أَحَدُهُمَا مُرَادًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ. قَالَ: (وَكَذَا كِنَايَاتُ العِتقِ) وَذَلِكَ مِثْلُ قَولِهِ: خَرَجَتِ مِنْ مِلكِي وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيكِ وَلَا رِقَّ لِي عَلَيكِ وَقَدْ خَلَّيتُ سَبِيلَكِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفِيَ السَّبِيلِ وَالخُرُوجَ عَنْ المِلكِ وَتَخلِيَةُ السَّبِيلِ بِالبَيعِ أَوْ الكِتَابَةِ كَمَا يَحْتَمِلُ بِالعِتْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ، وَكَذَا قَولُهُ لِأَمَتِهِ: قَدْ أَطلَقتُكَ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ: خَلَّيتُ سَبِيلَكِ وَهُوَ المَروِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، بِخِلَافِ قَولِهِ: طَلَّقْتُكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَو قَالَ: لَا سُلطَانَ لِي عَلَيكِ، وَنَوَى العِلْقَ لَم يُعتَق) لِأَنَّ السُّلطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ اليَدِ، وَسُمِّيَ السُّلطَانُ بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِ، وَقَدْ يَبْقَى المِلكُ دُونَ اليَدِ كَمَا فِي المُكَاتَبِ، بِخِلَافِ قَولِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ، لِأَنَّ نَفيَهُ مُطلَقًا بِانتِفَاءِ المِلكِ، لِأَنَّ لِلمَولَى عَلَى المُكَاتَبِ سَبِيلا
وقيل: روايتان فيهما.
قوله: (بخلاف قوله: طلقتك) حيث لا يثبت العتق وإن نوى؛ لأنه صريح في الطلاق، فلا يثبت به العتق، على ما يأتي بيانه.
قوله: (لأن السلطان عبارة عن اليد)؛ فيه تسامح، بل هو عبارة عن صاحب اليد والسلطنة.
قال أبو بكر الرازي: صرح الشيخ أبو الحسن الكرخي من الدنيا، والفرق بين السبيل والسلطان مشكل عليه، والفرق ما ذكره في الكتاب.
ووجه آخر: أن السلطان مشترك بين الحجة واليد، ونفي أحدهما لا يستدعي نفي الآخر، ونفي كل واحد منهما لا يستدعي نفي الملك، كما في الكتابة والإجارة، ونفي السبيل يستدعي نفي الملك، فكان نفي السبيل محتمل للعتق، وفي نفي السلطان [يحتمل، فاعتبر الأول دون الثاني.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: نفي السلطان] (١) من الكنايات، فيعتق بالنية، وليس ببعيد.
قوله: (لأن للمولى على المكاتب سبيلا)؛ أي من حيث مطالبة بدل
стр. 3537
فَلِهَذَا يَحْتَمِلُ العِتَقَ. (وَلَو قَالَ: هَذَا ابْنِي وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ عَتَقَ) وَمَعْنَى المَسأَلَةِ: إِذَا كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ ذَكَرَهُ بَعدَ هَذَا؛ ثُمَّ إِنْ لَم يَكُنْ لِلعَبْدِ نَسَبٌ مَعرُوفٌ، يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالمِلكِ ثَابِتَةٌ، وَالعَبدُ مُحتَاجٌ إِلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ، وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ النَّسَبُ إِلَى وَقتِ العُلُوقِ، وَإِنْ
الكتابة، حتى إذا انتفى ذلك عنه بالبراءة عتق. ذكره في المبسوط (١).
وفي الينابيع: لا سلطان لي عليك [ونوى العتق؛ لا يعتق. وقيل: يعتق.
وفي التحفة وغيرها: قال: اذهب حيث شئت أو قال: توجه حيث شئت من البلاد ونوى العتق؛ لا يعتق، كما في قوله: (لا سلطان لي عليك)] (٢).
وفي المغني: اذهب حيث شِئتَ؛ كناية.
وفي المحيط: لا حق لي عليك ونوى العتق؛ عتق عند أبي حنيفة ومحمد، والحق: الملك، حتى لو قال: لفلان حق في هذا؛ يجبر على تعيينه.
وفي جوامع الفقه: لا يعتق وإن نوى، كقوله: اذهب حيث شئت، وفي (أنت عتاق) أو (أنت حرية) تعتبر النية.
ولو قال: لا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء؛ يعتق في القضاء.
وفي قوله: (إلا سبيل الموالاة) دين في القضاء؛ لأنه يراد به الموالاة في الدين.
قوله: (وثبت على ذلك عتق).
قيل: هذا القيد اتفاقي؛ لأنه ذكر في الينابيع: الثبوت على الإقرار ليس بلازم، ولهذا لم يذكر هذا اللفظ في المبسوط.
وقيل: ذكر في شرح بدر الدين الرازي للقدوري أنه شرط، حتى يعتق بدونه.
وقيل: قال في شرح القدوري لا في المفصل أنه أراد، وثبت ذلك أنه لم يَدَّعِ به الكرامة والشفقة، حتى لو ادعى ذلك يصدق.
стр. 3538
كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعرُوفٌ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ لِلتَّعَذُّرِ وَيُعتَقُ إِعمالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَدُّرِ إِعْمَالِهِ بِحَقِيقَتِهِ، وَوَجهُ المَجَازِ نَذكُرُهُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَو قَالَ: هَذَا مَولايَ، أَوْ يَا مَولايَ عَتَقَ)، أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ اسمَ المَولَى وَإِنْ كَانَ يَنتَظِمُ النَّاصِرَ وَابْنَ العَمِّ وَالمُوَالَاة فِي الدِّينِ وَالأَعْلَى وَالأَسْفَلَ فِي العَتَاقَةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَعَيَّنَ الأَسْفَلُ فَصَارَ كَاسم خَاصٌ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ المَولَى لَا يَسْتَنصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةٍ وَلِلعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَانتَفَى الأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَالثَّالِثُ نَوعُ مَجَاز، وَالكَلَامُ لِلحَقِيقَةِ وَالإِضَافَةُ
وفي أصول فخر الإسلام: الثبات على ذلك شرط لثبوت النسب لا للعتق. كذا ذكره في النهاية.
وفي المحيط وجامع شمس الأئمة والمجتبى: ليس هذا بقيد، حتى لو قال بعد قوله: هذا ابني أوهِمْتُ أو أخطأتُ؛ يعتق ولا يصدق.
ولو قال لأجنبية يولد مثلها لمثله: هذه بنتي وتزوجها بعد ذلك؛ جاز، أصر على ذلك أم لا.
قالوا: هذا الجواب في معروفة النسب، أما في مجهولة النسب، إن دام على ذلك ثم تزوجها لم يجز، وإلا جاز.
وقال صاحب المجتبى: عرف بهذا أن الثبوت على ذلك شرط في الفرقة، وامتناع جواز النكاح دون العتق.
قوله: (ولو قال: هذا مولاي، أو يا مولاي يعتق)؛ [أي:] (١) بغير نية.
وقال زفر: لا يعتق بغير النية، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن المولى ينتظم المعاني، فيحتاج إلى النية.
(وإن كان ينتظم الناصر) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ … لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] (وابن العم) قال تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي﴾ [مريم: ٥].
(وللعبد نسب معروف)؛ إذ الكلام فيه، ولا واسطة.
стр. 3539
إِلَى العَبدِ تُنَافِي كَونَهُ مُعتَقًا فَتَعَيَّنَ المَولَى الأَسفَلُ فَالتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ مَولَاتِي لِمَا بَيَّنَّا، وَلَو قَالَ: عَنَيت بِهِ المَولَى فِي الدِّينِ أَوْ الكَذِبَ يُصَدَّقُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُصَدَّقُ فِي القَضَاءِ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ الأَسفَلُ مُرَادًا التَحَقَ بِالصَّرِيحِ وَبِالنِّدَاءِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ يُعتَقُ بِأَنْ قَالَ: يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ فَكَذَا النِّدَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُعتَقُ فِي الثَّانِي، لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الإِكْرَامَ بِمَنزِلَةِ قَولِهِ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي. قُلْنَا: الكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ وَقَدْ أَمْكَنَ العَمَلُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَختَصُّ بِالعِيقِ فَكَانَ إكراما محضًا.
قيل: يرد على تعليل الكتاب قوله: (لا ملك لي عليك) وجب أن يتعين العتق فيه بلا نية، إذا لم يوجد منه البيع سابقا.
أجيب: بأن قوله: (لا) ملك لي عليك يحتمل باعتبار أنه أعتقه، أو باعتبار أنه باعه، وباعتبار أنه ملكه لآخر، فلا بد من النية ليتعين المراد.
قيل: اسم المولى ينطلق على ثلاثة وعشرين معنى، الخمسة منها المذكورة في الكتاب، ويطلق على الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمنعم عليه بغير إعتاق، والعبد، والمحب، والبائع والجار والحليف، والصهر، والعقيل. ذكره ابن الأثير.
والموضع الذي تكون فيه الحرب، والولي، والوارث، وابن الأخت، والشريك، والمسلط.
في مجمع البحرين: لكن المعاني في البعيدة لا يعرفها كل أحد، ولا تخطر ببال سيد العبد، فلا اعتبار بها؛ فتعين ما ذكره صاحب الكتاب. وفيه نوع تأمل.
قوله: (بخلاف ما ذكره) وهو قوله: (يا سيدي يا مالكي)؛ يعني: لا يثبت بهذين اللفظين صفة في العبد من جهة المنادى؛ لأنه لو ثبت بهما الحرية؛ لا يكون العبد سيدًا ولا مالكًا لمولاه، فحينئذ يحمل على الإكرام واللطف.
أما بقوله: (يا مولاي) يثبت صفة في العبد من جانبه، وهو إثبات ولاية عليه، وذلك لا يكون إلا بسابقة العتق، وهو ولاء العتاقة؛ لأنه مما يمكن إثباته في الحال من جانب المنادى، ولم يحمل على مولى الموالاة؛ لما ذكرنا أنه
стр. 3540
(وَلَو قَالَ: يَا ابني، أَوْ يَا أَخِي لَم يَعتِق) لِأَنَّ النِّدَاءَ لِإِعْلَامِ المُنَادَى، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَانَ بِوَصف يُمكِنُ إِنبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِتَحقِيقِ ذَلِكَ الوَصفِ فِي المُنَادَى استحصارًا لَهُ بِالوَصفِ المَخصُوصِ كَمَا فِي قَولِهِ: يَا حُرُّ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا كَانَ النَّدَاءُ بِوَصف لَا يُمكِنُ إِثباتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلإِعْلَامِ المُجَرَّدِ.
كالمجاز، أو أنه لم يجز عقد المولاة بينه وبين عبده. وفي الواقعات: قال: (سيدي) أو (يا سيد)، إن نوى العتق عتق، وإن لم ينو؛ قيل: يعتق. وقيل: لا يعتق وقيل: يعتق في (سيدي)، ولا يعتق في (يا سيد). والمختار: أنه لا يعتق. وفي الحاوي: قال الحسن بن أبي مطيع: يعتق في (يا سيدي)، ولا يعتق في (يا سيد).
وقال نصير: لا يعتق فيهما إلا بالنية.
وفي النهاية: قال القاضي: لا يعتق بالنية. وقال: والذي أراه كناية.
قوله: (ولو قال: يا ابني يا أخي) إلى آخره.
في المحيط: لا يعتق بالنداء إلا في خمسة ألفاظ في رواية الحسن عن أبي حنيفة: يا ابني يا ابنتي يا عتيق، يا حر، يا مولاي.
وذكر محمد: لا يعتق بالنداء إلا في ثلاثة ألفاظ: يا حر، يا عتيق، يا مولاي. وهذا هو المذكور في الكتاب.
ووجهه: أن النداء لإعلام المنادى واستحضاره، ولهذا بني المنادى المفرد لوقوعه موقع كاف الخطاب في: أدعوك أو أناديك. ومنع ابن مالك وقال: إنما بني لوقوعه موضع (إياك)؛ لأنه سمع (إياك). ولأنه لو كان باعتبار وقوعه موقع الكاف؛ لم يعرف المستغاث به والمتعجب منه؛ لأن اللام الداخلة عليهما تدخل على الكاف.
قوله: (لا يمكن إثباته من جهته كان للإعلام المجرد)؛ لأنه لما تعلق به حدّ أو تقرير، حتى لو تعلق يجب عليه، وإذا لم يتعلق به شيء من ذلك؛ كان لاستحضار المنادى وإقباله، فلا يعتق.
