لِأَنَّ مَا وَجَبَ كِفَايَة لَا يَتَقَدَّرُ شَرعًا فِي نَفْسِهِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَت مِنْ تَسلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى يُعطِيَهَا مَهْرَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِأَنَّهُ مَنعُ بِحَقِّ فَكَانَ فَوتُ الاحْتِبَاسِ لِمَعنى مِنْ قِبَلِهِ فَيُجْعَلُ كَلَا فَائِت.
(وَإِنْ نَشَزَت فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَعُودَ إِلَى مَنزِلِهِ) لِأَنَّ فَوتَ الِاحْتِبَاسِ مِنهَا، وَإِنْ
وهذا عجب أيضًا؛ فإنه إذا جاز اعتياضه مما لم يأكل، فبالخبز والدقيق أولى.
وفي المغني: إيجاب الحب تحكم، فإن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير قيد ولا تقدير، فيجب أن يرد إلى العرف والعادة، وذلك في الطعام دون الحب.
واعتبار النفقة بالكفارة لا يصح؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، وحديث هند نص على الكفاية، ولهذا لا يشترط الإدام في خبز البر بالإجماع، وما بلغنا عن أحد من السلف أنه أطعم زوجته حبا، ولا حكم بذلك حاكم، وقد تركوا قوله [في] (١) جميع البلاد الإسلامية على تقدير مدّ على الأكابر.
وعن مالك: بفرض مدّ، بمد مروان كل يوم، وهو مد وثلث بمد النبي ﵊.
قال ابن حبيب: اتخذه هشام بن اسماعيل لفرض نفقة الزوجات، فاستحسنه مالك، وهو خلاف ظاهر مذهبه.
قوله: (لَا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا فِي نَفْسِهِ)؛ لأنه يختلف باختلاف الطباع وأحوال الناس، ويختلف باختلاف الأوقات، ففي التقدير بمقدار إضرار بأحدهما.
وفي المبسوط: وكل جواب عرفته من اعتبار حاله أو حالها في فرض النفقة؛ فهو الجواب في الكسوة.
قوله: (وإن نشزت) إلى آخره: وأجمع العلماء بسقوط النفقة بالامتناع، إلا الحكم بن عيينة من المالكية.
وفسر الخصاف الناشزة فقال: هي الخارجة من منزل زوجها، المانعة
стр. 3467
عادَت جَاءَ الاحْتِبَاسُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا امْتَنَعَت مِنْ التَّمْكِينِ فِي بَيْتِ الزَّوجِ لِأَنَّ الاِحتِبَاسَ قَائِمٌ وَالزَّوجُ يَقْدِرُ عَلَى الوَاءِ كُرهًا.
(وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَة لَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وإن سلمت إليه) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الاستمتاع لمعنى فِيهَا،
نفسها منه؛ لأنها إذا كانت مقيمة مع الزوج في المنزل؛ فالظاهر أن الزوج يقدر على تحصيل المقصود منها، فلا يوجب ذلك نقصان نفقتها، وكذا لو كان المنزل لها والزوج يسكن معها فيه، فمنعته من الدخول عليها؛ تكون ناشزة ما دامت على تلك الحالة، إلا أن تكون سألته أن يحوّلها إلى منزله، أو يكتري لها منزلا آخر، ويقول: إني محتاج إلى منزلي ومنعته من الدخول عليها؛ فحينئذ لا تسقط نفقتها؛ لأن المانع جاء من جهته. كذا في الذخيرة.
ولو كان يسكن في أرض الغصب فامتنعت منه؛ لها النفقة؛ لأنها ليست بناشز.
وفي المبسوط: قيل لشريح: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم، قال: جراب من تراب، معناه: لا نفقة لها (١).
فإن قيل: النص مطلق.
قلنا: خصت الناشزة بدلالة النص؛ لأنه تعالى أمر في حق الناشزة بمنع حقها في الصحبة بقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وهي مشتركة بينهما، فلا يجب النفقة وهي مختصة بها.
قوله: (لا يستمتع بها)؛ أي: لا يوطئ. وبه صرح في الذخيرة، وعليه جمهور العلماء.
وعند الثوري والظاهرية والشافعي في قول والأصح عنده: أنه يجب ولو كانت في المهد لإطلاق النص، ولأنها عوض عن الملك، كما ذكره في المتن.
قوله: (لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها): في الذخيرة، وفي المبسوط:
стр. 3468
وَالاحْتِبَاسُ المُوجِبُ مَا يَكُونُ وَسِيلَة إِلَى مَقصُود مُستَحَقِّ بِالنِّكَاحِ وَلَم يُوجَد، بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ المِلكِ عِندَهُ كَمَا فِي المَمْلُوكَةِ بِمِلكِ اليَمِينِ. وَلَنَا: أَنَّ المَهرَ عِوَضٌ عَنْ المِلكِ وَلَا يَجْتَمِعُ العِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضَ وَاحِد فَلَهَا المَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ كَانَ الزَّوجُ صَغِيرًا
النفقة إنما تجب بسبب احتباس مستحق بعقد النكاح إذا حصل [له] (١) منفعة من منافع النكاح على سبيل الخصوص، ومنافع النكاح على الخصوص هي الجماع ودواعيه، والصغيرة لا تصلح للجماع ولا لدواعيه أيضًا، فكان فوات منفعة الاحتباس جاء منها، بخلاف نفقة المملوكة؛ لأنه يجب للملك فقط، وذا لا يختلف بالصغر والكبر.
فإن قيل: يشكل القرناء والرتقاء التي أصابها بلا منعة من الجماع، أو عجوز لا يمكن وطئها، فإن لهن النفقة مع أن امتناع الوطء جاء من قبلهن.
قلنا: ما فات الانتفاع من كل وجه؛ بل الانتفاع من حيث الدواعي حاصل فيهن، بأن يجاء معهن فيما دون الفرج؛ لأنهن مشتهاة، بخلاف الصغيرة فإنها غر مشتهاة. قالوا: فعلى قول هذا التعليل، إذا كانت الصغيرة مشتهاة ويمكن جماعها فيما دون الفرج؛ تجب نفقتها. كذا في الذخيرة.
وفيه: عن أبي يوسف: في الرتقاء والمريضة التي لا يمكن وطئها؛ لا نفقة لها قبل النقلة، ولو انتقلت بغير رضاه فله ردها إلى أهلها، وإن نقلها مع علمه بذلك؛ لا يردها ولها النفقة؛ للتسليم القاصر. وروى عن محمد في الرتقاء كقول أبي يوسف.
قوله: (وإن كان الزوج صغيرًا) إلى آخره: وعليه الجمهور.
وقال مالك: لا نفقة لها. ولو كانا صغيرين لا يطيقان الجماع؛ لا نفقة لها بالإجماع؛ لأن المنع جاء من جهتها، وأكثر ما في الباب أن يجعل المنع من
стр. 3469
لَا يَقْدِرُ عَلَى الوَطءِ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ تَحَقَّقَ مِنهَا، وَإِنَّمَا العَجزُ مِنْ قِبَلِهِ فَصَارَ كَالمَجبُوبِ وَالعِنِّينِ.
(وَإِذَا حُبِسَت المَرأَةُ فِي دَين فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّ فَوتَ الاِحْتِبَاسِ مِنهَا بِالمُمَاطَلَةِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ مِنهَا، بِأَنْ كَانَتْ عَاجِزَة فَلَيسَ مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ كُرْهًا فَذَهَبَ بِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ، وَالفَتَوَى عَلَى الْأَوَّلِ. لِأَنَّ فَوتَ
قبله كالمعدوم، فالمنع من قبلها قائم وبه لا تستحق النفقة، ولهذا لا تجب نفقة الصغيرة على المجبوب. كذا في الذخيرة. وقوله: (لأنها عوض عن الملك عنده) (١): هذا قوله القديم، وقد رجع عنه.
قوله: (وَلَا يَجْتَمِعُ العِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ) (٢): قيل: هذا غير لازم؛ فإنه لو تزوجها على ألف درهم وعبد؛ يجوز ويكون الكل عوضًا، فكذا النفقة مع غيرها.
أجيب: هذا غير قوي؛ لأن ما يجب عوضًا عن الملك في المحل يجب حمله؛ لأن الملك في المحل يحصل للزوج حمله، والنفقة تجب عن الاحتباس شيئًا فشيئا، ولا يجوز أن تكون النفقة عوضًا عن الاستمتاع؛ لأن ذلك تصرفًا في ملكه، فلا يجب عليه عوضًا.
واختلفوا في حد مبلغ الاشتهاء، قيل: تسع سنين، والصحيح: أنه لا عبرة للسن، وإنما العبرة للاحتمال والقدرة.
قوله: (وعن أبي يوسف: أن لها النفقة) (٣)؛ لأنه لا منع من جهتها. واختاره السعدي، والفتوى على الأول؛ وهو أن لا نفقة لها. والمعنى فيه: أن النفقة عوض عن الاحتباس في بيته، فإن كان الفوات لمعنى من جهته؛ جعل ذلك الاحتباس باقيًا تقديرًا. أما إذا كان الفوات لا لمعنى من جهته، فلا يمكن أن يجعل ذلك الاحتباس باقيًا تقديرًا، وبدونه لا تجب النفقة، وهو نظير ما لو غصب العين من يد المستأجر.
стр. 3470
الاحتِبَاسِ لَيسَ مِنهُ لِيُجْعَلَ بَاقِيًا تَقدِيرًا، وَكَذَا إِذَا حَجَّت مَعَ مَحرَم، لِأَنَّ فَوتَ الاحْتِبَاسِ مِنهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ، لِأَنَّ إِقَامَةَ الفَرضِ عُدْرٌ، وَلَكِن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، لِأَنَّهَا هِيَ المُستَحِقَّةُ عَلَيْهِ، وَلَو سَافَرَ مَعَهَا الزَّوجُ تَجِبُ النَّفَقَةُ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّ الاِحْتِبَاسَ قَائِمٌ لِقِيَامِهِ عَلَيْهَا، وَتَجِبُ نَفَقَةُ الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، وَلَا يَجِبُ الكِرَاءُ لِمَا قُلْنَا.
وفي الوجيز: تسقط النفقة بفوات النفقة؛ لفواته من جهته.
قوله: (إذا حجت مع محرم)؛ أي: بدون الزوج.
وفي الذخيرة: لو حجت حجة الإسلام، فإن كان قبل تسليم نفسها فلا نفقة لها. ولو بنى الزوج بها، ثم حجت مع محرم؛ فلها النفقة في قول أبي يوسف. وقال محمد: لا نفقة لها.
وقال الشافعي: لو حجت فرضًا أو نفلا بغير إذنه لا نفقة لها، وبإذنه ذهب معها فلها النفقة، وكذا إن لم يكن معها في أظهر القولين.
وقال أحمد: لو أحرمت من الميقات لها النفقة، وقبله أو قبل الميقات لا؛ لأنه تفويت التمكين شيء مستغنى عنه، وفي صوم التطوع تسقط نفقتها.
ثم على قول أبي يوسف: تفرض لها نفقة الإقامة دون السفر، يعني: يعتبر ما كان قيمة للطعام في الحضر، لا ما كان قيمة له في السفر؛ لأن الزيادة لحقتها بأداء منفعة تحصل لها، فلا يكون ذلك على الزوج، كالمريضة لا يستحق الدواء عليه.
ولو سافر معها الزوج يجب عليه بالاتفاق، وبه قال الشافعي، لكن نفقة الحضر لما قلنا.
قوله: (لما قلنا)؛ إشارة إلى قوله: (لأنها هي المستحقة).
وأجمعوا على أن الصوم والصلاة في منزلها، إلا أنها غير مانعة نفسها بغير حق، أو مانعة بحق؛ تجب النفقة في ظاهر الرواية. وكذلك الرتقاء والقرناء على ما ذكرنا؛ لحصول الانتفاع بالدواعي والاستئناس.
