← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

بَابُ الظَّهَارِ باب الظهار لما شرع في بيان التحريمات عقب الظهار؛ لما أن الخلع بناء على النشوز؛ فكذا الظهار يقع عند النشوز غالبًا، وقد نزلت آية الظهار في خولة كما تجيء و [هي] (١) عند النشوز، أو باعتبار أن في الظهار تحريم بدون الانقطاع، وفي الخلع تحريم بانقطاع الزوجية فكان أكمل؛ فقدم. ثم الظهار لغة: مصدر ظاهر يظاهرُ ظِهارًا، وفي الصحاح والمغرب يقال: ظاهر امرأته وتظاهر وأظهر واظاهر وتظهر وظهَرَ؛ كل ذلك قول الرجل امرأته: أنت علي كظهر أمي (٢). والظهر في قوله ﵇: «لا صدقة إلا عن ظهر غني» (٣) مقحم كما في ظهر القلب وظهر الغيب، وَظَاهَرَهُ: إذا أعانه، وَظَاهر بين ثوبين: إذا لبس أحدهما فوق الآخر (٤). وعدى بـ " من " وإن كان "ظاهر " متعديًا؛ لأنهم إذا ظاهروها تباعدوا منها كما في الإيلاء (٥). وفي المحيط والمنافع: الظهار لغة: مقابلة الظهر بالظهر، والرجل والمرأة إذا كان بينهما شحناء يدير كل واحد ظهره إلى الآخر (٦). وفي مبسوط الطوسي: سُمِّي ظهارا؛ اشتقاقا من الظهر، وخص به دون البطن والفرج والفخذ؛ لأن كل دابة يركب ظهرها، فلما كانت الزوجة تركب وتغشى شبهت بذلك؛ والمعنى: ركوبكِ عليَّ محرم كركوب ظهر أمي (٧).

стр. 3257

(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي فَقَد حَرُمَتْ عَلَيْهِ، لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا مَسُّهَا وَلَا تَقْبِيلُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ وفي جامع الأصول: أنهم أرادوا أنتِ عليَّ كبطن أمي؛ يعني: علي بجماعها؛ فكنوا عن البطن بالظهر (١)؛ لأنه عمود البطن، وللمجاورة. قيل: إن إتيان المرأة من ظهرها كان محرمًا عندهم؛ فيقصد مطلق التغليظ في تحريم امرأته تشبيها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى يجعلها كظهر أمه (٢). وشريعة: تشبيه المنكوحة امرأة محرمة على التأبيد (٣) بنسب أو صهرية أو رضاع. وبه قال: الشافعي في قول، ومالك، وأحمد. وقال الشافعي في القول القديم: يقتصر على التشبيه بالأم، وفي قول يلحق بها الجدة. وقيل: بقوله "اتفاقا " احترازًا عن قوله لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر فلانة وهي أمُّ المَزْنِيّ بها؛ فإنه لا يكون مظاهرًا؛ لأن الحرام لا يحرم الحلال عند بعض الفقهاء. كذا في شرح الطحاوي. وركنه: قوله: أنت عليَّ كظهر أمي أو ما يقوم مقامه في إفادة معناه. وشرطه: أن يكون المُشَبَّهُ منكوحته حتى لا يصح ظهار من أمته. وبه قال الشافعي وأحمد. وقال والثوري: يصح الظهار من كل أمة. وأهله: هو من أهل الكفارة حتى لا يصح ظهار الذمي عندنا. وبه قال مالك. وعند الشافعي وأحمد: يصح ظهاره. ولا يصح ظهار الصبي بالإجماع. وحكمه: حرمة الوطء والدواعي مع بقاء أصل الملك إلى غاية الكفارة كما في حالة الحيض. قوله: (إذا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) إلى آخره في

стр. 3258

نِّسَابِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] إلى أَنْ قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. وَالظَّهَارُ كَانَ طَلَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّرَ الشَّرعُ أَصْلَهُ، وَنَقَلَ حُكمَهُ إِلَى تَحْرِيم مُؤَقَّت بِالكَفَّارَةِ غَيْرِ مُزِيلَ لِلنِّكَاحِ، … ... … . المبسوط: (الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فقرر الشرع أصله ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة) من غير أن يكون مزيلًا للملك، ولا خلاف فيه لأحد من العلماء، الأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] أي يتجامعا، وسبب نزولها: قصة خولة بنت مالك بن ثعلبة، وفي رواية: خويلة، فإنها قالت: كنت تحت أوس بن الصامت بن قيس، فجئت رسول الله صلى الله عيه وسلم أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه ويقول: «اتق الله فإنه ابن عمك» فما برحت حتى نزلت: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة ١] ثم قال لها رسول الله: «مريه فليعتق رقبة» فقلت: لا يجد ذلك يا رسول الله، فقال: «مريه أن يصوم شهرين» فقلت: هو شيخ كبير لا يطيق الصوم، فقال: «مريه فليطعم ستين مسكينا» فقلت: ما عنده شيء يا رسول الله، فقال: «أنا سأعينه بِعَرَقٍ» فقلت: وأنا أعينه بعَرَق أيضًا، فقال: «أحسنت اذهبي وأطعمي بها ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك» (١) والعَرَقُ: ستون صاعًا بما رواه أحمد وأبو داود (٢). وقيل: العَرق - بفتح العين والراء المهملتين - مكيل يسع ثلاثين صاعًا، وقال أبو داود: وهذا أصح (٣). رو ابن ماجة أنها تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول يا رسول الله: أكل شبابي ونثرت له بطني: أي: ولدت له أولادًا - حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات (٤).

стр. 3259

وَهَذَا لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ، لِكُونِهِ مُنكَرًا مِنْ القَولِ وَزُورًا فَيُنَاسِبُ المُجَازَاةَ عَلَيْهَا بِالحُرمَةِ، وَارْتِفَاعُهَا بِالكَفَّارَةِ. (وهذا)؛ أي: كون الظهار تحريم مؤقت إلى الكفارة؛ (لأنه) أي؛ لأن الظهار (جناية) قال الله تعالى: ﴿مُّنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾؛ حيث شبه من هي في أقصى غايات الحل بمن هي في أقصى غايات الحرمة، فجعل الشرع موجبه حرمة الاستمتاع جزاء على جنايته. (وارتفاعها)؛ أي: ارتفاع الجناية (بالكفارة) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، وقال ﵇: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» (١). وفي المنافع: الكفارة تجب بالظهار والعود؛ لأن الظهار منكر من القول وزور فهو كبيرة محضة فلا تصلح سببًا للكفارة؛ لأنها عبادة أو المغلَّب فيها معنى العبادة فلا يكون سببها محظورًا محضًا، فعلق وجوبها بهما ليخف معنى الحرمة باعتبار العود الذي هو إمساك بالمعروف بعد الظهار، وهكذا في الينابيع والحواشي (٢). وفي المحيط: سبب وجوبها العزم على الوطء، والظهار شرط قبل الحكم يتكرر بتكرر سببه لا شرطه، وهاهنا الأمر على العكس؛ فإن الكفارة تتكرر بتكرر الظهار دون تكرر العزم على الوطء (٣). وفي المبسوط: وبمجرد العزم على الوطء لا تتقرر الكفارة عندنا، حتى لو أبانها بعد هذا أو ماتت؛ لا تجب الكفارة، وهذا دليل على أن الكفارة غير واجبة لا بالظهار ولا بالعود؛ إذ لو وجبت لما سقطت، بل موجبه الظهار ثبوت التحريم، فإذا أراد رفعه لابد من الكفارة، حتى لو لم يرد ذلك ولم يطلب المرأة؛ لا تجب عليه الكفارة أصلًا (٤).

стр. 3260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: يقال له: إذا أردت أن تستبيح وطئها الذي حرمته على نفسك فلا تطأها حتى تُكَفِّرَ، فقلنا (١) إن الظهار لا يوجب الكفارة بل يوجب تحريم وطئها، حتى لو لم يُرد وطئها أو بانت أو ماتت؛ فلا كفارة عليه (٢). وفي الينابيع: رضي أن تكون محرَّمة ولا يعزم على وطئها؛ لا تجب الكفارة، ولو عزم ثم ترك؛ لا تجبُ أيضًا، فعلم أن الكفارة لا تجب بمجرد الظهار. وهو قول مالك وأحمد في الصحيح، وفي قول عنده: تجب بنفس الظهار (٣). واختلف أهل العلم في العود المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ [المجادلة ٣] فعندنا: هو العزم على إباحة الوطء. والثاني: قال مالك: إرادة الوطء. في رواية أشهب. والثالث: إرادة الوطء مع استدامة العصمة، فإن أجمع على الوطء دون استدامة العصمة؛ لم تجب الكفارة. وإن استدام العصمة ولم يجمع على الوطء؛ لم تجب الكفارة، ولو كَفَرَ لا يجزئه، وهو قول مالك. وعندنا: يجزئه. وفي مختصر شرح الكرخي: لو بانت منه بالطلاق أو تزوجت بغيره وكَفَّر؛ صح التكفير. والرابع: العود الوطء نفسه. رواه عبد الوهاب عن مالك؛ فعلى هذا لا يجزئه التكفير قبل الوطء. والخامس: أن يسكت عن طلاقها عقيب الظهار في زمان يمكنه طلاقها. وبه قال الشافعي وأصحابه، وبعض الظاهرية. والسادس: العود أن يعود فيتكلم بالظهار مرة ثانية ولا يجب عليه بالأول شيء. وهو قول داود الظاهري.

стр. 3261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والسابع: الكفارة تجب بنفس الظهار ولا اعتبار، وبه قال مجاهد وغيره. والثامن: العود وهو الوطء بنفسه لكن تقدم الكفارة عليه، وهو قول ابن القاسم. والتاسع: قال ابن قتيبة: العود في الإسلام لا نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدونه طلاقًا. قال ابن شداد: العود إلى عادتهم في الجاهلية في تعاطي الظهار وهو قول الثوري. وقال ابن بطال في رد قول الشافعي: أن الكفارة شرعت لدفع الحرمة، والإمساك عن طلاقها ليس بجناية، وإيجاب التكفير يشعر بالجناية ورفعها. قال أبو بكر الرازي: الظهار لم يُوجب تحريم العقد والإمساك حتى يكون العود إمساكها والبقاء على النكاح (١). ولأن "ثم" للتراخي، ومن جعل العود الإمساك عن طلاقها عقيب الظهار فقد ترك حكم "ثم". ولأن إمساكها لو كان عودًا لوجبت الكفارة في الظهار المؤقت. قوله: (حَرُم بدواعيه)، وبه قال الزهري والأوزاعي والنخعي ومالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد في رواية. وقال الشافعي في قول: لا تحرم الدواعي، وبه قال أحمد في رواية؛ لأن التحريم عرف بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] والتماس في القرآن كناية عن الجماع. وقلنا: إنه حقيقة للمس باليد، والحقيقة حقيق بأن تراد. ولأن الحرمة تثبت بموجب التشبيه بالأم، والأم حرام الاستمتاع مسا وجماعًا، فكذا المرأة.