стр. 3541
دُونَ تَحقِيقِ الوَصفِ فِيهِ لِتَعَذُّرِهِ، وَالبُنُوَّةُ لَا يُمكِنُ إِثْبَاتُهَا حَالَةَ النَّدَاءِ مِنْ جِهَتِهِ، لِأَنَّهُ لَو انخَلَقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ ابْنَا لَهُ بِهَذَا النِّدَاءِ فَكَانَ لِمُجَرَّدِ الإِعْلَامِ. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَلَهُ شَاذًا: أَنَّهُ يُعتَقُ فِيهِمَا وَالاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ. (وَلَو قَالَ: يَا ابْنُ، لَا يَعْتِقُ) لِأَنَّ الأَمْرَ كَمَا أَخبَرَ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ، (وَكَذَا إِذَا قَالَ: يَا بُنَيَّ أَوْ يَا بُنَيَّةُ)، لِأَنَّهُ تَصْغِيرُ الابنِ وَالبِنتِ مِنْ غَيْرِ إِضَافَة وَالأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ.
(وَإِنْ قَالَ لِغُلَامٍ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ: هَذَا ابْنِي عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)، وَقَالَا: لَا
وفي جوامع الفقه: عن محمد: لو قال لعبد الغير: يا حر اسقني، ثم اشتراه؛ يعتق.
قيل: هذا نقض للقاعدة.
أجيب: بأنه يمكن إثباته حال النداء، كما لو أعتق عبد الغير وأجاز مولاه.
فإن قيل: لم لا يحمل على مجازه وهو الحرية، كما في هذا ابني.
قلنا: لو لم يحمل على المجاز في قوله: (هذا ابني) يلغو كلامه، وأما في قوله: (يا بني) لو لم يحمل على مجازه لا يلغو؛ بل يحمل على معنى مقصود، وهو استحضار المنادى، وإنما يعتق في قوله: يا حرُّ؛ باعتبار أن لفظ الحرية صريح في العتق كما ذكرنا، فقام مقام معناه، بخلاف لفظ الابن؛ فإنه ليس بصريح فيه. إليه أشير في المقصود.
قوله: (ويروى عن أبي حنيفة) وهو رواية الحسن عنه، والقياس رواية النوادر، وهو الظاهر إلا أن ينوي. ذكره في التحفة.
قوله: (من غير إضافة) إلى نفسه. ولأن التصغير قد يكون للإكرام واللطف.
ولو قال: (ابن كوجه من متسب) لغلامه أو لأمته؛ اختلف فيه، واختار الصدر الشهيد: أنه لا يعتق؛ لأنه لا يراد به التحقيق. ولو قال لغلامه: (أي جان بدر)؛ لا يعتق بالعتق. كذا في الكافي
قوله: وجه قولهم وهو قول أبي حنيفة أولا.
стр. 3542
يُعتَقُ (*)، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لَهُمْ: أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالُ الحَقِيقَةِ فَيُرَدُّ فَيَلغُو كَقَولِهِ: أَعتَقتُك قَبْلَ أَنْ أُخلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُخلَقَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالٌ بِحَقِيقَتِهِ، لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِمَجَازِهِ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ حُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ البُنُوَّةَ فِي المَملُوكِ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ، إِمَّا إجماعًا أَوْ صِلَة لِلقَرَابَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ المُسَبَّبِ مُستَجَازُ فِي اللُّغَةِ تَجَوُّزًا، وَلِأَنَّ الحُرِّيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلبُنُوَّةِ فِي المَملُوكِ وَالمُشَابَهَةُ فِي وَصفِ مُلَازِمٍ مِنْ طُرُقِ المَجَازِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنِ الإِلغَاءِ، بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا وَجهَ لَهُ فِي المَجَازِ فَتَعَيَّنَ الإِلغَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ. قَطَعتُ يَدَكَ فَأَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ حَيثُ لَم يُجْعَل مَجَازًا عَنِ الإِقْرَارِ بِالمَالِ وَالتِزَامِهِ، وَإِنْ كَانَ القَطعُ سَبَبًا لِوُجُوبِ المَالِ، لِأَنَّ القَطعَ خَطَأً سَبَبٌ
(أنه)؛ أي: قوله: هذا ابني الأكبر سنا منه (محال)؛ لأن ابن خمسين سنة يستحيل أن يكون مخلوقا من ماء ابن عشرين سنة، وبه فارق لأصغر سنا منه، فلا يصار إلى المجاز؛ لأنه خلف عن الحقيقة في حكمها، وشرط استعمال المجاز قصور الحقيقة فيلغو، ولهذا لو قال لغيره: قطعت يدك، أو فقأت عينك خطأ، ولم يكن هناك قطع ولا فقء؛ لم يجعل مجازا عن الإقرار بالأرش.
وفي الذخيرة: احتج محمد على أبي حنيفة بمن قال لغلامه: هذه بنتي، أو لجاريته: هذا ابني؛ لا يعتق، فلأكبر سنا منه أولى أن لا يعتق.
(إما إجماعا) على أصلنا وأصل الشافعي في قرابة الولاد (أو صلة للقرابة) على علة أصحابنا وأكثر أهل العلم على ما يأتي.
قوله: (بخلاف ما استشهد به) على خلاف بناء المفعول، وهو قولهم: أعتقتك قبل أن أخلق؛ لأنه لا وجه للمجاز.
وفي الأسرار: صريحه مستحيل، وما له حكم في ملكه لو ثبت؛ فإن الإعتاق قبل الخلق إعتاق قبل الملك. ولو أعتقه قبل أن يملكه ثم ملكه؛ لم يلزمه عتق، فإذا لم يكن من حكمه عتق لو تحقق في ملكه؛ لم يمكن أن يجعل كتابة عن عتق في ملكه فيلزمه حكم الكلام بقدر ما يمكن تصحيحه.
стр. 3543
لِوُجُوبِ مَال مَخصُوص وَهُوَ الأَرسُ، وَأَنَّهُ يُخَالِفُ مُطلَقَ المَالِ فِي الوَصفِ حَتَّى وَجَبَ عَلَى العَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ وَلَا يُمكِنُ إِثْبَاتُهُ بِدُونِ القَطْعِ، وَمَا أَمْكَنَ إِثْبَاتُهُ فَالقَطِعُ لَيسَ بِسَبَبٍ لَهُ،
قوله: (سنتين): بلفظ التثنية لا بلفظ الجمع.
قال صاحب النهاية: هكذا كان مقيدًا بخط شيخي ﵀.
والمذكور في الكتاب صحيح، لكن ذكر في المبسوط والأسرار جوابها بوجه آخر، حيث قال: قطعتُ يدَكَ لا موجب له في هذه الصورة؛ لأن الجرح لا موجب له بعد البرء إذا لم يبق له أثر، فلا يمكن تصحيح كلامه، بأن يجعل كناية عن موجبه، فلهذا كان لغوا.
وحاصله: أن السبب إنما يكون مجازا عن حكمه إذا كان له حكم، أما إذا لم يكن له حكم فيلغو، كما في (أعتقتك قبل أن أخلق)، وهاهنا لما أخرجهما صحيحتين؛ كان بمنزلة جرح لحقه برء على وجه لم يبق له أثر، فلا يتعلق به حكم من الأحكام، فلا يكون كناية عن الأرش، فجعلاه كناية، بمنزلة قوله: أعتقتك قبل أن أخلق.
وأما قولهما: (فشرط المجاز تصور حكم الحقيقة) غير منقول من أهل اللغة والأصول، وإنما ذكر ذلك في كتب أصحابنا.
يؤيده: قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فليس حقيقة الجمل وسم الخياط مرادين؛ بل ذلك عبارة عن التأبيد، وهو خلف عن الحقيقة في التكلم به، وهو أن يكون كلامًا صحيحًا من حيث اللغة، لا عن حكم مدلوله الحقيقي، فصار كالمجاز الشرعي، فإنه لا يمنع صحة المجاز بالاتفاق، كالنكاح بلفظ الهبة؛ فإنها محال في حق الحرة، وجعلت مجازا في إفادة النكاح.
ولو ادّعيا ولد جارية بينهما؛ يثبت نسبه منهما، والبنوة غير ثابتة.
ولو قال لزوجته: زنيت منذ أربعين سنة، وعمرها عشرين سنة؛ جعلوه قذفًا ووجب اللعان، وهو مستحيل. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ والخداع محال، وقد جعلوه مجازا عن المعاملة والإرادة. وقال
стр. 3544
أَمَّا الحُرِّيَّةُ فَلَا تَختَلِفُ ذَاتَا وَحُكمًا فَأَمْكَنَ جَعَلُهُ مَجَازًا عَنهُ.
وَلَو قَالَ: هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي وَمِثْلُهُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِمَا فَهُوَ عَلَى الخِلَافِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَو قَالَ لِصَبِيٌّ صَغِير: هَذَا جَدِّي قِيلَ: هُوَ عَلَى الخِلَافِ وَقِيلَ: … ... … ...
تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ والنسيان على الله محال، وجعل مجازا عن تركهم. وكذا ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾، وقال ﵇: «يضحك الله … » (١) الحديث، والضحك لا يتصور على الله، وجعل مجازا عن إظهار الرضا.
وأما مسألة ما احتج محمد على أبي حنيفة من المشايخ من قال: هي على الخلاف، ومحمد كثيرًا ما يستشهد بالمختلف على المختلف، ويكون غرضه نقل الكلام إلى ما هو أوضح.
وقيل: على الاتفاق، وهو الأظهر؛ لتعلقه بالمسمى باختلاف الجنس، وهو معدوم.
ومسألة الكوز ترد على أبي يوسف إذا لم يكن فيه ماء؛ حيث أوجب فيها الكفارة وإن لم يتصور شربه.
قوله: (أما الحرية لا تختلف ذاتا وحكمًا فأمكن جعله مجازا عنه). فإن قيل: الحرية الثابتة في قوله: (هذا ابني) وهو أكبر سنا منه، غير الحرية الثابتة لحقيقة البنوة أيضًا، كما في أرش اليد؛ إذ الحرية الثابتة بحقيقة البنوة موجبة للإرث والمصاهرة وغيرهما من الأحكام، وبالحرية لأكبر سنا منه لا يثبت شيء من ذلك، فأين التفاوت بين مسألة الأرش وبينها؟
قلنا: في الحرية لا يتفاوت ذاتا وهو زوال الرق، ولا حكمًا أصليا وهو صلاحيته للقضاء والشهادة والولايات، فكانت الحريتان سواء فيهما، وما ذكرته من الثمرات فلا يبالي به.
قوله: (ولو قال: هذا أبي) إلى قوله: (فهو على الخلاف). وفي جوامع الفقه: قيل: لا يصح. والأظهر: أنه على الخلاف.
стр. 3545
لَا يُعتَقُ بِالإِجْمَاع، لِأَنَّ هَذَا الكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي المِلكِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ، وَهُوَ الأبُ، وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَة فِي كَلَامِهِ، فَتَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنِ المُوجِبِ بِخِلَافِ الأُبُوَّةِ وَالبُنُوَّةِ، لِأَنَّ لَهُمَا مُوجِبًا فِي المِلكِ مِنْ غَيرِ وَاسِطَة، وَلَو قَالَ: هَذَا أَخِي لَا يُعتَقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يُعتَقُ.
وَوَجهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ. وَلَو قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا ابني، فَقَد قِيلَ عَلَى الخِلَافِ،
ولو كان يولد مثله لمثلهما وصدقاه؛ ثبت ذلك، وعتقا عليه، في هذا ابني وهذه بنتي ثبت نسبهما، ولا يتوقف على التصديق.
والفرق: أن في الأول حمل النسب على غيره، فيتوقف على تصديقه. وفي الثاني يقر على نفسه؛ لأنه يقول: استولدتُ أمَّكَ وأنت ابني.
قوله: (ولا يعتق في ظاهر الرواية).
وفي الذخيرة، ومجموع النوازل: قال: هذا عمّي أو خالي، أو ابن أخي أو ابن أختي؛ يعتق في رواية واحدة.
وفي الذخيرة في بعض النسخ: لا يعتق.
قوله: (وعن أبي حنيفة ﵀: يعتق): وهو رواية الحسن عنه؛ لأن الأخوة سبب الحرية في المملوك كالبنوة، فيجعل كناية عن موجبه (ووجه الروايتين ما بيناه).
أما حوالة وجه الظاهر رواية الحسن: فما ذكر بقوله: أن البنوة سبب الحرية في المملوك، إلى آخره.
وأما حوالة وجه الظاهر: فهو قوله في مسألة الجد: أن هذا الكلام لا موجب له في الملك إلا بواسطة وهو الأب، وكذلك هاهنا لا تكون الأخوة إلا بواسطة الأب أو الأم؛ لأنها عبارة عن مجاورة في صلب أو رحم، وهذه الواسطة غير مذكورة، ولا موجب لهذه الكلمة بدون هذه الواسطة. كذا في المبسوط (١).
