← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ خِلَافا لِمُحَمَّدٍ ﵀ لِوُجُودِ المِسَاسِ، وَلَو نَزَعَ ثُمَّ أَولَجَ صَارَ مُرَاجِعًا بِالإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الجِمَاعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ولقائل أن يقول: إذا أخرج ثم أولج في العتق ينبغي أن يجب الحد؛ لأنه وطء لا في [ملك، ولا في] (١) شبهته-وهي العدة-، بخلاف الطلاق لوجود العدة فيه. وجوابه ما ذكر في الكتاب: أن هذا ليس بابتداء فعل من كل وجه؛ لاتحاد المجلس والمقصود. (خلافًا لمحمد) فإنه لا يصير مراجعًا عنده؛ لأن الدوام ليس يتعرض للبضع. وفي جامع المحبوبي: أنه فعل واحد عنده؛ فليس لآخره [حكم] (٢) فعل على حدة (٣). وقيل: ينبغي أن يصير مراجعًا عند الكل؛ لوجود المساس بشهوة (٤). فروع في المعنى قال: أنتِ طالق لو دخلت الدار؛ كان شرطًا مثل أن يقول: " إن ". وروي ذلك عن أبي يوسف. وقيل: لا يتعلق؛ لأنها للمضي فكأنه قال: أمس، وفي جوامع الفقه: لا يقع (٥). وقال بعض أصحاب الشافعي: يقع في الحال ولا يتعلق (٦). وكذا لو قال: أنت طالق لولا دخولك الدار، أو لولا مهرك، أو لولا أبوك

стр. 3082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو حَسَبُك؛ لا يقع (١). وكذا في الإخبار؛ بأن قال: طلقتك أمس لولا كذا؛ لا يقع عند أحمد (٢). وفي المغني: قال: أنت طالق إذ دخلت الدار؛ يقع؛ [لأن] (٣) "إذ" للمضي، ويحتمل ألا يقع؛ كقوله: أمس (٤). وعندنا يقع فيهما. وفي جوامع الفقه: قال: ادخلي الدار وأنتِ طالق يتعلق؛ لأن جواب الأمر كالشرط بالفاء (٥). وفي المبسوط والذخيرة قال: أدّ إليَّ ألفًا وأنتِ طالق؛ لا يقع حتى تؤدي؛ لأنه جواب الأمر، وفي المبسوط: لأن الواو للحال (٦). وفيه: لأنه لو قال: أنتِ طالق وأنت مريضة؛ يقع في الحال إلا أن ينوي التعليق (٧)، ولو قال: أدّ إليَّ ألفًا فأنت طالق؛ يقع في الحال؛ لأن الفاء للتعليل، وعلى هذا لو قال: افتحوا الباب وأنتم آمنون؛ يتعلق، ولو قال: فأنتم آمنون؛ لا يتعلق (٨)؛ للتفسير (٩). ولو قال: أنتِ طالق ووالله لا أفعل كذا؛ فهو تعليق ويمين، ولو قال: أنت طالق والله لا أفعل كذا؛ طلقت في الحال. ذكرهما في جوامع الفقه (١٠). وفي المغني: قال: إن أكلت إن لبست فأنت طالق؛ لم تطلق حتى تلبس ثم تأكل؛ ويقدم المؤخر، ويسميه النحويون: اعتراض للشرط على الشرط (١١).

стр. 3083

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: ذلك تسمية محمد بن الحسن (١). وكذا عند الشافعية وقالوا: إذا وقع الأكل أولا (٢)، وقيل: سببه اللغوي؛ فلا يعتبر كصلاة الظهر قبل الزوال (٣). وهذا مُدرَك الشافعية وإمام الحرمين يجعلون ذلك كالمعطوف بالواو وقد حذفت، والواو العاطفة قد تحذف كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية ٨] يقال: جاءني زيد عمرو. وروي عن محمد في رواية الأصول أنه رجع عن التقديم والتأخير إلى هذا القول، وقدر كل شرط في موضعه وأضمر حرف العطف كما ذكره إمام الحرمين. ذكره في الذخيرة؛ وهذه المسألة في الجامع قال: كل امرأة أتزوجها إن كلَّمْتِ فلانًا فهي طالق؛ يقدم المؤخر فيصير التقدير: إن كلمتِ فلانًا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق (٤). واستغني عن الإلغاء بتقديم الجزاء، فكان الكلام شرط الانعقاد، والتزوج شرط الانحلال، ولا يمكن أن يجعل الشرطان شرطًا واحدًا؛ لزوال الجزاء لعدم العطف، ولا الشرط الثاني مع ما بعده جزاء عن الأول؛ لعدم الفاء الرابطة، ولا توسط الجزاء؛ لما فيه من جعل الثاني غاية، ولا إلغاء الشرط الثاني؛ فكأنه قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. وهذا الأخير ذكره النسفي (٥). ونية التقديم والتأخير أخف من إضمار الحرف؛ لأنه تصحيح بالمنطوق من غير تقدير زيادة، وقد استدل محمد على هذا بآيتين إحداهما قوله تعالى:

стр. 3084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ (١) [هود ٣٤] ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٢) [الأحزاب ٥٠] وهي محتملة للفريقين؛ فإن إرادة النبي عليه الصلاة السلام متأخرة فإنها كالقبول، ويحتمل تقدم إرادة النبي فإذا فَهِمَتْ ذلك وهبت نفسها له. وقال ابن مالك: الشرط الثاني لا جواب له والجواب الأول، وذكر الثاني سد مسد جوابه، وعلى هذا: إن شربتِ، إن أكلتِ، إن أبيت، إن ركبت. أو قال: إن كلمته، إن دخل علي. وعن أبي يوسف والفراء: هذا فيما يُقدَّم عادة، وعلى هذا لو قال: إن أعطيتك إن وعدتكِ إن سألتني فأنتِ طالق؛ لم تطلق حتى تسأله ثم يعدها ثم يعطيها؛ لأنه شرط في العطية الوعد، وفي الوعد السؤال؛ فكأنه قال: إن سألتيني إن وعدتكِ إن أعطيتكِ، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي (٣). وقال القاضي من الحنابلة: هذا إذا [كان] (٤) الشرط بإذا، وإن كان مثل إن شربت إن أكلت تطلق بوجودهما كيف كان؛ لأن المعروف في ذلك " إذا " دون "إن" (٥)، وفي المغني: يجب الرجوع في ذلك إلى اللغة، ولا عُرف في التفرقة بينهما (٦). ولو قال: إن وطئتك؛ فيمينه على الجماع؛ وقال ابن قدامة الحنبلي وعند محمد بن الحسن: يمينه على الوطء بالقدم، ولو قال: أردت به الوطء؛ لم

стр. 3085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقبل (١). وقد غلط ابن قدامة في النقل عن محمد؛ فإن محمد ذكر في أيمان الجامع: لو قال لها: إن وطئتكِ؛ فهو على الجماع في فرجها بذكره، ولو نوى الدَّوْس بالقدم؛ لا يصدق في الصرف عن الجماع، ويحنث بالدوس بالقدم أيضًا؛ لاعترافه به على نفسه. ولو قال: إن وطئتُ من غير ذكر امرأة؛ فهو على الدَّوْس بالقدم، وهو اللغة والعرف، وذلك باتفاق أصحابنا. وفي الكافي: قال: إن تزوجتُ عليكِ فالمتزوَّجَةُ طالق، فأبانها وتزوج امرأة في عدتها؛ لا تطلق لأن الشرط لم يوجد؛ إذ التزوج عليها أن يدخل عليها من ينازعها في الفراش والقَسْمِ، ولم يوجد (٢). ولو قال لها: أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك فتزوجها؛ طلقت لأنه أضاف الطلاق إلى وقتين ليس بينهما حرف العطف فيقع في أولهما ويبطل في الثاني، كما لو [قال] (٣): أنت طالق إن تزوجتك قبل أن تخلقي؛ يقع بالتزويج ويبطل قبل أن تخلقي، وكذا لو قال لها: أنت طالق قبل أن أتزوجكِ إذا تزوجتك أو متى؛ تطلق بالتزوج ويلغو قوله: قبل أن أتزوجكِ (٤). ولو قال: إذا تزوجتك فأنتِ طالق قبل أن أتزوجكِ؛ لا تطلق بالتزوج عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف تطلق لما مرَّ، ولهما: أن التزوج شرط فيصير قائلا عند التزوج: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك؛ فلا يقع كما لو قال: إذا تزوجتك فأنتِ طالق قبل أن تخلقي. ولو قال: تزوجتك، على أنها طالق؛ صح النكاح ولم تطلق (٥). [ولو] (٦) قال رجل لامرأة غيره: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فبلغ الزوج

стр. 3086

فَصِلٌ فِي الاسْتِثْنَاءِ (وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا لَم يَقَع الطَّلَاقُ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاق أَوْ عَتَاق وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِهِ فأجازه؛ صح، حتى لو دخلت بعد الإجازة؛ تطلق، وقبلها؛ لا (١). فصل في الاستثناء ألحق الاستثناء بالتعليق؛ لأنهما من بيان التغيير (٢)؛ ولأن الشرط يمنع كل الكلام، والاستثناء بعضه، والجزء مقدم على الكل. والاستثناء استفعال من الثني وهو الصرف (٣)، ويقال: ثنيته ثنيا، أي: عطفته (٤). وقدم مسألة (إن شاء الله)؛ لقربها ومشابهتها بمسائل ما قبل الفصل. ثم المناسبة بينه وبين الاستثناء: منع أول الكلام (٥)، أو هو اسم توقيفي قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾. ثم اختلفوا في عمله: أنه للإبطال أو للتعليق؟ فقال أبو يوسف: إبطال. وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٦). وقال محمد: تعليق وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٧). وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا قدَّم المشيئة فقال: إن شاء الله أنت طالق،