стр. 3262

ثُمَّ الوَطْءُ إِذَا حَرُمَ حَرُمَ بِدَوَاعِيهِ كَي لَا يَقَعَ فِيهِ كَمَا فِي الإِحْرَامِ، بِخِلَافِ الحَائِضِ وَالصَّائِمِ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُهُمَا، فَلَو حَرُمَ الدَّوَاعِي يُفْضِي إِلَى الحَرَجِ وَلَا كَذَلِكَ الظَّهَارُ وَالإِحْرَامُ. (فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ الكَفَّارَةِ الأُولَى ولأن الأصل أن (الوطء إذا حَرُم، حَرُم بدواعيه كي لا يقع فيه كما في الإحرام بخلاف الحائض) (١) والصائم؛ لأنه يكثر وجودهما [(فلو حرم الدواعي يفضي إلى الحرج) وهو مدفوع بالنص. ولا يقال: لما كثر وجودهما] (٢) كانا أدعى إلى شرع الزاجر من الظهار فلم انعكس الأمر؟ لأنا نقول: كما أن أوقات الحيض والصوم أكثر دورًا؛ كذلك أوقات الطهر والإفطار أيضًا أكثر دورًا، فلما كثر أوقاتهما كان الجماع موجودًا فيهما ظاهرًا فيوجب ذلك فتور رغبته في الجماع، فلا يليق به إيجاب الزاجر؛ لأن إيجابه لمنع وجود الجماع وفتور الرغبة بمنعه عنه، فلا يحتاج إلى إيجاب الزاجر. قوله: (اسْتَغْفَرَ الله تعالى ولا شيء عليه غير الكفارة الأولى)؛ يعني: لا شيء عليه غير ما يجب في قصد حلها الوطء إذا أراد وطئها بعد هذا، وهو قول الجمهور ومالك وأحمد والشافعي. وقال عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب وابن جبير والزهري وقتادة: تجب كفارتان. وقال الحسن البصري والنخعي: تجب ثلاث كفارات. لنا: حديث ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ وقد ظاهر من امرأته وقال: وقعت عليها قبل أن أُكَفِّرَ، قال: «ما حملك على ذلك»؟ قال: رأيتُ خلخالها في ضوء القمر، قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرُكَ» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه (٣).

стр. 3263

وَلَا يَعُودُ حَتَّى يُكَفِّرَ) لِقَولِهِ ﵊ لِلَّذِي وَاقَعَ فِي ظِهَارِهِ قَبْلَ الكَفَّارَةِ: «استَغفِر اللَّهَ وَلَا تَعُد حَتَّى تُكَفِّرَ» وَلَو كَانَ شَيْءٌ آخَرُ وَاجِبًا لَنَبَّهَ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَكُونُ إِلَّا ظِهَارًا) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ (وَلَو نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُ) لِأَنَّهُ مَنسُوخُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الإِنيَانِ بِهِ (وَإِذَا قَالَ: أَنتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَفَحْذِهَا أَوْ كَفَرِجِهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ) لِأَنَّ الظَّهَارَ لَيْسَ إِلَّا تَشبِيهُ المُحَلَّلَةِ بِالمُحَرَّمَةِ، وَهَذَا المَعْنَى يَتَحَقَّقُ فِي عُضو لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ (وَكَذَا إِذَا شَبَّهَهَا بِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا عَلَى وفي الكشاف: هو سلمة بن صخر البياضي من بني بياضة (١). رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه والترمذي أيضًا. وفي روايتهم: قال له ﵇: «حرر رقبة»، قال سلمة: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضرب صفحة رقبته، فقال ﵇: «صم شهرين متتابعين» (٢) إلى آخر ما ذكر في كفارة الصوم. قوله: (وهذا اللفظ)؛ أي قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي لا يكون إلا ظهارا؛ لأنه صريح في الظهار (ولو نوى به الطلاق أو الإيلاء أو لم ينو شيئاً؛ يكون ظهارا؛ لأنه لو ثبت به غيره لبطل حكم النص. ولأن الطلاق من ذلك اللفظ منسوخ فلا يتمكن من الإتيان به)؛ لأنه تغيير موضوع الشرع وليس إلى العبد ذلك. قوله: (ليس إلا تشبيه المحللة بالمحرمة) اللام فيهما للعهد؛ أي: المحللة نكاحا والمحرمة تأبيدا لا توقيتا. قوله: (في عُضو لا يجوز النظر إليه) احترازًا عن التشبيه باليد والرجل والشعر والظفر؛ لأنه يحل النظر إليه والمس؛ فلا يكون مظاهرا. كذا في المبسوط (٣).

стр. 3264

التَّابِيدِ مِنْ مَحَارِمِهِ، مِثلِ أُختِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ) لِأَنَّهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ المُؤَبَّدِ كَالأُمِّ (وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: رَأْسُكِ عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي أَوْ فَرجُكِ أَوْ وَجْهُكِ أَوْ رَقَبَتُكِ أَوْ نِصْفُكِ أَوْ ثُلُثُكِ أَوْ بَدَنُكِ) لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، وَيَثْبُتُ الحُكمُ فِي الشَّائِعِ ثُمَّ يَتَعَدَّى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الطَّلَاقِ (وَلَو قَالَ: أَنتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي يَرْجِعُ إِلَى نِيَّتِهِ) لِيَنكَشِفَ حُكمُهُ (فَإِنْ قَالَ: أَرَدتُ الكَرَامَةَ فَهُوَ كَمَا قَالَ) لِأَنَّ التَّكْرِيمَ وقالت الظاهرية: يختص الظهار بظهر الأم. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لو قال: أنتِ عليَّ كيد أمي أو كرجلها أو كرأسها أو كعنقها أو كعُضدها؛ يكون مظاهرًا أيضًا كما في الظهر للتلذذ بها، فلو قال: كشعرها أو سنها أو ظفرها لا يكون مظاهرًا لعدم التلذذ بها. والضابط عندنا: كل جزء لا يجوز النظر والمس فيه؛ لا يكون مظاهرًا بالتشبيه بها؛ كما قلنا من المبسوط. وقال الماوردي: قال أبو حنيفة: ما يجيء بعد فقدها لا يصير مظاهرا به، وما لا يجيء بفقده يكون مظاهرًا بالتشبيه به. وفي نقله ذلك الضابط عن أبي حنيفة غلط، فإن بعد زوال الرأس لا يجيء قطعا، وقد ذكرنا أنه لا يصير به مظاهرًا، وبقطع فخذها جاز أن يجيء ويصير به مظاهرًا. بل الأصل ما ذكر في المتن. قوله: (في التحريم المؤبد كالأم)، وقد ذكرنا الخلاف فيه كما بينا في الطلاق؛ وهو: أن كل عُضو يُعَبَّر به عن جميع البدن يقع به الطلاق؛ فكذا في الظاهر، وقد بينا فيه خلاف العلماء؛ وكذا في الظهار. في المبسوط: لو قال: جنبك أو ظهرك عليَّ كظهر أمي؛ لم يكن مظاهرا؛ لأن هذا العضو لا يعبر عن جميع البدن عادة. وكذا لو قال: بطنكِ أو فخذكِ أو يدكِ أو رجلكِ؛ لا يكون مظاهرًا عندنا خلافًا للأئمة الثلاثة؛ لأن هذه الأعضاء لا تعبر عن الكل ظاهرًا (١). (يرجع إلى نيته)، وبه قال الشافعي؛ لأنه يحتمل وجوها من التشبيه.

стр. 3265

بِالتَّسْبِيهِ فَا فِي الكَلَامِ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدت الظُّهَارَ فَهُوَ ظِهَارُ) لِأَنَّهُ تَسْبِيةٌ بِجَمِيعِهَا، وَفِيهِ تَسْبِيهُ بِالعُضوِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدتُ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقُ بَائِنٌ) لِأَنَّهُ تَسْبِيهُ بِالْأُمِّ فِي الحُرمَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ، (وَإِنْ لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيء) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، لِاحْتِمَالِ الحَملِ عَلَى الكَرَامَةِ (*). وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَكُونُ ظِهَارًا، لِأَنَّ التَّسْبِيهَ بِعُضو مِنهَا لَمَّا كَانَ ظِهَارًا فَالتَّسْبِيهُ بِجَمِيعِهَا أُولَى. وَإِنْ عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ لَا غَيْرُ؛ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: هُوَ إِيلَاءٌ (وإن لم تكن [له] (١) نية؛ فليس بشيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف) وبه قال أصحاب الشافعي في وجه؛ لأنه مجمل ولم يبين. وفي قول محمد [ظهار] (٢) وبه قال أصحابه في وجه آخر، ومالك وأحمد. وفي المبسوط: لم يذكر قول أبي يوسف، وعنه روايتان أحدهما كقول محمد فإنه قال في الأمالي: إذا كان هذا في حالة الغضب وقال: نويت به البر؛ لم يصدق في القضاء وهو ظهار. وعن أبي يوسف: أنه إيلاء؛ لأن الأم محرمة عليه، فكان قوله: أنت علي كأمي؛ بمنزلة قوله: أنت علي حرام، وقد قلنا في هذا: أنه إذا لم ينو شيئاً يكون إيلاء (٣). وبنحو هذا يحتج محمد؛ إلا أنه يقول: هو ظهار لوجود كاف الخطاب في كلامه وهو حرف التشبيه يختص بالظهار، ومتى أراد البر يقول: أنتِ عندي كأمي، ولا يقول "علي"، إلا أنه إذا نوى البر أقمنا حرف "على" مقام "عند" تصحيحًا لنيته، فإن لم ينو؛ بقي محمولاً على حقيقته فكان ظهارًا. وأبو حنيفة يقول: كاف التشبيه لا تقتضي العموم فاقتضى المشابهة في وصف خاص، وذا يحتمل التشبيه في التحريم أو في معنى البر والكرامة وهو معهود بين الناس؛ فلا يثبت الظهار بالشك، مع أن الترجيح للبر والكرامة؛ لأن

