(وَلَا نَفَقَةَ لِلمُتَوَفَّى عَنهَا زَوجُهَا) لِأَنَّ احْتِبَاسَهَا لَيسَ لِحَقِّ الزَّوجِ، بَلْ لِحَقِّ الشَّرعِ، فَإِنَّ التَّرَبُّصَ عِبَادَةٌ مِنهَا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ لا يدل على أنهن إذا كن حوامل لا ينفق عليهن، بوجوه:
أحدها: الإجماع على أنها لا تُخرَجُ الحامل بالطلاق الرجعي، فإنه ينفق عليها وإن لم تكن من أولات الأحمال بالإجماع، فكذا بالبائن.
والثاني: أن الحمل يطول، فأراد إعلامنا بوجوب النفقة وإن طالت مدة الحمل.
والثالث: إنما جاء النص في الحامل لشدة العناية بها لأجل حملها.
والرابع: أن تخصيص الشيء بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه على المختار، ولو كان مقيّدًا بشرط، فعند عدم الشرط لا ينعدم الحكم عندنا كما قرر في موضعه.
ولأن للحامل وجبت النفقة لا للحمل؛ بل للعدة، ولهذا لا تجب النفقة في مال الحمل لو كان له مال، بأن أوصى له به، ولا بتعدد النفقة بتعدد الحمل، ولو كانت أمة يجب نفقتها على الزوج، ونفقة الولد على السيد كما بعد الانفصال، ولأن النفقة والسكنى تعلقا بالنكاح، والعدة من حقوقه، فكما بقى باعتباره استحقاق السكني، فكذا النفقة.
قوله: (ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها) حاملا كانت أو حائلا، وبه قال أحمد والشافعي في قول، وهو قول ابن عباس، والحكم بن عتبة، وعطاء، وابن سيرين، وعبد الملك بن يعلي قاضي البصرة والحسن البصري، وعامر بن شعيب.
وفي قول آخر للشافعي: إن كان للميت مال كثير ينفق عليها من نصيبها، وإن كان قليلا ينفق عليها من جميع المال.
وفي وجوب السكنى له قولان، أحدهما: لا يجب كقولنا، وهو اختيار المزني. والثاني: يجب، وبه قال مالك.
стр. 3502
أَلَا تَرَى أَنَّ مَعنَى التَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَيسَ بِمُرَاعِى فِيهِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فيها الحَيضُ، فَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيئًا وَلَا مِلكَ لَهُ بَعدَ المَوتِ فَلَا يُمكِنُ إِيجَابُهَا فِي مِلكِ الوَرَثَةِ وَكُلُّ فُرقَة جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ المَرأَةِ بِمَعْصِيَة مِثْلِ الرِّدَّةِ وَتَقبِيلِ ابنِ الزَّوجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا صَارَت حَابِسَة نَفْسَهَا بِغَيْرِ حَقٌّ،
قوله: (حتى لا يشترط فيها الحيض) وكذا تجب العدة قبل الدخول، لكن يعارضها انقضاؤها بدون العلم بموته، قالوا: الفرق بين الطلاق قبل الدخول والوفاة قبله؛ أن النص عَرِيَ عن قيد الدخول، ولأنه لو كان حيًّا ربما ادعى الدخول، فاحتاطوا في إيجابها، بخلاف الطلاق.
قوله: (وكل فرقة جاءت من قبل المرأة بمعصية): قيد بقوله: (من قبل المرأة)؛ لأنها [لو] (١) جاءت من قبل الزوج توجب النفقة بعد الدخول، سواء كانت بمباح كالطلاق، وبمعصية كتقبيله بنتها بشهوة.
وقيد بقوله: (بمعصية)؛ لأنها لو صدرت من قبلها بغير معصية، كما إذا اختارت نفسها بالعتاق، أو بعدم الكفاءة، أو بخيار البلوغ بعد الدخول؛ فلها النفقة.
وقيد بقوله: (فلا نفقة لها) من غير تعرض للسكنى، فإن السكنى واجبة لها بأي فرقة كانت؛ لأن القرار في البيت مستحق عليها، فلا تسقط بمعصيتها، أما النفقة واجبة لها، فسقط ذلك بمجيء الفرقة من قِبلها بمعصية. إليه أشير في المبسوط.
وفي نفقات البرهانية: لو جامعها ابن الزوج مكرهة؛ تقع الفرقة ولا تسقط النفقة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام وشمس الأئمة: إنما تسقط نفقة المرتدة في العدة إذا أخرجت للحبس من بيت العدة، أما إذا أعيدت ولم تخرج من بيت الزوج للحبس؛ لا تسقط النفقة، ولهذا قال في الجامع: فلو عادت إلى بيتها مسلمة أو مرتدة؛ عادت نفقتها، بخلاف ما بعد اللحاق.
стр. 3503
فَصَارَت كَمَا إِذَا كَانَتْ نَاشِرَة، بِخِلَافِ المَهرِ بَعدَ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ وُجِدَ التَّسْلِيمُ فِي حَقِّ المَهرِ بِالوَاءِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا جَاءَت الفُرقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِغَيْرِ مَعْصِيَة، كَخِيَارِ العِتقِ وَخِيَارِ البُلُوغِ وَالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الكَفَاءَةِ، لِأَنَّهَا حَبَسَت نَفْسَهَا بِحَقِّ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، كَمَا إِذَا حَبَسَت نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ المَهرِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارتَدَّت، وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ مَكَّنَتِ ابْنَ زَوجِهَا مِنْ نَفْسِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) مَعْنَاهُ: مَكَّنَت بَعدَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الفُرقَةَ تَثْبُتُ بِالطَّلقَاتِ الثَّلَاثِ، وَلَا عَمَلَ فِيهَا لِلرِّدَّةِ وَالتَّمْكِينِ، إِلَّا أَنَّ المُرتَدَّةَ تُحبَسُ حَتَّى تَتُوبَ، وَلَا نَفَقَةَ لِلمَحبُوسَةِ، وَالمُمَكَّنَةُ لَا تُحْبَسُ فَلِهَذَا يَقَعُ الفَرقُ.
وفي الذخيرة: لو عادت إلى دار الإسلام فلها النفقة والسكني، فيحمل ما ذكر في الجامع على أنه [حكم] (١) بلحاقها.
وعن الشافعي وأحمد: لو عادت إلى الإسلام تعود نفقتها؛ لأنها لم تبن منه عندهما.
قوله: (سقطت نفقتها) في المبسوط (٢): سقطت لا لعين الردة؛ بل لأنها تحبس، والمحبوسة بحق لا تستوجب النفقة حال قيام النكاح، فكذا في العدة، حتى لو ارتدت ولم تحبس، بل هي في بيت الزوج، أو بانت فرجعت إلى بيت الزوج؛ فلها النفقة لعدم الحبس. أما [لو] (٣) مكَّنت أو ارتدت بعد طلاق الرجعي فحبست أولا؛ فلا نفقة لها، فكانت الفرقة حاصلة بمعصية، فصارت كما لو ارتدت حال قيام النكاح، ووقعت الفرقة وسقطت النفقة ثم أسلمت، لا تعود النفقة.
وفي الذخيرة والمعتدة إذا خرجت من بيت العدة سقطت نفقتها، وهذا عندنا ما دامت على النشوز، فإذا عادت إلى بيت الزوج لها النفقة والسكنى، كما في حال قيام النكاح.
стр. 3504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي شرح الطحاوي: الأصل أن كل امرأة كانت لها النفقة يوم طلقت، ثم صارت إلى حال لا نفقة لها يوم طلقت فليس لها نفقة أبدًا، فلها أن تعود وتأخذ النفقة. وكل امرأة لا نفقة لها يوم طلقت؛ فليس لها نفقة أبدًا. فلو طلقها وهي أمة طلاقًا بائنا، وقد كان بوأها المولى بيتا معه، ثم أخرجها المولى لخدمته؛ سقطت نفقتها، ولو أعادها المولى إلى بيت الزوج تأخذ النفقة. ولو لم يكن بوأها يوم طلقت، فأراد المولى أن يبوئها في العدة ليأخذ النفقة؛ لا يجب النفقة. وكذا لو ارتدت حال قيام النكاح وسقطت النفقة، ووقفت ثم أسلمت؛ فلا تعود النفقة.
ولو ارتدت في العدة ثم أسلمت فلها النفقة، إلا إذا ألحقت بدار الحرب على ما ذكرنا.
ولو قبلت ابن زوجها في العدة لا تسقط نفقتها، وكذلك السكني. ولو كانت ناشزة وقت الطلاق، وعادت إلى داره في العدة لها النفقة، وهذا يشكل على هذا الأصل.
والعذر: أن النفقة كانت واجبة لها، إلا أنها منعت نفسها عن حق واجب لها، فلها أن تعود وتأخذ النفقة. ولو أن المرأة تطاولت لها العدة؛ فلها النفقة والسكنى إلى أن تدخل حَدَّ الإياس.
فروع
أبرأته من النفقة في المستقبل وهي زوجة؛ لم يصح. ولو أبرأته عنها في عقد الخلع صح؛ لأن الإبراء في الخلع إبراء بعوض، وهو استيفاء، والاستيفاء قبل الوجوب. وفي الأول الإبراء إسقاط، والإسقاط قبل الوجوب لا يجوز.
ولو صالحت المعتدة عن نفقته العدة على دارهم، ينظر: إن كانت عدتها بالحيض؛ لا تصح لجهالتها، وإن كانت بالأشهر جاز الصلح؛ لأن المدة معلومة.
وفي الذخيرة: قال محمد: نفقة العدة كنفقة النكاح، ومن لا يستحق النفقة
стр. 3505
فَصْلٌ: [نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ]
(وَنَفَقَةُ الأُولَادِ الصِّغَارِ عَلَى الأَبِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ كَمَا لَا يُشَارِكُهُ فِي نَفَقَةِ الزَّوجَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَالمَولُودُ لَهُ هُوَ الْأَبُ (وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ رَضِيعًا فَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ أَنْ تُرْضِعَهُ)
حال النكاح لا يستحقها في العدة.
وقال الخصاف في نفقاته كل نكاح يتوارث الزوجان فيه بالزوجية؛ تجب النفقة في عدة الوفاة والطلاق بعد الوطء.
قال الإمام السرخسي: هذا الأصل غير سديد على أصل أبي حنيفة، فإن الذمي لو تزوج بأمة؛ فإنها تستحق النفقة عنده ولا يتوارثان بالزوجية، قيل: لا ينتقض الأصل الذي ذكره الخصاف بذلك؛ لأنه لم يقل: وما لا فلا. والنقض سؤال على العكس.
أجيب: ينتقض؛ لأن تخصص الحكم بأصل في الرواية يدل على انتفاء الحكم بانتفائه.
وللملاعنة النفقة والسكنى عندنا، وعند الشافعي لا نفقة لها. وفي السكنى قولان، في قول: لا يجب كالنفقة. وفي قول: يجب.
فصل
قوله: (لا يشاركه)؛ أي: لا يشارك الأب في نفقة الأولاد الصغار أحد، وهو ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة: أن نفقة الولد على الأب والأم أثلاثا بحسب ميراثها، وبإجماع الأئمة الأربعة تجب نفقة الولد الصغير على الأب، وظاهر الرواية أن في مؤنة الرضاع لا يشارك [الأب] (١) أحدٌ فكذا في النفقة، ولأن الأم في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] للاختصاص، فصار الولد كالعبد، ونفقة العبد على المولى لا يشاركه أحد، فكذا هنا. [كذا] (٢) في المبسوط (٣).
стр. 3506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجه التمسك بهذه الآية في وجوب نفقة الأولاد: وهو أنه تعالى أوجب نفقة المرضعات على المولود له وهو الأب، بسبب إرضاع الولد؛ لما أن الحكم المرتب على اللفظ المشتق دليل على أن مأخذ الاشتقاق علة لذلك الحكم، كما في الزاني والسارق، فلما وجبت نفقتهن بسبب الإرضاع؛ كان إيجاب نفقة الولد عليه أولى (١).