стр. 3087

فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ أَتَى بِصُورَةِ الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وعند محمد يقع؛ لأنه تعليق فإذا قدم الشرط ولم يذكر حرف الجزاء؛ لم يتعلق نفي الطلاق بلا شرط. كذا في جامع الكبير لقاضي خان (١). وذكر في فتاواه: الفتوى على قول أبي يوسف (٢). وذكر في الإيضاح الاختلاف على العكس، وقال محمد: يرفع الكلام، وقال أبو يوسف: هذه كلمة شرط. حتى لو جمع يمينين بأن قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار، وعبدي حرّ إن كلمت زيدًا إن شاء الله؛ فعند أبي يوسف يعود إلى الجملة الثانية، وعند محمد ينصرف إلى الكل (٣). وذكر في فتاوى قاضي خان في الطلاق: ثم اختلف أبو يوسف ومحمد في الطلاق المقرون بالاستثناء في موضع يصح الاستثناء هل يكون يمينا؟ قال أبو يوسف: يكون يمينا حتى لو قال لها: إن حلفتُ بطلاقك فعبدي حر، ثم قال لها: أنت طالق إن شاء الله يحنث في قول أبي يوسف. وقال محمد: لا يكون يمينا ولا يحنث (٤). (لم يقع الطلاق) (٥)، وكذا العتاق لو قال لعبده: أنت حر إن شاء الله. وبه قال: الشافعي (٦)، وطاووس والنخعي والحكم وعطاء ومجاهد والزهري وحماد والشعبي وعبد الرزاق وابن المسيب والأوزاعي وعثمان البتي وأبو ثور وإسحاق وأبو عبيدة (٧)، والظاهرية (٨)، وأبو سليمان.

стр. 3088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مالك (١)، وأحمد في ظاهر الرواية عنه (٢)، والليث والحسن البصري وابن المسيب والزهري في رواية ومكحول وقتادة وابن أبي ليلى (٣): يقع الطلاق في الحال ولا يتعلق. وفي اليمين اختلفوا - يعني: بالطلاق وغيره- قال أصحابنا: لا شيء عليه، وبه قال الشافعي وابن ابي ليلى وإسحاق وأبو عبيدة (٤). وقال مالك: لا استثناء في الطلاق (٥) والعتاق والمشي والصدقة، ويعتبر في اليمين والنذر. وعند أحمد: لا يرفع الطلاق خاصة ويرفع العتاق والأيمان (٦). لنا حديث أبي هريرة: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى» (٧) هذا لفظ النسائي ولفظ الترمذي «لم يحنث» وقال: حديث حسن وليس في الحديث متصلا به. وقول موسى ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ ولم يصبر ولم يكن ذلك خُلفًا للوعد، وهذا الكلام وعد عند عدم الاستثناء ولم يبق وعدًا به، وإلا لكان خُلفًا منه، وموسى ﵇ معصوم؛ إذ هو أمارة النفاق كما ورد في الحديث (٨).

стр. 3089

وَإِنَّهُ إِعْدَامُ قَبلَ الشَّرطِ، وَالشَّرطُ لَا يُعلَمُ هَاهُنَا فَيَكُونُ إِعْدَامًا مِنْ الأَصلِ، قوله: (وإنه)؛ أي قوله: إن شاء الله (إعدام) أي: يعدم العلية (قبل) وجود (الشرط، والشرط) هو: مشيئة الله تعالى (لا يُعلم هاهنا)؛ لأنا لا نطلع عليه (فيكون إعداما) للجزاء كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف ٤٠]، ولأنه لو شاء الله إيقاعه أنجزه ولم يعلقه بمشيئته. وفي البسيط: لو قال: أنتِ طالق إن صعدت إلى السماء أو طرت أو أحييت ميتا؛ فالوجه: القطع بأنه لا يقع؛ فالمقصود به الإعدام والنفي (١). وفي الروضة: إن شاء الحمار، كصعود السماء. ولو قال: إن شاء الله، لم يقع (٢). وفي المغني: في الكل وجهان يعني في المستحيل العقلي والعادي، وقيل في العقلي؛ يقع في الحال، وفي العادي كالطيران وصعود السماء؛ لا يقع (٣). وفي المحيط: الاستثناء على قسمين: استثناء تعطيل واستثناء تحصيل. فالأول التعليق بمشيئة أو بعدمها؛ نحو: إن شاء الله أو لم يشأ الله، أو ما شاء الله أو ما لم يشأ الله، أو فيما شاء الله، أو إلا أن يشاء الله؛ لم يقع شيء في الكل؛ لأنه لا يُوقف على ذلك فيكون إعداما. وفيه لو قال: أنت طالق واحدة إن شاء الله، وثنتين إن لم يشأ الله؛ لم يقع شيء؛ لأن الأول ألحقه الاستثناء فلم يقع، والثاني باطل؛ لأنه لو وقع الطلاق لشاء الله؛ لأن أفعال العباد كلها بمشيئة الله فقد عُدمَ الشرط فلم يقع فكان في تصحيحه إبطاله. ولو قال: أنتِ طالق واحدة اليوم إن شاء الله، وإن لم يشأ الله فثنتين، فمضى اليوم ولم يطلقها؛ وقع ثنتان (٤). واتفق السلف والطوائف الأربع على تسميته: استثناء؛ لأنه يصرف الكلام

стр. 3090

وَلِهَذَا يُشتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ بِمَنزِلَةِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (وَلَو سَكَتَ يَثْبُتُ حُكمُ الكَلَامِ عن الصدر، فعلى هذا لا تمتنع تسمية سائر الشروط استثناء لكن لم يسمع، وكذا التعليق بمشيئة الملائكة والجن والشيطان، أو الحائط أو الحمار وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يعرف وجُودَها فيكون إعدامًا. واختلفت المالكية في ذلك في الجواهر (١). بخلاف قوله: أنتِ طالق كيف شاء الله؛ حيث لا تطلق. ذكره في المحيط ولم يحك فيه خلافا (٢). واختلفت الشافعية في قوله: إلا أن يشاء الله (٣). وفي المغني: قال: أنتِ طالق لتدخلي الدار إن شاء الله أو لا تدخلي الدار إن شاء الله؛ لا تطلق فيهما دخلت الدار أم لا؛ قالوا: إن دخلت فقد فعلت المحلوف عليه، وإن لم تدخل علمنا أن الله تعالى لم يشأه؛ لأنه لو شاءه الله لوجد (٤). قلنا: قوله "أنت طالق" تنجيز، ولا تعلق له بدخول الدار ولا بعدمه، وخلافه بعيد، ورووا ذلك عن قتادة، وكيف تقلد الحنابلة له، والمختار في ذلك أنه لا يجوز تقليده فيه ولا في غيره. قوله: (ولهذا يشترط) أي: ولأن في الاستثناء معنى الشرط؛ يشترط الاتصال. وعليه جمهور العلماء والأئمة الأربعة. ومنهم من جوز الاستثناء ما لم يقم عن المجلس، وبه قال: البصري وطاووس، وعن ابن عباس جوازه إلى سنة، وعنه جوازه أبدًا، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر، وقال قتادة: بعد سنتين (٥). والمسألة مستقصاة في

стр. 3091

الأَوَّلِ) فَيَكُونُ الاستثنَاءُ أَوْ ذِكرُ الشَّرطِ بَعدَهُ رُجُوعًا عَنْ الأَوَّلِ. قَالَ ﵁: (وَكَذَا إِذَا مَاتَت قَبْلَ قَولِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّ بِالاسْتِثْنَاءِ خَرَجَ الكَلَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجابًا، وَالمَوتُ يُنَافِي المُوجِبَ دُونَ المُبطِلِ، الأصول مع دلائلها (١). ولو سكت قدر ما تنفس أو عطس أو تجشأ أو في لسانه ثقل، وطال في تردده وقال: إن شاء الله؛ صح استثناؤه. ولو جرى على لسانه إن شاء الله من غير قصد؛ لا يقع طلاقه؛ لأن الاستثناء وُجِد حقيقة، وهو صريح في بابه؛ فلا يفتقر إلى النية. وفيه خلاف الشافعية في الحاوي (٢). لو قال: أنت طالق فجرى على لسانه إن شاء الله بلا قصد، وقصده الإيقاع؛ قال شداد: لا يقع الاستثناء، وقال خلف: يقع. قال شداد: رأيت أبا يوسف في المنام فسألته؛ [فقال] (٣) لا يقع، فقلت: لِمَ؟ قال: أرأيت لو قال: أنتِ طالق فجرى على لسانه أو غير طالق فكان يقع؟ قلت: لا، قال: كذا هذا (٤). وفي نوازل أبي الليث: لو قال: إن دخلت الدار فلله علي أن أتصدق بمائة مثلا، قال: هذا قريب من الاستثناء؛ لأن من الأمثال ما ليس له حقيقة، ولأن المثل تشبيه ولا يكون في التشبيه إيجاب المال قال: وبه نأخذ إلا أن يريد الإيجاب على نفسه (٥). قوله: (وكذا إذا ماتت) معطوف على قوله: لم يقع. (والموت ينافي الموجب) وهو: أنت طالق. (دون المُبطل) وهو: الاستثناء. وهذا جواب سؤال مقدر وهو أن يقال:

стр. 3092

بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ الزَّوجُ، لِأَنَّهُ لَم يَتَّصِلَ بِهِ الاسْتِثَنَاءُ الموت ينافي قوله: أنت طالق حتى لا يقع الطلاق بعد موتها فينبغي أن يكون منافيًا للاستثناء وهو المبطل؛ فحينئذ يقع الطلاق. فأجاب عنه بقوله: (الموت ينافي الموجب) (١) فكان مبطلا له، كما أن الاستثناء مبطل له؛ فيتناسبان من حيث الإبطال؛ فلم يبطل ولا يقع الطلاق لصحة الاستثناء. (بخلاف ما إذا مات الزوج)؛ أي: بعد قوله: أنت طالق، وقيل قوله: إن شاء الله، وهو يريد الاستثناء؛ حيث يقع الطلاق، وتعلم إرادته بقوله لغيره: أطلق امرأتي واستثنى. وفي المحيط على قياس ما قال في النوازل فيمن حلف وأراد أن يستثني فسد إنسان فمه؛ أنه يكون استثناء؛ تأويله إذا ذكر الاستثناء بعد رفع اليد عن فمه متصلا. وقد وجد في رواية هشام أنه قال: سألتُ محمدًا عمن قال لها: أنت طالق ثلاثًا وهو يريد أن يستثني فأمسكت فمه وحالت بينه وبين الاستثناء؛ قال: يلزمه الطلاق قضاء وديانة (٢). وفي المحيط: لو قال: أنتِ طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله أو قال: ثلاثًا وواحدة إن شاء الله، أو قال: أنت طالق وطالق وطالق إن شاء الله طلقت ثلاثا عند أبي حنيفة ولم يصح الاستثناء وعندهما يصح الاستثناء (٣). وعلى هذا لو قال لعبده: أنت حر وحر إن شاء الله. وفي الجامع لو قال لعبده: أنتَ حرّ إن شاء الله لدار إن دخلها إن دخلتها فأنت طالق يتعلق استحسانًا قال الكرخي: ينبغي أن لا يتعلق على قوله؛ لأن الثاني لغو كقوله: حُر وَحُر، وجوابه أنه تأكيد بخلاف قوله حر وحر؛ لأن التأكيد لا يكون بالواو، ونظيره حرّ حُر إن شاء الله، فإنه لا يعتق ويصح

стр. 3093

(وَإِنْ قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَة طَلُقَت لِنتَينِ، وَإِنْ قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ينتَينِ طَلُقَت وَاحِدَة) وَالأَصلُ: أَنَّ الاِسْتِثَنَاءَ تَكَلَّمُ بِالحَاصِلِ بَعدَ الدُّنْيَا الاستثناء، ولا رواية عن أبي حنيفة في هذا فيمنع على الدار الواحدة، وأجمعوا أن اللغو والسكوت لا يمنعان العطف ما دام في المجلس. كذا في الذخيرة (١). والفرق: أن العطف غير مُغيَّر بل هو مقرر، بخلاف الشرط والاستثناء. ولو قال: أنت طالق واحدة وثلاثا إن شاء الله؛ صح الاستثناء. بلا خلاف بين الأصحاب؛ لأن الكلام الثاني يتعلق به حكم وهو تكميل الأول؛ فلم يكن لغوا. وفي الذخيرة والزيادات: ولو قال: أنت ثلاثًا بوائن، أو ثلاثًا ألبتة إن شاء الله؛ لا يصح الاستثناء في ظاهر الرواية؛ لأن البائن والبتة مع الثلاث لغو. وعن محمد لا يصير فاصلًا. ولو قال: أنت طالق بائن أو ألبتة إن شاء الله؛ يصح الاستثناء؛ لأن طالقًا يحتمل البائن أو البتة وغيره؛ فلم يكن لغوا (٢). قوله: (أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة) إلى آخره، لا خلاف فيه للأئمة الأربعة إلا ما نقل عن أبي بكر من الحنابلة أنه قال: الاستثناء لا يؤثر في عدد الطلاق الثلاث، وزعم أن الطلاق لا يرفع بعد وقوعه (٣). وقلنا: إن الاستثناء إما إخراج أو تكلم بالباقي كما يجيء الآن، فعلى كلا التقديرين لا يقع المستثنى. وعن أبي يوسف في قوله: (إلا ثنتين)؛ لا يصح هذا الاستثناء؛ لأنه استثناء الأكثر؛ فتقع الثلاث. قوله: (تَكَلُّمٌ بِالحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا) ومعنى أنه تكلم بالمستثنى منه بعد صرف الكلام عن المستثنى. هكذا ذكره محمد في كتاب الإكراه.

стр. 3094

هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالمُستَثَنَى مِنهُ، إِذْ لَا فَرقَ بَينَ قَولِ القَائِلِ: لِفُلَانِ عَلَيَّ دِرْهَمْ، وَبَينَ قَولِهِ: عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَة، فَيَصِحُ استثنَاءُ البَعْضِ مِنْ الجُملَةِ، لِأَنَّهُ وفي المحيط: الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا. وكذا في المبسوط (١). قوله: (وهو الصحيح) احتراز عما قال البعض: إنه إخراج وفيه معنى المعارضة. وفي المحصول: أن الاستثناء مع المستثنى كالكلمة الواحدة؛ لعدم استقلاله بنفسه (٢). وقيل: هو القاضي من الشافعية (٣). وفي شرح المحصول للقرافي (٤): إخراج ما لولاه لظن دخوله تحت الصدر (٥). وفي مقدمة الأصول لعبد الوهاب [من] (٦) المالكية: وضع الاستثناء إخراج ما لولاه لانتظمه، وذكر الإخراج باعتبار الصلاحية في الدخول تحت الصدر (٧). وفي المغني لابن قدامة الحنبلي: إنما هو مبين أن المستثنى غير مراد بالكلام، فهو يمنع أن يدخل [فيه] (٨) ما لولاه لدخل (٩). وفي الميزان: لو لم [يكن] (١٠) الاستثناء بيانًا؛ لأدى إلى التناسخ في

стр. 3095

يَبقَى التَّكَلُّمُ بِالبَعضِ بَعدَهُ، وَلَا يَصِحُ استثنَاءُ الكُلِّ مِنْ الكُلِّ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعدَهُ الكلام؛ فيؤدي إلى التناقض في كلامه تعالى؛ فتبين أن صدر الكلام لم يتناول المستثنى مع الاستثناء كالتخصيص المقارن فبقي تكلمًا بالحاصل (١). وهذا البحث مستقصاه في الأصول. قوله: (ولا يصح استثناء الكل من الكل) في مسألة الاستثناء اضطراب كثير بين الفقهاء والنحاة؛ ذكر ابن طلحة في مختصره المعروف بالمدخل قولين في جواز استثناء الكل من الكل (٢). وقال الآمدي: منع بعض أهل اللغة استثناء العقد لا يقال له: عليَّ مائة إلا عشرة بل إلا خمسة (٣). وذهب النحاة من أهل الكوفة والبصرة إلى أن استثناء الأكثر لا يجوز، واختلفوا في جواز استثناء النصف (٤)، ومعهم ابن حنبل فيهما (٥)، وذهب إلى ذلك بعض المالكية (٦). وعن أبي يوسف وهو قول الفَرَّاء لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وصوابه من الكل. ذكره في الميزان (٧). وزعموا أنه لا يوجد في كلام العرب (٨)؛ فحينئذ لم يصح عندهما: أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثنتين؛ لأنه استثناء الأكثر. قلنا: إنه تكلم بالحاصل بعد الثنيا، وهو مذهب جمهور الفقهاء؛ ألا ترى أن العرب ما قالوا في موضع: لفلان عليَّ مائة إلا ربع وسدس وسائر الكسور؛

стр. 3096

شَيْءٌ لِيَصِيرَ مُتَكَلَّمًا بِهِ وَصَارِفًا لِلَّفظِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُ الاسْتِثْنَاءُ إِذَا كَانَ مَوصُولًا بِهِ كَمَا ذَكَرنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي الفَصلِ الأَوَّلِ: المُستَثَنَى مِنْهُ لِنتَانِ فَيَقَعَانِ، وَفِي الثَّانِي: وَاحِدَةٌ، فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَلَو قَالَ: إِلَّا ثَلَاثًا يَقَعُ الثَّلَاثُ، مع أنه صحيح للعامة [في] (١) قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢]؛ فإن الغاوين أكثر عباده؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]. أجاب النحويون عن ذلك (٢): هذا استثناء منقطع؛ لأن الإضافة لتشريف المضاف؛ فلم يدخل الغاوون [إذ الغاوون] (٣) أقل من العباد؛ لأن العباد تتناول الملائكة، والغاوون أقل من الملائكة؛ لما جاء في الحديث: «الملائكة [يطوفون] (٤) بالمحشر سبعة أدوار» وذلك أعظم ممن في المحشر، ولقوله عليه الصلاة السلام: «ما في السَّماءِ موضع شبرٍ إلا وفيهِ مَلَكُ يُسبِّح الله تعالى» (٥). ولأن الاستثناء تكلم بالباقي أو إخراج؛ فيجوز في الأكثر والأقل، والمانع إما قبحه أو قلة استعماله أو عدمه، وذلك لا يؤثر؛ لأن الكلام في الصحة لا في الحسن والقبح (٦). وزعم بعض أصحابنا: أن الاستثناء رجوع، والرجوع باطل، فكذلك لم يصح استثناء الكل من الكل. وهذا وهم منهم؛ لما أنه أبطل استثناء الكل في الوصية، [مع أن الوصية] (٧) تقبل الرجوع؛ فعلم أن الصحيح ما قلنا (٨).