стр. 3266

لِيَكُونَ الثَّابِتُ بِهِ أَدنَى الحُرمَتَينِ. وَعِنْدَ مُحَمَّد: ظِهَارٌ لِأَنَّ كَافَ التَّسْبِيهِ تَحْتَصُّ بِهِ. كلام العاقل متي أمكن حمله على وجه صحيح يحلّ شرعًا لا يحمل على ما يحرم شرعًا، والظهار منكر وزور فلا يحمل عليه؛ لأنه مسيء (١). وألحق في الجامع الصغير قوله: مثل أمي؛ بقوله: كأمي. وقول محمد كاف التشبيه يختص بالظهار؛ قلنا: لو كان لا يحتاج إلى النية. قوله: (الثابت به أدنى الحرمتين)؛ لأن حُرمة الإيلاء أدنى من حرمة الظهار سببًا وحكمًا وزاجرًا. أما السبب فإن الظهار منكر من القول وزور، وسبب حرمة الإيلاء: اليمين واليمين مباح. وأما الحكم: فإن حرمة الظهار أغلظ حتى كانت كفارته عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، وكفارة الإيلاء: إطعام عشرة مساكين. ولأن في حرمة الإيلاء ممكن بالوطء قبل الكفارة، وفي الظهار لا يحل وطئها ما لم يُكَفِّر. ولأن حرمة الظهار باقية بعد التطليقات الثلاث دون [الإيلاء] (٢)، حتى لو ظاهر منها ثم طلقها ثلاثًا، ثم تزوج بأخرى، ثم عاد؛ يبقى الظهار حتى لا يحل وطئها بدون الكفارة. وفي الإيلاء: لا يعود في حق الطلاق. ولأن المظاهر إذا امتنع عن التكفير يجبره القاضي على التكفير بالحبس والضرب، ولا كذلك الإيلاء. وأما الزاجر: فظاهر وقد بيناه، ولكن ذكر في جامع قاضي خان: "ولو نوى [به] (٣) التحريم " ذكر في بعض النسخ أنه إيلاء عند أبي حنيفة وأبي

стр. 3267

(وَلَو قَالَ: أَنتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي، وَنَوَى ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الوَجهَينِ الظَّهَارُ: لِمَكَانِ التَّسْبِيهِ، وَالطَّلَاقُ: لِمَكَانِ التَّحْرِيمِ، وَالتَّسْبِيهُ تَأْكِيدٌ لَهُ وَإِنْ لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَعَلَى قَولِ أَبِي يُوسُفَ إِيلَاءٌ، وَعَلَى قَولِ مُحَمَّد ظِهَارٌ، وَالوَجْهَانِ بَيَّنَّاهُمَا (وَإِنْ قَالَ: أَنتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهرِ أُمِّي، وَنَوَى بِهِ طَلَاقا أو إيلاء، لَم يَكُنْ إِلَّا ظِهَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ عَلَى مَا نَوَى) (*) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّد إِذَا نَوَى الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَكُونَانِ جَمِيعًا يوسف، والأصح أنه ظهار عند الكل؛ لأن التحريم المؤكد بالتشبيه ظهار (١). وكذا ذكر التمرتاشي أنه ظهار من غير ذكر خلاف. وفي شرح المختار كون الثابت بالإيلاء أدنى الحرمتين بالإجماع. قوله: (يحتمل الوجهين) لا غير؛ لتصريحه بالحرمة، بخلاف المسألة الأولى فإنه يحتمل الكرامة أيضًا. قوله: (ونوى به طلاقًا أو إيلاء) وفي المبسوط أو لم ينو شيئاً؛ فهو ظهار عند أبي حنيفة (٢)، وبه قال أحمد والشافعي في قول. وفي قول: إن نوى طلاقًا؛ كان طلاقًا، وهو قول أبو يوسف ومحمد - يكون، غير أن عند أبي يوسف يكون طلاقًا وظهارًا إذا نوى الطلاق، وعند محمد لا يكون ظهارا ويكون طلاقًا فقط. قوله: (يكونان)؛ أي: الطلاق والظهار؛ لأن الطلاق بقوله: علي حرام بنيته، والظهار بتشبيهها بالأم، ولا منافاة بينهما. ولكن هذا ضعيف؛ لأن الطلاق لما وقع بقوله " أنت علي حرام" بنيته كان متكلما بلفظ الظهار [بعد ما بانت، والظهار بعد البينونة لا يصح. فإن قيل: الطلاق مع الظهار] (٣) ثنتان؛ بـ " أنت علي حرام".

стр. 3268

وَقَدْ عُرِفَ مَوضِعُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظُّهَارِ فَلَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، ثُمَّ هُوَ مُحكَمٌ فَيُرَدُّ التَّحْرِيمُ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا يَكُونُ الظُّهَارُ إِلَّا مِنْ الزَّوجَةِ، حَتَّى لَو ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ: لَم يَكُنْ مُظَاهِرًا) قلنا: اللفظ الواحد لا يحتمل معنيين مختلفين. كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قوله: (وقد عرف في موضعه)؛ أي: في المبسوط. وذكر في الفوائد الظهيرية: جواب أبي يوسف عن هذا؛ فقال: جاز أن يصح ظهار المبانة على قوله وكان هذا رواية منه. ولأن هذا الكلام صريح في الظهار؛ ولهذا يثبت بلا نية فلا يصدق في إبطال حكم الظهار، ويصدق في إرادة الطلاق؛ لاعترافه به كما لو قال: زينب طالق وله امرأة معروفة بهذا الاسم، فقال لأخرى وعنيت هذه؛ يقع على المعروفة بالظهار، وعلى تلك بالنية. كذا في الكافي (٢). قوله: (فلا يحتمل غيره)؛ أي: غير الظهار؛ لأن معنى قوله "أنت عليَّ كظهر أمي": [أنت حرام كظهر أمي]؛ فيكون الحرام تفسيرا للظهار، والشيء لا يتغير بتفسيره. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣). قوله: (ثم هو)؛ أي: قوله "كظهر أمي" (محكم) الظهار، وقوله "أنتِ عليَّ حرام" محتمل؛ (فيرد) المحتمل على المحكم. قوله: (حتى لو ظاهر من أمته) أو مدبرته أو أم ولده؛ (لم يكن مظاهرًا) وبه قال الشافعي وأحمد، وجمع كثير من الصحابة والتابعين. وعند مالك والثوري: يصح الظهار من كل أمة مباحة. وقال ابن جبير وعكرمة وطاوس وقتادة والزهري: إن كان يطأها يكون مظاهرًا، وعند مالك: لم يشترط الوطء.

стр. 3269

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ نِّسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وَلِأَنَّ الحِلَّ فِي الْأَمَةِ تَابِعٌ فَلَا تُلْحَقُ بِالمَنكُوحَةِ، وَلِأَنَّ الظُّهَارَ مَنقُولٌ عَنْ الطَّلَاقِ وَلَا طَلَاقَ فِي المَمْلُوكَةِ. وقال عطاء: عليه نصف كفارة، وعن أحمد عليه كفارة الظهار، وليس بمظاهر، والصحيح عليه كفارة يمين. ذكره في المغني (١). لنا: (قوله تعالى: ﴿مِنْ نِّسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]) والأمة ليست من نسائنا؛ ولهذا صح أن يقال: إنها ليست بامرأته طلاقا. ذكر ذلك خلق [كثير] (٢) من العلماء. (ولأن الحل في الأمة تابع) والتابع في حكم العدم؛ لأن المقصود منهن الاستخدام، والحل غير مقصود، وذلك بملك اليمين؛ ولهذا شرع ملك اليمين بلا حلّ كأخت الرضاع والأمة المجوسية. ولو اشترى أمة فوجدها محرّمة عليه برضاع أو صهرية؛ لا يثبت له ولاية الرد بسبب الحرمة. ذكره في الفوائد الظهيرية (٣). ولأنه لا حق للإماء في الاستمتاع حتى ينعقد سببًا للتحريم جزاء على جناية التشبيه، فبقي على أصل القياس، وهو ألا يوجب التشبيه الذي هو كذب إلا التوبة والاستغفار. قوله: (ولأن الظهار منقول عن الطلاق)؛ يعني: كان طلاقًا في الجاهلية فنقل حكم الشرع إلى التحريم المؤقت بالكفارة كما ذكرنا، ذكره خلق كثير من الصحابة والعلماء. والأمة ليست بمحل للطلاق فلا تكون محلا للظهار أيضًا؛ ولهذا قلنا: لا يصح إيلاء الأمة؛ لأن الإيلاء طلاق مؤجل، وهي ليست بمحل للطلاق. كذا في المبسوط (٤). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقد دخل في ذلك الإماء والحرائر بالإجماع.

стр. 3270

(فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَة بِغَيْرِ أَمْرِهَا، ثُمَّ ظَاهَرَ مِنهَا، ثُمَّ أَجَازَتِ النِّكَاحَ: فَالظَّهَارُ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي التَّسْبِيهِ وَقتَ التَّصَرُّفِ، فَلَم يَكُنْ مُنكَرا مِنْ القَولِ، وَالظُّهَارُ لَيسَ بِحَقِّ مِنْ حُقُوقِهِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ، بِخِلَافِ إعتَاقِ المُشتَرِي مِنْ الغَاصِبِ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ المِلكِ. (وَمَنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: أَنتُنَّ عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي، كَانَ مُظَاهِرًا مِنهُنَّ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ أَضَافَ الظُّهَارَ إِلَيْهِنَّ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ (وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ قلنا: الإجماع ممنوع، وأما الأمة الموطوءة حرام لا باعتبار أنها من أمهات نسائنا؛ بل باعتبار وطء البنت، ولا يمكن إلحاق الأمة بالنساء بدلالة النص؛ لما ذكرنا أن الحل يقين شائع إلى آخره؛ فلا يكون في معنى ما ورد به النص. قوله: (فالظهار باطل) وفيه خلاف مالك بناء على جواز الظهار من الأجنبية؛ لأنه صادق في التشبيه لأنها محرمة قبل إجازتها، والظهار تشبيه المحللة بالمحرمة. (فلم يكن منكرًا)؛ أي: كذبًا محضًا. وقوله: (والظهار ليس بحق) إلى آخره؛ جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: الظهار مبني على الملك والملك موقوف هاهنا فينبغي أن يكون الظهار موقوفا. فأجاب عنه وقال: الظهار ليس من حقوق النساء، والنكاح؛ لأن النكاح أمر مشروع والظهار منكر من القول، وبينهما تناف؛ فلا يتوقف المحظور بتوقف المشروع. (بخلاف إعتاق المشتري من الغاصب)؛ حيث يتوقف على إجازة المالك، فإن أجاز ينفذ؛ (لأنه)؛ أي: الإعتاق (من حقوق الملك)؛ لأنه منه للملك، والملك والإعتاق كلاهما مشروعان. (كان مظاهرًا منهن جميعًا) وهذا مما لا خلاف فيه، كما لو قال: أنتن طوالق. (وعليه لكل واحدة كفارة) إذا قصد وطئها. وبه قال الشافعي في الجديد