وفي الذخيرة: عن أبي يوسف: في الرتقاء والقرناء والمريضة التي لا يمكن
стр. 3471
(وَإِنْ مَرِضَت فِي مَنزِلِ الزَّوجِ فَلَهَا النَّفَقَةُ) وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُ مِنْ الجِمَاعِ لِفَوتِ الاحْتِبَاسِ لِلاستمتاع.
وطئها؛ لا نفقة لها قبل النقلة، وإن انتقلت بغير رضاه فله ردها إلى أهلها، ولو انتقلت مع علمه بذلك لا يردها، ولها النفقة بالتسليم القاصر.
وعن محمد في الرتقاء قبل نقل الزوج بنفسه؛ كقول أبي يوسف، بخلاف ما لو مرضت في منزل الزوج، قال أبو يوسف: إلا أن يتطاول مرضها فيكون بمنزلة الرتق عنده؛ لأن النكاح يعقد للصحبة والألفة، وليس من الألفة أن يمتنع عن الإنفاق ويردها بقليل مرض.
قوله: (وفي لفظ الكتاب) (١) وهو قوله: (وإن مرضت في منزل الزوج)، وهو عبارة عن تسليم نفسها صحيحة ثم مرضت في منزله.
وفي الجامع الصغير: مرضت في منزله أو زُفَتْ عليه كالرتق والقرن.
وقال مالك والشافعي وأحمد: يجب النفقة في الرتقاء والقرناء والمريضة والمجنونة، وكذا لو حدث فيها شيء من ذلك في بيته؛ لأن الاستمتاع بها ممكن من وجه.
ولو ادعت ضررًا في وطئه لضيق فرجها أو قروح به وأنكره، أو ادعت عيالة ذكره أي: كبره ينظر إليها امرأة ثقة عندنا، وعند مالك امرأتان، وعند الشافعي أربع.
في الجامع: لو منعت نفسها لاستيفاء مهرها تجب، وعند أبي يوسف لا تجب.
وكذا لو منعت نفسها بعد الدخول؛ لا تجب عند أبي يوسف. وقد مرت في النكاح.
ولو سلمها أبوها وهي مراهقة فوطئها الزوج؛ فللأب منعها اتفاقًا؛ لعدم صحة التسليم. ذكره الشهيد.
ولا يشترط في المكاتبة التبوئة، فلو بوأ الأمة حتى وجبت نفقتها؛ فله أخذها وتسقط؛ لأن التبوئة إعارة لا لزوم فيها، ولم يكن حقها.
стр. 3472
وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ الاِحْتِبَاسَ قَائِمٌ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهَا وَيَمَسُّهَا وَتَحْفَظُ البَيْتَ، وَالمَانِعُ بِعَارِضَ فَأَشِبَهَ الحَيْضَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ مَرِضَتْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِتَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ، وَلَو مَرِضَتْ ثُمَّ سَلَّمَتْ لَا تَجِبُ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَم يَصِحَّ، قَالُوا: هَذَا حَسَنٌ. وَفِي لَفظِ الكِتَابِ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ (*). قَالَ: (وَتُفْرَضُ عَلَى الزَّوجِ النَّفَقَةُ إِذَا كَانَ مُوسِرًا وَنَفَقَةُ خَادِمِهَا) المُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ نَفَقَةِ الخَادِمِ، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النَّسَخِ: وَتُفَرَضُ عَلَى الزَّوجِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا نَفَقَةُ خَادِمِهَا.
قوله: (والمراد بهذا: بيان نفقة الخادم): هذا عذره في نفي التكرار، يعني: لما ذكرت وجوب نفقتها عليه، لماذا أعادها ههنا؟ فأجاب بهذا.
وفي إيجاب نفقة خادمها إجماع الأئمة الأربعة.
وقالت الظاهرية: لا تجب نفقة الخادمة؛ لأنه ما جاء فيه خبر يعتمد عليه.
وفي الإسبيجابي والينابيع: إن كان لها خادم متفرغ بخدمتها، ليس له شغل غير خدمتها؛ فرض له النفقة بالمعروف.
وفي الذخيرة: إن لم يكن لها خادم؛ لا يفرض له في ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة، وبه قال أحمد وأكثر أصحاب الشافعي.
وفي المبسوط: عن زفر: يفرض نفقة خادم واحد؛ لأن على الزوج أن يقوم بمصالح طعامها وحوائجها، فإذا لم يفعل ذلك أعطاها نفقة خادم، ثم هي تقوم بذلك بنفسها، أو تتخذ خادمًا.
وجه الظاهر: أن استحقاق نفقة الخادم باعتبار ملكه، فإذا لم يكن [له] (١) خادم، كيف يستوجبه؟ كالغازي إذا كان راجلا لا يستحق سهم الفرس، وإن ظهر غنا الفرس في القتال (٢).
ثم اختلف مشايخنا في الخادم: قيل: المملوك لها، حتى إذا كانت حرة أو غير مملوكة لها؛ لا يستحق.
стр. 3473
وَوَجهُهُ: أَنَّ كِفَايَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِهَا إِذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنهُ (وَلَا وتُفرَضُ لِأَكثَرَ مِنْ نَفَقَةِ خَادِم وَاحِد) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُفرَضُ لِخَادِمَينِ (*)، لِأَنَّهَا تَحتَاجُ إِلَى أَحَدِهِمَا لِمَصَالِحِ الدَّاخِلِ وَإِلَى الْآخَرِ لِمَصَالِحِ الخَارِجِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الوَاحِدَ يَقُومُ بِالأَمْرَينِ فَلَا ضَرُورَةَ.
وقيل: كل من يخدمها، حرة كانت أو مملوكة لها أو لغيرها، وينبغي أن [تنقص] (١) نفقة خادمها عن نفقتها، أي: في حق الإدام لا الخبز؛ لأنه تبع لها.
ولو كان الزوج معسرًا؛ لا تفرض نفقة خادمها وإن كان لها خادم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح.
وعند محمد: تجب نفقة خادمها إذا كان لها خادم، فهي لم تكتف بخدمة نفسها، فيجب عليه نفقة خادمها، كما لو كان موسرًا. وبقوله: قالت الشافعية؛ حيث جعلوها مدًّا على المعسر والمتوسط والمقتر، فسووا بين القادر والعاجز.
وجه رواية الحسن: أنها قد تكتفي بخدمة نفسها، واستعمال الخادم لزيادة التنعم، فيعتبر في حالة اليسار لا الإعسار؛ لأن المعسر تلزمه أدنى الكفايات.
قوله: (لأكثر من نفقة خادم عند أبي حنيفة ومحمد) وهو قول الجمهور، منهم الأئمة الأربعة.
قوله: (لمصالح الخارج)؛ أي: خارج البيت، وهو نظير الخلاف في الغازي إذا حضر بأفراس؛ يستهم لفرس واحد عندهما، ولفرسين عنده.
وفي فتاوى أهل سمرقند: وفي الكرد إذا كانت من بنات الأشراف وذوي الأقدار، ولها خادم أو خدم كثيرة؛ يجبر على نفقة خادمين: أحدهما للخدمة، والآخر للرسالة.
وعن أبي يوسف في رواية أخرى: إذا كانت فائقة الغنى ولها خدم كثيرة، وزفت إليه كذلك؛ استحقت نفقة الخدم كلها، وهي رواية عن محمد، واختاره الطحاوي.
стр. 3474
إِلَى اثْنَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَلَّى كِفَايَتَهَا بِنَفْسِهِ كَانَ كَافِيًا، فَكَذَا إِذَا أَقَامَ الْوَاحِدَ مَقَامَ نَفْسِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ الزَّوْجَ الْمُوسِرَ يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ مَا يَلْزَمُ امْرَأَتَهُ وَهُوَ أَدْنَى الْكِفَايَةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: إِذَا كَانَ مُوسِرًا: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عِنْدَ إِعْسَارِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُعْسِرِ أَدْنَى الْكِفَايَةِ وَهِيَ قَدْ تَكْتَفِي بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا.
ولو كانت الزوجة أمة فلا نفقة لخادمها. ولو كان له أولاد [لا] (١) يكفيهم خادم واحد؛ فرض عليه لخادمين أو أكثر.
فروع
ولو أخذت نفقة شهر بعد فرض القاضي [ثم ظهر النكاح فاسد، يرجع عليها بما أخذت، ولو أنفق عليها بغير فرض القاضي] (٢) لم يرجع عليها بشيء.
في الفتاوى: أتهم رجل بامرأة، فظهر بها حبل، فزوجت منه، فإن لم يقر بأن الحبل [منه] (٣) كان النكاح فاسدا عند أبي يوسف، وعندهما صحيح، فاستحق النفقة.
وذكر في موضع آخر: لا تستحق النفقة عندهما أيضا؛ لأنه ممنوع عن وطئها.
ولو أقر أنه منه؛ يجب النفقة بالاتفاق، لصحة النكاح عند الكل، وحل وطئها.
ولو اختلفا في العسرة واليسرة؛ فالقول له مع يمينه، والبينة لها، وبه قال الشافعي وأبو ثور.
وذكر في الزيادات: أن القول لها مع يمينها.
وفي الينابيع: يفرض لها في الشتاء إن كان موسرا درع يهودي أو هروي، وملحفة دينورية، وخمار إبريسم، … وكساء أذربيجاني، ولخادمها قميص رظي، وإزار كرابيس، وكساء رخيص.
стр. 3475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الصيف: دِرْعٌ سَابُورِيُّ، وسابور بفارس، وَخِمَارٌ إِبْرَيْسَمٌ، وَمِلْحَفَةٌ كَتَانُ.
ولو كان الزوج من أعيان الناس؛ فلها في الشتاء دِرْعٌ يَهُودِيُّ، وَمِلْحَفَةٌ هَرَوِيٌّ، وَجُبَّةٌ خز، أَوْ دِرْعٌ قرٌّ، وَخِمَارٌ إِبْرَيْسَم ولحاف. وَلِخَادِمِهَا قَمِيصٌ يَهُودِيُّ، وَإِزَارٌ وَجُبَّةٌ، وَكِسَاءٌ وَخُفَّيْنِ.
وفي النوازل: لا يجب للزوج ملاءة ولا خفاف.
وفي الذخيرة: لا يفرض لخادمها خمار، ويفرض لها المُكْعَب والخُفُ.
وقال محمد في الكتاب: كسوتها في الشتاء عَلَى الْمُعْسِرِ؛ دِرْعٌ يَهُودِيُّ، وَمِلْحَفَةٌ زُرِّيَّةٌ، وَخِمَارٌ سَابُورِيٌّ أَرْخَص مَا يَكُونُ مِمَّا يُدْفِنُهَا. وعلى الموسر؛ دِرْعُ يَهُودِيُّ أَوْ هَرَوِيٌّ، وَمِلْحَفَةٌ دِينَوَرِيَّةٌ، وَخِمَارُ إِبْرَيْسَمَ، وَكِسَاءُ أَذْرَبِيجَانِيُّ. ولها في الصيف دِرْعٌ سَابُورِيُّ، وَمِلْحَفَةٌ كَتَانٌ، وَخِمَارٌ إِبْرَيْسَمٌ.
وذكر في الأصل: الدرع والخصاف القميص، وهما سواء، إلا أن الدرع يكون مجببًا من قبل الصدر، والقميص من قبل الكتف.
وذكر الحلواني: توسع الخصاف، وأجازه للنساء. والملحفة هي الملاءة.
قال الخصاف: هي شبه الرداء، غير أن الرداء دون الملحفة في العرض.
وقيل: الملحفة: ما يلبس بالليل للتغطية.
ثم إن محمدًا لم يوجب الإزار، وأوجب الخصاف في الشتاء دون الصيف.
قال السرخسي: إنما لم يوجبه محمد؛ لأنه للخروج، وليس لها ذلك، ولهذا لم يوجبوا لها المكعب والخف.
وقيل: اختلاف عرف وزمان، ففي زمن محمد قعود المرأة في بيتها بلا إزار، وفي زمن الخصاف كانت في بيتها مع السراويل، لكن في الصيف لا يمكنها ذلك؛ لشدة الحر، ويجب في الشتاء لها اللحاف وفراش النوم.