стр. 3097

لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الكُلِّ مِنْ الكُلِّ فَلَم يَصِحَ الاستثنَاءُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ثم اعلم أن استثناء الكل من الكل إنما لم يصح لفظا بأن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلثا أما حالا وحكما يصح. ذكره في المبسوط وقاضي خان وزيادات المصنف (١). وفي البقالي: لو قال: كل امرأة لي طالق إلا هذه، وليس له غيرها؛ لم تطلق (٢). كما لو قال: نسائي طوالق إلا زينب وعمرة وفاطمة وحفصة؛ لا تطلق واحدة منهن (٣). ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا نصف تطليقة - لم يذكر في الكتاب- كم يقع؟ قيل: على قول أبي يوسف: تطلق ثنتين؛ لأن التطليقة لا تتجزأ لا في الإيقاع ولا في الاستثناء، فصار كأنه [قال] (٤) إلا واحدة. وعند محمد: تطلق ثلاثا؛ لأنه إنما لم يتجزأ في الإيقاع لمعنى في الموقع، وذا لا يوجد في الاستثناء؛ فيتجزأ فيه، وإذا كان المستثنى نصف؛ صار كلامه عبارة عن تطليقتين ونصف؛ فتطلق ثلاثًا (٥)، وبقول محمد قال: الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨). وعلى هذا الخلاف لو قال: أنتِ طالق واحدة ونصفا إلا واحدة [ونصفا] (٩)، فعلى قول أبي يوسف؛ تطلق ثنتان وهو رواية عن محمد -ذكره في

стр. 3098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الذخيرة، وعن محمد: تقع واحدة (١). وفي البدائع: لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة [ونصفا؛ يقع ثنتان، ولم يحك خلافا (٢). وفي الذخيرة (٣): لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة] (٤) وواحدة؛ بطل الاستثناء ووقع الثلاث عند أبي حنيفة. وبه قال الشافعي (٥). وعندهما: تقع ثنتان. وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٦). وعن أبي يوسف: تقع واحدة (٧). ووجه: أن الاستثناء يقتصر على الأولى عند محمد، وعلى الأولى والثانية عند أبي يوسف. ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثًا؛ بطل الاستثناء. ولو قال: أنتِ طالق ثنتين وواحدة، أو واحدة وثنتين، إلا ثنتين؛ [فهي ثلاث. ولو قال: طالق واحدة وثنتين إلا واحدة؛ يقع ثنتان. ولو قال: ثنتين] (٨) وأربعًا إلا ثلاثًا؛ تقع الثلاث وبطل الاستثناء. ذكره القدوري (٩). وفي المنتقى: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعًا؛ فهي ثلاث عند أبي

стр. 3099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حنيفة (١)، وبه قال الشافعي (٢)، وزفر. وعن محمد: يصير قوله: وثلاثا ثانيًا؛ فاصلا لغوا فلا يصح الاستثناء. وعند أبي يوسف: تقع ثنتان وهو الظاهر عن محمد. وقال شيخ الإسلام: إنه ينوى إن قال: عنيتُ الاثنتين من الثلاث الأولى والاثنتين من الثلاث الأخيرة؛ يصح الاستثناء وإلا فلا. ولم يشترط النية الحلواني ولا في المنتقى، وحاصل مذهبنا (٣): كأنه قال ستا إلا أربعًا (٤). وذكر القدوري في شرحه: لو أوقع أكثر من الثلاث ثم استثنى كان الاستثناء من جملة الكلام (٥) لا من الثلاث التي يحكم بوقوعها، مثاله: لو قال: أنت طالق عشرة إلا تسعًا؛ تقع واحدة، ولو قال: إلا ثمانيا تقع ثنتان ولو قال: إلا سبعا؛ تقع الثلاث (٦). ولو [قال] (٧): نسائي طوالق إلا زينب؛ لم تطلق، وإن لم يكن له غيرها. ولو قال: هذه طالق وهذه وهذه إلا هذه؛ بطل الاستثناء. ولو قال: أنت طالق خمسا إلا واحدة؛ تقع الثلاث. وعند بعض الحنابلة (٨) والشافعية (٩)؛ تقع ثنتان؛ لأنه استثناء، فيكون مما يملكه وهو الثلاث، وما زاد عليها لغو. ومنع ابن حنبل استثناء الأكثر، وأخذ بقول النحاة فيه (١٠)، فلو قال: أنتِ

стр. 3100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . طالق ثلاثًا إلا ثنتين إلا واحدة؛ صح الاستثناء وتقع واحدة (١). فقد جوز استثناء الثنتين من الثلاث وترك أصله. وله أن يجيب عنه: بأن الاستثناء يخرجه عن الأكثرية معنى؛ فيصح. وعندنا: تقع ثنتان. كذا ذكره في المحيط (٢). وفيه: لو قال: أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة وواحدة، أو قال: ثلاثا إلا ثنتين وواحدة؛ وقع الثلاث؛ لأنه استثناء الكل من الكل (٣). وفيهما خلاف زفر. ولو قال: ثلاثا إلا واحدة أو ثنتين ومات قبل البيان؛ طلقت ثنتان في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف، وفي رواية عنه تقع ثنتان. قيل: هذه الرواية تناسب أصل أبي يوسف؛ لأن الاستثناء: إخراج بعض من كل عنده فلا يخرج إلا المتيقن (٤). ويناسب الأول قول محمد؛ لأنه تكلم بالحاصل بعد الثنيا أو الاستثناء ما لولاه لدخل فوقع الشك في دخوله. ونظيره ما لو قال: علي ألف إلا مائة أو خمسين، فعند أبي يوسف: يلزمه تسعمائة وخمسون؛ لوقوع الشك في إخراج مائة أو خمسين فلا يخرج إلا المحقق وهو خمسون. وعند محمد: تكلم بالحاصل بعد الثنيا؛ فوقع الشك في الباقي فلا يلزمه إلا المتيقن وهو تسعمائة، ومذهب محمد رواية أبي حفص، وهو الصحيح، ومذهب أبي يوسف رواية أبي سليمان. كذا في جامع الأخلاطي (٥). ثم اعلم أنه كما يصح الاستثناء من الأصل يصح من المستثنى؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر ٥٩ - ٦٠] هذا إذا كان

стр. 3101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المستثنى الباقي بغير واو. [وأما] (١) إذا كان بالواو؛ فالكل من الأصل، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة؛ تقع واحدة، وكذا إذا قال: إلا واحدة وإلا واحدة. وأما لو قال: إلا واحدة إلا واحدة؛ تقع ثنتان وبطل الاستثناء الأخير؛ لأنه من غير تعدد. وقيل: طريق آخر: تأخذ بيمينك ثلاثًا وثنتين بيسارك، وواحدة بيمينك؛ فتكون بيمينك [أربعا] (٢) فتسقط منها ما بيسارك وهو ثنتان؛ فتبقى ثنتان. وهو الواقع. وعلى هذا مسألة مشهورة لو قال: عليَّ عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا ثنتين إلا واحدة؛ يلزمه خمسة (٣)، وكذا لو قال: له عشرة إلا تسعة إلى آخرها؛ يلزمه خمسة. وعلى هذا: له عليَّ مائة إلا تسعين، إلا ثمانين، إلا عشرة؛ يلزمه خمسون. وفي المحيط وغيره: سمي الاستثناء بإلا وأخواتها استثناء التحصيل، وبمشيئة الله استثناء التعطيل (٤). وفي المحيط: الأمر لا يرفعه الاستثناء، وفي الجامع ما يدل على رفعه (٥). وفي الذخيرة: مريض قال لورثته: أعتقوا عبدي فلانًا بعد موتي إن شاء الله؛ صح الإيصاء وبطل الاستثناء (٦). ولو قال: هو حر إن شاء الله بطل الإيجاب استحسانًا، وبه أخذ محمد.

стр. 3102

بَابُ طَلَاقِ المَرِيضِ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوتِهِ طَلَاقًا بَائِنَا فَمَاتَ وَهِيَ فِي العِدَّةِ وَرِثَهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعدَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) والحاصل أن الاستثناء في الأمر باطل حتى لو قال لغيره: بع عبدي إن شاء الله؛ كان الاستثناء باطلا، وللمأمور بيعه وفي الإيجاب صحيح. والفرق: أن الإيجاب يقع ملزما؛ فيحتاج إلى إبطاله بالاستثناء، والأمر لا يقع ملزما؛ لقدرته على عزله فلا حاجة إلى الاستثناء. وفي المنتقى: لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ما شاء الله تطلق واحدة، ويكون الاستثناء للأكثر، وعن أبي يوسف: لا يقع أصلا. ذكره في الذخيرة محالا إلى الحلواني (١). وكأن يقول: لو دخل على ما يختص باللسان كالطلاق والعتاق والبيع؛ يرفع حكمه، ولو دخل على ما لا يختص كالصوم؛ لا يرفعه، فلو قال: نويت أن أصوم غدًا إن شاء الله؛ يجوز أداؤه بتلك النية (٢). لو قال: أنت طالق رجعي إن شاء الله؛ يقع. ولو قال: رجعيا أو بائنا إن شاء الله، ينوي فإن عنى الرجعي؛ لا يقع، وإن عنى البائن؛ يقع ولا يعمل الاستثناء، والله أعلم. باب طلاق المريض لما فرغ من بيان الطلاق الصحيح بأنواعه سنيا وبدعيًا، وتنجيزا وتعليقا، وكناية وصريحًا، وكلا وجزءًا؛ شرع في بيان طلاق المريض؛ إذ المرض من العوارض. قوله: (في مرض موته)؛ لأنه إذا صح من ذلك المرض لم يكن له حكم مرض الموت. وقيد بالإبانة: سواء كان بالثلاث أو غيره؛ لأن في الرجعية إذا مات وهي