стр. 3271

الحُرمَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَة، وَالكَفَّارَةُ لِإِنهَاءِ الحُرمَةِ فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا، بِخِلَافِ الإِيلَاءِ مِنْهُنَّ، لِأَنَّ الكَفَّارَةَ فِيهِ لِصِيَانَةِ حُرمَةِ الاسمِ، وَلَم يَتَعَدَّد ذِكرُ الاسم. وهو قول الحسن والنخعي والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري والحكم والثوري. وقال مالك وأحمد وأبو ثور وإسحاق: عليه كفارة واحدة. وروي ذلك عن عمر وعلي وعروة [وطاووس وعطاء وربيعة. واعتبره باليمين بالله تعالى في الإيلاء، وقلنا: لما ثبتت الحرمة في حق كل واحدة منهن] (١)؛ فلا يحل وطئها إلا بتقديم الكفارة لأنها لدفع الحرمة أو لانتهائها؛ فتتعدد بتعدد الحرمة، وارتفاع الحرمة عن البقية بتكفير واحدة معينة لقصد وطئها بعيد؛ لأنه وطئها فقط؛ فكيف ترتفع الحرمة عن البقية؟ وإن قالوا: وطئهن مع بقائهن على الحرمة. فهذا لا يقول به أحد؛ فصار كما لو ظاهر منهن بكلمات. (بخلاف الإيلاء (٢) لأن الكفارة) وجبت لهتك (حرمة) اسم الله تعالى وهو لم يتعدد؛ إذ (لم يتعدد ذكر) اسم الله. وقولهم: "الظهار يمين مُكَفَّرَةٌ فلا تجب الكفارة كسائر الأيمان" فاسد؛ لأن الظهار منكر وزور وهو الكذب والكفارة لإباحة الوطء لا للحنث، بخلاف اليمين؛ لأنه مباح والكفارة للحنث. ولأنه لو كان يمينًا لكانت كفارته كفارة الأيمان؛ وهو: التخيير بين الخصال الثلاث والصوم عند العجز، وكفارة الظهار على خلافها. ولأن كفارته لو كانت بالحنث لوجبت بالوطء قبل التكفير، وقد قال ﵇ للذي وطئ قبله: «لا تَعُدْ حتى تُكَفِّر» (٣) ولم يوجب عليه كفارة بالوطء على ما تقدم.

стр. 3272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولأن اليمين: بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، أو بالتعليق بالشرط. ولم يوجد واحد منها. ولأن الظهار لما تعدد يتضاعف جزاؤه؛ إذ رفع المنكرات الأربع بكفارة كما في منكر واحد غير معقول. مسائل تتعلق بهذا الباب شبهها بظهر المحارم على التأبيد يثبت الظهار عندنا كما تقدم، وقد بينا الخلاف فيها. ولا خلاف أن التشبيه بالأمتعة المحرمة والأموال لا يثبت الظهار؛ لأنه قد يملكه. وفي "كظهر أختي من لبن الفحل " و "كظهر امرأته الملاعنة"؛ لا يصير مظاهرًا، وكذا "كظهر مجوسية ". ذكره في جوامع الفقه. ولو شبهها بامرأة زنى أبوه أو ابنه أو زنى هو بأمها أو بنتها؛ فهو مظاهر عندهما، خلافًا لمحمد؛ بناءً على نفاذ حكم الحاكم بحل نكاحها. شبهها بامرأة قبل بنتها بشهوة أو مسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة؛ لا يصير مظاهرًا عند أبي حنيفة؛ إذ حرمة الدواعي ليست منصوصًا عليها بخلاف الوطء. وفي شرح القدروي: زنا أبوه بامرأة -أو ابنه- فشبهها بأمها أو ابنتها؛ يصير مظاهرًا عند أبي يوسف، ولا ينفذ عنده حكم الحاكم بحلها له، وعند محمد: لا يصير مظاهرًا وينفذ حكم الحاكم (١). شبهها بظهر أبيه أو قريبه أو بظهر أجنبي؛ لم يكن مظاهرًا. ولو شبهها بفرج أبيه أو قريبه؛ قال في المحيط: ينبغي أن يكون مظاهرًا؛ إذ فرجهما في الحرمة كفرج أمه.

стр. 3273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو شبهها بأخت امرأته أو عمتها أو خالتها أو بأجنبية؛ كان لها زوج أو لا؛ لا يصير مظاهرا؛ لعدم تأبيد الحرمة (١). وعند مالك: يصير مظاهرًا. وعن أحمد روايتان، وفي ظهر الأب والأجنبي والبهيمة والدم؛ له روايتان، والجمهور على أنه لا يصير مظاهرًا في ذلك كله. ذكره في المغني (٢). ظهار الكافر لا يصح عندنا، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد يصح؛ كإيلائه، ولأن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فينتقل إلى غيره فيصح من المسلم والكافر، وهو رواية البرامكة عن أبي حنيفة والأولى رواية الأصل (٣). لنا: قوله تعالى: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة ٢] [والكافر] (٤) ليس منا. ثم قال: ﴿مُّنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ وشرك الكافر وجحده لنبوة محمد ﵇ أعظم من المنكر والزور؛ فلا فائدة في ترتيب الكفارة لمحو أثرها؛ [إذ لا تمحو الكفارة أثرها] (٥) مع بقاء الشرك والجحد. ثم قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ والكافر لا يتوجه عليه عفو وغفران؛ فلا يتوجه عليه مثل هذا الخطاب. ولأن الكافر ليس من أهل الكفارة لا سيما عندكم؛ فإنه لا يملك رقبة مؤمنة، وحملتم المطلق على المقيد في الكفارة. أما إيلاء الكافر؛ ممنوع على قولهما، والفرق لأبي حنيفة: أن للإيلاء حكمان: وجوب الكفارة ووقوع الطلاق بالبر؛ فصح اعتبار الثاني في حقهم؛ لأنهم يعتقدون حرمة اسم الله تعالى فيصونونه من الهتك.

стр. 3274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا كذلك تحريم فإنه ليس بطلاق، ولا تحريم يرتفع بالكفارة؛ إذ لا كفارة على الكافر؛ لأن فيها عبادة؛ ولهذا يشترط فيها النية؛ فلم تشرع في حق الكافر فيبقى تحريما مؤبدًا، وهو خلاف النص. فإن قالوا: قيد الإيمان ملغي في حق المظاهر كما ألغي في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ﴾ [الأحزاب ٤٩] وحكم الكافرة كذلك. قلنا: عرف الإلغاء هناك بالإجماع، ولا إجماع هاهنا. ولأن عدم وجوب العدة في الطلاق قبل الدخول معقول؛ إذ وجوبها لاختلاط الأنساب، ولا اختلاط قبل الدخول؛ فتستوي فيه المسلمة والكافرة بخلاف الظهار فإنه على خلاف القياس ورد في حق المسلم فلا يقاس عليه غيره. وقال ابن قدامة: هي عبادة في المؤمن عقوبة في الكافر فلا يفتقر إلى النية فيصح من الكافر كالنية في الكنايات (١). قلنا: هذا قياس بغير علة جامعة؛ إذ نية الكفارة لتقع عبادة، ونية الكنايات لتخليص الطلاق من غيره حتى لو وجدت مذاكرة يقع بها عنده وعند أحمد. ولو قالت هي: أنتَ عليَّ كظهر أبي، أو قالت: أنا عليك كظهر أمِّكِ؛ لا يصح الظهار عندنا. وفي المبسوط: عن أبي يوسف عليها كفارة يمين، وقال الحسن بن زياد: هو ظهار، وقال محمد: ليس بشيء وهو الصحيح. [وبه قال] (٢) الشافعي ومالك وأحمد والثوري والليث وإسحاق وأبو ثور. وفي الينابيع والروضة: يمين عند أبي يوسف، ظهار عند الحسن. وفي شرح المختار: حكي الخلاف بين أبي يوسف والحسن على العكس،

стр. 3275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثله في المفيد والمزيد، وشرح مختصر الكرخي والمبسوط والمحيط (١). وأوجب الأوزاعي عليها كفارة الظهار. في المحيط: ظاهر واستثنى يوم الجمعة؛ لم يجز تكفيره فيه في رواية الحسن. ولو ظاهر يومًا أو شهرًا؛ صح تقييده ولا يبقى بعد مضي المدة. ولو ظاهر إلى شهر؛ لم يصر مظاهرًا [فإنه يقع بعده. ولو علق الظهار بشرط ثم أبانها، ثم وجد الشرط في العدة لا يصير مظاهرا بخلاف الإبانة] (٢) المعلقة. قال: أنتِ علي كظهر أمّي في رجب ورمضان، فكَفَّر في رجب؛ أجزأه عنهما. وفي شعبان ظاهر من امرأته ثم أشرك معها أخرى، أو قال: أنتِ علي مثل هذه، ينوي الظهار؛ صح، وكذا بعد موتها وبعد التكفير. وفي الحاوي: يصح الظهار من المطلقة الرجعية ولا يصير عائدًا مع صحة الظهار حتى يراجعها، والقياس: ألا يصح الظهار منها؛ لأن وطئها عليه حرام، فكان صادقًا في التشبيه؛ فلم يكن منكرًا، فكانت كالمبانة عنده (٣). وعندنا: هي زوجة فلا إشكال. ولو [قال] (٤): أنت أمي؛ لا يصير مظاهرًا. وفي المغني: قال: أنا مظاهر، أو على الظهار؛ لا يصير مظاهرًا (٥). وفي الخزانة: أنا منك مظاهر وقد ظاهرت منك؛ فهو مظاهر (٦).

стр. 3276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويكره أن يقول لامرأته: يا أُخيَّة؛ لورود النهي عن ذلك. ولو أخر المظاهر التكفير؛ فلها مطالبته به، والقاضي يجبره عليه، وتمنع نفسها من القربان والمس والتقبيل. ولو قال: قد كَفَرْتُ؛ صُدِّق ما لم يُعرف بالكذب. وعن محمد: للمظاهر أن يُقبلها إذا قدم من السفر؛ للشفقة. ولو أبي من التكفير بعد طلبها؛ يُحبس، فإن أبى؛ يضرب ولا يضرب في الدين، وللسلطان منعه من القربان حتى يُكَفِّر. ولو قال لأجنبية أو مبانة: إن نكحتُكِ فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فإذا تزوجها يصير مظاهرًا. وبه قال مالك، ولم ينعقد عند الشافعي وحكي عنه في القديم كقولنا. ولو ظاهر منها فجُنَّ أو مات عقيبه؛ قالوا: لا يكون عائدًا، ولو أفاق هل تكون نفس الإفاقة عودًا؟ فعلى وجهين كالرجعة. ولو قال: إن دخلت الدار فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فكفّر قبل الدخول؛ يجزئه عند ابن الحداد، وقال: معظم أصحاب الشافعي لا يجزئه أيضًا. ولو كرر الظهار في مجلس؛ فعليه لكل ظهار كفارة عندنا إلا أن ينوي التكرار والتأكيد للأول. وفي مجالس؛ يتكرر إلا أن يُكَفِّر، وبه قال مالك. وقالت الظاهرية: [في] (١) المرتين تجب كفارة، ولا شيء في الثالثة، فإذا أعاد رابعة فعليه كفارتان، ولا شيء في الخامسة، فإذا قاله سادسة فعليه ثلاث كفارات؛ هكذا في كل مرتين كفارة (٢). وفساده لا يخفى على أحد، وانفرد بهذا القول ابن حزم.