والأظهر في التمسك: [ما تمسك] (٢) في المبسوط بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] والنفقة بعد الفطام بمنزلة مؤنة الرضاع قبل ذلك؛ إذ هما لا يتفارقان، فمتى وجبت عليه مؤنة الرضاع يجب عليه النفقة.
ولأن الولد جزؤه، فتكون نفقته عليه كنفقته على نفسه، ويجب نفقته على الأم إذا لم يكن له أب، أو معسر والأم موسرة عندنا. وبه قال الشافعي وأحمد.
وعن مالك: لا يجب عليها لعدم العصوبة لها ولولدها، فإذا وجبت عليها، هل ترجع الأم على الأب إذا أيسر؟
حكى ابن قدامة عن الأئمة الأربعة عدم الرجوع، وقال أبو يوسف ومحمد: ترجع.
وفي جوامع الفقه: إذا لم يكن [للأب] (٣) مال والجد أو الأم أو العم أو الخال موسر؛ يجبر على نفقة الصغير، ويرجع بها على الأب إذا أيسر، وكذا يجبر الأبعد إذا غاب الأقرب ثم يرجع، ولم يحك خلافا.
وفي نفقات الشهيد: خلع امرأته وغاب، وطالبت عم أولادها؛ فعلى العم ثلثا نفقتهم، وعلى الأم الثلث إذا كانا موسرين، ويكون دينا على الأب، يرجع كل منهما عليه إن كان بأمر الحاكم.
قال القاضي: هكذا إذا كانت الغيبة منقطعة. ونفقة الصغير على الجد والأم
стр. 3507
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الكِفَايَةَ عَلَى الأَبِ وَأُجْرَةَ الرَّضَاعِ كَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّهَا عَسَاهَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعُذرِ بِهَا، فَلَا مَعنَى لِلجَبرِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوله تَعَالَى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِإِلزَامِهَا الإِرْضَاعَ مَعَ كَرَاهَتِهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرنَا بَيَانُ الحُكم، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ يُوجَدُ مَنْ تُرضِعُهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ لَا تُوجَدُ مَنْ تُرْضِعُهُ تُجِبَرُ الْأُمُّ عَلَى الإرضَاعِ صِيَانَة لِلصَّبِيِّ عَنْ الضَّيَاعِ.
قَالَ: (وَيَسْتَأْجِرُ الأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا) أَمَّا اسْتِتَجَارُ الأَبِ فَلِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ، وَقَولُهُ: «عِنْدَهَا»: مَعنَاهُ إِذَا أَرَادَت ذَلِكَ لِأَنَّ الحَجَرَ لَهَا.
بقدر ميراثهما في ظاهر الرواية، وبه قال أحمد.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها على الجد وحده لجعله كالأب، وبه قال الشافعي.
قوله: (فلا معنى للجبر عليه)؛ أي: على الإرضاع، هذا إذا وجد من ترضعه [فإن لم يوجد ولم يكن بها علة؛ تجبر صيانة له عن الضياع.
وفي الذخيرة: لو كان لا يوجد من يرضعه] (١) أو لا يأخذ ثدي غيرها تجبر.
وذكر الحلواني: في ظاهر الرواية: لا تجبر؛ لأن الولد قد يتغذى بالدهن والشراب وبقية الألبان، فلا يؤدي ترك إجبارها على التلف، وإلى الأول مال القدوري والسَّرَخْسِي.
قوله: (وهذا الذي ذكرنا)؛ أي: عدم الجبر (بيان الحكم)؛ أي: بيان الحكم قضاء لا ديانة؛ لأن المستحق عليها بالنكاح تسليم النفس للاستمتاع، وما سوى ذلك من الأعمال تؤمر به ديانة ولا تجبر في الحكم، كغسل الثياب وكنس البيت والطبخ، فكذا في الإرضاع. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (لأن الحجر)؛ أي: التربية (لها) بحق الحضانة، ولا عليها أن تمكث في بيت الأم إلا أن يشترط ذلك عليها؛ بل لها أن ترضعه ثم ترجع إلى
стр. 3508
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا وَهِيَ زَوجَتُهُ أَوْ مُعتَدَّتُهُ لِتُرضِعَ وَلَدَهَا لَم يَجُز) لِأَنَّ الإِرْضَاعَ مُستَحَقُّ عَلَيْهَا دِيَانَة. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إِلَّا أَنَّهَا
منزلها، ويحمل الصبي معها إليه، أو تقول: أخرجوه، فترضعه عند فناء الدار، ثم تدخل الصبي إلى أمه. ذكره الشهيد.
وفي المغني: للزوج منعها من إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة، بأن لا يوجد غيرها، أو لا يأخذ ثدي غيرها، وهل له أن يمنعها من إرضاع ولدها منه؟
فيه وجهان: أحدهما: المنع كغير ولده، وبه قال الشافعي.
والثاني: ليس له منعها، وبه قال أصحابنا؛ إذ الإرضاع واجب عليها بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فإنه صيغة الخبر، ولا يصح حمل الآية على المطلقات؛ لأنه تخصيص بغير دليل.
فإن أجرت نفسها للإرضاع ثم تزوجت؛ فليس للزوج منعها من ذلك حتى تنقضي مدة الإجارة فسخها، فإذا نام الصبي أو اشتغل بغيرها؛ فله الاستمتاع بها، وليس لولي [الصبي] (١) منعه من ذلك، وبه قال الشافعي. وقال مالك: ليس له وطئها إلا برضاء الولي؛ لأنه ينقص اللبن.
قلنا: إذا جاز وطئها بإذن الولي تجوز بغير إذنه أيضًا بالعقد المشروع؛ لأن إذن الولي غير معتبر فيما يضر بالصبي.
ولو أجرت نفسها للإرضاع يجوز بإذن الزوج، وبغير إذنه لا يجوز؛ لأن الحق له، وهو أحد الوجهين للشافعية، والثاني: يجوز وله فسخها [إن شاء، وعندنا: له فسخها] (٢) إذا لم يعلم بها، وليس له منعه من وطئها، فإذا حبلت فله فسخها للضرر، كما لو مرضت.
ولو استأجر زوجته أو معتدته عن طلاق رجعي؛ لم يجز عندنا، وبه قال الشافعي. وقال أحمد: يجوز.
وقوله: (مستحق عليه ديانة. قال تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾)، وهذا أمر بصيغة الخبر.
стр. 3509
عُذِرَت لِاحْتِمَالِ عَجْزِهَا، فَإِذَا أَقدَمَت عَلَيْهِ بِالأَجرِ ظَهَرَت قُدرَتُهَا فَكَانَ الفِعْلُ وَاجِبًا
عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ أَخذُ الأَجْرِ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي المُعتَدَّةِ عَنْ طَلَاقَ رَجِعِي رِوَايَةٌ وَاحِدَة لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ، وَكَذَا فِي المَبْتُوتَةِ فِي رِوَايَة، وَفِي رِوَايَة أُخرَى: جَازَ اسْتِعْجَارُهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ. وَجهُ الأُولَى: أَنَّهُ بَاقٍ فِي حَقِّ بَعضِ الأَحكَامِ.
(وَلَو اسْتَأْجَرَهَا وَهِيَ مَنكُوحَتُهُ أَوْ مُعتَدَّتُهُ لِإِرْضَاعِ ابْنِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا (وَإِنْ انقَضَت عِدَّتُهَا فَاسْتَأْجَرَهَا) يَعْنِي: لِإِرْضَاعِ وَلَدِهَا (جَازَ) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ بِالكُلِّيَّةِ وَصَارَت كَالأَجنَبِيَّةِ فَإِنْ قَالَ الْأَبُ: لَا أَسْتَأْجِرُهَا وَجَاءَ بِغَيْرِهَا فَرَضِيَت الأُمُّ بِمِثْلِ أَجْرِ الأَجنَبِيَّةِ، أَوْ رَضِيَت بِغَيْرِ أَجْر كَانَتْ هِيَ أَحَقَّ لِأَنَّهَا أَسْفَقُ، فَكَانَ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ فِي الدَّفْعِ إِلَيْهَا (وَإِنْ التَمَسَت زِيَادَة لَم يُجبَرُ الزَّوجُ عَلَيْهَا) دفعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أَي بِإِلزَامِهِ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الأَجنَبِيَّةِ.
ولأن عقد النكاح للسكن، ولا سكن إلا بعد اجتماعهما على إقامة المصالح، ومن جملة ذلك الإرضاع؛ لأن أجر الإرضاع لحفظ الصبي، وحفظه من جملة نظافة البيت، إلا أنها عذرت لاحتمال عجزها.
(وفي المبتوتة)؛ أي: في العدة روايتان، في ظاهر الرواية: جاز استئجارها لانقطاع النكاح. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: لا يجوز.
وتعليل الشافعي: أن المنافع التي لها ملكه، فلا يجوز أن يعقد على بعض ملكه.
يرد عليهم: إن وُطِئَت بشبهة فالعقر لها، ولو كانت ملكه لوجب أن يكون بدلها له.
(وجه الأولى أنه)؛ أي: النكاح (باق في بعض الأحكام) وهي العدة، ووجوب النفقة، والسكنى، وعدم جواز دفع زكاته إليها، وشهادته لها، فلا يجوز استئجارها، كما في حال قيام النكاح.
قوله: (﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ﴾)؛ أي: الأب (﴿بِوَلَدِهِ﴾) قالوا: مضارة الأب بإلزام الزيادة على أجر المثل.
стр. 3510
(وَ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَبِيهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي دِينِهِ، كَمَا تَجِبُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ خَالَفَتْهُ فِي دِينِهِ) أَمَّا الوَلَدُ فَلِإِطْلَاقِ مَا تَلُونَا، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ العَقْدُ الصَّحِيحُ، فَإِنَّهُ بِإِزَاءِ الاحْتِبَاسِ الثَّابِتِ بِهِ، وَقَدْ صَحَّ العَقْدُ بَيْنَ المُسْلِمِ وَالكَافِرَةِ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الاحْتِبَاسُ فَوَجَبَت النَّفَقَةُ.
وَفِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا: إِنَّمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَالٌ،
وقوله: (وإن خالفه في دينه) بأن أسلم الابن بنفسه والأب كافر، أو على العكس، فإن إسلام الصبي العاقل وارتداده صحيح.
وفي المنافع صورته: أسلمت أمه؛ فيحكم بإسلامه تبعًا لأمه، خلافًا لمالك.
وإما أن يكون مسلمًا وولده صغير نصراني، فلا إمكان شرعًا؛ لإطلاق ما تلونا، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ الآية.
قوله: (للصغير مال) فإن النكرة في موضع النفي تعم جميع أجناس الأموال، حتى لو كان للصغير عقار وحيوان وثياب؛ للأب أن يبيع ذلك كله وينفق عليه؛ لأن الصغير غني بهذه الأشياء. كذا في الذخيرة.
ولو لم يكن للصغير مال؛ فللأب أن يكتسب وينفق على ولده، يجبر على ذلك ويحبس، وبه قال الشافعي، بخلاف سائر الديون، حيث لا يحبس، فإن الأب وإن علا لا يحبس في ديون الأولاد، وفي هذا الدين يحبس؛ لما أن في الامتناع عن الكسب إتلاف الروح، والأب يستوجب العقوبة عند قصده إتلاف ولده، كما لو عدا على ابنه بالسيف؛ كان للابن أن يقتله، بخلاف سائر الديون.
ولو كان عاجزًا عن الكسب بالزمانة، أو بأنه مقعد؛ يتكفف الناس وينفق عليهم. هكذا ذكر الخصاف في نفقاته.