وفيه أيضًا: أن اختلاف الروايتين في الأخ إذا ذكره مطلقًا من غير قيد، بأن
стр. 3546
وَقِيلَ: هُوَ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ المُشَارَ إِلَيْهِ لَيسَ مِنْ جِنسِ المُسَمَّى فَتَعَلَّقَ الحُكمُ بِالمُسَمَّى وَهُوَ مَعدُومٌ فَلَا يُعْتَبَرُ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي النِّكَاحِ.
قال: هذا أخي من أبي أو أمي؛ يعتق من غير تردد؛ لما أن مطلق الأخوة مشترك، قد يراد بها الأخوة في الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقد يراد بها الاتحاد في القبيلة، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقد يراد بها الأخوة في النسب، والمشترك لا يكون حجة بدون البيان، ولهذا إذا نوى الأخوة في النسب يعتق.
فإن قيل: البنوة أيضًا مختلف من رضاع ونسب، فكيف يثبت العتق بإطلاقه؟
قلنا: البنوة من الرضاع مجاز، وكذا التبني، فلا يعارض الحقيقة.
قوله: (هو)؛ أي: عدم العتق (بالإجماع).
(وهو معدوم)؛ أي: المسمى معدوم، فلا يمكن تصحيح الكلام إيجابًا ولا إقرارًا، فلا يمكن أن نجعل البنت مجازًا عن الابن بوجه؛ ألا ترى أنه لا يعتق وإن احتمل أن يكون ابنه، بأن كان يولد مثله لمثله. كذا في المبسوط (١)، والأسرار.
فروع
لو قال: هذا ابني من الزنا؛ يعتق ولا يثبت النسب.
وفي المرغيناني: لو قال له: افعل في نفسك ما شئت، فأعتق نفسه في المجلس؛ عتق.
ولو قال: عتيقتك إليك، أو حريتك إليك، ونوى التفويض إليه فأعتق نفسه في المجلس؛ عتق.
وفي المرغيناني: نظر إلى عشر جوار، فقال: اشتريت جارية منكن فهي حرة، فاشترى جاريتين صفقة واحدة، أحدهما لنفسه والأخرى لغيره؛ لم يعتق واحدة منهما. قال: والمعنى فيه غموض.
стр. 3547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قال: صم عنّي يومًا وأنت حرّ، وصَلِّي عنّي ركعتين وأنت حرّ؛ عتق في الحال، فعل ذلك أو لم يفعل.
ولو قال: حُجَّ عني حجة وأنت [حر] (١)؛ لا يعتق حتى يحج عنه؛ لأن النيابة جائزة في الحج دون الصوم والصلاة.
ولو قال: إن سقيت حماري، فذهب به إلى الماء ولم يشرب؛ عتق؛ لأن المراد عرض الماء عليه. ولو أنت عتاق أو حرية عتق بالنية. ولو قال: أنت حرّ قبل أن أخلق؛ لا يعتق.
قيل: ينبغي أن يعتق؛ لأنه يجوز أن يكون حر الأصل، أو أعتق قبل أن يخلق هو.
وفي المحيط: قال رجل: أنا مولى أبيك أعتق أبوك أبي؛ فهو حرّ. وكذا لو قال: أنا مولى أبيك ولم يقل أعتقني فهو حر؛ لأنه قد يكون مولاه من قبل جده، فلم يكن إقرارًا بالرق. وإن زاد أعتقني؛ فهو مملوك إذا أنكر الوارث.
وفي الينابيع: قال لعبده: نسبك حر أو حسبك حر أو أصلك حر، أو والداك حرّان لم يعتق؛ لاحتمال حرية أمه بعد وضعه.
ولو قال العبد في مرض مولاه: أنا حر فحرك لسانه، أي نعم؛ لم يعتق.
وفي الذخيرة: أشار برأسه أي نعم؛ لم يعتق. ولو قيل له: أعتقت عبدك، فأوماً برأسه نعم؛ لم يعتق، بخلاف النسب؛ لأن العتق يختص بالقول، والنسب يثبت بالدلالة.
وفي الذخيرة: قال: كل مملوك في هذا المسجد أو في بغداد حر، وله عبد في المسجد أو في بغداد؛ لم يعتق، إلا أن ينوي عبده.
وعن محمد عن أبي حنيفة: لو قال: عبيد أهل بغداد أحرار، وهو من أهل بغداد؛ عتق عبيده.
стр. 3548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلى هذا لو قال: كل عبد يدخل في هذه الدار فهو حر، فدخل عبيده؛ عتقوا، وبه أخذ شداد.
وقال عصام: لا يعتقون.
قال الشهيد: هو المختار للفتوى.
وفي المرغيناني: عبيد أهل بلخ أحرار، أو قال: كل عبيد أهل بلخ حر، أو قال: كل عبد في الأرض حر، أو قال: كل عبيد أهل الدنيا حر؛ قال المتقدمون من المشايخ: قال أبو يوسف في نوادره: لا يعتق.
وقال محمد في نوادر ابن سماعة: يعتق.
وقال المتأخرون، وقال عصام بن يوسف: لا يعتق. واختاره الصدر الشهيد. قال شداد: يعتق.
ولو قال: كل عبد في هذه الدار حر، وعبيده فيها؛ عتق بالاتفاق.
ولو قال: ولد آدم كلهم أحرار؛ لا يعتق عبيده بالاتفاق. واتفقوا على أن من قال: كل رجل أعتق عبده فاشترى عبدا لم يعتق.
وفرق محمد بينهما وبين ما تقدم فقال: أتيقن بكذبه هنا؛ إذ لم يحط علمه بذلك.
ولو قال: مالي حر؛ لا يعتق عبيده؛ لأنه لغو؛ لأن الحرية لا تستعمل في المال. ولأنه يراد بها الصفاء والخلوص عن شركة غيره فيه.
ولو قال لعبده: هذا ولدي الأكبر؛ عتق في القضاء، ولم يعتق ديانة إذا قال: أردت به التلفظ والتشبه.
وفي الحاوي: هذا قول أبي الليث. وقال غيره: لا يعتق.
وفي المنتقى: قال: عبدي الذي هو قديم الصحبة حر؛ قال محمد: من صحبه ثلاث سنين عتق، وهو قول أبي يوسف. وقيل: ستة أشهر. وقيل: سنة.
قال في المحيط: وهو المختار؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] والعرجون ينبت فيقطع في كل ستة أشهر، والطري الحديث،
стр. 3549
(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنتِ طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ تَخَمَّرِي، وَنَوَى بِهِ العِتَقَ لَم تَعْتِقْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تُعتَقُ إِذَا نَوَى، وَكَذَا عَلَى هَذَا الخِلَافِ سَائِرُ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَالكِنَايَةِ عَلَى مَا قَالَ مَشَايِخُهُم ﵏ لَهُ: أَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفظُهُ، لِأَنَّ بَينَ المِلكَيْنِ مُوَافَقَة، إذ كُلُّ وَاحِد مِنهُمَا مِلكُ العَينِ، أَمَّا مِلكُ اليَمِينِ فَظَاهِرُ، وَكَذَلِكَ ملكُ النِّكَاحِ فِي حُكمِ مِلكِ العَينِ، حَتَّى كَانَ التَّابِيدُ مِنْ شَرطِهِ، … ... …
فيبقى عليها، فيجعل الباقي قديماً، وهو أوسط الأقوال.
وقيل: لا يلزم من قدم العرجون في السنة قدم الصحبة فيها، فإن العبد الذي خدم أسياده سنة؛ لا يقال له في العرف هذا قديم الصحبة لسيده.
أجيب: العرف مشترك، فيعمل بالمطلق.
ولو قال: هذا حر هذا الآخر عتقا. ولو قال: هذا حر هذا حر؛ عتق الثاني؛ لأن الحرية متى تحللت بينهما أمكن أن تجعل الحرية خبرا لهما؛ لأنه لا يخبر بواحد عن اثنين. لكن وجهه: أن الثاني يدل على الأول، كأنه قال: هذا حر هذا حر للآخر، فحذف حر الثاني لدلالة الأول عليه، وفي الثانية أبدل الثاني من الأول قبل ذكر خبره، فكان ناقصا فلغا، وبقي الخبر للثاني فتعين وحده. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (على ما قاله مشايخهم) في المنهاج، وكل صريح وكناية للطلاق.
وفي المبسوط: وقال الشافعي: يعتق بالنية، وكذلك سائر كنايات الطلاق، كقوله: قد بنتِ مني، أو حرمتِ، أو أنت خلية أو برية، أو بائن أو بتة، أو بتلة أو حرام، أو حبلك على غاربكِ، أو اخرجي، أو اغربي، أو اذهبي، أو قومي، أو اختاري فاختارت نفسها، أو تقنعي، أو قال ذلك لعبده؛ فهو كله على الخلاف (١).
وكذا لو قال لأمته [أو لعبده] (٢): طلقتك؛ فإنه لا يعتق وإن نوى. أما لو قال لأمته: أطلقتُكِ ونوى العتق؛ تعتق بالاتفاق. وبقولنا: قال أحمد في رواية، وبقول الشافعي في رواية.
стр. 3550
وَالتَّلْقِيتُ مُبطِلًا لَهُ، وَعَمَلُ اللَّفظَينِ فِي إِسقَاطِ مَا هُوَ حَقَّهُ وَهُوَ المِلكُ، وَلِهَذَا يَصِلُّ التَّعلِيقُ فِيهِ بِالشَّرط، أَمَّا الأَحكَامُ فَتَثْبُتُ سَبَبٌ سَابِقٌ وَهُوَ كُونُهُ مُكَلَّفًا، وَلِهَذَا يَصْلُحُ لَفَظَةُ العِتْقِ وَالتَّحْرِيرِ كِنَايَةَ عَنِ الطَّلَاقِ فَكَذَا عَكسُهُ.
وَلَنَا: أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفظُهُ، لِأَنَّ الإعتاق لُغَةٌ، إِثْبَاتُ القُوَّةِ، وَالطَّلَاقَ رَفعُ القَيدِ، وَهَذَا لِأَنَّ العَبدَ أُلحِقَ بِالجَمَادَاتِ وَبِالإِعْتَاقِ يَحْيَا فَيَقْدِرُ، وَلَا كَذَلِكَ المَنكُوحَةُ، فَإِنَّهَا قَادِرَةٌ،
قوله: (والتأقيت مبطل له)؛ أي: لملك النكاح [فلو كان ملك النكاح] (١) في حكم ملك المتعة؛ لكان التأقيت من شرطه، كما في الإجارة. وأما الأحكام، وهي جواز القضاء والشهادة وإثبات الولايات ليس بثابت للإسقاط.
وهذا جواب عما يقال: إن الإعتاق إثبات القوة، ولهذا تثبت به الأحكام، فكيف يشبه الطلاق الذي هو إسقاط محض؟
فقال: بأن الإعتاق إسقاط أيضًا، بدليل صحة التعليق فيهما، وفوات الأحكام بسبب سابق، وهو كونه آدميا مكلفًا، والإعتاق إزالة المانع، فاستوى الطلاق والعتاق، ولهذا يصح استعارة لفظة التحرير والعتق للطلاق، فكذا عكسه، والتحريم موجب التحرير أيضًا، فيصح ذكر الموجب، وإرادة الموجب كقوله: (اعتدي) إذا نوى به الطلاق.
ولنا: أنه نوى ما لا يحتمله لفظه فيلغو؛ لأن النية الخالية عن اللفظ الدال عليها لا يوجب عتقا، كما لو قال: اسقني ونوى العتق، وهذا لأن الطلاق لا يحتمل العتاق حقيقة وهو ظاهر، ولا مجازا؛ لأنه لا يكون بلا مشابهة، ولا مشابهة.
(لأن الإعتاق لغة) إلى آخره ألحق بالجمادات؛ لأن الرق أثر الكفر، وهو موت حكمًا، قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه.