стр. 3277

فَصْلٌ فِي الكَفَّارَةِ قَالَ: (وَكَفَّارَةُ الظُّهَارِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَإِنْ لَم يَجِد فَصِيَامُ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ، فَإِنْ لَم يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِلنَّصُ الوَارِدِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الكَفَّارَةَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. قَالَ: (وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ المَسِيسِ) وَهَذَا فِي الإِعْتَاقِ وَالصَّومِ ظَاهِرُ لِلتَّنصِيصِ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي الإِطْعَامِ، لِأَنَّ الكَفَّارَةَ فِيهِ مَنهِيَّةٌ لِلحُرمَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَى الوَاءِ لِيَكُونَ الوَاءُ حَلَالًا،. فصل في الكفارة لما ذكر حكم الظهار وهو حُرمة الوطء ودواعيه إلى نهايته؛ ذكر في هذا الفصل ما ينهي تلك الحرمة وهو الكفارة. قوله: (عتق رقبة؛ أي: إعتاق رقبة؛ إذ العتق لا ينوب عن الكفارة حتى لو ورث أباه ونوى الكفارة لا يخرج عن العهدة. وقوله: (وكذا في الإطعام) عطف الإطعام على الإعتاق والصيام يصح في لزوم التقديم على المسيس لا في الاستئناف. (تقديمها)؛ أي: تقديم الكفارة على الوطء)؛ ليحل الوطء (١). وفي شرح مختصر الكرخي: وقال مالك: يجوز الإطعام قبل المسيس. وفي الحلية: قال داود [يجوز الوطء قبل الإطعام] (٢). وأومأ إليه أحمد (٣). وقلنا: إنه أحد أنواع الكفارة فصار كالعتق. ولأنا لو جوزنا الوطء قبل الإطعام فلو حصلت له القدرة على الإعتاق أو الصيام قبل الإطعام؛ كان الوطء سابقا عليهما وذلك منهي عنه. ولأنه ﵇ قال للذي واقع في ظهاره قبل الكفارة: «اسْتَغْفِرْ ربك ولا تَعُد حتى تُكَفِّر» (٤) بلا تقييد بالتحرير والصيام.

стр. 3278

قَالَ: (وَتُجْزِئُ فِي العِتقِ الرَّقَبَةُ الكَافِرَةُ وَالمُسلِمَةُ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنثَى وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ) لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَؤُلَاءِ، إذ هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّاتِ المَرقُوقِ المَملُوكِ مِنْ كُلِّ وَجه، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي الكَافِرَةِ وَيَقُولُ: الكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ صَرِفُهُ إِلَى عَدُوٌّ اللَّهِ كَالزَّكَاةِ، قوله: (وَتُجْزِئُ فِي العِتْقِ) إلى آخره. في المبسوط: إعتاق الصغيرة والكبيرة وإن كانا فائتي المنفعة من المشي والبطش والعقل والكلام؛ لأن الغالب سلامة ذلك منهما؛ فلا يُعدُّ عيبًا؛ لأن ما لا تخلو الفطرة السليمة عنه لا يعد نقصانا (١). وبه قال: الزهري والنخعي وعطاء والثوري والشافعي ومالك والليث بن سعد. قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، وقال ابن خلكان: هو من أصحاب أبي حنيفة ولي القضاء بمصر (٢). وحكي عن أحمد: لا يجوز الصغير حتى يصوم ويصلي (٣)، وهكذا حكي عن مالك بناء على أن الإيمان شرط فيه والعمل من الإيمان، والشافعي وإن قال بأن العمل منه ولم يقل بهذا، ولكن هذا القول خلاف الإجماع. قوله: (والشافعي) إلى آخره، وبقوله قال مالك (٤) وأحمد (٥)، إلا أن مالكًا قال: يجوز إعتاق المجوسي عنها؛ لما روي أنه يجبر على الإسلام عنده فيحصل الإسلام بعده بالإكراه عليه. (ويقول)؛ أي: الشافعي. (كالزكاة)؛ أي: الكفارة تطهير واجب بالشرع، فلم يكن الكافر أهلا ومحلا له كالزكاة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ولا خبيث أشد من الكفر؛ ولهذا لا يجوز المرتد. ولأن الإيمان شرط في كفارة القتل بالنص والإجماع فكذا في سائر الكفارات؛ لأنها جنس واحد.

стр. 3279

وَنَحْنُ نَقُولُ: المَنصُوصُ عَلَيْهِ إِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَ، ولأن قيد الإيمان في كفارة القتل زيادة وَصْف؛ يجري مجرى الشرط فيوجب العدم عند عدمه في المنصوص عليه، وفي نظيره من الكفارة؛ لأنها جنس واحد؛ كالتقييد بالعدالة في بعض الشهادات أوجب نفي القبول عند عدمها. ولأن المطلق يُحمل على المقيد في الجنس الواحد، والكفارات جنس واحد. والمسألة بتمامها مذكورة في الأصول. ولأنا أمرنا بعتق رقبة حي قائم من كل وجه؛ ولهذا لا يجوز الذمي؛ فالكافر ميت، قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام ١٢٢]. ولأن الكفارة حسنة وإعتاق الكافر سيئة؛ لما فيه من تفريغ باله لعبادة الأوثان. ولأنه ﵇ قال لمعاوية بن الحكم حين أتى بجارية مجوسية وقال يا رسول الله: عليّ رقبة أفأعتقها عنها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «أين الله؟» فأشارت إلى السماء قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مسلم والنسائي (١)، وما سأل عن سبب وجوب الكفارة فدل أن الإيمان شرط في الجميع. ولأنه لا يجوز التقرب إلى الله تعالى بعتق أعدائه. ولأن العمل بالمقيد عمل بالدليلين؛ لأن المطلق جزء المقيد فكان أولى. قوله: (ونحن نقول) إلى آخره؛ يعني: النص مطلق وتقييده بالإيمان زيادة فلا يصح بالقياس؛ لأنها نسخ، مع أن شرط القياس تعدية الحكم إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه، وهاهنا وجد فيه النص. ولا نسلم أن الوصف كالشرط، ولئن سَلِمَ؛ فالشرط لا يوجب العدم عندنا، ولئن أَوْجَبَ فإنما صح الإلحاق إذا ثبت أنهما نظيران، وليس كذلك فإن القتل أعظم الكبائر؛ ولهذا لم يشرع الإطعام بدلًا عن الصيام فيه بخلاف الظهار.

стр. 3280

وَقَصْدُهُ مِنْ الإِعْتَاقِ التَّمَكُنُ مِنْ الطَّاعَةِ … وقيد العدالة لم يُوجب النفي؛ لكن الأمر بالتثبت في بناء الفاسق أوجب نسخ الإطلاق، ولا يحمل المطلق على المقيد إذا أمكن العمل بهما كما بين في الأصول. فإن قيل: أمر بتحرير رقبة نكرة، والنكرة في الإثبات مختص، وقد أريدت به المؤمنة بالإجماع؛ فبطلت الكافرة؛ لأنهما ضدان. قلنا: المؤمنة باعتبار أنها رقبة لا لأنها مؤمنة، وكذا الكافرة؛ كما في الصغيرة والكبيرة وبين الصغير والكبير تضاد. والمرتد ممنوع: فإنه يجوز عند بعض مشايخنا، وعند البعض لا يجوز؛ فإنه استحق القتل، حتى تجوز المرتدة بلا خلاف. وأما قوله: إن الكافر ميت؛ فذلك مجاز، فإنه لو قال: كل مملوك لي حر؛ تعتق عبيده الكفار بالإجماع. وأما قولهم: إعتاق الكافر سيئة؛ فغير مستقيم لصحة النذر به، ولأنه يعاون على البر والتقوى؛ لما فيه من تفريغ باله لتعلم العلم والنظر في محاسن الإسلام وتفرغه للعبادة على أن الإعتاق أفاده النعمة، واستعماله في غيرها بواسطة اختياره فلا يحال به على إعتاقه، وصار كبيع العصير ممن هو معروف باتخاذه خمرا. والمصروف إلى الكفارة ماليته لا اعتقاده، والخبث من حيث الاعتقاد ومن حيث المالية هو عبث يسير على شرف الزوال. وأما حديث الخرساء وروي السوداء -؛ فمؤوَّلٌ عند الثقات فإن فيه سؤال عن مكان الله وهو محال على الله تعالى، مع أنه يمكن أن يكون ذلك كفارة القتل وعلمه النبي ﵇ وقد روي أنه قال: «على رقبة مؤمنة»، أو لكون المؤمنة أفضل من غيرها. وقوله: (وقصده من الإعتاق) جواب عن قول الخصم: الكفارة حق الله تعالى إلى آخره؛ يعني: قصد المُكَفِّر أن يكون العبد خالصًا للطاعات بواسطة الإسلام

стр. 3281

ثُمَّ مُقَارَفَتُهُ المَعْصِيَةَ يُحَالُ بِهِ إِلَى سُوءِ احْتِيَارِهِ [والتعلم والنظر في محاسن الإسلام] (١). والظاهر: أن العبد باعتبار أن مولاه أحسن إليه، ولو أصر على المعصية؛ فإنما ذلك لسوء اختياره. و (مقارفته)؛ أي: كسبه (المعصية فيحال [به] إلى [سوء] اختياره) لا إلى إعتاقه، وإنما لا يجوز أداء الزكاة إلى الكافر بالحديث وهو قوله ﵇: «خذها من أغنيائهم» الحديث (٢). وأما قوله "لا يجوز التقرب إلى الله تعالى بعتق أعدائه " مخالف للنص قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] إلى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فإن الله تعالى لا ينهانا عن الإحسان إليهم؛ ولهذا يصح النذر بإعتاق العبد الكافر. وقد جوزت المالكية إعتاق العبد المجوسي القائل بالصانعين، ولم يجوزوا إعتاق أهل الكتاب الموحد. ولا معنى لقولهم: إنه يجبر على الإسلام في المستقبل؛ لأنه في حال إعتاقه مشرك، وجبره على الإسلام في المستقبل (٣) لا يخرجه عن الكفر بعد الإعتاق، مع اختلافهم في صحة إسلام المكره. وأما قول الخصم: إن العمل بالمقيد عمل بالدليل (٤)؛ [باطل] (٥)؛ لأن الإطلاق (٦) ضد التقييد كما عرف في الأصول؛ فلا يكون العمل بالمقيد عمل بالإطلاق؛ إذ في الإطلاق توسعة بعتق أي رقبة شاء، وفي التقييد تضييق. وقولهم: المقيد بمنزلة البيان للمطلق؛ فاسد لأن المطلق لا يحتاج إلى

