وَضَمِنَ قِيمَةَ بَاقِيهِ، لَم يَجُز عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَجُوزُ عِندَهُمَا) (*) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ، فَصَارَ مُعتِقًا كُلَّ العَبدِ عَنْ الكَفَّارَةِ وَهُوَ مِلكُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ المُعتِقُ مُعسِرًا، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فَيَكُونُ إِعْتَاقًا بِعِوَض.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ يَنتَقِصُ عَلَى مِلكِهِ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَمِثْلُهُ يَمْنَعُ الكَفَّارَةَ.
قوله: (وضمن قيمة باقيه) وأعتق ما بقي أيضًا عن ظهاره (لم يجز عند أبي حنيفة)؛ لأن الإعتاق يتجزأ عنده، ونصف الرقبة ليس برقبة، وقد تمكن النقصان في النصف الآخر لتعذر استدامة الرق، وهذا النقصان وقع في ملك شريكه وليس من الأداء؛ إذ لا أداء قبل الملك، وبالضمان مَلَكَه ناقصا ومثله منع التكفير كالتدبير؛ فصار كأنه أعتق عبدًا إلا شيئًا منه.
(ويجوز عندهما)؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ فإذا عتق نصيبه عتق كله إلا أنه يضمن نصيب شريكه إذا كان موسرًا.
أما (إذا كان المعتق معسرًا) لا يجوز عن الكفارة بالاتفاق؛ لأن السعاية تجب على العبد فكان إعتاقًا فلا يجوز؛ إذ الدين وجب بسبب الإعتاق فكان عوضًا عنه وإن كان المعتق حرًا مديونا عندهما؛ لعدم تجزيء الإعتاق عندهما.
وقال الشافعي: لو أعتق نصيبه ونوى عتق جميعه عن الكفارة؛ أجزأه، وإن كان معسرا فأعتق نصيبه عن الكفارة واشترى نصيب شريكه وأعتقه عن كفارته؛ أجزأه فيه، وإلا؛ لا (١).
قوله: (ثم يتحول)؛ أي: الملك (إليه)؛ أي: إلى المعتق (بالضمان ومثله يمنع الكفارة) لما ذكرنا من تمكن النقصان.
فإن قيل: المضمونات تملك بأداء الضمان مستندًا إلى وقت وجود السبب؛ فصار نصيب الساكت ملكًا للمعتق زمان الإعتاق؛ فكان النقصان في ملكه لا في ملك شريكه.
стр. 3292
(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيهِ عَنْهَا جَازَ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِكَلَامَينِ، وَالنُّقْصَانُ مُتَمَكِّنُ عَلَى مِلْكِهِ بِسَبَبِ الإِعْتَاقِ بِجِهَةِ الكَفَّارَةِ وَمِثْلُهُ غَيْرُ مَانِعِ، كَمَنْ أَصْجَعَ شَاة لِلأُصْحِيَّةِ فَأَصَابَ السِّكِّينُ عَيْنَهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ النُّقْصَانَ تَمَكَّنَ عَلَى مِلكِ الشَّرِيكِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا عِندَهُمَا: فَالإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِعْتَاقُ النِّصْفِ إِعْتَاقُ الكُلِّ فَلَا يَكُونُ إِعْتَاقًا بِكَلَامَينِ (*).
(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيهِ لَم يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ الإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِندَهُ، وَشَرطُ الإِعْتَاقِ أَنْ يَكُونَ قَبلَ المَسِيسِ بِالنَّص، وَإِعْتَاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعدَهُ،
قلنا: الملك في المضمون يثبت بصفة الاستناد في حق الضامن والمضمون له لا في حق غيرهما، والكفارة غيرهما؛ فيتمكن النقصان في حقها؛ فلا يجوز. كذا في الفوائد الظهيرية (١).
وَعِنْدَهُمَا: إِعْتَاقُ النِّصْفِ إِعْتَاقُ الْكُلِّ فَحَصَلَ الْكُلُّ قَبْلَ الْمَسِيسِ.
قوله: (ثم أعتق باقيه)؛ أي: باقي عبده (جاز) عندنا والشافعي وأحمد.
والمشهور من مالك: عدم الإجزاء، وهو قول أبي ثور.
وعن ابن القاسم من أصحاب مالك: يجزيه.
(ومثله)؛ أي: مثل النقص الذي حصل بسبب الإعتاق (غير مانع) كذهاب عين الأضحية بالسكين. وعندهما هو عتق بكلام واحد؛ لعدم تجزئ الإعتاق.
(بخلاف ما تقدم)؛ أي: العبد المشترك.
(حصل بعده)؛ أي: بعد المسيس؛ [فلم يوجد الإعتاق المأمور به.
وفي الإيضاح: الإخلاء حالة العتاق عن المسيس] (٢) واجب فأمكن اعتباره كما في الصوم.
стр. 3293
وَعِندَهُمَا: إعتاقُ النّصفِ إعتاقُ الكُلِّ فَحَصَلَ الكُلُّ قَبْلَ المَسِيسِ.
(وَإِذَا لَم يَجِد المُظَاهِرُ مَا يَعتِقُ فَكَفَّارَتُهُ صَومُ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ، لَيْسَ فِيهِمَا شَهرُ رَمَضَانَ وَلَا يَومُ الفِطْرِ وَلَا يَومُ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) أَمَّا التَّتَابَعُ فَلِأَنَّهُ مَنصُوصُ عَلَيْهِ، وَشَهرُ رَمَضَانَ لَا يَقَعُ عَنْ الظُّهَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ مَا أَوجَبَهُ اللَّهُ وَالصَّومُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَنُوبُ عَنْ الوَاجِبِ الكَامِلِ.
فإن قيل: لو جامع ثم أعتق كله بعد المسيس يجوز بالاتفاق؛ فوقوع النصف أخف من وقوع الكل؛ فينبغي أن يجوز.
قلنا: لا يجوز؛ لأنه يلزم التفرقة بالجماع بين النصفين، وقد قلنا: إن الإخلاء حالة الإعتاق واجب إذا أمكن.
قوله: (وإذا لَمْ يَجِدِ المُظَاهِرُ مَا يَعْتِقُ) في المحيط: إذا لم يملك رقبة ولا ثمن رقبة؛ يصوم شهرين متتابعين (١).
(أما التتابع) شرط بالنص بلا خلاف.
(وشهر رمضان لا يقع عن الظهار) (٢) إلا أن يكون مسافرًا، وشهر رمضان لا يكون أحد شهري الكفارة عند الجمهور، ويجزئه عن رمضان عندنا.
وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه عن رمضان ولا عن غيره.
وقال طاووس ومجاهد يجزئه عنهما قيل: هذا مستبعد لا وجه له.
وتوقف أحمد في الجواب.
وقال أبو ثور: إن لم يعلم أنه رمضان أجزأه، وإن علم لم يجزه وعليه قضاء رمضان.
وإن كان في السفر أجزاه عن الكفارة عند أبي حنيفة وأبي ثور والظاهرية.
ولا يجزئه عند أبي يوسف ومحمد والشافعي (٣).
(فلا ينوب عن الواجب الكامل)؛ أي: الصوم الكامل الواجب في الذمة.
стр. 3294
(فَإِنْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَينِ لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا، استَأنَفَ الصَّومَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَسْتَأْنِفُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ (*)، إذ لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّومُ وَهُوَ الشَّرطُ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شرطًا، فَفِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ تَقْدِيمُ البَعضِ، وَفِيمَا قُلتُم تَأْخِيرُ الكُلِّ عَنهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ
وصوم يوم العيدين غير مشروع عند الأئمة الثلاثة، وعندنا ناقص واجب الإفساد فلا يتأدى به الكامل.
وفي صوم أيام التشريق خلاف مالك في الجواز، وقد مر في صوم التمتع.
في المحيط: لو صام شهرين بالأهلة جاز، وإن كان كل شهر تسعة وعشرين يومًا، وإن صام بغير الأهلة ثم أفطر لتمام تسعة وخمسين يومًا فعليه الاستقبال (١).
قوله: (لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا) في المبسوط: لو أكل في صوم الظهار ناسيًا لصومه لم يضره، وكذا لو جامع غير التي ظاهر منها ناسيًا؛ لأن حرمة هذا الفعل عليه لأجل الصوم فيختلف بالنسيان والعمد بخلاف ما لو جامع التي ظاهر منها فعند أبي حنيفة ومحمد يستأنف، وبه قال مالك وأحمد والثوري وأبي عبيد؛ لأن حرمة ذلك الفعل ليست لأجل الصوم؛ ألا ترى أنه كان محرما قبل الشروع في الصوم؛ فيستوي النسيان والعمد (٢).
(وقال أبو يوسف) والشافعي وأبو ثور وابن المنذر والظاهرية: (لا يستأنف؛ لأنه)؛ أي: جماع التي ظاهر منها (لا يمنع التتابع إذ لا يفسد به الصوم (٣) وهو الشرط) فصار كوطء غيرها، والتقديم على التماس شرط، وفيما قلنا: تقديم البعض، وفيما قاله الخصم: تأخير الكل عنه.
بخلاف ما إذا وطئ نهارًا عمدًا مَنْ ظاهر منها أو غيرها فإنه يستأنف بالاتفاق؛ لانقطاع التتابع.
стр. 3295
الشَّرطَ فِي الصَّومِ أَنْ يَكُونَ قَبلَ المَسِيسِ، وَأَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنهُ ضَرُورَة بِالنَّصُ، وَهَذَا الشَّرطُ يَنعَدِمُ بِهِ، فَيَسْتَأْنِفُ (وَإِنْ أَفطَرَ مِنْهَا يَوْمًا بِعُذر أَوْ بِغَيْرِ عُذر اسْتَأْنَفَ) لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ عَادَة (وَإِنْ ظَاهَرَ العَبْدُ … ...
قوله: (وأن يكون خاليًا عنه)؛ أي: الصوم خاليًا عن الجماع؛ لأن من ضرورة كون الصوم قبل المسيس أن يكون خاليًا عنه، وبالوطء تتعذر القبلية ولا يتعذر الإخلاء عنه، وبالعجز عن أحد الشرطين لا يسقط عنه الشرط الآخر فوجب العمل بما يمكنه وترك ما لا يمكنه.
(وهذا الشرط)؛ أي: القبلية (ينعدم) بالجماع لا الإخلاء.
قوله: (بعذر) كمرض أو سفر أو نفاس (١)؛ لأنه يمكن وجود شهرين خاليين عن المرض والسفر والنفاس فيكون قادرًا عليه عادة.
وإن كان العذر - بالحيض؛ لا تستأنف في كفارة القتل والفطر؛ لأنها غير قادرة عليه عادة (٢)؛ لأنه لا يمكنها صوم شهرين متتابعين لا حيض فيهما.
وفي كفارة اليمين يستأنف؛ لقلة مدته.
