. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجب النظر من الجانبين، وفي تعيين الأدنى ترك النظر لها؛ فلهذا أوجبنا مهر المثل، وهاهنا الزوج لا يُمَلّكها شيئاً متقوماً؛ فتعين الأدنى لأنه متيقنا به، ولو كان درهمان يجب إتمامها لما ذكرنا.
فإن قيل: قد ذكَرَتْ في كلامها حرف " مِنْ" وهو للتبعيض والمثنى بعض الجمع؛ فينبغي ألا يلزمها الإتمام كما قال في الجامع: [لو] (١) قال: إن كان ما في يدي من الدراهم إلا ثلاثة فعبده حر، وفي يده أربعة دراهم؛ كان حانثا.
قلنا: نعم حرف " مِنْ " يكون للتبعيض، وقد يكون صلة كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠] ففي كل موضع يصح الكلام بدونه كان " مِنْ " فيه صلة زيدت لتصحيح الكلام، فإنها لو قالت: اخلعني على ما في [يدي من] (٢) … دراهم؛ كان الكلام مختلا فكان صلة، ويبقى لفظ الجمع؛ فيلزمها ثلاثة دراهم (٣).
فإن قيل: ينبغي أن يلزمها درهم واحد؛ لأن الجمع المعرف باللام بمنزلة المفرد المعرف باللام؛ لأنه يصير للجنس.
قلنا: نعم إذا كان الجمع مجرّدًا عن الإضافة والإشارة كما لو حلف لا يتزوج ولا يشتري العبيد، وهاهنا غير مجرد عن الإضافة والإشارة؛ لاختصاصه بما تحويه يده والدراهم جمع حقيقة فيجب اعتبار معنى الجمعية. إليه أشير في المبسوط والفوائد الظهيرية (٤).
وعن العلامة مولانا حميد الدين ﵀: أن الحمل على الجنس إذا دخلت اللام على الجمع إنما يكون عند احتمال كل الجنس كما في " لا أتزوج النساء" حتى لو نوى جميع النساء؛ لا يجب، وهاهنا لا يحتمل أن يكون كل دراهم العالم في يدها في هذه الحالة، فلما بطلت الجنسية بهذا الطريق لم يصرف إلى الواحد؛ لبطلان الجنسية أو يحمل على الجنس إذا لم يكن هاهنا
стр. 3222
وَكَلِمَةُ «مِنْ» هَاهُنَا لِلصِّلَةِ دُونَ التَّبعِيضِ، لِأَنَّ الكَلَامَ يَحْتَلُّ بِدُونِهِ. (فَإِنْ اخْتَلَعَت عَلَى عَبْد لَهَا آبِق، عَلَى أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنْ ضَمَانِهِ، لَم تَبْرَأَ، وَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ عَيْنِهِ إِنْ قَدَرَت، وَتَسْلِيمُ قِيمَتِهِ إِنْ عَجَزَت) لِأَنَّهُ عَقدُ المُعَاوَضَةِ فَيَقْتَضِي سَلَامَةَ العِوَضِ،
معهود، وأمكن الحمل هنا على المعهود وهو قولنا: على ما في يدي وقد بين في الأصول. وكذا ذكره في الكافي (١).
وفي المبسوط: يمكن حمل اللام على تحسين النظم كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وفيه نوع شبهة؛ إذ الأصل عدم الزيادة.
أجيب هي زائدة هاهنا؛ لأن "ما " موصولة، وفي يدي" صلتها، و"من الدراهم" معمول الصلة، وحكمه حكم الصلة، والموصول معرفة بصلتها وضع لوصف المعارف بالحمل؛ ولهذا يشترط أن تكون الصلة معروفة عند المخاطب فيستوي فيه التعريف وعدمه؛ كما لو قال: لا أكلمه حينا أو الحين.
وقوله: (وكلمة "من" هاهنا للصلة) إلى آخره جواب عن مسألة الجامع كما ذكرنا.
قوله: (على أنها بريئة)؛ أي: (من ضمانه) أو إباقه؛ يعني: لا تطالب بتحصيله إن وجدته سلمته وإلا فلا شيء عليها.
وعند مالك: لا ضمان عليها، وعند الشافعي: يجب في الآبق مهر المثل إن صح الخلع، وفي الأصح عنده: لا يصح الخلع.
(لأنه) أي: الخلع (عقد المعاوضة) أي: من جانبها (فيقتضي سلامة العوض) وقد سلمت نفسها لها فتسلّم له العوض.
وفي الجامع: اشتراط الأمانة في موضع الضمان باطل؛ كاشتراط الضمان في موضع الأمانة، فإذا كان شرطًا فاسدًا؛ كان لغوًا، والخلع والتبرعات لا تبطل بالشروط الفاسدة.
стр. 3223
وَاشْتِرَاطُ البَرَاءَةِ عَنهُ شَرطٌ فَاسِدٌ فَيَبْطُلُ، إِلَّا أَنَّ الخُلعَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ،
واشتراط البراءة عنه؛ أي: عن العوض؛ وهو: العبد (شرط فاسد فيبطل)؛ أي: الشرط (والخلع لا يبطل)؛ أي: بالشرط الفاسد، ولكن ينبغي أن تفسد التسمية، ويرجع الزوج عليها بالمهر كما في سائر المواضع التي فسدت [فيها] التسمية، وكما إذا اختلعها على دابة أو على أن تزوجه امرأة وتمهرها عنه؛ فالخلع جائز وعليها رد المقبوض.
قلنا: مبنى الخلع على التوسع فلا يمتنع، صحته، كما لو اختلعها على عبد الغير؛ فإن الخلع جائز مع العجز عن التسليم، وفي مسألة الدابة والإمهار: إنما فسدت التسمية ورجع إلى المهر؛ لجهالة المستحقة لأن اسم الدابة يتناول الأجناس المختلفة من الحيوان، وكذا الإمهار مجهول قدرًا ووصفا، أما ما نحن فيه: إنما لم يصح اشتراط البراءة؛ لأن التسمية إذا صحت أوجبت تسليم المسمى واشتراط البراءة عن ضمان المسمى الواجب تسليمه كان باطلا ومناقضة. كذا قيل.
فإن قيل: الخلع لو وجب لتسليم المسمى فكذا يوجب تسليمه بِوَصْفِ كونه تسليما واشتراط البراءة عن وصف السلامة صحيح فكذا اشتراط البراءة عن تسليم المسمى.
قلنا: الفرق بينهما ظاهر؛ لأن وجوب استحقاق التسليم فوق وجوب استحقاق التسليم بوصف السلامة؛ ألا ترى أن بيع ما لا يقدر [على] تسليمه لا يجوز، والبيع بشرط البراءة عن العيوب يجوز؛ لأن الإنسان إنما يرغب في تملك الشيء بوجه الانتفاع به وذلك بالتسليم، وباشتراط البراءة عن التسليم يفوت ذلك التسليم وهو المقصود، ولا كذلك اشتراط البراءة عن العيوب فإن الأصل هناك باق إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
وقال أبو اليسر: الخلع على عبد آبق يجوز والبيع لا يجوز؛ لأنه ﵇ نهى عن بيع الآبق والنهي يوجب الفساد، وما نهى الخلع عليه (١) فلا
стр. 3224
وَعَلَى هَذَا النِّكَاحِ وَإِذَا قَالَتْ: طَلَّقَنِي ثَلَاثًا بِأَلف فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةٍ، فَعَلَيْهَا ثُلُثُ الأَلْفِ لِأَنَّهَا لَمَّا طَلَبَت الثَّلَاثَ بِأَلف فَقَد طَلَبَت كُلَّ وَاحِدَة بِثُلُثِ الأَلفِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَرفَ «البَاءِ» يَصْحَبُ الإِعْوَاضَ، وَالعِوَضُ يَنقَسِمُ عَلَى المُعَوَّضِ، وَالطَّلَاقُ
يكون فاسدًا، فإذا صح الخلع؛ يجب تسليمه إذا وجد، ولو عجز عن تسليمه يجب تسليم قيمته كما في عبد الغير. (وعلى هذا النكاح) يعني تزوجها على عبد آبق له باشتراط البراءة عن ضمانه؛ جاز النكاح ولم تبرأ عن ضمانه؛ فيجب تسليم عينه إذا قدروا لا تسليم قيمته.
قوله: (فطلقها واحدة)؛ أي: في المجلس حتى لو قام وطلقها لا يجب شيء.
(فعليها ثلث الألف)، وبه قال الشافعي (١). لأن (العوض ينقسم على المعوض) والباء يصحب الأعواض عند الكل، وعند مالك: يقع بالألف (٢)، وعند أحمد: يقع بغير شيء (٣).
قوله: (يَصْحَبُ الإِعْوَاض) إلى آخره. فإن قلت: هذا يشكل بالبيع فلو قال: بعت منك هؤلاء العبيد الثلاثة بألف كل واحد بثلث الألف، فقبل البيع في واحد بعينه؛ لم يجز، ولم يجب ثلث الألف، وكذا بما لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا بألف فقبلت الواحدة؛ تقع ولم يجب شيء.
قلنا: الطلاق لا يبطل بالشرط الفاسد؛ لقبوله التعليق والإخطار ولا كذلك البيع، وبعد ذلك التقريب ظاهر.
وأما مسألة طلاق الزوج فإنه راض بالبينونة بالألف لا بثلث الألف بخلاف مسألتنا. كذا في الفوائد الظهيرية (٤).
стр. 3225
بَائِنُ لِوُجُوبِ المَالِ (وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقَنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلف فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ. وَقَالَا: هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِثُلُثِ الأَلْفِ) (*) لِأَنَّ كَلِمَةَ «عَلَى» بِمَنزِلَةِ البَاءِ فِي المُعَاوَضَاتِ، حَتَّى إِنَّ قَولَهُم: احمِل هَذَا الطَّعَامَ بِدِرْهَم أَوْ عَلَى دِرْهَم سَوَاءٌ. وَلَهُ: أَنَّ كَلِمَةَ عَلَى لِلشَّرطِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]
قوله: (فلا شيء عليها عند أبي حنيفة وبه قال: أحمد كقوله في الباء [وبه قال الشافعي] (١)، وقول مالك كما تقدم في الباء.
(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (هي) (٢) بمنزلة أي كلمة «على» بمنزلة الباء) [يعني: تستعمل في المعاوضات] (٣) والخلع معاوضة فيكون بمنزلة الباء؛ لدخوله على المال دون الطلاق، والمال لا يقبل التعليق.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة. في المبسوط: كلمة "على" للشرط حقيقة؛ لأنه حرف الالتزام، ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم؛ بل بينهما معاقبة كما بين الشرط (٤) والجزاء، فكان للشرط حقيقة والحقيقة أحق بالاعتبار، فلا حاجة إلى العدول إلى المجاز.
والشرط يقابل المشروط [جُمْلَةً] (٥)، ولا يقابله جُزْءًا، وقد شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث ولم يُوجَد، وبه فارق البيع والإجارة؛ لأن معنى الشرط هناك تعذر اعتباره؛ لأنه لا يحتمل التعليق بالشرط؛ فلذا جعل " على " فيهما بمعنى "الباء"، والمال في الخلع تابع فيعتبر الأصل وهو الطلاق (٦).