стр. 3282

(وَلَا تُجْزِئُ العَميَاءُ وَلَا المَقطُوعَةُ اليَدَينِ أَوْ الرِّجلَينِ) لِأَنَّ الفَائِتَ جِنسُ المَنفَعَةِ البيان؛ إذ العمل بإطلاقه ممكن. وقد بين في الأصول. قوله: (وَلَا تُجْزِئُ العَمْيَاءُ) الموصوف الرقبة لا الأنثى أو الأمة حتى لا يجوز العبد الأعمى، ولا خلاف للأئمة الأربعة وأصحابهم أنه لا يجزئ عن الكفارة في عيب تفوت به جنس المنفعة. وعن النخعي والشعبي: أن عتق الأعمى جائز. وعن ابن جريج: يجزئ الأشل. وعند داود وأصحابه: لا يمنع شيء من العيوب. قيل: هو خلاف العلماء المعتبرين، وعن الشافعي: لا أعلم أحدا ممن مضى من أهل العلم أنه قال " لا يمنع" وداود نشأ بعده. قيل: قد رُوي عن النخعي والشعبي جواز الأعمى كقول داود وهما قبل الشافعي وأبي حنيفة ومالك. وقيل: الأصل الجامع في تخريج ما لا يجوز في الكفارة. ويجوز أن عتق كل رقبة كاملة الرّق في ملكه مقرونا بنية الكفارة هو جنس ما ينبغي من المنافع فيها قائم بلا بدل يجوز وإلا فلا. وعن هذا قلنا: لو أعتق نصف الرقبة ثم أعتق النصف الآخر قبل الجماع يجوز، [وبعد الجماع لا يجوز] (١) عند أبي حنيفة خلافًا لهما. وفي النهاية: الأصل عند الشافعي: أن كل عيب لا يُرجى زواله؛ يكون فاحشا يمنع زوال التكفير به، وكل عيب يرجى زواله لا يمنع كالحمى والبحة. وقيل: أصل الشافعي وأحمد المنع باختلال العمل؛ لأن الفائت جنس المنفعة. في الإيضاح: إذا فات جنس المنفعة؛ صار الشخص في حق ذلك الجنس كالهالك؛ لأن قيامه بمنافعه.

стр. 3283

وَهُوَ البَصَرُ أَوْ البَطسُ أَوْ المَشيُ وَهُوَ المَانِعُ، أَمَّا إِذَا احْتَلَّتِ المَنفَعَةُ فَهُوَ غَيْرُ مَانِع، حَتَّى يَجوزُ العَورَاءُ وَمَقطُوعَة إحدَى اليَدَينِ وَإِحدَى الرِّجلَينِ مِنْ خِلَاف، لِأَنَّهُ مَا فَاتَ جِنسُ المَنفَعَةِ بَلْ اختَلَّت، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتَا مَقْطُوعَتَيْنِ مِنْ جَانِبِ وَاحِد، حَيثُ لَا يَجُوزُ لِفَوَاتِ جِنسِ مَنفَعَةِ المَشيِ، إذ هُوَ عَلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ، وَيَجُوزُ الأَصَمُّ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ، وَهُوَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ، لِأَنَّ الفَائِتَ جِنسُ المَنفَعَةِ، إِلَّا أَنَّا وفي المبسوط: الآدمي بمنافعه قائم. (إذا اختلت المنفعة فهو)؛ أي: اختلال المنفعة المقصودة (غير مانع حتى يجوز العوراء) والعمشاء والعشواء والرمداء والبرصاء والمجذومة والصماء والخصي والمجبوب والرتقاء والقرناء والخنثى والعنين والأصم. في ظاهر الرواية: جواز الأصم، استحسان، (والقياس ألا يجوز وهو رواية النوادر)؛ لأن الفائت جنس المنفعة كساقط الأسنان العاجز عن الأكل. وجه الاستحسان مذكور في المتن. وقيل: في الرواية [التي] قال: لا يجوز؛ محمولة على صمم أصلي ولابد أن يكون معه الخرس؛ [فإنه لا يسمع الكلام ولا يتكلم وهذا لا يجوز. ومراده من الرواية التي قال "لا يجوز" في صمم عارضي؛ فلا يكون معه الخرس] (١) فيسمع عند المبالغة ورفع الصوت (٢). وفي الجواهر: يجزئ الأعور، وقال عبد الملك: لا يجزئ وهو قول مالك (٣). وفي المدونة: لا يجزئ أقطع اليد الواحدة أو أصبع أو مقطوع الأذنين أو أشل أو أبرص أو أجذم أو أخرس أو أعمى أو يابس الشق والهرم (٤)، وكذا عند الشافعي (٥)، وقال أشهب: يجزئ الأصم، واختلفوا في الخصي.

стр. 3284

استَحسَنَّا الجَوَازَ لِأَنَّ أَصلَ المَنفَعَةِ بَاقٍ، فَإِنَّهُ إِذَا صِيحَ عَلَيْهِ سَمِعَ حَتَّى لَو كَانَ بِحَال لَا يَسْمَعُ أَصْلًا بِأَنْ وُلِدَ أَصَمَّ - وَهُوَ الْأَخْرَسُ - لَا يُجْزِيه … ... … ... . وفي النهاية: لا يؤثر البرص والبهق، ويجزئ مقطوع الخنصر أو البنصر، وكذا هما من يدين ومن يد واحدة، ولا يجزئ مقطوع الإبهام أو السبابة أو الوسطى من يد، وقطع أصابع الرجلين لا يمنع. وفي المغني: قول أحمد كقول الشافعي والأنملة من الإبهام تمنع ومن غيرها لا تمنع، والعور لا يمنع ولا قطع الأذنين وهو قول الأئمة الأربعة (١)، وفيه خلاف زفر. وفي الحلية: مقطوع الأذنين لا يجوز عند مالك وزفر (٢). ويجوز مقطوع الأنف، والأصم إذا فهم بالإشارة، والأخرس إذا فهمت إشارته، وهو قول الشافعي وأبي ثور ولا يجزئ عند أحمد على المنصوص، وهو قول أبي حنيفة ومالك، وفي رواية لأنهم مستهلكون من وجه (٣). ولنا: لأن الأخرس يمنع كثيرًا من الأحكام وأكثر الناس لا يفهمون إشارته. وما نُقل في النهاية " أن على قول الشافعي لا تجوز العوراء" ما وجدته في كتبهم؛ بل قال في كتبهم بجوازه. وفيه: يجوز الخصي ومقطوع الأذنين ومقطوع المذاكير، خلافًا لزفر [لأنهم مستهلكون من وجه (٤). ولنا] (٥): أن تقطع الأذنين الشاخصتين والسمع باق (٦) فلا تصير الرقبة مستهلكة كفوات شعر الحاجبين واللحية، وفي الخصي ومقطوع المذاكير تفوت منفعة النسل وهي زائدة على ما يطلب من المماليك (٧).

стр. 3285

(وَلَا يَجُوزُ مَقطُوعُ إِبْهَامَي اليَدَيْنِ) لِأَنَّ قُوَّةَ البَطشِ بِهِمَا فَبِفَوَاتِهِمَا يَفُوتُ جِنسُ المَنفَعَةِ (وَلَا يَجُوزُ المَجنُونُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ) لِأَنَّ الاِنتِفَاعَ بِالجَوَارِحِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالعَقلِ فَكَانَ فَائِتَ المَنَافِعِ (وَالَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يُجزِئهُ) لِأَنَّ الِاحْتِلَالَ غَيْرُ مَانِع، (وَلَا يُجْزِئُ عِتقُ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ) قوله: (ولا يجوز مقطوع إبهامي اليدين)، وكذا إذا قطعت من كل يد ثلاث أصابع لم يجز؛ لفوات منفعة البطش وقطع أكثر الأصابع كقطع جميعها. ولو كان المقطوع من كل يد أصبعًا أو أصبعين سوى الإبهام؛ يجزئ؛ لأن منفعة البطش باقية. كذا في المبسوط (١). وقال الشافعي: لو كان المقطوع السبابة أو الوسطى لا يجوز كقطع الإبهام؛ لأن معظم العمل يتعلق بهذه الثلاثة (٢). قوله: (المجنون الذي لا يعقل) [لَا] يجزئه عمن يجن ويفيق؛ فإن المجنون المظنون المطبق لا يجوز بلا خلاف للأئمة الأربعة. (والذي يجنّ ويفيق) يجوز إذا أعتقه في حال إفاقته؛ لأن المطبق فائت المنافع لزوال عقله، ولا يقال الرقبة الصغيرة فائتة المنافع من المشي والبطش والعقل والكلام؛ لأنها عديمة المنافع إلى زمان الإصابة فلا يعد ذلك عيبًا. ذكره في المبسوط (٣). وفيه: روى إبراهيم عن محمد: حلال الدم الذي قد قضي بدمه ثم عفي عنه؛ لم يجز. كذا في المحيط (٤). قوله: (لَا يُجزئ عتق أم الولد والمدبّر) (٥) وبه قال: الحسن والأوزاعي والثوري ومالك وأبو عبيد. وجوز الشافعي عتق المدبر؛ لأنه يرى جواز بيعه، وبه قال أحمد وعثمان البتي وداود الظاهري.

стр. 3286

لِاستِحقاقِهِمَا الحُرِّيَّةَ بِجِهَة، فَكَانَ الرِّقُّ فِيهِمَا نَاقِصًا، وَكَذَا المُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى بَعضَ المَالِ، لِأَنَّ إعتَاقَهُ يَكُونُ بِبَدَل. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُجزئهُ لِقِيَامِ الرِّقِّ مِنْ كُلِّ وجه، وقال عثمان وداود: تجوز أم الولد أيضًا بناءً على جواز بيعها قبل الحمل من السيد، والأصل بقاء ما كان (١). فقال الْبَرْذَعِيُّ (٢): أجمعنا على منع بيعها حين كانت حاملا فوجب أن تستمر بغير ما قلت؛ فانقطع داود. (فكان الرق فيهما)؛ أي في الولد والمدبّر (ناقصًا) قيل: يرد على هذا ما لو قال: كل مملوك لي حرّ؛ يعتق مدبّره وأم ولده ولا يعتق مكاتبه إلا بالنية؛ فدل على كمال الرق فيهما؛ ولهذا يحل وطئهما، ولو كان الرق ناقصا لا يحل كالمكاتبة. وأجيب عنه: أن الملك فيهما كامل والرق ناقص؛ فيدخل في قوله: كل مملوك لكمال الملك، أما لا يجزئ في الكفارة؛ لنقصان الرق. والمنصوص عليه في الكفارة: عتق الرقبة وذلك اسم للذات المرقوقة لغة وعرفًا؛ فيقتضي تمام قيام الرق مطلقًا، والمطلق يقع على الكامل لا الناقص، وبالاستيلاء والتدبير يتمكن النقصان في الرق. ولأن قوله تعالى: ﴿فَتَحريرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء ٩٢] يقتضي إنشاء العتق من كل وجه، وإعتاق أم الولد تعجيل لما صار مستحقا لها مؤجلا؛ فلا يكون إنشاء من كل وجه، فكذا في المدبّر؛ لأنه تعجيل لما استحقه بعد الموت (٣). قوله: (وعن أبي حنيفة أنه يجزئه)، وهو رواية الحسن عنه في كمال رقه؛ قال ﵇: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» [رواه أبو داود (٤)] (٥).