стр. 3103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في العدة؛ ترث عندنا. خلافًا للشافعي (١)؛ لكن لا باعتبار الفرار بل باعتبار أن حكم النكاح باق من كل وجه. وقيد في العدة؛ لأن بعدها لا ترث عندنا والشافعي في قول إذا لم تتزوج بآخر (٢)، وعند مالك ترث بعد ما تزوجت بزوج آخر (٣). وقيد بغير الرضا؛ لأن برضاها لا ترث. قيل: في طلاق المريض لأهل العلم أربعة عشر قولًا: الأول: عن عثمان أنه لا يقع (٤). قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في طلاق (٥) يملك الرجعة بعد الدخول سواء كان الزوج صحيحًا أو مريضًا لو مات في العدة؛ يتوارثان. وأجمعوا أنه لو طلقها في الصحة في كل طهر تطليقة ثم مات أحدهما؛ لا ميراث للحي من الميت (٦). وافترقوا فيمن طلقها بعد الدخول ثم مات من مرضه (٧). والقول الثاني: يقع وترثه بشرط قيام العدة، وهو مذهبنا. وهو قول: عمر وابنه، وابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وعائشة، والمغيرة، والنخعي، وابن سيرين، وعروة، والشعبي، وشريح، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وطاووس، والأوزاعي، وابن شبرمة، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وحماد بن أبي

стр. 3104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سليمان، والحارث العكلي. والقول الثالث: ترثه بعد العدة ما لم تتزوج بآخر. وهو قول: ابن أبي ليلى، وابن حنبل (١)، وإسحاق، وأبي عبيد. والقول الرابع: ترثه وإن تزوجت بعشرة. وهو قول مالك (٢)، والليث في رواية. والخامس: ترثه ويرثها. وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري. والسادس: إن صح منه ومات من مرض آخر؛ لا ترثه عندنا. وقال زفر وأحمد (٣) والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه: ترثه إذا مات قبل انقضاء العدة. والسابع: يتوارثان إذا كان بها حمل، أو قصد المضارة. وهو قول عروة ابن الزبير. والثامن: ترثه وتنتقل عدتها إلى عدة الوفاة ما لم تنكح. وهو قول الشعبي. والتاسع: تعتد بأبعد الأجلين على ما يأتي. وهو قول أبي حنيفة ومحمد. والعاشر: ترثه قبل الدخول ولها نصف المهر (٤) ولا عدة عليها. وبه قال: مالك (٥)، ومجاهد. والحادي عشر: لها الميراث وجميع الصداق قبل الدخول وعليها العدة. وبه قال أحمد (٦)، وإسحاق، وأبو عبيد.

стр. 3105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني عشر: لو خيرها فطلقت ثلاثًا أو اختلعت منه، أو حلف بطلاقها على دخولها الدار وهو صحيح عند الحلف ومن نص على الدخول، أو علق طلاقها ثلاثا بقدوم فلان في الصحة وقدم فلان في مرضه فوقع الثلاث؛ لا ترثه عندنا. وعند مالك ترثه في الكل (١). والثالث عشر: يجب الصداق لها كاملًا ولا ميراث ولا عدة. وبه قال: جابر بن زيد. والرابع عشر: لا ترثه أصلا قبل الدخول وبعده. وهو قول: الظاهرية (٢)، وأبي ثور، وابن المنذر، والشافعي في الجديد (٣). وفي القديم: [الزوج] (٤) فار، والميراث إلى متى؟ فيه ثلاثة أقوال (٥): أحدها: قولنا. والثاني: قول أحمد (٦)، والثالث: قول مالك (٧). ذكره في المبسوط (٨). وفي النهاية هاهنا قيد آخر يجب ذكره ولم يُذكر في أصل الباب، وهو: أن المرأة إذا أبانت نفسها في مرضها بالارتداد؛ يثبت حكم الفرار في حقها فيرثها زوجها؛ لأنها قصدت إبطال حقه بالارتداد فتكون فارة عن ميراثه فيرد عليها كما في جانب الزوج.

стр. 3106

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تَرِثُ فِي الوَجهَيْنِ، لِأَنَّ الزَّوجِيَّةَ قَدْ بَطَلَت بِهَذَا العَارِضِ، وَهِيَ السَّبَبُ وَلِهَذَا لَا يَرِثُهَا إِذَا مَاتَت. وَلَنَا: أَنَّ الزَّوجِيَّةَ. بخلاف ما لو ارتدت صحيحة؛ لأنها بانت بنفس الردة ولم تصر مشرفة على الهلاك؛ لأن المرتدة لا تقتل فلم تكن فارّة. ذكره في المبسوط (١). قوله: (لا ترث في الوجهين)؛ أي: قبل العدة وبعدها وهو القياس؛ لانقطاع الزوجية قبل الموت، وسبب الميراث: انتهاء النكاح بالموت ولم يوجد؛ ولهذا لو انقطع النسب في المرض لم يستحق القريب الميراث فكذا إذا انقطعت الزوجية بالثلاث أو بالبينونة؛ ولهذا لو حلف أن ليس له زوجة لا يحنث بها [في] (٢) العدة. ولهذا لو ارتد الابن؛ لا يرث؛ لانقطاع السبب، مع أن البنوة لا تقبل الانقطاع حقيقة بالإجماع، والضعيف المختلف فيه لا يزاحم القوي المجمع عليه. قوله: (ولنا) في المبسوط: استحسانًا لإجماع الصحابة (٣). وكذا المالكية (٤)، رُوي أن عبد الرحمن بن عوف لما بت طلاق امرأته تماضر بنت الأصبغ بن زياد بن الحصين الكلبية في مرضه، وقيل: تماضر بنت عمرو بن الرشيد السلمية ابن الخنساء الشاعرة؛ أدركت الإسلام وأسلمت مع قومها بني سليم ومات عبد الرحمن وهي في العدة؛ وورثها عثمان بمحضر من المهاجرين والأنصار. وقال: ما اتهمته ولكن أردت السنة. والقياس: يُترك بالإجماع. فإن قيل: لا إجماع؛ فإن ابن الزبير قال: لو كان الأمر إليَّ ما ورثت تماضر؛ لأن عبد الرحمن قال: ما طلقها ضرارًا ولا فرارًا. قلنا: معنى قول [ابن] (٥) الزبير: "ما ورثتها " لجهلي بوجه الاستحسان؛

стр. 3107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتبين أنَّه كان يخفى عليه ما لم يخف على عثمان ﵁؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت من الفقهاء. وفي رواية قال: "إنها سألته الطلاق" يعني ما ورثتها؛ لأنها سألت الطلاق. وبه نقول. ولكن توريث عثمان بعد السؤال؛ دليل على أنه يُورّثها قبله. وقيل: هي ما سألته الطلاق؛ ولكنه قال لها: إذا طهرت فآذنيني، فلما طهرت آذنته، وبهذا لا يسقط ميراثها (١). قال نافع: جعل لها بالصلح عن ربع ثمنها ثمانين ألف (٢) درهم، وبعض أهل الحديث قال: ثمانون ألف دينار (٣)، وروي عن عثمان ﵁ لما قضى توريثها قال: فرض كتاب الله، وروي عنه قال: ما فررت من كتاب الله؛ أي: ما قصدت الفرار. وقال المالكية: كان توريث عثمان بعد انقضاء العدة. ذكره في الجواهر (٤). وقول الجمهور: أن توريثها كان في العدة (٥). وفي البدائع: خلاف ابن الزبير بعد انعقاد الإجماع لا يقدح فيه؛ لأن انقراض العصر ليس بشرط لصحة الإجماع؛ لما عرف (٦). [مع أنه لم يكن في ذلك الوقت من الفقهاء، وإن كان لا يعتد بخلاف الواحد كخلاف] (٧) ابن عباس في مسألة العول وخلاف ابن المسيب في عدم اشتراط [دخول] (٨) الزوج الثاني.

стр. 3108

سَبَبُ إِرثِهَا فِي مَرَضِ مَوتِهِ، وَالزَّوجُ قَصَدَ إِبْطَالَهُ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصِدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إِلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ العِدَّةِ دَفعًا لِلضَّرَرِ عَنهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ، لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي العِدَّةِ يَبْقَى فِي حَقِّ بَعْضِ الْآثَارِ، فَجَازَ أَنْ يَبْقَى فِي حَقِّ إرثِهَا عَنهُ، بِخِلَافِ مَا بَعدَ الإِنقِضَاءِ، لِأَنَّهُ لا إمكانَ، وَالزَّوجِيَّةُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ (سبب إرثها في مرض)؛ لأنه لما مرض مَرَضَ الموت تعلق حقها بماله؛ ولهذا حجر عن التبرعات بما زاد على الثلث، وعن التبرع على بعض الورثة؛ لتعلق حق الكل به. واستحقاق الإرث: بالسبب أو النسب والمحل وهو المال. (والزوج قصد إبطاله، فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمان انقضاء العدة) والباء في (بتأخيره) [متعلق] (١) بـ (فيرد)، والتاء للآية (٢). قوله: (دفعًا) مفعول له من (فيرد)؛ يعني: الشارع لما أخر عمل الطلاق إلى انقضاء العدة في كثير من الأحكام من حرمة الزوج وحرمة الخروج والبروز وحرمة نكاح الأخت وأربعة سواها، وغيرها؛ صلح ذلك التأخير في تأخير عمل الطلاق وفي حق الإرث أيضًا كأنه لم يطلقها فيرد عليه قصده لدفع الضرر عنها كما رد الشرع على مستعجل الإرث بالقتل بحرمانه منه. فإن قيل: لما كانت العلة دفع الضرر باعتبار تعلق حقها بالمال ينبغي أن ترث بعد العدة كما قال مالك وابن أبي ليلى. قلنا: القول ببقاء النكاح حكمًا عند الإمكان ببقائه، وذلك عند بقاء العدة؛ لأن الشرع لم يرد بتأخير عمل الطلاق بعد العدة في حق حكم ما؛ فيعمل الطلاق عمله، وارتفع النكاح من كل وجه؛ ولهذا يحل لها التزوج بآخر، ومع ثبوت الحل لغيره لا يمكن القول ببقاء نكاحه من وجه. قوله: (والزوجية في هذه الحالة) إلى آخره؛ جواب عن قول الخصم أنه قال: لو كانت الزوجية باقية لورثت الزوج إذا ماتت في هذه الحالة عنها فقال