فإن قيل: يشكل هذا بما لو قالت له: طلقني وفلانة … على ألف فطلقها
стр. 3226
وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أنتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ كَانَ شَرطًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لِلْزُومِ حَقِيقَة، وَاسْتُعِيرَ لِلشَّرطِ، لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الجَزَاءَ، وَإِذ كَانَ لِلشَّرِطِ فَالْمَشْرُوطُ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرطِ، بِخِلَافِ البَاءِ، لِأَنَّهُ لِلعِوَض
وحدها؛ كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء.
قلنا: حملت هناك على الباء؛ لأنه لا غرض لها في طلاق فلانة ليجعل ذلك كالشرط، ولها في اشتراط إيقاع الثلاث غرض صحيح كذا في المبسوط. وفيه نوع تأمل (١).
وفي الذخيرة: لو طلق أحدهما فلا رواية في هذه الصورة، ولقائل أن يقول: لا يلزمهما شيء ما لم يطلقهما جملة (٢). ووجه الفرق ما ذكره في المبسوط.
(وإذا كان للشرط فلا يتوزع أجزاء المشروط على أجزاء الشرط) (٣)؛ لأن المعلق بالشرط لا يثبت إلا عند وجود كمال الشرط؛ كما لو صرَّحَتْ بالشرط بأن قالت: إن طلقتني ثلاثًا على ألف، وهذا لأن الشرط عبارة عن العلامة، وجعل الكل علامة ليزول الجزاء، فما لم يوجد الكل؛ لم يقع شيء (بخلاف الباء؛ لأنه للعوض) وأجزاؤه تتوزع على أجزاء المعوض؛ لما أن المعاوضة تقتضي المساواة، فإذا حصل لأحدهما شيء من العوض ينبغي أن يحصل للآخر شيء من المعوض، ولا تنتفي المساواة.
قال الغزالي في البسيط: "قال أبو حنيفة: لا يوزع، وهو للشرط" وذلك خيال؛ لأنها تستعمل للعوض أيضًا. انتهى كلامه.
وهذا منه سوء الأدب؛ لقصور فهمه، وقد قال: إمامه كل الناس عيال لأبي حنيفة في الفقة نقله أصحابه منه؛ فإن أبا حنيفة لله ما قال إن كلمة "على" لا تستعمل للمعاوضة؛ بل رآها دائرة بين الشرط والعوض، واستعماله بمعنى
стр. 3227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرط كثير في كلام العرب والقرآن فصار في الشرط كالحقيقة فلا يعدل عنه بلا دليل كما ذكرنا.
أو نقول: إن كانت للشرط فلا تتوزع، وإن كانت للمعاوضة؛ يجب ثلث الألف، فوقع الشك في الوجوب؛ فلا يجب.
وفي الذخيرة: لو قالت: طلقني ثلاثًا على ألف ولم يبق من طلاقها إلا واحدة فطلقها واحدة؛ تلزمها الألف؛ لأنها التزمت بإزاء الحرمة الغليظة (١)، وهو المنصوص للشافعي (٢)، واختار المزني: التوزيع وأوقعها بثلث الألف. وفي المغني عند الحنابلة كقول المزني (٣).
وفي المرغيناني: لو قال: أنتِ طالق أربعًا بألف، فقبلت؛ طلقت ثلاثًا بألف، ولو قبلت الثلاث بألف؛ لم يقع (٤).
وفي البسيط: قالت: طلقني عشرًا بألف … إن طلقها ثلاثا؛ يستحق الألف، ولو طلقها واحدة ولم تحصل البينونة الكبرى؛ استحق عُشْرَ الألف توزيعا على المسئول وباثنتين خمس البدل. وفي وجه له: يجب ثلث الألف. ولو طلقها ثلاثًا [فالمشهور] (٥) من مذهبه التوزيع (٦).
وفي الجواهر: في هذه المسألة لو طلقها واحدة استحق الألف (٧).
قوله: (وهذا لأنه) (٨)، أي: حرف "على" (للزوم حقيقة) (٤).
(لأنه) (١٠) أي: الشرط (يلازم الجزاء) (١١) ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم؛ بل بينهما معاقبة كما في الشرط والجزاء.
стр. 3228
عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا لَم يَجِب المَالُ كَانَ مُبْتَدَأَ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَيَمْلِكُ الرَّجِعَةَ (وَلَو قَالَ الزَّوجُ: طَلِّقِي نَفْسَكَ ثَلَاثًا بِأَلف أو عَلَى أَلف، فَطَلَّقَت نَفْسَهَا وَاحِدَةٍ لَم يَقَع شَيْءٌ) لِأَنَّ الزَّوجَ مَا رَضِيَ بِالبَينُونَةِ إِلَّا لِتُسَلِّمَ لَهُ الأَلف كُلَّهَا، بِخِلَافِ قَولِهَا: طَلِّقنِي ثَلَاثًا بألف،
قوله: (إِلَّا لِتُسَلِّمَ لَهُ الْأَلْفَ كلها) فلو وقعت واحدة بثلث الألف لكان ضررًا له، وبه قال الشافعي وأحمد.
(بخلاف قولها: طلقني ثلاثًا بألف) وهي التي ذكرها في الكتاب قبيل هذه المسألة.
في المبسوط: لو قال: هذه طالق وهذه على ألف، فقبلت إحداهما؛ وقع الطلاق عليها بنصف الألف؛ لأن الزوج هناك راض بوقوع الفرقة بينه وبين إحداهما إذا وجبت عليها حصتها من الألف؛ فإن نكاح أحدهما لا يتصل بنكاح الأخرى (١).
وفي الذخيرة: لو قالت: طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثًا ولم يقل بألف؛ وقع الثلاث بغير شيء عند أبي حنيفة، وعندهما يصلح جوابًا للمطلوب؛ فتقع الثلاث إحداهما بألف. وحكى [أبو] (٢) الحسن عن أبي يوسف أنه رجع إلى قول أبي حنيفة. وروى ابن سماعة عن محمد أنه [رجع] (٣) إلى قول أبي حنيفة في هذه المسألة. ذكر في الجامع (٤).
وفي المغني: قالت: طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا استحقه، وكذا لو قال: طلقي نفسك ثلاثا بألف فطلقت واحدة؛ وقعت واستحق العوض بها (٥).
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا بألف فقالت: قبلت بألف؛ وقع الثلاث بألف، ولو قالت: قبلت بخمسمائة لم يقع شيء.
стр. 3229
لِأَنَّهَا لَمَّا رَضِيَت بِالبَيِّنُونَةِ بِأَلف كَانَتْ بِبَعْضِهَا أَرضَى.
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ عَلَى أَلف، فَقَبِلَت طَلُقَت وَعَلَيْهَا الأَلفُ، وَهُوَ كَقَولِهِ: أَنتِ طَالِقٌ بِأَلف) وَلَا بُدَّ مِنْ القَبُولِ فِي الوَجْهَينِ،
وفي البسيط: قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة بألف وثنتين بغير شيء، قالوا: تقع واحدة بثلث الألف؛ لأنها لم ترض بهذا القدر (١)؛ فصار كما لو قالت طلقني ثلاثًا بألف فطلقها واحدة بثلث الألف [صح، والزيادة على الثلث لا تلزمها، والطلقتان الأخريتان لا تقع؛ لأنها مختلفة. قال: وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: أنت طالق واحدة بألف؛ لم يكن كلامه جوابا لكلامها.
وليس كما لوقالت: طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة بثلث الألف] (٢)؛ فإنه منطبق عليه كلامها في البعض، وهنا الزوج لم يرض في طلقة إلا بألف فكيف تقع ثلاث؟ فجعله قدحًا ولم يذكر له جوابًا.
ولو قالت: طلقني واحدة بثلث الألف، فقال: طلقتك واحدة بتمام الألف؛ لم ينفذ. قال: فعلى هذا يجب أن تقع طلقتان رجعيتان هذا هو القياس الحق، وما ذكره الأصحاب ليس له وجه معقول.
وعُلل لأبي حنيفة: أنها لم تلتمس البينونة الكبرى، فأجابها إلى غير جنس ملتمسها؛ فلم يكن جوابًا. قال: لكنه ناقض بما لو قالت: طلقني ثلاثا بألف، فطلقها واحدة؛ استحق ثلث الألف مع تحقق المخالفة.
قيل: فهمه بعيد قاصر؛ إذ ذكر غير مرة أن أجزاء العوض تتوزع، وسؤال الثلاث بألف سؤال لكل طلقة بثلث الألف، وسؤال الواحدة ليس سؤالا للثلث وكان مبتدأ فلا مناقضة ولا مخالفة في ذلك، ولأن الزوجة عساها لا تختار الثلاث؛ لأنه لا يحل لها بذلك إلا بعد زوج آخر.
وقوله: " مع تحقق "المخالفة " باطل؛ لأن المخالفة لو تحققت ينفذ، ونفاذه اتفاق منا ومنهم.
قوله: (لو قال: أنت طالق) إلى قوله: (ولا بد من القبول). ذكر
стр. 3230
لِأَنَّ مَعْنَى قَولِهِ: «بِأَلف» بِعِوَضِ أَلفٍ يَجِبُ لِي عَلَيكِ، وَمَعْنَى قَولِهِ: «عَلَى أَلف» عَلَى شَرطِ أَلف يَكُونُ لِي عَلَيْكِ، وَالعِوَضُ لَا يَجِبُ بِدُونِ قَبُولِهِ، وَالمُعَلَّقُ بِالشَّرطِ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَالطَّلَاقُ بَائِنٌ لِمَا قُلْنَا.
المرتاشي: لو قال: أنت طالق بألف أو على ألف، أو خلعتُكِ على ألف، أو بارأتك، أو طلقتكِ بألف؛ تقع على القبول في المجلس، وهذا يمين من جهته، فيصح تعليقه وإضافته، ولا يصح رجوعه ولا يبطل بقيامه عن المجلس، ويتوقف على البلوغ إليها إذا كانت غائبة؛ لأنه تعليق الطلاق بقبولها المال، وهو من جهتها مبادلة؛ فلا يصح تعليقها وإضافتها، ويصح رجوعها قبل قبول الزوج، ويبطل بقيامها عن المجلس.
وفي المبسوط: إن قبلت في المجلس وقع الطلاق والمال دين عليها؛ لأن كلام الزوج إيجاب للطلاق بِجُعْلٍ، وليس بتعليق بشرط الإعطاء؛ بمنزلة من يقول لغيره: بعت منك هذا العبد على ألف، أو على أن تعطيني ألفًا؛ يكون إيجابًا لا تعليقا.
