمَا اسْتَشْهَدَا بِهِ تَركُ التَّبعِيضِ بِدَلَالَةِ إِظْهَارِ السَّمَاحَةِ أَوْ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَهِيَ المَشِيئَةُ، حَتَّى لَو قَالَ: مَنْ شِئتَ كَانَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(فحمل على تمييز الجنس)؛ أي: تمييز الطلاق من سائر الأشياء في التفويض، أو هو صلة. كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: لا يمكن الحمل على التمييز هاهنا من سائر الأعداد؛ لأنه لا مزاحم للثلاث؛ إذ الطلاق لا يزيد على الثلاث وجعلها (صلة) خلاف الأصل فيما لم يكن حمله على التمييز هاهنا من سائر الأعداد لفظا؛ ألا ترى لو قال: نسائي طوالق إلا نسائي لا يصح الاستثناء، ولو قال: نسائي طوالق إلا هذه وهذه وهذه؛ صح الاستثناء ولم تطلق واحدة منهن؛ لما ذكرنا أن لفظ "نسائي " يتناول أكثر من الأربع، فكذا هاهنا لفظ "ما شئت" يتناول أكثر من الثلاث، فتكون " الثلاث" تمييزا من سائر الأعداد لفظًا.
قوله: (فيعمل بِهِمَا)؛ أي: بالتبعيض والعموم، والتبيين عام بالنسبة إلى الواحدة، وبعض بالنسبة إلى الثلاث، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣).
(أو لعموم الصفة)؛ أي: في قوله: من نسائي من شاءت، والمسألة مستقصاة في الأصول.
وفي جامع التمرتاشي: لأبي حنيفة أن " من " للتبعيض بالنص قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣]، وللتعميم بالنص أيضًا قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، فتيقنا في التبعيض، وشككنا في التعميم؛ فلا يثبت بالشك.
стр. 3046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسائل تتعلق بهذا الفصل
لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أن تشائي طلقة، فشاءت واحدة؛ تقع واحدة، وقال محمد: لا يقع شيء، وعن أبي يوسف: تقع الواحدة.
ولو قال: طلقها إن شاء الله وشئتَ، أو قال: أنت طالق إن شاء الله وفلان أو شئتِ: أما " شاء الله وفلان "؛ لا يقع بالمشيئة شيء؛ لأنه عطف على ما قيل فيبطل، ولو قال: " إن شئت وشاء "فلان"؛ يتعلق بمشيئتهما.
ولو قال: طلقها حين شئت؛ بمنزلة قوله: طلقها إذا أو متى شئت؛ لأن حين للوقت.
ولو قال: إن شئت فأنتِ طالق، إذا شئتِ أو متى شئت أو حين شئت؛ فلها مشيئتان: مشيئة في الحال ومشيئة في عموم الأحوال؛ لأنه علق بمشيئتها في الحال طلاقًا معلقًا بمشيئتها في أي وقت كان، والمعلق بالشرط كالمرسل عند الشرط، فإذا شاءت في المجلس؛ صار كأنه قال: أنت طالق إذا شئتِ (١).
ولو قال لامرأتيه: إن شئتما فأنتما طالقان فشاءت إحداهما أو شاءتا طلاق أحدهما؛ لا يقع؛ لأن الشرط مشيئتهما طلاقهما ولا يوجد الشرط (٢).
ولو قال لرجلين: إن شئتما فهي طالق ثلاثًا، فشاء أحدهما [واحدة] (٣) والآخر ثنتين؛ لا يقع لأنه علق الطلاق بمشيئتهما الثلاث ولم يوجد (٤).
ولو قال لهما: طلقاها ثلاثًا، فطلقها أحدهما واحدةً والآخر ثنتين؛ وقع الثلاث؛ لأن كل واحد ينفرد بإيقاع الثلاث؛ فإذا أوقع بعض الثلاث يصح (٥).