ويجب على القاضي اعتبار الكفاءة بالمعروف في كل وقت ومكان. وفي أدب القاضي للخصاف: يفرض على الفقير قميص ومقنعة وملحفة
стр. 3476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
باعتبار الحال، وتزاد في الشتاء سراويل وجبة على قدر عسرته ويسرته.
قال الشهيد: لم يذكر الخصاف السراويل في كسوة الصيف، بل ذكرها في كسوة الشتاء، ومحمد لم يذكرها في المبسوط أصلا.
قيل: العرف إيجابها في الشتاء والصيف، فالقاضي ينظر إلى عرف كل قوم.
قال الشهيد: أما في عرف ديارنا يقضي بالسراويل لها وبالجبة في الشتاء.
وقضى مالك أنه لا يلزمه الحرير وإن كان متسع الحال.
قال القاضي: هذا على عادة أهل المدينة.
وقال عبد الملك من أصحابه: إن كان معها جهاز عمل من صداقها فليس عليه سواها، وإن كان لم يعمل من صداقها، أو عمل ولكن طال الزمان وخَلِقَ الجهاز؛ فعليه كسوتها للشتاء والصيف مما لا غنا للنساء عنه.
وقال أحمد: يرجع في كسوتها إلى اجتهاد الحاكم على قدر يسرتها وعسرتها.
وعند الشافعي: أقل الكسوة ثلاثة أثواب في الصيف، وأربعة في الشتاء؛ وهي قميص الجسدها، وقناع لرأسها، وسراويل أو مئزر لوسطها، والرابع جبة للنساء، ولا تجب الملحفة؛ لأنها للخروج، والزوج يمنعها.
ويعتبر في جنس الثياب عادة بلدها؛ فيفرض لامرأة الموسر مرتفع ناعم من ذلك الجنس، إن كان كتانا فمن الكتان، وإن كان إبريسم فمن الإبريسم، وإن كان قطنا فمن القطن.
وفي أدب القاضي للخصاف: فرض لها ما تحتاج إليه من الدقيق والدهن واللحم والإدام، فقال: لا أخبز ولا أعجن ولا أطبخ ولا أعالج شيئًا من ذلك؛ لا تجبر عليه وعليه أن يأتي بمن يكفيها عمل ذلك.
قال أبو الليث: هذا إذا كان بها علة لا تقدر على الطبخ والخبز، أو كانت ممن لا تباشر بنفسها، أما لو كانت تقدر وهي ممن تخدم نفسها؛ لا يجب عليه أن يأتي بمن يفعل ذلك.
стр. 3477
(وَمَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ
والمستحب له إذا كانت فقيرة أن يأكل معها مما تأكله.
قال السَّرَخْسِي: له أن يمتنع من الإدام ويعطيها خبز البر، بخلاف الشعير؛ فإنه لا بد من الإدام معه. ولو طلبت الفواكه لا يجب عليه.
وقال الشافعي: يعتبر في الأدم الأدهان كما ذكرناه في المغني: هذا تحكم بلا دليل.
ويفرض لها الكسوة في كل ستة أشهر، والنفقة في أول كل شهر؛ لتعذر الفرض على القاضي في كل يوم.
قال السَّرَخْسي: تقدير محمد الفرض في كل شهر ليس بلازم، والمحترف يفرض يومًا بيوم، وإن كان من التجار وأرباب الأجر يفرض عليه شهرًا بشهر، وإن كان من الدهاقين يفرض عليه سنة فسنة، والصنّاع الذي لا يفرغ عملهم إلا بانقضاء أيام الأسبوع تفرض عليهم كذلك.
وعند الشافعي وأحمد: يفرض في أول كل يوم عند طلوع الشمس.
ولو كانت تلبس يومًا وتترك يومًا توفيرًا؛ يجدد لها الكسوة إذا فرغ الفصل، وإن لبست دائمًا ولم يتخرّق؛ لم يجدد لها إذا فرغ الفصل، وظهر الغلط في التقدير، فإن عند الشافعي تفرض الكسوة في كل ستة أشهر.
وإذا انقضت المدة والكسوة باقية، هل يلزم تجديدها؟ فيه وجهان: أصحهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه.
قوله: (ومن أعسر بنفقة امرأته) إلى آخره: وبقولنا: قال الزهري، وعطاء بن يسار، والحسن بن أبي الحسن البصري، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان، والظاهرية.
معنى الاستدانة: أن تشتري الطعام على أن يُؤدّي الزوج ثمنه.
وقال الخصاف: معنى الاستدانة: الشراء بالنسيئة ليُقضى الثمن من مال الزوج.
стр. 3478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشافعي: يفرق بينهما، وبه قال مالك وأحمد.
وعلى هذا الخلاف: العجز عن الكسوة، والعجز عن المسكن.
وفي المهذب: في العجز عن المسكن وجهان.
وقال أبو نصر من أصحابه: في العجز عن الكسوة والمسكن يفسخ قولًا واحدًا، وهذا التفريق فسخ عند الشافعي وأحمد. وقال مالك: طلاق.
وفي مدة حكم القاضي بالتفريق قولان، في القديم: يوم إعساره، وفي الجديد: يمهل ثلاثة أيام.
ولو غاب عنها ولم يعرف موضعه لم يثبت لها الفسخ؛ لعدم ثبوت إعساره.
قال القاضي أبو الطيب: لو تعذرت النفقة عليها بغيبته؛ ثبت لها الفسخ، وله وجه جيد. كذا في الحلية (١).
ولو رضيت بالمقام معه مع عسرته، أو تزوجت عالمة بإعساره، ثم عَنَّ لها طلب الفسخ؛ فلها ذلك عند الشافعي وأحمد. وعند مالك: ليس لها ذلك.
قال القاضي من الحنابلة: وهو ظاهر قول أحمد.
وللشافعي في الفسخ عن الإعسار عن الصداق الواجب ثلاثة أقوال: أحدها: له الفسخ قبل الدخول وبعده. والثاني: لا خيار لها لا قبل الوطء ولا بعده، وهو اختيار المزني.
والثالث: لها الفسخ قبل الدخول لا بعده، واختاره المروزي وأكثرهم.
ولو امتنع الزوج من الإنفاق عليها مع اليسر؛ لم يفرّق، ويبيع الحاكم عليه ما له، ويصرفه في نفقتها، فإن لم يجد ماله؛ يحبسه حتى ينفق عليها ولا يفسخ.
ولو عجز عن تقوّم ووجد نفقة يوم؛ لها الفسخ.
والنساج إذا كان لا يفرغ من نسجه إلا بعد أسبوع، ونسجه يكفي لنفقة أسبوع؛ فلا خيار لها، وتستدين على نفسها، أو تأكل من مالها أو من الصدقات
стр. 3479
لَم يُفَرَّق بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لَهَا: استَدِينِي عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفَرَّقُ، لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الإِمْسَاكِ بِالمَعْرُوفِ فَيَنُوبُ القَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّفْرِيقِ كَمَا فِي الجَبِّ وَالعِنَّةِ، بَلْ أُولَى لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى النَّفَقَةِ أَقْوَى.
والكفارات.
ثم النجار والحمّال والبناء وغيرهم من الصناع، إذا تعذر عليهم العمل مدة؛ لم يكن لها الفسخ إلا أن يكون التعذر غالبًا. ولو كان له دين على موسر لا يوفي؛ يحبس حتى يوفي، ولا يفسخ حياة الزوجة. وإذا أمهل ثلاثة أيام يخرج للاكتساب في الثلاث نهارًا.
وعن مالك: يؤجّل شهرًا ونحوه، وفي المهر يؤجل عامين.
احتج الشافعي ومن تابعه: بما روي عن ابن المسيب أنه سئل عن ذلك، فقال: " يفرّق بينهما " قيل: سَنة؟ قال: سنة. قال الشافعي: قوله (سُنّة) أي: سُنّة رسول الله ﷺ .
وبما روي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: «يفرق بينهما» (١) رواه الدارقطني.
وبما روى عن حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني» (٢). رواه البخاري وغيره.
وقاسوه بالعنة والجبّ، قال الشافعي: بل أولى؛ لأن البدن يقوم بترك الجماع ولا يقوم بترك الغداء، فإن منفعة الجماع مشترك بينهما، فإذا ثبت في المشترك؛ ففي المختص أولى.
واعتبروه بنفقة العبد عند العجز، فإنه يأمر ببيعه، وبالمبيع إذا أعسر بثمنه.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ١٨٠] وهذا عام في إنظار معسر بحق. وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فإذا كان الفقر غير
стр. 3480
وَلَنَا: أَنَّ حَقَّهُ يَبْطُلُ وَحَقَّهَا يَتَأَخَّرُ، وَالأَوَّلُ أَقْوَى فِي الضَّرَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَصِيرُ دَيْنَا بِفَرضِ القَاضِي فَتَستَوفِي الزَّمَانَ الثَّانِي،
مانع ابتداء النكاح [والفقير عندهم مَنْ لا شيء له؛ فالبقاء أسهل. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾] (١) فدل على أن من لم يقدر على النفقة لا يكلف الإنفاق، فإذا لم يكن مكلفا إليها لم تكن واجبة، فلا يجوز التفريق بعجزه.
وروي عن أبي بكر في عائشة: لو طَلَبَتِ النفقة لقمتُ إليها فوجَأْتُ عُنُقَها. وكذا روى عن عمر في حفصة، ومن المحال أن يضر بطالب حق.
ولأن الصحابة كانت يعسرون ويحتاجون، ولم يفرق بينهم وبين نسائهم. ولأن حق الزوج وهو ملك النكاح يبطل بالتفريق، وفي ترك التفريق تأخير حقها؛ لأن النفقة تصير ديناً على الزوج، وضرر التأخير دون ضرر الإبطال، بخلاف ما ذكر من العنة والجب، فإن وظيفة الجماع لا تصير دينا على الزوج بمضي المدة، فكان في ترك التفريق بطلان حقها، فاستوى الجانبان في ضرر الإبطال وترجح جانبها لصدق حاجتها، وبه فارق المملوك فالضرر ثم ضرر الإبطال (٢) لأن نفقته لا تصير دينًا على المالك. ولأن فيه إبطال حقه بلا خلاف، وفي البيع إبطال ملك المولى ببدل، فكان هذا الضرر أهون، حتى لو عجز عن نفقة أم ولدها لا يعتقها القاضي عليه؛ لأنه يكون إبطالا بلا بدل، وبه تبين أنه غير عاجز عن معروف يليق بحاله، وهو الالتزام في الذمة، فلا يجب التسريح بالإحسان.
ولأن النفقة مال كالمهر والنفقات المجتمعة، فالعجز عنها لا يوجب الفرقة؛ لأن المقصود من النكاح التوالد والتناسل، والمال فيه زائد، فالعجز عن البيع لا يكون سببًا لدفع الأصل، بخلاف الجب والعنة، فإن الزوج يمسكها بلا حاجة إليها فيما هو المقصود، فكان ظالما هناك، مع حاجة إليها فيما هو المقصود، فكان ظالمًا، وهنا يمسكها مع حاجته إليها فيما هو المقصود، فلا
стр. 3481
وَفَوتُ المَالِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ لَا يَلحَقُ بِمَا هُوَ المَقْصُودُ وَهُوَ التَّنَاسُلُ. وَفَائِدَةُ
يكون ظالمًا، وهذا معنى قوله: (وفوت المال وهو تابع) إلى آخره.
ومسألة المبيع إذا أعسر عن ثمنه ممنوع عندنا، مع أن البضع بعد الدخول مستهلك، ولا فسخ في المبيع بعد استهلاله، فقياسهم عن المبيع باطل؛ لمخالفة النكاح المبيع من وجوه.
والجواب عن قول ابن المسيب أنه سُنة: إنما روى ذلك [عنه] (١) عبد الرحمن بن أبي زياد، قال ابن حزم: هو لا شيء، فسقط الاحتجاج به.