فإذا وجدنا القبول في المجلس وقع الطلاق ووجب المال عليها، بخلاف قوله: إن جئتني أو إذا أعطيتني؛ حيث صرّح بالتعليق بالشرط، فما لم يوجد الشرط؛ لا يقع، ودليل الفرق: أن هناك لو كان لها على الزوج ألف، فاتفقا على جعل الألف قصاصًا بما عليه؛ لا يقع الطلاق، وهاهنا يصير قصاصا بالذي لها عليه، وقد يجوز أن يثبت الحكم مع التصريح بالإعطاء؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعطوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ﴾ [التوبة ٢٩] الآية، فإذا ثبت أن الحكم هنا يتعلق بقبول المال؛ بشرط القبول منها في المجلس، حتى لو لم تقبل وقامت؛ فهو باطل (١).
وفي الذخيرة: قال: أنتِ طالق على أن تعطيني ألفًا، فقبلَتْ؛ طلقَتْ؛ لأنه ليس بتعليق على الإعطاء بل معلق بقبولها (٢)، كقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة ٢٩]، والمراد به قبولها.
стр. 3231
(وَلَو قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ وَعَلَيكِ أَلفُ، فَقَبِلَت، أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ … وَعَلَيْكَ أَلفُ، فَقَبِلَ، عَتَقَ العَبدُ وَطَلُقَت المَرأَةُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَكَذَا إِذَا لَم يَقْبَلَا (وَقَالَا: عَلَى كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا الأَلفُ إِذَا قَبِلَ) (*) وَإِذَا لَم يَقْبَل لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالعَتَاقُ لَهُمَا: أَنَّ هَذَا الكَلَامَ يُستَعمَلُ لِلمُعَاوَضَةِ، فَإِنَّ قَولَهُم: احمل
في المرغيناني: لو قال لأجنبية: أنتِ طالق على ألفٍ إن تزوجتك، فقبلت ثم تزوجها؛ تطلق عند أبي يوسف بالألف. وعند أبي حنيفة: لا تطلق ولا يلزمها المال إلا بقبولها بعد التزوج. وفي جوامع الفقه: القبول بعد التزويج، ولم يحك خلافا (١).
في المحيط: إن قبلت قبله لا يقع؛ لأنه خلع بعد التزوج فيشترط القبول بعده.
قوله: أنت طالق وعليك ألف إلى قوله: (ولا شيء عليهما عند أبي حنيفة)، وعلى هذا الخلاف لو قالت لزوجها: طلقني ولك ألف، أو قال العبد: أعتقني ولك ألف، وبقولهما (٢) قال الشافعي وأحمد (٣).
(لهما أن هذا الكلام) أي: وعليك ألف، وقولها: ولك ألف؛ أي: بسبب الطلاق والعتق والمفهوم من محاورات الناس، وحذفوه اختصارًا كقوله لآخر: احمل هذا الطعام إلى كذا ولك درهم أو خِطْ هذا الثوب ولك درهم؛ أي: بسبب الحمل والخياطة.
قيل: هذا في المعاوضة.
قلنا: الخلع معاوضة أيضًا؛ يوضحه أن الواو قد تكون للحال، ولا وجه
стр. 3232
هَذَا المَتَاعَ وَلَكَ دِرهَمْ، بِمَنزِلَةِ قَولِهِم بِدِرْهَم وَلَهُ: أَنَّهُ جُملَةٌ تَامَّةٌ فَلَا تَرتَبِطُ بِمَا قَبلَها إِلَّا بِدَلَالَة، إذ الأَصلُ فِيهَا الاستقلالُ وَلَا دَلَالَةَ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالعَتَاقَ يَنفَكَّانِ عَنْ المَالِ، بِخِلَافِ البَيعِ وَالإِجَارَةِ، لِأَنَّهُمَا لَا يُوجَدَانِ دُونَهُ.
لتصحيح كلامه إلا أن يحمل على ذلك؛ فيصير كأنه قال: أنت طالق في حال ما يجب لي عليك ألف، ولا يكون ذلك إلا بعد قبولها كما لو قال لها: أدّ لي ألفا وأنتِ طالق، أو قال لعبده: أدّ إليَّ ألفًا وأنت حر؛ فإن الطلاق والعتاق لا يقعان إلا بالمال.
(فيها)؛ أي: في الجملة الاستقلال ولا دلالة في الطلاق والعتاق لعدم افتقارهما إلى المال؛ بل عادة الكرام فيهما الامتناع عن قبول العوض.
(دونه) أي: دون المال، فكان دليل المجاز قائما فيحمل عليه؛ ألا ترى أنه لو قال للخياط: خط هذا الثوب ولم يذكر العوض؛ يكون استئجارًا بأجر المثل، وهاهنا إذا لم يذكر العوض؛ لا يجب، بخلاف قوله: أد إليَّ ألفًا وأنتِ طالق أو أنتَ حرٌّ؛ لأن أول كلامه غير مفيد لشيء إلا بآخره؛ فإنه يصير تعليقا للعتق أو الطلاق بالأداء، وهاهنا أول الكلام [إن صدر] (١) من الزوج بأن قال: أنت طالق وعليكِ ألف؛ كان إيقاعًا مُفيدًا منه دون آخره؛ فلا حاجة إلى أن يحمله على الحال، ويعمل بحقيقته وهو عطف الجملة على الجملة؛ لأن عطف أحد العوضين على الآخر لا يصح وكذا لا يعطف على الجزاء، فعرف أنه كلام مبتدأ غير متعلق بما سبق، فيبقى إيقاع الطلاق والعتاق يتعريان عن البدل.
وقوله: وعليكِ ألف دعوى مال ابتداء، وقولها: ولك ألف إيجاب صلة مبتدأة؛ فكان وعدًا منها، والمواعيد لا يتعلق بها اللزوم، ولأن أكثر (٢) ما في الباب أن يكون حرف "الواو " محتملا لجميع ما ذكرنا؛ فلا يجب المال بالشك. كذا في المبسوط (٣).
стр. 3233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه: فصار كقوله لها: أد إليَّ ألفًا فأنتِ طالق، أو قال لعبده: أد إليَّ ألفًا فأنتَ حرّ؛ فإنها تطلق في الحال مجانا وكذا العبد يعتق مجانًا، بخلاف قوله: أدّ إليَّ ألفًا وأنتِ طالق أو لعبده: أدّ إليَّ ألفًا وأنتَ حرّ؛ لأن جواب الأمر بالواو بمعنى الحال كأنه قال: أنتَ حرّ في حال أدائك فلا يعتق قبله. وأما الفاء فللتعليل كقولهم: أبشر فقد أتاك الغوث (١).
وفي السير الكبير: قال الإمام لأهل حصن: افتحوا الباب وأنتم آمنون؛ لا يأمنون ما لم يفتحوا، ولو قال فأنتم آمنون؛ أمنوا في الحال؛ فنجوا أولا، والمعنى ما ذكرنا (٢).
قال شيخ الإسلام كلامه خرج جوابًا للأمر في الحالتين إلا أن جواب الأمر يكون بهما لكن الفاء ظاهرة في التعليل والواو محكمة في الجواب لا تحتمل التعليل. وفي قول السرخسي نظر؛ فإن قوله: أنت طالق وأنت مريضة فالواو واو الحال ظاهرًا، ومع ذلك يقع الطلاق في الحال ولا يتوقف على حال مرضها إلا بالنية، فالتعليل الصحيح: أن الواو لجواب الأمر والأمر كالشرط، هكذا قاله الخليل لما سأله سيبويه؛ فعلى هذا يخرج الجواب عن قولهم: احمل هذا ولك درهم فإن الواو فيه لجواب الأمر. هذا فرق آخر لأبي حنيفة.
وذكر محمد في "المأذون الكبير " مسألةً وفرَّق بين الواو والفاء كما ذكره في [السير الكبير، وهكذا ذكره السرخسي في المبسوط، ولم يذكر في المسألة خلافا.
فإن قيل: ما ذكره في] (٣) مسألة الواو قولهما: وينبغي على قول أبي حنيفة أن يعتق في الحال، وجعلوها فرعًا لقولها: طلقني ولك ألف. فلم يتعلق بالألف وإن خرج جوابًا للأمر.
стр. 3234
(وَلَو قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ عَلَى أَلف عَلَى أَنِّي بِالخِيَارِ، أَوْ عَلَى أَنَّكَ بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ
أَيَّامٍ، فَقَبِلَتْ، فَالخِيَارُ بَاطِلٌ إِذَا كَانَ لِلزَّوجِ، وَهُوَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ لِلمَرأَةِ، فَإِنْ رَدَّت الخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ بَطَلَ، وَإِنْ لَم تَرُدَّ طَلُقَت، وَلَزِمَهَا الأَلفُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
وقيل: ما ذكر في المأذون قولهم، وفرق هذا القائل بين مسألة الطلاق والعتق؛ فقال: المعلق بالأداء في العتق الحرية، وفي مسألة الطلاق المعلق بالتطليق هو استحقاق المال؛ وذلك لا يجوز.
فإن قيل: لو قالت: إن طلقتني فلك ألفٌ؛ صح التعليق حتى لا يلزمها شيء بدون التطليق، والمعلق به هو المال وقد صح تعليقه تبعًا للطلاق؛ فينبغي أن يصح جوابًا للأمر تبعًا للطلاق.
قلنا: الطلاق تبع من وجه، أصل من وجه من حيث أنه عوض؛ ولهذا جوز أبو حنيفة الخيار من جانبها، ولو كان تبعًا من كل وجه؛ لم يجز اشتراط الخيار كالطلاق، ولا يجب بدل الطلاق مع الإكراه بالإجماع، وهو دليل على كونه أصلا؛ فإذ ثبت هذا نقول: لو قال: إن دخلت الدار فلكِ ألف، أو ادخلي الدار ولكِ ألف؛ فإنه لا يتعلق استحقاق المال بالدخول فيهما وفي البيع يتعلق فيهما.
وإذا كان أصلا من وجه وفرنا على الشبهين حظهما: فمن حيث إنه تبع للطلاق؛ قلنا: بتعليقه بصريح الشرط؛ لأنه إعدام للمشروط قبل وجوده.
ومن حيث أنه أصل؛ قلنا: بعدم تعليقه في جواب الأمر؛ لأنه إرسال في اللفظ. ذكر كله في الذخيرة.
بخلاف قوله: خذ هذا المال واعمل مضاربة؛ لكونه لا يجعل حالا للتعذر ولا جوابًا للأمر؛ لأن الأمر لا يكون سببًا عن الأول؛ فكان للعطف والمشورة.
وفي الذخيرة: لو سألت أن يخلعها؛ فهو على أربعة أوجه:
الأول: أن تقول اخلعني من نفسك بألف أو على ألف، فإذا خلعها؛ تم بقوله ولا يحتاج إلى قولها اختلعت أو قبلت، وهو المختار، ويصير الزوج وكيلا عنها بالإخلاع.
стр. 3235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: أن تقول بمال أو على مال؛ ففيه لا يقع بمجرد قوله ما لم تقل المرأة: قبلتُ في ظاهر الرواية، وفي رواية ابن سماعة: تتم، ومعنى قولهم: لا يتم: لا يجب بدل الخلع عليها.
وهل يقع الطلاق؟ اختلف فيه: قيل: يقع وبه أخذ المرغيناني. وقيل: لا يقع، وهو الأظهر والأشبه.