(فإنها قادرة)؛ أي: بعد النكاح، حتى تملك الأموال وتقبل شهادتها ويصح
стр. 3551
إِلَّا أَنَّ قَيدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرتَفِعُ المَانِعُ فَتَظْهَرُ القُوَّةُ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقوَى، وَلِأَنَّ مِلكَ اليَمِينِ فَوقَ مِلكِ النِّكَاحِ، فَكَانَ إِسْقَاطُهُ أَقوَى، وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا هُوَ دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَمَّا هُوَ فَوقَهُ، فَلِهَذَا امْتَنَعَ فِي المُتَنَازَعِ فِيهِ وَانسَاغَ فِي عكسِهِ. وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ مِثلُ الحُرِّ لَم يَعْتِقْ لِأَنَّ المِثْلَ يُسْتَعْمَلُ لِلمُشَارَكَةِ فِي بَعضِ المَعَانِي عُرفًا، فَوَقَعَ الشَّكُ فِي الحُرِّيَّةِ وَلَو قَالَ: مَا أَنْتَ إِلَّا حُرٌّ عَتَقَ لِأَنَّ
قضاؤها، لكنها بالنكاح ممنوعة عن الخروج والبروز والتزوج، وبالطلاق يرتفع المانع؛ إذ الطلاق من أطلقتُ البعير عن القيد إذا حلَلْتُهُ، فكان عبارة عن رفع المانع لا إثبات القوة، ولا مشابهة بين إثبات القوة وبين إزالة المانع، ولا خفاء أن الأول وهو إثبات القوة أقوى من إزالة المانع.
ونحن نسلّم أن المشابهة في المعنى من طريق الاستعارة؛ لكن لا بكل وصف، بل في الوصف الخاص، كما في الشجاع والأسد، فانعدمت المشابهة في الوصف الخاص هنا، فلم تجز الاستعارة، أما العكس عندنا فليس ذلك للمشابهة في المعنى؛ بل لسلوك طريق السببية، كما بين في الأصول.
(ولأن ملك اليمين فوق ملك النكاح بدليل أنه يدخل فيه ملك المتعة تبعًا، ولا ينعكس فكان إسقاطه)؛ أي: إسقاط ملك اليمين (أقوى)؛ لأن يزيل أقوى الملكين. ولأنه يزيل كلاهما في محله، ومن شرط المجاز: أن لا يكون عمله في محل المجاز أقوى من عمله في محل حقيقته، وهاهنا لو جعل مجازًا من الإعتاق لصار عمله في محل المجاز أقوى من عمله في محل الحقيقة؛ لأن عمله محل حقيقته إزالة المانع من الفعل فقط، وفي محل المجاز إثبات القدرة وإزالة الضعف، ولا شك أن الثاني أقوى.
(وانساغ في عكسه)؛ أي: استعارة التحرير للطلاق، كالبيع يستعار للإجارة، ولا ينعكس.
وقوله: (ولأن ملك اليمين) إلى آخره جواب عما يقال: أن ملك النكاح في حكم ملك العين، فقال: لا كذلك؛ لأنها حرة مالكة، فكان في حكم ملك اليمين حكمًا لا حقيقة، وملك الرقبة ملك العين حقيقة وحكما. إليه أشير في
стр. 3552
الاستثنَاءَ مِنْ النَّفِي إِثْبَاتٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ (وَلَو قَالَ: رَأْسُكَ رَأْسُ حُرِّ لَا يَعْتِقُ) لِأَنَّهُ تَسْبِيهُ بِحَذفِ حَرفِهِ (وَلَو قَالَ رَأْسُكَ رَأْسُ حُرِّ عَتَقَ) لِأَنَّهُ إثباتُ الحُرِّيَّةِ فِيهِ، إذ الرَّأْسُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ.
المبسوط، والأسرار.
وأما قوله: (الأحكام تثبت بسبب سابق) (١) إلى آخره: فليس كذلك؛ لما بينا أن العبد، آدمي، ولا مالكية فيه؛ لأنه كالميت، أو هو كالبهيمة؛ لأن الآدمي حيوان؛ بل علة ثبوت هذه الأحكام كونه حرا.
وأما صحة التعليق؛ فلأن الإعتاق إثبات القوة في العبد بواسطة إزالة ملكه، ومن حيث الإزالة تتعلق بالشرط. إليه أشير في تعليقات البرغري.
في المبسوط: لا معنى لما قال الشافعي: إنه ذكر الموجب وأراد الموجِبَ؛ لأنه لا يصح استعارة السَّببِ للمسبِّبِ؛ لتحقق السبب بدون مسببه، وفي (اعتدي) وقوع الطلاق بالإضمار، ولهذا يقع على غير المدخول بها، ولا عدة عليها (٢).
وقوله: (رأسك رأس حر) بِحُرِّ حُرّ (لا يعتق؛ لأنه تشبيه بحذف حرفه)؛ أي: حرف التشبيه، أي: كرأس حرّ، فصار كقوله: (مثل الحر) فلا تعتق بلا نيه.
وكذا لو قال: بدنك بدن حر أو وجهك.
وفي التجنيس والمحيط: لو قال لامرأة حرة: أنت حرة مثل هذه، وأراد بهذه أمَتَهُ؛ تعتق أمته. ولو قال: ما أردتُ؛ لا يصدق قضاء؛ لأنه وصفها بالحرية، حيث شبه الحرة بها.
ولو قال لامرأة حرة: أنت مثل هذه الأمة، أراد بهذه الأمة أمته؛ لا تعتق؛ لأنه بين أنها أمة.
وقيل في قوله: أنت مثل الحر، أو ما أنت إلا مثل الحر؛ يعتق إذا نوى،
стр. 3553
فَصْلٌ: [مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مِنْهُ]
(وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ) وَهَذَا اللَّفْظُ مَروِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،
واستدل بقوله لها: أنت مثل امرأة فلان، وقد كان فلان الى منها؛ فإنه يكون موليًا منها.
وفي الحاصل: أن الكنايات على ثلاثة أوجه:
منها: ما يقع به العتق نوى أو لم ينو، كقول المولى لعبده: تصدقت نفسك عليك، أو ملّكتُكَ نفسك عليكَ، أو وهبتُ نفسك منك، أو أوصيت نفسك لك، أو بعتُ نفسك، فهذه الألفاظ كنايات عن العتق، إلا أنها لا تحتاج إلى النية؛ لأن الكنايات لا تحتاج إلى النية إذا كانت تحتمل المعاني، ولا يمكن الجمع بين الكل فيحتاج إلى النية، وهذه الكنايات لا تحتمل معاني، وإنما تحتمل الكناية عن العتق لا غير، فاستغنت عن النية.
ومنها: ما يقع إذا نوى، كقولك: لا ملك لي عليك، ولا رق لي عليك، وخرجت عن ملكي ولا سبيل لي عليك.
ومنها: ما لا يقع به إذا نوى أيضًا، كالطلاق، وكنايات الطلاق.
وفي الكافي: لو قال له: إنك لله، أو أنتَ الله؛ لم يعتق عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه صادق في مقاله؛ إذ كل مخلوق الله، فصار كقوله: أنت عبد الله.
وعند أبي يوسف: إذا نوى يعتق؛ لأن معناه أنت خالص الله، وذا بانتفاء ملكه عنه، فصار كقوله: لا ملك لي عليك.
فَصْلٌ
لما ذكر العتق الحاصل بالاختيار؛ إذ هو الأصل ذكر في هذا الفصل عامة مسائل العتق التي تحصل بلا اختيار.
قوله: (عتق عليه)، وبه قال أحمد ذكر الخطابي في معالم السنن: ذكر أكثر العلماء إليه، روي عن عمر وابن مسعود ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة.
وبه قال الحسن بن أبي الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي،
стр. 3554
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحرَمٍ مِنهُ فَهُوَ حُرٌّ»
والزهري وحماد والحكم والثوري والنخعي وابن شبرمة، وأبو سلمة والحسن بن حي والليث وعبد الله بن وهب وإسحاق والظاهرية.
وقال مالك: يعتق في قرابة الولادة والأخوة والأخوات لا غير.
وقال الأوزاعي: يعتق كل رحم محرم كانت أو غير محرم، وابن العم وابن الخال ويستسعيهما.
وقال الشافعي: لا يعتق في غير قرابة الولاد، وقال أبو محمد: لا نعلم قول الشافعي عن أحد قبله وليس له فيها أنيس.
احتج المالكيون بقوله تعالى - إخبارًا عن موسى ﵇: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]، قالوا: كما لا يملك إلا نفسه كذلك لا يملك أخاه، ولحديث ابن عباس قال: كان للنبي ﵇ مولى يقال له صالح فاشترى أخاه فقال ﵇: «وقد عتق حين ملكته» (١).
ولنا: رواية الحسن عن سمرة بن جندب أنه ﵇ قال: «من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ» (٢) قال أبو البركات: قوله في المنتقي: رواه الخمسة إلا النسائي.
وفي رواية لابن حنبل: «فهو عتيق».
(مَحْرَم) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الراء وتخفيفها، ويقال: بضم الميم وتشديد الراء، وأخرج النسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : «من مَلَكَ ذا رحم محرم فهو حُرّ» (٣)،
стр. 3555
وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَنتَظِمُ كُلَّ قَرَابَة مُؤَيَّدَة بِالمَحرَمِيَّةِ وِلَادًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِهِ. لَهُ: أَنَّ ثُبُوتَ العِتقِ مِنْ غَيْرِ مَرضَاةِ المَالِكِ يَنفِيهِ القِيَاسُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ،
ولفظ ابن ماجه: «عتيق». قال النسائي: هذا حديث حسن صحيح كل رواته ثقات تقوم الحجة به.
قال المالكيون والشافعيون: أن الحسن لم يسمع من سمرة، وهو منقطع لا تقوم به الحجة.
قلنا: قد ذكرنا من رواية النسائي فكيف لا تقوم به الحجة، وهذا اللفظ مروي عن رسول الله ﷺ رواه عمر وابن مسعود وعائشة.
(واللفظ بعمومه ينتظم) أي لفظ «ذا رحم محرم» (كل قرابة مؤيدة) بالياء المنقوطة من تحتها باثنتين.
فإن قيل: الضمير في مثل هذا يرجع إلى كلمة «من» كما في قوله ﵇: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمِن» (١)، ومن دخل هذا الحصن أوّلًا فله من النفل كذا فلم لا يرجع إلى من ههنا أيضًا.
قلنا: يأبى ذلك وقوعه جزاءً، وحرية المالك لا تصلح جزاء؛ لأن حريته ثابتة قبل ذلك ولأن حريته تستفاد من قوله: (مَلَك) فكان لفظ هو راجع إلى المملوك ليترتب عليه جزاء الحرية.
وفي المبسوط (٢): قال داود الظاهري: (ملك قريبة) لا تعتق بدون الإعتاق؛ لظاهر قوله ﵇: «لن يجزي والد عن ولده حتى يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» (٣) ففيه تنصيص على أنه يستحق إعتاقه؛ إذ لو عتق بنفس الشراء لم يبق لقوله: «فيعتقه» فائدة، ولأن القرابة ابتداء الملك فلا يمنع بقاءه إلا أنها لما منعت بقاءه.
وحجتنا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي
стр. 3556
وَالْأُخُوَّةُ وَمَا يُضَاهِيهَا نَازِلَةٌ عَنْ قَرَابَةِ الوِلَادَةِ، فَامْتَنَعَ الإِلحَاقُ أَوْ الاستدلال بِهِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى المَكَاتِبِ فِي غَيْرِ الوِلَادِ وَلَم يَمْتَنِعُ فِيهِ. وَلَنَا: مَا رَوَينَا، وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةٍ مُؤَثَّرَة فِي المَحرَمِيَّةِ فَيَعتِقُ عَلَيْهِ، … ... … ... … ...
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٣] فذلك تنصيص على المنافاة بين العبدية والبنوة، فإذا ثبتت البنوة انتفت العبدية، ومراده ﵇ من قوله: «فيعتقه» بذلك الشراء لا بسبب آخر كما يقال: أطعمه فأشبعه وسقاه فأرواه بذلك الإطعام؛ إذ الفاء للتعقيب، وذلك يقتضي عتقه بذلك الشراء لا بفعل مبتدا.
وإنما أثبتنا له الملك ابتداء؛ لأن العبودية لا تتحقق إلا به فإذا لم يملكه لا تعتق، أما ملك النكاح فلا فائدة في إثباته ثم إزالته؛ فإنها تعود إلى ما كانت عليه بخلاف العتق؛ فلأنه يعقب الولاء، ولأن العتق صلة ومجازاة فلا يعتق إلا بعد الملك. وأما انتفاء ملك النكاح فلحرمة المحل، وهي موجودة قبل العقد.
(فامتنع الإلحاق) أي بالقياس؛ لأن حكم الأصل ثابت بخلاف القياس فلا يقاس عليه. (أو الاستدلال) أي امتنع دلالة النص أيضًا.
قوله: (نازلة)؛ أي قاصرة (عن قرابة الولاة)؛ لأن فيها الجزئية والبعضية وملك الجزء كملك نفسه، والعبد إذا ملك نفسه عتق، فكذا إذا ملك أباه أو ولده، ولأن القرابات ثلاثة قريبة كقرابة الولاد، وبعيدة كقرابة بني الأعمام، ومتوسطة: وهي قرابة الأخوة والعمومة، وقد ألحقت المتوسطة بالبعيدة في الشهادة والقود وَحِلُّ الحليلة، وامتناع التكاتب، فكذا في الحكم.