стр. 3109

لَيسَت بِسَبَبٍ لِإِرْثِهِ عَنْهَا فَتَبْطُلُ فِي حَقِّهِ، خُصُوصًا إِذَا رَضِيَ بِهِ. (وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا، في جوابه: الزوجية في مرضه ليست بسبب لإرثه عنها؛ لوجود المبطل كيف وقد رضي به حيث طلقها؛ (فتبطل) الزوجية (في حقه). وقوله: (فتبطل) بالنصب؛ لأنه جواب النفي. وجه قول أحمد وابن أبي ليلى: قول أبي بكر أنها ترث ما لم تتزوج. ولنا: ما روي عن عمر (١) وعائشة (٢) وابن مسعود وابن عمر وأبي بن كعب: أن امرأة الفار ترث ما دامت في العدة. وعن إبراهيم قال: [جاء] (٣) عروة البارقي إلى شريح من عند عمر بخمس خصال منهن: "ما إذا طلق المريض امرأته ثلاثًا ورثته إذا مات وهي في العدة" (٤)، وقد قال ﵇: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٥). وما روي عن عمر محكم، وما روي عن أبي بكر محتمل؛ يعني: ما لم يتمكن من التزويج والأخذ بالمحكم أولى. ولأن الإرث يعتمد النكاح، وما بقي النكاح بعد العدة [من كل وجه كما ذكرنا وجه قول مالك وأحمد في رواية: أنه لما ثبت حقها في ماله وما بطل بقصده الفرار؛ فيبقى بعد التزويج كما بعد العدة] (٦) وكالمهر والنفقة؛ حيث لا يسقطان بالتزويج بآخر. وهذا بعيد جدا مع الفرق الذي ذكرنا. قوله: (بأمرها)؛ أي: بسؤالها.

стр. 3110

أَوْ قَالَ لَهَا: اختَارِي فَاخْتَارَت نَفْسَهَا، أَوْ اختَلَعَت مِنهُ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي العِدَّةِ لَم تَرِثهُ) لِأَنَّهَا رَضِيَت بِإِبْطَالِ حَقِّهَا وَالتَّأخِيرِ لِحَقِّهَا. (وهي في العدة لم ترثه)، وفيه خلاف مالك (١)، وأحمد (٢)، والأوزاعي - على ما تقدم، وابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي (٣)؛ لما روي أن عبد الرحمن طلق تماضر بسؤالها (٤). وكذا لو كانت المرأة أمَةً أو كتابية حين أبانها في مرضه ثم عتقت وأسلمت الكتابية؛ لم ترث وإن مات في العدة؛ لأنه لم يكن فارا حين طلقها؛ إذ لم يتعلق حقها بماله بمرضه، فلو ورثت كان فيه إقامة العدة مقام النكاح في حق استحقاق الميراث بعد العتق والإسلام، وذلك غير ما اتفق عليه الصحابة؛ فلا يمكن إثباته بالرأي. كذا في المبسوط (٥). (لأنها رضيت بإبطال حقها) أما الرضا في سؤال الطلاق وكذا في الخلع؛ لأنها باشرت الشرط، وكذا في الاختيار؛ لأنها باشرت العلة. (والتأخير)؛ أي: تأخير عمل الطلاق (لحقها) وقد رضيت بسقوطه. وفي المحيط: لو جاءت الفرقة من قبلها في مرضه لم ترث منه؛ لأنها باشرت سبب بطلان حقها، ولو جاءت الفرقة منها في مرضها ورثها الزوج (٦). قيل: ينبغي ألا يرثها؛ لأنا جعلنا قيام العدة كقيام النكاح، ولا عدة هاهنا عند موتها فلم يبق النكاح كما بعد العدة. قيل في جوابه: لما صارت محجورة عن إبطال حقه؛ أبقينا النكاح في حق الإرث دفعًا للضرر عنه أو ردًّا لقصدها إبطال حقه كما حكمنا في مستعجل الإرث بحرمانه ردًّا لقصده. وكما لو حصلت الفرقة بسبب الجب والعنة وخيار

стр. 3111

وَإِنْ قَالَتْ: طَلِّقنِي لِلرَّجْعَةِ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرِثَهُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ، فَلَم تَكُنْ بِسُؤَالِهَا رَاضِيَة بِبُطَلَانِ حَقَّهَا (وَإِنْ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِ مَوتِهِ: كُنْتُ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا فِي صِحَّتِي وَانقَضَت عِدَّتُكِ فَصَدَّقَتهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَين أَوْ أَوصَى لَهَا بِوَصِيَّة فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ المِيرَاثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ. وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ بِأَمْرِهَا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَينِ أَوْ أَوصَى البلوغ والعتق في مرضه. لا ترث لرضاها بالمبطل وإن كانت مضطرة؛ لأن سبب الاضطرار لم يكن من جهة الزوج؛ فلم يكن جانيا في الفرقة. وفي الجامع: لو فارقته في مرضها بخيار العتق والبلوغ؛ ورثها الزوج؛ لأنها جاءت من قبلها، ولهذا لم يكن طلاقا. وفي الينابيع: جعل هذا قول أبي حنيفة ومحمد (١). وفي الفرقة بسبب الجب والعنة واللعان؛ لا يرثها؛ لأنها طلاق فكانت مضافة إليه. (وإن قالت: طلقني للرجعة فطلقها ثلاثًا أو واحدة بائنة؛ (ورثته)؛ لأنها بذلك السؤال لم تكن بسؤالها راضية ببطلان حقها؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل النكاح) (٢). وفي المحيط أيضًا: لو جامعها ابنه مطاوعة - أو مكرهة ثم طلقها؛ لا ترث؛ لبطلان النكاح قبل الطلاق؛ فلم يعمل عمله (٣). وفي الذخيرة: وفي مجامعة ابن الزوج وتقبيلها له بشهوة؛ لا ترث، إلا أن يكون الأب أمره به (٤). أما لو طلقها بائنا ثم جامعها ابنه أو قبلها بشهوة ورثت؛ لأن بذلك تثبت

стр. 3112

لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ المِيرَاثِ فِي قَولِهِم جَمِيعًا) إِلَّا عَلَى قَولِ زُفَرَ ﵀، فَإِنَّ لَهَا جَمِيعَ مَا أَوصَى وَمَا أَقَرَّ بِهِ (*)، لِأَنَّ المِيرَاثَ لَمَّا بَطَلَ بِسُؤَالِهَا زَالَ المَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الإِقْرَارِ وَالوَصِيَّةِ. وَجهُ قَولِهِمَا فِي المَسأَلَةِ الأُولَى: أَنَّهُمَا لَمَّا تَصَادَقَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانقِضَاءِ العِدَّةِ صَارَت أَجنَبِيَّة عَنْهُ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُختَهَا فَانعَدَمَت التُّهمَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تُقبَلُ شَهَادَتُهُ لَهَا وَيَجُوزُ وَضعُ الزَّكَاةِ فِيهَا، بِخِلَافِ المَسأَلَةِ الثَّانِيَةِ: لِأَنَّ العِدَّةَ بَاقِيَةٌ وَهِيَ سَبَبُ التَّهمَةِ، وَالحُكمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التَّهمَةِ وَلِهَذَا يُدَارُ عَلَى النِّكَاحِ وَالقَرَابَةِ، وَلَا عِدَّةَ فِي المَسأَلَةِ الأُولَى، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي المَسأَلَتَينِ: أَنَّ التُّهمَةَ قَائِمَةٌ، لِأَنَّ المَرأَةَ قَدْ تَختَارُ الطَّلَاقَ لِيَنفَتِحَ بَابُ الإِقْرَارِ المحرمية بينهما، وهي تؤكد الميراث. قوله: (في قولهم) وفي الجامع: جعل هذا قول أبي حنيفة وحده. (صارت أجنبية)، وبه قال أصحاب الشافعي على تفريع قوله القديم (١). (وهي)؛ أي: العدة (سبب التهمة؛ أي تهمة إيثار الزوج الزوجة على سائر الورثة. (والحكم)؛ أي: عدم صحة الإقرار والوصية. (على دليل التهمة) كالعدة والنكاح والقرابة. (ولهذا يدار)؛ أي: الحكم وهو عدم صحتهما على النكاح والقرابة) حتى لا يجوز إقراره ووصيته لمنكوحته وقريبه؛ لهذا المعنى بالإجماع؛ فكذا لم يُعتبر إقراره ووصيته لمعتدته. (ولا عدة في المسألة)؛ لتصادقهما على انقضاء العدة، وليس فيها دليل التهمة؛ فيعتبر صحة إقراره ووصيته؛ ولهذا حل لها التزوج بآخر، وحل له التزوج بأربع سواها، والحل والحرمة مما يُوجَدُ فيها بالاحتياط، وعرفنا أنه لا تهمة فيه أصلا.