وقال الطحاوي في جوابه: أنه لا يقع قوله: (سُنّة) أنه سنة رسول الله ﷺ ، فإن زيد بن ثابت كان يقول: المرأة كالرجل في الأرش إلى ثلث الدية، فإن زاد عن الثلث؛ فحالها على النصف من حال الرجل.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: قلت لابن المسيب: ما تقول فيمن قطع إصبع امرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: وإن قطع إصبعين منها، قال: عشرون من الإبل، قلت: فإن قطع ثلاثًا، قال: ثلاثون من الإبل، قلت: سبحان الله، لما كثر ألمها واشتد مصابها قل أرشها، قال: إنه السنة.
قال الطحاوي: لم [يكن] (٢) ذلك إلا عن زيد، فسمى قوله سنة.
قال ابن حزم خالف ابن المسيب عمر وعليا وغيرهما، والعجب من المالكية جعلوا قول ابن المسيب أنه السنة حجة مع مخالفة الصحابة.
ولأنه مرسل، والشافعي لا يجعل المرسل حجة، ولو قالوا الشافعي استثناه، وقال: تتبعتها فوجدتها مسانيد، ولا شك أن الشافعي لم يستقرئ جميع مراسيل ابن المسيب ولا غيره، ولا تقل عن ابن المسيب أنه ما أرسل قط إلا ما كان مرفوعًا صحيحًا فلا يكون حجة، والقاعدة في العمل بالمرسل عنده أحد أمور أربعة: أن يروى من طريق آخر مرسلًا أو مرفوعًا، أو يعمل به بعض الصحابة. ذكر البيهقي هذه القاعدة عنه. وفي هذا لا فرق بين مراسل ابن المسيب وغيره.
стр. 3482
الأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ مَعَ الفَرضِ،
وقال ابن حزم: قد روي عن ابن المسيب قولين مختلفين، فأيهما كان السنة والآخر خلاف السنة، فبطل قوله: السنة؛ لاضطرابه ومخالفة بعضه بعضا.
وذكر عنه في الاستدراك لابن عبد البر كقولنا. والجواب عن قول أبي هريرة: " امرأتك تقول: أطعمني وإلا طلقني " قالوا: يا أبا هريرة، سَمِعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. رواه كذلك عنه البخاري في صحيحه.
ولأن ذلك من قول المرأة، وليس فيه أن الرجل يلزم به، ولأن هذا الحديث لم يذكر في المعسر والخلاف في المعسر والموسر لا يلزم بالطلاق. والجواب عن حديث أبي هريرة برواية الدارقطني: [أن الدارقطني] (١) تفرد به، ولم يذكر في الكتب ولا في غيرها من الدواوين المشهورة.
قال ابن المنذر: النكاح ثبت بالإجماع، فلا يفرق إلا بسنة ثابتة عن رسول الله ﷺ بلا معارض، وهذا دليل على أن الحديث غير ثابت، وقد ضعفه ابن حزم.
وقال البرقاني: هو ضعيف عندنا.
وقال أبو بكر بن عبد البر: هذا لا يدخل في الصحيح، والدارقطني كان يخطئ ويُصرُّ على الخطأ، وكان قد حدث به اختلاط، وتكلم فيه ابن علية، قال يحيى بن سعيد: في حفظ الدارقطني شيء.
والعجب من الشافعية، قالوا: إذا كان المد لا يشبعها؛ يخير الزوج بين أن يتم لها شبعا وبين أن يمكنها من الاكتساب للقدر الذي يتم به شبعها ولا يفسخ، ولو عجز عن عُشْرِ المدّ يفسخ، ولا يكلف للاكتساب، وإن حصلت الكفاءة بتسعة أعشار المد.
وقيل: قياسهم على المكاتب إن عجز عن نجم، والجب والعنة فاسد؛ لأن الكتابة ملحقة بالبيع، ولهذا يبطل بالشروط الفاسدة في صلب العقد، وإذا كانت
стр. 3483
أَنْ يُمَكِّنَهَا إِحَالَةَ الغَرِيمِ عَلَى الزَّوجِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الاسْتِدَانَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ القَاضِي، كَانَتِ المُطَالَبَةُ عَلَيْهَا دُونَ الزَّوجِ.
(وَإِذَا قَضَى القَاضِي لَهَا بِنَفَقَةِ الإِنْسَارِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَخَاصَمَتْهُ تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ المُوسِرِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اليَسَارِ وَالإِنْسَارِ، وَمَا قَضَى بِهِ تَقْدِيرٌ لِنَفَقَةٍ لَم تَجِب، فَإِذَا تَبَدَّلَ حَالُهُ فَلَهَا المُطَالَبَةُ بِتَمَامِ حَقَّهَا.
(وَإِذَا مَضَت مُدَّةٌ لَم يُنفِق الزَّوجُ عَلَيْهَا وَطَالَبَتْهُ بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ
ملحقة بالمعارضة المالية؛ جاز أن يثبت الفسخ بفواته، ولا بدل الكتابة بمقابلة العقد، وما وجب بالعقد جاز أن يفسخ بالعجز عنه، كما قلتم في ثمن المبيع، والنفقة لم تجب بالعقد على ما تقدم.
وقياسهم على الجب باطل؛ لأنه لا يزول أبدًا، والعسرة تزول؛ لأن المال عاد ورابح، وكذا على العنة؛ لأن من لا يقدر على الوطء في سنة مع اشتمالها الفصول الأربعة، فالظاهر منه دوام العجز، بخلاف العجز ثلاثة أيام عن النفقة.
قوله: (إحالة الغريم على الزوج)؛ أي: وإن لم يرض.
وفي التحفة وفائدة الأمر بالاستدانة على الزوج إيجاب الدين عليه، فإذا حصل بأمر القاضي حصل ممن له ولاية تامة، وإذا حصل لا بأمر القاضي؛ حصل إيجاب الدين عليه منها، وليس لها على الزوج هذه الولاية.
وفائدة أخرى: وهي أنها لا تسقط بموت أحدهما في الصحيح، بخلاف القضاء وحده، على ما يجيء بعد.
قوله: (تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ المُوسِرِ) باعتبار حاله؛ لأن القضاء بنفقة الإعسار بعذر الإعسار، فإذا زال العذر بطل ذلك، كمن شرع في صوم الكفارة للعسرة ثم أيسر؛ كان عليه التكفير بالمال.
(وقض به القاضي تقدير لنفقة لم تجب)؛ لأن النفقة تجب شيئًا فشيئا في المستقبل، فيعتبر حاله في كل وقت، والفرض السابق لا يمنع الإتمام؛ لأنه فرض قبل الوجوب، فلا يتقرر حكمه. إليه أشير في المبسوط.
قوله: (لم ينفق عليها الزوج) بأن غاب عنها، أو حاضرًا وامتنع من الإنفاق.
стр. 3484
القَاضِي فَرَضَ لَهَا النَّفَقَةَ، أَوْ صَالَحَتِ الزَّوجَ عَلَى مِقدَارِ نفقتِها فَيَقْضِي لَهَا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى) لِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَلَيْسَت بِعِوَض عِنْدَنَا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، فَلَا يُسْتَحكَمُ الوُجُوبُ فِيهَا إِلَّا بِالقَضَاءِ كَالهِبَةِ لَا تُوجِبُ المِلكَ إِلَّا بِمُؤَكَّد وَهُوَ القَبْضُ وَالصُّلْحُ بِمَنزِلَةِ القَضَاءِ، لِأَنَّ وِلَا يَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَقوَى مِنْ وِلَايَةِ القَاضِي، بِخِلَافِ المَهرِ لِأَنَّهُ عِوَضُ.
فالحاصل: أن نفقة المرأة لا تصير دينا عندنا إلا بالقضاء أو بالتراضي، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي ومالك وأحمد في راوية: يصير دينا بلا قضاء ولا رضا، إلا أن عند مالك لو أقامت معه سنين وهو مليء، فادعت عليه أنه لم ينفق عليها والزوج يدعي الإنفاق؛ فالقول له مع يمينه. وكذا في غيبته، أما لو أكلت معه سقطت نفقتها عند مالك والشافعي في الأصح. ذكره في المنهاج.
(لأن النفقة صلة)؛ لأنها واجبة، فلا تسقط كسائر الديون للاحتباس عنده، فصار كرزق القاضي في بيت المال، فكانت من باب الصلاة.
(فلا يستحكم الوجوب إلا بالقضاء كالهبة) والصدقة لا يوجبان الملك بلا مؤكد، وهو القبض، أو بالتزام الزوج؛ إذ ولايته على نفسه أكد من ولاية القاضي.
وقد نصت الأئمة الثلاثة أنها في مقابلة التمكين، والتمكين واجب عليها، فلا يجوز أخذ الأجرة عن الواجب، فكان فيها معنى الصلة، والصلت تسقط بمضي الزمان، كنفقة الإماء والأقارب.
ولا يجوز أن يكون عوضًا عن الملك كما قالوا؛ كيلا يجتمع العوضان عن معوض واحد كما ذكرنا. ولا يجوز أن يكون عوضًا عن الاستمتاع؛ لأنه مستمتع بملك نفسه، كمن يسكن دار نفسه لا يجب الأجرة، فعلم أن فيها معنى الصلة، ولهذا لم ينقل عن أحد من السلف والخلف الوصية بنفقة فيما إذا مضت مدة، ولا بإخراجها عن تركته كسائر الديون، وبعد هذا لا يخفى.
وجماعة من أصحاب الشافعي لا يرضون بهذا الحكم. ولا يقال: لو كانت صلة لما وجبت على المكاتب؛ لأنا نقول: إنها صلة من وجه، وما هذا سبيله يجب على المكاتب.
стр. 3485
(وَإِنْ مَاتَ الزَّوجُ بَعدَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ وَمَضَى شُهُورٌ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ) وَكَذَا إِذَا مَاتَتِ الزَّوجَةُ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَالصَّلَاتُ تَسْقُطُ بِالمَوتِ كَالهِبَةِ تَبْطُلُ بِالمَوتِ قبل القبض.
وفي الذخيرة: صلة من وجه عوض من وجه؛ لأن النفقة بإزاء الاحتباس، وفي الاحتباس إن كان حق الزوج من حيث الاستمتاع وقضاء الشهوة وإصلاح أمر المعيشة؛ ففيه حق الشرع أيضًا من حيث تحصيل الولد الذي يتوجه إليه التكاليف، ومن حيث صيانة كل واحد منها عن الزنا، وإقامة حق الشرع مستحق على كل إنسان لا يصلح أن يكون عوضًا عنه، فكانت عوضًا عنه من [من] (١) وجه، [فمن] (٢) حيث أنها صلة لا يصير دينًا من غير قضاء ولا رضاء كنفقة الأقارب، ومن حيث إنها عوض تصير دينا بأحدهما عملا بالدليلين بقدر الإمكان.
قوله: (بعدما قضي عليه أو تراضيا على نفقة ومضى شهور سقطت النفقة) خلافا للأئمة الثلاثة كما مر. هذا إذا فرض لها بالنفقة ولم يأمره بالاستدانة [أما لو أمرها بالاستدانة] (٣) على الزوج فاستدانت، ثم مات أحدهما؛ لا يبطل ذلك. ذكره الحاكم الشهيد في المختصر. وذكر الخصاف: أنه يبطل أيضًا، والصحيح ما ذكره في المختصر؛ لأن استدانتها بأمر القاضي، وللقاضي ولاية عليهما، فكان بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، وفيه لا يسقط بموت أحدهما كذا ههنا. وكذلك في الطلاق، يعني: أن الديون المستدانة هل تسقط بالطلاق؟
فعلى الروايتين، في رواية: لا تسقط، وهو الصحيح. كذا في الذخيرة.
قوله: (كالهبة تبطل بالموت قبل القبض).
فإن قيل: الهبة غير متأكد قبل القبض، والنفقة متأكد بعد القضاء كما ذكرنا، فينبغي أن لا تسقط كالهبة المتأكد بالقبض.