(ولنا ما روينا)، وهو قوله ﵇: «من مَ لَكَ» (١) الحديث، وقد بينا وجه صحته فلا نعيده، وما روي عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله إني وجدت أخي يباع في السوق فاشتريته وأنا أعتقه، فقال ﵇: «قد أعتقه الله» (٢)، ذكره في المبسوط (٣).
стр. 3557
وَهَذَا هُوَ المُؤَكِّرُ فِي الأَصْلِ، وَالوِلَادُ مَلغِيٌّ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصلُهَا وَيَحْرُمُ
(وهذا هو الموثر)؛ أي كون القريب محرمًا في الأصل، وهو قرابة (الولاد ملغي لأنها)؛ أي المحرمية هي التي يفترض وصلها ويحرم، ولهذا صينت عن أذى الذلين وهو الاستفراش، فأولى أن يصان عن أعلاها، وهو الاسترقاق أعظم؛ فلما حرم بهذه القرابة ذل النكاح فلا يحرم هذا أولى.
فإن قيل: ملك النكاح أضعف من ملك اليمين؛ فحرمة الأضعف لا يدل على حرمة الأقوى.
قلنا: الحرمة للصيانة عن الذل تحقيقًا للصلة؛ فحرم ما يؤدي إلى الاستذلال؛ لأن يضاد الوصل، ولهذا حرَّمَ ﵇ الجمع بين ذواتي رحم، وقال: «إنَّكم قطعتُم أرحامكن» (١) إشارة إلى المنافرة التي تكون بين الضرائر.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]؛ أي اتقوا الله أن تعصوه والأرحام أن تقطعوه، فثبت أن الرحم يجب وصله، وأن المحرمية صيانة الرحم عن القطع، وعما يخالف الوصل من الملك والاستذلال، والتعليل بالجزئية في الولاد لا يضرنا؛ لأنها قاصرة ولم يصنع بما قال: إلا أن أرانا عدم العلة في النزع، وعدم العلة لا يوجب عدم الحكم؛ لجواز أن يكون الأصل معلولا بعلة أخرى متعدية كما بينا مع أن التعليل بالولادة مخالف للنص، وهو قوله ﵇: «من ملك … » الحديث (٢)، واعتلالهم في الحديث بأنه مرسل غير صحيح لما ذكرنا من رواية النسائي، ولأن هذا المرسل مقبول باتفاق الأئمة الأربعة.
أما عندنا ومالك وأحمد أن المرسل حجة بلا شرط.
وعند الشافعي إذا عمل به أكثر الناس كأنه حجة، وقد ذكرنا عمل الصحابة وعمل أكثر الناس؛ فلا يجوز تركه على أصله، وأما إلحاقة القرابة المتوسطة
стр. 3558
قَطَعُهَا حَتَّى وَجَبَت النَّفَقَةُ وَحَرُمَ النِّكَاحُ، وَلَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا كَانَ المَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الإِسْلَامِ لِعُمُومِ العِلَّةِ. وَالمَكَاتِبُ إِذَا اشْتَرَى أَخَاهُ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيسَ لَهُ مِلكٌ تَامٌ يُقدِرُهُ عَلَى الإِعْتَاقِ وَالافْتِرَاضِ عِنْدَ القُدرَةِ، بِخِلَافِ الوِلَادِ لِأَنَّ العِتَقَ فِيهِ مِنْ مَقَاصِدِ الكِتَابَةِ، فَامْتَنَعَ البَيعُ فَيَعتِقُ تَحقِيقًا لِمَقْصُودِ العَقدِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحَمَةُ اللهِ: أَنَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَى الأَخِ أَيضًا، وَهُوَ قَولُهُمَا، فَلَنَا أَنْ
بالبعيدة باعتبار كثرة الشبه؛ فيرجح بكثرة الأشباه وقع مخالفًا للنص كما ذكرنا.
قوله: (حتى وجبت لها النفقة)، فإن قيل: وجوب النفقة على مذهبنا، أما على مذهب الشافعي، لا يجب النفقة في غير قرابة الولاد فكيف يتم الإلزام؟.
قلنا: لما ثبت وجوب النفقة بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] لم يعتبر إنكاره؛ لما أن الثابت بالنص كالثابت بالإجماع كذا قيل.
وقيد بقوله: (أو كافرًا في دار الإسلام)؛ لأنه لا حكم في دار الحرب، ولهذا لو ملك قريبه في دار الحرب لا يعتق عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف، وكذا المسلم إذا أعتق عبدًا حربيًا في دار الحرب لا يعتق أيضًا، فعلم من هذا أن قوله: (في دار الإسلام) متعلقا بهما لا بقوله: (أو كافرًا).
قوله: (والافتراض عند القدرة) مع صلة الرحم واجبة عند المقدرة، ولا قدرة للمكاتب على كتابة أخيه؛ لأن الكتابة نوع من الإعتاق، ولا قدرة له على الإعتاق.
(بخلاف الولاد؛ لأن العتق فيه)؛ أي عند الكتابة من مقاصد الكتابة؛ لأن مقصود المكاتب أن يعتق بجميع أجزائه فيسري العقد إليه (تحقيقًا لمقصود العتق)، ولهذا يبقى الكتابة إذا مات عن وفاء لتعتق أولاد؛ لأن المكاتب لا ملك له حقيقة ولهذا حل له الصدقة، ولا يفسد نكاح امرأته إذا اشتراها إلا أن المكاتب إذا ملك أباه أو ولده يمنع عليه بيعه؛ لأن المكاتب له كسب وحق الآباء والأولاد يثبت في الكسب، حتى يجب عليه نفقة أبيه إذا كان مكسبا، وإن لم يكن موسرًا، وحق الأخ لا يثبت في الكسب حتى لا يجب عليه نفقة أخيه إذا كان معسرًا، وإن كان مكتسبا.
стр. 3559
نَمَنَعَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا مَلَكَ ابْنَةَ عَمِّهِ وَهِيَ أُختُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، لِأَنَّ المَحرَمِيَّةَ مَا ثَبَتَت بِالقَرَابَةِ وَالصَّبِيُّ جُعِلَ أَهْلًا
قوله: (لعموم العلة) وهي الملك مع القرابة المتوسطة، وكذا لو كان المملوك (مسلما أو كافرًا) يعتق لعموم العلة.
فإن قيل: العلة هي وجوب الصلة حتى وجبت بها النفقة، والنفقة لا تجب عند اختلاف الدين، فينبغي أن لا يثبت العتق.
قلنا: تمام العلة هنا القرابة مع المحرمية بالنص، وباختلاف الدين تنعدم الوراثة فلا تستحق النفقة.
وأما حل وضع الزكاة لا يدل على حرمة صلة العتق، والزكاة نفسها صلة ولكن لم يحل (١) بين الآباء والأولاد؛ لأن التمليك لم يتم للاشتراك في المنافع ولا كذلك بين الأخوين، وكذا حل الشهادة؛ لأن الشهادة كافية كالشهادة لنفسه من حيث جر النفع، وقد عدم في الأخ، وكذا وجوب القود فإن الابن يقتل بأبيه قصاصًا؛ لأن الشرع حرم عليه قصد الأب بالقتل كرامة للأب، لا لأنه يعتق عليه لو ملكه، وكذا حل الحليلة؛ لأن الوحشة التي يلحق الإنسان لحل حليلته لغيره، دون الوحشة التي تلحقه بلزوم الطاعة قهرا بحق الملك؛ فإن لم يجب الصيانة عن أدنى الأمرين بالمحرمية بالرحم، لا يدل على أنه لا يجب عن الأعلى.
قوله: (لأن المحرمية ما ثبتت بالقرابة)، قال شيخ الإسلام: والأمة أجمعت على أن المراد بالمحرمية المحرمية بالنسب، والمراد بالأمة عامة أهل العلم؛ لأنه روي عن ابن مسعود والحسن والقاضي شريك بن عبد الله يعتق عليه ذي الرحم المحرم من الرضاعة نقله ابن حزم في المحلّى، ولكن غير ثبت.
قوله: (جُعِلَ أهلا) في المبسوط (٢): العلة جعلت في حقه، وهو الملك مع القرابة فإن الصغير يملك حقيقة، ولهذا يحرم عليه أخذ الصدقة.
стр. 3560
لِهَذَا العِتْقِ، وَكَذَا المَجنُونُ حَتَّى عَتَقَ القَرِيبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ المِلكِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ العَبدِ فَشَابَهَ النَّفَقَةَ. (وَمَنْ أَعتَقَ عَبْدًا لِوَجهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ) لِوُجُودِ رُكنِ الإِعْتَاقِ مِنْ أَهلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَوَصفُ القُربَةِ فِي اللَّفْظِ الأَوَّلِ زِيَادَةٌ، فَلَا يَحْتَلُّ العِلْقُ بِعَدَمِهِ فِي اللَّفْظَينِ الْآخَرَينِ.
(وَعِلْقُ المُكَرَةِ وَالسَّكَرَانِ وَاقِعٌ) لِصُدُورِ الرُّكنِ مِنْ الأَهْلِ فِي المَحَلِّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَإِنْ أَضَافَ العِتَقَ إِلَى مِلكِ أَوْ شَرط صَحَّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ) أَمَّا الإِضَافَةُ إِلَى المِلكِ فَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالشَّرط، فَلِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ فَيُجْرَى فِيهِ التَّعلِيقُ بِخِلَافِ التَّمْلِيكَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوضِعِهِ.
(وَإِذَا خَرَجَ عَبْدُ الحَربِيِّ إِلَيْنَا مُسلِمًا عَتَقَ) لِقَولِهِ ﷺ فِي عَبِيدِ الطَّائِفِ حِينَ
قوله: (الآخرين) وهو العتق لوجه (للشيطان أو للصنم)، وعند الظاهرية؛ لا يعتق فيهما.
قوله: (وعتق المكره والسكران واقع في المكره خلاف الشافعي ومالك وأحمد، وفي السكران اتفاق الأئمة الأربعة على المختار عندهم، وقد تقدمت في الطلاق.
(ففيه خلاف الشافعي)؛ أي وحده، وعن أحمد يعتق كقولنا بخلاف الطلاق عنده، وعللوا بأن الشرع ندب إلى العتق دون الطلاق، وأما إذا قال: إذا جاء غد أو رأس الشهر فأنت حر، فكذلك لا يعتق حتى يوجد الملك بخلاف الطلاق عند مالك؛ فإنه يقع في الحال عنده فيهما بخلاف الأمة، فإنه لا يحل له وطئها قبل دخول الوقت، وخالف فيه الأئمة الثلاثة.
قوله: (فَيُجْرَى فِيهِ التَّعْلِيقُ) لا خلاف فيه بيننا وبين الشافعي، إنما الخلاف بوجه آخر، وأن بقاء الملك شرط عند انعقاد التعليق، وعند وجود الشرط وزواله فما بين ذلك لا يبطله، وعنده يبطله لانعقاد التعليق سببًا عنده، وعندنا ينعقد سببًا عند وجود الشرط كما قرر في الأصول.
قوله: لقوله ﷺ في عبيد الطائف)، روى ابن عباس أن عبدين من الطائف
стр. 3561
خَرَجُوا إِلَيْهِ مُسلِمِينَ: «هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى»، وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَا استِرقَاقَ عَلَى المُسلِمِ ابْتِدَاء.
(وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَملُهَا تَبَعًا لَهَا) إذ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا (وَلَو أَعْتَقَ الحَملَ خَاصَّة عَتَقَ دُونَهَا) لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى إِعْتَاقِهَا مَقْصُودًا لِعَدَمِ الإِضَافَةِ إِلَيْهَا وَلَا إِلَيْهِ تَبَعًا
خرجا فأسلما فأعتقهما النبي ﵇، أحدهما أبو بكرة (١).
وعن حجاج بن أرطأة عن أبي سعيد الأعشى قال: كان من وصاياه ﵇ إذا خرج العبد إلينا مراغما لسيده فأسلم ثم خرج سيده لا نرده إليه.
وقال ابن الجوزي في منتظمه (٢): نزل بضعة عشر رجلا منهم أبو بكرة جد القاضي بكار، واسمه نفيع مولى رسول الله سمي أبا بكرة؛ لأنه نزل بكرة، وقيل: ببكرة وهو الذي ركع قبل اتصاله بالصفوف فقال ﵇: «زادك الله حرصًا» (٣).
قوله: (ابتداء) قيد به احترارًا عن الاسترقاق لها؛ لأنه يصح؛ لأن ذلك من الأمور الحكمية لا الجزائية فيصح كما يصح بقاء الأملاك بعد وجود سببها، وبقولنا قال الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم.