стр. 3113

وَالوَصِيَّةِ عَلَيْهَا فَيَزِيدَ حَقَّهَا، وَالزَّوجَانِ قَدْ يَتَوَاضَعَانِ عَلَى الإِقْرَارِ بِالفُرْقَةِ وَانقِضَاءِ العِدَّةِ لِيَبَرَّهَا الزَّوجُ بِمَالِهِ زِيَادَة عَلَى مِيرَاثِهَا، وَهَذِهِ التُّهمَةُ فِي الزِّيَادَةِ فَرَدَدنَاهَا، وَلَا تُهمَةَ فِي قَدرِ المِيرَاثِ فَصَلَّحنَاهُ، وَلَا مُوَاضَعَةَ عَادَة فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَالتَّزَوُّجِ قوله: (ولا مواضعة) إلى آخره؛ جواب عن مستشهداتهما؛ يعني: هذه المواضعة تتحقق في حق الإرث لا في حق هذه الأحكام؛ فاعتبرت هنا ولم تعتبر ثمة. وفي الذخيرة: لابد من تحكيم الحال، فإن كان حال خصومة وغضب؛ يقع الطلاق عليها بهذا الإقرار، وإن لم يكن كذلك لا يقع (١). فعلى ما ذكره في الذخيرة؛ ينبغي أن يحكم الحال هنا، فإن كان قد جرى بينهما مشاجرة وخصومة، وترك خدمتها له في مرضه دلَّ على [عدم] (٢) المواضعة (٣) والإحسان إليها، وإن كان ذلك [حال المطايبة ومبالغتها في خدمته؛ ينبغي ألا يصح إقراره لها بهما؛ لأن ذلك] (٤) دليل على فتح باب الإقرار. قال التمرتاشي: قال: بل ما يأخذه يأخذه بطريق الميراث حتى لو تَوِي (٥) شيء من التركة قبل القسمة؛ فالتوي (٦) على الكل. ولو كان أخذه بطريق الدين؛ لكان التَّوَى على الورثة ما دام شيء من التركة قائما. وكذا لو طلبت دنانير والتركة عروض؛ ليس لها ذلك، ولو كان بطريق الدين؛ كان لها ذلك. ولو أرادت الأخذ من عين (٧) التركة والورثة لا تعطيها فليس [لها] (٨) ذلك،

стр. 3114

وَالشُّهَادَةِ، فَلَا تُهمَةَ فِي حَقِّ هَذِهِ الأَحكَامِ قَالَ ﵁: ﴿وَمَنْ كَانَ مَحصُورًا أَوْ فِي … صَفُ القِتَالِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لَم تَرِثُهُ﴾، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَارَزَ رَجُلًا، أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ فِي قِصَاصِ، أَوْ رَجم، وَرِثَت إن مَاتَ فِي ذَلِكَ الوَجهِ أَوْ قُتِلَ وَأَصْلُهُ مَا بَيَّنَّا: أَنَّ امْرَأَةَ ولو اختاروا من غير التركة لهم ذلك (١)؛ لأن الشرع جانب الورثة (٢). قوله: (إن مات في ذلك الوجه أو قتل) وهي في العدة، ولو طلقها في مرضه ثم قتل فيه، أو مات من غير ذلك المرض غير أنه لم يصح؛ فلها الميراث أيضًا. وقال عيسى بن أبان: لو قتل في مرضه لا ترث، وكذا لو مات بمرض آخر؛ لأن مرض الموت ما يكون سببًا، ولما مات بسبب آخر علم أن مرضه لم يكن مرض الموت. وقلنا: لما طلقها في مرضه فقد تحقق الفرار واتصل به الموت ولم يصح منه، وقد يكون للموت سببان فلا يتبين بهذا أن مرضه لم يكن مرض الموت؛ إذْ بقتله [لم] (٣) يرتفع احتمال مرضه سببية الموت، وإرثها منه بالفرار، وقد تحقق. هذا في المبسوط والكافي (٤). وفي الذخيرة: في رواية أبي سليمان عن أبي يوسف عن أبي حنيفة طلاق المبارز كطلاق الصحيح، وهو خلاف ما ذكره في الأصل (٥). ومن المشايخ من قال: إذا أخرج للرجم فهو في حكم المريض، ولو أخرج للقصاص فهو كالصحيح (٦). قيل: يحتمل باعتبار أن العفو مندوب فيغلب على الظن وجوده، ويعارض ذلك بالمرجوم إذا هرب من حرارة الحجارة؛ يترك.

стр. 3115

الفَارُ تَرِثُ اسْتِحْسَانًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكمُ الفِرَارِ بِتَعَلُّقِ حَقَّهَا بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَرَضِ يُخَافُ مِنهُ الهَلَاكُ غَالِبًا، كَمَا إِذَا كَانَ صَاحِبَ الفِرَاشِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَال لَا يَقُومُ بِحَوَائِجِهِ كَمَا يَعتَادُهُ الأَصْحَاءُ، وَقَدْ يَثْبُتُ حُكمُ الْفِرَارِ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى قوله: (كما يعتاده الأصحاء) وفي قاضي خان إلا بكلفة ومشقة. وفي الكافي: وإن كان قد تكلف للقيام. وقيل: مرض الموت هو الذي أضنى المريض وأدنفه وأعجزه عن القيام بحوائجه، أما من يجيء ويذهب بحُمَّى فلا. كذا في الذخيرة وشرح القدوري (١)، وهو الصحيح. وقال مشايخ بلخ مراده ذهابه في حوائجه في البيت، وهذا في حق الرجل، وفي حق المرأة لا تحتاج إلى الخروج من البيت في حوائجها لكن إذا كانت بحيث لا يمكنها الصعود على السطح فهي مريضة (٢). وفي المحيط: قيل: إن أمكنه القيام بحوائجه في البيت ويعجز عنه خارج البيت؛ فهو مريض إذ ليس كل مريض يعجز عن القيام في البيت كالقيام للبول والغائط (٣). وقال بعض المتأخرين: إذا كان بحال يمكنه أن يخطو ثلاث خطوات من غير الاستعانة بغيره فهو صحيح. وهذا ضعيف فالمريض جدا لا يعجز عن [هذا] (٤) القدر إذا تكلف (٥). وقيل: الذي يتعذر عليه أداء الصلاة جالسًا، وقيل: لا يقدر أن يقوم إلا أن يقيمه إنسان، وقيل: أن لا يقدر على المشي إلا أن يهادى بين اثنين (٦). وفي المرأة أن تعجز بقيام مصالح بيتها.

стр. 3116

المَرَضِ فِي تَوَجُّهِ الهَلَاكِ الغَالِبِ، وَمَا يَكُونُ الغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكمُ الفِرَارِ، فَالمَحصُورُ وَالَّذِي فِي صَفُ القِتَالِ الغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةُ، لِأَنَّ الحِصْنَ لِدَفِعِ بَأْسِ العَدُوِّ وَكَذَا المَنَعَةُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكمُ الفِرَارِ، وَالَّذِي بَارَزَ أَوْ قُدِّمَ لَيُقَتَلَ الغَالِبُ مِنْهُ الهَلَاكُ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ الفِرَارُ، وَلِهَذَا أَخَوَاتٌ تَخْرُجُ عَلَى هَذَا الحَرفِ، وَقَولُهُ: إِذَا وقد ذكر محمد في الأصل مسائل تدل على أن الشرط خوف الهلاك الغالب لا كونه صاحب فراش والمرأة في حال الطلق كالمريض (١). وفي الجامع: طلقت نفسها في مرضه فأجازَ؛ ورِثَتْ؛ لأن المبطل للميراث إجازته بخلاف سؤالها لرضاها بالمبطل (٢). وفي القنية: أُكرِهَ على طلاقها الثلاث لا يرث لعدم قصد الفرار، ولو أكرهت على سؤال طلاقها؛ ترث (٣). ولو أقر بفساد نكاحها أو خلعها أجنبي في مرضه ترث (٤). وفي جوامع الفقه: وكذا لو قال: كنتُ طلقتك ثلاثًا في صحتي، أو جامعت أمك، أو تزوجتك بغير شهود (٥). قوله: (تخرج على هذا الحرف)؛ أي: الأصل؛ فمن الأول: راكب السفينة والنازل في المسبعة، أو في خوف من العدو. [ومن الثاني]: انكسرت السفينة وبقي على لوح. ذكره في المحيط (٦) (٧). وفي جوامع الفقه: كان بسفينة فاضطربت الأمواج (٨)، وكسرت السفينة وبقي على لوح يشترط فيه المجموع أو وقع في فم سبع (٩).