ولو قال لها: إن شئت فأنتِ طالق، ثم قال لأخرى: طلاقك مع طلاق هذه؛ يقع عليها بمشيئة الأولى إن نوى الزوج، وإلا لم يقع؛ لأنه يحتمل
стр. 3047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طلاقك مع طلاق هذه في الوقوع، ويحتمل في الملك - يعني: كلاهما مملوكان لي؛ فأيهما نوى صَدَق (١).
لو قال: أنتِ طالق إن شئتِ وأبيتِ أو إن شئتِ ولم تشائي؛ لم تطلق أبدًا؛ لأنه [جعل] (٢) المشيئة والإباء شرطًا ولا يمكن اجتماعهما.
ولو قال: إن شئتِ وإن لم تشائي، فشاءت في المجلس؛ طلقت. ولو قامت بلا مشيئة؛ تطلق أيضا كما لو قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار وإن لم تدخلي. أما لو أخَّر الطلاق بأن قال: إن شئت وإن لم تشائي فأنت طالق؛ لا تطلق أبدًا.
ولو قال: أنتِ طالق إن شئت وإن أبيت؛ فإن شاءت؛ يقع، وإن أبت؛ يقع، وإن سكتت حتى قامت من المجلس؛ لا يقع. وكذا لو قال: إن شئتِ أو أبيت.
ولو قال: أنتِ طالق إن أبيتِ أو كرهت طلاقكِ، فقالت: أبيت؛ تطلق.
ولو قال: إن لم تشائي طلاقكِ فأنتِ طالق، ثم قالت: لا أشاء؛ لا تطلق (٣)؛ لأن قوله "أبيت" صيغة لإيجاد الفعل - وهو الإباء- وقد وجد. وأما قوله: "لم تشائي" صيغته للعدم لا للإيجاد، وعدم المشيئة لا يتحقق بقولها: لا أشاء؛ لأن لها أن تشاء من بعد وإنما يتحقق بالموت.
ولو قال لها: أنتِ طالق إن شئتِ وشئتِ وشئتِ؛ لا يقع حتى تشاء ثلاث مرات.
ولو قال: أنتِ طالق واحدة إن شئتِ فقالت: شئت نصف واحدة؛ لم تطلق عند أبي يوسف (٤).
ولو قال لها: طلقي نفسكِ، وقال لها رجل آخر: أعتقي عبدكِ إن شئتِ،
стр. 3048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فبدأت بعتق عبدها؛ خرج الأمر من يدها، ولو كان الأمر بالعتق من زوجها فبدأت بالعتق؛ لم يبطل خيارها في الطلاق (١).
وعنه لو قال لها: أنت طالق إن شئت للسُّنة واحدةً؛ فلها المشيئة الساعة لا عند الطهر، فإن شاءت الساعة؛ وقعت عند الطهر، وعلى قياس قول أبي حنيفة إن كانت حائضا؛ فلها المشيئة حين تطهر بمنزلة قوله: إن شئت فأنت طالق إذا جاء غد؛ فالمشيئة في الغد.
ولو قال لها: أنتِ طالق وطالق وطالق إن شاء زيد، فقال زيد: شئتُ واحدة؛ لا يقع شيء؛ لأنه ما شاء الثلاث، وكذا لو قال: شئتُ أربعًا.
ولو قال: أنتِ طالق إن شئت وإن شئت اثنتين؛ تقع واحدة.
ولو قال لها: أنتِ طالق إن شئتِ واحدة وإن شئت ثنتين، فقالت: شئتُ؛ وقع الثلاث.
ولو قال: اخرجي إن شئت ينوي الطلاق؛ فشاءت ولم تخرج؛ وقع (٢).
ولو قالت لزوجها: طلقني وطلقني وطلقني، فقال الزوج: طلقتُ، فهو ثلاث، ولو قالت: طلقني طلقني طلقني بغير واو، فطلق الزوج؛ فإن نوى واحدة فواحدة وإن نوى ثلاثًا فثلاث (٣)، ولو قال: أنتِ طالق، أو قال: فأنتِ طالق؛ فهي واحدة (٤).