وقال الأوزاعي: لو جاء سيده مسلمًا يرد إليه، وعند الظاهرية؛ يعتق بالإسلام من غير خروج، وينقض قول الظاهرية؛ بسلمان فإنه أسلم وسيده ولم يعتق بذلك.
قوله: (عتق حملها) ولا خلاف فيه لأحد، ولو استثنى حملها فقال: أعتقتها إلا بحملها فليس له كاستثناء أطرافها، وبه قال الشافعي ومالك، وقال أحمد والنخعي والشعبي وعطاء وابن سيرين: يصح استثناؤه من العتق، وهو مروي عن ابن عمر وأبي هريرة؛ لأنهم لا يُجَوِّزون عتق الجنين دون أمه بعد نفخ الروح، ويجوز قبل نفخ الروح وتكون أمه حرة تبعا له.
стр. 3562
لِمَا فِيهِ مِنْ قَلبِ المَوضُوعِ، ثُمَّ إعتاقُ الحَملِ صَحِيحٌ وَلَا يَصِحُ بَيعُهُ وَهِبَتُهُ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ نَفْسَهُ شَرطٌ فِي الهِبَةِ، وَالقُدرَةَ عَلَيْهِ فِي البَيعِ، وَلَمْ يُوجَد ذَلِكَ بِالإِضَافَةِ إِلَى الجَنِينِ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرط فِي الإِعْتَاقِ فَافْتَرَقَا.
(وَلَو أَعتَقَ الحَملَ عَلَى مَالٍ صَحَّ، وَلَا يَجِبُ المَالُ) إِذْ لَا وَجْهَ إِلَى إِلزَامِ المَالِ عَلَى الجَنِينِ لِعَدَمِ الوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا إِلَى الزَامِهِ الأُمَّ، لِأَنَّهُ فِي حَقِّ العِتْقِ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ، وَاشْتِرَاطُ بَدَلِ العِيقِ عَلَى غَيْرِ المُعتِقِ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الخُلع، وَإِنَّمَا يُعرَفُ قِيَامُ الحَبَلِ وَقتَ العِتقِ إِذَا جَاءَت بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنهُ، لِأَنَّهُ أَدنَى مُدَّةِ
(ثم إعتاق الحمل صحيح)؛ أي بدون الأم عند الجمهور إلا عند الظاهرية.
قوله: (فيه من قلب الموضوع) ولا يلزم عليه أم الولد؛ لأن استحقاق عتقها شرعًا بخلاف القياس.
فإن قيل: لو لم يعتق أمه لجاز بيعها، وفي المبسوط (١): لو باع الأم إذا أعتق ما في بطنها لا يجوز، والهبة تجوز.
قلنا: الفرق يجيء في هبة هذا الكتاب، وفيه الفرق أن في البيع استثناء الحمل معنا، فلا يجوز في البيع لو استثنى ما في البطن قصدًا فكذا إذا صار مستثنى حكمًا، وفي الهبة لو استثنى ما في البطن قصدًا لا تبطل الهبة فكذا إذا صار مستثنى حكمًا.
وفي المنهاج: لو كان حملها الرجل، وهي لآخر لم يعتق واحد منهما يعتق الآخر ولا يسري، والقدرة عليه؛ أي على التسليم في البيع حتى لا يجوز بيع الآبق، ويجوز عتقه.
قوله: (على ما مر في الخلع) الحوالة غير رابحة إلا أن يكون مراده جمع الجامع الصغير، فإنه ذكر فيه لا في الكتاب.
قوله: (لأقل من ستة أشهر) حتى لو كان لستة أشهر أو أكثر لا يتيقن بوجوده، وفي التوأمين لو وجد أحدهما لأقل من ستة أشهر والآخر لستة أشهر أو أكثر حكم بوجودهما؛ لأنهما خُلقا من ماء واحد.
стр. 3563
الحَملِ. قَالَ: (وَوَلَدُ الأَمَةِ مِنْ مَولَاهَا حُرٍّ) لِأَنَّهُ مَخلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَيَعتِقُ عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الأَصلُ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ وَلَدَ الأَمَةِ لِمَولَاهَا. (وَوَلَدُهَا مِنْ زَوجِهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا) لِتَرَجُحٍ جَانِبِ الأُمِّ بِاعْتِبَارِ الحَضَانَةِ أَوْ لاستهلاكِ مَائِهِ بِمَائِهَا، وَالمُنَافَاةُ مُتَحَقِّقَةٌ، وَالزَّوجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ، بِخِلَافِ وَلَدِ المَعْرُورِ، لِأَنَّ الوَالِدَ مَا رَضِيَ بِهِ.
قوله: (وولد الأمة من مولاها حر)؛ أي بإجماع الأئمة.
في المبسوط (١): الولد يعلق حرَّ الأصل من المائين؛ لأن ماء الجارية مملوكة لمولاها.
وفي المرغيناني: باستيلاد أم ولد الغير يعلق ولده حر الأصل، ولا يكون حكمه حكم الأم، فلهذا يضمن المغرور ضمنه بالاتفاق.
قوله: (وإن كانت أم ولد) ولا مالية له عند أبي حنيفة.
قوله: (لترجح جانب الأم) يعني أنه مخلوق من مائين وماء الأم أولى؛ لأنه باعتبار أنه مخلوق ومن مائها بيقين، وما قلنا أن الولد للفراش حكمي لا حقيقي وفي الأم حقيقي وحكمي، ولهذا يثبت ولد الزنا من أمه، وكذا ولد الملاعنة ثابت النسب من الأم دون الأب حتى توارثا دون الأب، وكان ماء الأم أولى.
(باعتبار الحضانة أو لاستهلاك مائه)؛ يعني يرجح ماؤها باعتبار استهلاك ماء الرجل؛ لأن ماءها في موضعه ويزداد قوة منها لأمته أو يرجح جانبها بالحضانة والتربية، أو لأن الولد ما دام في الرحم بمنزلة عضو من أعضائها كيدها ورجلها، ولهذا يقرض بالمقراض عند الانفصال ويعتق بإعتاقها، ولا يجوز بيعها واستثناء الحمل منها.
قوله: (والمنافاة متحققة) أي: المعارضة محققة بين المائين فرجحنا ماءها بما ذكرنا بخلاف ما إذا ولدت من سيدها؛ لأن ماء الأمة لا يعارض ماء مولاها؛ لأن مائها مملوكة له.
قوله: (ما رضي به) أي: برق الولد حيث أقدم على نكاح الأمة مع كونه
стр. 3564
(وَوَلَدُ الحُرَّةِ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَال) لِأَنَّ جَانِبَهَا رَاجِحٌ، فَيَتبَعُهَا فِي وَصفِ الحُرِّيَّةِ كَمَايَتْبَعُهَا فِي المَملُوكِيَّةِ والمرقوقية وَالتَّدْبِيرِ وَأُمُومِيَّةِ الوَلَدِ وَالكِتَابَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
باب العبد يعتق بعضه
عالما أن الولد رقيق، وفي هذا إجماع حتى لو كان الزوج هاشميا يكون وُلِدَ هاشميا رقيقًا، وإنما رجح جانب الأب في النسب؛ لأنه للتعريف وحال الرجال مكشوفة فيعرف الولد بالأب، والنساء لا يعرفن لخفاء أحوالهن فخولف فيه الأصل.
قوله: (كما يتبعها في المملوكية والمرقوقية) أورد هذين اللفظين، لتغايرهما من حيث الكمال والنقصان؛ فإن في المدبّر وأم الولد الملك كامل والرق ناقص، وفي المكاتب على عكسه.
أو لأن المملوكية عام فيكون في بني آدم وغيرهم، والمرقوقية خاص في بني أدم؛ فتبين به أن الولد يتبع الأم في الخاص والعام.
ولهذا أن البقر الوحشي والحمر الأنسية والظباء لا تجوز في الأضحية، ولو كان الولد بين الوحشي والأهلي، فإن كانت الأم وحشية لا تجوز وإن كانت أهلية تجوز؛ لأن الولد تابع للأم فيها كذا في فتاوي الولوالجي.
ثم الولد يتبع الأم في الرق والحرية وأمومية الولد والكتابة بلا خلاف، وفي التدبير خلاف، وفي المنهاج: إن ولدت المدبرة من نكاح أو زنا، لا يصير ولدها مدبرا على المذهب، وإن دبّر الحامل صار ولدها مدبّرًا على المذهب.
وعن أحمد وجابر بن زيد وعطاء: لا يتبعها ولدها في التدبير، لا تعتق بموت سيدها، واعتبروه بالتعليق بدخول الدار، وللجمهور القياس، على تبعيته أم الولد.
باب العبد يعتق بعضه
ولما ذكر إعتاق الكل ذكر في هذا الباب إعتاق البعض؛ إذ البعض يتبع الكل أو لأن إعتاق البعض من العوارض؛ لقلة وقوعه فأخره، أو لأن هذه المسألة مختلف فيها فقدم المتفق.
стр. 3565
(وَإِذَا أَعْتَقَ المَولَى بَعضَ عَبدِهِ عَتَقَ ذَلِكَ القَدْرُ وَيَسْعَى فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَولَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: يَعتِقُ كُلُّهُ) (*) وَأَصلُهُ: أَنَّ الإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِندَهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَعْتَقَ، وَعِندَهُمَا: لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِضَافَتُهُ إِلَى البَعْضِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الكُلِّ فَلِهَذَا يَعتِقُ كُلُّهُ. لَهُمْ: أَنَّ الإِعْتَاقَ إِثْبَاتُ العِيقِ وَهُوَ قُوَّةٌ حُكمِيَّةٌ، وَإِثْبَاتُهَا بِإِزَالَةِ ضِدّهَا وَهُوَ الرِّقُّ الَّذِي هُوَ ضَعِفٌ حُكمِيٌّ وَهُمَا لَا يَتَجَزَّانِ، … ... .
قوله: (عتق ذلك القدر) وفي المنافع: عتق؛ أي زال ملكه عن ذلك القدر، ولم يرد به حقيقة العتق عند أبي حنيفة، وإنما أراد به ثبوت أثره وهو زوال الملك إليه أشير في المبسوط (١).
(يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ) أي عند أبي حنيفة، وهو قول الحسن البصري، ومروي عن عليّ ﵁.
قوله: (وهو قول الشافعي)؛ أي: فيما إذا كان المالك واحدًا أو كان المعتق موسرًا فعند ذلك قوله كقولهما. أما لو كان المعتق معسرا يبقى ملك الساكت كما كان، حتى يجوز له بيعه وهبته، وبقول الشافعي قال مالك وأحمد. وقولهما قول قتادة والثوري والشعبي ويروي عن عمر.
قوله: (أن الإعتاق يتجزأ عنده)؛ أي: عند أبي حنيفة خلافا لهما. وفي بعض كتب أصحابنا؛ أن العتق يتجزئ عند أبي حنيفة، والمراد الإعتاق؛ لأن العتق والرق لا يتجزأن بالاتفاق، والمسألة مستقصاه في الأصول، وكذا الخلاف لو قال: بعضك حرا وجزؤك حر يؤمر بالبيان، ولو قال: سهم منك حر أو شيء منك حر، فهو سدسه.
وقيل: الخلاف في السهم لا غير ويأتي في الوصايا إن شاء الله. (وعندهما): يعتق كله ولا يستسعيه ذكره في التحفة.
(لهم)؛ أي: لأبي يوسف ومحمد والشافعي (أن الإعتاق … ) إلى آخره، (وهما لا يتجزآن) أي الرق والعتق لا يتجزآن بالاتفاق فلا يتجزئ بالإعتاق؛ لأن
стр. 3566
فَصَارَ كَالطَّلَاقِ وَالعَفْوِ عَنْ القِصَاصِ وَالاسْتِيلادِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الإِعْتَاقَ إِثْبَاتُ العِتْقِ بِإِزَالَةِ المِلكِ، أَوْ هُوَ إِزَالَةُ المِلكِ، لِأَنَّ المِلكَ حَقَّهُ، وَالرِّقَّ حَقُّ الشَّرْعِ، أَوْ حَقُّ العَامَّةِ. وَحُكمُ التَّصَرُّفِ مَا يَدخُلُ تَحتَ وِلَايَةِ المُتَصَرِّفِ وَهُوَ إِزَالَهُ
إزالة ما لا يتجزء لا يتجزئ، أما الرق لا يتجزئ فإنه عقوبة وجبت على الآدمي بسبب كفره في الأصل، والعقوبة لا يتصور وجوبها على النصف شائعًا؛ لأن الذنب لا يتصور من النصف، ولأن الأحكام المبنية على العتق من أهلية الشهادة والقضاء والإرث يضاد أحكام الرق؛ فلا يتصور إجماع الضدين في محل واحد، ولهم أيضًا قوله ﵇: «من أعتق شِقْصًا من عبد فهو حر كله ليس الله فيه شريك» (١).