ثم منع الإفطار بالمرض المتتابع مذهبنا والشافعي في الجديد والنخعي وابن جبير والثوري.
وقال مالك وأحمد وابن راهوية وأبو عبيد وأبو ثور: لا يمنع. ويُروى ذلك عن ابن عباس وقاسوه بالحيض (٣).
وقلنا: التتابع شرط بالنص والغالب أنها تحيض في كل شهر، فلا يمكنها التتابع بخلاف ما مر.
وفي شرح الطحاوي: لو صام شهرين متتابعين، ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشمس في آخر ذلك اليوم؛ يجب عليه العتق لقدرته على المبدل قبل فراغه من المقصود [بالبدل] فانتقض حكم البدل؛ كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة.
стр. 3296
لَمْ يُجْزِ فِي الكَفَّارَةِ إِلَّا الصَّوْمُ) لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ (وَإِنْ أَعْتَقَ المَوْلَى أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ لَمْ يُجْزِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ المِلْكِ فَلَا يَصِيرُ مَالِكًا بتمليكه.
والأفضل أن يتم صوم هذا اليوم، ولو أفطر لا يلزمه القضاء عندنا خلافا لزفر (١)، وبقولنا قال المزني. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يلزمه العتق ولكن يستحب له أن ينتقل إلى العتق (٢).
أما لو قدر على الإعتاق بعد غروب الشمس من هذا اليوم؛ جاز صومه عن الكفارة ولا يجب عليه العتق بإجماع العلماء.
قوله: (لم يجز الكفارة إلا الصوم)، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو مروي عن الحسن. وقال ابن القاسم المالكي: لو أطعم بإذن مولاه أجزأه، ولو أعتق لا يجزئه. وقال الأوزاعي: يجزئانه بإذنه إذا لم يقدر على الصيام (٣).
وكذا لو كفر المولى بهما عنه (لم يجزه) عندنا؛ (لأنه ليس من أهل الملك فلا يصير مالكا بتمليكه)؛ لقوله ﵇: «لا يملك العبد ولا يملكه مولاه»، بخلاف ما إذا أحرم العبد بإذن المولى وأحصر ثم أراق المولى الدم عنه؛ يجوز؛ لأن العبد مضطر هاهنا إلى تمليك المال لعدم مشروعية الصوم بخلاف كفارة الظهار.
فإن قيل: ينبغي أن يثبت عتقه ضمنا اقتضاء.
قلنا: إنما يصح ذلك لو كان تبعا، والعتق أصل الأهلية فلا يثبت اقتضاء [لو كان] (٤) كذا (٥). وليس بقوي.
ثم إذا كفر العبد بالصوم [فليس] للمولى [أن يمنعه]، بخلاف كفارة اليمين والنذر فإن له منعه عنه.
стр. 3297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المدونة: إن تضرر المولى بصومه منعه (١).
وفي خزانة الأكمل: لا يصوم من له خادم بخلاف المسكن. وبه قال الأوزاعي ومالك، والدار كالخادم عنده.
وفي الجواهر: ويجزئ الصوم لمن يقدر على رقبة يحتاج إليها لخدمته (٢).
وقال الشافعي والليث: يجوز الصوم مع وجود الخادم، واعتبراه بالماء المعد للعطش، والفرق بينهما عندنا أن المأمور بإمساكه لعطشه واستعماله محظور عليه بخلاف الخادم. ذكره الرازي في أحكام القرآن (٣). ويرد عليه المسكن.
وجوابه: أنه بمنزلة لباس أهله، بخلاف الخادم.
وفي الاسبيجابي: يعتبر اليسار والإعسار وقت التكفير؛ أي: وقت الأداء، وبه قال مالك.
وقال أحمد والظاهرية: وقت وجوبه.
وللشافعي فيه أقوال أحدها كقولنا، والثاني كقول أحمد، والثالث يعتبر أغلظ الحالين.
ولو أعتق أجنبي عن ظهاره لا يجزئه وإن كان بأمره؛ لما فيه من التزام الولاء، وقال ابن القاسم المالكي: لو لم يعلم به جاز، وقال عبد الملك منهم: لا يجزئه وكذا قال أشهب. وقال أبو يوسف والثوري ومالك والشافعي وأبو ثور: يجزئه إن كان بأمره.
ولو أعتقه على مال لم يجزئه بالاتفاق، وإن وهب المال للعبد.
ظن أنه ظاهر منها فأعتق، ثم تبين أنه ظاهر من غيرها لا يجزئه. ذكره في العيون.
стр. 3298
(وَإِذَا لَم يَسْتَطِعِ المُظَاهِرُ الصِّيَامَ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسكينًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] (وَيُطْعِمُ كُلَّ مِسكين نِصْفَ صَاعِ مِنْ بُرِّ أَوْ
وفيه: نية كفارة عمرة لا تجزئه عن نية كفارة زينب.
إعتاق العبد الحربي في دار الحرب [لا] (١) يجزئه عن الكفارة، والمستأمن يجزئه.
قوله: (وإذا لم يستطع المظاهر الصيام) لكبر أو مرض لا يُرجى زواله (أطعم ستين مسكينا) كذا النص.
(نصف صاع من بر) وهو مُدان، والصاع أربعة أمداد.
وقال الشافعي: أطعم مدا من طعام، ويجب ذلك من غالب قوت البلد من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة (٢).
وقال مالك: يجب مد بمُد هشام، وهو مُدَّان بمد النبي ﷺ ، وقيل: إنه دونهما؛ لأنه ﵇ نصَّ على مُدَّين في فدية الأداء والظهار مثله (٣).
وقال أحمد: يجب من البر مدٌّ وَمن التمر والشعير مُدان؛ لأنه روي عن عطاء عن أوس أخي عبادة بن الصامت أنه ﵇ «أعطى خمسة عشر صاعًا من شعير» (٤). قال أبو داود: وهو منقطع؛ لأن عطاء لم يلق أوسًا (٥).
ولنا: حديث أوس بن الصامت كما ذكر في المتن رواه أبو داود وأحمد والخلال.
وفي رواية أبي داود «بعَرَقٍ من تمر» والعَرَق: ستون صاعًا. رواه أحمد وأبو داود (٦).
وروى الأثرم بإسناده عن عمر «أطعم صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر».
стр. 3299
صَاعًا مِنْ تَمر أَوْ شَعِير أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ لِقَولِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أُوسِ بنِ الصَّامِتِ وَسَهلِ بنِ صَخر: «لِكُلِّ مِسكين نِصف صاع مِنْ بُرِّ»، وَلِأَنَّ المُعتَبَرَ دَفَعُ حَاجَةِ اليَومِ لِكُلِّ مِسكين فَيُعتَبَرُ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ، وَقَولُهُ: أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ مَذهَبُنَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ (فَإِنْ أَعْطَى مَنَّا مِنْ بُرِّ وَمَنَوَينِ مِنْ تَمر أَوْ شَعِير جَازَ) لِحُصُولِ المَقْصُودِ إذ الجِنسُ مُتَّحِدٌ
قوله: (أو قيمة ذلك)؛ أي: من غير الأعداد المنصوصة؛ إذ في المنصوصة لا يجوز إذا كان أقل مما قدره الشرع، وإن كان أكثر من آخر أو مثله؛ لأنه لا اعتبار للمعني في المنصوص عليه.
(وسهل بن صخر) كذا أورده المستغفري.
وفي المغرب والمبسوط وشرح المصابيح: سلمة بن صخر البياضي (١).
قوله: (فيعتبر بصدقة الفطر) ولكن بينهما فرق؛ فإنه يجوز التفريق في صدقة الفطر؛ بأن أدى منا من الحنطة إلى مسكين ومنا آخر إلى آخر، وهاهنا لا يجوز التفريق مثل صدقة الفطر؛ بل يجب عليه أن يتم على ذلك المسكين، فإن لم يجده استأنف على غيره؛ لأن المعتبر في صدقة الفطر المقدار دون العدد.
وفي الكفارة العدد بالنص، قال تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة ٤] كذا في مبسوط فخر الإسلام وشرح الطحاوي.
قوله: (لحصول المقصود وهو دفع حاجة يومه؛ إذ الجنس متحد)؛ أي: من حيث الإطعام ورد الجوعة؛ لأن المقصود من البر والتمر والشعير الإطعام فيجوز تكميل أحدهما بالآخر؛ حتى لو أطعم خمسة مساكين في كفارة اليمين بطريق الإباحة وكسا خمسةً أُخر، والكسوة أرخص من الطعام؛ لم يجزئه لما أن المقصود بالكسوة غير المقصود من الطعام؛ ألا ترى أنه يجوز الإطعام بالإباحة دون الكسوة؛ فلو جوزنا من كل واحد النصف يكون نوعًا رابعًا، والمنصوص
стр. 3300
(وَإِنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ ظِهَارِهِ فَفَعَلَ أَجْزَاهُ) لِأَنَّهُ اسْتِقْرَاضُ مَعنى، وَالفَقِيرُ قَابِضُ لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَتَحَقَّقَ تَمَلُّكُهُ ثُمَّ تَمْلِيكُهُ
عليه ثلاثة أنواع لا غير. ذكره في المبسوط (١).
وكذا لو أطعم ثلاثين مسكينًا أو صام شهرًا وأعتق نصف رقبة لا يجوز؛ لأن نصف الرقبة ليس برقبة كاملة [وإكمال الأصل بالبدل غير ممكن؛ لأنهما لا يجتمعان.
فإن قيل: لو أعتق نصف رقبتين بأن كان بينه وبين شريكه عبدان؛ فأعتق نصيبه منهما عن الكفارة؛ لا يجوز مع أن الجنس متحد من حيث الإعتاق.
قلنا: نصف الرقبتين ليس برقبة كاملة؛] (٢) إذِ الشَّرِكة في كل رقبة تمنع التكفير، بخلاف الأضحية بأن ذبحا شاتين بينهما عن أضحيتهما؛ حيث يجوز فإن الشركة لا تمنع الأضحية كما في البدنة. كذا في المبسوط (٣).
قوله: (والفقير قابض له أولا)؛ أي: نيابة عن الأمر (ثم لنفسه فتحقق تملكه)؛ أي: تملك الأمر (ثم تمليكه) إلى الفقير كما لو وهب الدين من غير من عليه الدين، وأمره بقبضه؛ يجوز؛ لأنه يصير قابضًا للواهب ثم يجعله لنفسه. كذا ها هنا.
ولا يقال: كيف يجعل الفقير نائبًا وهو مجهول، والرضا بكونه نائبا شرط؟ لأنا نقول: إنما تراعى شرائط النيابة إذا كانت قصدية لا ضمنية؛ لما عرف أن ما ثبت ضمنًا لا تراعى شرائطه، وهذا كمن أمر إنسانًا بأداء الزكاة من ماله [فليس] للمأمور أن ير- يرجع على الأمر به؛ لأنه يحتمل الهبة والقرض فلا يرجع بالشك.