والثالث: أن تقول: اخلعني بغير مال؛ وفيه يقع الطلاق.
والرابع: أن تقول اخلعني ولم تزد قال شيخ الإسلام: يقع بقوله، وعلى قياس ما حكي عن الفضلي؛ ينبغي أن تكون فيه روايتان. وقد ذكرناه (١).
والخامس: أن يخلعها على [ما] (٢) تلد غنمها أو بحمل جاريتها، أو على ما يثمر نخيلها أو على شرب أو كلا أو مرعى أو أقل ما تزوج، أو تزوج امرأة بمهرها؛ لم تصح التسمية وردت مهرها.
وفي المحيط: أو على ما يكتسب العام أو ترثه من المال.
والسادس: أن يخلعها على ما يثمر نخيلها العام، فإن أثمرت؛ فله ذلك وإلا فلا شيء له في قول أبي يوسف الأول، ثم رجع وقال: يلزمها رد مهرها - وهو قول محمد- أثمرت أو لا؛ لأنه معدوم للحال فلم يتصور تمليكه.
وكذا على ما تلد أغنامها العام أو جاريتها العام؛ وجب عليها رد مهرها. ذكره في جوامع الفقه ولم يذكر فيه خلافًا.
وعلى ما في بطن جاريتها أو غنمها، أو على نخلها؛ صح وله ذلك، وإن لم يكن؛ فلا شيء له. وبه قال مالك.
وعند الشافعي يجب المهر؛ لأن ما يحويه يكون ربحًا وغيره، بخلاف الخلع على حمل جاريتها إذا لم يكن بها حمل؛ حيث يرد مهرها؛ لأن الحمل مال فَقَرَنَهُ بذلك المال، ولو وجد العبد المخالع عليه نصرانيا؛ لا يرجع بشيء.
стр. 3236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: هذا في عرف التجار في زمانهم؛ لأنه عيب يسير، أما في زماننا عيب فاحش يردّ به. ولو مات في يدها أو استحق يجب قيمته؛ لأنه لا ينفسخ بذلك بخلاف البيع.
والسابع: أن يخلعها على ما في نخلها من الثمر، أو على ما في بطون غنمها من الولد أو ضروعها من اللبن؛ إن وجد شيئًا من ذلك فهو له، وإلا ردت مهرها الذي قبضته.
ولو خالعها على خادم أو على جارية؛ يجب الوسط أو القيمة كالنكاح.
ولو خالعها على وصفاء بلفظ الجمع؛ فهو على ثلاثة أوساط، وبه قال القاضي من الحنابلة.
وقال مالك وأحمد: يجب ثلاثة من الأدون، وعلى حكمه أو حكمها أو حكم أجنبي فالواجب ردّ ما أعطاها ولا تلزمها الزيادة بحكمه أو حكم أجنبي، وبحكمها يلزم لولايتها على نفسها.
وفي المغني: لو خالعها على ما يثمر نخلها عامين؛ جاز، فإن لم تثمر؛ ترضيه بشيء لعدم التقدير (١).
وفي الجواهر: خالعها على جنين أو ثمرة لم يبد صلاحها؛ فالنفقة عليها إلى خروج الجنين وليس لها أن تجبر الزوج على أخذ الثمرة. وقيل: سقي الثمرة على الزوج (٢).
وفي البسيط: شرط في الخلع الرجعة، يفسد العوض وتثبت البينونة، وهو قول أبي حنيفة واختاره المزني ويرجع الزوج إلى مهر المثل.
قيل عند أبي حنيفة: تبطل ولا يفسد العوض؛ لأن الأصل في الخلع الطلاق، ويصح خلع المطلقة الرجعية، وهو أصح القولين عند الشافعي؛ لقيام النكاح.
стр. 3237
(وَقَالَا: الخِيَارُ بَاطِلٌ فِي الوَجْهَيْنِ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَعَلَيْهَا أَلفُ دِرْهَم) (*) لِأَنَّ الخِيَارَ لِلفَسخِ بَعدَ الانعِقَادِ لَا لِلمَنعِ مِنْ الإِنعِقَادِ، وَالتَّصَرُّفَانِ لَا يَحْتَمِلَانِ الفَسْخَ
والثاني: المنع لتنجيز التحريم، ولو قال: طلقتك على ألف، أو قال: أنتِ طالق على ألف، فقالت: قبلتُ؛ كفى وإن لم يقل على ألف.
وفي قوله: إن أديتِ إليَّ ألفًا؛ لا يشترط فيه القبول، ويكفي وضعه بين يديه على المذهب إلا أن يقول: إن قبضت ألفًا. ولو خالعها على ألف إلى الحصاد والدياس؛ فالبينونة حاصله ويرجع إلى مهر المثل لفساد العوض، وقال أبو حنيفة: العوض صحيح والأجل ساقط.
قوله: (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (الخيار باطل في الوجهين)، وبه قال الشافعي وأحمد. واتفقوا على أن الابتداء لو كان من جانبها؛ كان لها أن ترجع قبل قبولها ويبطل بقيامها وبقيامه أيضًا، ولا يقف على ما وراء المجلس لو كان غائبا، ولا يتعلق بشرط ولا يضاف إلى وقت؛ لأنه معاوضة من جانبها فاعتبر أبو حنيفة فيه أحكام المعاوضة، فجوز خيار الشرط فيه.
والأصل أن الخيار للفسخ بعد الانعقاد، أو للمنع من الانعقاد في حق الحكم على أصل أصحابنا، والطلاق لا يحتمل الفسخ، والخلع طلاق.
وعنده: إن اختارت في المدة؛ يقع الطلاق ويلزم المال، وإن ردت؛ لا يقع ولا يلزم المال، وقول أبي حنيفة موافق لأصول أصحابنا؛ فإن البيع بخيار الشرط للبائع لا ينعقد في حق الحكم بالاتفاق.
قوله: (ردت الخيار بطل) (١)، أي: الطلاق ولا يقع. وفي جامع قاضي خان: فإن ردّت الطلاق في الأيام الثلاثة؛ بطل الطلاق.
ولو أجازت الطلاق (وإن لم ترد) (٢) حتى مضت مدة الخيار؛ فالطلاق واقع ويلزمها المال.
(والتصرفان) وهما إيجاب الزوج وقبول المرأة، وأما إيجاب الزوج؛ فإنه
стр. 3238
مِنَ الجَانِبَينِ، لِأَنَّهُ فِي جَانِبِهِ يَمِينٌ وَمِنْ جَانِبِهَا شَرطُهَا.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الخُلعَ فِي جَانِبِهَا بِمَنزِلَةِ البَيعِ حَتَّى يَصِحُ رُجُوعُهَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ المَجْلِسِ، فَيَصِحُ اشْتِرَاطُ الخِيَارِ فِيهِ، أَمَّا فِي جَانِبِهِ يَمِينٌ حَتَّى لَا يَصِحُ رُجُوعُهُ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ المَجْلِسِ، وَلَا خِيَارَ فِي الأَيْمَانِ، وَجَانِبُ العَبدِ فِي العَتَاقِ مِثْلُ جَانِبِهَا فِي الطَّلَاقِ.
(يمين)؛ لأنه ذكر شرطًا وجزاءً، واليمين لا يقبل الفسخ، وأما قبول المرأة؛ فإنه (شرطها) تمام اليمين فإن يمينه يتم بقبولها؛ فأخذ قبولها حكم اليمين في عدم احتمال الانفساخ؛ كسائر شروط اليمين (١)، والمال مما يجري فيه الفسخ إذا كان المال مقصودًا (والخيار للانفساخ بعد الانعقاد لا للمنع من الانعقاد) (٢)؛ فلذلك لغا شرط الخيار من الجانبين.
قوله: (حتى يصح رجوعه ولا يتوقف على ما وراء المجلس) وهذان الحكمان بالاتفاق. ذكره في جامع فخر الإسلام وشمس الأئمة وغيرهم بلفظ: ألا ترى أنها لو رجعت صح، ولو قامت بطل كما في البيع.
وأما قولهما: فمن جانبها شرط اليمين؛ فمسلَّم في حق الزوج، أما في نفسه عليك مال؛ جُعِلَ شرطًا بهذا الوصف؛ كرجل قال لآخر: [إن] بعتك هذا العبد بكذا فعبدي الآخر حرّ؛ أنه معلق بالمعاوضة فلم يمنع كونه معاوضة عن أن يكون شرطًا لليمين، وإذا كان كذلك يثبت فيه الخيار، ولما بطل القبول بالرد بحكم الخيار بطل كونه شرطًا؛ لأن كونه شرطًا قائم بهذا الوصف، وهذا تمليك مال. والعقود ثلاثة: لازم؛ لا يحتمل الفسخ كالبيع والكتابة، والخيار ما شرع إلا في هذا القسم. إليه أشار فخر الإسلام.
ولو اختارت في ذلك المجلس؛ فلها ما اختارت، وإن لم تقل شيئاً حتى قامت؛ فالطلاق واقع والخلع ثابت قال أبو الليث وبه نأخذ. كذا في فصول الْإِسْتَرُوشَنِي.
قوله: (وجانب العبد) إلى آخره والجامع: أن للمرأة لا يحصل شيء؛ لأن
стр. 3239
(وَمِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلَّقْتُكِ أَمسِ عَلَى أَلفِ دِرْهَم فَلَم تَقبَلِي، فَقَالَتْ: قَبِلت، فَالقَولُ قَولُ الزَّوجِ، وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعتُ مِنْكَ هَذَا العَبدَ بِأَلْفِ دِرْهَم أَمْسِ فَلَم
البضع غير مال عند الخروج؛ فكذا مالية العبد تتلف على ملك المولى بالإعتاق، ولا يحصل للعبد شيء منها، وقبول المال جائز في الطلاق والعتاق.
وفي الفوائد: فارق الخلع النكاح في أن الخيار لا يصح في النكاح؛ لأن المال فيه تابع [بخلاف الخلع؛ فإن المال ليس بتابع] فيه عنده في الحكم فينفرد بحكمه.
فإن قيل: يشكل هذا بما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق على أني بالخيار، أو على أنك بالخيار ثلاثة أيام؛ لا يصح الخيار من الجانبين. قلنا: أثبتنا الخيار هنا بدلالة النص لا بالقياس؛ فإن ثبوت الخيار في البيع لدفع الغبن في الأموال، والغبن في النفوس أضر، والحاجة إلى التروي فيه أكثر فإنه ربما يفوته هذا الازدواج على وجه لا يحصل له مثله أبدًا؛ فصح فيه الخيار للتأمل، وهذا المعنى يعرفه كل لغوي فيكون ثابتا بدلالة النص.
قوله: (القول قول الزوج)؛ أي: مع يمينه؛ أي: تعليق الطلاق بالقبول، ولهذا لا يصح رجوعه منه فكان القبول شرطًا.
ولو اختلفا في وجود الشرط فالقول للزوج؛ لأن الإقرار بالتعليق لا يكون إقرارًا بوجود الشرط؛ لأن التعليق يمين، وعند وجود الشرط لم يبق يمينا؛ فكان وجود الشرط ضد اليمين، فكيف يكون الإقرار بالشيء إقرار بضده؟ فكان منكرًا لوجود الشرط فالقول للمنكر.