(فصار كالطلاق)، والطلاق لا يتجزئ وكذا (العفو عن القصاص والاستيلاد) بالإجماع، حتى لو استولد الأمة المشتركة تصير كلها أم ولد، ولو عفى بعض الورثة من القصاص بسقوط الورثة.
قوله: (والرق حق الشرع) جرى عليه الرق جزاء كفره حيث استنكف أن يكون عبد الله فجعله الله عبد عبده. (أو حق العامة) ليكون معونة للمكلفين على إقامة التكليف يعني: الغانمون يستغنمونه كما يستغنمون سائر الأموال؛ فصار في حقهم بمنزلة الجماد ليصلوا إلى الانتفاع به. وإنما ملك التصرف في حقه دون حق غيره وهو إزالة ملكه فيبقى على الأصل، وهو أن يقتصر التصرف على موضع الإضافة.
واستدل أبو حنيفة أيضًا بحديث سالم عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «من أعتق شقصًا له من عبده، فإن كان موسرًا؛ فعليه خلاصه، وإلا فقد عتق ما عتق ورق ما رق» (٢)، وفي رواية: «من أعتق شقصًا له من عبد؛ كُلِّفَ عِنقَ
стр. 3567
حَقِّهِ لَا حَقِّ غَيْرِهِ. وَالأَصلُ: أَنَّ التَّصَرُّفَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَوضِعِ الإِضَافَةِ وَالتَّعَدِّي إِلَى مَا وَرَاءَهُ ضَرُورَةَ عَدَمِ التَّجْزِيءِ، وَالمِلكُ مُتَجَزِّى كَمَا فِي البَيعِ وَالهِبَةِ فَيَبْقَى عَلَى الأصلِ، وَتَجِبُ السِّعَايَةُ لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّةِ البَعْضِ عِنْدَ العَبدِ، وَالمُسْتَسْعَى بِمَنزِلَةِ المُكَاتَبِ عِندَهُ، لِأَنَّ الإِضَافَةَ إِلَى البَعْضِ تُوجِبُ ثُبُوتَ المَالِكِيَّةِ فِي كُلِّهِ، وَبَقَاءُ المِلكِ فِي بَعضِهِ يَمْنَعُهُ، فَعَمِلنَا بِالدَّلِيلَينِ بِإِنزَالِهِ مُكَاتَبًا إِذْ هُوَ مَالِكُ يَد إِلَّا رَقَبَة، وَالسِّعَايَةُ كَبَدَلِ الكِتَابَةِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَسعِيَهُ. وَلَهُ خِيَارُ أَنْ يُعتِقَهُ، لِأَنَّ المُكَاتَبَ قَابِلٌ
بقيته» (١) وتكليف العتق في الباقي لا يتصور بدون قيام الرق والملك، وألا يكون تكليفا بتحصيل الحاصل.
وتأويل قوله ﵇: «فهو حرّ كله» (٢) أي:: سيصير حرا كله بإخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية، فيكون فيه بيان أن الرق لا يستدام فيما بقي وهو مذهبنا. وبدلالة الإجماع أيضًا فإن المعتق إذا كان معسرا لا يضمن بالإجماع، ولو كان إعتاق البعض إعتاقًا للكل وإتلافًا حكمًا؛ لضمن كالموسر كما لو أتلف بالسيف أو بالشهادة لإنسان ثم رجع بعد القضاء، فإنه يضمن معسرًا كان أو موسرًا.
قوله: (فعملنا بالدليلين) لما أنّ زوال الملك في النصف يوجب ثبوت المالكية في الكل باعتبار الرق؛ لأنه لا يتجزئ فقد اجتمع في العبد ما يوجب ثبوت المالكية في الكل وما يوجب بقاء الملك في الكل، والعمل بالدليلين ممكن بأن جعل مكاتبًا؛ لأن المكاتب مالك يدًا ومملوك رقبة، إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام.
أو تقول إضافة العتق إلى البعض يوجب ثبوت ملكيته كما هو قولهما، ولا يوجب ثبوت مالكيته كما قال أبو حنيفة، فقلنا: إنه حر يدا مملوك رقبة كالمكاتب عملا بالدليلين.
стр. 3568
لِلإِعْتَاقِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ لَا يُرَدُّ إِلَى الرِّقِّ، لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لَا إِلَى أَحَدٍ فَلَا يَقْبَلُ الفَسخ، بِخِلَافِ الكِتَابَةِ المَقصُودَةِ، لِأَنَّهُ عَقدٌ يُقَالُ وَيُفْسَخُ، وَلَيْسَ فِي الطَّلَاقِ وَالعَفْوِ عَنِ القِصَاصِ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ، فَأَثْبَتَنَاهُ فِي الكُلِّ تَرجِيحًا لِلمُحَرَّمِ، وَالاسْتِيلَادُ مُتَجَنِّى عِندَهُ، حَتَّى لَو استَولَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَة يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. وَفِي القِنَّةِ لَمَّا ضَمِنَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالإِفْسَادِ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَكَمُلَ الِاسْتِيلَادُ.
(وَإِذَا كَانَ العَبدُ بَينَ شَرِيكَينِ فَأَعتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا
قوله: (لا إلى أحد)، وفي بعض النسخ: لا إلى أجل بخلاف المكاتب.
قيل: قولهم بمنزلة المكاتب غير جيد؛ لأن ملك المولى ثابت في المكاتب وهو عبد ما بقي عليه درهم، ومعتق البعض زال ملكه عن البعض فليس هو نظير المكاتب؛ بل الجيد أن يقال: سقط ملكه واستحق الحرية بغير عوض.
وأجيب: مرادهم بقوله: بمنزلة المكاتب أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ويخرج إلى العتق بالسعاية كالمكاتب يخرج إليه بأداء البدل.
وفي جوامع الفقه: الاستسعاء أن يؤاجره ويأخذ قيمة نصفه من الأجرة، ويعتبر قيمته في الحال.
وقيل: إزالة الملك لا تسمى إعتاقًا باعتبار عاقبته؛ فإنه لا بد أن يترتب عليه العتق بطريقة كالجرح يسمى قتلا باعتبار يترتب زهوق الروح عليه خلاف البيع والهبة. قوله: (حالة متوسطة) لما كانت الكتابة بين الحرية والرقية (فكمل الاستيلاد) يعني يجب تكميل الاستيلاد ما أمكن؛ لأنه فرع ثبوت النسب، والنسب لا يتجزأ فكذا الاستيلاد فتكميله بالضمان باعتبار إفساد ملك صاحبه لا باعتبار أنه غير متجز عنده، ولهذا لو استولد نصيبه من مدبرة يقتصر عليه.
قوله: (فأعتق أحدهما نصيبه) قيد به؛ لأنه لو أعتق نصيب صاحبه لم يعتق بالإجماع؛ لأن ملك الغير ليس بمحل للعتق.
قوله: (عتق)؛ أي: استحق العتق أو زال ملك المعتق، وملك الشريك أيضًا مع بقاء الرق في كل العبد عند أبي حنيفة؛ لأن عنده لا يثبت شيء من
стр. 3569
فَشَرِيكُهُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ شَرِيكَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى العَبدَ، فَإِنْ ضَمِنَ رَجَعَ المُعتِقُ عَلَى العَبدِ، وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ، وَإِنْ أَعتَقَ أَوْ
العتق به. قوله: (وهذا) (١) أي: اختيار السعاية في صورة اليسار.
وفي التحفة: له خمس خيارات؛ إن كان موسرًا إن شاء أعتق وإن شاء ضمن، وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى، وإن شاء دبّر؛ فإذا دبّر يصير نصيبه مدبّرًا ويجب عليه السعاية للحال فيعتق ولا يجوز له أن يؤخر عتقه إلى ما بعد الموت.
وفي المبسوط (٢): له ثلاث خيارات كما ذكر في الكتاب، ولم يذكر فيه التدبير والكتابة.
وفي هذه المسألة أقوال كثيرة: أحدها: ما ذكر أبو حنيفة. والثاني: قولهما.
والثالث: قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ إنه لا يعتق شيء منه كان بإذن شريكه أو بغير أذنه.
والرابع: قول عثمان البتي؛ أنه يعتق نصيب من أعتق ويبقى نصيب من لم يعتق على حاله، ولا ضمان على المعتق، وهو مروي عن عمر وأبي بكر بن أبي شيبة.
والخامس: قول الثوري والليث؛ فشريكه بالخيار إن شاء أعتق، وإن شاء ضمن ولم يذكر السعاية.
والسادس: قول زفر وبشر؛ أن له التضمين سواء كان المعتق موسرًا أو معسرا.
والسابع: يعتق الباقي من بيت مال المسلمين، وهو قول ابن سيرين.
الثامن: قول مالك؛ قُوِّمَ عليه نصيب شريكه وضَمَّنها له ويعتق كله بعد التقويم لا قبله، وإن شاء شريكه أعتق نصيبه، وليس له أن يمسكه رقيقا ولا أن يكاتبه، ولا أن يدبّره ولا أن يبيعه، وإن غفل عن التقويم حتى مات المعتق أو
стр. 3570
استَسْعَى فَالوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ المُعتِقُ مُعسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَعتَقَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى العَبدَ، وَالوَلَاءُ بَيْنَهُمَا فِي الوَجهَينِ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا:
العبد بطل وماله كله لمن يمسكه بالرق، وإن كان المعتق معسرا؛ فالباقي رقيقًا يبيعه الساكت أو يكاتبه أو يدبره أو يمسكه رقيقًا سواء أيسر بعد إعتاقه أم لا. قيل: لا يُعلم لأحد قبله من السلف.
التاسع: أحد أقوال الشافعي؛ وهو أن المعتق إن كان موسرًا قُوَّمَ عليه نصيب شريكه وهو حر كله حين أعتقه، وإن كان معسرا عتق ما عتق، وبقي الباقي مملوكًا يتصرف فيه مالكه كيف شاء بلا سعاية.
العاشر: قول أبي حنيفة في الولاء أنه مشترك بين المعتق والمستسعي وهو قول الحسن البصري، وحماد بن أبي سليمان والثوري وعندهما للمعتق دون المستسعي وهو قول النخعي والشعبي وابن شبرمة وابن أبي ليلى.
والحادي عشر: لو كان المعتق موسرًا له عتق نصيبه منجزا ومضافًا عند أبي حنيفة. وعند مالك يعتقه ملالا إلى أجل.
والثاني عشر: قول مالك أن المعتق إذا كان موسرًا لا يعتق نصيبه حتى يؤدي قيمة نصيب شريكه، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي: يعتق في حال.
والثالث عشر: أحد أقوال الشافعي؛ إن الحال موقوفة فإذا تبين أنه ما عتق كله.
والرابع عشر: أن العتق يسري بالإرث عندنا بلا ضمان، وعند الشافعية وبعض المالكية لا يسري ولا يضمن.
والخامس عشر: لو كان المشترك زمنًا يسري عندنا، وعند الشافعية خلاف فيها.
والسادس عشر: لو أوصى بعتق نصيبه يسري عندنا، وعند الشافعية لا يسري.
قوله: (والولاء بينهما في الوجهين) أي: في صورة الإعتاق وصورة السعاية، غاية ما في الباب أن الساكت أعتقه بالبدل، والإعتاق على مال لا ينافي ثبوت الولاء.
стр. 3571
لَيْسَ لَهُ إِلَّا الضَّمَانُ مَعَ اليَسَارِ، وَالسِّعَايَةُ مَعَ الإِعْسَارِ، وَلَا يَرْجِعُ المُعتِقُ عَلَى العَبدِ وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ وَهَذِهِ المَسأَلَةُ تُبتَنَى عَلَى حَرفَينِ: أَحَدُهُمَا: تَجْزِيءُ الإِعْتَاقِ وَعَدَمُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالثَّانِي: أَنَّ يَسَارَ المُعتِقِ لَا يَمْنَعُ سِعَايَةَ العَبْدِ عِندَهُ، وَعِندَهُمَا: يَمْنَعُ. لَهُمَا فِي قَولِهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ يُعتِقُ نَصِيبَهُ: «إِنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا سَعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ»، قَسَمَ وَالقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ.