ومن المتأخرين من قال: نفقة الأولاد في هذه الصورة في بيت المال؛ لأن نفقة هذا الأب في بيت المال، فكذا نفقة أولاده.
والصحيح: الذي له قوة العمل إلا أنه لا يحسن العمل؛ فنفقته على الأب؛ لأنه إذا كان لا يحسن العمل، فالناس لا يأمرونه بالعمل، فصار كالعاجز.
стр. 3511
أَمَّا إِذَا كَانَ فَالأَصلُ أَنَّ نَفَقَةَ الإِنسَانِ فِي مَالِ نَفْسِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.
فَصلٌ: [نَفَقَةُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَالخَادِمِ]
(وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُنفِقَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَأَجدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي دِينِهِ) أَمَّا الْأَبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]
قال الحلواني: الصحيح قد لا يقدر على العمل بحرفة، أو لكونه من أهل البيوتات، فيكون عاجزا عن الكسب، فكانت نفقته على الأب، وهكذا قالوا في طالب العلم إذا كان لا يهتدي إلى الكسب؛ لا تسقط نفقته عن الأب، كالزمن والأنثى. هذا كله من الذخيرة.
قوله: (وأما إذا كان) للصغير مال؛ فنفقته في ماله كما ذكرنا، وكذا أجرة رضاعه، وهذا بإجماع أهل العلم. وكذا ولد ولده وإن سفلوا.
وعن مالك: لا تجب نفقة الولد على الجد وبعض العلماء، حيث قال: نفقة الأولاد الصغار والكبار على الأب؛ لإطلاق الآية، ولحديث هند.
فصل
(وعلى الرجل): وفي المبسوط: يجبر الرجل الموسر على نفقة أبيه وأمه إذا كانا محتاجين (١)، وعلى أب الأب وإن علا، وعلى أب الأم وإن علا، وعلى أم الأب وإن علت، وعلى أم الأم وإن علت. وفيه خلاف كما ذكرنا.
(إذا كانوا فقراء) وشرط الشافعي في ذلك: أن يكون الأب زَمِنًا، ولم يوافقه أحد.
وفي التنبيه: تجب على الأولاد ذكورهم وإناثهم نفقة الوالدين وإن علوا، بشرط الفقر والزمانة، أو الجنون مع الصحة قولان، أصحهما: لا يجب.
قوله: ﴿مَعْرُوفًا﴾: وفسر النبي ﵇ حسن المصاحبة «بأن يطعمهما إذا جاعا ويكسوهما إذا عريا».
стр. 3512
نَزَلَت الآيَةُ فِي الأَبَوَينِ الكَافِرَينِ، وَلَيْسَ مِنْ المَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا، وَأَمَّا الأَجدَادُ وَالجَدَّاتُ فَلِأَنَّهُم مِنْ الْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَلِهَذَا يَقُومُ الجَدُّ مَقَامَ الأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَلِأَنَّهُم سَبَّبُوا لِإِحْيَائِهِ فَاسْتَوجَبُوا عَلَيْهِ الإِحيَاءَ بِمَنزِلَةِ الأَبَوَينِ. وَشُرِطَ الفَقْرُ لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَا مَالِ، فَإِيجَابُ نَفَقَتِهِ فِي مَالِهِ أُولَى مِنْ إِيجَابِهَا فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ لِمَا تَلُونَا (وَلَا تَجِبُ
(نزلت في حق الأبوين الكافرين) بدليل ما تقدم، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] الآية.
وفي المبسوط (١): قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ نهي عن التأفيف لمعنى الأذى، والأذى في منع النفقة عند حاجتهما أكثر، ولهذا يلزم نفقتهما وإن كانا قادرين على الكسب؛ لأن معنى الأذى في الكد والتعب أكثر منه في التأفيف، وقال ﵇: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، فكلوا من كسب أولادكم» (٢).
ولهذا قيل: الحديث بإطلاقه حجة على الشافعي في اشتراطه الزمانة أو الجنون.
قال الحلواني: إذا كان الأب قادرًا على الكسب؛ لا يجبر الابن على نفقته؛ لأنه كان غنيا باعتبار الكسب، فلا ضرورة في إيجاب النفقة على الغير.
وقال السَّرَخْسِي: إذا كان الابن قادرًا على الكسب؛ لا يجب نفقته على الأب، أما لو كان الأب قادرًا على الكسب؛ تجب على الابن نفقته؛ لما ذكرنا أن معنى الأذى في الكد والتعب أكثر منه في التأفيف.
قوله: (أولى من إيجابها في مال غيره): قال ﵇: «كُلْ مِنْ كَدِّ
стр. 3513
النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ إِلَّا لِلزَّوجَةِ، وَالأَبَوَينِ، وَالأَجدَادِ، وَالجَدَّاتِ، وَالوَلَدِ، وَوَلَدِ الوَلَدِ) أَمَّا الزَّوجَةُ فَلِمَا ذَكَرنَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهَا بِالعَقدِ لِاحْتِبَاسِهَا لِحَقِّ لَهُ مَقصُودٍ، وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِاتِّحَادِ المِلَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلِأَنَّ الجُزْئِيَّةَ ثَابِتَةٌ وَجُرْءَ المَرءِ فِي مَعنَى نَفْسِهِ، فَكَمَا لَا يُمتَنَعُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ لِكُفْرِهِ لَا يُمْتَنَعُ نَفَقَةُ جُزئِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا حَربِيِّينَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُم عَلَى المُسلِمِ وَإِنْ كَانُوا مُستَأمَنَينِ، لِأَنَّا نُهِينَا عَنِ البِرِّ فِي حَقٌّ مَنْ يُقَاتِلُنَا فِي الدِّينِ.
(وَلَا تَجِبُ عَلَى النَّصْرَانِي نَفَقَةُ أَخيه المُسلِمِ، وَكَذَا لَا تَجِبُ عَلَى المُسلِمِ نَفَقَةُ أَخِيهِ النَّصْرَانِي) لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالاِرثِ بِالنَّصَّ بِخِلَافِ العِتقِ عِنْدَ المِلكِ، لِأَنَّهُ
يمينك وعَرَقِ جبينِكَ» (١). ولأن الوجوب في مال الغير للعجز، فلا يثبت عند عدمه لما تلونا من النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وبه قال مالك والشافعي.
وفي المغني: لا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجات، وفي عمود النسب روايتان.
قوله: (إلا أنهم إذا كانوا حربيين)؛ يعني: لا يجبر المسلم أو الذمي على نفقة والديه وولده من أهل الحرب وإن استأمنوا في دارنا؛ لأن الاستحقاق بطريق الصلة على من هو في دارنا؛ ألا ترى أنهم لا يتوارثون وإن كانوا على ملة واحدة من الكفر. وكذا لا يثبت استحقاق النفقة لبعضهم على بعض. (لأنا نهينا): قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] الآية، والآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وإن كانت مطلقة، إلا أنا خصصناها بهذه الآية.
قيل: ويرد على هذا المبرة لأهل الحرب بالطعام والثياب.
قوله: (متعلقة بالإرث بالنص) وهو [قوله] (٢) تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ
стр. 3514
مُتَعَلِّقٌ بِالقَرَابَةِ وَالمَحرَمِيَّةَ بِالحَدِيثِ، وَلِأَنَّ القَرَابَةَ مُوجِبَةٌ لِلصِّلَةِ، وَمَعَ الاتِّفَاقِ فِي الدِّينِ آكَدُ وَدَوَامُ مِلكِ اليَمِينِ أَعلَى فِي القَطِيعَةِ مِنْ حِرمَانِ النَّفَقَةِ، فَاعْتَبَرنَا فِي الأعلَى أَصل العِلَّةِ، وَفِي الأَدْنَى العِلَّةَ المُؤَكَّدَةَ فَلِهَذَا افْتَرَقَا (وَلَا يُشَارِكُ الوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ) لِأَنَّ لَهُمَا تَأْوِيلًا فِي مَالِ الوَلَدِ بِالنَّصْ، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُمَا فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِمَا، فَكَانَ أَولَى بِاسْتِحْقَاقِ نَفَقَتِهِمَا عَلَيْهِ، وَهِيَ عَلَى الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ المَعنَى يَسْمَلُهُمَا.
ذلك﴾ ولا يجري الإرث بين المسلم والكافر.
قيل: الضابط عند الرحم والمحرمية والإرث بشرط، حتى وجبت على الخال والخالة والعمة دون ابن العم، والميراث له.
أجيب: أن المراد في صورة الإخوة أولا قرابة شرعًا باختلاف الدين، فيكون الإرث مستلزما للقربة.
قوله: (لا يشارك الولد) إلى آخره: كما لا يشارك الأب في نفقة ولده أحد في ظاهر الرواية (بالنص)، وهو قوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (١) والأم ملحقة به.
قوله: (هو الصحيح) احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة: أن النفقة بين الذكور والإناث أثلاثا، للذكر مثل حظ الانثيين على قدر الميراث، وعلى قياس نفقة ذوي الأرحام، وبه قال الشافعي وأحمد.
قال في الذخيرة والأول أظهر الروايتين، وهو الأصح (لأن المعنى) وهو الولاد (يشملهما)؛ إذ باعتبار الجزئية استحقاق النفقة ولأن استحقاق النفقة باعتبار حق الملك لهما في مال الولد، وفي الذكر والأنثى سواء، والإرث غير معتبر في حقهم، ولهذا وجبت نفقتهم مع اختلاف الدين ولا ميراث.
ولو اجتمع للفقير أب وابن؛ فالنفقة كلها على الابن عندنا. وعند أحمد على الأب. وللشافعية وجهان: أحدهما على الأب، والثاني: عليهما.
стр. 3515
(وَالنَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِم مَحرَم إِذَا كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً بَالِغَةٌ فَقِيرَةً، أَوْ كَانَ ذَكَرًا بَالِغَا فَقِيرًا زَمِنًا، أَوْ أَعْمَى) لِأَنَّ الصَّلَةَ فِي القَرَابَةِ القَرِيبَةِ وَاجِبَةٌ دُونَ البَعِيدَةِ، وَالفَاصِلُ أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مُحَرِّم،
قلنا: للأبوين تأويل في مال ولدهما بالنص، ولا تأويل لهما في مال الأب، ولو كان الولد معسرًا وهما معسران أيضًا فليس عليه نفقتهما؛ لاستوائهم في الحال، فلم يكن إيجاب نفقته على صاحبه أولى من الآخر.
وعن أبي يوسف: لو كان الأب زمنا وكسب الابن لا يفضل عن نفقته؛ فعليه أن يضم الأب إلى نفسه؛ لأنه لو لم يفعل ضاع الأب، ولو فعل لا يخشى عليه الهلاك، فالإنسان لا يهلك على نصف بطنه. كذا في المبسوط (١).
قال الشاعر (٢):
كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُم تَعَفُّوا
ولو قال الأب: ابني كسوب يترك العمل كيلا يفضل ما يعطيني؛ نظر القاضي وأجبره على النفقة.
قوله: (٣) (والنفقة لكل ذي رحم)؛ أي: واجبة.
وفي المبسوط: ويجبر على نفقة كل ذي رحم منه إذا كان فقيرًا (٤).
стр. 3516
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ﴿وَعَلَى الوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الحَاجَةِ وَالصِّغَرِ
وقال أحمد: تجب على كل وارث، وبه قال ابن أبي ليلى؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال الشافعي: لا تجب نفقة غير الوالدين والمولودين من الأقارب، كالأخوة والأعمام.
هو يقول: استحقاق النفقة في الولاد باعتبار الحرية، حتى لا يعتق أحد على أحد إلا الوالدين والمولودين عنده لا القرابة، ولهذا لا تجب نفقة ابن العم بالاتفاق، وحمل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على نفي المضارة دون النفقة، وكذا مروي عن ابن عباس.