وعن أبي يوسف: يرجع ويجعل قرضًا؛ لأنه أدناهما ضررًا إذ رجوع بدله إليه كرجوعه، واعتبره بدين العباد؛ إذ الكفارة دين فكأنه لم يخرج عن ملكه. كذا
стр. 3301
(فَإِنْ غَدَّاهُم وَعَشَّاهُم جَازَ قَلِيلًا كَانَ مَا أَكَلُوا أَوْ كَثِيرًا) … ... … ... …
في جامع قاضي خان (١).
ويرد على ظاهر الرواية: التزوج على عبد الغير أو ثوب الغير؛ فإنه يجعل فيهما قرضًا لا هبة وإن كان في القرض شك.
والفرق أن في الإطعام معنى القربة ومعنى الصدقة؛ فيقصد بذلك الثواب والأجر دون المال بخلاف غيره.
ومنهم من يقول: الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد المحتاج؛ ولهذا لا تضر الجهالة في الصدقة لأن القابض معلوم؛ ولهذا لو تصدق بدار تحتمل القسمة على فقيرين؛ جاز، وعلى غنيين؛ لا يجوز.
قوله: (فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جَازَ) الرواية بالواو لا بأو؛ فإن التغدية الواحدة من غير التعشية أو التعشية من غير التغدية؛ لا تجوز. ذكره في المبسوط والمحيط. وفي المجرد عن أبي حنيفة: لو غدا ستين مسكينا وعشى آخرين لا يجوز (٢).
وفي بعض نسخ الهداية: (أو عشاهم) أراد به غدائين أو عشاهم عشائين. ذكر في المبسوط والمحيط: فعلم أن المراد غداءان، أو عشاءان، أو غداء وعشاء، أو عشاء وسحور (٣).
(قَلِيلًا كَانَ مَا أَكَلُوا أَوْ كَثِيرًا)؛ أي: بعد ما شبعوا؛ إذ المعتبر الشبع لا المقدار؛ لما ذكرنا أن المقصود دفع حاجة اليوم.
في المحيط: المعتبر أكلتان مشبعتان، ولا يعتبر فيه مقدار الطعام؛ حتى لو قدم أربعة أرغفة أو ثلاثة في كفارة اليمين بين يدي عشرة وشبعوا؛ أجزأه وإن لم يبلغ ذلك صاعا أو نصف صاع.
ولو كان أحدهم شبعان هل يجوز؟ اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: يجوز؛ لأنه وجد إطعام العشرة.
стр. 3302
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا التَّمْلِيكُ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الفِطْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّمْلِيكَ أَدفَعُ لِلحَاجَةِ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَهُ الإِبَاحَةُ. وَلَنَا: أَنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ الإِطْعَامُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّمْكِينِ مِنْ الطَّعمِ، وَفِي الإِبَاحَةِ ذَلِكَ كَمَا فِي التَّمْلِيكِ، أَمَّا الوَاجِبُ فِي الزَّكَاةِ الإِيتَاءُ، وَفِي صَدَقَةِ الفِطْرِ الأَدَاءُ … ... .
وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن المأخوذ عليه إشباع العشرة ولم يوجد (١).
وبقولنا قال مالك والنخعي.
وقال الشافعي وأحمد الواجب فيه التمليك دون الإباحة.
وقال حمدان بن سهل: لا يتأدى الإطعام بالتمليك بل يتأدى بالتمكين فقط؛ لظاهر قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والإطعام فعل متعد لازمه طعم يطعم؛ أي: لازم الإطعام، وذلك الأكل دون التمليك ففي التمليك لا يوجد حقيقة الإطعام؛ بل يوجد في التمكين والكلام محمول على حقيقته.
والشافعي يقيسه على الزكاة وصدقة الفطر والكسوة والإطعام تذكر للتمليك عمدًا عرفا؛ يقول الرجل لغيره: أطعمتك هذا الطعام؛ أي: ملكتك، والمقصود سَدُّ خُلَّة المسكين وإغناؤه، وذلك يحصل بالتمليك دون التمكين.
وقلنا: (المنصوص عليه هو الإطعام وهو حقيقة في التمكين)؛ يعني جعل الغير طاعمًا.
(وفي الإباحة ذلك)؛ أي: الإطعام (كما في التمليك) فيتأدى الواجب بكل واحد منهما؛ فكانت الإباحة ثابتة بالنص، والتمليك في معناه بل هو فوقه فيما هو المقصود، وهو سَدُّ خُلَّة المحتاج وإغناؤه؛ فيجوز بمعنى النص، وقد قال ﵇ لكعب بن عجرة في فدية الأذى: «أطعم ثلاثة اصع ستة مساكن» (٢)، وأطعم أنس ﵁ في فدية الصيام.
(أما الواجب في الزكاة الإيتاء (٣) وفي صدقة الفطر الأداء) وهو التمليك
стр. 3303
وَهُمَا لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةٌ (وَلَو كَانَ فِيمَن عَشَّاهُم صَبِيٌّ فَطِيمٌ لَا يُجْزِئُهُ) …
(وهما للتمليك حقيقة)، وقياسه على الزكاة وصدقة الفطر مخالف للقرآن والحديث.
وفي الكافي: الأصل أن الإباحة فيه تصح في الكفارات ككفارة الظهار والإفطار واليمين وجزاء الصيد والفدية دون الصدقات كالزكاة وصدقة الفطر والحلق عن الأذى والعُشر؛ فإنه يشترك فيه التمليك (١).
والضابط: أن ما شرط بلفظ الإطعام، والطعام يجوز فيه الإباحة، وما ورد بلفظ الإيتاء والأداء يشترط فيه التمليك.
فإن قيل: الإطعام لا يخلو من أن يكون حقيقة للتمليك والإباحة أو حقيقة لأحدهما مجازا للآخر، أو يكون مجازا لهما، وأيا ما كان؛ لا يجوز أن تكون الإباحة مرادة؛ لئلا يلزم تعميم المشترك أو الجمع بين الحقيقة والمجاز أو المجازين؛ إذ التمليك مراد بالإجماع.
قلنا: جواز التمليك عندنا بدلالة النص، والدلالة لا تمنع العمل بالحقيقة كما في حُرمة الشتم؛ وجه الدلالة: أن الإباحة جزء من التمليك تقديرًا؛ لأن حوائج المساكين كثيرة، والملك سبب لنقصانها؛ فصار التمليك كقضائها كلها، والأكل من هذه الحوائج فيتناول النص جزءها فتصح التعدية إلى كلها؛ لاشتماله عليه وعلى غيره فيكون عملا بالنص معنى.
بخلاف الكسوة فإن النص يتناول التمليك؛ لأنه جعل الثوب كفارة؛ إذ الكسوة - بكسر الكاف - اسم للثوب فوجب التكفير بعين الثوب وإنما يكون كذلك بالتمليك دون الإعارة؛ لأنها تصرفُ في المنفعة، فكان النص واقعا على التمليك الذي هو قضاء لكل الحوائج فلم يصلح تعديته إلى جزءها وهو الإباحة، وفي الإطعام واقع على الإباحة فتصح تعديته إلى التمليك كما ذكرنا.
فإن قيل: قد قرئ في السبعة: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ بفتح الكاف، وهو مصدر؛ فكان كالإطعام فينبغي أن تجوز فيه الإباحة كما في الإطعام؛ عملا بهذه القراءة.
قلنا: المراد منه التمليك؛ لأن الإباحة لا تجوز في الكسوة بالإجماع
стр. 3304
لِأَنَّهُ لَا يَستَوفِي كَامِلا، وَلَا بُدَّ مِنْ الإِدَامِ فِي خُبرِ الشَّعِيرِ لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِيفَاءُ إِلَى الشَّبَعِ، وَفِي خُبْزِ الحِنْطَةِ لَا يُشْتَرَطُ الإِدَامُ.
(وَإِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَومًا أَجْزَاهُ،
فيحمله على الكسر؛ إذ بالفتح تجيء بمعنى الثوب.
وأما في صدقة الحلق عن الأذى؛ فعند محمد: يشترط فيه التمليك؛ لأن المنصوص عليها الصدقة؛ فتنصرف إلى التمليك كصدقة الفطر.
وعند أبي يوسف: يجوز فيها الإباحة؛ لأنها كفارة فتعتبر بسائر الكفارات.
قوله: (لأنه)؛ أي: الصبي الفطيم (لا يستوفي كاملا) فإن قيل: يجزئ في البالغين قليلا ما أكلوا أو كثيرًا فينبغي أن يجزئه في الفطيم.
قلنا: صلاحية الأكل التام أقيمت مقام الأكل التام فيهم، وما نحن فيه بخلافه؛ لاعتماد المُكَفِّرِ عدم تمكينه الاستيفاء فلا يحصل به الزجر، والمقصود من الكفارة الزجر.
قوله: (لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِيفَاءُ إِلَى الشَّبَعِ)، وكذا في الدُّرَةِ والدُّخْنِ؛ لأنهما دونه بخلاف خبز الحنطة؛ لأن إدامته فيها، لا سيما إذا كان الخبز سخنا، وإنما يتوقف أكله على الإدام عند أهل الرفاهية دون المساكين.
قوله: (مسكينًا واحدًا ستين يَومًا أَجْزَاهُ)، وهو رواية عن أحمد (١).
وقال الشافعي: لا يجوز (٢)، وهو ظاهر مذهب أحمد (٣)؛ اعتبارا للعدد المنصوص والمسكين الواحد بتكرر الأيام لا يصير ستين مسكينا وهو مذهب أكثر العلماء، وهذا الخلاف في التمليك من مسكين واحد فإن الإباحة لا تجوز عندهما.
وقلنا: المقصود سَدُ خُلَّةِ المسكين ورد جوعته، وذا يتجدد بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني كمسكين آخر بتجدد سبب الاستحقاق؛
стр. 3305
وَإِنْ أَعطَاهُ فِي يَوم وَاحِد لَم يُجزِهِ إِلَّا عَنْ يَومِهِ) لِأَنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المُحتَاجِ، وَالحَاجَةُ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوم، فَالدَّفْعُ إِلَيْهِ فِي اليَومِ الثَّانِي كَالدَّفْعِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا فِي الإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَاف. وَأَمَّا التَّمْلِيكُ مِنْ مِسكِين وَاحِد فِي يَوم وَاحِد بِدَفَعَاتِ، فَقَد قِيلَ: لَا يُجزِئُهُ، وَقَدْ قِيلَ: يُجزِئُهُ، … ..
ولهذا لو (أعطاه في يوم واحد لم يجزه إلا عن يومه) سواء دفعه بدفعة واحدة أو بدفعات؛ لأن الواحد لا يستوفي في اليوم الواحد طعام ستين مسكينا فلم يوجد العدد حقيقة وحكمًا لعدم تجدد الحاجة، وهذا إشارة إلى قوله: (لم يجزئه إلا عن يومه).