وَلَهُ: أَنَّهُ احْتَسَبَت مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ عِنْدَ العَبدِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ، كَمَا إِذَا هَبَّت الرِّيحُ فِي ثَوبِ إنسان وَأَلقَتهُ فِي صَبْغِ غَيْرِهِ حَتَّى انْصَبَغَ بِهِ، فَعَلَى صَاحِبِ الثَّوبِ قِيمَةُ صَبغ الآخَرِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعسِرًا لِمَا قُلْنَا فَكَذَا هَاهُنَا، إِلَّا أَنَّ العَبدَ فَقِيرٌ فَيَسْتَسْعِيهِ.
قال التمرتاشي: ولو كان الساكت صبيا والمعتق موسرًا فوليه مخير بين التضمين والسعاية عند أبي حنيفة، والتضمين أولى؛ لأنه أنظر، ولو لم يكن ولي ينتظر بلوغه لهما.
قوله: (والقسمة تنافي الشركة) يؤيده ما روي عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: «من أعتق نصيبًا له فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه» أخرجه في الصحيحين (١).
قوله: (احتسبت) - بفتح التاء والباء - على بناء المفعول.
وفي النهاية: هكذا كان مقيّدا بخط شيخي ﵀ لما قلنا، وهو قوله: (احتسبت مالية نصيبه عند العبد).
(فكذا ههنا)؛ أي: في صورة الإعتاق، فالقياس أن يكون وجوب الضمان على المعتق معسرًا كان أو موسرًا، وهو بشرط إلا إنا تركنا القياس بالأحاديث. فإن قيل: هذا القياس معارض للنص هو حديث القسمة وكان مردودًا.
قلنا: ذكر القسمة في الحديث بلفظ الشرط، والشرط يقتضي الوجود عند الوجود ولا يقتضي العدم عند العدم، فإنه ﵇ علق الاستسعاء بفقر المعتق، وهو لا ينافي الاستسعاء عند عدم الفقر على ما هو أصلنا؛ فجاز أن
стр. 3572
ثُمَّ المُعتَبَرُ يَسَارُ التَّيْسِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَملِكَ مِنْ المَالِ قَدَرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ لَا يَسَارُ الغِنَى، لِأَنَّ بِهِ يَعْتَدِلُ النَّظَرُ مِنْ الجَانِبَينِ بِتَحقِيقِ مَا قَصَدَهُ المُعتِقُ مِنْ القُربَةِ وَإِيصَالِ بَدَلِ حَقِّ السَّاكِتِ إِلَيهِ، ثُمَّ التَّحْرِيجُ عَلَى قَولِهِمَا ظَاهِرٌ، فَعَدَمُ رُجُوعِ المُعتِقِ بِمَا ضَمِنَ عَلَى العَبْدِ لِعَدَمِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ اليَسَارِ، وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ، لِأَنَّ
يستسعي عند وجود الدليل، وإن كان موسرًا كذا قيل، وفيه نوع تأمل؛ لأن الأحاديث تؤيد قولهما.
وفي الكافي: وفي الحديث بيان أن الضمان يجب على المعتق عند يساره، وذا لا ينفي وجوب السعاية على العبد بوصف المخبر، وفائدة القسمة في نفي الضمان لو كان فقيرا.
قوله: (لا يسار الغني) هذا ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وفي رواية الحسن عنه استثناء الكفاف وهو المنزل والخادم وثياب البدن. ومن المشايخ من اعتبر نصاب حرمة الصدقة. وفي العيون والمختار ظاهر الرواية.
(لأن به)؛ أي: بيسار التيسير (يعتدل النظر … ) إلى آخره؛ يعني اختلاف هذا الضمان فاليسار والإعسار ليتحقق معنى النظر للشريك، فإنه إذا استسعى العبد يتأخر وصول حقه إليه، وإذا ضمن شريكه يتوصل إلى مالية نصيبه في الحال، وإنما يكون هذا إذا كان موسرًا من المال ما يبلغ نصيب شريكه ويتحقق ما قصده المعتق من القربة.
وفي المبسوط (١): أنه قصد القربة بالإعتاق وتمام ذلك يعتق ما بقي، فإذا كان متمكنا من إتمامه بملكه مقدار ما يؤديه إلى شريكه كان عليه، وهكذا كان في حديث نافع عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «قُومَ عليه نصيب شريكه إن كان له من المال ما يبلغ ذلك» (٢).
وفي التمرتاشي: لو قال: المعتق أعتقت وأنا معسر، وقال الساكت بخلافه
стр. 3573
العتقَ كُلُّهُ مِنْ جِهَتِهِ لِعَدَمِ التَّجْزِيءِ. وَأَمَّا التَّخْرِيجُ عَلَى قَولِهِ فَخِيَارُ الإِعْتَاقِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي البَاقِي، إذ الإعتَاقُ يَتَجَزَّأُ عِندَهُ، وَالتَّصْمِينُ، لِأَنَّ المُعتِقَ جَانِ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِهِ نَصِيبَهُ، حَيثُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ البَيعُ وَالهِبَةُ وَنَحوُ ذَلِكَ مِمَّا سِوَى الإِعْتَاقِ وَتَوَابِعِهِ، وَالاسْتِسْعَاءُ لِمَا بَيَّنَّا.
وَيَرْجِعُ المُعتِقُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى العَبدِ، لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ
نظر إليه يوم ظهر العتق كما في الإجارة إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه.
وإن مات العبد قبل أن يختار الساكت شيئًا لم يكن له تضمين الموسر في رواية عن أبي حنيفة؛ لأن التضمين بشرط نقل الملك إلى المعتق وقد فات النقل بالموت، وفي ظاهر الرواية عنه له ذلك ويأخذه من تركته؛ لأن الضمان يستند إلى حالة الإعتاق كما في تضمين المتلفات وعندهما الضمان واجب، ولو باع الساكت نصيبه من المعتق أو وهب على عوض فالقياس أن يجوز كالتضمين، وفي الاستحسان لا يجوز؛ لأن هذا تمليك للحال وهو غير محل له بخلاف التضمين فإنه تمليك من وقت الإفساد وهو محل له.
وفي جامع قاضي خان: لو أعتق أحد الشريكين في مرض موته وهو موسر، ثم مات لا يوجد ضمان المعتق من تركته في قول أبي حنيفة بل يسقط؛ لأن الضمان يجب بطريق التحمل والصلة، والصلات تسقط بالموت، وعندهما يؤخذ من تركته؛ لأنه ضمان إتلاف، وإنما عرف استسعاء العبد عند عسرته بالنص بخلاف القياس.
قوله: (وتوابعه)؛ أي: توابع الإعتاق كالكتابة والتدبير. (والاستسعاء) معطوف على قوله: (والتضمين).
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: احتسبت ماليته عنده.
قوله: (كان له ذلك)؛ أي: للساكت الرجوع على العبد؛ فكذلك للمعتق كالمتدبر إذا قتل في يد الغاصب، وضمّن الغاصب كان للغاصب أن يرجع على القاتل كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
стр. 3574
بِالاسْتِسْعَاءِ، فَكَذَلِكَ لِلمُعتقِ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضِمنا فَيَصِيرُ كَأَنَّ الكُلَّ لَهُ، وَقَدْ عَتَقَ بَعضُهُ، فَلَهُ أَنْ يُعتِقَ البَاقِيَ أَوْ يَسْتَسعِيَ إِنْ شَاءَ، وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ فِي هَذَا الوَجهِ، لِأَنَّ العِتقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ، حَيثُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ. وَفِي حَالِ إِعْسَارِ المُعتِقِ إِنْ شَاءَ أَعتَقَ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى لِمَا بَيَّنَّا، وَالوَلَاءُ لَهُ فِي الوجهينِ، لِأَنَّ العِتَقَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ المُستَسعِي عَلَى المُعتِقِ بِمَا أَدَّى بِإِجْمَاعِ بَيْنَنَا، لِأَنَّهُ يَسْعَى لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ أَوْ لَا يَقْضِي دَينا عَلَى المُعْتَقِ، إِذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعُسْرَتِهِ، بِخِلَافِ المَرهُونِ إِذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ المُعسِرُ، لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّت أَوْ يَقْضِي دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ، فَلِهَذَا يَرجِعُ عَلَيْهِ. وَقَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي المُوسِرِ
وقوله: (المستسعى) - بفتح العين - على صيغة المفعول، وهو العبد.
وقوله: (لأنه ملكه بأداء الضمان ضمنًا) جواب سؤال يرد على أبي حنيفة، وهو أنه معتق البعض كالمكاتب عنده؛ فينبغي أن لا يتملكه بالضمان كالمكاتب لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، فأجاب عنه بقوله: ملكه ضمنا لأداء الضمان لا قصدًا، وكم من شيء يثبت ضمنا لا قصدًا.
قوله: (بإجماع بيننا) قيد به احترازًا عن أبي ليلى وزفر؛ فإن عندهما يرجع العبد بما سعى على المعتق كالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن المعسر.
قوله: (فلهذا يرجع)؛ أي: لكونه مضطرًا إلى فكاك رقبته أو يقضي دينا على الراهن، وكذا لو أعتق جاريته على أن تزوجه نفسها فامتنعت تسعى في قيمتها وهي حرة، وكذا لو أعتقها على خمر أو خنزير تسعى في قيمتها وهي حرة.
وكذا لو باع نصف العبد منه بجارية فاستحقت عتق العبد ويسعى في قيمته، وهو حرّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر يجب عليه قيمة الجارية، وكذا المولى لو أعتق عبد المديون وهو معسر يسعى وهو حر كالمراهن المعسر إذا أعتق الرهن، ولو وجبت السعاية لنزول العتق يسعى وهو رقيق كما في معتق العبد بعضه، بخلاف المريض إذا أعتق عبده فإنه يسعى وهو رقيق؛ لأن تصرفه موقوف فيما لا ينقض عنده، ونافذ فيما ينقض كالهبة والعتق.
стр. 3575
كَقَولِهِمَا. وَقَالَ فِي المُعسِرِ: يَبْقَى نَصِيبُ السَّاكِتِ عَلَى مِلْكِهِ يُبَاعُ وَيُوهَبُ، لِأَنَّهُ لَا وَجهَ إِلَى تَضْمِينِ الشَّرِيكِ لِإِنْسَارِهِ وَلَا إِلَى السِّعَايَةِ، لِأَنَّ العَبدَ لَيْسَ بِجَانِ وَلَا رَاضِ بِهِ، وَلَا إِلَى إِعْتَاقِ الكُلِّ لِلإِصْرَارِ بِالسَّاكِتِ فَتَعَيَّنَ مَا عَيَّنَاهُ. قُلْنَا: إِلَى الاسْتِسْعَاءِ سَبِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الجِنَايَةِ، بَلْ تُبتَنَى السِّعَايَةُ عَلَى احْتِبَاسِ المَالِيَّةِ فَلَا يُصَارُ إلَى الجَمعِ بَينَ القُوَّةِ المُوجِبَةِ لِلمَالِكِيَّةِ وَالضَّعفِ السَّالِبِ لَهَا فِي شَخص وَاحِد.
قوله: (ولا راض) أي: بإعتاق المعسر؛ لأن الرضا لا يتحقق إلا بالعلم، والمولى منفرد في إعتاقه بدون علمه؛ فتعين ما عيناه، وهو عتق ما عتق، ورق وما رق.
قوله: (إلى الاستسعاء سبيل) كما في العبد المرهون.
ولنا: حديث أبي هريرة كما أخرجه في الصحيحين (١)، ولأن ماليته احتسبت عنده بغير رضاء الساكت فيأمره بالسعاية بالنص وينال شرف الحرية، وليصل الساكت إلى بدل حقه جمعًا بين المصلحتين. وقالت الشافعية: المولى لا يستوجب على عبده دينا فكيف يستسعيه الساكت؟.
قلنا: اعتراض على رسول الله، ويجوز أن يجب على العبد دين لسيده كالمكاتب، فإنه عبد ما بقي عليه درهم ومعتق البعض كالمكاتب عنده إلا أنه بالعجز عن السعاية لا يعود رقيقًا ويلزمه السعاية، وبدل الكتابة غير لازم.
قوله: (فلا يصار إلى الجمع … ) إلى آخره، يعني كونه حرا في نصفه ورقيقًا في نصفه؛ إذ لا يشهد له أصول الشرع، كما لا يشهد بأن يكون نصف المرأة مطلقة ونصفها غير مطلقة أو بقتل نصف رجل ويبقى نصفه غير مستحق القتل، ولأن الغرض من المالكية ملك الأشياء بأسبابها وملكها بأسبابها إنما يتصور من الأشخاص لا من الإسقاط؛ فيستسعى لئلا يؤدي إلى المالكية وعدمه في محل واحد.
والاستسعاء لا يفتقر إلى الجناية؛ بل هو مبني على احتباس المالية، كما إذا وقع ثوب بهبوب الريح في صبغ إنسان فصبغ كان لصاحب الصبغ أنه يرجع