стр. 3486
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَصِيرُ دَيناً قَبلَ القَضَاءِ وَلَا تَسْقُطُ بِالمَوتِ، لِأَنَّهُ عِوَضٌ عِندَهُ فَصَارَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَجَوَابُهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
(وَإِنْ أَسْلَفَهَا نَفَقَةَ السَّنَةِ) أَي عَجَلَهَا (ثُمَّ مَاتَ لَم يُستَرجَع مِنهَا شَيْءٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحتَسَبُ لَهَا نَفَقَةُ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلزَّوجِ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الكِسْوَةُ، لِأَنَّهَا اسْتَعْجَلَت
قلنا: ما يكون منافيًا كان منافيًا للمتأكد وغيره، كالمحرمية في باب النكاح ينافي النكاح الصادر من الأب، مع أن النكاح الصادر من الأب أولى وأقوى. كذا قيل.
وفي الإيضاح: وإنها وإن صارت دينا عليه بالقضاء، ولكن معنى الصلة لم تبطل، والصّلات تبطل بالموت قبل القبض.
قوله: (وجوابه)؛ أي: جواب ما قال الشافعي (قد بيناه) وهو قوله: (ولنا: أن المهر عوض عن الملك، ولا يجتمع العوضان) إلى آخره.
قوله: (ثم مات)؛ أي: [قبل] (١) مضي المدة، وكذا لو ماتت هي، والكسوة كالنفقة.
وقال محمد: يحسب لها نفقة ما مضى، ويرد ما بقى إن كان باقيًا، وقيمته إن كان مستهلكا، وهو قول الشافعي وأحمد؛ لأنها أخذت المال لمقصود الزوج، ولم يحصل ذلك المقصود له، فكان له أن يستردها، كما لو عجل لها نفقة ليتزوجها [فماتت قبل أن يتزوجها] (٢). كذا في الذخيرة.
وفي البدائع: يرد الباقي والمستهلك، وفي الهالك لا يرد بالاتفاق.
وكذا في الينابيع وأدب القاضي والذخيرة، وفيه: الموت والطلاق قبل الدخول سواء، وفي نفقة المطلقة إذا مات الزوج [بالملك] (٣) بالجواب.
وكذلك في شرح الأقضية اختلفوا، فقيل: لا تُسترد بالاتفاق؛ لأن العدة قائمة في موته.
стр. 3487
عِوَضًا عَمَّا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ بِالاحْتِبَاسِ، وَقَدْ بَطَلَ الاستحقاقُ بِالمَوتِ، فَيَبْطُلُ العِوَضُ بِقَدْرِهِ كَرِزْقِ القَاضِي وَعَطَاءِ المُقَاتَلَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ صِلَةٌ وَقَدْ اتَّصَلَ بِهِ القَبْضُ وَلَا رُجُوعَ في الصَّلَاتِ بَعدَ المَوتِ لانتِهَاءِ حُكمِهَا كَمَا فِي الهِبَةِ، وَلِهَذَا لَو هَلَكَت مِنْ غَيْرِ استهلاك لَا يُستَرَدُّ شَيْءٌ مِنهَا بِالإِجْمَاعِ. وَعَنْ مُحَمَّد ﵀: أَنَّهَا إِذَا قَبَضَت نَفَقَةَ الشَّهْرِ أو مَا دُونَهُ لَا يُسْتَرجَعُ مِنهَا شَيْءٌ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ فَصَارَ فِي حُكمِ الحَالِ.
وفي أكثر الكتب لم يُذكر قول أبي حنيفة، وإنما حُكِيَ الخلاف بين محمد وأبي يوسف على قوله الآخر، وهو استحسان.
وعن محمد - وهو رواية ابن رستم عنه -: لا يرد نفقة الشهر وما دونه، فلأجل هذا وضعها في السنة، حتى يكون فيه خلاف عن محمد.
قوله: (فصار في حكم الحال)؛ يعني: لو أخذت النفقة الواجبة في الحال لا تسترد بالموت فكذا لا تسترد ما إذا عجل لها نفقة الشهر. وكذا لو قبضت نفقة أشهر، فمات أحدهما قبل مضي المدة، والباقي من المدة شهر أو دونه؛ لا يرجع بشيء؛ لأن الشهر وما دونه يسير.
وعند الأئمة الثلاثة: ترد بقيته كائنا ما كان.
وفي المغني: وكذا لو باين بموت أو طلاق أو فسخ أو إسلام أو رده، واعتبروه بالأجرة، إلا أن مالكًا استحسن في الكسوة أن لا يرد. والفرق تحكم.
وفي الذخيرة: نفقة العدة بمضي المدة كنفقة النكاح، فإن فرض لها نفقة، فلم تقبضها [حتى] (١) انقضت عدتها، لم يذكره محمد، وهل يقاس على الموت؟
قال الحلواني فيه كلام، والقول قولها في انقضاء العدة مع يمينها إذا كانت من ذوات الحيض، ولو أدّعَتْ جهلا ينفق عليها إلى سنتين، فإن قالت بعد السنتين: كنت أعتقد الحبل فالآن ظهر أنه كان ريحًا، وأنا حابل لم أحض، وقال: ادعيت الحبل وظهر كذبُكِ لا نفقة لكِ؛ فالقاضي لا يلتفت إلى قوله، ويأمره بالإنفاق عليها حتى تحيض ثلاث حيض أو تدخل في سن الإياس فتعتد
стр. 3488
(وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ حُرَّة فَنَفَقَتهَا دَينُ عَلَيْهِ يُبَاعِ فِيهَا) وَمَعْنَاهُ: إِذَا تَزَوَّجَ بِإِذْنِ المَولَى لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ المَولَى فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ كَدَينِ التِّجَارَةِ فِي العَبدِ التَّاجِرِ، وَلَهُ: أَنْ يَفْدِيَ، لِأَنَّ حَقَّهَا فِي النَّفَقَةِ لَا فِي عَينِ الرَّقَبَةِ، فَلَو مَاتَ العَبدُ سَقَطَت، وَكَذَا إِذَا قُتِلَ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ صِلَةٌ.
بالأشهر. ولو كانت صغيرة يجامع مثلها ينفق عليها ثلاثة أشهر.
قال الفضلي: لا تنقضي عدتها بذلك؛ بل توقف لحالها لاحتمال الحبل، فينفق عليها حتى تظهر براءة رحمها.
قوله: (فنفقتها دين عليه)؛ أي: بعد فرض القاضي (يباع فيه) فلما بيع ثم اجتمع عليه النفقة مرة أخرى يباع ثانيًا.
قال الإمام السرخسي: لا يباع ثانيًا في شيء من ديونه إلا في النفقة؛ لأن وجوبها يتجدد بمضي الزمان، فذاك في حكم دين حادث، ولا كذلك سائر الديون. كذا في الذخيرة.
قوله: (بإذن المولى) قيد الإذن؛ لأنه إذا تزوج بغير إذن المولى؛ فلا نفقة ولا مهر لعدم صحة النكاح، وكذا في حكم المهر.
واجتمعت الأئمة الأربعة في وجوب النفقة على العبد، لكن لا يباع العبد في النفقة عند الشافعي وأحمد، ويثبت لها الخيار.
وفي الفرقة عند الشافعي وأحمد على سيده، وفي رواية: في كسبه.
وفي [التنبيه] (١): وفي غير المكتسب على سيده في قول، وفي قول: على العبد يتبع بعد العتق، وفي المكتسب في كسبه، وفي المأذون له في التجارة فيما في يده، ولها أن تفسخ إذا شاءت.
قوله: (ولو مات العبد سقطت)؛ [أي:] (٢) النفقة، وكذا المهر لا يؤاخذ المولى بشيء؛ لفوات محل الاستيفاء كالعبد الجاني.
(وكذا إذا قتل في الصحيح) وعن الكرخي: ينتقل إلى قيمته.
стр. 3489
(وَإِنْ تَزَوَّجَ الحُرُّ أَمَة فَبَوَّأَهَا مَولَاهَا مَعَهُ مَنزِلًا فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ) لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ الاحتباس (وَإِنْ لَم يُبَوِّنَهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِعَدَمِ الاحْتِبَاسِ، وَالتَّبوِئَةُ أَنْ يُخَلِّيَ بَينَهَا وَبَينَهُ فِي مَنزِلِهِ وَلَا يَسْتَحْدِمَهَا، وَلَو استَخدَمَهَا بَعدَ التَّبوِئَةِ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ، لِأَنَّهُ فَاتَ الاحتباسُ، وَالتَّبِوِئَةُ غَيْرُ لَازِمَة عَلَى مَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ، وَلَو خَدَمَتْهُ الجَارِيَةُ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَخدِمَهَا لَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ، لِأَنَّهُ لَم يَستَخدِمهَا لِيَكُونَ اسْتِردَادًا، وَالمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الوَلَدِ فِي هَذَا كَالأَمَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قال القدوري: ليس هذا بصحيح، والصحيح السقوط بالموت؛ لأنها صلة، والصلات تبطل بالموت قبل القبض، والقيمة تقام مقام الرقبة في دَيْن لا يسقط بالموت.
قوله: (وإن تزوج الحر أمة): قيد بزوج الحر اتفاقي، فإن العبد والمدبّر والمكاتب كالحر في عدم وجوب النفقة عند عدم التبوئة. ذكر في المحيط وغيره. كذا في الكافي.
قوله: (لعدم الاحتباس)؛ [أي:] (١) من الزوج.
فإن قيل: احتباس المولى لحق له شرعا، فكان كاحتباس نفسها لصداقها، فينبغي أن لا يسقط.
قلنا: لا كذلك؛ لأن في احتباس الحرة للصداق فوات الاحتباس من الزوج، حين امتنع عن أداء صداقها، وههنا التفويت ليس من قبل الزوج.
وقوله: (والتبوئة غير لازمة) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لما بوأها مرة يجب أن يمضي على ذلك، ولا يكون لها نقضها بالاستخدام، فأجاب عنه بهذا.
وكذا لو استخدمها أهل المولى تسقط النفقة، وكذا لو منعها هو وأهله تسقط، أما لو تذهب أحيانًا وتخدم المولى وتجيء؛ لا تسقط نفقتها.
قوله: (والمدبّرة وأم الولد في هذا)؛ أي: في استحقاق النفقة (كالأمة) ولم
стр. 3490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يذكر المكاتبة؛ لما أنها كالحرة إذا تزوجت بإذن المولى، فلا تحتاج إلى التبوئة لاستحقاق النفقة؛ لاختصاصها بنفسها ومنافعها بحكم عقد الكتابة، ولهذا لم يبق للمولى ولاية استخدامها، فكانت كالحرة.
ولو زوج أمته من [عبده] (١) فنفقتهما على المولى، بوأها أو لا. كذا في الذخيرة.
ولو بوأ الأمة بعد الطلاق، ولم يكن بوأها قبله؛ لا نفقة عليه عندنا. وعند زفر: تستحقها؛ لأنها صارت محبوسة بحقه.
وقلنا: أن النفقة لم تكن مستحقة عند الطلاق، فلا تستحقها بالاحتباس بعده.
فروع
ذكرها في الذخيرة وغيرها.
وفرت كسوتها [وكانت] تلبس يوما دون يوم؛ يفرض لها كسوة أخرى، وكذا النفقة.
وإن لبست على العادة ولم تنخرق لم يجدد لها، ولو ضاعت الكسوة أو النفقة أو سرقت؛ لم تجدد حتى يمضى الفصل، بخلاف المحارم.
والفرق: أن نفقة المحارم مقدرة بالحاجة، بخلاف الزوجة؛ فإن نفقة المحارم لا تفرض مع غناهم، بخلاف الزوجة، بدليل قصة هند؛ فإنها كانت صاحبة أموال.
وفي المغني: دفع في العام، فإن بليت في الوقت الذي يبلى مثلها لزمته أخرى، ولو باعتها أو تصدقت بها، وكان ذلك يضر بها ويخل بتجملها لم تملك، وعند الشافعي تصرف في ملكها فتجوز.
وفي أدب القاضي للخصاف، قالت: يضيق النفقة علي؛ أمره القاضي
стр. 3491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالإنفاق إلا أن يظهر له ظلمه، فيفرض عليه كل شهر، ويأمره أن يُعطيها، فإذا لم يُعطيها وقدمته مرارًا، ولم ينجح فيه وَعْظُهُ؛ حَبَسَهُ. ولو كان الزوج صاحب مائدة وطلبت الفرض؛ لا يفعل.