(في الإباحة من غير خلاف) بين أصحابنا؛ لما ذكرنا أن الواحد في اليوم الواحد لا يستوفي طعام ستين مسكينًا.
(فقد قيل لا يجزئه) وفي المحيط: هو الصحيح (١)؛ لأن المعتبر سد الخلّة، ولهذا لا يجوز صرفه إلى الغني؛ لأنه طاعم بملكه، وإطعام الطاعم محال كتمليك المالك، وبعد ما استوفى وظيفته لا يحصل سد خلته بصرف وظيفة أخرى في هذا اليوم إليه.
بخلاف كفارة أخرى؛ حيث يجوز؛ لأن المستوفي في حكم تلك الكفارة كالمعدوم، ولا يمكن أن يجعل مثله في هذه الكفارة.
وبخلاف الثوب؛ لأن تجدد الحاجة إليه تختلف أحوال الناس فيه فلا يمكن تعليق الحكم بعينه؛ لتعذر الوقوف عليه فيقام تجدد الأيام فيه مقام تجدد الحاجة تيسيرًا (٢).
(وقد قيل: يجزئه)؛ لأن التمليك أقيم مقام حقيقة الإطعام، والحاجة بطريق التمليك ليس لها نهاية؛ فإذا فرق الدفعات جاز ذلك في يوم واحد كما في الأيام، واستدلوا على هذا بما ذكر في كتاب الأيمان أنه لو كسا مسكينًا واحدًا في عشرة أيام كسوة عشرة مساكين؛ أجزأه؛ لتفرق الفعل، وإن انعدم تجدد الحاجة في كل يوم؛ والدليل عليه: أنه بعدما أخذ وظيفته في هذا اليوم لو
стр. 3306
لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى التَّمْلِيكِ تَتَجَدَّدُ فِي يَوم وَاحِد، بِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ بِدَفَعَة وَاحِدَة، لِأَنَّ التَّفرِيقَ وَاجِبٌ بِالنَّص.
(وَإِنْ قَرُبَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الإِطْعَامِ لَم يَسْتَأْنِف) لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا شَرَطَ فِي الإِطْعَامِ أَنْ يَكُونَ قَبلَ المَسِيسِ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ المَسِيسِ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقْدِرُ عَلَى الإِعْتَاقِ أَوْ الصَّومِ فَيَقَعَانِ بَعدَ المَسِيسِ، وَالمَنعُ لِمَعنى فِي غَيْرِهِ لَا يَعْدِمُ المَشرُوعِيَّةَ فِي نَفْسِهِ.
صرف إليه رجل آخر طعام مسكين عن كفارته [يجوز ذلك] (١)؛ فكذا إذا صرف إليه ذلك الرجل طعام مسكين آخر.
(بخلاف ما إذا دفع) إليه (بدفعة واحدة)؛ حيث لا يجوز؛ لأن الواجب عليه تفريق الفعل بالنص، فإذا جمع لا يجزئه إلا عن واحد كالحاج إذا رمى الحصيات السبع دفعة واحدة. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (لم يستأنف)، وبه قال: الشافعي (٣) وأحمد (٤).
وقال مالك: يستأنف واعتبره بالصوم (٥).
وقلنا: النص في الإطعام مطلق غير مقيد بما قبل المسيس، وشرط الإخلاء عن المسيس من ضرورة التقديم على المسيس، وهو منصوص عليه في الإعتاق والصوم دون الإطعام، ولا يُحْمَلُ المطلق على المقيد وإن وردا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين.
قوله: (والمنع لمعنى في غيره وهو توهم على القدرة على الإعتاق أو الصيام فلا يعدم المشروعية) كالبيع وقت النداء.
وفي الإسبيجابي: يجب تقديم الإطعام على الوطء، فلو وطئها فيه؛ لا يستأنف.
стр. 3307
(وَإِذَا أَطْعَمَ عَنْ ظِهَارَينِ سِتِّينَ مِسكينًا، كُلَّ مِسكين صَاعًا مِنْ بُرِّ لَم يُجزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِد مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُجزِئُهُ عَنْهُمَا (*)، وَإِنْ أَطْعَمَ ذَلِكَ عَنْ إفطارٍ وَظِهَارٍ أَجْزَاهُ عَنْهُمَا) لَهُ: أَنَّ بِالمُؤَدَّى وَفَاء بِهِمَا، وَالمَصرُوفُ إِلَيْهِ مَحِلُّ لَهُمَا، فَيَقَعُ عَنْهُمَا كَمَا لَو اختَلَفَ السَّبَبُ أَوْ فَرَّقَ فِي الدَّمْعِ. وَلَهُمَا: أَنَّ النِّيَّةَ فِي الجِنسِ الوَاحِدِ لَعْوٌ وَفِي الجِنسَينِ مُعتَبَرَةٌ، وَإِذَا لَغَتِ النِّيَّةُ وَالمُؤَدَّى يَصْلُحُ كَفَّارَة وَاحِدَة، لِأَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ أَدنَى المَقَادِيرِ، فَيَمْنَعُ النُّقْصَانَ دُونَ الزِّيَادَةِ فَيَقَعُ
قوله: (أطعم عن ظهارين) سواء كانا من امرأة واحدة أو من امرأتين.
قوله: (أَجْزَاهُ عَنْهُمَا)؛ أي: عن الإفطار والظهار بالاتفاق.
قوله: (في الجنس الواحد لغو) لأن نية التعيين لتبيين المجمل، أو لتمييز المشترك، ولا يوجد ذلك في الجنس الواحد (١)، بخلاف الجنسين فإنها معتبرة فيهم؛ ألا ترى أن من كان عليه قضاء أيام من رمضان فنوى صوم القضاء؛ جاز ولا تجب فيه نية التعيين، [وفي قضاء رمضان وصوم النذر يفتقر إلى تعيين النية] (٢)؛ لاختلاف جنسهما. كذا في المبسوط (٣).
فإن قيل: لو أعتق عبدًا عن أحد الظهارين بعينه؛ تصح نية التعيين، ولم يجعل لغوا في جنس واحد؛ ولهذا حل وطء التي عينها.
قلنا: أفادت [الحل] التي رفعت حرمتها بعينها.
فإن قيل: تعلق بنية الظهارين غرض صحيح؛ وهو: رفع الحرمة عنهما، فوجب أن يصح.
قلنا: إعتاق الرقبة يصلح كفارة عن أحد الظهارين قدرًا ومحلا؛ فصحت بنيته، فأما إطعام ستين مسكينا كل مسكين صاعًا إن كان يصلح عن الظهارين قدرًا لا يصلح محلا لهما؛ لأن محل الظهارين مائة وعشرين مسكينًا عند عدم التفريق، فإذا [زاد] (٤) في الوظيفة ونقص عن المحل؛ وجب أن يعتبر قدر المحل احتياطا،
стр. 3308
عَنْهُمَا كَمَا إِذَا نَوَى أَصلَ الكَفَّارَةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا فَرَّقَ فِي الدَّمْعِ، لِأَنَّهُ فِي الدَّمْعَةِ الثَّانِيَةِ في حكم مسكين آخَرَ وَمَنْ وَجَبَت عَلَيْهِ كَفَّارَنَا ظِهَارِ فَأَعْتَقَ رَقَبَتَينِ لَا يَنوِي عَنْ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا جَازَ عَنهُمَا، وَكَذَا إِذَا صَامَ أَربَعَةَ أَشْهُر أَوْ أَطْعَمَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا (جَازَ) لِأَنَّ الإِنسَ مُتَّحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إِلَى نِيَّة مُعَيَّنَة (وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُمَا رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ صَامَ شَهرَينِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيْهِمَا شَاءَ، وَإِنْ أَعتَقَ عَنْ ظِهَارِ وَقَتَل لَم يَجز عَنْ وَاحِد مِنْهُمَا) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئهُ عَنْ أَحَدِهمَا فِي الفَصْلَينِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدِهمَا فِي الفَصْلَينِ، لِأَنَّ الكَفَّارَاتِ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ المَقْصُودِ جنسٌ وَاحِدٌ. وَجهُ قَولِ زُفَرَ:
كما لو أعطى ثلاثين مسكينا كل واحد صاعًا. إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
واشتمال فائدة انتهاء الحرمتين غير معتبر؛ لأن الشرع لما أسقط اعتبار نية التعيين والتوزيع في الجنس الواحد وإن كان الحكم فيه خلوها عن الفائدة؛ سقط اعتبار المعنى في كل فرد وبدون الحكم مع اتحاد الجنس وجودًا وعدمًا على ما عُرف. كذا في الخبازية.
قوله: (وإن أعتق عن ظهار وقتل؛ لم يجز [عن واحد] منهما) قالوا: لو أعتق رقبة كافرة عنهما [تقع عن الظهار] (١). ذكره التمرتاشي (٢).
(له أن يجعل ذلك عن أيهما شاء)؛ أي: استحسانًا.
وفي القياس: (لا يجزئه)، وهو قول زفر؛ لخروج الأمر من يده على ما يجيء.
(في الفصلين)؛ أي: الجنس المتحد وغيره.
(باعتبار اتحاد المقصود) وهو الستر (جنس واحد)؛ ولذا حُمِلَ المُطلق في أحدهما على المقيد في الأخرى.
وقال أبو ثور: في الظهارين يُقرع وأيتهما أصابتها القرعة؛ حل وطئها.
стр. 3309
أَنَّهُ أَعتَقَ عَنْ كُلِّ ظِهَارِ نِصْفَ العَبدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَمَا أَعْتَقَ عَنْهُمَا لِخُرُوجِ الأَمرِ مِنْ يَدِهِ. وَلَنَا: أَنَّ نِيَّةَ التَّعيِينِ فِي الجِنسِ المُتَّحِدِ غَيْرُ مُفيد فَتَلغُو، وَفِي الجِنسِ المُختَلِفِ مُفِيدَةٌ، وَاخْتِلَافُ الجِنسِ فِي الحُكمِ وَهُوَ الكَفَّارَةُ هَاهُنَا بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ … ...
قوله: (أعتق عن كل ظهار نصف العبد)؛ لأنه لما أعتق عنهما انقسم عليهما؛ فيصير من كل واحد نصفه، وهذا لأنهما وجبا بسببين؛ فصارا -غيرين- كالظهار والقتل، وإذا وقع عنهما ليس له أن يجعله عن أحدهما (لخروج الأمر من يده).
قوله: (فَتَلْغُو)؛ أي: نية الظهارين؛ فبقي الإعتاق عن الظهار مطلقًا، ولو أطلق؛ جاز عن أحدهما ثم له التعيين فكذا عند لغو تعيين النية، وصار [كمن] عليه قضاء أيام من رمضان فعليه نية القضاء لا تعيين اليوم بأنه صوم يوم السبت أو الأحد.