ولنا: قول عمر وزيد بن ثابت أنهما قالا: "وعلى الوارث مثل ذلك في النفقة لا نفي "المضارة"؛ لأن نفي المضارة لا تختص بالوارث؛ بل تجب على غير الوارث، كما في الوارث على أن الكتابة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يكون للأبعد، وإذا أريد به الأقرب يقال (هذا)، فعرفنا أن ذلك ينصرف إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، إلا إنا شرطنا أن يكون القريب ذي الرحم المحرم، حتى لو كان للمعسر خال وابن عم فنفقته على خاله؛ لأنه محرم، ويحرز ميراثه ابن عمه بقراءة ابن مسعود ﴿وَعَلَى الوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ﴾ فقيد به المطلق؛ لأنه مشهور.
والمعنى: أن القرابة القريبة يفرض وصلها ويحرم قطعها، قال ﵇: «ثلاث معلقات بالعرش: النعمة والأمانة والرحم، تقول النعمة: كفرت ولا أشكر. وتقول الأمانة: خونت ولم أرد. وتقول الرحم: قطعت ولم أوصل» (١) وقد جعل الله تعالى قطيعة الرحم من الملاعن بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢].
стр. 3517
وَالأُنُوثَةِ وَالزَّمَانَةِ وَالعَمَى أَمَارَةُ الحَاجَةِ لِتَحَقَّقِ العَجزِ، فَإِنَّ القَادِرَ عَلَى الكَسبِ
ومنع النفقة مع يسار المنفق عليه يؤدي إلى قطيعة الرحم، ولهذا اختص ذوى الرحم المحرم؛ لأن [القرابة] (١) القريبة إذا بعدت لا يفرض وصلها، ولهذا لا تثبت بها المحرمية. كذا في المبسوط (٢).
ويؤيد مذهبنا ما رواه كليب بن منفعة عن جده، أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: «أمّكَ وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك، ورحم موصولة» (٣) رواه أبو داود.
وما رواه طارق المحاري أنه قال: قدمت المدينة والنبي ﵇ يخطب، وهو يقول: «يد المعطي العُليا وابدأ بمن تعولُ، أمَّكَ وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك» (٤). رواه النسائي.
وما في حديث [ابن] (٥) معاوية بن [حيدرة] (٦) القشيري قلت: يا رسول الله! من أبر؟ قال: «أَمَّكَ»، ثم من؟ قال: «أباك ثم الأقرب فالأقرب» (٧). رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن أبي هريرة، جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمَّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «أَمَّكَ» قال: ثم من؟ قال: «أباك» (٨) أخرجاه، وزاد مسلم: «ثم أدناك أدناك».
стр. 3518
غَنِيٌّ بِكَسبِهِ. بِخِلَافِ الأَبَوَينِ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُمَا تَعَبُ الكَسَبِ وَالوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفِعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمَا مَعَ قُدرَتِهِمَا عَلَى الكَسبِ. قَالَ: (وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ المِيرَاثِ وَيُجبَرُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ التَّنصِيصَ عَلَى الوَارِثِ تَنبِيهُ عَلَى اعْتِبَارِ المِقْدَارِ، وَلِأَنَّ الغُرمَ بِالغُنمِ وَالجَبَرَ لِإِيفَاءِ حَقٌّ مُسْتَحَقِّ.
وفي صحيح مسلم: «فإنَّ فَضِلَ عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك» (١).
قوله: (غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ): ذكر السَّرَخْسِي في شرح أدب القاضي للخصاف: أن الأب إذا كان كسوبا والابن أيضًا كسوبا؛ يجبر الابن على الكسب والنفقة عليه.
وقال الحلواني في شرحه له أيضًا: لا يجبر الابن على الكسب، واعتبره بذي الرحم المُحَرَّم، فإنه لا يستحق النفقة في كسب قريبه.
وفي ظاهر الرواية: في نفقة الوالدين يعتبر الفقر فقط لا الكسب. وقد تقدم شيء من ذلك.
(بخلاف الأبوين) فإنهما لا يكلفان بالكسب عندنا، خلافًا للشافعي، والولد مأمور بدفع الضرر عنهما، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ﴾ [الإسراء: ٢٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] [وليس من المعروف] (٢) والإحسان تعريضهما للكسب، وقد تقدم شيء من ذلك.
قوله: (حق مستحق)؛ أي: واجب.
مثاله: إذا كان له أخ، أو أخت لأبوين أو لأب؛ يجب النفقة عليهما أثلاثًا، ولو كانا لأم؛ يجب عليهما نصفين كإرثهما. ولو كان له أخ لأبوين، أو لأب وله أم؛ تجب النفقة أثلاثا، وإن كان الأخ لأم تجب أثلاثًا، الثلثان على الأم، وفي الأم والعم أثلاثًا إذا كان العم لأبوين أو لأب.
وكذا مع الأم وابن الأخ لأبوين أو لأب، ولو كان له أخ لأبوين أو لأب،
стр. 3519
قَالَ: (وَتَجِبُ نَفَقَةُ الابْنَةِ البَالِغَةِ وَالِابْنِ الزَّمِنِ عَلَى أَبَوَيْهِ أَثْلَاثًا، عَلَى الأَبِ الثُّلُثَانِ، وَعَلَى الأُمِّ الثُّلُثُ) لِأَنَّ المِيرَاثَ لَهُمَا عَلَى هَذَا المِقْدَارِ. قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رِوَايَةُ الخَصَّافِ وَالحَسَنِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: كُلُّ النَّفَقَةِ عَلَى الأَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَصَارَ كَالوَلَدِ الصَّغِيرِ.
وَوَجهُ الفَرقِ: عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى: أَنَّهُ اجْتَمَعَت لِلأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمَؤنَةٌ حَتَّى وَجَبَت عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ فَاحْتَصَّ بِنَفَقَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الوِلَايَةِ فِيهِ
وأخ أو أخت لأم؛ فالنفقة عليهما أسداسًا، وكذا في الجد والجدة، وكذا في الابن والأم، وبه قال أحمد.
وفي العم والعمة والخال؛ تجب على العم خاصة؛ لأنه الوارث فيرجح به، فإن كان العم معسرا؛ يجب على العمة خاصة؛ والخال أثلاثا؛ ثلثاها على العمة، وجعل المعسر كالميت.
ثم معنى قوله: (يجب على مقدار الميراث) (١) هو أن الميراث إذا ثبت بين ذوي الرحم المحرم ولم يتجاوز عنهم إلى غيرهم؛ كانت النفقة على ذي الرحم المحرَّم الذي لم يرث لا على وارث غير ذي رحم مُحَرَّم، كالخال وابن العم، فالنفقة على الخال؛ لأنه محرم، والميراث لابن العم؛ لأنه غير محرم. ذكره في المبسوط (٢).
ويقيده بقراءة ابن مسعود "على الوارث ذي الرحم المحرم" كما ذكرنا.
قوله: (وجه الفرق)؛ أي: بين نفقة الولد الصغير والولد الكبير الزمن.
قوله: (فاختص بنفقته)؛ لأنه باعتبار الولاية الكاملة صار بمنزلة نفسه. أما البالغ فليس للأب عليه ولاية ليصير في معنى نفسه، فاعتبر بسائر المحارم، فتكون نفقته بقدر ميراثه. وبرواية الحسن قال الشافعي.
وفي الابن المعسر والأخ الموسر يجب على الأخ عندنا.
стр. 3520
فَتُشَارِكُهُ الأُمُّ، وَفِي غَيْرِ الوَالِدِ يُعتَبَرُ قَدْرُ المِيرَاثِ حَتَّى تَكُونَ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ عَلَى الأُمِّ وَالجَدِّ أَثَلَاثًا، وَنَفَقَةُ الأَخِ المُعسِرِ عَلَى الأَخَوَاتِ المُتَفَرِّقَاتِ المُوسِرَاتِ أَحْمَاسًا عَلَى قَدرِ المِيرَاثِ، غَير أَنَّ المُعتَبَرَ أَهْلِيَّةُ الإِرثِ فِي الجُملَةِ لَا إِحْرَازُهُ، فَإِنَّ المُعسِرَ إِذَا كَانَ لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمِّ تَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى خَالِهِ وَمِيرَاثُهُ يُحْرِزُهُ ابْنُ عَمِّهِ (وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُم مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ) لِبُطَلَانِ أَهْلِيَّةِ الإِرْثِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ
وقال أحمد: لا شيء عليهما؛ لأن الأخ محجوب بالابن.
قوله: (أخماسا على قدر الميراث) ثلاثة الأخماس لأخت لأبوين، والخمس لأخت لأب، والخمس لأخت لأم، فكذا النفقة على هذا التفصيل.
قوله: (غير أن المعتبر أهلية الإرث) وقيد به؛ لأنه لو لم يكن أهلًا للإرث، بأن كان مخالفًا لدينه؛ لا تجب النفقة.
قوله: (لا إحرازه)؛ لأنه لا يعتبر الإحراز كما قلنا في الخال مع ابن العم، فإن الخال لا يحرز الميراث مع ابن العم، ومع ذلك كانت النفقة على الخال.
والحاصل: أن سبب استحقاق النفقة: المحرمية وقيام سبب الإرث، لا حرمان الإرث حالة النفقة، ولهذا تجب النفقة حال حياة القريب، والتوارث لا يجري حال الحياة، وقد وجد في المحرم قيام سبب الإرث، ولهذا لو مات ابن العم قبل الخال؛ كان الميراث للخال بسبب الإرث قائم، والأهلية باقية؛ لأنهما مسلمان ذكره في مبسوط شيخ الإسلام، والذخيرة.
(لا إحرازه)؛ [أي:] (١) لا إحراز الإرث كما قلنا، إذا كان له خال وابن عم؛ فنفقته على خاله، وميراثه لابن عمه.
وقال أحمد والظاهرية: المعتبر إحراز الإرث.
(ولا بد من اعتباره)؛ أي: اعتبار الإرث حتى لا يجب على النصراني نفقة أخيه المسلم، ولا على المسلم نفقة أخيه النصراني، بخلاف العتق عند الملك؛ لأنه متعلق بالقرابة بصفة المحرمية؛ لقوله ﵇: «من ملك ذا
стр. 3521
(وَلَا تَجِبُ عَلَى الفَقِيرِ) لِأَنَّهَا تَجِبُ صِلَة وَهُوَ يَسْتَحِقُهَا عَلَى غَيْرِهِ فَكَيْفَ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوجَةِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّهُ التَزَمَهَا بِالإِقْدَامِ عَلَى العَقدِ، إذ المَصَالِحُ لَا تَنتَظِمُ دُونَهَا، وَلَا يَعْمَلُ فِي مِثْلِهَا الإِعْسَارُ. ثُمَّ اليَسَارُ مُقَدَّرُ بِالنِّصَابِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِمَا يَفْضُلُ عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ شَهْرًا أَوْ بِمَا يَفْضُلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَسبِهِ الدَّائِمِ كُلَّ يَوم، لِأَنَّ المُعتَبَرَ فِي حُقُوقِ العِبَادِ وَإِنَّمَا هُوَ القُدرَةُ دُونَ النِّصَابِ فَإِنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ وَالفَتَوَى عَلَى الأَوَّلِ، لَكِنَّ النِّصَابَ نِصَابُ حِرمَانِ الصَّدَقَةِ.
رَحِمَ مُحَرَّمٌ مِنهُ عُتِقَ عَلَيْهِ» (١) وقد وجد.
وذكر الصدر الشهيد مسلم له ابن نصراني وأخ مسلم؛ نفقته على ابنه وإن لم يرثه. وكذا له بنت وأخت؛ نفقته على البنت لا على الأخت.
ولا يجبر على نفقة امرأة أبيه إذا لم يكن أخًا له، ولا على نفقة أم ولد أبيه؛ لأنه لا قرابة بينهما، إلا أن تكون بالأب علة، فيجبر على نفقة من يخدمه، كانت امرأته أو أم ولده.