وفي خزانة الأكمل: قول القاضي: (استديني عليه كذا) فرض عليه، و [لو] (١) قال الزوج: استديني لا [يصير] (٢) فرضًا ما لم يقل علي، والخزانة قدرها بالدراهم على المعسر أربعة دارهم أو خمسة، ولخادمها ثلاثة أو أقل أو أكثر.
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: لا تجب نفقة الخادم على المعسر، وهو الأصح، وقد مر.
والمذكور عن محمد ثمانية دراهم على الموسر أو تسعة في الشهر، ولخادمها ثلاثة أو أربعة.
ولو كان الزوج من أهل الغِنَى المشهور؛ فلها خمسة عشر في كل شهر، ولخادمها عشرة أو خمسة، وهذا كان في الصدر الأول، وهو متروك اليوم بإجماع المذاهب، والعرف على خلافه.
وينبغي أن يكون لها فراش على حدة، ولم يكتف بفراش واحد لهما؛ لأنه قد يعتزلها في الحيض وفي المرض، وقد جاء: «فراش لك، وفراش لأهلك، وفراش لضيفِكَ، والرَّابع للشَّيطان» (٣).
في الذخيرة: فرض لها نفقة شهر ولم يدفعها، فأرادت أن تطلبها في كل يوم؛ تطلبها عند المساء؛ لأن حصته كل يوم معلومة، وما دونه ساعة.
ولو فرض لها كل يوم؛ فقياسه أن يدفعها في كل يوم كالشهر، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قال الإمام السَّرَخْسِي: التقدير غير لازم، وقد مر.
стр. 3492
فَصْلٌ: [مَا يَحِقُّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا]
(وَعَلَى الزَّوجِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي دَارٍ مُفرَدَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، إِلَّا أَنْ تَختَارَ ذَلِكَ) لِأَنَّ السُّكْنَى مِنْ كِفَايَتِهَا فَتَجِبُ لَهَا كَالنَّفَقَةِ، وَقَدْ أَوجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَقْرُونًا بِالنَّفَقَةِ، وَإِذَا وَجَبَ حَقًّا لَهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهَا فِيهِ لِأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ عَلَى مَتَاعِهَا، وَيَمْنَعُهَا ذَلِكَ مِنْ المُعَاشَرَةِ مَعَ زَوجِهَا وَمِنْ الاستمتاع، إِلَّا أَنْ تَختَارَ، لِأَنَّهَا رَضِيَت بِانتِقَاصِ حَقَّهَا (وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَيسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهُ
قال الصدر الشهيد: لو صالحته على شيء ثم رافعته إلى القاضي، وقالت: ما يكفيني؛ يزاد لها. ولو غلا السعر بعد فرض القاضي؛ يزيد في الفرض؛ لأن ذلك تقدير لنفقة لم تجب.
فصل
قوله: (مقرونا بالنفقة): قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. وفي قراءة ابن مسعود: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وأنفقوا عليهن من وجدكم﴾.
ووجوب المسكن إما بالملك وإما بالإعارة أو بالإجارة مجمع عليه، وأنها محتاجة إلى مسكن كالنفقة.
وفي الذخيرة: أسكنها في دار مفردة، فشكت إلى القاضي إيذاءه وضرره، وسألت من القاضي أن يسكنها بين قوم صالحين، فإن علم القاضي أن الأمر كما قالت؛ منعه من ذلك، وإن ذكروا أنه لا يؤذيها تركها، ولو لم يكن في جوارها من يثق به أو يميلون إليه؛ أمره أن يسكنها بين قوم صالحين ويسأل عنهم، وبني الأمر على خَبَرِهم.
وفي مآل الفتاوى: ليس له أن يسكنها مع أمته في بيت واحد، ولو أسكنها في بيت من دار ولأمته في بيت آخر له ذلك. والصحيح: أنه يحتاج إلى استخدامها في كل ساعة، فله أن يسكنها معها للضرورة، ولكن يكره له مجامعتها مع حضرة أمته.
وفي الخزانة: معها عشر من الخدم يحل له وطئهن في الخلوة معهن، وكذا مع ضرتها، ومع حرمة وطئها لا تصح الخلوة.
стр. 3493
مَعَهَا) لِمَا بَيَّنَّا، وَلَو أَسْكَنَهَا فِي بَيت مِنْ الدَّارِ مُفْرَد وَلَهُ غَلَقٌ كَفَاهَا لِأَنَّ المَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ. (وَلَهُ أَنْ يَمَنَعَ وَالِدَيهَا وَوَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَهْلَهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا) لِأَنَّ المَنزِلَ مِلكُهُ فَلَهُ حَقُّ المَنعِ مِنْ دُخُولِ مِلْكِهِ (وَلَا يَمْنَعُهُم مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَكَلَامِهَا فِي أَيِّ وَقت اختَارُوا) لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الدُّخُولِ وَالكَلَامِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُم مِنْ القَرَارِ وَالدَّوَامِ، لِأَنَّ الفِتْنَةَ فِي اللَّبَاثِ وَتَطوِيلِ الكَلَامِ، وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الخُرُوجِ إِلَى الْوَالِدَينِ وَلَا يَمْنَعُهُمَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ جُمُعَة، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ المَحَارِمِ التَّقْدِيرُ بِسَنَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَإِذَا غَابَ الرَّجُلُ وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ رَجُل يَعتَرِفُ بِهِ وَبِالزَّوجِيَّةِ، فَرَضَ القَاضِي فِي ذَلِكَ المالِ نَفَقَةَ زوجة الغائبِ وولدِهِ الصغارِ وَوَالدَيْهِ، وكذا إذا عَلِمَ القاضي ذَلِكَ وَلَم يَعتَرِف بِهِ) لِأَنَّهُ لَمَا أَقَرَّ بِالزَّوجِيَّةِ والوَدِيعَةِ فَقَد أَقَرَّ أَنَّ حَقَّ الْأَخِذِ لَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ الزَّوجِ حَقَّهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِقْرَارُ صَاحِبِ اليَدِ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ.
قوله: (لما بينا) وهو أنه يمنعها ذلك عن المعاشرة. قيل: إذا كان صغيرًا جدًا لا يفهم الجماع لا ينبغي أن يمنع.
قوله: (في كل جمعة) وعليه الفتوى.
فقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول محمد بن مقاتل الرازي، فإنه يقول: لا يمنع المحرم في كل شيء من الزيادة. كذا في النفقات البرهانية.
وقال مشايخ في كل سنة، وعليه الفتوى، وعلى هذا الخلاف: خروجها لزيارة عمتها وخالتها.
وعن الحسن: لا يمنعها عن زيارة الأقارب في كل شهرين أو ثلاثة، ولا يمنع محارمها من الدخول عليها في كل جمعة، ويمنعهم من الكينونة.
قوله: (من غير رضاه) [أي: من غير رضا الزوج.
فإن قيل: يشكل علي هذا؛ ما لو أحضر صاحب الدين غريمًا أو مودعا] (١) للغائب، وهما معترفان بالدين [الذي] (٢) على الغائب؛ لا يأمره القاضي بقضاء
стр. 3494
نَفْسِهِ لَا سِيَّمَا هَاهُنَا، فَإِنَّهُ لَو أَنْكَرَ أَحَدَ الأَمرَينِ لَا تُقبَلُ بَيِّنَةُ المَرأَةِ فِيهِ، لِأَنَّ المُودَعَ لَيْسَ بِخَصم فِي إِثْبَاتِ الزَّوجِيَّةِ عَلَيْهِ وَلَا المَرأَةُ خَصمٌ فِي إِثْبَاتِ حُقُوقِ الغَائِبِ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ تَعَدَّى إِلَى الغَائِبِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ المَالُ فِي يَدِهِ مُضَارَبَة، وَكَذَا الجَوَابُ فِي الدِّينِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ المَالُ مِنْ جِنسِ حَقِّهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ
دينه من الوديعة والدين.
قلنا: أن القاضي يأمر في حق الغائب بما نظير له، وفي الأمر بالإنفاق لهؤلاء نظير له بإبقاء ملكه، [أما في قضاء دينه ليس فيه إبقاء ملكه] (١) بل هو قضاء عليه بقول الغير. إليه أشير في المبسوط.
قوله: (لا سيما): لا سيما من الشيء، وما الشيء بالمثل. أصله: (سوى) قلبت الواو ياء، وأدغمت الاسم بعده، يجيء مجرورًا إذا كان (ما) زائدة، ويجيء مرفوعًا خبر مبتدأ محذوف، وهو إذا كان موصولًا، ويجيء منصوبًا بالاستثناء، وهو استثناء بمعنى: أكرمني القوم لا سيما زيدا، يعني: إكرام زيد أبلغ من إكرامهم. كذا في الإقليد.
قوله: (أحد الأمرين)؛ أي: الزوجية والوديعة.
وفي المبسوط (٢): لو أنكر صاحب الدين أو المودع الزوجية؛ لا يقبل القاضي بينتها على شيء من ذلك، لا على الدَّيْنِ والوديعة، ولا على النكاح، فلأنها تثبت للغائب الملك، حتى إذا ثبت ملكه يترتب عليه حقها فيه، وهي ليست بخصم في إثبات الملك في أمواله.
وأما إذا جحد الزوجية، فقال أبو حنيفة أولاً: يقبل بينتها على الزوجية؛ لأنها تدعي حقها فيما في يده من المال بسبب، فكان خصما في إثبات ذلك السبب، كمن ادعى عينا في يد إنسان، أنه له اشتراه من فلان الغائب، ثم رجع وقال: لا يقبل، وهو قولهما؛ لأنها تثبت النكاح على الغائب، والمودع أو المديون ليس بخصم عن الغائب في إثبات الزوجية، والاشتغال بالنظر من القاضي يكون بعد العلم بالزوجية، فإن لم يكن معلومًا لا يشتغل.
стр. 3495
طَعَامًا أَوْ كِسْوَة مِنْ جِنسِ حَقَّهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنسِهِ لَا تُفَرَضُ النَّفَقَةُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَحتَاجُ إلَى البَيعِ، وَلَا يُبَاعُ مَالُ الغَائِبِ بِالاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَعْلَهُ فَلِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ عَلَى الحَاضِرِ وَكَذَا عَلَى الغَائِبِ، وَأَمَّا عِندَهُمَا: فَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ يَقْضِي عَلَى الحَاضِرِ، لِأَنَّهُ يَعرِفُ امْتِنَاعَهُ لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ لِأَنَّهُ لَا يَعرِفُ امتِنَاعَهُ (*).
قَالَ: (وَيَأْخُذُ مِنهَا كَفِيلًا بِهَا) نَظَرًا لِلغَائِبِ، لِأَنَّهَا رُبَّمَا اسْتَوفَتِ النَّفَقَةَ أَوْ طَلَّقَهَا الزَّوجُ وَانقَضَت عِدَّتُهَا، فَرَّق بَينَ هَذَا وَبَينَ المِيرَاثِ إِذَا قُسِّمَ بَينَ وَرَثَةٍ حُضُورٍ بِالبَيِّنَةِ وَلَم يَقُولُوا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا آخَرَ، حَيثُ لَا يُؤْخَذُ مِنهُم الكَفِيلُ عِنْدَ أَبِي
قوله: (لا يباع على الحاضر)؛ لأن الحجر على الحر العاقل البالغ لا يجوز عنده.
وعلى قولهما: يبيع القاضي على الممتنع ولا يبيع على الغائب؛ لأنه لا يعرف امتناعه وينفق القاضي عليها من أجرة داره وعبده ودابته. وتصح الكفالة بالنفقة لا يجبر عند محمد، وعند أبي يوسف يجبر استحسانا. ذكره في جوامع الفقه.
وفي الخزانة: تصح الكفالة ولم يذكر خلافًا، فإن أطلق الضمان فهو على شهر عند محمد، وعند أبي يوسف على الأبد ما دام النكاح باقيًا، فإن ضمن كل شهر فهو على شهر واحد، وكذا عند كل شهر، فإن رجع بعد مضي الشهر لم يلزمه في الشهر الثاني.
