← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تُصدَّق مطلقا، والتمام ستة أشهر ولحظتان. ولو ادعت فيه ظهور الصورة؛ فأقل مدته أربعة أشهر ولحظتان. وفي البسيط: يشترط أكثر من مائة وعشرين يوما. ولو طلقت في حيض أو نفاس لا يقبل في أقل من ستة وأربعين يوما وساعتين. وعند أبي حنيفة لا يقبل في النفاس قولها في أقل من مائة يوم؛ لأن الحيض لا يكون في مدة النفاس، وإذا عاودها الدم في الأربعين كان نفاسًا (١). وعنه: خمسة وثمانين يومًا (٢)، يزاد خمسة وعشرون يوما. والأول رواية الحسن (٣). وقيل: مائة وخمسة عشر يومًا (٤)، ويزاد طهر خمسة عشر يوما. وقال أبو يوسف: خمسة وستون؛ [لأن] أحد عشر نفاس (٥). وقال محمد: أربعة وخمسون وساعة، وهي النفاس (٦).

стр. 3152

وَيَبْطُلُ زَعمُهُ بِتَكذِيبِ الشَّرعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَذَا الوَطْءِ الإِحْصَانُ، قوله: (ويبطل زعمه بتكذيب الشرع)؛ لأنه لما ثبت نسبه منه دل على وطئه؛ لأن النسب لا يخلو عن الماء، ولا ماء بلا وطء، فكأن الشرع جعله واطئاً فكان في قوله: (لم أجامعها) مُكَذِّبًا شرعًا وإن كان صريحًا؛ لأن دلالة الشارع أقوى من صريحه؛ لاحتمال الكذب من العبد دون الشارع. فإن قيل: يرد على اعتبار تكذيب الشرع مسائل منها: لو أقر بعين في يد غيره لإنسان، ثم اشتراها ثم استحقت من يده، ثم وصلت إليه بسبب من الشراء أو الهبة أو الوصية أو الإرث؛ يؤمر بتسليمها وإن صار مُكذِّبًا شرعًا. وثانيها: لو أقر أن عبد إنسان أعتقه سيده، أو [هو] (١) حر الأصل، وكذبه مولاه ثم اشتراه؛ حكم بصحة شرائه، وصار مُكذِّبًا شرعًا في زعمه، ويحكم بحرية العبد. وثالثها: أن المرأة لو ولدت من غائب، وطلبت فرض النفقة من القاضي لها ولولدها في ماله، وأقامت بيّنة، ثم حضر الزوج ونفاه؛ قطع نسبه، وإن حكم بكونه منه؛ حيث حكم له بالنفقة، ولم يثبت بذلك تكذيبه شرعًا في نفي الولد. ورابعها: جاءت المطلقة بولد لأكثر من سنتين؛ جعل واطئًا مراجعًا؛ للعلوق بعد الطلاق؛ إذ القضاء بالنسب قضاء بالعلوق منه شرعًا، مع أنه يقطع نسبه منه باللعان ولم يجعل مكذبًا. وخامسها: لو طلقها بعد الخلوة، ثم قال: لم أجامعها؛ لم يملك الرجعة، وإن كان الشرع في ذلك؛ حيث أوجب فيه العدة وكمال المهر (٢). قلنا: يعرف جواب هذه المسائل من الجامع. والحاصل في الجواب: أن في إقراره هاهنا ما يتعلق بحق الغير،

стр. 3153

فَلَأَن تَثبُتَ بِهِ الرَّجْعَةُ أُولَى. وَتَأْوِيلُ مَسأَلَةِ الوِلَادَةِ: أَنْ تَلِدَ قَبلَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهَا لَو وَلَدَت بَعدَهُ تَنقَضِي العِدَّةُ بِالوِلَادَةِ فَلَا تُتَصَوَّرُ الرَّجِعَةُ. قَالَ: (فَإِنْ خَلَا بِهَا وَأَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرخَى سِترًا وَقَالَ: لَم أُجَامِعهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا لَم يَمْلِكُ الرَّجِعَةَ) لِأَنَّ تَأَكَّدَ المِلكِ بِالوَطءِ وَقَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِهِ فَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالرَّجِعَةُ حَقَّهُ وَلَم يَصِر مُكَذِّبًا شَرعًا، والموجب للرجعة ثابت -وهو الطلاق بعد الدخول-؛ فيترتب عليه موجبه بخلاف ما ذكر من المسائل؛ لأنه تعلق به حق الغير وإن صار مكذبًا شرعًا. إليه أشير في الفوائد الظهيرية (١). وجواب الخلوة يأتي بالمسألة التي بعدها. (فلأن تثبت به الرجعة أولى) وجه الأولوية: إن للإحصان مدخل في وُجُوبِ العقوبة، ومع هذا يثبت بهذا الوطء؛ فلأن تثبت به الرجعة التي ليست فيها جهة العقوبة أولى (٢). ولأنه يلزم من ثبوت الرجعة ثبوت الإحصان كالأمة والنصرانية. قوله: (أو أرخى سترًا) في الفوائد الظهيرية: ذكر هاهنا -أي: في الجامع - وأرخى بالواو، وذكر في كتاب الطلاق أو أرخى وهو الصحيح؛ لحصول الخلوة بأحدهما (٣). (لم يملك الرجعة) لعدم ثبوت الوطء بالخلوة في حق الرجعة. وقال أحمد: الخلوة كالإصابة في حق ثبوت الرجعة (٤). وبه قال الشافعي في القديم (٥). وقوله: (ولم يصر مكذبًا شرعًا) جواب عما يرد عليه كما أوردناه، ووجه

стр. 3154

بِخِلَافِ المَهرِ، لِأَنَّ تَأَكُدَ المَهرِ المُسَمَّى يُبتَنَى عَلَى تَسْلِيمِ المُبْدَلِ لَا عَلَى القَبْضِ، بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ. (فَإِنْ رَاجَعَهَا) مَعْنَاهُ: بَعدَمَا خَلَا بِهَا وَقَالَ: لَم أُجَامِعهَا (ثُمَّ جَاءَت بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بِيَومٍ صَحَّت تِلكَ الرَّجْعَةُ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، إِذْ هِيَ لَم تُقِرَّ بِانقِضَاءِ العِدَّةِ وَالوَلَدُ يَبقَى فِي البَطنِ هَذِهِ المُدَّةَ فَأُنزِلَ وَاطِئًا قَبْلَ الطَّلَاقِ دُونَ مَا بَعدَهُ، لِأَنَّ عَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي الورود: أن الخلوة لما كانت مكملة للمهر شرعًا فيكون واطئاً شرعا؛ فبقوله: لم أجامعها يكون مكذبًا شرعًا. فقال في جوابه: (تأكد المهر) على كذا، لا على الوطء، وحاصله: أن التكميل يبتني على التسليم بالتخلية؛ إذ هي وسع مثلها لا حقيقة القبض؛ كما في تسليم المبيع والمستأجر، والرجعة حقه وهو قادر على القبض بالوطء فلا ضرورة لنا في أن نقيم الخلوة مقام الوطء؛ فافترقا؛ فلم يكن مكذبًا شرعًا. وقول إمام الحرمين: أن العدة تستدعي سببًا في الشغل. باطل بالآيسة والصغيرة؛ فلا شغل فيهما، وليس ذلك بلازم العدة؛ لأن فيها معنى العبادة حتى أوجبتم العدة على الواطئ في دبرها في قول أو وجه. وذكر أبو علي منهم: أنه لا يرتجعها. فقد أوجبوا العدة مع الشغل ومنعوا ارتجاعها. ومن العلماء من منع وجوب العدة؛ ولكن الأصح وجوبها ديانة وقضاء؛ احتياطا، ولا احتياط في إثبات ولاية الرجعة بل الاحتياط في المنع؛ ولهذا لم يثبت حلها بالخلوة للزوج الأول. قوله: (وقال: لم أجامعها) لم تثبت الرجعة. فولدت [بعد ذلك] (١) (أنزل واطئاً قبل الطلاق) وإن كان الأصل في الحوادث أن تضاف إلى أقرب الأوقات.

стр. 3155

يَزُولُ المِلكُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ لِعَدَمِ الوَطءِ قَبلَهُ فَيَحْرُمُ الوَطءُ، وَالمُسلِمُ لَا يَفْعَلُ الحَرَامَ (فَإِنْ قَالَ لَهَا: إِذَا وَلَدَتِ فَأَنتِ طَالِقٌ فَوَلَدَت ثُمَّ أَتَت بِوَلَدَ آخَرَ فَهِيَ رَجَعَةٌ) مَعْنَاهُ: مِنْ بَطن آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعدَ سِتَّةِ أَشْهُر، وَإِنْ كَانَ أَكثَرَ مِنْ سَنَتَينِ إِذَا لَم تُقِرَّ بانقِضَاءِ العِدَّةِ، لِأَنَّهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ بِالوَلَدِ الأَوَّلِ وَوَجَبَت العِدَّةُ، فَيَكُونُ الوَلَدُ الثَّانِي مِنْ عَلُوقٍ حَادِثٍ مِنهُ فِي العِدَّةِ، لِأَنَّهَا لَم تُقِرَّ بِانقِضَاءِ العِدَّةِ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا (وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَت ثَلَاثَةَ أَولاد لأنه حينئذ (يزولُ المُلك بنفس الطلاق؛ لعدم الوطء قبله). والظاهر من حال (المسلم) أنه (لا يفعل الحرام). ولا يقال في إنزاله واطئاً قبل الطلاق يلزمه كذبه بقوله: لم أجامعها. فالظاهر أن المسلم لا يكذب؛ لأن الكذب أهون من الزنا. ولأن النسب يحتاط في إثباته ويمكن وطئه قبل الطلاق؛ فكان قبل الطلاق حتى يثبت النسب. قوله: (فهي رجعة)، أي: الولادة والثانية؛ إذ بالولادة الثانية يُعلم أن كان وطئها قبل وقوع الطلاق بالولد الأول. و"أن" في قوله: (وإن كان أكثر من سنتين) للوصل؛ يعني: لما كان بين الولدين ستة أشهر لا يتفاوت بعد ذلك؛ لأن الولادة أقل من سنتين [بيوم؛ لا تكون رجعة] (١) من وقت الطلاق، أو أكثر تثبت الرجعة؛ لأن (الولد الثاني) يضاف [إلى] (٢) (علوق حادث) ولا محالة، وهي بالوطء بالطلاق. إليه أشير في جامع قاضي خان (٣). فإن قيل: ذكر في كتاب الدعوى أن المطلقة طلاقًا رجعيا لو ولدت أقل من سنيتن بيوم لا يكون رجعة، وفي الأكثر من سنتين يكون رجعة؛ لاحتمال العلوق قبل الطلاق في الأول دون الثاني.