بخلاف المختلف الجنس كما في القتل والظهار فلابد من التعيين ولم يوجد؛ فوقع عن كل واحد نصف العبد؛ لأنه توزيع، ونية التوزيع في الجنس المختلف معتبرة، ونصف العبد لا يصلح للتكفير كمن عليه قضاء يوم من رمضان وصوم نذر، فنوى من الليل أن يصوم غدًا عنهما؛ فإنه لا يصير صائما أصلًا.
فإن قيل: لو نوى ظهرين من يومين فإنه لا يجوز عن واحد وإن اتحد الجنس.
قلنا: إنما احتيج إلى نية التعيين لكل يوم؛ لأن وقت الظهر من اليوم الثاني غير الأول حقيقة وحكمًا، أما الحقيقة فظاهر، وكذا حكمًا؛ لأن الخطاب ما علق بوقت يجمعهما بل علقا بدلوك الشمس، والدلوك في اليوم الثاني غير الدلوك في اليوم الأول بخلاف قضاء رمضان؛ لأن الخطاب بزمان يجمعهما وهو الشهر فلا يحتاج إلى تعيين يوم السبت أو الأحد، حتى لو قال: في قضاء من رمضانين؛ شرط التعيين ذكره قاضي خان في فتاواه (١).
стр. 3310
نَظِيرُ الأَوَّلِ: إِذَا صَامَ يَومًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ عَنْ يَومَينِ يُجزِلُهُ عَنْ قَضَاءِ يَومٍ وَاحِدٍ. وَنَظِيرُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ صَومُ القَضَاءِ وَالنَّدْرِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَاللَّهُ أَعلَمُ.
ولو نوى ظهرًا وعصرًا أو ظهرًا وصلاة جنازة: لم يكن شارعًا بواحدة منهما؛ للتنافي وعدم الرجحان.
ولو نوى ظهرًا ونفلا: لم يصر شارعًا أصلا عند محمد؛ لأنهما للتنافي وعدم الرجحان، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: يقع عن الظهر؛ لأنه أقوى.
ولو نوى صوم القضاء والنفل والزكاة والتطوع، أو الحج المنذور والتطوع؛ يكون تطوعًا عند محمد في الكل؛ لأن النيتين بطلتا بالتعارض وبقي مطلق النية فصار نفلًا. وعند أبي يوسف: يقع عن الأقوى؛ لأنه لما تعارضت النيتان وجب الترجيح بالأقوى وهو الفرض أو الواجب.
ولو نوى حج الإسلام فهو حج الإسلام اتفاقا. أما عند أبي يوسف فظاهر، وأما عند محمد؛ فلأن الحج يتأتى بمطلق النية. كذا في الكافي (١).
قوله: (نظير الأول) وهو متحد الجنس، (ونظير الثاني) وهو مختلف الجنس.
مسائل تتعلق بهذا الفصل
في المنتقى: عن أبي يوسف: لو تصدق بدرهم عن يمين وظهار؛ فله أن يجعله عن أحدهما استحسانًا (٢).
وفي جوامع الفقه: ظاهر من أربع فأعتق عبدًا عنهن وصام أربعة أشهر، ثم مرض فأطعم ستين مسكينا عنهن؛ جاز استحسانًا؛ لاتحاد الجنس، ونقصان الهلال لا يمنع (٣).
стр. 3311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الخزانة: صام تسعة وعشرين يوما بالهلال، وصام قبله خمسة عشر؛ جاز. وقيل: لا يجوز ويجب إتمامه بالعدد (١).
وفي الإشراف: يجزئه بالأهلة ثمانية وخمسون يوما (٢)، وبه قال: الثوري، ومالك، وأهل الحجاز، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد.
وإن لم يستقبل بالهلال: قال الزهري: يصوم ستين يوما (٣).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن صومه ستون إن صام بغير الأهلة (٤).
وفي المنهاج: يجوز إعتاق عبديه عن كفارتيه عن كل واحد نصف ونصف (٥). وعندنا: لا يجوز.
وإعتاق العبد الحربي في دار الحرب عن الكفارة والعبد المستأمن؛ يجوز خلافا للأئمة الثلاثة.
لا يجوز صرف الكفارة إلى فقراء أهل الحرب وإن كان مستأمنا، وتجوز إلى فقراء أهل الذمة خلافا لأبي يوسف وللأئمة الثلاثة، وفقراء المسلمين أحب إلينا.
لو قال لآخر: أعتق عبدك عن كفارتي، فأعتقه عن كفارته؛ أجزأه.
وعندنا: إذا لم يشترط على عوض؛ لم يقع عن الأمر، وعن أحمد روايتان (٦).
стр. 3312
بَابُ اللِّعَانِ
باب اللعان
قد ذكرنا وجه مناسبة الباب فيما تقدم (١).
اللعان: مصدر الرباعي مِنْ لاعَنَ يلاعِنُ ملاعَنَةً ولعانا، إلا أن "المفاعلة" قياس و "الفعال" ليس بقياس، قالوا: جالسته مجالسة ولا يقال: جالس جلاسًا، ولا قاعد قعادًا، ولا واعد وعادًا. ذكره ابن يعيش في شرح المفصل (٢).
وأصل اللَّعْن: الطرد والإبعاد يقال: التَّعَنَ؛ أي: لعن نفسه، ولاعن: إذا لعن غيره، ورجل لُعَنَة -بفتح العين-: إذا كان كثير اللعن لغيره، و لُعْنَة -بسكونها-: إذا لعنه الناس كثيرًا (٣).
ثم لقب الباب باللعان دون الغضب وإن كان فيه الغضب أيضًا؛ لأن اللعن من جانب الرجل وهو مقدم وسابق فيه؛ فالسبق من أسباب الترجيح أو التغليب، لكثرة اللعن فيه من الغضب كالقمرين والعُمرين.
واللعان في الشرع: عبارة عما يجري بين الزوجين من الشهادات الأربع واللعن والغضب.
وسببه: قذف الرجل امرأته قذفًا يوجب الحد في الأجانب.
وشرطه: قيام النكاح.
وركنه: شهادات مزكاة باللعن واليمين (٤).
وحكمه: حرمة الوطء بعد التلاعن.
وأهله: من كان أهلا للشهادة عندنا؛ حتى لا يجري بين مملوكين أو أحدهما صبي أو مملوك أو محدود في قذف أو كافر.
стр. 3313
قَالَ: (إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امرَأَتَهُ بِالزِّنَا وَهُمَا مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ، وَالمَرأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا، أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ القَدْفِ فَعَلَيْهِ اللَّعَانُ) … ... …
قوله: (قذف [الرجل] (١) امرأته بالزنا) سواء في ذلك قوله: رأيتك تزنين، وأنتِ زانية، ويا زانية عند الجمهور، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وفي المشهور عن مالك: لا يجب بقوله: أنتِ زانية أو يا زانية بل يجب فيه الحد، وبه قال الليث وعثمان البتي ويحيى بن سعيد (٢).
وفي التبصرة: والصحيح عنده أنه لا يلاعن حتى يدعي الرؤية والاستبراء في قوله: ليس حملكِ مني، بأن يقول: استبرئت (٣).
وقول مالك ضعيف؛ لأن الكل رمي لها بالزنا؛ فيجب اللعان بالنص ولم يذكر في النص المعاينة، فصار كالأجنبي، ولأن الأعمى يلاعن عنده وهو لم يرها تزني قط.
قوله: (وهما من أهل الشهادة)؛ أي: على المسلم، وفي الأسرار والأهل من هو أهل لأداء سائر الشهادات فعلم أن المراد من أهلية الشهادة أهلية أدائها حتى لا يجري بين مملوكين أو أحدهما كما ذكرنا.
فإن قيل: يجري بين الأعميين والفاسقين مع أن لا أداء لهما للشهادة.
قلنا: هما من أهل الشهادة؛ ولهذا لو قضى القاضي بشهادتهما جاز.
ولأن أحدهما - الأعمى من أهل الشهادة، إلا أنه لا يُقبل منه؛ لعدم تمزه بين المشهود له وعليه كذا في شرح الطحاوي (٤) وقاضي خان.
وفي شرح المجمع وهاهنا يقدر على أن يفصل بين نفسه وبين امرأته فيكونُ أهْلًا لهذه الشهادة (٥).
وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة ﵁: أن الأعمى لا يلاعن.
قوله: (مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا) حتى لو كانت ممن لا يحد قاذفها بأن تزوجت
стр. 3314
وَالأَصلُ: أَنَّ اللَّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالأَيْمَانِ مَقرُونَةٌ بِاللَّعِنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ القَدْفِ فِي حَقِّهِ، وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] وَالِاسْتِثْنَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ الجِنسِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ﴾
بنكاح فاسد ودخل بها، أو كان لها ولد وليس [له] (١) أب معروف؛ لا يجري اللعان، أو زنت في عمرها ولو مرة، أو وطئت وطئاً حرامًا ولو مرة. ذكره الإسبيجابي (٢). وإن كانا من أهل الشهادة.
فإن قيل: ما فائدة تخصيص المرأة بكونها ممن يحد قاذفها، وهو شرط في جانب الرجل أيضًا حتى لو كان الزوج ممن لا يحد قاذفه لا يجري اللعان بينهما وإن كانت ممن يحد قاذفها؟
قلنا: اللعان في [حقه] (٣) قائم مقام حد القذف؛ فلابد من إحصانها حتى يقع مقام حد القذف، وعند عدم إحصانها قذفها لا يكون موجبا شيئاً لا حد القذف ولا اللعان. أما قذف الرجل عند عدم إحصانه فموجب ما هو الأصل فيه وهو حد القذف؛ فلم يحل قذفه عند عدم إحصانه عن موجبه؛ [فلذلك] (٤) لم يشترط كونه ممن يحد قاذفه؛ إذ الحد أصل اللعان فكان في معنى اللعان (٥).
قوله: (أن اللعان عندنا) كذا، وقال الشافعي: اللعان: أيمان مؤكدات بالشهادة، وهو الظاهر من أقوال مالك وأحمد.
فمن كان أهلا لليمين عنده يكون أهلا للعان؛ [حتى] (٦) يجب اللعان من كل زوج عاقل، مسلما كان أو كافرًا، حرا أو عبدا (٧)، وهو قول: مالك (٨)، وأحمد في رواية، وعند أحمد في رواية كقولنا (٩).
وجه قوله قول الله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] فقوله:
стр. 3315
[النور: ٦] نَصُّ عَلَى الشَّهَادَةِ وَاليَمِينِ، فَقُلْنَا: الرُّكنُ هُوَ الشَّهَادَةُ المُؤَكَّدَةُ بِاليَمِينِ، ثُمَّ
﴿بالله﴾ محكم في اليمين، والشهادة تحتمل اليمين، فإنه لو أشهد بالله كان يمينا؛ فحملنا المحتمل على المحكم، وحمله على الشهادة لا يجوز؛ لأن شهادته لنفسه مردودة ويمينه لها مقبولة.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَة﴾ [النور ٦] استثنى أنفسهم عن الشهداء؛ فثبت أن الزوج شاهد؛ لأن المستثنى [من جنس المستثنى] (١) منه؛ إذ لا يجوز أن يكون المعنى: ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم؛ لأن أحدًا لا يحلف عن غيره، وإنما يحلف عن نفسه، ولا يجوز إحلافه عن غيره.