أما البيع فمعاوضة؛ فلا يتم إلا بالإيجاب والقبول، فإذا أنكر القبول بعد ذلك؛ كان ذلك رجوعًا عما أقرَّ به فلا يصح، حتى لو قال: بعت طلاقكِ أمس فلم تقبلي فقالت: قبلتُ؛ كان القول لها كما في بيع العروض. وكذا لو قال لعبده: بعتُ نفسك بألف فلم تقبل، فقال العبد: قبلتُ؛ كان القول للعبد، ولو قال: أعتقتك أمس على ألف فلم تقبل، فقال العبد: قبلتُ؛ كان القول للمولى، وهذا والطلاق سواء.
ولو قال: طلقتكِ أمس، وقالت: إن شاء الله، ذكر في إقرار الأصل: أنه لا يقع.
стр. 3240
يَقْبَلُ فَقَالَ: قَبِلْتُ فَالقَوْلُ قَولُ المُشتَرِي) وَوَجْهُ الفَرقِ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِالمَالِ يَمِينٌ مِنْ جَانِبِهِ، فَالإِقْرَارُ بِهِ يَكُونُ إقرارًا بِالشَّرطِ لِصِحَّتِهِ بِدُونِهِ، أَمَّا البَيعُ فَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِالقَبُولِ وَالإِقْرَارُ بِهِ إِقْرَارٌ بِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ فَإِنكَارُهُ القَبُولَ رُجُوعٌ مِنهُ.
قَالَ: (وَالمُبَارَأَةُ كَالخُلْعِ، كِلَاهُمَا يُسقِطَانِ كُلَّ حَقٌّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْ الزَّوجَينِ
وفي المنتقى: لا يقع عند أبي يوسف، وعند محمد يقع وعليه الفتوى.
ولو قال: طلقتك إن شاء الله؛ لا يقع.
ولو قال: كنتُ قلتُ لكِ أنتِ طالق ثلاثًا إن شاء الله، وكذبته في المشيئة؛ فالقول للزوج؛ لأن الطلاق المتصل بالاستثناء لا حكم له.
وفي الذخيرة: لو بعتُكِ طَلاقكِ؛ لا يقع ما لم تقل اشتريت، بخلاف خالعتك؛ حيث يقع إذا نوى.
وفي المحيط: قالت: سألتك ثلاثًا بألف فطلقتني واحدة، وقال: سألت واحدة؛ فالقول لها والبينة له.
قوله: (وَالمُبَارَأَةُ كَالخُلْعِ) إلى آخره؛ يقال: بارأ شريكه؛ أي: أبرأ كل واحد منهما صاحبه، ومنه قولهم: والمبارأة كالخلع (١) وترك الهمزة خطأ. كذا في المغرب (٢).
(يسقطان)؛ أي: الخلع والمبارأة صورة المسألة: خالعها أو أبرأها بمال معلوم؛ كان له ما سمى ولم يبق لأحدهما على الآخر دعوى في المهر مقبوضًا أو لا، قبل الدخول أو بعده؛ فيسقط حق طلب المهر لها إن لم يكن مقبوضًا، وحق الرجوع بنصفه له قبل الدخول إن كان مقبوضًا.
ولو خالعها بمهرها برئ الزوج عن المهر إن لم يكن مقبوضًا، وبرئت عما يستحق الزوج بالطلاق قبل الدخول إن كان مقبوضًا.
و [لو] (٣) لم يذكر البدل، فعن أبي حنيفة روايتان، والصحيح براءة كل منهما
стр. 3241
عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا إِلَّا مَا سَمَّيَاهُ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الخُلعِ وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي المُبَارَأَةِ (*).
عن صاحبه، وعندهما لم يبرأ. كذا قاله قاضي خان.
ولو خالعها على بعض المهر ولم يكن مقبوضًا؛ سقط كله عند أبي حنيفة، البعض المذكور [بحكم] (١) الشرط، والباقي بمقتضى الخلع.
وقوله: (مما يتعلق بالنكاح)؛ أي: من حقوقه؛ يعني: من أجل الاستمتاع والمهر، وهذا احتراز عن دين وجب بسبب آخر، فإنه لا يسقط على ظاهر الرواية ونفقة العدة لا تسقط أيضًا إلا بالتسمية، وكذا السكنى بالإجماع.
ولو خالعها ولم يذكر المال وقبلت؛ لا يسقط شيء من المهر في ظاهر الرواية، وقال الإمام السعدي وشيخ الإسلام: يسقط إن كان عليه ولا يجب عليها رد ما قبضت؛ لأن المال مذكور عرفًا في الخلع. وكذا لو بارأها على شيء؛ لا يتبع أحدهما صاحبة بعد المبارأة بشيء من المهر.
وكذا لو قبضت منه نصف المهر أو أقل أو أكثر، ثم اختلعت بدراهم مسماة أو بثوب معروف، أو كان المهر عبدًا بعينه في يده أو في يدها؛ لا يتبع أحدهما صاحبه بشيء من المهر. وهذا عند أبي حنيفة.
وقال محمد: لا يسقط في الخلع والمبارأة إلا ما سمياه، وأيهما كان له قبل صاحبه شيء من المهر رده عليه.
وفي المبسوط: وعلى هذا الأصل لو كان مهرها ألف واختلعت منه قبل الدخول على مائة من مهرها؛ فليس لها أن ترجع عليه بشيء في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: ترجع عليه بأربعمائة.
ولو كانت قبضت الألف ثم اختلعت بمائة؛ لم يكن له غير المائة في قوله، وفي قولهما: يرجع عليها إلى تمام النصف.
وكذا لو كان المهر عبدًا بعينه في يدها، فاختلعت بمائة؛ فعنده: لا يرجع
(*) الراجح: قول أبي حنيفة.
стр. 3242
لِمُحَمَّد: أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ، وَفِي المُعَاوَضَاتِ يُعتَبَرُ المَشْرُوطُ لَا غَيْرُهُ.
وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ المُبَارَأَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ البَرَاءَةِ فَتَقتَضِيهَا مِنْ الجَانِبَينِ، وَأَنَّهُ مُطلَقٌ قَيَّدْنَاهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ لِدَلَالَةِ الغَرَضِ، أَمَّا الخُلَعُ فَمُقْتَضَاهُ الإِنخِلَاعُ وَقَدْ حَصَلَ فِي نَقْضِ النِّكَاحِ وَلَا ضَرُورَةَ إِلَى انْقِطَاعِ الأَحكَامِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الخَلَعَ
عليها بشيء من العبد، وعندهما يرجع عليها بنصف العبد (١).
وعلى هذا لو قالت بالفارسية: خويشتن جرندم، أرتو، فقال: فروختم؛ يقع طلاق بائن ولا تردّ المهر، وإن لم تقبض؛ برئ الزوج منه.
عقد (معاوضة) أي: الخلع والمبارأة عقد معاوضة؛ فيجب به العوض المسمى لا غيره كما في سائر المعاوضات. وبه قال الشافعي.
فلا يسقط بهما شيء من الحقوق الواجبة بالنكاح كما لو قال بلفظ الطلاق؛ بدليل أن الواجب بسبب آخر لا يسقط - أو عين في يده؛ لا يسقط شيء من ذلك فكذا الحقوق الواجبة بالنكاح؛ ولهذا لا تسقط النفقة الواجبة بالنكاح، وهي من حقوق النكاح وهي أضعف من المهر، فلما لم يسقط ما هو أضعف الحقين؛ فلأن لا يسقط أقواه كان أولى (٢).
ولأن هذا طلاق بعوض حقيقة فلا يتعدى حكمه على ما سميا كما لو طلقها بمال نضا. وأبو يوسف يقول: المبارأة تقتضي البراءة من الجانبين، بخلاف الخلع فإنه يقتضي فصلًا وانخلاعًا وقد حصل في نقض النكاح ولا ينبئ عن البراءة كما لو تلفظ الإبانة أو الطلاق.
وأبو حنيفة يقول: الانخلاع من كل وجه إنما يتحقق إذا لم يبق لأحدهما قِبَل صاحبه حق، وذا في البراءة عن الحقوق.
ولأن الخلع صلح في الحقيقة، والصلح لقطع المنازعة، وذا فيما قلنا وذلك أن الخلع إنما يكون عند النشوز، وسبب النشوز الوصلة بسبب النكاح، فتمام الانقطاع والمنازعة إنما يكون بإسقاط ما وجب باعتبار تلك الوصلة،
стр. 3243
يُنَبِّئُ عَنْ الفَصْلِ، وَمِنهُ خَلْعُ النَّعَلَ وَخَلْعُ العَمَلَ وَهُوَ مُطلَقٌ كَالمُبَارَأَةِ، فَيُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِمَا فِي النِّكَاحِ وَأَحكَامِهِ وَحُقُوقِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ خَلَعَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَة بِمَالِهَا لَم يَجُز عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهَا فِيهِ إِذْ البضعُ فِي حَالَةِ الخُرُوجِ غَيْرُ مُتَقَوِّم، وَالبَدَلُ مُتَقَوَّمُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ البُصْعَ مُتَقَوَّمٌ عِنْدَ الدُّخُولِ، …
وسائر الديون لا تجب بسبب وصلة النكاح، ونفقة العدة غير واجبة عند الخلع؛ بل تجب شيئاً فشيئاً، والخلع والمبارأة يُسقطان ما هو واجب بسبب النكاح في الحال، وليس في لفظ الطلاق ما يدل على إسقاط الحقوق الواجبة بالنكاح؛؛ فلا يسقط مع أنه ممنوع في رواية الحسن عن أبي حنيفة (١).
في المبسوط: لو شرط عليها البراءة من النفقة والسكني؛ فهو بريء من النفقة وبه قال أحمد. وقال الشافعي: لم يثبت العوض ووجب مهر المثل؛ لأنها أسقطت حقها - ووجوب النفقة في العدة باعتبار حالة الفرقة حتى لو كانت ممن لا يستحقها عند ذلك لا تستحقها من بعد؛ فصح إسقاطها؛ لأنها مقصودة بالإسقاط فلا يكون إلا بعد وجوبها وهي تجب شيئاً فشيئاً بحسب المدة. ولا يصح إبراؤها عن السكنى في الخلع؛ لأن خروجها من بيت الزوج معصية، قالوا: لو أبرأته من مؤنة السكنى بأن سكنت بيت نفسها أو التزمت مؤنة السكني من مالها؛ صح ذلك مشروطًا في الخلع؛ لأنه خالص حقها (٢).
قوله: (خلع ابنته) إلى قوله: (لم يجز عليها)؛ يعني: يقع الطلاق ولا يجب المال نص عليه في المنتقى. وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: يجوز.
وإن قَبِلَتْ الصغيرة على مالها؛ وقع الطلاق ولا يلزمها المال، وهو قول الأئمة الثلاثة.
وعن أبي القاسم في التي لم تحض وقد بنى بها: لزوم المال.