стр. 3156

فِي بُطُون مُختَلِفَة فَالوَلَدُ الأَوَّلُ طَلَاقُ، وَالوَلَدُ الثَّانِي رَجَعَةٌ، وَكَذَا الثَّالِثُ) لِأَنَّهَا إِذَا جَاءَت بِالأَوَّلِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَصَارَت مُعتَدَّة، وَبِالثَّانِي صَارَ مُرَاجِعًا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ العُلُوقَ بِوَطء حَادِثِ فِي العِدَّةِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّانِي بِوِلَادَةِ الوَلَدِ الثَّانِي، لِأَنَّ اليَمِينَ مَعقُودَةٌ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا وَوَجَبَت العِدَّةُ، وَبِالوَلَدِ الثَّالِثِ صَارَ مُرَاجِعًا لِمَا ذَكَرنَا، وَتَقَعُ الطَّلقَةُ الثَّالِثَةُ بِوِلَادَةِ الثَّالِثِ، وَوَجَبَت العِدَّةُ بِالأَقرَاءِ، لِأَنَّهَا حَائِلٌ مِنْ ذَوَاتِ الحَيضِ حِينَ وَقَعَ الطَّلَاقُ (وَالمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ) لِأَنَّهَا حَلَالٌ لِلزَّوجِ، قلنا: قد سقط هذا الاحتمال هاهنا؛ لأنهما إذا كانا من بطنين كان الثاني من علوق حادث ضرورة، وإلا لصار مع الولد الأول من بطن واحد، والإيجاد لا يثبت (١) بالشك. قوله: (في بطون مختلفة) بأن يكون بينهما ستة أشهر، أما لو كانت الولادة (٢) في بطن واحد؛ وقعت واحدة بولادة الأول، وبولادة الآخر أخرى؛ لأن شرط الحنث وجد، وهي معتدة؛ لأن في بطنها ولد آخر، وبولادة الثالث؛ انقضت العدة ولا يقع (٣) شيء. فإن قيل: في القول بالرجعة يكون حمل فعله على الحرام؛ إذ الوطء يكون في النفاس، وقد قلتم: أن المسلم لا يفعل الحرام. قلنا: رعاية ثبوت النسب واجبة، والنفاس قد يوجد وقد لا يوجد، وقد يقل وقد يكثر، ولعل وطئه بعد انقطاعه؛ فلم يتحقق ارتكاب المحرم قطعا. قوله: (تتشوف)؛ أي: لزوجها، والتَّشَوُّف تَفَكَّلٌ من شفت الشيء: جلوته، ودينار متشوّف؛ أي: مجلو وهي أن تجلو المرأة وجهها وتصقل خديها، والتشوف خاص في الوجه، والتزين عام (٤).

стр. 3157

إذ النِّكَاحُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ الرَّجْعَةُ مُستَحَبَّةٌ وَالتَّزَيُّنُ حَامِلٌ لَهُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ مَسْرُوعًا (وَيُسْتَحَبُّ لِزَوجِهَا أَنْ لَا يَدخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤذِنَهَا أَوْ يُسمِعَهَا خَفَقَ نَعْلَيْهِ) مَعْنَاهُ: إِذَا لَم يَكُنْ مِنْ قَصدِهِ المُرَاجَعَةُ، لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَكُونُ مُتَجَرِّدَة فَيَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى مَوضِع يَصِيرُ بِهِ مُرَاجِعًا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَطُولُ العِدَّةُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى رَجَعَتِهَا وَقَالَ زُفَرُ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: لَهُ ذَلِكَ لِقِيَامِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَعْشَاهَا عِنْدَنَا. وَلَنَا: قَوله تَعَالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآيَةَ، وَلِأَنَّ (إذ النكاح قائم بينهما) حتى يجري التوارث بينهما، وكذا جميع أحكام النكاح، ويدخل في قوله: كل امرأة لي طالق. فإن قيل: يشكل على هذا الأصل قوله: (وليس له أن يسافر بها)؛ فلو كانت منكوحته ينبغي أن يسافر بها كما قبل الطلاق، وبه قال زفر. قلنا: جاء نص فيه على خلاف القياس وهو قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] قال الإمام الصفار: من قاس هذا فقد ضيع نفسه بالوسواس؛ إذ الآية نزلت في الطلاق الرجعي لسياقها وهي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق ١]؛ أي: لعله تبدو له المراجعة. والمسافرة بها إخراج، ولا تُجعَلُ المسافرة [دلالة الرجعة؛ حملا لأمره على الصلاح؛ إذ كلامنا في رجل يصرح بأني لا أراجعها، ولا عبرة] (١) للدلالة مع الصريح، ولأن الإخراج منهي عنه، والرجعة مندوب فلا يمكن جعله رجعة. كذا في الفوائد الظهيرية. ولهذا لا يباح لها [الخروج] (٢) إلى ما دون السفر أيضًا لإطلاق النص. ذكره قاضي خان (٣). وقال: وتكره الخلوة بها أيضًا؛ [لأنه] (٤) ربما يقع بصره على موضع؛ فيصير مراجعا، وهو لا يريدها فيؤدي إلى تطويل العدة وهو حرام (٥). وقال الإمام السرخسي: إنما تكره الخلوة إذا لم تأمن على نفسها من

стр. 3158

تَرَاخِيَ عَمَلِ المُبْطِلِ لِحَاجَتِهِ إِلَى المُرَاجَعَةِ، فَإِذَا لَم يُرَاجِعهَا حَتَّى انقَضَت العِدَّةُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ المُبطِلَ عَمِلَ عَمَلَهُ مِنْ وَقتِ وُجُودِهِ، وَلِهَذَا تُحْتَسَبُ الأَقرَاءُ مِنْ العِدَّةِ فَلَم يَمْلِكِ الزَّوجُ الإِخْرَاجَ، إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رَجَعَتِهَا فَتَبْطُلُ العِدَّةُ غشيانها، أو يصير مراجعا بغير إشهاد (١). وقيل: يشكل على قوله: «ولا عبرة للدلالة مع الصريح» الوطء والتقبيل بشهوة؛ فإنهما رجعة دلالة، وإن صرح بعدم الرجعة بأعلى صوته. أجيب بأنها رجعة دلالة؛ لأنهما يقعان في محل الرجعة، بخلاف المسافَرَةِ فإنها تستلزم شيئاً يثبت به المراجعة؛ إذ بنفسها لا تكون مراجعة؛ لما قلنا أنها منهي حرام، والمراجعة تستحب. قوله: (خفق نعليه) في الصحاح: خفق الأرض بنعله؛ أي: ضربها (٢). وفي المنافع: خفق النعل: ضربها؛ فكيف يكون نفسها أو مستلزما لها وهما على طرفي لنقيض. قوله: (عمل المبطل) وهو الطلاق من وقت وجود المبطل فيمنع لذلك؛ كالبيع الذي فيه الخيار تأخر عمل البيع في اللزوم، ثم بالإجازة يعمل من وقت البيع؛ ولهذا يملك الزوائد الحاصلة في مدة الخيار. قيل: يشكل على هذا التعليل الخلوة بها في العدة ودخوله عليها، فلو كان عمله بالتبيين (٣)؛ ينبغي ألا يجوز شيء من ذلك، ولا خلاف أن البينونة تثبت فيه عند الانقضاء قصرًا. أجيب: بأن الخلوة مكروهة كما قاله قاضي خان؛ نعم وجود البينونة لطريق، أما فيما يقدم وجود البينونة تقديرًا لا تحقيقا؛ ولهذا يملك مراجعتها بلا رضاها بالإجماع. كذا قيل، ولم يتضح لي سره. قوله: (تُحْتَسَبُ الأَقْرَاءُ)؛ أي: الأقراء الماضية قبل انقضاء العدة (من العدة) فلو كان عمل المبطل مقتصرًا على انقضاء العدة لما احتسبت الأقراء

стр. 3159

وَيَتَقَرَّرُ مِلكُ الزَّوجِ. وَقَولُهُ: «حَتَّى يُشهِدَ عَلَى رَجَعَتِهَا»، مَعْنَاهُ: الاسْتِحْبَابُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الوَطْءَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُحَرِّمُهُ، لِأَنَّ الزَّوجِيَّةَ زَائِلَةٌ لِوُجُودِ القَاطِعِ وَهُوَ الطَّلَاقُ. وَلَنَا: أَنَّهَا قَائِمَةٌ حَتَّى يَمْلِكَ مُرَاجَعَتَهَا مِنْ غَيرِ رِضَاهَا، لِأَنَّ حَقَّ الرَّجْعَةِ ثَبَتَ نَظَرًا لِلزَّوجِ لِيُمكِنَهُ التَّدَارُكُ عِنْدَ اعْتِرَاضِ النَّدَمِ، وَهَذَا المَعْنَى يُوجِبُ اسْتِبْدَادَهُ بِهِ، وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِكَونِهِ اسْتِدَامَةٌ لَا إِنشَاءُ إِذِ الدَّلِيلُ يُنَافِيهِ وَالقَاطِعُ أَخَّرَ عِلمَهُ إِلَى مُدَّةٍ إِجْمَاعًا. الماضية من العدة كما لا تحتسب في قوله: إذا حضت فأنتِ طالق؛ فإن تلك الحيضة غير محتسبة من العدة، وإذا لم يقتصر عمله على الانقضاء كالمبتوتة تقديرا فلا يملك إخراجها من السفر كالمبتوتة تحقيقا. قوله: (وقال الشافعي ﵀ يحرمه) (١) وقد بينا فيه المذاهب. (أنها)؛ أي: الزوجية (قائمة). من غير رضاها ومن غير مهر ومن غير ولي ومن غير شهود في قول عندك، وهذا من أدل الدلائل على قيام النكاح. ذكره في المبسوط لفخر الإسلام. (وهذا المعنى)؛ أي: معنى النظر للزوج (يوجب استبداده) أي: استبداد الزوج به؛ أي: بحق الرجعة. (بكونه)؛ أي: بكون حق الرجعة، أو الرجعة على تأويل المذكور. (استدامة) أي: استدامة النكاح (لا إنشاء)؛ إذ لو كان إنشاء لما استبد به الزوج كما في ابتداء النكاح. (إذ الدليل) أي دليل الاستبداد وهو ثبوت الرجعة بلا رضاها. (ينافيه) أي: الإنشاء وهو الطلاق. وهذا جواب على حرف الخصم (٢): إن الزوجية زائلة لوجود القاطع. قلنا: نعم وجد القاطع ولكن أخر عمله إلى انقضاء العدة (إجماعًا)؛ لما