стр. 3287

وَلِهَذَا تَقبَلُ الكِتَابَةُ الاِنفِسَاخَ، بِخِلَافِ أُمُومِيَّةِ الوَلَدِ وَالتَّدْبِيرِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ الانفِسَاحَ، فَإِنْ أَعتَقَ مُكَاتَبًا لَم يُؤَدِّ شَيئًا جَازَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. لَهُ: أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الحُرِّيَّةَ بِجِهَةِ الكِتَابَةِ، فَأَشبَهَ المُدَبَّرَ. وَلَنَا: أَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، (ولهذا تحتمل (١) الكتابة الانفساخ) بتعجيزه (٢) (أمومية الولد والتدبير [لأنهما] لا يحتملان الانفساخ)؛ قيل: لو قضى القاضي بجواز بيع المدبّر؛ ينفسخ التدبير، وفي أم الولد خلاف معروف ومراده: لا يحتملان الفسخ بدون القضاء. ولو (أعتق مكاتبا لم يؤدّه شيئاً جاز)؛ عندنا، وأحمد في رواية لا يجوز (٣). قوله: (فأشبه المدبر)؛ أي: على مذهبكم؛ لما أن عند الشافعي بيع المدبر وإعتاقه عن الكفارة جائز، فيكون ذلك منه احتجاجا علينا بمذهبنا. وفي الكافي والمبسوط: استحقاق العتق بالكتابة فوق الاستحقاق بالتدبير؛ ولهذا صار المكاتب أحق بمكاسبه، ويمنع المولى عن التصرف فيه حتى لو وطئ المولى مكاتبته يغرم العقر. ولأن العتق لما صار مستحقا بجهة فإذا أوقعه؛ وقع من الوجه المستحق؛ ولهذا يسلم الاكتساب والأولاد له (٤). (ولنا: أن الرق قائم من كل وجه)؛ لما روينا من قوله ﵇: («المكاتب عبد») الحديث. ولعدم تمكن النقصان في رقه بالكتابة؛ لأن عتقه معلق بشرط الأداء، والمعلق بالشرط عدم قبل وجوده. ولا يثبت بهذا التعليق استحقاق الحرية في سائر الشروط بل أولى؛ لأن التعليق بسائر الشروط يمنع الفسخ، وبهذا الشرط لا يمنع، فلو تمكن نقصان في رقه لما تصور فسخه وعوده إلى الحالة الأولى؛ لأن نقصان الرق بثبوت العتق

стр. 3288

وَلِقَولِهِ ﵊: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمْ» وَالْكِتَابَةُ لَا تُنَافِيهِ، فَإِنَّهُ فَكُّ الحَجْرِ بِمَنزِلَةِ الإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ، إِلَّا أَنَّهُ بِعِوَض فَيَلزَمُ مِنْ جَانِبِهِ، وَلَو كَانَ مَانِعًا يَنفَسِخُ بِمُقْتَضَى الإِعْتَاقِ إذ هُوَ يَحتَمِلُهُ، إِلَّا أَنَّهُ تَسْلَمُ لَهُ الأَكسَابُ وَالأَوْلَادُ، من وجه، وحق العتق لا يحتمل الفسخ لحقيقته كالتدبير والاستيلاد (١). قوله: (والكتابة لا تنافيه)؛ أي: لا تنافي الرق؛ (فإنه) [أي] (٢) عقد الكتابة (فك الحجر) في حق المكاسب، وذا لا يمكن نقصانا في الرق كالإذن في التجارة، إلا أنه؛ أي: عقد الكتابة فك (بعوض) والإذن فك بغير عوض، فلم يكن لازما في حق المولى. ولكن مع هذا المنافع والمكاسب غير الرقبة؛ فبالتصرف فيها لازمًا أو غير لازم لا يتمكن النقصان في الرق، والملك كالإعارة مع الإجارة، وبسبب اللزوم يمنع المولى عن التصرف فيه. ويلزمه ضمان العُقر والأرش؛ لأن ذلك في حكم المكاسب والمنافع، والمكاسب صارت مستحقة له دون الرقبة؛ فلم يتمكن نقصانا في الرق فلا يمنع من التحرير في التكفير؛ لأنه إزالة الرق (٣). ولئن كان مانعا منه ينفسخ ضمنًا للإعتاق؛ لأنه قابل للفسخ برضا الْمُكَاتَبِ، وقد وُجِد الرضا هنا دلالة؛ لأنه لما رضي بحصول العتق ببدل فلأن يرضى بحصوله بلا بدل أولى (٤)، وهذا معنى قوله: (ولو كان)؛ أي: عقد الكتابة أو للزوم من جانب المولى (مانعًا) عن وقوع الإعتاق عن الكفارة. نظير الانفساخ ضمنا وإن لم يملك ابتداء: ما لو آجر داره كل شهر بكذا، وغاب المستأجر وترك امرأته ومتاعه فيها، وأراد المؤجر فسخ الإجارة؛ فلا سبيل له إلى ذلك بغير حضور الغائب، والوجه: أن يؤاجرها من آخر قبل مجيء رأس الشهر، فإذا دخل الشهر انفسخ.

стр. 3289

لِأَنَّ العِبْقَ فِي حَقِّ المَحَلِّ بِجِهَةِ الكِتَابَةِ، أَوْ لِأَنَّ الفَسخَ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ وكذا لو باع بالخيار ثم أراد الفسخ بغير محضر المشتري؛ لا يجوز، ولو باع من آخر؛ انتقض البيع الأول عند أبي حنيفة ومحمد. ذكره في النوازل والسعدي. قوله: (ولأن الفسخ ضروري) إلى آخره؛ جواب سؤال وهو أن يقال: لما انفسخت الكتابة يلزم ألا يسلم الأكتساب والأولاد، وقد سلم؛ فعلم أن العتق حصل بجهة الكتابة، وذا دليل بقاء الكتابة. قلنا: الفسخ ضروري، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها (١)؛ فيظهر في حق جواز التحرير للتكفير لا في حق الأولاد والأكساب؛ لأنه لا دلالة على الرضا فيهما (٢). فإن قيل: العتق لما صار مستحقا بالكتابة - إذ عقد الكتابة لتحصيل العتق- فإذا وقع العتق وقع من الوجه المستحق وهو الكتابة؛ بدليل أن الأولاد يعتقون، والعتق من حين كتابته لا يسري إلى الولد المنفصل. قلنا: ذا باعتبار أنه عتق وهو مكاتب، لا لأنه عتق بجهة الكتابة [كما لو كانت أم ولده ثم ماتت؛ عتقت بجهة الأولاد وسلم لها الأكساب والأولاد، ولو حصل العتق بجهة الكتابة] (٣)؛ لتقرر به البدل لأن تسليم المعوض يوجب تسليم العوض، ولما سقط به بدل الكتابة؛ ظهر أن العتق لم يحصل بجهة الكتابة. ولئن سلمنا حصول العتق بجهة الكتابة؛ ولكن الكلام وقع في العتاق؛ فالإعتاق في حق المولى واقع عن التكفير، والعتق في المحل على الكتابة، والكفارة تتأدى بالإعتاق الصادر من المولى تختلف جهاته؛ ففيما يرجع إلى حق المكاتب جعل هذا ذلك العتق، وفيما يرجع إلى حق المولى جعل إعتاقا بجهة الكفارة؛ لأنه قصد ذلك، وهذا كالمرأة إذا وهبت الصداق من زوجها ثم طلقها

стр. 3290

الوَلَدِ وَالكَسبِ (وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ ابنَهُ يَنوِي بِالشِّرَاءِ الكَفَّارَةَ جَازَ عَنهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ وَالمَسأَلَةُ تَأْتِيكَ فِي كِتَابِ الأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِنْ أَعتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكِ وَهُوَ مُوسِرٌ قبل الدخول بها؛ لا ير يرجع عليها بشيءٍ وتجعل هبتها في حق الزوج تحصيلا لمقصوده عند الطلاق، ويجعل في حقها تمليكا مبتدأ، كذا في المبسوط (١). وهذا معنى قوله: (لأن العتق في المحل) (٢) إلى آخره. فإن قيل: انتقض الملك بالكتابة حتى لا يدخل تحت المملوك المطلق. قلنا: الله تعالى ما ذكر المِلْك، وإنما شرط الملك ضرورة أن العتق لا ينفذ إلا فيه؛ فشرط بقدر ما تتأدى به الضرورة وهو ملك الرقبة لا المنفعة، وهذا لأن الإعتاق لإزالة الرق وملك الرقبة وكماله بكمالها، وهما حاصلان لما مر، وإنما خرج عن ملكه في حق اليد، والإعتاق لا يتصل به (٣). قوله: (وإن اشترى أباه أو ابنه)، وكذا كل ذي رحم محرم يعتق عليه (جاز عنها)؛ أي: عن الكفارة، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي. (وقال الشافعي) ومالك وأحمد [وزفر] (٤) (لا يجزئه) (٥). وعلى هذا الخلاف لو وهب له أو أوصى به، أما لو ملكه بلا صنعه كما لو دخل بالميراث؛ لا يجزئه بالإجماع. (وعلى هذا الخلاف كفارة اليمين)، وكذا كفارة الإفطار والقتل، (تأتيك في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى) ولو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنتَ حُرّ، ونوى العتق عن الكفارة وقت اليمين [جاز]. ذكره في شرح الطحاوي (٦)، وبه قال الشافعي (٧).