قوله: (بخلاف النكاح)؛ أي: البضع (متقوم عند الدخول) حتى لو زوج
стр. 3244
وَلِهَذَا يُعتَبَرُ خَلَعُ المَرِيضَةِ مِنْ الثُّلُثِ، وَنِكَاحُ المَرِيضِ بِمَهرِ المِثلِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، وَإِذَا لَم يَجُز لَا يَسْقُطُ المَهْرُ وَلَا يَسْتَحِقُّ مَالَهَا، ثُمَّ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي رِوَايَة، وَفِي رِوَايَة، لَا يَقَعُ، وَالأَوَّلُ: أَصَحٌ، لِأَنَّهُ تَعلِيقٌ بِشَرط قَبُولِهِ فَيُعتَبَر بِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَلفَ عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ،
ابنه الصغير امرأة بمهر المثل؛ صح؛ لأنه قابل المتقوم بالمتقوم.
وقوله: (ولهذا يعتبر)، متصل بقوله: (غير متقوم).
وقوله: (ونكاح المريض) متصل بقوله: (متقوم عند الدخول).
(والأول) وهو: وقوع الطلاق (أصح) وهو اختيار أبي اليسر والصدر الشهيد؛ لأن العاقد هو الأب؛ فيعتبر قبوله وقد علق الطلاق بالقبول، وقد وجد، فيقع كما لو علقه بشرط آخر؛ ولهذا لو خالعها وهي صغيرة عاقلة وقبلت؛ يقع الطلاق ولا يسقط المهر. كذا هنا.
وجه عدم الوقوع: أن الخلع في معنى اليمين، والأيمان لا يجزئ فيها النيابة، ولو انعقد من الأب؛ انعقد بطريق النيابة وهذا غير صحيح؛ لأن شرط اليمين وُجد من الأب لا نفس اليمين، وشرط اليمين يصح من كل أحدٍ كذا ذكره أبو اليسر وقاضي خان والتمرتاشي- هذا إذا قبل الأب.
فإن قبلت وهي عاقلة تعقل أن النكاح جالب والخلع سالب؛ وقع الطلاق بالاتفاق ولا يلزمها المال.
وإن لم تقبل هل يقع؟ اختلف، والصحيح أنه يقع؛ لما ذكرنا.
وفي جوامع الفقه: طلقها بمهرها وهي صغيرة عاقلة وقبلت؛ وقعت طلقة ولا تبرأ.
وإن قبل أبوها أو أجنبي: روى هشام عن محمد: أنه يقع، وروى الهندواني عن محمد: أنه لا يقع. ولو بلغت وأجازت؛ جاز (١).
قوله: (أنه)؛ أي: الأب (ضامن)، والمراد من الضمان هاهنا التزام المال
стр. 3245
فَالخُلعُ وَاقِعُ وَالأَلفُ عَلَى الأَبِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الخُلعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ فَعَلَى الأَبِ أُولَى.
لا الكفالة عن الصغيرة؛ لعدم وجوب المال على الصغيرة. هكذا ذكره في الفوائد الظهيرية والإمام قاضي خان (١).
(فالخلع واقع)؛ أي: جائز.
وفي الذخيرة: خالع الأب أو الأجنبي صغيرةً على صداقها وضمنه صح الخلع ولم يسقط المهر، وإذا بلغت تأخذ نصف المهر، ثم الزوج يرجع على الضامن.
وقال السرخسي: أو ترجع البنت على الأب بنصف الصداق ولا يرجع على الزوج.
قيل: تأويلها خالعها على مثل صداقها لا يجوز الخلع، والصحيح أنه جائز، ولو لم يضمنه الأب لا يسقط صداقها.
وتقع البينونة بقبولها، وهي تقبل العقد بالاتفاق، وإن لم تقبل عقد الخلع وكان أجنبيا؛ لا تقع البينونة بالاتفاق.
وهل يتوقف على إجازتها العقد عند بلوغها؟
قيل: لا يتوقف؛ لأنه ليس له مجيز عند صدوره.
وقيل: يتوقف. نص عليه الخصاف في شروطه.
وإن كان أبًا ولم يضمن للزوج هل يقع للزوج طلاقه؟
قيل: روايتان؛ قال خواهر زادة: رواية الوقوع محمولة على ضمان الأب توفيقا بين الروايتين (٢).
(لأن اشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح) باتفاق الأئمة الأربعة، ومنعه أبو ثور (فعلى الأب أولى)؛ لأن له ولاية عليها وعلى مالها بيعًا وشراء وإجارة وإيضاعًا وإيداعا.
أما في اشتراط بدل العتق أو المهر في النكاح على الأجنبي؛ لا يصح.
стр. 3246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والفرق أن الأب والأجنبي في الخلع في معنى المرأة؛ لما أنها لا تملك بالخلع شيئاً بل يسقط ملك الزوج، وجاز أخذ المال منها إذا رضيت بوجوب المال فكذلك يجوز أخذ المال من الأجنبي إذا رضي بوجوبه.
أما العتق؛ فالأجنبي هناك ليس في معنى العبد في حق التزام المال؛ لأن الإعتاق يُثبِتُ العتق للعبد وهو مالكية النفس، والعوض لا يجب على غير من حصل له العوض، وكذلك في البيع والنكاح.
وحاصله: أنه يجوز اشتراط البدل على الأجنبي في الإسقاطات دون الإثباتات، غير أن في اشتراط المهر على الغير بنفي النكاح بغير مهر؛ جاز بمهر المثل، وفي اشتراط الثمن على غير المشتري بنفي البيع بلا ثمن؛ فاسدًا.
ألا ترى أن النبي ﷺ جوز في قضاء الدين من الأجنبي؛ لأنه إسقاط وليس بتمليك؛ لأن تمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز، فلما جاز في قضاء الدين؛ جاز في الخلع لأنه مثله. إليه أشار أبو اليسر وقاضي خان وصاحب الفوائد.
في الذخيرة: بدل الخلع إذا كان مضافًا إلى الأجنبي إضافة ملك أو إضافة ضمان لا يشترط قبول المرأة، ولا تجعل المرأة عاقدة؛ صورته: أن يقول أجنبي للزوج: خالِعُها على ألفٍ عليَّ أو على ألف على أني ضامن، أو يقول: خالعها على عبدي هذا أو على داري هذه ففعل؛ فالخلع واقع ولا يحتاج إلى قبول المرأة؛ لأن العاقد في هذه الصورة الأجنبي لأن خطاب الخلع جرى منه فلا يشترط قبولها؛ لأن القبول يشترط ممن يجب عليه البدل لا ممن يقع عليه الطلاق؛ لأن القبول إنما يشترط لوجوب البدل لا لوقوع الطلاق.
أما لو قال الأجنبي اخلعها على هذا العبد أو على هذه الألف؛ فالقبول لها؛ لأن خطاب الخلع وإن جرى من الأجنبي، ولكن البدل مرسل، وفي مثل هذه الصورة يجعل العاقد المرأة (١).
стр. 3247
وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، لِأَنَّهُ لَم يَدخُل تَحتَ وِلَايَةِ الأَبِ وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهلِ القَبُولِ، فَإِنْ قَبِلَت وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرط (وَلَا يَجِبُ المَالُ) لِأَنَّهَا لَيسَت مِنْ أَهلِ الغَرَامَةِ فَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ عَنْهَا: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ (وَكَذَا إِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَهْرِهَا وَلَم يَضمَنِ الأَبُ المَهرَ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ قَبِلَت طَلُقَت وَلَا يَسْقُطُ المَهْرُ) وَإِنْ قَبِلَ الأَبُ عَنهَا فَعَلَى الرِّوَايَتَينِ (وَإِنْ ضَمِنَ الْأَبُ المَهرَ، وَهُوَ أَلفُ دِرهَم طَلُقَت) لِوُجُودِ قَبُولِهِ، وَهُوَ الشَّرط … ... … ... … ... … ..
(لأنه لم يدخل تحت ولاية الأب)؛ لأنه ليس من النظر، وولايته نظرية.
(وإن شرط)؛ أي: الزوج (الألف عليها)؛ أي: على الصغيرة إن كانت من أهل القبول؛ بأن كانت تعقل العقد وتُعبّر عن نفسها. كذا ذكره التمرتاشي.
(فإن قبله)؛ أي: بدل الخلع (عنها ففيه روايتان) هذا القبول في معنى الشرط، في رواية: يصح؛ لأن هذا نفع محض؛ لأن الصغيرة تتخلص عن عهدته بغير مال؛ فصح من الأب كقبول الهبة.
وفي رواية: لا [يصح] (١)؛ لأن هذا القبول بمعنى شرط اليمين، وذلك مما لا يحتمل النيابة. كذا في مبسوط فخر الإسلام. وفي الكافي: وهذا أصح (٢).
قوله: (وإن قبل الأب عنها) وهي لم تقبل هل يقع الطلاق؟ (فعلى الروايتين).
أما إذا (ضمن الأب المهر)؛ جاز (طلقت لوجود قبوله وهو الشرط) ثم قيل: تأويل المسألة أن يخالعها على مال مثل مهرها، أما لو خالعها على صداقها؛ لم يجز الخلع أصلا؛ لأنها مال مملوك لها، وليس للأب ولاية إبطال ملكها بإزاء ما ليس بمتقوم، ولا معتبر بضمانه في ذلك.
والأصح أن الخلع على مهرها وعلى مال مثل مهر مثلها سواء؛ لأنه وإن سمى المهر للخلع فإنما يتناول العقد مثله، وضمان الأب إياه صحيح؛ فينفذ ذلك (٣).
стр. 3248
(وَيَلْزَمُهُ خَمْسُمِائَة) استحسانًا.
وَفِي القِيَاسِ: يَلْزَمُهُ الأَلْفُ، وَأَصْلُهُ فِي الكَبِيرَةِ إِذَا اخْتَلَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُهَا أَلْفُ، فَفِي القِيَاسِ: عَلَيْهَا خَمْسُمِائَةٍ زَائِدَةٌ، … ... … ... … ... … ... .
قوله: (وإن ضمن الأب المهر)؛ أي: في صورة خلع الأب مع الزوج.
(ويلزمه)؛ أي: الأب (خمسمائة استحسانًا)؛ لأن المسألة مصورة في غير الموطوءة؛ بدليل إيراد أصل هذه المسألة في الكبيرة التي لم يدخل بها، ثم لما كانت الصغيرة غير موطوءة وأضاف الخلع إلى مهرها، ومهرها ما يجب بالنكاح، والواجب بالنكاح في الطلاق قبل الدخول نصف المهر وذلك خمسمائة فكأنه خالعها على خمسمائة.
وفي الذخيرة: هذا وجه الاستحسان. هذا إذا خالعها على جميع مهرها.
فإن خالعها على بعض مهرها؛ بأن خالعها على عُشر مهرها مثلًا، والمهر مقبوض وذلك ألف، وهي موطوءة؛ له عليها مائة بدل الخلع، والباقي سالم لها.
ولو كان غير مقبوض؛ سقط عنه عشر المهر بدل الخلع بلا خلاف (١)، ويسقط الباقي بسبب الخلع عند أبي حنيفة خلافًا لهما؛ بناءً على الأصل الذي ذكرنا أن الخلع يوجب البراءة عنده عن حقوق النكاح، خلافًا لهما (٢).