стр. 3160

أَوْ نَظَرًا لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. فَصْلٌ فِيمَا تَحِلُّ بِهِ المُطَلَّقَةُ (وَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنَا دُونَ الثَّلَاثِ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي العِدَّةِ وَبَعدَ انقِضَائِهَا) لِأَنَّ حِلَّ المَحَلِّيَّةِ بَاقِ، لِأَنَّ زَوَالَهُ مُعَلَّقٌ بِالطَّلَقَةِ الثَّالِثَةِ فَيَنعَدِمُ قَبْلَهُ، وَمَنعُ الغَيرِ فِي العِدَّةِ لِاسْتِبَاءِ النَّسَبِ وَلَا اسْتِبَاهَ فِي إِطْلَاقِهِ (وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فِي الحُرَّةِ أَوْ ينتَينِ فِي الأَمَةِ لَم تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا وَيَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا أَوْ يَمُوتَ عَنهَا) وَالأَصلُ فِيهِ قَوله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَالمُرَادُ الطَّلقَةُ الثَّالِثَةُ، وَالثَّنَتَانِ فِي حَقِّ الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ بينَا أن عنده تثبت الرجعة بلا رضاها، ويصح إيلاؤها وظهارها وخلعها ولعانها. (على ما تقدم)، وهو قوله: (لأن حق الرجعة يثبت نظرًا للزوج) (١). فصل فيما تحل به المطلقة لما ذكر تدارك الطلاق الرجعي؛ شرع في بيان تدارك غيره حِلُّ المحلية، والمراد منه كونها من بنات آدم ليست من المحرمات وهو موجود هاهنا. قوله: (ومنع الغير) جواب سؤال مقدر بأنه تعالى لم يُجَوِّز نكاح المعتدة مطلقا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]. فأجاب عنه بقوله: إنما كان ذلك لاشتباه النسب وذلك في معتدة الغير لا في معتدته، ويرد عليه بالصغيرة والآيسة وعدة الوفاة قبل الدخول ومعتدة الصبي والحيضة الثانية والثالثة؛ فإنه لا اشتباه في هذه المواضع وتجب العدة. وجوابه: هذا بيان الحكم بمشروعيتها لا ببيان العلة؛ لوجود التخلف مع أنها لا تخلو عن التعبد، والحكمة لا تراعى في الجميع بل تراعى في الجنس. قوله: (والمراد) من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة ٢٢٩] (الطلقة الثالثة) في المبسوط: اتفق العلماء أن بيان الطلقتين بقوله: الطَّلَقُ مَرَّتَانِ وإنما اختلفوا في الثالثة فعند أكثر أهل التأويل بيانها في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة ٢٢٩]، وعند بعضهم بقوله: أَوْ ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإن أبا رزين العقيلي سأل

стр. 3161

فِي حَقِّ الحُرَّةِ، لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ لِحِلِّ المَحَلِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ ثُمَّ الغَايَةُ نِكَاحُ الزَّوجِ مُطلَقًا، وَالزَّوجِيَّةُ المُطلَقَةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِنِكَاحٍ صَحِيح، وَشَرطُ الدُّخُولِ ثَبَتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ وَهُوَ: أَنْ يُحمَلَ النِّكَاحُ عَلَى الوَطءِ حَملا لِلكَلَامِ عَلَى الإِفَادَةِ دُونَ الإِعَادَةِ، إذ العقد استُفيد بإطلاقِ اسمِ الزَّوجِ أَوْ يُزَادُ عَلَى النَّصِّ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ، وَهُوَ قَولُهُ ﵊: لَا تَحِلُّ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسَيلَةَ الْآخَرِ رُوِيَ بِرِوَايَاتِ، وَلَا خِلَافَ لِأَحَد فِيهِ سِوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. رسول الله ﷺ فقال: عرفت التطليقتين في القرآن فأين الثالثة؟ فقال: «في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾» [البقرة ٢٢٩] (١). (والزوجية المطلقة إنما ثبت بنكاح صحيح) خصوصًا فيما إذا أضيف النكاح إلى المستقبل؛ لأن المراد منه الإعفاف والتحصين، وذا يحصل بالصحيح لا بالفاسد؛ ولهذا إذا حلف " لا أنكح " لم يحنث بالفاسد بخلاف الماضي، فإن المراد منه مجرد صحة الإخبار به فيتناول كليهما؛ فيحنث في يمينه "ما نكحت امرأة" بالفاسد (٢). (حملا للكلام على الإفادة)؛ يعني: لو حملنا النكاح على العقد في الآية يلزم ذكر العقد مرتين؛ لأنه استفيد مرة بقوله: ﴿زَوْجًا﴾؛ إذ الرجل لا يسمى زوجا حقيقة بدون العقد، فلو حملنا النكاح على العقد؛ يلزم التكرار، فحملناه على وطء الزوج الثاني؛ فتكون شرطية الوطء ثانيًا بالكتاب، فلا يحتاج أن يزاد على الكتاب بالحديث المشهور. وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول (٣). (بروايات)؛ أي: بروايات مختلفة مذكورة في كتب الحديث. (لأحَد فيه)؛ أي: في اشتراط الوطء (سوى سعيد بن المسيب) قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بقوله إلا الخوارج (٤). وقيل: قال بشر المريسي وداود الظاهري والشيعة بقوله، وذلك خلاف لا

стр. 3162

وَقَولُهُ غَيْرُ مُعتَبَر حَتَّى لَو قَضَى بِهِ القَاضِي لَا يَنفُذُ، وَالشَّرطُ الإِيلَاجُ دُونَ الإِنزَالِ، لِأَنَّهُ كَمَالٌ وَمُبَالَغَةٌ فِيهِ وَالكَمَالُ قَيدٌ زَائِدٌ (وَالصَّبِيُّ المُرَاهِقُ فِي التَّحْلِيلِ كَالبَالِغِ) لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي نِكَاحَ صَحِيحِ وَهُوَ الشَّرطُ بِالنَّصُ، اختلاف، وقالوا: لعله لم يبلغه الحديث المشهور. قال أبو بكر الرازي: لا أعلم أحدًا قال بقوله، وقوله غير معتبر حتى لا يجوز لأحد أن يأخذ بقوله لمخالفته الحديث المشهور، ولو أفتى مُفت بقوله؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ذكره في الخلاصة (١). (ولو قضى) (لا ينفذ) قال التمرتاشي: ما نقل عن الصدر الشهيد في بعض الحواشي: " أنه لو قضى قاض على قول سعيد ينفذ افتراء على الصدر الشهيد، وذكر قاضي خان ذكر الصدر الشهيد لا ينفذ قضاؤه. وفي القنية: في فتاوى العصر أن الشهيد رجع عن مذهبه. قال المتكلم وقاضي بديع: يحتال في التطليقات ويأخذ الرُّشَى ويزوجها الأول بدون دخول الثاني هل يصح النكاح؟ قال: لا، فقال: وما جزاء من يفعل ذلك؟ قال: يُسَوَّد وجهه ويُبعد، ولو أفتى فقيه بمذهبه يُعَزَّر أيضًا (٢). وفي المبسوط: المقصود منع الزوج من استكثار الطلاق، وذا لا يحصل بمجرد العقد بل يحصل بما فيه مغايظة للزوج، ودخول الثاني بالنكاح مباح مبغض عند الزوج الأول كما أن الاستكثار من الطلاق مباح مبغض ليكون الجزاء بجنس العمل (٣). (لأنه) أي: الإنزال كمال ومبالغة في الدخول المشروط بالنص (والكمال قيد) والنص هو قوله ﵇: «لا حتى تذوقي عسيلته» (٤) [الحديث مطلق عن الإنزال، وتقييد المطلق لا يجوز. وفي الحديث إشارة إلى أن الكمال يوجد بدون الإنزال وهو قوله عليه

стр. 3163

وَمَالِكٌ ﵀ يُخَالِفُنَا فِيهِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّاهُ. وَفَسَّرَهُ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: غُلَامٌ لَم يَبْلُغ، وَمِثْلُهُ يُجَامِعُ، جَامَعَ امْرَأَة وَجَبَ عَلَيْهَا الغُسْلُ، وَأَحَلَّهَا عَلَى الزَّوجِ الأَوَّلِ، وَمَعنَى هَذَا الكَلَامِ أَنْ تَتَحَرَّكَ آلَتُهُ وَيَشتَهِي، وَإِنَّمَا وَجَبَ الغُسلُ عَلَيْهَا «السلام حتى تذوقي عسيلته»] (١) وفي الذوق لا يشترط الإنزال. وفي الكفاية: طلقها أزواج، كل زوج ثلاثًا فتزوجت بآخر ودخل بها؛ تحل للكل؛ لأنه لا تفصيل في النص. (ومالك ﵀ يُخَالِفُنَا فِيهِ) فإن على قول مالك وحماد والبصري: يشترط الإنزال (٢)، وهو بالبلوغ، وهو بالماء؛ لأنه شرط في الحديث ذوق العسيلة. وفي الجامع الصغير: شرط الحرية أن يكون منفقا؛ لأنه روي عن أبي يوسف: لو زوجت نفسها من عبد لا يجوز (٣). وفي فتاوى الوبري: الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع لو أولج بمساعدة اليد لا يحلها. ذكره التمرتاشي (٤). (والحجة عليه)؛ أي على مالك (ما بيناه)؛ وهو الحديث المشهور. والعسيلة: كناية عن لذة الجماع، واللذة تحصل للصبي بالجماع. وعن عائشة أنها فسرت العُسيلة بالجماع، وبقولنا قال الشافعي (٥) وأحمد (٦) وعطاء وابن المنذر (٧). وفي المنافع: المراهق: الداني من البلوغ. وقيل: الذي (تتحرك آلته ويشتهي) الجماع؛ لأنه ﵇ شرط من

стр. 3164

لالتِقَاءِ الخِتَانَينِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ مَائِهَا وَالحَاجَةِ إِلَى الإِيجَابِ فِي حَقْهَا، أَمَّا لَا غُسَلَ عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ تَخَلُّقًا، الطرفين (١). وقال القاضي من الحنابلة: يشترط أن يكون ابن اثنتي عشرة سنة (٢). وفي الجامع قال محمد: أودع [صبي] (٣) يعقل ابن [اثنتي] (٤) عشرة [سنة] (٥). وفي المحيط: في الصبي الذي لا يقدر على الجماع وآلته ليست بمشتهاه: اختلف مشايخنا فيه. وفي الخلاصة: والصحيح أن يكون الصبي ابن عشر سنين. وفي العيون والصغرى: لو خافت إن ظهر أمرها [في] (٦) التحليل؛ تهب لبعض من تثق به ثمن مملوك، فيشتري بذلك مراهقا، فيزوجه شاهدان، فيدخل الغلام، ثم يهب المشتري المملوك من المرأة فيبطل النكاح، ثم تبعث المملوك إلى بلد آخر وتبيعه؛ فلا يظهر أمرها بوطء الزوج الثاني. وفي الحيض والنفاس والإحرام منهما أو من أحدهما؛ تحل للأول بظاهر النص، وبه قال الشافعي، وأحمد في ظاهر نصه. وقال مالك، وأحمد في وراية: لا يحلها؛ لأنه حرام فلا يثبت به الحل، كما لو وطء في النكاح الفاسد بالشبهة. وقال الشافعي في القديم: الوطء في النكاح الفاسد؛ يُحِلُّ. وبه قال بعض الحنابلة في وجه. ووطء الذمي الذّمِّيةَ يُحِلُّها للأول عندنا، وأحمد، والحسن، والزهري،

стр. 3165

قَالَ: (وَوَطْءُ المَولَى أَمَتَهُ لَا يُحِلُّهَا) لِأَنَّ الغَايَةَ نِكَاحُ الزَّوجِ والثوري، وأبو عبيد. وقال مالك، وربيعة: لا يُحلها؛ بناءً على فساد أنكحتهم في رواية. وفي المحيط: وطء الصبي والمجنون والمسلول يحلها، ووطء المجبوب لا يحلها إلا إذا حبلت (١). وفي المبسوط: في رواية أبي حفص إن كان المجبوب لا ينزل لا يحل ولا يثبت نسب الولد منه؛ لأنه إذا جف ماؤه صار كالصبي أو دونه (٢). وقيل: هذا إذا جُبَّ ذكره من الأصل ولو بقي بعد الحشفة شيء باقي ما تحل. ولو أدخل الشيخ آلته في فرجها بإصبعها إن انتعش وعمل؛ حلت وإلا فلا. ولو لف آلته بخرقة وهي لا تمنع من وصول حرارة فرجها إلى ذكره؛ تحل. ذكره المرغيناني (٣). ولو خلا بها الزوج الثاني أو مات عنها؛ لا تحلُّ. وفي المغني: أولج الحشفة من غير انتشار؛ لا يُحِلُّها، ولو قطع وبقي منه قدر الحشفة فأولجه؛ يُحلُّها. وبوطء الخصي والمسلول والموجوء؛ تحلُّ، وعنه: والخصي لا يحل (٤). و [وطء] (٥) المجنون (٦)، وقال ابن حامد: لا تحلُّ، ولو كان ذاهب الحس كالمصروع والمغمى عليه؛ لا تحل. ولا بوطء المجنونة في هذه الحالة (٧). وفي الجواهر: يكفي إيلاج الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، ولا يكفي