وفي الجواهر: يجبر على نفقة امرأة أبيه. وقيل: لا يجبر، وبه قال داود الظاهري.
قوله: (والفتوى على الأول) وهو أن اليسار مقداره النصاب.
(لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة) وهو أن يملك ما فضل غير حاجته الأصلية، ما يبلغ مائتي درهم من أي مال كان. وهو الصحيح؛ لأن النفقة أشبه بصدقة الفطر منه بالزكاة، باعتبار معنى المؤنة ومعنى الصدقة؛ لأن النفقة مؤنة من كل وجه، والصدقة مؤنة من وجه، فلما لم يشترط في الصدقة؛ ففي الشيء الذي له مؤنة من كل وجه أولى أن لا يشترط نصاب الزكاة.
وعند الشافعية: وهو الذي يفضل عن قوته وقوت عياله ما يصرفه إلى قريبه.
стр. 3522
(وَإِذَا كَانَ لِلابْنِ الغَائِبِ مَالٌ قُضِيَ فِيهِ بِنَفَقَةِ أَبَوَيهِ) وَقَدْ بَيَّنَّا الوَجْهَ فِيهِ (وَإِذَا بَاعَ أَبُوهُ مَتَاعَهُ فِي نَفَقَتِهِ جَازَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانُ (وَإِنْ بَاعَ العَقَارَ لَم يَجُز) وَفِي قَوْلِهِمَا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ لِانْقِطَاعِهَا بِالبُلُوغِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ فِي حَالِ حَضرَتِهِ وَلَا يَمْلِكُ البَيعَ فِي دَين لَهُ سِوَى النَّفَقَةِ، وَكَذَا لَا تَمْلِكُ الأُمُّ فِي النَّفَقَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ لِلأَبِ وِلَايَةَ الحِفْظِ فِي مَالِ الغَائِبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلوَصِيِّ ذَلِكَ، فَالأَبُ أُولَى لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ، وَبَيعُ المَنقُولِ مِنْ بَابِ الحِفْظِ وَلَا كَذَلِكَ العَقَارُ، لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ بِنَفْسِهَا، وَبِخِلَافِ غَيْرِ الأَبِ مِنْ الأَقَارِبِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ أَصْلًا فِي التَّصَرُّفِ حَالَةَ
قوله: (وقد بينا الوجه فيه) وهو قوله: (ولا يقضى بنفقة في مال غائب إلا لهؤلاء) (١) إلى آخره.
قوله: (لا يجوز ذلك كله وهو القياس)، وفي الكافي: هذا الخلاف في بيع الأب، أما بيع غير الأب لا يجوز إجماعًا، وفي حال حضرة من يستحق عليه النفقة، ليس لأحد ممن يستحق النفقة بيع العروض والعقار إجماعًا، (لانقطاعها)؛ أي: لانقطاع ولاية الأب بالبلوغ، إلا فيما يبيعه تحصينا له، فللولي أو الأب بيع عروض الغائب تحصينا له، وبيعه هنا ليس للتحصين، بل لنفسه، وليس له هذه الولاية، ولهذا لا يملك البيع في دين سوى النفقة، ولا يقضي القاضي بذلك؛ لأن فيه قضاء على الغائب، فكذا في النفقة. وكذا لا تملكه الأم، واستحقاق النفقة للأم كاستحقاق الأب والأم لا تبيع عروضه، فكذا الأب.
قوله: (وبخلاف غير الأب) حيث لا يجوز لهم بيع العروض أيضًا.
ولكن ذكر في الذخيرة: ذكر في الأقضية جواز بيع الأبوين، وهكذا ذكر القدوري في شرحه، فإنه أضاف البيع إليهما، فتحمل أن تكون في المسألة رواتان.
وجه رواية الأقضية: أن معنى الولادة تجمعهما، وهما في استحقاق النفقة على السواء، ولئن كان على الإنفاق؛ فتأويل ما ذكر فيهما: أن الأب هو الذي
стр. 3523
الصِّغَرِ، وَلَا فِي الحِفظِ بَعدَ الكِبَرِ إِذَا جَازَ بَيعُ الأَبِ فَالثَّمَنُ مِنْ جِنسِ حَقِّهِ وَهُوَ النَّفَقَةُ فَلَهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنهُ، كَمَا لَو بَاعَ العَقَارَ وَالمَنقُولَ عَلَى الصَّغِيرِ جَازَ لِكَمَالِ الوِلَايَةِ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِنَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنسِ حَقِّهِ (وَإِنْ كَانَ لِلِابْنِ الغَائِبِ مَالٌ فِي يَدِ أَبَوَيْهِ وَأَنفَقَا مِنْهُ لَم يَضمَنَا لِأَنَّهُمَا اسْتَوفَيَا حَقَّهُمَا، لِأَنَّ نَفَقَتَهُمَا وَاجِبَةٌ قَبلَ القَضَاءِ عَلَى مَا مَرَّ وَقَدْ أَخَذَا جِنسَ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَأَنفَقَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ القَاضِي ضَمِنَ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الغَيرِ بِغَيْرِ وِلَايَةِ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ فِي
يتبع، لكن لمنفعتها، فأضيف البيع إليهما؛ لأنه بعد بيع الأب يصرف الثمن إليهما، وهذا هو الظاهر، فإن حوار بيع الأم بعيد.
قوله: (بغير إذن القاضي ضَمِنَ)؛ أي: في القضاء، أما ديانةً فلا ضمان عليه، حتى كان له أن يحلف بعد موت المودع أنه لا حق لورثته قبله؛ لأنه لم يُرِدْ بذلك غير الإصلاح.
وفي النوادر: إذا لم يكن في مكان يمكن استطلاع رأي القاضي؛ لا ضمان عليه استحسانًا.
وقد قالوا في رجلين كانا في سفر، فأغمي على أحدهما، فأنفق رفيقه عليه من ماله، أو مات فجهزه صاحبه من ماله؛ لا يضمن استحسانا. وكذا العبد المأذون له في التجارة إذا كان في بلاد بعيدة فمات مولاه، فأنفق على نفسه وما معه من الأمتعة والدواب؛ لا يضمن استحسانًا.
وكذا روى عن مشايخ بلخ أنهم قالوا: إذا كان للمسجد أوقاف، فلم يكن له مُتَوَلِّ، فقام رجل في أهل المحلة في جمع رَيعِ الأوقاف، وأنفق على مصالح المسجد فيما يحتاج إليه من شراء الزيت والحصير والحشيش؛ لا يضمن استحسانا وديانة.
وحكى عن محمد: أنه مات واحد من تلاميذه، فباع محمد كتبه وأنفق في تجهيزه. قيل له: إنه لم يوص بذلك لأحد، فتلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ذكر ذلك كله في الذخيرة.
وحكى أن جماعة من أصحاب محمد حَجُّوا، فمات واحد منهم، فأخذوا ما كان معه من قماش فباعوه، فلما وصلوا إلى محمد سألهم، فذكروا له ذلك،
стр. 3524
الحفظ لَا غَيْرُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَمَرَهُ القَاضِي لِأَنَّ أَمْرَهُ مُلزِمٌ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ. وَإِذَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى القَابِضِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِهِ.
(وَإِذَا قَضَى القَاضِي لِلوَلَدِ وَالوَالِدَينِ وَذَوِي الأَرْحَامِ بِالنَّفَقَةِ فَمَضَت مُدَّةٌ سَقَطَت) لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ تَجِبُ كِفَايَة لِلحَاجَةِ حَتَّى لَا تَجِبُ مَعَ اليَسَارِ وَقَدْ حَصَلَت بِمُضِيِّ المُدَّةِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوجَةِ إِذَا قَضَى بِهَا القَاضِي، لِأَنَّهَا تَجِبُّ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ بِحُصُولِ الاسْتِعْنَاءِ فِيمَا مَضَى. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ القَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ القَاضِيَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ، فَصَارَ إِذْنُهُ كَأَمْرِ الغَائِبِ، فَيَصِيرُ دَينَا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فقال: لو لم تفعلوا ذلك لم تكونوا فقهاء، والله يعلم المفسد من المصلح.
قوله: (سقطت) وهو قول الشافعي وأحمد.
وقوله: (إلا أن يأذن القاضي بالاستدانة) وإن كانت الاستدانة في نفقة ذوي الأرحام.
وذكر في زكاة الجامع: أن نفقة المحارم تصير دينا بالقضاء وتسقط، واختلف المشايخ فيه:
قيل: ما ذكر في الجامع: إذا استدان المقضي له بالنفقة وأنفق، فكانت الحاجة قائمة لقيام الدين، وما ذكره في غيره: إذا أنفق من غير الاستدانة، بل أكل من الصدقة أو بالمسألة، فلم تبق الحاجة بعد مضي المدة. وإليه مال السرخسي في كتاب النكاح.
وقيل: ما ذكر في سائر الكتب: ما إذا طالت المدة، وما ذكر في الجامع: ما قصرت المدة؛ فإنه يصير دينًا بالقضاء، وكيف لا يصير دينا والقاضي مأمور بالقضاء بالنفقة، ولو لم يَصِرْ دَينا لم يكن الأمر بالقضاء بالنفقة.
فائدة: والفاصل بين القليل والكثير: الشهر.
وفي الذخيرة: لو قضى للمرأة بنفقة شهر عشرة دراهم، فمضى الشهر وبقي شيء من العشرة؛ يفرض لها عشرة أخرى. ولو كان مثل هذا في الأقارب لا يقضي بأخرى؛ لأن نفقة الأقارب باعتبار الحاجة، فلما بقي شيء لا تحتاج إلى الأخرى. أما نفقة المرأة تستحق عوضًا عن الاحتباس والقاضي إنما جعل هذا المال
стр. 3525
فَصْلٌ: [النَّفَقَةُ عَلَى العَبْدِ وَالْأَمَة]
(وَعَلَى المَولَى أَنْ يُنفِقَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ) لِقَولِهِ ﷺ فِي المَمَالِيكِ: «إِنَّهُمْ
عوضًا عن احتباس مقدر، وقد انقضى وجاء احتباس آخر، فيقضي لها بأخرى.
ولو فرضت له النفقة والكسوة لوقت مقدر فهلكت النفقة أو سرقت، أو خرقت الكسوة، أو أكلت النفقة قبل الوقت ليس عليه أخرى. ولو فرض الكسوة أو النفقة للأقارب، فضاعت قبل مضي الوقت؛ يفرض لهم أخرى؛ لأن نفقتهم باعتبار الحاجة، وقد تجددت الحاجة، ونفقتها على وجه الكفاية عوضًا عن احتباسها، وبالضياع قبل مضي المدة لا يتبين أنها لم تكن كافية في ذلك المدة، ولم يتبين أنه لم يكن عوضًا.
فصل
(وعلى المولى أن ينفق على عبده وأمته): وهذا بإجماع العلماء، إلا عامر الشعبي.
والأصل في وجوب نفقتهما: حديث أبي ذر، أنه ﵇ قال: «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه؛ فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلّبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم». أخرجاه في الصحيحين.
وفي الباب أحاديث كثيرة في كتب الحديث. ولأن نفعهما له، فالعزم بالقيم.
ثم المستحب أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، وحديث أبي ذر محمول على الاستحباب.
وقال ابن شداد: قوله ﵇: «فليطعِمْهُ ممَّا يأكل» خرج مخرج الغالب، وفي الغالب أطعمتهم متساوية، وكذا كسوتهم.
وفي الذخيرة في ظاهر مذهب أصحابنا: لا يجبر الإنسان على نفقة غير الرقيق كالحيوانات، وغيرها كالدور والعقار والزروع والثمار، إلا أنه يكره تضييع المال.