ولأن الإجماع انعقد على أن المراد بالشهداء من يشهد لا من يحلف.
وقد نص الله على شهادته بقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ﴾ وعلى اليمين أيضًا؛ (فقلنا: الركن هو الشهادة المؤكدة باليمين)؛ لأن الحاجة هنا إلى إيجاب الحكم في الطرفين، والذي يصلح لإيجاب الحكم الشهادة دون اليمين، إلا أنها مؤكدة باليمين؛ لأنه يشهد لنفسه والتأكيد باليمين لا يخرجه من أن يكون شهادة (٢).
فقلنا: الركن الشهادة المؤكدة باليمين؛ عملا بحقيقه لفظ القرآن والسنة على ما يأتي.
وفي حديث ابن مسعود من رواية مسلم وأبي داود: «فشهد الرجل أربع شهادات باللهِ إنَّه لمن الصادقين» (٣)، وفي مسلم والنسائي: «فدعا هلالا فشهد أربع شهادات» (٤).
وقول الماوردي في الحاوي: " وتأويل أبي حنيفة خطأ؛ لأن شهادة المرء على نفسه غير مقبولة، ولأن كلمات اللعان مكررة، والتكرير في الأيمان مشروع
стр. 3316
قَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهِ بِاللَّعَنِ لَو كَانَ كَاذِبًا، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ القَدْفِ، … ... …
كما في القسامة دون الشهادة"؛ فاسد؛ لأن من قال بحقيقة لفظ الشهادة المذكورة في القرآن والحديث لم يكن قوله تأويلا؛ بل التأويل قول من ترك حقيقة اللفظ بالاجتهاد الفاسد ويعطل القرآن والحديث.
وأما شهادته لنفسه غير مقبولة؛ لمكان التهمة لا لأنه لا يصلح للشهادة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية وكان من أصدق الشهادات لانتفاء التهمة، والتهمة فيما نحن فيه منفية باليمين مع أنها بإذن الله تعالى وشَرْعِ رسوله ﷺ .
وأما تكرر الشهادات هاهنا لقيامها مقام أربع شهادات؛ فإن الواجب عليه إقامة أربع شهادات من شهود أربعة، وقد عجز عن إقامة شهود أربعة ولم يعجز عن إقامة أربع شهادات، فما عجز سقط عنه، وما قدر عليه لزمه. ذكره في الفوائد الظهيرية (١).
وفي التبصرة المالكية: لو كانت حرة مسلمة والزوج نصراني ولاعن فنكلت؛ لم تحد بلعان الكافر (٢). وهو يبطل دعواهم أنه أيمان؛ إذ هو من أهل اليمين لا من أهل الشهادة، فاعتبروا فيه الشهادة دون اليمين.
وقالوا أيضًا: لو قذف نساءه الأربع بكلمة واحدة، قال الأبهري: يلاعن لكل واحدة بمنزلة الشهادة، ولو أتى بالشهود يلزم أن يُشهد على كل واحدة (٣). فكذا اللعان بخلاف اليمين.
ثم إنهم لا يقضون بالنكول في الأموال ويقضون به في الدماء والرجم. وفَسَادُه واضح.
فالحاصل أن مذهب الشافعي ومالك مضطرب غير جارٍ على قانون واحد؛ يعرف ذلك بمسائلهما.
قوله: (قَائِم مَقَامَ حَدّ الْقَذْفِ) وهذا لا يثبت بالشهادة على الشهادة، ولا
стр. 3317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بشهادة النساء، وكتاب القاضي إلى القاضي.
في المبسوط: موجب قذفه لها الحد في الابتداء كما في الأجنبية بالنص؛ لما روي عن ابن مسعود قال: كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل أنصاري فقال يا رسول الله: أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، ثم قال: اللهم افتح؛ فنزلت آية اللعان (١)، وقال ﵇ لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء: «إئتِ بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد على ظهرك» (٢) فقالت الصحابة: فالآن يجلد هلال فتبطل شهادته (٣)؛ فثبت أن موجب قذفها الحد، ثم انتسخ ذلك باللعان فثبت أن موجب قذفهما اللعان بشرائطه.
وعلى قول مالك والشافعي موجبه الحد كما في الأجنبية؛ لكن يتمكن من إسقاطه في امرأته باللعان حتى لو امتنع الزوج من اللعان؛ حُدَّ عندهما، وبه قال أحمد-، وعندنا: يحبس حتى يلتعن (٤).
وفي مبسوط فخر الإسلام: وجه المناسبة بين الحد واللعان: أن الحد سبب الهلاك، والاستشهاد بالله كاذبًا سبب الهلاك أيضًا، وكذا في حقها بمنزلة حد الزنا في حق الرجل؛ لأنه مهلك في حقها؛ لأنها كاذبة في زعم الرجل في شهادتها، ولهذا لو قذف امرأته مرارًا فعليه لعان واحد كالحد في قذف الأجنبيات.
فإن قيل: ينبغي أن لو قذف أربع نسوة له في كلمة واحدة أو في كلام متفرق أن يلاعن مرة واحدة وقد وجب عليه اللعان أربع مرات فلو كان كقذف الأجنبيات ينبغي أن يكفي مرة كما في قذفهن؛ فإنه يقام عليه حد القذف مرة واحدة.
قلنا: المقصود في الأجنبيات من الحد دفع العار عنهن، وذا يحصل بإقامة
стр. 3318
وَفِي جَانِبِهَا بِالغَضَبِ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا، إِذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الرُّكنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا، لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ القَدْفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إحصَانِهَا، وَيَجِبُ بِنَفْيِ الوَلَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى وَلَدَهَا صَارَ قَاذِفًا لَهَا ظَاهِرًا، وَلَا يُعتَبَرُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ بِالوَطءِ مِنْ شُبهة، كَمَا إِذَا نَفَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ المَعْرُوفِ، وَهَذَا: لِأَنَّ الأَصلَ فِي
حد واحد، أما هاهنا لا يحصل المقصود بلعان واحد؛ لأنه يتعذر الجمع بينهن بكلمات اللعان فقد يكون صادقًا في حق بعضهن دون البعض، والمقصود التفريق بينه وبينهن، وذا لا يحصل بلعان بعضهن. كذا في المبسوط (١).
قوله: لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ﴾ [النور ٦] الآية دليل على مذهبنا أنها شهادات مؤكدات باليمين، وقد بينا وجه التمسك.
قوله: (وفي جانبها بالغضب)؛ أي: قرن الركن في جانبها بالغضب، وإنما خص الغضب في جانبها في المرة الخامسة؛ لأنهن يستعملن اللعن كثيرا في البيوت على ما جاء في الحديث أنهن «يُكثرن اللعن ويكفرن العشير» (٢) وسقطت حرمة اللعن في أعينهن فيجترئن على الإقدام عليه لكثرة جَرْيِهِ؛ فأقيم الغضب مقامه في حقهن ليكون رادعا عن الإقدام.
وإنما أفردت الخامسة بالغضب؛ لأنها ليست من جنس الشهادات؛ لعدم ذكر الشهادة فيها.
قوله: (ولا يعتبر احتمال أن يكون الولد من غيره إلى آخره؛ لأنه يصير قاذفًا بالإجماع مع وجود هذا الاحتمال؛ كما إذا نفى أجنبي نَسبَهُ عن أبيه المعروف). كذا في الإيضاح.
وفي المبسوط: الولد من الوطء بشبهة ثابت النسب [من إنسان، والذي لا يكون ثابت النسب] (٣) من أحد يكون من زنا ولا نسب لهذا الولد إلا منه، فإذا
стр. 3319
النَّسَبِ الفِرَاشُ الصَّحِيحُ، وَالفَاسِدُ مُلحَقٌ بِهِ. فَنَفَيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَدْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ المُلحَقُ بِهِ، وَيُسْتَرَطُ طَلَبُهَا، لِأَنَّهُ حَقَّهَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الحُقُوقِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَبَسَهُ الحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِيفَائِهِ،
نفاه فقد زعم أن لا نسب له فيكون قاذفا لها بالزنا (١).
وقال الشافعي: لا يصير قاذفًا بالنفي ما لم يقل إنه من الزنا؛ لجواز أن يكون من الوطء بشبهة كما لو قال لأجنبية: ليس هذا الولد من زوجك (٢).
والقياس ما قاله، إلا أنا تركناه بالضرورة؛ لأن الزوج قد يعلم أن الولد ليس منه بأن لم يطأها وعزلها عزلًا بَيِّنًا ولكن لا يعلم أنه بزنا أو بوطء عن شبهة فاكتفى بنفي الولد حتى ينتفي عنه نسب الولد، وهذه الضرورة معدومة في حق الأجنبي.
قيل: ذكر في جوامع الفقه وغيره: لو قال "وجدت معها رجلا يجامعها " ليس بقذف لها؛ لأنه يحتمل الحل والجماع بشبهة والنكاح الفاسد؛ فكان ينبغي أن يكون كذلك هاهنا؛ لأنه لم يصرح بالزنا.
أجيب عنه: جعلناه كالصريح [بالزنا] (٣) بالضرورة كما بينا.
(ويشترط طلبها) وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ (لأنه)؛ أي: اللعان (حقها)؛ لأنه لدفع العار عن الزنا عن نفسها؛ فيشترط طلبها كما في حد القذف.
(فإن امتنع منه)؛ أي: من اللعان (حبسه الحاكم) وهذا عندنا.
وقال الشافعي (٤) ومالك (٥) وأحمد (٦): يقام عليه حد القذف. بناءً على أن موجب القذف الحد عندهم واللعان عندنا وقد بيناه.
قوله: (وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِيفَائِهِ) احتراز عن المديون المفلس فإن الدين مستحق عليه، ولكنه غير قادر على إيفائه؛ فلذلك لا يحبس.
стр. 3320
فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ وَلَو لَا عَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللَّعَانُ لِمَا تَلُونَا مِنْ النَّصِّ إِلَّا أَنَّهُ يُبَتَدَأُ بِالزَّوجِ لِأَنَّهُ هُوَ المُدَّعِي (فَإِنْ امْتَنَعَت حَبَسَهَا الحَاكِمُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُستَحَقُّ عَلَيْهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إِيفَائِهِ فَتُحْبَسُ فِيهِ.
(فيحبس به)؛ أي: بسببه؛ إذ اللعان (مستحق عليها) (١)، أي: واجب بالنص؛ إذ التقدير: فواجب رد شهادة أحدهم؛ لأنه إخبار مجرى الأمر.
ولأن [المصدر] (٢) المقرون بحرف الفاء في موضع الجزاء يراد به الأمر كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣].