وقال أبو يوسف: يلزمه أبدًا ولا يصح رجوعه، ولو طلقها يلزم الكفيل بنفقة العدة؛ لأنها نفقة النكاح، ولو وكل لها بنفقة كل شهر فأبرأته؛ صحت عن شهر واحد، وإن كفل بنفقة سنة لزمته في ذلك، وكذا لو قال: أبدًا، أو ما عشت.
قوله: (ويأخذ منها كفيلا): قال السَّرَخْسِيّ: هذا حسن، وإن لم يأخذه جاز. كذا ذكره في أدب القاضي للخصاف.
стр. 3496
حَنِيفَةَ، لِأَنَّ هُنَاكَ المَكْفُولَ لَهُ مَجْهُولٌ وَهَاهُنَا مَعلُومٌ وَهُوَ الزَّوجُ، وَيُحَلِّفُهَا بِاللَّهِ مَا أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ نَظَرًا لِلغَائِبِ.
قَالَ: (وَلَا يُقْضَى بِنَفَقَة فِي مَالِ غَائِبٍ إِلَّا لِهَؤُلَاءِ) وَوَجهُ الفَرقِ: هُوَ أَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ وَاجِبَةٌ قَبْلَ قَضَاءِ القَاضِي، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا قَبْلَ القَضَاءِ، فَكَانَ قَضَاءُ القَاضِي إِعَانَة لَهُمْ،
قال الصدر الشهيد: والصحيح: التكفيل نظرًا للغائب.
قوله: (إلا لهؤلاء) وهم زوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه، أما غيرهم من المحارم فنفقتهم تجب بالقضاء؛ لأنه مجتهد فيه، فإن عند الشافعي لا تجب النفقة على غير الوالدين أو المولودين. ذكره في المبسوط (١).
(إعانة لهم) وإيفاء لحقهم، لا إيجابا مبتدأ؛ لأن في ذلك قضاء على الغائب وهو لا يجوز، ولهذا لو ظفر واحد من هؤلاء على مال الغائب من جنس حقه؛ يأخذ نفقته دون المحارم.
قيل: في هذا الكلام نظر؛ لأن ليس للقاضي ولاية إيجاب ما لم يكن واجبا في الشرع، وليس ذلك لغير النبي ﵇؛ بل نفقة المحارم تثبت بالأحاديث على ما يذكر، ويجب نفقتهم بالقضاء على معنى ترجيح الموجب على النافي بالقضاء، مع وجود سبب الوجوب قبله، ولو كان في المختلف إيجاب القضاء على الغائب ينبغي أن لا يجبر على نفقة الأب، فإن عند مالك يجب على نفقة الأب والابن، دون الجد وابن الابن.
أجيب أن اختلاف مالك لا يؤثر؛ لأنه مخالف للنص الصحيح، وفي المحارم كذلك، فيؤثر فيه حكم القاضي.
وكان أبو حنيفة أولا يقول: يقضي بالنفقة على الغائب، ووجه ما نقلناه من المبسوط، ثم رجع وقال: لا يقضي. وعند محمد لا يقضي قولًا واحدًا، وكان أبو يوسف يقول أولا: يقبل بينتها على الزوجية، ثم رجع وقال: لا يقبل.
стр. 3497
أَمَّا غَيْرُهُم مِنْ المَحَارِمِ فَنَفَقَتُهُم إِنَّمَا تَجِبُ بِالقَضَاءِ، لِأَنَّهُ مُجْتَهِدُ فِيهِ، وَالقَضَاءُ عَلَى الغَائِبِ لَا يَجُوزُ، وَلَو لَم يَعلَم القَاضِي بِذَلِكَ وَلَم يَكُنْ مُقِرًّا بِهِ فَأَقَامَتِ البَيِّنَةَ عَلَى الزَّوجِيَّةِ أَوْ لَم يُخَلِّف مَالًا فَأَقَامَت البَيِّنَةَ لِيَفْرِضَ القَاضِي نَفَقَتَهَا عَلَى الغَائِبِ وَيَأْمُرَهَا بِالاسْتِدَانَةِ، لَا يَقْضِي القَاضِي بِذَلِكَ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَضَاء عَلَى الغَائِبِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَقْضِي فِيهِ، لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهَا وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الغَائِبِ، فَإِنَّهُ لَو حَضَرَ وَصَدَّقَهَا فَقَد أَخَذَت حَقَّهَا، وَإِنْ جَحَدَ يَحلِف، فَإِنْ نَكَلَ فَقَد صَدَقَ، وَإِنْ أَقَامَت بَيِّنَةٍ فَقَد ثَبَتَ حَقَّهَا، وَإِنْ عَجَزَت يَضمَنُ الكَفِيلُ أَوْ المَرأَةُ، وَعَمَلُ القُضَاةِ اليَومَ عَلَى هَذَا: أَنَّهُ يُقضَى بِالنَّفَقَةِ عَلَى الغَائِبِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَهُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَفِي هَذِهِ المَسأَلَةِ أَقَاوِيلُ مَرجُوعٌ عَنْهَا فَلَم يَذكُرهَا.
(وعمل القضاة اليوم على هذا)؛ أي: على قول زفر، أنه يسمع البينة في حق النفقة، ويأمر بالاستدانة إذا لم يكن له مال، ولا يحكم بالنكاح.
(وهو مجتهد فيه)؛ أي: بين علمائنا كما ذكرنا.
وفي المحيط: وهو أرفق للناس.
ثم على قول زفر: لا تحتاج المرأة إلى إقامة البينة أنه لم يكن لها نفقة.
وفي الكافي: لو أنفق المديون أو المودع نفقة هؤلاء بغير أمر القاضي؛ ضمن المودع ولا يبرأ المديون، ولكن لا يرجع المنفق على من أنفق. ولو اجتمع الدين والوديعة؛ فالقاضي يأمر بالإنفاق من الوديعة دون الدين؛ لأن الدين محفوظ لا يحتمل الهلاك، والوديعة محتملة، فكان النظر الإنفاق من الوديعة.
قوله: (فلم يذكرها)؛ أي: الأقاويل، وقد ذكرناها منقولًا من المبسوط، والله أعلم.
стр. 3498
فَصْلٌ: [إِذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسَّكَنُ فِي عِدَّتِهَا]
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكَنَى فِي عِدَّتِهَا رَجْعِيًّا كَانَ أَوْ بَائِنَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَفَقَةَ لِلمَبْتُوتَةِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَعدَهُ قَائِمٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَنَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الوَطاءُ، وَأَمَّا البَائِنُ فَوَجهُ قَولِهِ مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيس قَالَتْ: «طَلَّقَنِي زَوجِي ثَلَاثًا فَلَم يَفْرِض لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُكَنَى وَلَا نَفَقَة» وَلِأَنَّهُ لَا مِلكَ لَهُ وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى المِلكِ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجُهَا لانعِدَامِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ
فصل
قوله: (وقال الشافعي: لا نفقة للمبتوتة) وهي التي طلقها ثلاثًا أو بعوض، حتى وقع الطلاق بائنا عنده. وبقوله قال مالك وأحمد في المشهور، وابن عباس وجابر، وعطاء وطاوس، وعمرو بن ميمون وعكرمة، وداود، إلا أن عند غير مالك والشافعي لا سكنى لها أيضًا.
أما في الرجعي إجماع بوجوب النفقة. وبقولنا: قال عمر وابن مسعود، وعائشة وأسامة، وزيد بن ثابت في رواية، وجابر في رواية، وابن المسيب وشريح، والأسود بن زيد والشعبي، والثوري والحسن بن حَيِيّ، وأحمد في رواية إلا إذا كانت حاملا فإنها تجب بالإجماع، إلا عند الظاهرية.
([وجه] (١) قوله)؛ أي: قول الشافعي،، حديث فاطمة بنت قيس (٢). رواه مسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، مختصرًا ومُطوّلًا.
وفي رواية: قال ﵇: «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا» (٣).
ولأن الوجوب في الحامل بالنص، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] والآية في المطلقات لا في غير المطلقات غر معناه بوضع الحمل.
стр. 3499
كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآيَةَ. وَلَنَا: أَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ احْتِبَاس عَلَى مَا ذَكَرنَا، وَالاحْتِبَاسُ قَائِمٌ فِي حَقِّ حُكمِ مَقصُودٍ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الوَلَدُ، إِذْ العِدَّةُ وَاجِبَةٌ لِصِيَانَةِ الوَلَدِ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا السُّكَنَى بِالإِجْمَاعِ وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا. وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيس رَدَّهُ عُمَرُ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَولِ امْرَأَة لَا نَدْرِي صَدَقَت أَمْ كَذَبَت حَفِظَت أَمْ نَسِيَت، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ النَّفَقَةُ وَالسُّكَنَى مَا دَامَت فِي العِدَّةِ»
قوله: (لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا): روى قول عمر مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ورواه الطحاوي والدارقطني أيضًا، ولكن لم يقل عمر: سمعت رسول الله، ولكن روى جابر أنه ﵇ قال للمطلقة ثلاثا: «لها النفقة والسكنى». ذكره عبد الحق في التأويلات.
المراد بقوله: (كتاب ربنا) قوله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجُدِكُمْ﴾ وقرأته عن رسول الله، وهذا في حال العدة.
وذكر فخر الإسلام في أصوله: قال ابن أبان: أراد بالكتاب والسنة: القياس، والمراد بالسنة: ما ذكره بعد هذا من قول عمر، سمعت رسول الله. لكن هذا بعيد؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَسْكُنُوهُنَّ﴾ يدل على السكني صريحا. وقالت فاطمة: قال رسول الله: «لا سكنى ولا نفقة»، فيكون مخالفًا للكتاب في السكنى والنفقة أيضًا.
قال ابن حزم: حديث عمر مرسل، والمرسل حجة عند الأئمة الثلاثة وعند الشافعي؛ لأنه عمل به بعض الصحابة.
قال الطحاوي والرازي: وما احتج به عمر في دفع حديث فاطمة صحيح؛ لأنه تعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] إلى آخر ما ذكرنا من الآيات، فبين أن للمطلقة سكنى، ونهاها عن الخروج، ونهى الزوج عن إخراجها، ولم يفصل بين المطلقة للسنة التي لا رجعة عليها فيها، وبين المطلقة التي للسنة التي عليها الرجعة، فلما جاءت فاطمة وروت التفرقة بينهما خلاف ما روى عمر ﵁، وجاء الكتاب بخلافه، صح احتجاج عمر وبطل حديثها.
стр. 3500
وَرَدَّهُ أَيْضًا زَيْدُ بنُ ثَابِت وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ ﵃.
(وَرَدَّهُ)؛ أي: لحديث فاطمة (أسامة بن زيد).
روى مسلم وأبو داود والنسائي، أن فاطمة لما انقضت عدتها، ذكرت للنبي ﵇ أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم يخطباني، فقال ﵇: «أما أبو جهم؟؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، انكحي أسامة بن زيد» فكرهته، ثم قال ﵇: «انكحي أسامة» (١)، فنكحته، فجعل الله [لي] (٢) فيه البركة والخير واغتبطت.
وروى أن أسامة لما سمع منها هذا الحديث رماها بكل شيء في يده.
وعن عائشة قالت: تلك امرأة فتنت العالم بروايتها هذا الحديث.
وروى عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجابر، ومروان بن الحكم، وشريح، والشعبي، والثوري، والحسن بن حَيِيّ، والأسود بن زيد، وابن حنبل، وخلق كثير ممن تبعهم، وأنكره أصحاب ابن مسعود.
قال الشيخ أبو بكر الرازي: من شروط قبول خبر الواحد تعريه من نكير السلف، ولأنه اضطربت الروايات في رواية: طلقها ثلاث، وفي رواية: طلقها البتة، وهي رجعية عند الشافعي.
وفي رواية: مات عنها زوجها، فإنه جاء من ابن الوليد بن رشد أن فاطمة حين قتل زوجها أمرت أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم، ولهذا لم يخرجه البخاري، والاضطراب سبب سقوط الاحتجاج بالحديث؛ لما عرف في علم الحديث.