وفيه: رجل له عبدا أو مدبر أو أمةٌ، أو مدبّرة أو أم ولد؛ يجبر على نفقتهم، فإن أبى؛ فكل من يصلح للإجارة يؤاجر وينفق عليه من أجرته، ومن لا
стр. 3526
إِخْوَانُكُم جَعَلَهُم اللَّهُ تَعَالَى تَحتَ أَيْدِيكُم، أَطْعِمُوهُم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُم مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» (فَإِنْ امْتَنَعَ وَكَانَ لَهُمَا كَسَبٌ اكْتَسَبَا وَأَنفَقَا) لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلجَانِبَينِ حَتَّى يَبْقَى المَملُوكُ حَيًّا وَيَبْقَى فِيهِ مِلكُ المَالِكِ وَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُمَا كَسَبٌ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا زَمِنًا أَوْ جَارِيَة لَا يُؤَاجَرُ مِثْلُهَا (أُجبِرَ المَولَى عَلَى بَيْعِهِمَا) لِأَنَّهُمَا من أهل الاستحقاقِ، وَفِي البَيعِ إِيفَاءُ حَقِّهِمَا وَإِبْقَاءُ حَقِّ المَولَى بِالخُلفِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوجَةِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ دَينا فَكَانَ تَأخِيرًا عَلَى مَا ذَكَرنَا، وَنَفَقَةُ المَمْلُوكِ لَا تَصِيرُ دَينَا فَكَانَ إِبْطَالًا، وَبِخِلَافِ سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ، لِأَنَّهَا لَيسَت مِنْ أَهلِ الاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُجبَرُ عَلَى نَفَقَتِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ تَعذِيبِ الحَيَوَانِ وَفِيهِ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ وَفِيهِ إِضَاعَتُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُجبَرُ، وَالأَصَحُ مَا قُلْنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
منفعة له لعذر صغر أو كبر أو زمانة، وما أشبه ذلك، ففي العبد والأمة يجبران على بيعهما، وفي الدابة لا يجبران.
ولو طلب من القاضي أن يأمره بالنفقة حتى لا يكون متطوعًا، فالقاضي يقول للآبي: إما أن تبيع نصيبك من الدابة، أو تنفق عليها رعاية لجانب الشريك. هكذا ذكره الخصاف.
وذكر السرخسي: أنه لا يجبر، قوله: (لأنهما من أهل الاستحقاق)؛ إذ لا بد للقضاء، فالإجبار من المقضى له والعبد يصلح، والحيوان لا يصلح.
قوله: (وعن أبي يوسف: أنه يجبر) في البهائم، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن فيه إضاعة المال وتعذيب الحيوان، وهما منهيان.
(والأصح ما قلنا) وهو أن القضاء بالإجبار إنما يصح إذا وجد المقضي له، والحيوان لا يصلح لذلك، ففات شرط القضاء، فامتنع القضاء، أما الرقيق من أهل الاستحقاق في الجملة على غير المولى، ويستحق حقوقًا على المولى كالمكاتب، وإن كان مملوكًا له.
стр. 3527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فروع
عبد صغير في يد رجل، فقال لغيره: هذا عبدك وديعة عندي، فأنكر؛ يستحلف بالله ما أودعه، ويقضي بنفقته على ذي اليد؛ لأنه أقر برقه، ولم يثبت لغيره، فبقي على حكم ملكه.
ولو كان كبيرًا لم يستحلف؛ لأنه في يد نفسه، والقول له في الرق والحرية، والنفقة تجب على من له المنفعة، مالكًا كان أو غير مالك.
مثاله: أوصى بجارية لإنسان، وبما في بطنها لآخر، فالنفقة على الموصى له بالجارية. ولو أوصى بالدار لإنسان، وسكناها لآخر، وهي تخرج من الثلث، فالنفقة على صاحب السكني؛ لأن المنفعة له. فإن قال صاحب السكني: قد انهدمت الدار، أنا أبنيها وأسكنها كان له ذلك، ولا يصير متبرعًا. ولأنه مضطر فيه؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا به، فصار كصاحب العلو مع صاحب السفل إذا انهدم السفل وامتنع صاحبه من بنائه.
وكذا لو أوصى بنخيلة لرجل، ولآخر بثمره، فالنفقة على صاحب الثمرة.
وفي التبن والحنطة إن بقي من ثلث ماله شيء، فالتخليص من ذلك المال، وإن لم يبق فالتخليص عليهما؛ لأن المنفعة عليهما. وفي السمسم أوصى بدهنه لواحد وشجيره لآخر؛ فالنفقة على صاحب الدهن.
وعن محمد: ذبح شاة، فأوصى بلحمها لواحد وبجلدها لآخر، فالتخليص عليهما، كالحنطة والتبن. وقبل الذبح أجرة الذابح على صاحب اللحم دون الجلد.
وفي شرح التكملة: يؤمر مالك البهائم بالإنفاق عليهما من العلف، وما يقوم نفسها به، ولا يجبر على بيعها.
وفي التنبيه: ينبغي أن تجب نفقة المبيع قبل القبض على المشتري، وتكون تابعة للملك كالمرهون والصحيح أن نفقته على البائع ما دام في يده.
وفي المغني: ولا يجبر العبد على الضريبة، فإن اتفقا على ذلك، وكان كثير من الصحابة يضربون الضرائب على عبيدهم. روى أن ألف مملوك للزبير، وعلى كل واحد منهم كل يوم درهم. والله أعلم.
стр. 3528
كِتَابُ العِتْقِ
كتاب العتاق
ذكر العتاق بعد الطلاق؛ لأنهما مبنيان على الإسقاط والسراية واللزوم، ولم يقبل العتق الفسخ كالطلاق، إلا أنه قدّم الطلاق على العتاق مع أنه غير مندوب إليه، والعتق مندوب إليه بمقابلة ذكر النكاح على ما ذكرنا.
العتاق والعتق: عبارتان عن القوة، يقال: عتق الطائر إذا قوي فطار عن وَكْرِهِ، ومنه عتاق الطير؛ لاختصاصها بزيادة القوة، والكعبة تسمى عتيقا؛ لاختصاصها بالقوة الدافعة للتملك عن نفسها.
وقيل قديما: لقوة سبقه.
وفي الطلبة: العتق: زوال الرق، من حد ضرب، وحقيقته القوة، والعتيق: الجميل، ومنه سُمِّي أبو بكر الصديق ﵁ عتيقا لجماله (١).
وقيل: لقدمه في الخير. وقيل: لعتقه من النار. وقيل: لشرفه. وقيل: قالت أمه حين وضعته: هذا عتيقك من الموت فهبه لي، وكانت لا يعيش لها ولد.
وقيل: لسمة العلم.
وفي الصحاح: العتق: الحرية، وكذا العتاق بفتح العين. والعبد عتيق؛ أي: معتق (٢).
وفي المغرب: العتق: الخروج عن المملوكية، وقد يقام العتق مقام الإعتاق، ومنه قول محمد: أنت طالق مع عتق مولاك إياك. وعتاق الخيل والطير كرائمها، ومدار التركيب على التقدم (٣).
стр. 3529
(والإِعْتَاقُ تَصَرُّفٌ مَندُوبٌ إِلَيْهِ، قَالَ ﷺ : «أَيُّمَا مُسلِم أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضو مِنهُ عُضوا مِنهُ مِنْ النَّارِ») وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يَعْتِقَ الرَّجُلُ العَبدَ، وَالمَرأَةُ
وفي المبسوط (١): الإعتاق لغة: إثبات القوة.
وفي الشرع: إثبات القوة الشرعية، بأن آية الضعف الشرعي والقوة الشرعية كونه أهلا للقضاء والولاية والشهادة، قادرًا على التصرف في الأغيار، وعلى دفع تصرف الأغيار عن نفسه، والحرية عبارة عن الخلوص.
ويقال: طير حرّ؛ أي: خالص عما يشوبه، وأرض حرة؛ أي: خالصة لا خراج عليها ولا عشر.
وفي الشرع: هي خلوص حكمي، يظهر في الآدمي، بانقطاع حق الأغيار عن نفسه، وإثبات هذا الوصف الحكمي يسمى إعتاقا وتحريرًا.
سببه في الإعتاق الواجب: ما شغل ذمته بوجوبه من النذور والكفارات.
وفي غير الواجب: أسباب كثيرة منها: الإعتاق ومنها: دعوى النسب، ومنها: الاستيلاد، ومنها: ملك القريب، ومنها: زوال يد الكافر عنه، ومنها: الإقرار بحريته، ومنها: دخوله في دار الحرب عند أبي حنيفة.
وشرطه: أن يكون المعتق حرّا، بالغا، عاقلا، مالكًا.
وركنه: ما ثبت به العتق من ألفاظه، الصريح والكناية.
وحكمه: زوال الرق والملك عنه.
وصفته: أنه مندوب إليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، لكنه ليس بعبادة، حتى يوجد بدون الاختيار، ويصح إعتاق الكافر.
قوله: (عضوا منهُ منَ النَّار حتَّى فرجَهُ بفَرجِهِ) (٢): هذا حديث متفق عليه، من حديث أبي هريرة، ويدل عليه الكتاب والإجماع والمعقول أيضًا.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ … فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢ - ١٣] إلى قوله ﴿أُولَئِكَ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٨]؛ جعل فك الرقبة من خصال أصحاب الميمنة.
стр. 3530
الأَمَةَ، لِيَتَحَقَّقَ مُقَابَلَةُ الأَعضَاءِ بِالأَعضَاءِ. قَالَ: (العِلْقُ يَصِحُ مِنْ الحُرِّ البَالِغِ العَاقِلِ فِي مِلْكِهِ) شَرطُ الحُرِّيَّةِ، لِأَنَّ العِتقَ لَا يَصِحُ إِلَّا فِي المِلكِ وَلَا مِلكَ لِلمَملُوكِ، وَالبُلُوغِ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيسَ مِنْ أَهْلِهِ لِكُونِهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الوَلِيُّ
وأما الإجماع: فظاهر.
وأما المعقول: فإنه يمكن المكلف من العبادة أجمع، والتأمل في آيات الآفاق والأنفس، فكان مطلوبًا ومندوبا إليه أشير في المبسوط، والمنثور وغيرهما. والأحاديث في فضيلته كثيرة.
وذكر البخاري في كتاب النذور: ينبغي أن لا يكون أشل ولا أعور ولا أصم، وغير ذلك؛ لينال بذلك ما وعد في الحديث بقوله: «حَتَّى الفرج بالفرج». وثبت في الحديث أنه ﵇ قال: «أفضلها: أعلاها» (١) رُوِيَ بعين مهملة، وبعين معجمة.
ولو كان العبد اليهودي أو النصراني أكثر ثمنا من المسلم؛ فإعتاق اليهودي أو النصراني أفضل من المسلم عند مالك لظاهر الحديث، وقال: إصبع المسلم أفضل، وهو الحق؛ لقوله ﵇: «أيما رجل أعتق مسلما» (٢).
وقال عبد الملك: أعلاها أغلاها ثمنا في ذوي الدين. ولو غلب على ظنه أنه لو أعتقه يذهب إلى دار الحرب أو يرتد، أو يخاف منه السرقة أو قطع الطريق؛ كان إعتاقه محرمًا، وينفذ عتقه.
وفي المحيط وغيرها: الإعتاق على ثلاثة أقسام: قربة، ومباح، ومعصية؛ فالقربة: لوجه الله تعالى، والمباح: هو العتق لزيد، [والمعصية:] (٣) الإعتاق لوجه الشيطان أو الصنم.
وعند الظاهرية: لا يعتق لهذا الوجه.