стр. 3166

(وَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرطِ التَّحْلِيلِ فَالنِّكَاحُ مَكْرُوهٌ) لِقَولِهِ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ» وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُهُ (فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعدَمَا وَطِئَهَا حَلَّت لِلأَوَّلِ) لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي نِكَاح صَحِيح، إذ النِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرطِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُفْسِدُ النِّكَاحَ، لِأَنَّهُ فِي مَعَنَى المُؤَفَّتِ فِيهِ، وَلَا يُحِلُّهَا عَلَى الأَوَّلِ لِفَسَادِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يَصِحُ النِّكَاحُ لِمَا بَيَّنَا، وَلَا يُحِلُّهَا عَلَى الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ اسْتَعجَلَ مَا أَخَّرَهُ الشَّرِعُ فَيُجَازَى بِمَنِعِ مَقْصُودِهِ كَمَا فِي قَتلِ المُوَرِّثِ (*) (وَإِذَا طَلَّقَ الحُرَّةَ تَطلِيقَة أَوْ تَطلِيقَتَيْنِ وَانقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَت بِزَوجِ آخَرَ ثُمَّ عَادَت إِلَى الزَّوجِ الأَوَّلِ عَادَت بِثَلَاثِ تَطلِيقَاتِ، وَيَهْدِمُ الزَّوجُ الثَّانِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وطء من لم تنتشر آلته، وقيل: لا يشترط انتشارها (١). ووطء النائمة والمغمى عليها؛ يُحِلُّ عندنا، وفي أحد قولي الشافعي ذكره النواوي. وفي المفهم والوطء في الدبر لا يُحِل. [ولو] (٢) ادعت دخول المُحلّل؛ صُدِّقَت وإن أنكر هو، وكذا على العكس. ذكره في التفاريق. قوله: (بشرط التحليل) بأن قال: تزوجتك على أن أحِلَّكِ، أو قالت هي ذلك، أما لو أضمرا ذلك في قلبهما؛ فإنه يصح العقد وتحل للأول عند عامة العلماء. وقال مالك، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو يوسف: يفسد العقد الأول، ولا تحل للأول، ولا تقر على نكاح الدَّلْسَة. (لأنه استعجل ما أخره الشرع فيجازى) بتقصير مقصوده ومنعه منه (كما في قتل المُوَرّث).

стр. 3167

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ) لِأَنَّهُ غَايَةٌ لِلحُرمَةِ بِالنَّصْ فَيَكُونُ مَنهِيًّا، وَلَا إِنهَاءَ لِلحُرمَةِ قَبْلَ النُّبُوتِ. وَلَهُمَا قَولُهُ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ» سَمَّاهُ مُحَلَّلًا وَهُوَ المُثَبِّتُ لِلحِلِّ (وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدْ انقَضَت ولأنه ﵇ قال: «لعن الله المُحَلّل» الحديث، وعقد النكاح نعمة فلا يستحق به اللعن، [فلما استحق اللعن] (١) لا يكون صحيحًا. ولأن هذا في معنى شرط التوقيت، وشرط التوقيت يبطل النكاح. للعامة قوله ﵇: «لعن الله المحلّل والمحلل له» رواه الترمذي والنسائي وقالا: حديث حسن صحيح. وهذا الحديث [يقتضي] (٢) صحة النكاح والحل للزوج الأول والكراهة؛ لأن اللعن باعتبار التماس ذلك وفيه هتك للمروءة، وإعارة النفس في الوطء لغرض الغير رذيلة وقلة حمية، قال ﵇: «هو التَّيسُ المستعار» (٣)، وإنما يكون مستعارًا إذا سبق التماس من المطلق (٤). واختلف العلماء في معناه؛ قيل: أراد به طالب الحل من نكاح المتعة والمؤقت، وسماه محلّلا وإن لم يحلّل؛ لأنه يعتقده ويطلب الحل منه، وأما طالب الحل من طريقه لا يوجب اللعن. وقيل: هو التزوج بلفظ الإحلال والتحليل، وهو معنى ما ذكر في المتن وهذا هو محمله؛ أي: محمل الحديث. ولو تزوجها بنية التحليل من غير شرط حلَّت للأول، ولا يكره والنية ليست بشيءٍ. ذكره الإسْبِيجابي، وذكر المرغيناني وغيره: يثاب ويؤجر في ذلك (٥).

стр. 3168

عِدَّتِي وَتَزَوَّجْتُ وَدَخَلَ بِي الزَّوجُ وَطَلَّقَنِي وَانقَضَت عِدَّتِي، وَالمُدَّةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وفي الجواهر: المعتبر: نية المحلل دون المرأة والزوج الأول (١)، فيصير كاشتراطه في العقد فيفسد بها العقد، ولو نكح بشرط الطلاق يفسد النكاح ولم تحل، ويفسد أيضًا باشتراط عدم الوطء، فإذا فسد؛ فرّق قبل البناء وبعده بطلقة بائنة، ولها المسمى في الأظهر (٢). وفي [البسيط] (٣) لو شُرِطَ فيه طلاق: قيل: يبطل العقد كالمؤقت. وقيل: يلغو الشرط. ولا خلاف في أنه لو قال: زوجتك بشرط ألا تتزوج عليها أو لا تتسرى أو لا تسافر بها؛ لا يفسد النكاح كله، ولو قال بشرط أن لا تطأها؛ اختلفوا فيه. ذكر التمرتاشي: لو خافت ألا يطلقها الثاني فتقول: زوجت نفسي منك على أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد، وقال الزوج: قبلت؛ جاز النكاح وصار الأمر في يدها. قوله: (وهذا عندهما) (٤)؛ أي: عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول ابن عباس وابن عمر وإبراهيم والنخعي وأصحاب عبد الله بن مسعود (٥). (وقال محمد: لا يهدم) (٦) وبه قال الشافعي (٧)، ومالك (٨)، وأحمد (٩)، وزفر وهو قول عمر وعلي وابن كعب وعمران ابن حصين وأبي هريرة (١٠)، فأخذ

стр. 3169

جَازَ لِلزَّوجِ أَنْ يُصَدِّقَهَا إِذَا كَانَ فِي غَالِبِ ظَنْهِ أَنَّهَا صَادِقَةٌ)، الشبان بقول المشايخ من الصحابة، والمشايخ من الفقهاء بقول الشبان من الصحابة. ذكره في المبسوط (١). والمسألة مستقصاة في الأصول. قوله: (أنها صادقة) عن الإمام السرخسي: لا يحل [له] (٢) التزوج حتى يستفسرها؛ للاختلاف بين الناس في حلها بمجرد العقد (٣). وفي التفاريق: تزوجها ولم يسألها، ثم قالت: ما تزوجت أو ما دخل بي؛ صُدِّقَتْ؛ إذ لا يُعلم ذلك إلا من جهتها، وفيه إشكال لأن إقدامها [على] (٤) النكاح اعتراف منها بصحته؛ فكانت متناقضة؛ فينبغي أن [لا] (٥) يقبل منها، كما لو قالت بعد التزوج بها: كنتُ مجوسية أو مرتدة أو معتدة أو منكوحة الغير أو محرمًا، أو كان العقد بغير شهود. ذكره في الجامع وغيره (٦)، بخلاف قولها «لم تَنْقَضِ» عَدْلٌ (٧). ولو قال الزوج لها ذلك، وكذبته؛ تقع الفرقة كأنه طلق، ويجب المهر. ولو قال المحلل بعد الدخول: كنت حلفت بطلاقها إن تزوجتها، هل تحل هي للأول؟ قلت: يبنى الأمر على غالب ظنها إن كان صادقًا عندها، وإن كان كاذبًا؛ تحل. ولم يمر بي (٨) وعن الفضلي: لو قالت: تزوجني فإني تزوجت غيرك وانقضت عدتي، فتزوجها، ثم قالت: ما تزوجتُ؛ صُدِّقت إلا أن تكون أقرت بدخول الثاني. ذكره التمرتاشي (٩). سئل نجم الدين النسفي عن رجل حلف بالثلاث (١٠) فظن أنه لم يحنث؛

стр. 3170

لِأَنَّهُ مُعَامَلَةٌ أَوْ أَمرٌ دِينِيٌّ، لِتَعَلُّقِ الحِلِّ بِهِ، وَقَولُ الوَاحِدِ فِيهِمَا مَقْبُولٌ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَنكَر إِذَا كَانَتِ المُدَّةُ تَحتَمِلُهُ. وَاختَلَفُوا: فِي أَدنَى هَذِهِ المُدَّةِ وَسَنُبَيِّنُهَا فِي بَابِ العِدَّةِ. فأفتيت بوقوع الثلاث، وخافت إن أعلمته أن ينكر هل لها أن تستحل بعدما يفارقها بسفر وتأمره إذا حضر بتجديد العقد لشيءٍ دخل في قلبها من الشبهة؟ قال: نعم ديانة (١). وسئل الصفار ونجم الدين النسفي عن امرأة سمعت طلاق الثلاث من الزوج ولا يمتنع عنها هل يسعها قتله؟ قالا: يسعها عند إرادة قربانها. وهكذا أفتى السيد أبو شجاع، وقال الإسبيجابي: لا يسعها واستدل بأنها لو أكرهت على الزنا فمكنت من نفسها؛ لم تأثم فلم تكن مضطرة، بخلاف الرجل؛ حيث يأثم بذلك (٢). قال النسفي (٣): السيد أبو شجاع رجل كبير وله مشايخ كبار فلا يقول إلا عن صحة، والاعتماد على قوله. ولو زوجت نفسها من غير كفؤ؛ حلت للأول عند أبي حنيفة وزفر (٤). وفي المبسوط: نصرانية أسلمت فدخل بها زوجها النصراني؛ حلّت للأول (٥). وتحل بوطء العبد والمُدَبَّر والمكاتب إذا كان النكاح بإذن السيد. قوله: (لأنه)؛ أي: النكاح (معاملة). وقول الواحد فيهما مقبول بشرط التمييز كالوكالات، والمضاربات، والإذن في التجارة، وإن كان من أمور الدين؛ فيقبل قولها أيضًا كما لو أخبرت بنجاسة [الماء] (٦) وطهارته، وروت حديثا. (واختلفوا) أي: العلماء في أدنى هذه المدة التي تحتمل ذلك؛ فعند أبي