стр. 3291

وَضَمِنَ قِيمَةَ بَاقِيهِ، لَم يَجُز عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَجُوزُ عِندَهُمَا) (*) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ، فَصَارَ مُعتِقًا كُلَّ العَبدِ عَنْ الكَفَّارَةِ وَهُوَ مِلكُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ المُعتِقُ مُعسِرًا، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فَيَكُونُ إِعْتَاقًا بِعِوَض. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ يَنتَقِصُ عَلَى مِلكِهِ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَمِثْلُهُ يَمْنَعُ الكَفَّارَةَ. قوله: (وضمن قيمة باقيه) وأعتق ما بقي أيضًا عن ظهاره (لم يجز عند أبي حنيفة)؛ لأن الإعتاق يتجزأ عنده، ونصف الرقبة ليس برقبة، وقد تمكن النقصان في النصف الآخر لتعذر استدامة الرق، وهذا النقصان وقع في ملك شريكه وليس من الأداء؛ إذ لا أداء قبل الملك، وبالضمان مَلَكَه ناقصا ومثله منع التكفير كالتدبير؛ فصار كأنه أعتق عبدًا إلا شيئًا منه. (ويجوز عندهما)؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ فإذا عتق نصيبه عتق كله إلا أنه يضمن نصيب شريكه إذا كان موسرًا. أما (إذا كان المعتق معسرًا) لا يجوز عن الكفارة بالاتفاق؛ لأن السعاية تجب على العبد فكان إعتاقًا فلا يجوز؛ إذ الدين وجب بسبب الإعتاق فكان عوضًا عنه وإن كان المعتق حرًا مديونا عندهما؛ لعدم تجزيء الإعتاق عندهما. وقال الشافعي: لو أعتق نصيبه ونوى عتق جميعه عن الكفارة؛ أجزأه، وإن كان معسرا فأعتق نصيبه عن الكفارة واشترى نصيب شريكه وأعتقه عن كفارته؛ أجزأه فيه، وإلا؛ لا (١). قوله: (ثم يتحول)؛ أي: الملك (إليه)؛ أي: إلى المعتق (بالضمان ومثله يمنع الكفارة) لما ذكرنا من تمكن النقصان. فإن قيل: المضمونات تملك بأداء الضمان مستندًا إلى وقت وجود السبب؛ فصار نصيب الساكت ملكًا للمعتق زمان الإعتاق؛ فكان النقصان في ملكه لا في ملك شريكه.

стр. 3292

(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيهِ عَنْهَا جَازَ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِكَلَامَينِ، وَالنُّقْصَانُ مُتَمَكِّنُ عَلَى مِلْكِهِ بِسَبَبِ الإِعْتَاقِ بِجِهَةِ الكَفَّارَةِ وَمِثْلُهُ غَيْرُ مَانِعِ، كَمَنْ أَصْجَعَ شَاة لِلأُصْحِيَّةِ فَأَصَابَ السِّكِّينُ عَيْنَهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ النُّقْصَانَ تَمَكَّنَ عَلَى مِلكِ الشَّرِيكِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا عِندَهُمَا: فَالإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِعْتَاقُ النِّصْفِ إِعْتَاقُ الكُلِّ فَلَا يَكُونُ إِعْتَاقًا بِكَلَامَينِ (*). (وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيهِ لَم يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ الإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِندَهُ، وَشَرطُ الإِعْتَاقِ أَنْ يَكُونَ قَبلَ المَسِيسِ بِالنَّص، وَإِعْتَاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعدَهُ، قلنا: الملك في المضمون يثبت بصفة الاستناد في حق الضامن والمضمون له لا في حق غيرهما، والكفارة غيرهما؛ فيتمكن النقصان في حقها؛ فلا يجوز. كذا في الفوائد الظهيرية (١). وَعِنْدَهُمَا: إِعْتَاقُ النِّصْفِ إِعْتَاقُ الْكُلِّ فَحَصَلَ الْكُلُّ قَبْلَ الْمَسِيسِ. قوله: (ثم أعتق باقيه)؛ أي: باقي عبده (جاز) عندنا والشافعي وأحمد. والمشهور من مالك: عدم الإجزاء، وهو قول أبي ثور. وعن ابن القاسم من أصحاب مالك: يجزيه. (ومثله)؛ أي: مثل النقص الذي حصل بسبب الإعتاق (غير مانع) كذهاب عين الأضحية بالسكين. وعندهما هو عتق بكلام واحد؛ لعدم تجزئ الإعتاق. (بخلاف ما تقدم)؛ أي: العبد المشترك. (حصل بعده)؛ أي: بعد المسيس؛ [فلم يوجد الإعتاق المأمور به. وفي الإيضاح: الإخلاء حالة العتاق عن المسيس] (٢) واجب فأمكن اعتباره كما في الصوم.

стр. 3293

وَعِندَهُمَا: إعتاقُ النّصفِ إعتاقُ الكُلِّ فَحَصَلَ الكُلُّ قَبْلَ المَسِيسِ. (وَإِذَا لَم يَجِد المُظَاهِرُ مَا يَعتِقُ فَكَفَّارَتُهُ صَومُ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ، لَيْسَ فِيهِمَا شَهرُ رَمَضَانَ وَلَا يَومُ الفِطْرِ وَلَا يَومُ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) أَمَّا التَّتَابَعُ فَلِأَنَّهُ مَنصُوصُ عَلَيْهِ، وَشَهرُ رَمَضَانَ لَا يَقَعُ عَنْ الظُّهَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ مَا أَوجَبَهُ اللَّهُ وَالصَّومُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَنُوبُ عَنْ الوَاجِبِ الكَامِلِ. فإن قيل: لو جامع ثم أعتق كله بعد المسيس يجوز بالاتفاق؛ فوقوع النصف أخف من وقوع الكل؛ فينبغي أن يجوز. قلنا: لا يجوز؛ لأنه يلزم التفرقة بالجماع بين النصفين، وقد قلنا: إن الإخلاء حالة الإعتاق واجب إذا أمكن. قوله: (وإذا لَمْ يَجِدِ المُظَاهِرُ مَا يَعْتِقُ) في المحيط: إذا لم يملك رقبة ولا ثمن رقبة؛ يصوم شهرين متتابعين (١). (أما التتابع) شرط بالنص بلا خلاف. (وشهر رمضان لا يقع عن الظهار) (٢) إلا أن يكون مسافرًا، وشهر رمضان لا يكون أحد شهري الكفارة عند الجمهور، ويجزئه عن رمضان عندنا. وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه عن رمضان ولا عن غيره. وقال طاووس ومجاهد يجزئه عنهما قيل: هذا مستبعد لا وجه له. وتوقف أحمد في الجواب. وقال أبو ثور: إن لم يعلم أنه رمضان أجزأه، وإن علم لم يجزه وعليه قضاء رمضان. وإن كان في السفر أجزاه عن الكفارة عند أبي حنيفة وأبي ثور والظاهرية. ولا يجزئه عند أبي يوسف ومحمد والشافعي (٣). (فلا ينوب عن الواجب الكامل)؛ أي: الصوم الكامل الواجب في الذمة.

стр. 3294

(فَإِنْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَينِ لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا، استَأنَفَ الصَّومَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَسْتَأْنِفُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ (*)، إذ لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّومُ وَهُوَ الشَّرطُ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شرطًا، فَفِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ تَقْدِيمُ البَعضِ، وَفِيمَا قُلتُم تَأْخِيرُ الكُلِّ عَنهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ وصوم يوم العيدين غير مشروع عند الأئمة الثلاثة، وعندنا ناقص واجب الإفساد فلا يتأدى به الكامل. وفي صوم أيام التشريق خلاف مالك في الجواز، وقد مر في صوم التمتع. في المحيط: لو صام شهرين بالأهلة جاز، وإن كان كل شهر تسعة وعشرين يومًا، وإن صام بغير الأهلة ثم أفطر لتمام تسعة وخمسين يومًا فعليه الاستقبال (١). قوله: (لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا) في المبسوط: لو أكل في صوم الظهار ناسيًا لصومه لم يضره، وكذا لو جامع غير التي ظاهر منها ناسيًا؛ لأن حرمة هذا الفعل عليه لأجل الصوم فيختلف بالنسيان والعمد بخلاف ما لو جامع التي ظاهر منها فعند أبي حنيفة ومحمد يستأنف، وبه قال مالك وأحمد والثوري وأبي عبيد؛ لأن حرمة ذلك الفعل ليست لأجل الصوم؛ ألا ترى أنه كان محرما قبل الشروع في الصوم؛ فيستوي النسيان والعمد (٢). (وقال أبو يوسف) والشافعي وأبو ثور وابن المنذر والظاهرية: (لا يستأنف؛ لأنه)؛ أي: جماع التي ظاهر منها (لا يمنع التتابع إذ لا يفسد به الصوم (٣) وهو الشرط) فصار كوطء غيرها، والتقديم على التماس شرط، وفيما قلنا: تقديم البعض، وفيما قاله الخصم: تأخير الكل عنه. بخلاف ما إذا وطئ نهارًا عمدًا مَنْ ظاهر منها أو غيرها فإنه يستأنف بالاتفاق؛ لانقطاع التتابع.

стр. 3295

الشَّرطَ فِي الصَّومِ أَنْ يَكُونَ قَبلَ المَسِيسِ، وَأَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنهُ ضَرُورَة بِالنَّصُ، وَهَذَا الشَّرطُ يَنعَدِمُ بِهِ، فَيَسْتَأْنِفُ (وَإِنْ أَفطَرَ مِنْهَا يَوْمًا بِعُذر أَوْ بِغَيْرِ عُذر اسْتَأْنَفَ) لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ عَادَة (وَإِنْ ظَاهَرَ العَبْدُ … ... قوله: (وأن يكون خاليًا عنه)؛ أي: الصوم خاليًا عن الجماع؛ لأن من ضرورة كون الصوم قبل المسيس أن يكون خاليًا عنه، وبالوطء تتعذر القبلية ولا يتعذر الإخلاء عنه، وبالعجز عن أحد الشرطين لا يسقط عنه الشرط الآخر فوجب العمل بما يمكنه وترك ما لا يمكنه. (وهذا الشرط)؛ أي: القبلية (ينعدم) بالجماع لا الإخلاء. قوله: (بعذر) كمرض أو سفر أو نفاس (١)؛ لأنه يمكن وجود شهرين خاليين عن المرض والسفر والنفاس فيكون قادرًا عليه عادة. وإن كان العذر - بالحيض؛ لا تستأنف في كفارة القتل والفطر؛ لأنها غير قادرة عليه عادة (٢)؛ لأنه لا يمكنها صوم شهرين متتابعين لا حيض فيهما. وفي كفارة اليمين يستأنف؛ لقلة مدته. ثم منع الإفطار بالمرض المتتابع مذهبنا والشافعي في الجديد والنخعي وابن جبير والثوري. وقال مالك وأحمد وابن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور: لا يمنع. ويُروى ذلك عن ابن عباس وقاسوه بالحيض (٣). وقلنا: التتابع شرط بالنص والغالب أنها تحيض في كل شهر، فلا يمكنها التتابع بخلاف ما مر. وفي شرح الطحاوي: لو صام شهرين متتابعين، ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشمس في آخر ذلك اليوم؛ يجب عليه العتق لقدرته على المبدل قبل فراغه من المقصود [بالبدل] فانتقض حكم البدل؛ كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة.
следующие страницы →