ومال العبد لمولاه عند الجمهور. وعند الظاهرية: للعبد بعد الإعتاق، وبه
стр. 3531
عَلَيْهِ، وَالعَقلِ لِأَنَّ المَجنُونَ لَيسَ بِأَهل لِلتَّصَرُّفِ، وَلِهَذَا لَو قَالَ البَالِغُ: أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ فَالقَولُ قَولُهُ، وَكَذَا إِذَا قَالَ المُعتِقُ: أَعتَقت وَأَنَا مَجْنُونٌ وَجُنُونُهُ كَانَ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الإِسْنَادِ إِلَى حَالَة مُنَافِيَة، وَكَذَا لَو قَالَ الصَّبِيُّ: كُلُّ مَمْلُوكَ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ إِذَا احتَلَمْتُ، لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَيسَ بِأَهل لِقَول مُلزِم، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ العَبدُ فِي مِلْكِهِ
قال الحسن، وعطاء، ومالك، والنخعي، والشعبي، وأهل المدينة.
روي عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «من أعتق عبدًا وله مال؛ فالمال للعبد» (١). رواه بن حنبل. وكان عمر إذا أعتق عبدا لم يتعرض لماله.
وللجمهور: ما روي عن ابن مسعود أنه قال لغلامه: "يا عمير، إني أريد أن أعتقك عتقا هنيئًا، فأخبرني بمالك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل أعتق عبده أو غلامَهُ فلم يخبره بماله؛ فماله لسيده». رواه الأثرم.
ويدل عليه: قوله ﵇: «من باع عبدًا وله مال فماله لبائعه» (٢).
وحديث ابن عمر ضعيف. قاله أحمد، ولهذا لم يعمل به، وعمل بحديث ابن مسعود.
وقال أبو الوليد: هذا الحديث خطأ، وفعل عمر ﵁ من باب التفضيل.
وقوله: «أعتقتُ وأنا صبي» دليل على أن الصبي والجنون منافيان للإعتاق.
أصله: الخبر الثابت: «رفع القلم … » (٣) الحديث.
قوله: ولا بد أن يكون العبد في ملكه وقت الإعتاق، وهو قول الجمهور من أهل العلم.
وقال مالك: لو أعتق عبدَ ابنِهِ الصغير عتق، ولا يعتق عبد ابنه الكبير،
стр. 3532
حَتَّى لَو أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَا يَنفُذُ عِتقُهُ لِقَولِهِ ﷺ : «لَا عِتَقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ».
(وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُعتَقٌ، أَوْ عَتِيقٌ، أَوْ مُحَرَّرٌ، أَوْ قَدْ حَرَّرتُكَ، أَوْ قَدْ أَعْتَقْتُكَ، فَقَد عَتَقَ نَوَى بِهِ العِتقَ أَوْ لَم يَنوِ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ صَرِيحَةٌ فِيهِ، لِأَنَّهَا مُستَعمَلَةٌ فِيهِ شَرعًا وَعُرفًا، فَأَعْنَى ذَلِكَ عَنِ النِّيَّةِ وَالوَضِعِ، وَإِنْ
وتعلق بقوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (١) ويبطل ذلك بالكبير.
ولأنه تعالى لما ورث الأب من مال ابنه السدس مع وجود ولد ولده؛ دل على أنه لا ملك له في سائره.
والمراد بالحديث: المبالغة في وجوب حقه عليه، ولهذا لو استولد جارية ولده؛ يجب عليه قيمتها، فدل أنه كالأجنبي. ولأن المقصود من ولاية الأب حفظ ماله لعجزه عن حفظه، وعن النظر فيه، وذلك يمنع تضييع ماله والتبرع به.
قوله: (لا ينفذ): ولم يقل: لا يصح؛ لأن إعتاق ملك الغير صحيح، وينفذ بإجازة المالك عندنا، ولا ينفذ بدون إجازته. قوله: (لأن هذه الألفاظ صريحة فيه)؛ أي: في الإعتاق، ولا خلاف فيه لأحد.
في المبسوط: الألفاظ التي يحصل بها العتق نوعان: صريح، وكناية. فالصريح: قوله لمملوكه وهبتُ نفسَكَ منكَ، أو بعتُ نفسَكَ مِنكَ؛ يعتق من غير نية ولا قبول (٢).
وفي الذخيرة في العتق والتحرير يعتق بغير نية، سواء ذكرهما على سبيل الإخبار، نحو أن يقول: أخبرتُكَ وحررتُكَ، أو الصفة، نحو: أنت حر وعتيق. وفي المحيط: أو الإشارة، نحو: هذا حرّ وهذا عتيق، أو النداء، نحو: يا حر.
والمراد بقوله: أو الصفة، في قوله: (أنت حر أو معتق)؛ خبران عن أنت، والمضمر لا يوصف، وعند الكوفيين: إن جاز وصفه لا يجوز هنا؛ لأنه يبقى بلا خبر.
стр. 3533
كَانَ فِي الإِخبَارِ فَقَد جُعِلَ إِنشَاء فِي التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِلحَاجَةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالبَيعِ وَغَيْرِهِمَا (وَلَو قَالَ: عَنَيتُ بِهِ الإِخبَارَ البَاطِلَ، أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ العَمَلِ صُدِّقَ دِيَانَهُ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ وَلَا يُديَّنُ قَضَاء لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَو قَالَ لَهُ يَا حُرُّ يَا عَتِيق يُعتَقُ) لِأَنَّهُ نِدَاءٌ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي العِتقِ، وَهُوَ لِاسْتِحْضَارِ المُنَادَى بِالوَصفِ المَذْكُورِ، هَذَا هُوَ حَقِيقَتُهُ فَيَقْتَضِي تَحَقَّقَ الوَصفِ فِيهِ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَقْضِي بِثُبُوتِهِ تَصْدِيقًا لَهُ فِيمَا أَخبَرَ،
ومراده بالوصف الخبر، فإن قوله: (حر) ذات قام بها الحرية، وهي وصف.
ثم قال محمد: أنت حر لوجه الله؛ عتق. قالوا: ذكر وجه الله ليس بشرط.
قال محمد: لو قال: أنت حر لوجه الشيطان؛ يعتق. ولو قال: أنت عتيق السن لا يعتق.
ولو قال: أنت حر النفس، يعني به: أخلاقك؛ عتق قضاء. وإن قال: في أخلاقك وأفعالك؛ لا يعتق. هكذا روى محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة، وقال: أما أنا فأرى أن يعتق إذا أراد به الحرية.
وعند أبي يوسف: يعتق بالنية، وهو قول الشافعي، وابن المسيب، والشعبي، وحماد.
وعن أحمد، وابن المسيب: إنه صريح، وهو بعيد، والظاهر قول محمد.
وفي المنهاج: صريحه: تحرير وإعتاق، وكذا فك رقبة [في] (١) الأصح، وهو قول مالك.
قيل: هذا خلاف قوله ﵇، فإنه قال: «فك الرقبة: أن تعين في عتقها» (٢)، جوابًا لمن قال: أليس هما واحدًا؟
стр. 3534
وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِلَّا إِذَا سَمَّاهُ حُرًّا ثُمَّ نَادَاهُ يَا حُرُّ، لِأَنَّ مُرَادَهُ الإعلامُ بِاسمِ عَلِمَهُ وَهُوَ مَا لَقَّبَهُ بِهِ. وَلَو نَادَاهُ بِالفَارِسِيَّةِ: يَا آزَادَ وَقَدْ لَقَّبَهُ بِالحُرِّ قَالُوا يُعتَقُ، وَكَذَا عَكسُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِدَاء بِاسم عَلِمَهُ فَيُعْتَبَرُ إِخْبَارًا عَنْ الوَصفِ.
وَكَذَا لَو قَالَ: رَأسُكَ حُرٌّ، أَوْ وَجهُكَ، أَوْ رَقَبَتُكَ، أَوْ بَدَنُكَ، أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ:
ولو قال لعبده: هذا عبد الله، أو يا عبد الله؛ لا يعتق؛ لأنه صادق.
وفي المرغيناني: قال لعبده: أعتقكَ؛ يعتق. وقيل: يعتق بالنية، والمختار: الأول.
ولو قال: العتاق عليك؛ يعتق. ولو قال: عتقك علي بعتق واجب؛ لا يعتق، بخلاف الطلاق.
والفرق: أن العتق قد يكون واجبًا بلا وقوع بالنذر والكفارة والوصية، والطلاق وجوبه بوقوعه.
ولو قال: تصبح حرا؛ فهو عتق مضاف إلى الغد. وإن قال: تقوم حرا أو تقعد حرا؛ يعتق في الحال.
قوله: (وسنقرره من بعد)؛ أي: في المسألة يا ابني.
قوله: (فيعتبر إخبارًا عن الوصف).
قيل: أن قوله: (حر) ليس بإخبار عنه بالوصف، بل إنشاء للحرية فيه إذا لم يكن عَلَمًا له، وقد أخذ على النحاة في قولهم: يا زيد، معناه: أناديك أو أدعوك.
أجيب: أن مراده الإخبار الذي هو إنشاء شرعا.
قوله: (وكذا لو قال: رأسك) إلى آخره.
في المنتقى: قال لعبده: ذكرك حر يعتق، [ولو قال: فرجك حر؛ يعتق كالأمة.
وعن محمد: لا يعتق؛ لأن فرجه لا] (١) يعبر به عن جميع البدن، بخلاف
стр. 3535
(فَرجُك حُرٌّ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، (وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزء شَائِع يَقَعُ فِي ذَلِكَ الجُزء)، وَسَيَأْتِيك الاخْتِلَافُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزء مُعَيَّن لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الجُملَةِ كَاليَدِ وَالرِّجلِ لَا يَقَعُ عِنْدَنَا خلافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَالكَلَامُ فِيهِ كَالكَلَامِ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(وَلَو قَالَ: لَا مِلكَ لِي عَلَيْكَ، وَنَوَى بِهِ الحُرِّيَّةَ عَتَقَ، وَإِنْ لَم يَنوِ لَم يُعتَق) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا مِلكَ لِي عَلَيْكَ لِأَنِّي بِعتُكَ، وَيُحْتَمَلُ لِأَنِّي أَعْتَقْتُكَ فَلَا يَتَعَيَّنُ
الأمة، قال ﵇: «لعن الله الفروج … » (١) الحديث.
ولو قال: يا حر؛ يعتق بالإجماع. ولو قال لأمته: فرجك حر عن الجماع؛ عتقت. وفي المحيط: لو قال: ذَكَرُكَ حُرٌّ أو استك [حرة] (٢)، أو قال لأمته؛ ذكر ابن سماعة أنه يعتق كالفرج. وقيل: لا يعتق، وهو الأصح؛ لعدم الاستعمال في التعيين بها عن جميع البدن، ومثله حُرُّكِ.
ولو قال: عنقك حرّ؛ قيل: لا يعتق كالدبر. وقيل: يعتق كالرقبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. ولو قال: لسانك حرّ؛ يعتق، وفي الدم روايتان.
وقوله: (خلافا للشافعي) ومالك وأحمد، ومرت المسألة في الطلاق.
ولو قال: أعتقت سنك أو ظفرك أو شعرك؛ لا يعتق عند الأئمة الأربعة.
وعن قتادة، والليث: لو أعتق ظفر عبده يعتق، وألزموها بالشعر والريق.
ولو قال له: هذا حر، يريد به: أنه عفيف كريم الأخلاق؛ يعتق ولا يصدق في القضاء. وعند أحمد: لا يعتق.
قوله: (وإن لم ينو لم يعتق).
وفي المغني: نص ابن حنبل أنه صريح، وكذا لا رق لي عليك.