قوله: (فيرتفع الشين)؛ أي: العار، وفي بعض النسخ: (ليرتفع السبب)؛ أي: سبب اللعان؛ وهو: التكاذب؛ لأن اللعان إنما يجب إذا كذب كل واحد منهما فيما يدعيه الآخر حتى لو أكذب نفسه لا يجب اللعان.
وفي بعض النسخ: [(ليرتفع السبب) ولكل وجه.
(لما تلونا من النص) وهو قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾.
قوله: (تصدقه)؛ أي: المرأة، وفي الينابيع وفي بعض النسخ:] (٣) (أو تصدقه فتحد) وهو غلط؛ لأن بالإقرار مرة لا تحد، وكذا لو صدقت أربع مرات لا تحد؛ لأن التصديق ليس بإقرار بصريح الزنا.
وفي الذخيرة: لو صدقته أربع مرات في المجلس فلا حد ولا لعان.
وقال الشافعي ومالك: لا تحبس؛ بل ترجم للزنا بعد الدخول بها.
ولأحمد في حبسها روايتان.
وزعموا أن رميها يوجب حد القذف ويوجب حد الزنا على المرأة، ويسقط الحد عنها الْتِعَانُها وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَوا عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور ٨] الآية.
وقلنا: وما كفى إسقاط الحد عن نفسه حتى يُوجب على غيره
стр. 3321
(وَإِذَا كَانَ الزَّوجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مَحدُودًا فِي قَذف فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الحَدُّ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللَّعَانُ لِمَعنى مِنْ جِهَتِهِ فَيُصَارُ إِلَى المُوجِبِ الأَصْلِيِّ وَهُوَ الثَّابِتُ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآيَةَ، وَاللُّعَانُ خَلَفٌ عَنهُ (وَإِنْ كَانَ مِنْ
بقوله الرجم، ولم يرد كتاب ولا سنة ولا قول يعوّل عليه في الشرع في إثبات الرجم (١) الذي لا يثبت إلا بشهادة أربعة عدول.
والكتاب والسنة ينفيان وجوب الحد أو المال بقول الفاسق لا سيما ما لا يثبت إلا بقول أربعة عدول، ولا [يجوز أن] (٢) يجب الحد عليها بامتناعها من اللعان؛ لأنه امتناع من اليمين عندهم وعندنا من الشهادة، وذلك لا يوجب حدا بالإجماع ولا مالاً عندهم حتى لا ينقضون بالنكول في المال؛ فكيف يقضون به في النفس؟ وهذا عجيب من الشافعي.
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] الآية، فالمراد: عذاب الحبس عنها، وعذاب الآخرة الثابت في أذهان الناس بقول الرامي؛ يظهر كذبه بإلعانها؛ كما قال هلال: «والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها» الحديث رواه البخاري وأبو داود (٣).
قوله: (أو كافرًا)؛ في المبسوط: هو ما إذا كان الزوج كافرًا والمرأة مسلمة؛ أو ما إذا كان الزوجان كافرين فأسلمت هي فقذفها الزوج قبل أن يعرض عليها الإسلام (٤).
قوله: (لمعنى من جهته)؛ أي: من جهة الزوج.
فإن قيل: امتناع اللعان كما يكون من جهته يكون من جهتها أيضًا؛ لأن كونه محدودًا في قذف، كما يمنع اللعان فكونها محدودة في قذف يمنع أيضًا فلم يعرض جانبه لا جانبها؟
стр. 3322
أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ أَوْ مَحدُودَةٌ فِي قَذف أو كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) بِأَنْ كَانَتْ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجنُونَةٌ أَوْ زَانِيَةٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ لِانعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِ الإِحْصَانِ فِي جَانِبِهَا، وَامْتِنَاعُ اللُّعَانِ لِمَعنى مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْقُطُ الحَدُّ كَمَا إِذَا صَدَّقَتْهُ، وَالأَصلُ فِي ذَلِكَ قَولُهُ ﵊: … ... .
قلنا: أهل القذف يكون من الرجل، واللعان يبدأ من جانبه أولا، ثم يظهر حكم المانع من جهتها بعد قيام الأهلية في جانب الرجل، فأما بدون الأهلية من جانبه لا ينظر إلى جانبها، وفي كل موضع يمتنع اللعان بمعنى من جهته يجب الحد عليه (١).
فإن قيل: يشكل على هذا ما لو قذف العبد امرأته الأمة أو المكاتبة فلا حد عليه ولا لعان، وهذه المسألة نظير ما إذا كانا محدودين في قذف في مانعية اللعان من الجانبين، ثم وجب الحد على المحدود ولم يجب على العبد في قذف امرأته الأمة؟
قلنا: يُعتبر الزوجان بالأجنبيين فأينما كان في الأجنبي حد القذف هاهنا أيضًا حد القذف بامتناع اللعان، ثم الأجنبي لو قذف امرأة غيره لا يجب حدّ القذف بل يعزر أسواطًا، فكذا هاهنا لا يجب الحد على الزوج بل يعزر، وفي المحدود في القذف: لو قذف محدودًا في القذف، ولكن هو محصن إحصان القذف يحد حد القذف فكذا هاهنا. كذا في المبسوط (٢).
وقولنا قول الزهري والشعبي والأوزاعي وحماد ومكحول وعطاء والنخعي وأحمد في رواية.
وفي ظاهر مذهبه من كان أهلا لليمين أهل للعان كما قال الشافعي ومالك (٣).
قوله: (عليه الصلاة السلام) روى عمرو بن شعيب عن أبيه [عن جده] (٤)
стр. 3323
«أَربَعَةٌ لَا لِعَانَ بَينَهُم وَبَينَ أَزْوَاجِهِم: اليَهُودِيَّةُ وَالنَّصَرَانِيَّة تَحتَ المُسلِمِ، وَالمَملُوكَةُ تَحتَ الحُرِّ، وَالحُرَّةُ تَحتَ المَملُوكِ» وَلَو كَانَا مَحدُودَينِ فِي قَدْفٍ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، لِأَنَّ امتِنَاعَ اللَّعَانِ بِمَعنى مِنْ جِهَتِهِ، إِذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهلِهِ (وَصِفَةُ اللِّعَانِ: أَنْ يَبْتَدِئَ القَاضِي بِالزَّوجِ، فَيَشْهَدَ أَربَعَ مَرَّات، يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِن الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الخَامِسَةِ: لَعَنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ
عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أربع من النِّساء ليس بينهن وبين أزواجهن لعان: اليهودية، والنصرانية تحت المسلم، والحُرَّة تحتَ المملوك والمملوكة تحت الحر» رواه الشيخ أبو بكر الرازي (١) والدارقطني، وفيه: «وليس بين المملوكين ولا الكافرين لعان» ذكره أبو عمر ابن عبد البر أيضًا وضعفه (٢)، ورواه الدارقطني من طرق ثلاث وضعفه (٣)، والضعيف إذا روي من طرق يحتج به. على ما عُرِف.
قوله: (أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي) إلى آخره؛ أي: يقيم القاضي الرجل بين يديه ويأمره أن يقول أربع مرات (٤) إلى آخره، ويأمر المرأة أن تقول أربع مرات إلى آخره، والقيام ليس بشرط.
وفي الذخيرة: يقيمهما القاضي متقابلين بين يديه وقت الالتعان.
وقال محمد في الأصل: يقول له القاضي: قُمْ فالتعن فيقوم، فيقول أربع مرات إلى آخره (٥).
وفي النتف: يقيم الرجل حتى يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له أربع مرات، ثم يقيم المرأة فتحلف بالله الذي لا إله إلا هو إلى آخره.
وفي الإسبيجابي: إذا رفعته إلى القاضي؛ ينبغي للقاضي أن يقول لها: اتركي وانصرفي، وإن أنكر القذف؛ أقامت عدلين، ولا يثبت برجل وامرأتين،
стр. 3324
الكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا. يُشِيرُ إِلَيْهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ المَرأَةُ أَربَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّة: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا. وَتَقُولُ فِي الخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا) والأَصلُ فِي مَا تَلُونَاهُ مِنْ النَّصّ. وَرَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَأْتِي بِلَفظَةِ المُوَاجَهَةِ يَقُولُ: فِيمَا رَمَيتُكِ بِهِ مِنْ الزِّنَا لِأَنَّهُ أَقطَعُ لِلِاحْتِمَالِ. وَجهُ مَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ: أَنَّ لَفَظَةَ المُغَايَبَةِ إِذَا انضَمَّت إِلَيْهَا الإِشَارَةُ انقَطَعَ الاحْتِمَالُ.
قَالَ: (وَإِذَا التَعَنَا لَا تَقَعُ الفُرقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ القاضي بَيْنَهُمَا) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا،
وليس لها يمينه على قذفها، ولو أقام الرجل رجلا وامرأتين على تصديقها؛ سقط اللعان.
قوله: (بلفظة المواجهة)؛ أي: المخاطبة؛ لأنهاء الغيبة محتملة؛ فكانت المخاطبة أقطع للاحتمال.
وجه ظاهر الرواية: أن هاء الغائبة مع الإشارة لا تحتمل غيرها، ويجتمع فيه أداتا تعريف فهو أولى (١).
وفي تنبيه الشافعية: يسميها إن كانت غائبة ويشير إليها إن كانت حاضرة. وقيل: يجمع بينهما (٢).
وأنكره السرخسي فقال: لا معنى بذكر الاسم والنسب مع الحضرة.
وفي المنهاج: لو بدل الشهادة بحلف ونحوه، والغضب بلعنه، أو على العكس، أو ذكر ذلك قبل تمام الشهادات؛ لم يصح على الأصح (٣).
قوله: (وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا) وهو المشهور عن مالك وأصحابه (٤)،
стр. 3325
لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الحُرمَةُ المُؤَبَّدَةُ بِالحَدِيثِ. وَلَنَا: أَنَّ ثُبُوتَ الحُرمَةِ يُفَوِّتُ الإِمْسَاكَ بِالمَعْرُوفِ فَيَلزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِالإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ القَاضِي مَنَابَهُ دَفعًا لِلظَّلِمِ، دَلَّ
وبه قال أبو ثور وأبو عبيد في رواية وأحمد في رواية وداود، وهو مروي عن ابن عباس (١).
وقال الشافعي: يقع بلعانه؛ لأنه لما شهد عليها بالزنا أربع مرات وأكده باللعن؛ فالظاهر أنهما لا يألفان فلم يكن في إبقاء النكاح منفعة ولا فائدة كما إذا ارتد أحد الزوجين (٢).
قال أبو بكر الرازي: قول الشافعي خارج لا سلف له فيه (٣).
قيل: ليس كَذلِكَ؛ لأنه ذكر في المقدمات أنه ظاهر قول مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال ابن حزم في المحلّى: قول الشافعي قول بلا برهان (٤).
وقال عثمان البتي وجماعة من أهل البصرة: لا يتعلق باللعان فرقة بحال. وهو خلاف السنة والحديث.