(ففي القياس عليها خمسمائة زائدة)؛ لأن الصفة تتبع المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف ٤٣]؛ لأن الصداق إذا لم يكن مقبوضا استحق الزوج عليها ألفًا بخمسمائة، فيبقى للزوج عليها خمسمائة زائدة.
مسائل تتعلق بهذا الباب
في الذخيرة: قالت: خلعتُ نفسي منك بألفٍ ثلاث مرات، فقال الزوج: رضيتُ أو أجزتُ؛ كان ثلاثا بثلاثة.
ولو قال الزوج: خلعتك، ولم يذكر عوضًا، فقالت: قبلت؛ لا يسقط شيء
стр. 3249
وَفِي الاسْتِحْسَانِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ عَادَةٍ حَاصِلُ مَا يَلْزَمُ لَهَا.
من مهرها في ظاهر الرواية، وقال شيخ الإسلام والسُّغْدي: تبرأ من مهرها وترد المهر لو قبضته.
وعن أبي حنيفة: روايتان إذا لم يذكر العوض في الخلع، والأصح براءته.
وفي شرح الكافي: يبرأ من المهر عنده (١).
وفي المحيط: الصحيح أن ما قبضته فهو لها، وما كان باقيًا في ذمته يسقط (٢).
ولو شرط البراءة عن نفقة العدة ومؤنة السكنى؛ سقطا بلا خلاف.
ولو شرطت البراءة عن السكنى؛ لا يصح؛ لأن السكنى في بيت العدة حق الله تعالى (٣).
وفي المرغيناني: لا تصح البراءة عن نفقة العدة اتفاقا، إلا بالشرط في الطلاق (٤).
ولا يقع الإبراء عن نفقة الولد والرضاع بالشرط، ولو وقت له وقتا؛ جاز، ولو مات الولد قبل تمام الوقت يرجع الأب إلى تمام المدة (٥)، والحيلة في ألا يرجع عليها: أن يقول الزوج: خالعتكِ على أني بريء من نفقة ولدك فإن مات فلا رجوع لي عليكِ.
ولا تدخل نفقة العدة في قوله: خلعتُكِ بكل حقّ لكِ علي؛ لأنها لم تكن حقا عليه عند الخلع (٦).
وفي المحيط في شرط سقوط النفقة: الخلع ينعقد غير موجب للنفقة.
وفي القنية: الإبراء وجد بعد وجود سبب وجوب النفقة؛ فيصح وإن لم تكن واجبة عنده.
стр. 3250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: ما ذكره صاحب المحيط هو الصحيح، وما ذكر في القنية يبطل بالإبراء بعد الخلع فإنه لا يصح.
وفي الينابيع: لو أبرأته من نفقة العدة بعد الخلع صح - هذا يؤيد ما في القنية - بخلاف الإبراء من النفقة حال قيام النكاح؛ لأن الإبراء من النفقة المستقبلة لا يصح. قال صاحب الينابيع: هكذا ذكره الطحاوي (١).
وفي القنية: خالعها على نفقة ولده عشر سنين وهي معسرة وطالبته بنفقتها؛ يجبر عليها، وما شرط عليها دين. وعليه الاعتماد لا على ما أفتاه من سقوط النفقة (٢).
وفي الذخيرة: خالعها على رضاع ابنه سنتين وعلى نفقة ابنه عشر سنين بعد الفطام؛ يجوز. وكذا لو خالعها على أن تكسوه من مالها في المدة ولا تضره الجهالة، ولو لم يشترط ذلك فلها طلب كسوته ولو كان في بطنها (٣).
والمسألة بحالها: ثم ولدته ميتًا؛ رجع عليها بأجرة الرضاع سنتين، ونفقة عشر سنين (٤).
اختلعت على أن تترك ولدها عند الزوج؛ فالخلع جائز والشرط باطل (٥).
في المحيط: قال: اخلعي نفسكِ بألف، ثم قال: خالعتك بألف ولم تقل المرأة قبلتُ؛ يصح الخلع وفي رواية لا يصح؛ وعلل بأن الوكيل يستزيد ويستنقص، والمال مقصود في الخلع بخلاف النكاح، وكذا الكتابة والصلح عن دم عمد على الروايتين، وكذا لو قال: اشتر ثلاث تطليقات بألف؛ فقالت: اشتريت.
وفي النوادر: لا يتم الخلع ما لم يقل الزوج: قبلتُ، وهو الصحيح إلا إذا
стр. 3251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أراد التحقيق دون المساومة.
ولو قال: اختلعت نفسكِ منّي، فقالت: فعلتُ؛ قيل: يصحّ، وقيل: لا يصحّ مطلقا، والمختار: أنّه يصحّ إن أراد التحقيق دون السوم.
قالت: بعتك مهري ونفقة عدّتي، فقال: اشتريتُ؛ فالظّاهر أنّها لا تطلق، ولكن الأحوط تجديد النكاح.
في المغني: خالعته على رضاع ولده سنتين صحّ عند أحمد، وبه قال الشافعي.
و [لو] (١) لم يذكر فيه مدّة: صحّ وينصرف إلى ما بقي من المدّة، وعند الشافعية: لا يصحّ عند عدم ذكر المدّة.
ولو مات الصبي في المدّة أو ماتت أو انقطع لبنها: فعليها أجر المثل لما بقي من المدّة، وعند الشافعي في أحد قوليه: يأتيها بصبي ترضعه في بقيّة المدّة (٢).
ولو خالعها بغير عوض: صحّ ولا شيء له، وروى عنه ابنه عبد الله: أنّها تبقى تطليقتين ويتزوّجها بعقد جديد وهو قول أصحابنا ومالك.
وفي رواية عن أحمد: لا يصحّ الخلع إلّا بعوض (٣).
المختلعة يلحقها صريح الطلاق في العدّة عندنا، وبه قالت الظاهرية، وهو قول ابن المسيب وشريح وطاووس والزهري والنخعي والحكم وحماد ومكحول وعطاء والثوري وابن مسعود وأبي الدرداء وعمران بن الحصين.
وعند الشافعي ومالك وأحمد: لا يلحقها، ولا يتناولها الطلاق [إلا] في قوله: نسائي طوالق عندهم (٤).
ولو قال لها: اعتدي واستبرئي رحمكِ وأنتِ واحدة، ينوي الطلاق؛ يقع عليها تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمّد، خلافًا لأبي يوسف.
стр. 3252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
احتجوا بما روي أنه ﵇ قال: «المختلعة لا يلحقها صريح الطلاق وإن كانت في العدة» ويروى ذلك عن ابن عباس (١).
ولنا: ما رواه أبو يوسف بإسناده في الأمالي عن النبي ﵇ قال: «المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة (٢)»، قال النسائي: الثقات من أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف (٣)، وذكر جماعة غيره، وكذا عن أحمد ويحيى بن معين. ذكره السمعاني في الأنساب.
وروى أبو ثور عن محمد في الكيسانيات عن النبي ﷺ «أن من خالع امرأته ثم طلقها يقع طلاقه» وحديثهم لا أصل له. ذكره سبط ابن الجوزي في إيثار الإنصاف (٤).
ولو اشتد الشقاق بينهما بعث القاضي حكمًا بينهما من أهلهما؛ قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ [النساء: ٢٤] والضمير في ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ للحكمين، وفي ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ للزوجين. وقيل: الضميران للزوجين.
والأولى أن يكون الحكمان من أهلهما؛ لأنهما أخبر بباطن أمرهما وأشفق بهما، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: يشترط أن يكونا من أهلهما إلا أن [لا] (٥) يوجد من أهلهما من يصلح لذلك.
وقولهما نافذ في الجمع والتفريق بتوكيلهما عندنا وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد، وهو قول عطاء وقتادة والحسن وأبي ثور. وقال مالك: قولهما
стр. 3253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نافذ في الجمع والتفريق من غير توكيل منهما وهو قول الأوزاعي وإسحاق ابن راهويه، وروي ذلك عن عثمان وعلي ﵄.
وتطلق واحدة بائنة عند مالك. وقال ابن القاسم: يجوز اجتماعهما على الثلاث.
قلنا: [ليس] (١) للحاكم أن يطلق ولا أن يبرئ من مالهما؛ فكيف يفعل ذلك نائبه؟ (٢).
وفي أحكام القرآن للرازي: عن سعيد ابن جبير: يعظها الزوج، [فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها] (٣)، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، وأيهما كان أظلم رده إلى السلطان وأخذ فوق يده كالعنين والمجبوب؛ فالحاكم هو الذي يتولى النظر في ذلك والفصل بينهما.
ولو ادعى النشوز، وادعت هي ظلمه وتقصيره في حقوقها؛ يفعل الحاكم ما يتفقان عليه من الجمع والتفريق، وليس لهما أن يجمعا ولا أن يفرقا بغير أمرهما.
وزعم إسماعيل المالكي: أن أبا حنيفة وأصحابه لم يعرفوا أمر الحكمين، قال الشيخ أبو بكر: لقد كذَبَ عليهم، والأولى بالإنسان حفظ اللسان، وأمْرُ الحكمين في الشقاق منصوص عليه (٤).
وقال علي ﵁ للزوج لما قال أما الفرقة فلا "قد كذبت، والله [لا تنفلت مني] (٥) حتى تُقِرَّ كما أقرَّتْ"؛ فأخبر [علي: أن الحكمين] (٦) إنما يكون قولهما برضى الزوجين. وقولهما برضا الزوجين، وتحكيم الحكم في الخصومة جائز
стр. 3254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بين الخصمين كالتوكيل (١).
قال إسماعيل: والوكيل لا يسمى حكمًا.
وليس كما ظن، وتسمية الوكيل فيه حكمًا لتأكيد الوكالة لقبول قولهما عليهما كالحاكم.
وزعم أن عليًا إنما أنكر على الزوج لعدم رضاه بكتاب الله ولم يأخذه بالتوكيل، إنما [أخذه] (٢) بعدم الرضا بالكتاب.
وليس كما زعم؛ لأنه قال: أما الفرقة فلا (٣)، فقال ﵁: كذبت؛ أي: أخطأتَ - بل تُقرُّ كما أقرَّتْ، فأنكر عليه ترك التوكيل بالفرقة إذا رأياها؛ (٤) فعدم الرضا بكتاب [الله] (٥) كفر، والحكمان يمضيان أمر الزوجين، وأنهما إذا قصدا الحق وفقهما الله للصواب؛ إذ هما موكلان للجمع والتفريق؛ فعليهما الاجتهاد في طلب الخير لهما (٦).
وكل ما ورد عن السلف أن فعل الحكمين جائز عليهما؛ فهو محمول على رضاهما؛ إذ لم يقولوا: إنه جائز بغير رضا الزوجين، وهذا لأنه غير جائز لهما أن يطلقا امرأة الغير بغير إذنه، ولا أن يدفعا مالها إلى غيرها وتملكاه منه بغير رضاها بخلاف قضاء دينه إذ امتنع منه؛ لأن ذلك إيصال الحق إلى مستحقه ولا حق للزوج في مالها؛ قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٢٩] أباح أن تفتدي بما شاءت وأحل للزوج ذلك؛ فإباحة ذلك للحكمين بغير رضاهما
стр. 3255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مخالف للكتاب؛ قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ﴾ [النساء ٢٩] وقال ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» (١) فهذا حكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة (٢).