стр. 3171

بَابُ الإِيلَاءِ حنيفة: شهران، وعندهما: تسعة وعشرون يومًا، وقيل: على قياس أبي يوسف: تُصدَّق في سبعة وثلاثين يومًا وأربع ساعات، وقد بينا تمام الأقوال في باب الرجعة في مسألة فرع وسنبينها في العدة. في النهاية: الحوالة وقعت غير رابحة؛ لأنه لم يذكرها في باب العدة ولا في غيره (١). قيل في جوابه: قال سنبينها في العدة، ويمكن أن تكون في عدة غير هذا الكتاب؛ لأنه ما قال في عدة هذا الكتاب حتى تقع الحوالة غير رابحة. والله أعلم. باب الإيلاء بدأ بالطلاق؛ لأنه مباح للزوج للحاجة، ثم أدنى درجة منه الإيلاء في الإباحة، فإنه من حيث إنه مبين مشروع؛ لكن هو لا يخلو عن أحد المكروهين: إما الطلاق أو الكفارة. ومناسبة باب الرجعة أن الرجعة لتدارك ما فات بالطلاق في الإيلاء كتدارك الإيذاء باللسان، أو في الرجعة خروج من العموم إلى الخصوص فإن الرجعة تستعمل له في كل شيء ثم صار خاصًا في النكاح، فكذا الإيلاء لمطلق اليمين لغة، ثم صار في الشريعة: اسم ليمين يمنع المرء بها نفسه عن وطء منكوحته، فكان فيه معنى الخروج من العموم إلى الخصوص أيضًا. كذا في الفوائد البدرية. الإيلاء و الْأَلِيَّةُ: اليمين لغة، وجمع الإيلاء: أَلَايَا (٢). وجمع الألية: أليات كركبة وركبات، يقال: آلى يولي إيلاء، مثل: أعطى يعطي إعطاء (٣)، ومنه قول الشاعر (٤): قَلِيلُ الأَلايا حافِظ لِيَمِينِهِ … وإن نذرت مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ يمدح بهذا ويقول: حلفه قليل، وإن حلف بطريق الندرة بأن وقعت على سرعة من غير قصد؛ حفظ يمينه.

стр. 3172

(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ لَا أَقرَبُكِ، أَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ أَربَعَةَ أَشْهُرٍ، فَهُوَ مُولٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قوله: بَرَّت، كان أصله: بر في يمينه؛ فحذف المضاف مع حرف الجر، ثم انقلب الضمير المجرور مرفوعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف ٥٨]؛ لما عُرف في الكشاف. وفي المرغيناني: الألية: الحلف على الامتناع، والحلف اليمين على الفعل، والقسم واليمين فيهما. والإيلاء شرعًا: الحلف عَلَى تَرْكِ قُرْبَانِ المنكوحة أربعة أشهر فصاعدًا. وسببه: قيام المشاجرة وعدم الموافقة كما في سبب شرعية الطلاق الرجعي. وشرطه: كون اليمين معقودة على المنكوحة. وأهله: من [هو] (١) أهل للطلاق. وحكمه المتعلق بالحنث: الكفارة ولو كان بغير الله ما جعل جزاء. والمتعلق بالبر: طلاق بائن بمضي مدته. ومدته: أربعة أشهر عند الجمهور، حتى لو حلف [على] (٢) أربعة أشهر ولم يزد عليه؛ يكون، وعند مالك: ينبغي أن يزيد يومًا، وعند الشافعي: لحظة حتى يصير موليا. قال الرازي من أصحابنا: يبقى قولهما ظاهر القرآن؛ حيث لم يجعل مدة التربص أكثر من أربعة أشهر وعشرا في عدة الوفاة، وثلاثة قروء في عدة الطلاق؛ فلا تجوز الزيادة على هذين التربصين، فكذا في مدة الإيلاء [إذا لم يكن بعد هذه المدة تربص؛ فيجب بعدها سقوط الإيلاء؛] (٣) فلا معنى لاشتراط مدة أخرى بعد سقوطه. في المبسوط: قال إبراهيم النخعي: الإيلاء يمين بمنع جماع المنكوحة،

стр. 3173

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَةُ (فَإِنْ وَطِئهَا فِي الأَربَعَةِ وقد كان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية فجعله الشرع طلاقا مؤجلا؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] (١). اعلم أن عند الأئمة الأربعة وأصحابهم الإيلاء لا يكون بغير يمين ولا تعليق، وعند ابن المسيب ويزيد بن الأصم من ترك جماع زوجته بلا يمين يصير موليا نقله الرازي في أحكام القرآن (٢). وعن [ابن] (٣) عمر: الهجران من غير يمين طلاق. وذكر ابن زيد عن مالك وعن بعض العلماء: لو حلف لا يكلمها؛ كان موليًا. وهذا كله شاذ مخالف للنص، فإنه تعالى قال: ﴿يُؤْلُونَ﴾ [البقرة ٢٢٦] أي: يحلفون. ثم الألفاظ التي يقع بها الإيلاء: صريح وكناية؛ فالصريح: نحو قولك: لا أقربك لا أجامعكِ لا أطأكِ لا أباضعكِ لا أغتسل منك من جنابة. وأما الكناية؛ فكقولك: لا أمسِكُكِ، ولا آتيكِ، ولا أغشاكِ، ولا أجمع رأسي ورأسكِ، ولا أضاجعكِ، ولا أقرب فراشَكِ؛ فلا يكون إيلاء بلا نية. كذا ذكره في الفتاوى الظهيرية (٤). قال في البدائع: الافتضاض في البكر يجري مجرى الصريح والدنو كناية، وكذا قوله: لا أبيت معك في فراش ولا أسوئكِ ولا أغيظكِ كنايات (٥). وفي المنتقى: «لا أنام معك» إيلاء بلا نية، فكذا والله لا يمس فرجي فرجك. ذكره في الذخيرة، وفي جوامع الفقه: «لا يمس جلدي جلدك» لا يصير موليًا؛ لأنه لا يمكنه أن يلف ذكره بشيء، وفي المرغيناني: يحنث بمس الفرج دون الجماع فلم يكن موليا (٦). قيل: فيه بعد.

стр. 3174

الأَشهُرِ: حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَلَزِمَتهُ الكَفَّارَةُ) لِأَنَّ الكَفَّارَةَ مُوجِبُ الحِنثِ (وَسَقَطَ الإِيلَاءُ) لِأَنَّ اليَمِينَ تَرتَفِعُ بِالحِنثِ (وَإِنْ لَم يَقْرَبهَا حَتَّى مَضَت أَربَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَت مِنْهُ بتطليقة) قوله: (ولزمته الكفارة) في المبسوطين. قال الشافعي: لا كفارة عليه ويحنث في يمينه؛ لأن الله تعالى وعد المغفرة، وبعد ما صار مغفورًا؛ لا تجب الكفارة لأنها للتيسير. قلنا: وهو المغفرة في الآخرة لا تنافي وجوب الكفارة في الدنيا كما في قتل الخطأ، وحكم الكفارة بالحنث وفي اليمين بالله تعالى ثابت بالنص وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]؛ ولكن ذكر في كتبهم: هذا قوله القديم، وفي الجديد تجب الكفارة وهو الأصح كمذهبنا، وبه قال: مالك، وأحمد، والجمهور (١). وقال الحسن: لا كفارة عليه في ذلك، قال قتادة: خالف الحسن الناس. (وسقط الإيلاء)؛ أي: بإجماع العلماء. قوله: (بانت منه بتطليقة)؛ أي: تقع طلقة بائنة. في المبسوط: فكان معنى الإيلاء وإن مضت أربعة أشهر ولم أقربك فأنت طالق طلقة بائنة، وهكذا نقل عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر (٢). وزاد ابن المنذر في الإشراف وفي المحلى: عثمان وزيد بن ثابت، وبه قال: جابر بن زيد، ومسروق، وشريح، وعطاء، والبصري، والنخعي، والشعبي، والأوزاعي، والثوري، وقبيصة بن ذؤيب، وعكرمة، وعلقمة، وابن جريج، وابن أبي ليلى ذكره في الإشراف (٣)، والمحلّى (٤). وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول والزهري

стр. 3175

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبِينُ بِتَفْرِيقِ القَاضِي، وابن المسيب: تقع طلقة رجعية (١). وقال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ومجاهد وابن المسيب وطاووس: للمرأة أن تطالبه بالفيء أو الفرقة، وهو قول أبي الدرداء وعائشة، ويُروى عن علي وابن عمر (٢). وفي البخاري: قال لي إسماعيل: حدثني مالك بن نافع عن ابن عمر إذا مضت المدة يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى تطلق، قال البخاري: ويذكر عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ (٣). قيل: الذي يجوز الاحتجاج به من قول البخاري قول ابن عمر؛ لأنه أسنده، مع أن ابن المنذر وابن حزم رويا عنه خلاف ذلك كما ذكرنا؛ فلا يبقى حجة على أحد الفريقين؛ للاضطراب. قوله: (تبين بتفريق القاضي)؛ يعني: يتوقف بعد مضي المدة، فإذا أبي الزوج الفيء أو الفرقة؛ فرق القاضي بينهما إذا طلبت المرأة فطلقها، وكان تفريقه تطليقة رجعية (٤). وفي المبسوط: تطليقة بائنة (٥). وما وجدت [ذلك] (٦) في كتبهم. إلا [أن] (٧) عند مالك: لا رجعة له عليها إلا أن يطأها، ولا يطلقها الحاكم بثنتين أو ثلاثًا أو يفسخ النكاح (٨).

стр. 3176

لِأَنَّهُ مَانِعُ حَقِّهَا فِي الجِمَاعِ، فَيَنُوبُ القَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ، كَمَا فِي الجُبِّ وَالعِنَّةِ وقال أحمد: للحاكم أن يطلقها رجعية أو بائنة أو ثنتين أو ثلاثًا أو يفسخ النكاح. والمختار عنده: أن يطلقها رجعية (١). كما قال الشافعي ومالك. وقالت الظاهرية: لا يطلّق الحاكم وتطليقه باطل؛ ولكن يخبره بالبينونة وبحبسه إلى أن يفيء أو يطلقها (٢)، وبه قال الشافعي في القديم. (لأنه مانع حقها)؛ أي: ثبوت حكم الإيلاء بقصده الإضرار والعنت بمنع حقها في الجماع، ويزول ذلك بالفيء، وإذا لم يفيء أو يطلق؛ ناب القاضي منابه كما في الجب والعنة بل أولى؛ لأن الزوج هناك معذور وهاهنا متعنت، والقاضي نُصِبَ لرفع الظلم لو [وقع]. فالخلاف في موضعين (٣)؛ أحدهما: أن الفيء بعد المدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُو﴾ [البقرة ٢٢٦] والفاء للتعقيب فاقتضى جواز الفيء بعد المدة. وعندنا: الفيء في المدة؛ لقراءة ابن مسعود: ﴿فَإِنْ فَاءُو﴾ فيهن، والشافعي ومالك جعلا قراءة ابن مسعود وأبي وابن عباس وغيرهم تفسيرًا منهم. ولا وجه لهذا؛ لأن هذه القراءات ما قال أحد أنها تفسير؛ بدليل أن عثمان طلب مصحف ابن مسعود وأبي وابن عباس وغيرهم تفسيرًا مرويًّا عن رسول الله برواية هذه العدول لا يجوز مخالفته. والثاني: أن التفريق عنده لا يكون إلا بتطليق الزوج أو تفريق القاضي؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة ٢٢٧] ولو وقع بمجرد مضي المدة لا يتصور العزم عليه بعد ذلك. ولأن النص يشير إلى أن عزيمة الطلاق بما هو مسموع، وذا بالإيقاع أو بتفريق القاضي إذا ظلم بمنع الفيء والفرقة.