ذكره ابن الصلاح، ونص عليه ابن حزم في المحلّى.
وفي المبسوط: ولئن ثبت، فتأويله: أن زوجها خرج إلى اليمن ووكل أخاه بأن ينفق عليها خبز الشعير، فأبت ذلك، ولم يكن زوجها حاضرًا ليقضي عليه؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز عندنا (٣).
стр. 3501
(وَلَا نَفَقَةَ لِلمُتَوَفَّى عَنهَا زَوجُهَا) لِأَنَّ احْتِبَاسَهَا لَيسَ لِحَقِّ الزَّوجِ، بَلْ لِحَقِّ الشَّرعِ، فَإِنَّ التَّرَبُّصَ عِبَادَةٌ مِنهَا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ لا يدل على أنهن إذا كن حوامل لا ينفق عليهن، بوجوه:
أحدها: الإجماع على أنها لا تُخرَجُ الحامل بالطلاق الرجعي، فإنه ينفق عليها وإن لم تكن من أولات الأحمال بالإجماع، فكذا بالبائن.
والثاني: أن الحمل يطول، فأراد إعلامنا بوجوب النفقة وإن طالت مدة الحمل.
والثالث: إنما جاء النص في الحامل لشدة العناية بها لأجل حملها.
والرابع: أن تخصيص الشيء بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه على المختار، ولو كان مقيّدًا بشرط، فعند عدم الشرط لا ينعدم الحكم عندنا كما قرر في موضعه.
ولأن للحامل وجبت النفقة لا للحمل؛ بل للعدة، ولهذا لا تجب النفقة في مال الحمل لو كان له مال، بأن أوصى له به، ولا بتعدد النفقة بتعدد الحمل، ولو كانت أمة يجب نفقتها على الزوج، ونفقة الولد على السيد كما بعد الانفصال، ولأن النفقة والسكنى تعلقا بالنكاح، والعدة من حقوقه، فكما بقى باعتباره استحقاق السكني، فكذا النفقة.
قوله: (ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها) حاملا كانت أو حائلا، وبه قال أحمد والشافعي في قول، وهو قول ابن عباس، والحكم بن عتبة، وعطاء، وابن سيرين، وعبد الملك بن يعلي قاضي البصرة والحسن البصري، وعامر بن شعيب.
وفي قول آخر للشافعي: إن كان للميت مال كثير ينفق عليها من نصيبها، وإن كان قليلا ينفق عليها من جميع المال.
وفي وجوب السكنى له قولان، أحدهما: لا يجب كقولنا، وهو اختيار المزني. والثاني: يجب، وبه قال مالك.
стр. 3502
أَلَا تَرَى أَنَّ مَعنَى التَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَيسَ بِمُرَاعِى فِيهِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فيها الحَيضُ، فَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيئًا وَلَا مِلكَ لَهُ بَعدَ المَوتِ فَلَا يُمكِنُ إِيجَابُهَا فِي مِلكِ الوَرَثَةِ وَكُلُّ فُرقَة جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ المَرأَةِ بِمَعْصِيَة مِثْلِ الرِّدَّةِ وَتَقبِيلِ ابنِ الزَّوجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا صَارَت حَابِسَة نَفْسَهَا بِغَيْرِ حَقٌّ،
قوله: (حتى لا يشترط فيها الحيض) وكذا تجب العدة قبل الدخول، لكن يعارضها انقضاؤها بدون العلم بموته، قالوا: الفرق بين الطلاق قبل الدخول والوفاة قبله؛ أن النص عَرِيَ عن قيد الدخول، ولأنه لو كان حيًّا ربما ادعى الدخول، فاحتاطوا في إيجابها، بخلاف الطلاق.
قوله: (وكل فرقة جاءت من قبل المرأة بمعصية): قيد بقوله: (من قبل المرأة)؛ لأنها [لو] (١) جاءت من قبل الزوج توجب النفقة بعد الدخول، سواء كانت بمباح كالطلاق، وبمعصية كتقبيله بنتها بشهوة.
وقيد بقوله: (بمعصية)؛ لأنها لو صدرت من قبلها بغير معصية، كما إذا اختارت نفسها بالعتاق، أو بعدم الكفاءة، أو بخيار البلوغ بعد الدخول؛ فلها النفقة.
وقيد بقوله: (فلا نفقة لها) من غير تعرض للسكنى، فإن السكنى واجبة لها بأي فرقة كانت؛ لأن القرار في البيت مستحق عليها، فلا تسقط بمعصيتها، أما النفقة واجبة لها، فسقط ذلك بمجيء الفرقة من قِبلها بمعصية. إليه أشير في المبسوط.
وفي نفقات البرهانية: لو جامعها ابن الزوج مكرهة؛ تقع الفرقة ولا تسقط النفقة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام وشمس الأئمة: إنما تسقط نفقة المرتدة في العدة إذا أخرجت للحبس من بيت العدة، أما إذا أعيدت ولم تخرج من بيت الزوج للحبس؛ لا تسقط النفقة، ولهذا قال في الجامع: فلو عادت إلى بيتها مسلمة أو مرتدة؛ عادت نفقتها، بخلاف ما بعد اللحاق.
стр. 3503
فَصَارَت كَمَا إِذَا كَانَتْ نَاشِرَة، بِخِلَافِ المَهرِ بَعدَ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ وُجِدَ التَّسْلِيمُ فِي حَقِّ المَهرِ بِالوَاءِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا جَاءَت الفُرقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِغَيْرِ مَعْصِيَة، كَخِيَارِ العِتقِ وَخِيَارِ البُلُوغِ وَالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الكَفَاءَةِ، لِأَنَّهَا حَبَسَت نَفْسَهَا بِحَقِّ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، كَمَا إِذَا حَبَسَت نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ المَهرِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارتَدَّت، وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ مَكَّنَتِ ابْنَ زَوجِهَا مِنْ نَفْسِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) مَعْنَاهُ: مَكَّنَت بَعدَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الفُرقَةَ تَثْبُتُ بِالطَّلقَاتِ الثَّلَاثِ، وَلَا عَمَلَ فِيهَا لِلرِّدَّةِ وَالتَّمْكِينِ، إِلَّا أَنَّ المُرتَدَّةَ تُحبَسُ حَتَّى تَتُوبَ، وَلَا نَفَقَةَ لِلمَحبُوسَةِ، وَالمُمَكَّنَةُ لَا تُحْبَسُ فَلِهَذَا يَقَعُ الفَرقُ.
وفي الذخيرة: لو عادت إلى دار الإسلام فلها النفقة والسكني، فيحمل ما ذكر في الجامع على أنه [حكم] (١) بلحاقها.
وعن الشافعي وأحمد: لو عادت إلى الإسلام تعود نفقتها؛ لأنها لم تبن منه عندهما.
قوله: (سقطت نفقتها) في المبسوط (٢): سقطت لا لعين الردة؛ بل لأنها تحبس، والمحبوسة بحق لا تستوجب النفقة حال قيام النكاح، فكذا في العدة، حتى لو ارتدت ولم تحبس، بل هي في بيت الزوج، أو بانت فرجعت إلى بيت الزوج؛ فلها النفقة لعدم الحبس. أما [لو] (٣) مكَّنت أو ارتدت بعد طلاق الرجعي فحبست أولا؛ فلا نفقة لها، فكانت الفرقة حاصلة بمعصية، فصارت كما لو ارتدت حال قيام النكاح، ووقعت الفرقة وسقطت النفقة ثم أسلمت، لا تعود النفقة.
وفي الذخيرة والمعتدة إذا خرجت من بيت العدة سقطت نفقتها، وهذا عندنا ما دامت على النشوز، فإذا عادت إلى بيت الزوج لها النفقة والسكنى، كما في حال قيام النكاح.
стр. 3504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي شرح الطحاوي: الأصل أن كل امرأة كانت لها النفقة يوم طلقت، ثم صارت إلى حال لا نفقة لها يوم طلقت فليس لها نفقة أبدًا، فلها أن تعود وتأخذ النفقة. وكل امرأة لا نفقة لها يوم طلقت؛ فليس لها نفقة أبدًا. فلو طلقها وهي أمة طلاقًا بائنا، وقد كان بوأها المولى بيتا معه، ثم أخرجها المولى لخدمته؛ سقطت نفقتها، ولو أعادها المولى إلى بيت الزوج تأخذ النفقة. ولو لم يكن بوأها يوم طلقت، فأراد المولى أن يبوئها في العدة ليأخذ النفقة؛ لا يجب النفقة. وكذا لو ارتدت حال قيام النكاح وسقطت النفقة، ووقفت ثم أسلمت؛ فلا تعود النفقة.
ولو ارتدت في العدة ثم أسلمت فلها النفقة، إلا إذا ألحقت بدار الحرب على ما ذكرنا.
ولو قبلت ابن زوجها في العدة لا تسقط نفقتها، وكذلك السكني. ولو كانت ناشزة وقت الطلاق، وعادت إلى داره في العدة لها النفقة، وهذا يشكل على هذا الأصل.
والعذر: أن النفقة كانت واجبة لها، إلا أنها منعت نفسها عن حق واجب لها، فلها أن تعود وتأخذ النفقة. ولو أن المرأة تطاولت لها العدة؛ فلها النفقة والسكنى إلى أن تدخل حَدَّ الإياس.
فروع
أبرأته من النفقة في المستقبل وهي زوجة؛ لم يصح. ولو أبرأته عنها في عقد الخلع صح؛ لأن الإبراء في الخلع إبراء بعوض، وهو استيفاء، والاستيفاء قبل الوجوب. وفي الأول الإبراء إسقاط، والإسقاط قبل الوجوب لا يجوز.
ولو صالحت المعتدة عن نفقته العدة على دارهم، ينظر: إن كانت عدتها بالحيض؛ لا تصح لجهالتها، وإن كانت بالأشهر جاز الصلح؛ لأن المدة معلومة.
وفي الذخيرة: قال محمد: نفقة العدة كنفقة النكاح، ومن لا يستحق النفقة
стр. 3505
فَصْلٌ: [نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ]
(وَنَفَقَةُ الأُولَادِ الصِّغَارِ عَلَى الأَبِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ كَمَا لَا يُشَارِكُهُ فِي نَفَقَةِ الزَّوجَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَالمَولُودُ لَهُ هُوَ الْأَبُ (وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ رَضِيعًا فَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ أَنْ تُرْضِعَهُ)
حال النكاح لا يستحقها في العدة.
وقال الخصاف في نفقاته كل نكاح يتوارث الزوجان فيه بالزوجية؛ تجب النفقة في عدة الوفاة والطلاق بعد الوطء.
قال الإمام السرخسي: هذا الأصل غير سديد على أصل أبي حنيفة، فإن الذمي لو تزوج بأمة؛ فإنها تستحق النفقة عنده ولا يتوارثان بالزوجية، قيل: لا ينتقض الأصل الذي ذكره الخصاف بذلك؛ لأنه لم يقل: وما لا فلا. والنقض سؤال على العكس.
أجيب: ينتقض؛ لأن تخصص الحكم بأصل في الرواية يدل على انتفاء الحكم بانتفائه.
وللملاعنة النفقة والسكنى عندنا، وعند الشافعي لا نفقة لها. وفي السكنى قولان، في قول: لا يجب كالنفقة. وفي قول: يجب.
فصل
قوله: (لا يشاركه)؛ أي: لا يشارك الأب في نفقة الأولاد الصغار أحد، وهو ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة: أن نفقة الولد على الأب والأم أثلاثا بحسب ميراثها، وبإجماع الأئمة الأربعة تجب نفقة الولد الصغير على الأب، وظاهر الرواية أن في مؤنة الرضاع لا يشارك [الأب] (١) أحدٌ فكذا في النفقة، ولأن الأم في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] للاختصاص، فصار الولد كالعبد، ونفقة العبد على المولى لا يشاركه أحد، فكذا هنا. [كذا] (٢) في المبسوط (٣).