ولو قال لامرأتيه: طلقا أنفسكما، ثم قال بعده: لا تطلقا؛ لهما الطلاق ما دامتا في المجلس، ولم يكن لها أن تطلق صاحبتها بعد النهي (٥)؛ لأن هذا في حق نفسها تمليك وفي حق صاحبتها توكيل والتوكيل يبطل بالنهي، والتمليك لا.
стр. 3049
بابُ الأَيْمَانِ في الطَّلَاقِ
(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إِلَى النِّكَاحِ وَقَعَ عَقِيبَ النِّكَاحِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لامرأَةٍ: «إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ»، أَوْ «كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ»)
قالت لزوجها: تريد أن أطلق نفسي؟ فقال الزوج: نعم، فقالت: طلقت؛ ينظر إن نوى الزوج التفويض يقع، وإن نوى الرد لا يقع؛ يعني: طلقي إن استطعت (١).
قالت لزوجها على وجه المزاح: وكيل توهيم، فقال: هشتني، فقالت: طلقت نفسي ثلاثا، فقال: توبر من حرام شدي مراجدايتا بد شدن، ثم تفرقا، ثم أراد أن يراجعها؛ فإن نوى التوكيل بالطلاق ولم ينو العدد؛ له الرجعة، وإن نوى التوكيل بالمفارقة لا العدد؛ لا يملك الرجعة، وهذا على قولهما لا على قول أبي حنيفة؛ لأن المأمور بالواحدة لا يملك إيقاع الثلاث عنده. والفتوى عليه (٢).
قال لها: أنت طالق إلا أن يشاء فلان غير ذلك أو يرى أو يحب أو يبدو له غير ذلك؛ فهو على مجلس علم فلان، ولو قال: إلا إن يشاء أو أرى غير ذلك؛ فهو على الأبد إلا أن يموت. كذا في المحيط (٣).
باب الأيمان في الطلاق
لما فرع من بيان تنجيز الطلاق صريحًا وكناية وهو الأصل؛ شرع في بيان تعليقه وهو الفرع؛ لأنه مركب من ذكر الطلاق وحرف الشرط والمركب فرع على المفرد أو بمنزلة العارض؛ لعروض حرف الشرط، والأصل عدم العروض، أو لأنه طلاق من وجه والتنجيز من كل وجه.
ثم إن اسم اليمين يقع على الحلف بالله تعالى ويقع على التعليق؛ لأن اليمين لغة القوة.
стр. 3050
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَقَعُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا طَلَاقَ قَبلَ النِّكَاحِ» وَلَنَا: أَنَّ هَذَا
قال الشاعر:
إن المقادير بالأوقات نازلة … ولا يمين على دفع المقادير
أي: لا قوة.
وسميت اليمين [بالله] (١) يمينا لزيادة القوة؛ لأن الإنسان منقلب البال فربما لا يثبت على ما يقصده، فيذكر اسم الله تعالى على وجه الحمل أو المنع فيتقوى بذلك على ما يريده؛ فكذا يسمى يمينا؛ فكذا في ذكر الشرط والجزاء، [وفيه] (٢) معنى الحمل أو المنع فسمي يمينا.
قوله: (وقال الشافعي ﵀: لا يقع) ولا يصح هذا التعليق (٣)، وبه قال أحمد (٤) وأصحاب الظاهر (٥)، وهو المروي عن علي ﵁ وابن عباس وعائشة (٦).
وقال مالك: إن خص مصرا أو قبيلة أو امرأة معينة (٧)؛ صح إضافته إلى الملك وإلا فلا؛ إذ في التعميم سد باب النكاح. وبقوله قال: ربيعة، والأوزاعي، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى (٨).
أما لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي يصير مظاهرا مع العموم عند مالك؛ لأن الحرمة ترتفع بكفارة واحدة فلا شك فيه (٩).
وقال ابن خليل: يصح تعليق العتق بالملك دون الطلاق.
ومذهبنا مروي عن: عمر وابن مسعود وابن عمر وأبي بكر بن عمر وابن حزم وأبي بكر بن عبد الرحمن وشريح والزهري وسعيد بن المسيب والنخعي.