стр. 3177

وَلَنَا: أَنَّهُ ظَلَمَهَا بِمَنعِ حَقَّهَا فَجَازَاهُ الشَّرِعُ بِزَوَالِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ مُضِيِّ هَذِهِ المُدَّةِ، وَهُوَ المَأْثُورُ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٌّ ولنا: عزيمة الطلاق مضي أربعة أشهر، روي عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا، وقد أضافه إلى الزوج؛ فدل أن الطلاق يتم به من غير حاجة إلى القضاء. ومعنى الآية: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ بأن يصير الإيلاء طلاقًا فإن تمنع بإيلائه عُلِمَ بقصده الإضرار، والإيلاء كان طلاقًا معجلًا في الجاهلية فجعله الشرع طلاقا مؤجلا كأنه قال: إذا مضت أربعة أشهر فأنت طالق. ولأن هذه المدة مدة تربص بعد ما أظهر الزوج أنه غير مريد لها؛ فتبين بمضيها كمدة العدة بعد الطلاق الرجعي، وهذا لأنه أظهر الطلاق الرجعي كراهة صحبتها؛ فصار كأنه علق البينونة بمضي المدة. قيل: المراد هنا بيمينه أظهر كراهيتها (١)؛ كأنه علق البينونة بمضي المدة قبل أن يفيء إليها؛ ولهذا جعلنا الواقع تطليقة بائنة؛ لأن المقصود دفع الضرر عنها ولا يحصل بالرجعي؛ ولكن العدة هنا تجب بعد مضي المدة - أي: عند الجمهور من العلماء والأئمة الأربعة؛ لأن الوقوع بعده، ثم كان الطلاق واقعا فجعلنا الأقراء محسوبة من العدة. كذا في المبسوط (٢). قوله: (ظَلَمَهَا بِمَنْعِ حَقَّهَا فَجَازَاهُ الشَّرْعُ) فإن قيل: الزوج إذا وطئها مرة؛ ولهذا يتأكد المهر ويثبت الإحصان، فما زاد على ذلك مستحق ديانة لا حكمًا - ذكره قاضي خان، وهاهنا بعد وطئها مرة؛ فكيف يكون بمنع الوطء ظالمًا لأنه غير مستحق حكما؟ قلنا: نعم وجب عليه قضاء بالوطء مرة بعد أخرى ديانة؛ فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح لمنعه ما عليه ديانة (٣).

стр. 3178

والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت - رضوان الله عليهم أجمعين، … وكفى بهم قدوة، ولأنه كان طلاقا في الجاهلية فحكم الشرع بتأجيله إلى انقضاء المدة (فإن كان حلف على أربعة أشهر فقد سقطت اليمين) لأنها كانت مؤقتة به (وإن كان حلف على الأبد فاليمين باقية) لأنها مطلقة ولم يوجد الحنث لترتفع به إلا أنه لا يتكرر الطلاق قبل التزوج، قوله: (والعبادلة الثلاثة) عند الفقهاء: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وعند المحدثين هم أربعة: عبد الله بن عمر وابن الزبير وابن عباس وابن عمرو، ولم يذكروا فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأنه من كبار الصحابة فلا يدخل فيهم. ذكره في المغرب (١). قوله: (حلف على الأبد)، ذكر لفظ الأبد ليس بشرط في حق هذا الحكم؛ بل المراد منه إن لم يتقيد بوقت يكون مؤبدا. [ذكره التمرتاشي. (لأنها) أي: لأن اليمين. (مطلقة) أي: عن الوقت فكان مؤبدا] (٢). قوله: (إلا أنه [لا] (٣) يتكرر الطلاق قبل التزويج) هذا احتراز عن قول أبي سهل الشرغي (٤) فإنه ينعقد اليمين بعد مضي أربعة أشهر قبل انقضاء عدتها وتقع تطليقة بمضيها وكذا الثالثة؛ لأن معنى الإيلاء كلما مضت أربعة أشهر ولم أقربك فيها فأنت طالق، ولو صرح لها كان الحكم فيه ما بينا كذا هذا (٥). وقال الكرخي: لا تنعقد اليمين الثانية ما لم يتزوجها وهو الأصح؛ لأن في انعقاد اليمين ابتداء لابد من اعتبار معنى الإضرار، وذا لا يتقرر بعد البينونة ما لم يتزوجها؛ لأنه لا حق لها في الجماع قبل التزويج فكذا لا ينعقد ما لم يتزوجها (٦).

стр. 3179

لِأَنَّهُ لَم يُوجَد مَنعُ الحَقِّ بَعدَ البَينُونَةِ (فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا عَادَ الإِيلَاءُ، فَإِنْ وَطِئَهَا، وَإِلَّا وَقَعَت بِمُضِيِّ أَربَعَةِ أَشْهُر تَطلِيقَةٌ أُخرَى) لِأَنَّ اليَمِينَ بَاقِيَةٌ لِإِطْلَاقِهَا، وَبِالتَّزَوُّحِ ثَبَتَ حَقَّهَا فَيَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ وَيُعتَبَرُ ابْتِدَاءُ هَذَا الإِيلَاءِ مِنْ وَقتِ التَّزَوُّجِ. (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَالِثًا عَادَ الإِيلَاءُ وَوَقَعَتْ بِمُضِيّ أَربَعَةِ أَشْهُر طلقةٌ أُخرَى إِنْ لَم يَقْرَبهَا) لِمَا بَيِّنَاهُ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعدَ زَوج آخَرَ لَم يَقَع بِذَلِكَ الْإِيلَاءِ طَلَاقٌ) لِتَقَيُّدِهِ بِطَلَاقِ هَذَا المِلكِ، وَهِيَ فَرعُ مَسأَلَةِ التَّنجِيزِ الخِلَافِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ (وَاليَمِينُ بَاقِيَةٌ) لِإِطْلَاقِهَا وَعَدَمِ الحِنْثِ (فَإِنْ وَطِئَهَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ) لِوُجُودِ الحِنْثِ (فَإِنْ حَلَفَ (فإن عاد فتزوجها)؛ أي: تزوجها بعد البينونة بمضي أربعة أشهر وبعد انقضاء عدتها، فإنه لو تزوجها قبل انقضاء العدة؛ كان ابتداء الإيلاء الثاني من وقت الطلاق لا من وقت التزويج. وقد ذكر هاهنا: ابتداء الإيلاء من التزوج (١)؛ فعلم أن التزوج كان بعد انقضاء العدة. في العيون: قال لها: لا أقربكِ سنة بمضي أربعة أشهر ولم يقربها؛ بانت، ثم تزوجها ومضت أربعة أخرى؛ بانت أيضًا، قال: فإن تزوجها ثالثا لا شيء؛ لأنه لم يبق من السَّنَةِ بعد هذا التزوج أربعة أشهر. ذكره في المحيط (٢) قوله: (ويعتبر ابتداء هذا)؛ أي: الإيلاء الثاني؛ لما ذكرنا أنه انعقد بعد انقضاء العدة بالتزوج فكان احترازًا عن انعقاد إيلاء الثاني قبل انقضاء العدة، فإنه لو تزوجها في العدة يعتبر انعقاد الإيلاء الثاني من وقت وقوع الطلاق الأول. ذكره التمرتاشي والمرغيناني (٣). (لإطلاقها)؛ أي: لإطلاق اليمين؛ فتكون باقية بعد الطلاق الثلاث. (وعدم الحنث) بالجر عطفا على (لإطلاقها)؛ يعني: لم يتقيد يمينه بوقت

стр. 3180

عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ لَم يَكُنْ مُولِيا) لِقَولِ ابنِ عَبَّاس: «لَا إِيلَاءَ فِيمَا دُونَ أَربَعَةِ … أَشْهُر»، وَلِأَنَّ الاِمْتِنَاعَ عَنْ قُربَانِهَا فِي أَكثَرِ المُدَّةِ بِلَا مَانِعِ حتى ينقضي بانقضاء ذلك الوقت، ولم يحنث فيه أيضًا؛ إذ الكلام فيما إذا لم يطأها. (ولم يكن مُوليًا)، وبه قالت الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، وهو (قول ابن عباس) ونص القرآن. وقالت الظاهرية، والنخعي، وقتادة، وحماد، وابن أبي ليلى، وإسحاق: يصير موليًا في قليل المدة وكثيرها، وتصرف تلك المدة لإيلائه. وكان أبو حنيفة أولا يقول به، ثم رجع إلى قول ابن عباس لما صح عنده، وقالوا: النص مطلق؛ فقال: يُعملون الآية. والإيلاء: هو اليمين؛ فتفسد (١) اليمين بأربعة أشهر زيادة على النص. وقلنا: المولي من ترك قربانها في المدة يلزمه شيء، وههنا يتمكن من قربانها بمضي الشهر من غير شيءٍ؛ فلم يكن موليًا كمن لو ترك مجامعتها في المدة من غير يمين. كذا في المبسوط (٢). قوله: (في أكثر المدة)؛ أي: مدة الإيلاء هو مثلا: ثلاثة [أشهر] (٣). (بلا مانع) وهو لزوم شيء. قيل: هو مشكل لجواز أن يحلف على ثلاثة أشهر فلا يكون الامتناع عن القربان في أكثر المدة بلا مانع. وأجيب عنه: بأن وضع المسألة في الأصل فيمن حلف لا يقربها شهرا؛ فعند الجمهور: لا يكون موليا. وعند ابن أبي ليلى: يكون موليًا حتى لو لم يقربها أربعة أشهر؛ تطلق (٤)، وقال في جوابه: الامتناع عن القربان في أكثر المدة بلا مانع؛ لأن المانع -وهو اليمين - معدوم في ثلاثة أشهر من هذه المدة.

стр. 3181

وَبِمِثْلِهِ لَا يُثبِتُ حُكمَ الطَّلَاقِ فِيهِ (وَلَو قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكَ شَهرَينِ، وَشَهرَينِ بَعدَ هَذَينِ الشَّهَرَينِ فَهُوَ مُولٍ) لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَرفِ الجَمْعِ فَصَارَ كَجَمْعِهِ بِلَفْظِ الجَمعِ (وَلَو مَكَثَ يَوما ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ شَهرَينِ بَعدَ الشَّهْرَينِ الْأَوَّلَينِ) لَم يَكُنْ وقيل: المراد بـ"الأكثر " أربعة أشهر وهو جميع المدة؛ سماها "أكثر " باعتبار مدة الحلف؛ لأنها أكثر منها، وإذا كان كذلك فلا شك أن المانع غير موجود في جميع الصور التي دون تلك المدة، وإن وجد المانع في البعض لانتفاء المجموع بانتفاء البعض. وهذا ضعيف، وإنما يصح أن لو قال: أكثر المدتين، كذا في الكافي (١). وقيل: لفظ "الأكثر " وقع مقحما. وبعد ذلك التقريب ظاهر. قوله: (وَبِمِثْلِهِ) أي: وبمثل الحلف الذي وقع على ما دون أربعة أشهر. (لا يثبت حكم الطلاق) بمضي أربعة أشهر؛ لما ذكرنا أن المولي من لا يملك قربانها في المدة بدون لزوم شيء، وهاهنا يمكن قربانها بلا لزوم شيء. قوله: (بحرف الجمع) وهو الواو. (كالجمعه بلفظ [الجمع]) (٢)؛ فصار كأنه قال: لا أقربك أربعة أشهر؛ … فيكون موليًا وما حكي فيه خلاف، ولهذا لو قال " لا أكلمه يومًا ويومين"؛ تصير مدة اليمين ثلاثة أيام، وكذا لو قال: بعتُ هذا إلى شهر وشهر؛ كان الأجل شهرين. ذكره قاضي خان (٣). قوله: (ولو مكث يومًا) صرح قاضي خان يومًا أو ساعة، وكذا صرح بذكر الساعة المحبوبي. وقيل: تكرير اليمين في مجلس أو مجالس، وبينهما أقل من يوم متحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف (٤)؛ فقيد مكثه بيوم؛ لتكون المسألة اتفاقية.