стр. 3536
أَحَدُهُمَا مُرَادًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ. قَالَ: (وَكَذَا كِنَايَاتُ العِتقِ) وَذَلِكَ مِثْلُ قَولِهِ: خَرَجَتِ مِنْ مِلكِي وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيكِ وَلَا رِقَّ لِي عَلَيكِ وَقَدْ خَلَّيتُ سَبِيلَكِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفِيَ السَّبِيلِ وَالخُرُوجَ عَنْ المِلكِ وَتَخلِيَةُ السَّبِيلِ بِالبَيعِ أَوْ الكِتَابَةِ كَمَا يَحْتَمِلُ بِالعِتْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ، وَكَذَا قَولُهُ لِأَمَتِهِ: قَدْ أَطلَقتُكَ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ: خَلَّيتُ سَبِيلَكِ وَهُوَ المَروِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، بِخِلَافِ قَولِهِ: طَلَّقْتُكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَو قَالَ: لَا سُلطَانَ لِي عَلَيكِ، وَنَوَى العِلْقَ لَم يُعتَق) لِأَنَّ السُّلطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ اليَدِ، وَسُمِّيَ السُّلطَانُ بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِ، وَقَدْ يَبْقَى المِلكُ دُونَ اليَدِ كَمَا فِي المُكَاتَبِ، بِخِلَافِ قَولِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، لِأَنَّ نَفيَهُ مُطلَقًا بِانتِفَاءِ المِلكِ، لِأَنَّ لِلمَولَى عَلَى المُكَاتَبِ سَبِيلا
وقيل: روايتان فيهما.
قوله: (بخلاف قوله: طلقتك) حيث لا يثبت العتق وإن نوى؛ لأنه صريح في الطلاق، فلا يثبت به العتق، على ما يأتي بيانه.
قوله: (لأن السلطان عبارة عن اليد)؛ فيه تسامح، بل هو عبارة عن صاحب اليد والسلطنة.
قال أبو بكر الرازي: صرح الشيخ أبو الحسن الكرخي من الدنيا، والفرق بين السبيل والسلطان مشكل عليه، والفرق ما ذكره في الكتاب.
ووجه آخر: أن السلطان مشترك بين الحجة واليد، ونفي أحدهما لا يستدعي نفي الآخر، ونفي كل واحد منهما لا يستدعي نفي الملك، كما في الكتابة والإجارة، ونفي السبيل يستدعي نفي الملك، فكان نفي السبيل محتمل للعتق، وفي نفي السلطان [يحتمل، فاعتبر الأول دون الثاني.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: نفي السلطان] (١) من الكنايات، فيعتق بالنية، وليس ببعيد.
قوله: (لأن للمولى على المكاتب سبيلا)؛ أي من حيث مطالبة بدل
стр. 3537
فَلِهَذَا يَحْتَمِلُ العِتَقَ. (وَلَو قَالَ: هَذَا ابْنِي وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ عَتَقَ) وَمَعْنَى المَسأَلَةِ: إِذَا كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ ذَكَرَهُ بَعدَ هَذَا؛ ثُمَّ إِنْ لَم يَكُنْ لِلعَبْدِ نَسَبٌ مَعرُوفٌ، يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالمِلكِ ثَابِتَةٌ، وَالعَبدُ مُحتَاجٌ إِلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ، وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ النَّسَبُ إِلَى وَقتِ العُلُوقِ، وَإِنْ
الكتابة، حتى إذا انتفى ذلك عنه بالبراءة عتق. ذكره في المبسوط (١).
وفي الينابيع: لا سلطان لي عليك [ونوى العتق؛ لا يعتق. وقيل: يعتق.
وفي التحفة وغيرها: قال: اذهب حيث شئت أو قال: توجه حيث شئت من البلاد ونوى العتق؛ لا يعتق، كما في قوله: (لا سلطان لي عليك)] (٢).
وفي المغني: اذهب حيث شِئتَ؛ كناية.
وفي المحيط: لا حق لي عليك ونوى العتق؛ عتق عند أبي حنيفة ومحمد، والحق: الملك، حتى لو قال: لفلان حق في هذا؛ يجبر على تعيينه.
وفي جوامع الفقه: لا يعتق وإن نوى، كقوله: اذهب حيث شئت، وفي (أنت عتاق) أو (أنت حرية) تعتبر النية.
ولو قال: لا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء؛ يعتق في القضاء.
وفي قوله: (إلا سبيل الموالاة) دين في القضاء؛ لأنه يراد به الموالاة في الدين.
قوله: (وثبت على ذلك عتق).
قيل: هذا القيد اتفاقي؛ لأنه ذكر في الينابيع: الثبوت على الإقرار ليس بلازم، ولهذا لم يذكر هذا اللفظ في المبسوط.
وقيل: ذكر في شرح بدر الدين الرازي للقدوري أنه شرط، حتى يعتق بدونه.
وقيل: قال في شرح القدوري لا في المفصل أنه أراد، وثبت ذلك أنه لم يَدَّعِ به الكرامة والشفقة، حتى لو ادعى ذلك يصدق.
стр. 3538
كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعرُوفٌ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ لِلتَّعَذُّرِ وَيُعتَقُ إِعمالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَدُّرِ إِعْمَالِهِ بِحَقِيقَتِهِ، وَوَجهُ المَجَازِ نَذكُرُهُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَو قَالَ: هَذَا مَولايَ، أَوْ يَا مَولايَ عَتَقَ)، أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ اسمَ المَولَى وَإِنْ كَانَ يَنتَظِمُ النَّاصِرَ وَابْنَ العَمِّ وَالمُوَالَاة فِي الدِّينِ وَالأَعْلَى وَالأَسْفَلَ فِي العَتَاقَةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَعَيَّنَ الأَسْفَلُ فَصَارَ كَاسم خَاصٌ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ المَولَى لَا يَسْتَنصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةٍ وَلِلعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَانتَفَى الأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَالثَّالِثُ نَوعُ مَجَاز، وَالكَلَامُ لِلحَقِيقَةِ وَالإِضَافَةُ
وفي أصول فخر الإسلام: الثبات على ذلك شرط لثبوت النسب لا للعتق. كذا ذكره في النهاية.
وفي المحيط وجامع شمس الأئمة والمجتبى: ليس هذا بقيد، حتى لو قال بعد قوله: هذا ابني أوهِمْتُ أو أخطأتُ؛ يعتق ولا يصدق.
ولو قال لأجنبية يولد مثلها لمثله: هذه بنتي وتزوجها بعد ذلك؛ جاز، أصر على ذلك أم لا.
قالوا: هذا الجواب في معروفة النسب، أما في مجهولة النسب، إن دام على ذلك ثم تزوجها لم يجز، وإلا جاز.
وقال صاحب المجتبى: عرف بهذا أن الثبوت على ذلك شرط في الفرقة، وامتناع جواز النكاح دون العتق.
قوله: (ولو قال: هذا مولاي، أو يا مولاي يعتق)؛ [أي:] (١) بغير نية.
وقال زفر: لا يعتق بغير النية، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن المولى ينتظم المعاني، فيحتاج إلى النية.
(وإن كان ينتظم الناصر) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ … لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] (وابن العم) قال تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي﴾ [مريم: ٥].
(وللعبد نسب معروف)؛ إذ الكلام فيه، ولا واسطة.
стр. 3539
إِلَى العَبدِ تُنَافِي كَونَهُ مُعتَقًا فَتَعَيَّنَ المَولَى الأَسفَلُ فَالتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ مَولَاتِي لِمَا بَيَّنَّا، وَلَو قَالَ: عَنَيت بِهِ المَولَى فِي الدِّينِ أَوْ الكَذِبَ يُصَدَّقُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُصَدَّقُ فِي القَضَاءِ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ الأَسفَلُ مُرَادًا التَحَقَ بِالصَّرِيحِ وَبِالنِّدَاءِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ يُعتَقُ بِأَنْ قَالَ: يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ فَكَذَا النِّدَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُعتَقُ فِي الثَّانِي، لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الإِكْرَامَ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي. قُلْنَا: الكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ وَقَدْ أَمْكَنَ العَمَلُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَختَصُّ بِالعِيقِ فَكَانَ إكراما محضًا.
قيل: يرد على تعليل الكتاب قوله: (لا ملك لي عليك) وجب أن يتعين العتق فيه بلا نية، إذا لم يوجد منه البيع سابقا.
أجيب: بأن قوله: (لا) ملك لي عليك يحتمل باعتبار أنه أعتقه، أو باعتبار أنه باعه، وباعتبار أنه ملكه لآخر، فلا بد من النية ليتعين المراد.
قيل: اسم المولى ينطلق على ثلاثة وعشرين معنى، الخمسة منها المذكورة في الكتاب، ويطلق على الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمنعم عليه بغير إعتاق، والعبد، والمحب، والبائع والجار والحليف، والصهر، والعقيل. ذكره ابن الأثير.
والموضع الذي تكون فيه الحرب، والولي، والوارث، وابن الأخت، والشريك، والمسلط.
في مجمع البحرين: لكن المعاني في البعيدة لا يعرفها كل أحد، ولا تخطر ببال سيد العبد، فلا اعتبار بها؛ فتعين ما ذكره صاحب الكتاب. وفيه نوع تأمل.
قوله: (بخلاف ما ذكره) وهو قوله: (يا سيدي يا مالكي)؛ يعني: لا يثبت بهذين اللفظين صفة في العبد من جهة المنادى؛ لأنه لو ثبت بهما الحرية؛ لا يكون العبد سيدًا ولا مالكًا لمولاه، فحينئذ يحمل على الإكرام واللطف.
أما بقوله: (يا مولاي) يثبت صفة في العبد من جانبه، وهو إثبات ولاية عليه، وذلك لا يكون إلا بسابقة العتق، وهو ولاء العتاقة؛ لأنه مما يمكن إثباته في الحال من جانب المنادى، ولم يحمل على مولى الموالاة؛ لما ذكرنا أنه
стр. 3540
(وَلَو قَالَ: يَا ابني، أَوْ يَا أَخِي لَم يَعتِق) لِأَنَّ النِّدَاءَ لِإِعْلَامِ المُنَادَى، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَانَ بِوَصف يُمكِنُ إِنبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِتَحقِيقِ ذَلِكَ الوَصفِ فِي المُنَادَى استحصارًا لَهُ بِالوَصفِ المَخصُوصِ كَمَا فِي قَولِهِ: يَا حُرُّ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا كَانَ النَّدَاءُ بِوَصف لَا يُمكِنُ إِثباتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلإِعْلَامِ المُجَرَّدِ.
كالمجاز، أو أنه لم يجز عقد المولاة بينه وبين عبده. وفي الواقعات: قال: (سيدي) أو (يا سيد)، إن نوى العتق عتق، وإن لم ينو؛ قيل: يعتق. وقيل: لا يعتق وقيل: يعتق في (سيدي)، ولا يعتق في (يا سيد). والمختار: أنه لا يعتق. وفي الحاوي: قال الحسن بن أبي مطيع: يعتق في (يا سيدي)، ولا يعتق في (يا سيد).
وقال نصير: لا يعتق فيهما إلا بالنية.
وفي النهاية: قال القاضي: لا يعتق بالنية. وقال: والذي أراه كناية.
قوله: (ولو قال: يا ابني يا أخي) إلى آخره.
في المحيط: لا يعتق بالنداء إلا في خمسة ألفاظ في رواية الحسن عن أبي حنيفة: يا ابني يا ابنتي يا عتيق، يا حر، يا مولاي.
وذكر محمد: لا يعتق بالنداء إلا في ثلاثة ألفاظ: يا حر، يا عتيق، يا مولاي. وهذا هو المذكور في الكتاب.
ووجهه: أن النداء لإعلام المنادى واستحضاره، ولهذا بني المنادى المفرد لوقوعه موقع كاف الخطاب في: أدعوك أو أناديك. ومنع ابن مالك وقال: إنما بني لوقوعه موضع (إياك)؛ لأنه سمع (إياك). ولأنه لو كان باعتبار وقوعه موقع الكاف؛ لم يعرف المستغاث به والمتعجب منه؛ لأن اللام الداخلة عليهما تدخل على الكاف.
قوله: (لا يمكن إثباته من جهته كان للإعلام المجرد)؛ لأنه لما تعلق به حدّ أو تقرير، حتى لو تعلق يجب عليه، وإذا لم يتعلق به شيء من ذلك؛ كان لاستحضار المنادى وإقباله، فلا يعتق.