стр. 3117

مَاتَ فِي ذَلِكَ الوَجْهِ أَوْ قُتِلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا مَاتَ بِذَلِكَ السَّبَبِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ كَصَاحِبِ الفِرَاشِ بِسَبَبِ المَرَضِ إِذَا قُتِلَ. (وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ إِذَا دَخَلتِ الدَّارَ، أَوْ إِذَا صَلَّى فُلَانٌ الظُّهرَ، أَوْ إِذَا دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ، فَأَنتِ طَالِقٌ فَكَانَت هَذِهِ الأَشْيَاءُ وَالزَّوجُ مَرِيضٌ لَم تَرِث، وَإِنْ كَانَ القَولُ فِي المَرَضِ وَرِثَ إِلَّا فِي قَولِهِ: إِذَا دَخَلت الدَّارَ) وَهَذَا عَلَى وُجُوهِ: إِمَّا أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ بِمَجِيءِ الوَقتِ أَوْ بِفِعْلِ والمسلول والمفلوج والمقعد ما دام يزداد ما به؛ فهو من الثاني، وإلا فمن الأول (١). ولو قُرِّبَ للقتل فطلق ثم خُلِّي عنه أو حبس ثم قتل من ذلك أو مات؛ فهو كالمريض ترثه (٢). وفي قاضي خان: اختلف في المفلوج وإخوانه مشايخ بلخ: قال محمد بن سلمة: إن كان لا يُرجى برؤه بالتداوي؛ فهو كالمريض مرض الموت، وإن كان يرجى فهو كالصحيح (٣). وقال الهندواني: إن كان يزداد أبدًا فهو كالمريض، وإن كان يزداد مرة ويقل أخرى؛ فكالصحيح (٤). وإن مات قبل سنة فكالمريض. وفي الذخيرة: [إن] (٥) لم يزدد؛ فهو كالصحيح، وبه أخذ بعض المشايخ (٦)، وكان برهان الأئمة والصدر الشهيد يفتيان به (٧). قوله: (فكانت هذه الأشياء)؛ أي: وُجِدت وحدثت فكانت تامة.

стр. 3118

الأَجنَبِيُّ أَوْ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ بِفِعلِ المَرأَةِ، وَكُلُّ وَجه عَلَى وَجْهَينِ: أَمَّا إِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرطُ فِي المَرَضِ أَوْ كِلَاهُمَا فِي المَرَضِ. أَمَّا الوَجهَانِ الأَوَّلَانِ: هُوَ مَا إِذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِمَجِيءِ الوَقتِ بِأَنْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنتِ طَالِقٌ، أَوْ بِفِعْلِ الأَجنَبِيِّ بِأَنْ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ، أَوْ صَلَّى فُلَانُ الظُّهَرَ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرطُ فِي المَرَضِ فَلَهَا المِيرَاثُ، لِأَنَّ القَصِدَ إِلَى الفِرَارِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ بِمُبَاشَرَة التَّعْلِيقِ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقَّهَا بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرطُ فِي المَرَضِ لَم تَرِث. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: تَرِثُ، لِأَنَّ المُعَلَّقَ بِالشَّرطِ يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرطِ كَالمُنَجَّزِ فَكَانَ إِيقَاعًا فِي المَرَضِ. وَلَنَا: أَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطلِيقًا عِنْدَ الشَّرطِ حكمًا لَا قَصدًا، وَلَا ظُلَمَ إِلَّا عَنْ قصد، فَلَا يُرَدُّ تَصَرُّفُهُ. وَأَمَّا الوَجهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا إِذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، فَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرطُ فِي المَرَضِ، أَوْ كَانَا فِي المَرَضِ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهُ مِنهُ بُدَّ أَوْ لَا بُدَّ لَهُ مِنهُ قوله: (حُكمًا لا قضدًا) يعني نسلم قول زفر: أنه يصير كالمنجز؛ لكن حكما لا قصدًا؛ ولهذا لو كان عاقلا عند التعليق ومجنونا عند الشرط؛ يقع الطلاق؛ فلو كان التعليق تطليقا لما وقع لعدم القصد منه. وكذا لو حلف بعد التعليق ألا تطلق ثم وُجِدَ الشرط لم يحنث، فلو كان التعليق طلاقًا عند وجود الشرط ينبغي أن يحنث. ولأنه لم يوجد منه منع بعد التعليق في حق وجود الشرط، ولا يتمكن من المنع؛ لأنه لا يقدر على إبطال التعليق ولا على منع الأجنبي من إيجاد الشرط فلم يكن ظالمًا فلم يترتب عليه الفرار. ولأنا لو نظرنا إلى التعليق؛ لا تعلق لحقها بماله، ولو نظرنا إلى الشرط؛ لا صنع للزوج؛ فلم يكن فارا. قوله: (أو مما لا بد له منه) فإن قيل: ينبغي ألا يصير فارا في التعليق بالفعل الذي لابد له منه؛ لأنه يصير مضطرًا إلى مباشرة ذلك الفعل فلا يصير الفعل ظلمًا فلا يرث.

стр. 3119

يَصِيرُ فَارًّا لِوُجُودِ قَصدِ الإِبْطَالِ، إِمَّا بِالتَّعلِيقِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرطِ فِي المَرَضِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُ مِنْ فِعلِ الشَّرطِ بُدٌّ، فَلَهُ مِنْ التَّعلِيقِ أَلفُ بُدٌّ، فَيُرَدُّ تَصَرُّفُهُ دَفعًا لِلضَّرَرِ عنها. وَأَمَّا الوَجهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا إِذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرِطُ فِي المَرَضِ وَالفِعلُ مِمَّا لَهَا مِنهُ بُدَّ كَكَلَامِ زَيد وَنَحوِهِ لَم تَرِتْ، لِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الفِعْلُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَأَكلِ الطَّعَامِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَكَلَامِ الأَبَوَينِ تَرِثُ، لِأَنَّهَا قلنا: الاضطرار في جانب الفاعل لا يبقي (١) الضمان؛ كمن اضطر إلى أكل مال الغير، أو قتل الجمل الصَّائل، أو في إتلاف مال الغير نائمًا أو مخطئاً؛ فإنه يضمن وإن لم يوصف فعله بالظلم؛ لأن الضمان باعتبار عصمة المحل وحقها معصومة، وإن كان للمتعدي عذر مع أن (فله من التعليق ألف بد). ولأن هذا الاضطرار جاء منه؛ حيث علق طلاقها بما لابد لها منه. قوله: (لأنها راضية بذلك)، فصار كأنه طلقها بسؤالها؛ لما أن الرضا بالشرط رضا بالمشروط، ولا يلزم على هذا ما لو قال أحد الشريكين في العبد لصاحبه: إذا ضربته فهو حرّ فضربه؛ يعتق، وللضارب ولاية تضمين الحالف مع أن الضارب ضربه باختيار، ولم يُجعل ذلك منه رضا؛ لأن مسألة الإعتاق من قبيل ما (لا بد لها منه كأكل الطعام)؛ فإن المسألة موضوعة في كتاب العتاق فيما إذا كان أحد الشريكين قال: إن لم أضرب هذا [العبد] اليوم فهو حر، فقال له شريكه: إن ضربته سوطًا فهو حرّ، فضربه؛ له تضمين شريكه؛ لأنه مضطر إلى اكتساب هذا الشرط، وفعل الشرط بالاضطرار لا يدل على الرضا بالمشروط، ولا كذلك في مسألتنا فكانت راضية بالمشروط. إليه أشار في الفوائد الظهيرية (٢). وفي الكافي: حكم الفرار حكم يثبت على خلاف القياس بشبهة العدوان لما ذكرنا في أول الباب فيبطل بماله شبهة الرضا، ولا كذلك الضمان وقد وجد هاهنا شبهة رضا المرأة فكفى ذلك لنفي حكم الفرار (٣).

стр. 3120

مُضطَرَّةٌ فِي المُبَاشَرَةِ لِمَا لَهَا فِي الامْتِنَاعِ مِنْ خَوفِ الهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي العُقبى وَلَا رِضا مَعَ الإِضْطِرَارِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرطُ فِي المَرَضِ، فَإِنْ كَانَ الفِعلُ مِمَّا لَهَا مِنهُ بُدَّ فَلَا إِشكَالَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِنْدَ مُحَمَّد ﵀ وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، لِأَنَّهُ لَم يُوجَد مِنْ الزَّوجِ صُنعُ بَعدَمَا تَعَلَّقَ حَقَّهَا بِمَالِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: تَرِثُ، لِأَنَّ الزَّوجَ أَلْجَأَهَا إِلَى المُبَاشَرَةِ فَيَنتَقِل الفِعلُ إِلَيْهِ كَأَنَّهَا آلَةٌ لَهُ كَمَا فِي الإِكْرَاهِ (*). قوله: (في الدنيا) راجع إلى (أكل الطعام). وقوله: (في العقبى) راجع إلى (صلاة الظهر)، وخُص في النظر صلاة الظهر وإن كان جميع المكتوبات سواء؛ لأنها أول صلاة فرضت؛ فكان الفهم إليه أسبق. (وكلام الأبوين) (١) ونحوه قضاء الدين واستيفاؤه والقيام والقعود والتنفس والشرب. (فكذلك الجواب عند محمد) ألا يرث. (كما في الإكراه)؛ بأن أكره إنسانًا على إتلاف المال؛ صارَ الْمُكْرِهُ مُتْلِفًا حتى يضمن وينتقل إليه؛ فكذا هاهنا فصار كأن الفعل وُجد منه؛ لأن حد المكره أن يكون مُضطرًا بين الشرين، والمرأة كذلك؛ وهذا لأن الإكراه كما يقع بخوف تلف عاجل فكذا يقع بالتفسق؛ ألا ترى أن فعل القاضي ينتقل إلى الشاهدين؛ لأنه يصير ملجأ حتى لو لم يقض؛ يفسق، فيضمن الشهود إذا رجعوا إليه أشير في المبسوط والأسرار وجامع قاضي خان (٢). وفي مبسوط فخر الإسلام: الصحيح ما قاله محمد (٣). ولو كان التعليق والشرط في الصحة؛ لم ترث في الوجوه كلها (٤)، وكذا
следующие страницы →