стр. 3182

مُولِيًا لِأَنَّ الثَّانِيَ إِيجَابٌ مُبتَدَأَ، وَقَدْ صَارَ مَمْنُوعًا بَعدَ اليَمِينِ الأُولَى شَهرَينِ، وَبَعدَ الثَّانِيَةِ أَربَعَةَ أَشْهُر، إِلَّا يوما مَكَثَ فِيهِ، فَلَم تَتَكَامَل مُدَّةُ المَنعِ. (وَلَو قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكَ سَنَة إِلَّا يَوْمًا لَم يَكُنْ مُولِيًا) خِلَامًا لَزُفَرَ، هُوَ يَصْرِفُ الاستثناءَ إِلَى آخِرِهَا اعْتِبَارًا بِالإِجَارَةِ، فَتَمَّت مُدَّةُ المَنعِ. وَلَنَا: أَنَّ المَولَى مَنْ لَا يُمكِنُهُ القُرْبَانُ أَربَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا بِشَيْء يَلزَمُهُ، وَهَاهُنَا يُمكِنُهُ، لِأَنَّ المُستَثَنَى يَومَ مُنكَرُ، (فلم تتكامل مدة المنع) فلا يكون إيلاء، وتكون يمينين مستقبلتين، ويلزمه بالوطء كفارتان، كما لو قال "والله لا أقربك يومًا ولا يومين"؛ فتنقضي مدة اليمين بيومين وتلزمه كفارتان هكذا ذكر في البحرين. وهو مشكل؛ لما ذكر في جوامع الفقه: أنه لو قال " والله لا أقربك شهرين أو أربعة أشهر" ومكث يوما أو ساعة، ثم قال " لا أقربك شهرين، أو شهرين بعد الشهرين الأولين"؛ لم يصر موليًا، وتكرير اليمين في مجلس أو مجالس وبينهما أقل من يوم متحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. قوله: (لم يكن موليًا) عندنا؛ أي: في الحال، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور، وكذا لو قال " لا أقربك سنة" الأمر عندهم. وقال (زفر): يصير في الحال ويُصرَفُ يوم المستثنى إلى آخر السنة. وبه قال الشافعي في القديم، وبعض المالكية؛ كما لو قال: " لا أقربكِ سَنةٌ" بنقصان يوم يكون موليًا في الحال بالاتفاق. ذكره في المبسوط (١). (اعتبارًا بالإجارة) فإنه لو قال: أجرتك هذه الدار سنةً إلا يوما؛ ينصرف اليوم إلى آخر السنة بالاتفاق. ذكره قاضي خان، وكذا لو قال: والله لا أكلمك (٢) سنة إلا يوما، ينصرف إلى آخر السنة بالاتفاق. قوله: ("يوم" منكر) في المبسوط: فلما كان "يوم" منكر كان ما من يوم يمر عليه إلا ويمكنه أن يجعله اليوم المستثنى؛ فيقربها فيه بغير شيء، ولم يكن صرفها إلى آخر السنة؛ لأنه معين والمنكر غيره، وفيه تغيير (٣) كلامه بلا حاجة.

стр. 3183

بِخِلَافِ الإِجَارَةِ، لِأَنَّ الصَّرفَ إِلَى الْآخِرِ لِتَصْحِيحِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَصِحُ مَعَ التَّنكِيرِ، وَلَا كَذَلِكَ اليَمِينُ (وَلَو قَرِبَهَا فِي يَومٍ وَالبَاقِي أَربَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكثَرَ صَارَ مُولِيًا) لِسُقُوطِ الاستثناء. (وَلَو قَالَ وَهُوَ بِالبَصَرَةِ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ الكُوفَةَ وَامْرَأَتُهُ بِهَا لَم يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّهُ يُمكِنُهُ القُربَانُ مِنْ غَيْرِ شَيْء يَلزَمُهُ بِالإِحْرَاجِ مِنْ الكُوفَةِ، (بخلاف الإجارة)؛ لأنا لو جعلنا اليوم منكرًا فيه؛ لم يصح العقد للجهالة، والجهالة لا تمنع انعقاد اليمين فيبقى منكرًا كما كان. وبخلاف قوله: إلا بنقصان يوم؛ لأن النقصان لا يكون إلا من آخر المدة. وبخلاف التأجيل؛ لأن المقصود منه التأخير، فلو لم يحمل إلى آخر السنة لا يحصل المقصود. وبخلاف مسألة اليمين؛ لأن الحامل له على ذلك اليمين مغايظته والمغايظة في الحال قائمة فينصرف اليوم إلى آخر السنة (١). وفيه نوع تأمل. قوله: (لا تصح مع التنكير)؛ أي: للجهال (ة ولا كذلك اليمين) لما ذكرنا أن الجهالة لا تمنع انعقاد اليمين. ويشكل عليه بمسألة " لا أكلمك سنة إلا يومًا " فإنه يصرف إلى آخر السنة بلا حاجة؛ لما ذكرت أن اليمين تنعقد مع الجهالة. وجوابه ما ذكر قبيل هذا مع ما فيه. فإن قيل: لو قال لأربع نسوة " لا أقرب واحدة منهن" يصير موليًا منهن مع أن النكرة تقتضي واحدًا لا بعينه. قلنا: النكرة في الإثبات تخص، وفي النفي تعم لما عرف، وفي قوله "إلا يومًا " وقعت في موضع النفي فتعمّ إليه أشير في المبسوط (٢). (صار موليًا) الآن، وبه قال: الشافعي وأحمد. قوله: (بالإخراج من الكوفة) اعلم أنه لو حلف لا يقربها في مكان معين أو زمان معين؛ لا يكون موليًا عند الأربعة الأئمة وأصحابهم. وقال أحمد في قول، وابن أبي ليلى وإسحاق: هو مول، فلو تركها أربعة

стр. 3184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أشهر بانت منه بالإيلاء، وكذا لو قال " لا أقربكِ إلا في أرض فلان" ولا يكون بينهما مسيرة أربعة أشهر. [وعند الجمهور: إذا كان بينهما مسيرة أربعة أشهر؛ يصير موليا] (١). وفي جوامع الفقه: لو كان في بلد آخر فقال " والله لا أدخله" وبينهما أقل من ثمانية أشهر؛ لا يصير موليًا؛ لجواز أنها تخرج فيلتقيان في أقل من أربعة أشهر فيقربها. وقال قاضي خان والمرغيناني: لو كان بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر (٢)؛ فَفَيْؤُهُ باللسان ولم يعتبرا خروج كل واحد بل اعتبرا السفر؛ إذ لو اعتبرا سفر كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبه يكون ذلك مسافة شهرين فلا حاجة إلى الفيء باللسان. فإن قيل: يشكل على قوله: (لإمكان القربان من غير شيء بالإخراج عن الكوفة) ما لو حلف على أربع نسوة بأن قال: لا أقربهن؛ فهو مول بترك جماعهن في المدتين بالإيلاء عندنا خلافًا لزفر، مع أن له أن يطأ كل واحدة إلى أن يأتي الثلاث من [غير] (٣) شيء يلزمه؛ لما أن الحنث لا يتعلق بأجزاء المحلوف قبل أن يأتي بالكل، كما لو حلف " لا أدخل هذه الأدور"؛ لا يحنث بدخول بعضها؛ عُلم أن إمكان القربان بغير شيء لا يمنع صحة الإيلاء. قلنا: يمنع وإن صار موليًا في تلك المسألة مع إمكان القربان على ما يحلف؛ لأن الحالف مُضارّ متعنت في حق كل واحدة منهن بمنع حقها في الجماع فيكون موليًا منهن على الانفراد، إلا أنه لا يلزمه الكفارة بقربان بعضهن؛ لأن الكفارة موجب الحنث فلا تجب ما لم يتم شرط الحنث وهو قربان جميعهن، أما وقوع الطلاق فباعتبار البر، وذلك يتحقق في كل واحدة

стр. 3185

قَالَ: (وَلَو حَلَفَ بِحَجٌ أَوْ بِصَوم أَوْ بِصَدَقَة أَوْ عِتق أَوْ طَلَاق فَهُوَ مُولٍ) لِتَحَقُّقِ المَنعِ بِاليَمِينِ، وَهُوَ ذِكرُ الشَّرطِ وَالجَزَاءِ، وَهَذِهِ الأَجزِيَةُ مَانِعَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ المَشَقَّةِ. وَصُورَةُ الحَلِفِ بِالعِتْقِ: أَنْ يُعَلِّقَ بِقُربَانِهَا عِنقَ عَبْدِهِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُمكِنُهُ البَيعُ ثُمَّ القُربَانُ فَلَا يَلزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُمَا يَقُولَانِ: البَيعُ مَوهُومٌ فَلَا يَمْنَعُ المَانِعِيَّةَ فِيهِ (*)، وَالحَلِفُ بِالطَّلَاقِ أَنْ يُعَلِّقَ بِقُربَانِهَا طَلَاقَهَا أَوْ طَلَاقَ صَاحِبَتِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مَانِعُ. منهن؛ فلهذا بَرَّ بمضي المدة. كذا في المبسوط (١). قوله: (ولو حلف بحج)، في المبسوط: لو قال: إن قربتك فعلي حجة أو إطعام أو صدقة أو صوم أو عتق أو طلاق صاحبتها (٢). (مول)؛ أي: باتفاق الأئمة الأربعة وجمهور العلماء. وقالت الظاهرية: لا يكون موليًا إلا بالحلف بالله أو بصفة من صفاته كما في اليمين حتى حلف بالعتاق والصوم والمشي إلى بيت الله الحرام لا يكون موليًا ويؤدب (٣). وبه قال الشافعي في القديم (٤)؛ لأن الإيلاء ثبت بالنص في اليمين. وقلنا: الإيلاء (المنع) عن القربان (باليمين، وهو: ذكر الشرط والجزاء، وهذه الأجزية مانعة) عن الوطء فصار في معنى اليمين بالله تعالى؛ بأن حرمة اسم الله تعالى تمنعه عن الوطء؛ لما فيه من هتك حرمة اسمه، وهذه الأشياء مانعة أيضًا. (وفيه)؛ أي: في العتق (خلاف أبي يوسف) (البيع موهوم فلا يمنع المانعية)؛ لأن البيع لا يتم به وحده، وربما لا تجد في المدة مشتريًا؛ ولكن [إن] باعه؛ سقط الإيلاء؛ لأنه صار بحال يمكن قربانها [بغير شيء. فإذا اشتراه؛ لزمه الإيلاء من وقت الشراء، وكذا لو ملكه بسبب