قوله: (بالحديث)، وهو قوله ﵇: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا».
وعندنا: لابد من تفريق الحاكم، وبه قال أحمد في رواية ولا تكون الحرمة مؤبدة.
ولنا حديث ابن عمر أنه ﵇ «لاعن بين رجل وامرأته ففرق بينهما وألحق الولد بأُمِّهِ» ذكره في الصحيحين (٥).
وعن سهل بن سعد الساعدي: " أن عويمر بن الحارث العجلاني، - وفي سنن أبي داود: عويمر بن أشقر - جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري، فقال يا عاصم: أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه! كيف يفعل؟ فقال:
стр. 3326
عَلَيْهِ قَولُ ذَلِكَ المُلَاعِنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكَتهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَهُ بَعدَ اللعَانِ (وَتَكُونُ الفُرقَةُ تَطلِيقَة بَائِنَة عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
يا عاصم سل [لي] (١) رسول الله ﷺ ، قال عاصم فكره رسول الله المسائل وعابها؛ فكبر على عاصم، فلما رجع إلى أهله؛ جاء عويمر [فقال: يا عاصم ماذا قال النبي ﵇، فقال عاصم: لم تأتني (٢)، فجاء عويمر] (٣) النبي ﷺ وسط الناس، وقال يا رسول الله: أرأيت رجلا لو وجد مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فائت بها» فتلاعنا، فلما فرغا من لعانهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها؛ فهي طالق ثلاثا، قبل أن يأمره رسول الله ". رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ومالك في الموطأ وأبو داود وابن ماجه (٤).
وعن سهل: " شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله ﷺ وأنا ابن خمسة عشر سنة وفرق بينهما " (٥) متى تلاعنا.
وهذه الأحاديث الصحاح كلها تدل على عدم وقوع الفرقة بتمام تلاعنهما حتى يفرق بينهما، وكذا إنفاذ طلاقه الثلاث، ولم يرد في حديث أنه ﵇ فرق بينهما قبل لعان المرأة بعد فراغ لعان الرجل.
قال الطحاوي: قول الشافعي خلاف القرآن والحديث، وينبغي على قوله أن لا تلاعن المرأة أصلا؛ لأنها ليست زوجته عند لعانها (٦).
وتعلقت الشافعية في إباحة إرسال حمله (٧)؛ بحديث عويمر فإنه قال: " فإن أمسكتها (٨)، فطلقها ثلاثا ولم ينكر عليه رسول الله "، وعندكم قد حرمت عليه حرمة مؤبدة بلعان الزوج وحده فهلا أنكر ﵇ ذلك ولم قال: إمساكها
стр. 3327
(ومُحَمَّدٌ)، لأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إِلَيْهِ كَمَا فِي الْعِنِّينِ
يحال عليك، ومن القبيح أن يتعلق الإنسان ببعض الحديث ويترك بعضه وهو ظاهر.
فإن قيل: قد أنكر النبي ﵇ فإنه روي أنه قال: «لا سبيل لك عليها» (١).
قلنا: هذا لا يدل على الرد؛ فإنه لا سبيل له عليها عندنا بعد الالتعان مع قيام النكاح؛ لأجل حرمة الاستمتاع، كما إذا أسلم أحد الزوجين؛ فالنكاح قائم له عليها ولا سبيل له للحرمة.
وفي المبسوط: قوله: «لا سبيل لك عليها» ينصرف إلى طلبه رد المهر فإنه روي أنه قال: «إن كنت صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبا فأبعد، اذهب فلا سبيل لك عليها»، وهذا لأن مجرد اللعان غير موضوع للفرقة ولا مناف للنكاح، إلا أن الفرقة بينهما لقطع المنازعة بخلاف الطلاق.
وأما قوله ﵇: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» فحقيقة هذا اللفظ حال تشاغلهما باللعان كالمتقابلين والمتضادين، وزفر: توافقنا أن في حال تشاغلهما باللعان لا تقع الفرقة بينهما (٢).
واحتجاج عثمان البتي بطلاق عويمر؛ لا يصح، فإنه ﵇ فرق بين المتلاعنين في حديث ابن عمر وابن عباس وحديث سهل؛ قال سهل: فكانت سنة لمن كان بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين (٣)، وقال عمر ﵁: المتلاعنان يفرق بينهما (٤).
فإن قيل: معنى تفريق رسول الله الإعلام بوقوع الفرقة وإظهارها.
قلنا: حقيقة إحداث الفرقة لا إظهارها؛ يدل عليه طلاق عويمر.
стр. 3328
(وَهُوَ خَاطِبٌ إِذَا أَكذَبَ نَفْسَهُ) عِندَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ (*) لِقَولِهِ ﵊: «المُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» … ... … ...
في الذخيرة: قال بعض مشايخنا: لا يستقيم هذا الجواب على قول أبي يوسف؛ فإنه يقول: الثابت باللعان تحريم مؤبد كحرمة الرضاع والمصاهرة، وهي لا تتوقف على القضاء.
قال شيخ الإسلام: ما ذكره من الجواب مستقيم على قوله أيضًا؛ لأن المذهب عند علمائنا: أن النكاح لا يرتفع بحرمة الرضاع والمصاهرة؛ بل يفسد حتى لو وطئها قبل التفريق لا يجب عليه الحد، اشتبه عليه الأمر أو لم يشتبه نص عليه محمد في نكاح الأصل (١).
والحرمة في النكاح الفاسد لا تقع إلا بتفريق القاضي أو الزوج.
وفي الإسبيجابي: الزوجية قائمة بعد التلاعن قبل التفريق؛ حتى جاز طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويجري التوارث بينهما.
ولو امتنعا من اللعان أو امتنع أحدهما؛ يُجبِرُهما القاضي على اللعان.
ولو سألا القاضي أن يفرق بينهما؛ لم يُحبهما.
قوله: (وهو خاطبٌ) مسألة مبتدأة؛ أي: هذا الرجل بعد الإكذاب صار خاطبًا من الخطاب؛ أي: يجوز له أن يتزوجها كما لغيره يجوز أن يتزوجها؛ فعليه الحد بإكذاب نفسه.
قوله: (أكذب نفسه)؛ أي: أقر بكذب نفسه. كذا في الطلبة (٢).
ولو أكذب نفسه قبل تفريق القاضي؛ حلَّت له من غير تجديد النكاح.
قوله: (تحريم مؤبد)؛ كحرمة الرضاع والمصاهرة، وبه قال زفر ومن قال بقوله.
(«لا يجتمعان أبدًا») (٣) رواه أبو داود ومثله عن علي وابن مسعود وابن عباس رواه الدارقطني.
стр. 3329
نَصَّ عَلَى التَّابِيدِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِكذَابَ رُجُوعٌ وَالشَّهَادَةُ بَعدَ الرُّجُوعِ لَا حُكمَ لَهَا، لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَينِ، وَلَم يَبْقَ التَّلَاعُنُ وَلَا حُكمُهُ بَعدَ الإِكْذَابِ فَيَجْتَمِعَانِ.
(وَلَو كَانَ القَذف بنفي الوَلدِ نَفَى القَاضِي نَسَبَهُ وَأَلحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللُّعَانِ: أَنْ يَأْمُرَ الحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِن الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ نَفْيِ الوَلَدِ، وَكَذَا فِي جَانِبِ المَرأَةِ (وَلَو قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَنَفَى الوَلدَ ذَكَرَ فِي اللَّعَانِ الأَمْرَينِ،
فقد (نص على التأبيد) ولأنه فرقة بغير طلاق؛ فيوجب تحريما مؤبدا كما في المصاهرة والرضاع.
وقلنا: اللعان يُبْطِلُ برجوع الزوج لإكذابه نفسه؛ لأنه شهادة، والشهادة تبطل بالرجوع في حق الشاهد؛ فلم يبق متلاعنان؛ فيرتفع اللعان به؛ بدليل أنه يحدّ ويثبت نسب الولد منه لا امتناع اجتماع الأصل والحلف؛ فلزم من إقامة الحد انتفاء اللعان.
وكذا لا يبقى اللعان مع ثبوت النسب، والمتلاعنان لا يجتمعان ما داما متلاعنين؛ ألا ترى أن المنافق إذا أسلم تحِلُّ الصلاة عليه وإن نزل في المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، وكذا قولهم: المصلي لا يتكلم [أي: ما دام مصليا، وكذا قوله للكفار: لن تفلحوا] (١) بهذا الكفر أبدا؛ أي: ما دام على كفره، وإنما يكونان متلاعنين بإقدامهما وتشاغلهما حقيقة أو مجازا [باعتبار بقاء حكم اللعان؛ فإذا ارتفع حكم اللعان لم يتناوله الخبر لا حقيقة ولا مجازا] (٢) مع أن الشيخ أبا بكر الرازي قال: لا يصح ذلك عن رسول الله.
وكذا الحكم [لو] (٣) أكذبت نفسها بأن أقرت بالزنا؛ فقد خرجت من أن تكون أهلا للعان، وكذا لو قذفَتْ رجلًا فحُدَّت؛ أي: له أن يتزوجها؛ فعرفنا أن حل المناكحة بينهما بعد بطلان حكم اللعان؛ فلا يكون في هذا إثبات اجتماع المتلاعنين (٤).
قوله: (ذكر في اللعان الأمرين)؛ أي: الزنا ونفي الولد. وبه قال: الشافعي وأحمد.
стр. 3330
ثُمَّ يَنفِي القَاضِي نَسَبَ الوَلَدِ وَيُلحِقُهُ بِأُمِّهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ عَنْ هِلَالٍ وَأَلحَقَهُ بِهَا وَلِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ هَذَا العَانِ، نَفِيُّ الوَلَدِ
(ويلحقه)؛ أي: الولد (بأمه)، وقال إبراهيم وابن معقل وموسى: لا يبقي نسب المولود على الفراش بالنفي لا بما سواه؛ لقوله ﵇: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (١) ذكره في الصحيحين.
وللجمهور حديث ابن عمر: أن رجلا لا عن امرأته فانتفى ولده وفرق بينهما وألحق الولد بأمه (٢) .. رواه الجماعة كالبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
ثم نقل قوله في الكتاب: (أن النبي ﵇ نفى ولد امرأة هلال بن أمية عن هلال وألحقه بها) سهو؛ فلم يكن لامرأة هلال ولد عند التعانهما، وإنما حدث الحمل وظهر بعد ذلك؛ بيانه حديث ابن عباس، وهو أن هلالا قذف امرأته عند رسول الله ﷺ بشريك بن سحماء فقال ﵇: «البيِّنة أو حدا في ظهرك» (٣) - قوله كما ذكرنا؛ فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور ٤] فجاء هلال فشهد والنبي ﵇ يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟» فقامت امرأته فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، وفي رواية: موبقة، قال ابن عباس: فَتَلَكَأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» (٤). رواه البخاري والترمذي وأبو داود