والحكمان إنما بعثا للصلح وأن يشهدا على الظالم منهما، وينكرا عليه ظلمه، فإذا لم يقبل، أعلما الحاكم بذلك ليدفع ظلمه، فالحكمان شاهدان في حال، ويصلحان في حال إذا فوض إليهما، وقول من قال: إنهما يفرقان ويخلعان من غير توكيل تعسف خارج عن حكم الكتاب والسنة (٣).
وفي البسيط: في العدد تردد، والعدالة لابد منهما فيهما.
وفي المغني: بشرط أن يكونا مأمونين وذلك برضا الزوجين، وتوكيلهما في التفريق والجمع. وفي رواية كقول مالك (٤).
فإن غابا أو أحدهما بعد بعث الحكمين؛ جاز لهما إمضاء رأيهما إن قلنا: هما وكيلان، وإن قلنا: هما حاكمان؛ لم يجز القضاء للغائب.
وإن جنَّ أحدهما؛ بطل توكيله (٥).
وكذا إن كان حاكما؛ لأن بقاء الشقاق بينهما شرط عند الحكم (٦).
ولو اختلفا في قدر العوض؛ القول لها عندنا وأحمد، وقال الشافعي: يتحالفان (٧).
стр. 3256
بَابُ الظَّهَارِ
باب الظهار
لما شرع في بيان التحريمات عقب الظهار؛ لما أن الخلع بناء على النشوز؛ فكذا الظهار يقع عند النشوز غالبًا، وقد نزلت آية الظهار في خولة كما تجيء و [هي] (١) عند النشوز، أو باعتبار أن في الظهار تحريم بدون الانقطاع، وفي الخلع تحريم بانقطاع الزوجية فكان أكمل؛ فقدم.
ثم الظهار لغة: مصدر ظاهر يظاهرُ ظِهارًا، وفي الصحاح والمغرب يقال: ظاهر امرأته وتظاهر وأظهر واظاهر وتظهر وظهَرَ؛ كل ذلك قول الرجل امرأته: أنت علي كظهر أمي (٢).
والظهر في قوله ﵇: «لا صدقة إلا عن ظهر غني» (٣) مقحم كما في ظهر القلب وظهر الغيب، وَظَاهَرَهُ: إذا أعانه، وَظَاهر بين ثوبين: إذا لبس أحدهما فوق الآخر (٤).
وعدى بـ " من " وإن كان "ظاهر " متعديًا؛ لأنهم إذا ظاهروها تباعدوا منها كما في الإيلاء (٥).
وفي المحيط والمنافع: الظهار لغة: مقابلة الظهر بالظهر، والرجل والمرأة إذا كان بينهما شحناء يدير كل واحد ظهره إلى الآخر (٦).
وفي مبسوط الطوسي: سُمِّي ظهارا؛ اشتقاقا من الظهر، وخص به دون البطن والفرج والفخذ؛ لأن كل دابة يركب ظهرها، فلما كانت الزوجة تركب وتغشى شبهت بذلك؛ والمعنى: ركوبكِ عليَّ محرم كركوب ظهر أمي (٧).
стр. 3257
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي فَقَد حَرُمَتْ عَلَيْهِ، لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا مَسُّهَا وَلَا تَقْبِيلُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ
وفي جامع الأصول: أنهم أرادوا أنتِ عليَّ كبطن أمي؛ يعني: علي بجماعها؛ فكنوا عن البطن بالظهر (١)؛ لأنه عمود البطن، وللمجاورة.
قيل: إن إتيان المرأة من ظهرها كان محرمًا عندهم؛ فيقصد مطلق التغليظ في تحريم امرأته تشبيها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى يجعلها كظهر أمه (٢).
وشريعة: تشبيه المنكوحة امرأة محرمة على التأبيد (٣) بنسب أو صهرية أو رضاع. وبه قال: الشافعي في قول، ومالك، وأحمد.
وقال الشافعي في القول القديم: يقتصر على التشبيه بالأم، وفي قول يلحق بها الجدة.
وقيل: بقوله "اتفاقا " احترازًا عن قوله لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر فلانة وهي أمُّ المَزْنِيّ بها؛ فإنه لا يكون مظاهرًا؛ لأن الحرام لا يحرم الحلال عند بعض الفقهاء. كذا في شرح الطحاوي.
وركنه: قوله: أنت عليَّ كظهر أمي أو ما يقوم مقامه في إفادة معناه.
وشرطه: أن يكون المُشَبَّهُ منكوحته حتى لا يصح ظهار من أمته. وبه قال الشافعي وأحمد. وقال والثوري: يصح الظهار من كل أمة.
وأهله: هو من أهل الكفارة حتى لا يصح ظهار الذمي عندنا. وبه قال مالك. وعند الشافعي وأحمد: يصح ظهاره.
ولا يصح ظهار الصبي بالإجماع.
وحكمه: حرمة الوطء والدواعي مع بقاء أصل الملك إلى غاية الكفارة كما في حالة الحيض.
قوله: (إذا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) إلى آخره في
стр. 3258
نِّسَابِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] إلى أَنْ قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. وَالظَّهَارُ كَانَ طَلَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّرَ الشَّرعُ أَصْلَهُ، وَنَقَلَ حُكمَهُ إِلَى تَحْرِيم مُؤَقَّت بِالكَفَّارَةِ غَيْرِ مُزِيلَ لِلنِّكَاحِ، … ... … .
المبسوط: (الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فقرر الشرع أصله ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة) من غير أن يكون مزيلًا للملك، ولا خلاف فيه لأحد من العلماء، الأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] أي يتجامعا، وسبب نزولها: قصة خولة بنت مالك بن ثعلبة، وفي رواية: خويلة، فإنها قالت: كنت تحت أوس بن الصامت بن قيس، فجئت رسول الله صلى الله عيه وسلم أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه ويقول: «اتق الله فإنه ابن عمك» فما برحت حتى نزلت: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة ١] ثم قال لها رسول الله: «مريه فليعتق رقبة» فقلت: لا يجد ذلك يا رسول الله، فقال: «مريه أن يصوم شهرين» فقلت: هو شيخ كبير لا يطيق الصوم، فقال: «مريه فليطعم ستين مسكينا» فقلت: ما عنده شيء يا رسول الله، فقال: «أنا سأعينه بِعَرَقٍ» فقلت: وأنا أعينه بعَرَق أيضًا، فقال: «أحسنت اذهبي وأطعمي بها ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك» (١) والعَرَقُ: ستون صاعًا بما رواه أحمد وأبو داود (٢).
وقيل: العَرق - بفتح العين والراء المهملتين - مكيل يسع ثلاثين صاعًا، وقال أبو داود: وهذا أصح (٣).
رو ابن ماجة أنها تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول يا رسول الله: أكل شبابي ونثرت له بطني: أي: ولدت له أولادًا - حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات (٤).
стр. 3259
وَهَذَا لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ، لِكُونِهِ مُنكَرًا مِنْ القَولِ وَزُورًا فَيُنَاسِبُ المُجَازَاةَ عَلَيْهَا بِالحُرمَةِ، وَارْتِفَاعُهَا بِالكَفَّارَةِ.
(وهذا)؛ أي: كون الظهار تحريم مؤقت إلى الكفارة؛ (لأنه) أي؛ لأن الظهار (جناية) قال الله تعالى: ﴿مُّنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾؛ حيث شبه من هي في أقصى غايات الحل بمن هي في أقصى غايات الحرمة، فجعل الشرع موجبه حرمة الاستمتاع جزاء على جنايته.
(وارتفاعها)؛ أي: ارتفاع الجناية (بالكفارة) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، وقال ﵇: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» (١).
وفي المنافع: الكفارة تجب بالظهار والعود؛ لأن الظهار منكر من القول وزور فهو كبيرة محضة فلا تصلح سببًا للكفارة؛ لأنها عبادة أو المغلَّب فيها معنى العبادة فلا يكون سببها محظورًا محضًا، فعلق وجوبها بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك بالمعروف بعد الظهار، وهكذا في الينابيع والحواشي (٢).
وفي المحيط: سبب وجوبها العزم على الوطء، والظهار شرط قبل الحكم يتكرر بتكرر سببه لا شرطه، وهاهنا الأمر على العكس؛ فإن الكفارة تتكرر بتكرر الظهار دون تكرر العزم على الوطء (٣).
وفي المبسوط: وبمجرد العزم على الوطء لا تتقرر الكفارة عندنا، حتى لو أبانها بعد هذا أو ماتت؛ لا تجب الكفارة، وهذا دليل على أن الكفارة غير واجبة لا بالظهار ولا بالعود؛ إذ لو وجبت لما سقطت، بل موجبه الظهار ثبوت التحريم، فإذا أراد رفعه لابد من الكفارة، حتى لو لم يرد ذلك ولم يطلب المرأة؛ لا تجب عليه الكفارة أصلًا (٤).
стр. 3260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: يقال له: إذا أردت أن تستبيح وطئها الذي حرمته على نفسك فلا تطأها حتى تُكَفِّرَ، فقلنا (١) إن الظهار لا يوجب الكفارة بل يوجب تحريم وطئها، حتى لو لم يُرد وطئها أو بانت أو ماتت؛ فلا كفارة عليه (٢).
وفي الينابيع: رضي أن تكون محرَّمة ولا يعزم على وطئها؛ لا تجب الكفارة، ولو عزم ثم ترك؛ لا تجبُ أيضًا، فعلم أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار. وهو قول مالك وأحمد في الصحيح، وفي قول عنده: تجب بنفس الظهار (٣).
واختلف أهل العلم في العود المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة ٣] فعندنا: هو العزم على إباحة الوطء.
والثاني: قال مالك: إرادة الوطء. في رواية أشهب.
والثالث: إرادة الوطء مع استدامة العصمة، فإن أجمع على الوطء دون استدامة العصمة؛ لم تجب الكفارة.
وإن استدام العصمة ولم يجمع على الوطء؛ لم تجب الكفارة، ولو كَفَرَ لا يجزئه، وهو قول مالك. وعندنا: يجزئه. وفي مختصر شرح الكرخي: لو بانت منه بالطلاق أو تزوجت بغيره وكَفَّر؛ صح التكفير.
والرابع: العود الوطء نفسه. رواه عبد الوهاب عن مالك؛ فعلى هذا لا يجزئه التكفير قبل الوطء.
والخامس: أن يسكت عن طلاقها عقيب الظهار في زمان يمكنه طلاقها. وبه قال الشافعي وأصحابه، وبعض الظاهرية.
والسادس: العود أن يعود فيتكلم بالظهار مرة ثانية ولا يجب عليه بالأول شيء. وهو قول داود الظاهري.