стр. 3186

(وَإِنْ آلَى مِنْ المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ كَانَ مُولِيًا، وَإِنْ آلَى مِنْ البَائِنَةِ لَم يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّ الزَّوجِيَّةَ قَائِمَةٌ فِي الأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَمَحَلُّ الإِيلَاءِ مَنْ تَكُونُ آخر. وبه قالت الأئمة الأربعة. وملك لو عاد بالإرث؛ لا يعود الإيلاء؛ لأنه صار بحال لا يمكن قربانها] (١) إلا بعتق يلزمه. ولو جامعها بعدما باعه ثم اشتراه لم يكن موليًا؛ لأن اليمين قد سقطت. ولو مات العبد قبل البيع؛ سقط الإيلاء؛ لأنه لا يتمكن من قربانها بعد موته من غير أن يلزمه شيء. كذا في المبسوط (٢). قوله: (وَإِنْ أَلَى مِنَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ كَانَ مُولِيًا) بإجماع الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلا رواية عن أحمد، ومن الثانية لا يكون موليًا أيضًا. واختلفوا في أول مدة الإيلاء؛ فعندنا: أولها من وقت اليمين، وبه قال أحمد (٣). وعند الشافعي: من وقت رجعتها (٤). وفي المنافع: ينبغي أن لا يصير موليًا فيها؛ لأن الغالب فيها انقضاء العدة قبل المدة؛ فلا يقع بمضيها طلاق، مع أن الإيلاء ظلم، فلا يصار إليه إلا بيقين. قيل في جوابه: يحتمل أن يمتد طهرها. وهو بعيد، وقول الشافعي أبعد لما ذكرنا، ولأن وطئها حرام عنده فلا حق لها في الوطء فلا يتحقق الظلم بمنع حقها، ولأن المطلقة الرجعية كالمبانة عنده في حرمة الوطء؛ فينبغي ألا يصح إيلاؤها كما في المبانة. ويشكل أيضًا على قولنا: أنه لا حق لها في الجماع لا قضاء ولا ديانة؛ ولهذا لا يكون لها ولاية المطالبة بالجماع، وتستحبُّ الرجعة بغيره؛ فكيف يتحقق الظلم من الزوج بمنع الجماع؟ فلا يترتب عليه جزاء الظلم الذي هو تحقق الإيلاء.

стр. 3187

مِنْ نِسَائِنَا بِالنَّصّ، فَلَو انقَضَت العِدَّةُ قَبلَ انقِضَاءِ مُدَّةِ الإِيلَاءِ سَقَطَ الإِيلَاءُ لِفَوَاتِ المَحَلِّيَّةِ (وَلَو قَالَ لِأَجنَبِيَّة. وَاللَّهِ لَا أَقرَبُكِ، أَوْ أَنتِ عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَم يَكُنْ مُولِيًا وَلَا مُظَاهِرًا) لِأَنَّ الكَلَامَ فِي مَحْرَجِهِ وَقَعَ بَاطِلا لانعِدَامِ المَحَلَّيَّةِ فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحا بَعدَ ذَلِكَ وَإِنْ قَرِبَهَا كَفَرَ لِتَحَقُّقِ الحِنث، إِذِ اليَمِينُ مُنعَقِدَةٌ فِي حَقِّهِ (وَمُدَّةُ إِيلَاءِ الأَمَةِ شَهْرَانِ) قلنا: هي من نسائنا بالنص؛ قال تعالى ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ﴾ والإيلاء يتحقق في النساء، وفي المنصوص الحكم (١) مضاف إلى النص لا إلى المعنى. كذا نقل عن العلامة شمس الأئمة الكردري ﵀ (٢). قوله: (لانعدام المحلية)؛ لأن المحل كونها من نسائنا بالنص، وما حكي فيه خلاف. أما لو علق الإيلاء بالتزويج بأن قال "إن تزوجتك فوالله لا أقربك" فتزوجها كان موليًا عندنا، وبه قال، وقال الشافعي (٣)، وأحمد (٤): لا يصير موليًا. وهو فرع تعليق الطلاق بالملك وقد تقدمت مذاهب الناس فيه مع وجوههم في باب الأيمان بالطلاق. قوله: (في حقه)؛ في حق الحنث؛ لأن اليمين يعتمد بصور المحلوف عليه من الفعل حسا، ولا يعتمد على ذلك الفعل وحرمته؛ ولهذا لا ينعقد بما هو حرام محض؛ بأن قال: والله لأشربن اليوم في هذا اليوم الخمر فمضى اليوم ولم يشرب؛ حنث. قوله: (وَمُدَّةُ إِيلَاءِ الْأَمَةِ شَهْرَانِ)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد في رواية (٦). وقال الشافعي (٧)، وأحمد في ظاهر الرواية (٨)، والظاهرية (٩): أن الحر

стр. 3188

لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ ضُرِبَت أَجَلا لِلبَينُونَةِ فَتَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ العِدَّةِ. (وَإِنْ كَانَ المُولِي مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الجِمَاعِ أَوْ كَانَتْ مَرِيضَة أَوْ رَتقَاءَ أَوْ صَغِيرَة لَا تُجَامَعُ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا فِي مُدَّةِ الإِيلَاءِ، فَفَيؤُهُ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ: فِعْتُ إِلَيْهَا فِي مُدَّةِ الإِيلَاءِ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ سَقَطَ الإِيلَاءُ) والعبد والأمة سواء في المدة والمشهور عن مالك: إيلاء العبد شهران على الحرة والأمة؛ فيعتبر تزوج الأمة (١). وفي الإيضاح: وهذا يبتني على الأصل الذي ذكرنا أن عند الخصم المدة ضربت لإظهار الظلم بمنع الحق في الجماع، والحرة والأمة في ذلك سواء (٢). وعندنا (شرعت [أصلا] (٣) للبينونة) (٤) فتشابهت هذه العدة (فتتنصف بالرق)؛ لأنه من حقوق النكاح. وفي المبسوط: له إطلاق النص قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة ٢٢٦]، و " الذين" تتناول الأحرار والعبيد. وقلنا: مدة الإيلاء مذكورة في النص بلفظ "التربص" وهو مختص بالنكاح؛ فينتصف بالرق كمدة العدة، والجامع أنه منقص لحل المحلية (٥). قوله: (وإن كان المولي مريضًا) إلى أن قال: (ففيؤه أن يقول بلسانه)، وهذا إذا كان مريضًا حين آلى وتمت المدة وهو مريض، وكذا لو اتصل بالإيلاء معًا. أما لو الى صحيحًا وبقي صحيحًا بعد الإيلاء مقدار ما يستطيع فيه أن يجامعها ثم مرض؛ لم يكن فيؤه إلا بالجماع. وقال زفر: فيؤه باللسان أيضًا؛ لعجزه عن الجماع. وقلنا: لما تمكن من جماعها فقد تحقق منه الإضرار والتعنت بمنع حقها في الجماع؛ فلا يكون رجوعه إلا بإيفاء حقها بالجماع (٦).

стр. 3189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقياس ألا يصح إيلاء المريض؛ لأن الحكم بالفرقة عند مضي المدة لدفع الظلم عنها في الجماع، ولا حق لها في الجماع حالة المرض؛ فلا يكون هو ظالمًا بالامتناع، إلا أن النص يقتضي صحة الإيلاء مطلقًا من غير وصف الصحة (١). وفي المبسوط: المرض قد يطول وقد يقصر؛ [فكان هو ظالما على تقدير أن يقصر] (٢) من أربعة أشهر. إليه أشير في الفوائد الظهيرية. وفي جوامع الفقه لو عجز عن جماعها لَرَتَقِها أو قرنها أو صِغَرِها، أو بالجبّ أو بالعنّة، أو كان أسيرًا في دار الحرب، أو لكونها ممتنعة، أو كانت في مكان لا يُعرف وهي ناشزة، أو بينهما أربعة أشهر، أو حال القاضي بينهما بشهادة الطلاق الثلاث؛ ففيؤه باللسان بأن يقول: فِنْتُ إليها أو رجعت أو راجعتها أو ارتجعتها أو أبطلتُ إيلائها؛ بشرط تمام العجز إلى تمام المدة (٣). وهكذا في البدائع قال: أو كان محبوسًا. وقال في شرح مختصر الطحاوي: لو آلى منها وهي محبوسة (٤) أو هو محبوس، أو كان بينهما أقل من أربعة أشهر إلا أن السلطان أو العدو يمنعه عن ذلك لا يكون فيؤه باللسان، قال: ويمكن أن يوفق بين القولين في الحبس بأن يحمل ما ذكر في شرح المختصر على إمكان الوصول إلى السجن بأن يدخل عليها ليجامعها، ومنع العدو والسلطان نادر على شرف الزوال (٥). والحبس بحق لا يعتبر في الفيء باللسان وبظلم يعتبر في الغالب. وفي خزانة الأكمل: المريض فيؤه بقلبه ولسانه، وفيه أيضًا: لو كانت مريضة أو صغيرة لا يجامع مثلها ففيؤه بالرضا بالقلب.

стр. 3190

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَيءَ إِلَّا بِالجِمَاعِ، وفي المرغيناني: لا يكون الفيء بالقلب. وذكر الجرجاني: لو فاء بقلبه ولم يتكلم بلسانه ومضت المدة إن صدقته كان فينا (١). وفي المغني قال في الفيء: متى ما قدرت جامعتك (٢). وعن الشافعي يقول: قد ندمت على ما فعلتُ، ومتى قدرت وطئتك (٣). ولا حاجة إلى قوله: ندمت، مع حصول المقصود بما تقدم. وفي الجواهر: لا يصح إيلاء الخصي والمجبوب، وقال أصبغ: يصح فإن آلى ثم جب؛ انقطع إيلاؤه (٤). وفي الروضة: لا إيلاء من المجبوب على المذهب، فإن آلى ثم جب؛ لا يبطل إيلاؤه على المذهب، ومن الرتقاء والقرناء كهو من المجبوب (٥). و يصح إيلاء المريض والخصي والمجبوب الذي بقي من ذكره قدر الحشفة (٦). وفي المغني: لا يصح الإيلاء من الرتقاء والقرناء، و [المجبوب] (٧) إن بقي شيء من ذكره يمكنه الجماع به؛ صح إيلاؤه، ويصح من الخصي؛ فإنه ينزل منه ماء رقيق (٨). وفي المعذور يصح بلسانه وقلبه، وبه قال: علي-، وابن مسعود، وجابر بن زيد وعكرمة والبصري، والنخعي، والزهري، والثوري، وأبو قلابة، وأبو ثور، وأبو عبيد، والأوزاعي، وعكرمة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة كقولنا إلا أن عندهم إذا زال عذره وقدر على الجماع ورفعته إلى الحاكم يعود الفيء بالجماع أو الطلاق. وقال سعيد بن جبير: لا يكون الفيء إلا بالجماع. ويروى عن أبي ثور (٩)
следующие страницы →