لَيْسَ لَهُ إِلَّا الضَّمَانُ مَعَ اليَسَارِ، وَالسِّعَايَةُ مَعَ الإِعْسَارِ، وَلَا يَرْجِعُ المُعتِقُ عَلَى العَبدِ وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ وَهَذِهِ المَسأَلَةُ تُبتَنَى عَلَى حَرفَينِ: أَحَدُهُمَا: تَجْزِيءُ الإِعْتَاقِ وَعَدَمُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالثَّانِي: أَنَّ يَسَارَ المُعتِقِ لَا يَمْنَعُ سِعَايَةَ العَبْدِ عِندَهُ، وَعِندَهُمَا: يَمْنَعُ. لَهُمَا فِي قَولِهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ يُعتِقُ نَصِيبَهُ: «إِنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا سَعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ»، قَسَمَ وَالقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ.
وَلَهُ: أَنَّهُ احْتَسَبَت مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ عِنْدَ العَبدِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ، كَمَا إِذَا هَبَّت الرِّيحُ فِي ثَوبِ إنسان وَأَلقَتهُ فِي صَبْغِ غَيْرِهِ حَتَّى انْصَبَغَ بِهِ، فَعَلَى صَاحِبِ الثَّوبِ قِيمَةُ صَبغ الآخَرِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعسِرًا لِمَا قُلْنَا فَكَذَا هَاهُنَا، إِلَّا أَنَّ العَبدَ فَقِيرٌ فَيَسْتَسْعِيهِ.
قال التمرتاشي: ولو كان الساكت صبيا والمعتق موسرًا فوليه مخير بين التضمين والسعاية عند أبي حنيفة، والتضمين أولى؛ لأنه أنظر، ولو لم يكن ولي ينتظر بلوغه لهما.
قوله: (والقسمة تنافي الشركة) يؤيده ما روي عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: «من أعتق نصيبًا له فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه» أخرجه في الصحيحين (١).
قوله: (احتسبت) - بفتح التاء والباء - على بناء المفعول.
وفي النهاية: هكذا كان مقيّدا بخط شيخي ﵀ لما قلنا، وهو قوله: (احتسبت مالية نصيبه عند العبد).
(فكذا ههنا)؛ أي: في صورة الإعتاق، فالقياس أن يكون وجوب الضمان على المعتق معسرًا كان أو موسرًا، وهو بشرط إلا إنا تركنا القياس بالأحاديث. فإن قيل: هذا القياس معارض للنص هو حديث القسمة وكان مردودًا.
قلنا: ذكر القسمة في الحديث بلفظ الشرط، والشرط يقتضي الوجود عند الوجود ولا يقتضي العدم عند العدم، فإنه ﵇ علق الاستسعاء بفقر المعتق، وهو لا ينافي الاستسعاء عند عدم الفقر على ما هو أصلنا؛ فجاز أن
стр. 3572
ثُمَّ المُعتَبَرُ يَسَارُ التَّيْسِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَملِكَ مِنْ المَالِ قَدَرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ لَا يَسَارُ الغِنَى، لِأَنَّ بِهِ يَعْتَدِلُ النَّظَرُ مِنْ الجَانِبَينِ بِتَحقِيقِ مَا قَصَدَهُ المُعتِقُ مِنْ القُربَةِ وَإِيصَالِ بَدَلِ حَقِّ السَّاكِتِ إِلَيهِ، ثُمَّ التَّحْرِيجُ عَلَى قَولِهِمَا ظَاهِرٌ، فَعَدَمُ رُجُوعِ المُعتِقِ بِمَا ضَمِنَ عَلَى العَبْدِ لِعَدَمِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ اليَسَارِ، وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ، لِأَنَّ
يستسعي عند وجود الدليل، وإن كان موسرًا كذا قيل، وفيه نوع تأمل؛ لأن الأحاديث تؤيد قولهما.
وفي الكافي: وفي الحديث بيان أن الضمان يجب على المعتق عند يساره، وذا لا ينفي وجوب السعاية على العبد بوصف المخبر، وفائدة القسمة في نفي الضمان لو كان فقيرا.
قوله: (لا يسار الغني) هذا ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وفي رواية الحسن عنه استثناء الكفاف وهو المنزل والخادم وثياب البدن. ومن المشايخ من اعتبر نصاب حرمة الصدقة. وفي العيون والمختار ظاهر الرواية.
(لأن به)؛ أي: بيسار التيسير (يعتدل النظر … ) إلى آخره؛ يعني اختلاف هذا الضمان فاليسار والإعسار ليتحقق معنى النظر للشريك، فإنه إذا استسعى العبد يتأخر وصول حقه إليه، وإذا ضمن شريكه يتوصل إلى مالية نصيبه في الحال، وإنما يكون هذا إذا كان موسرًا من المال ما يبلغ نصيب شريكه ويتحقق ما قصده المعتق من القربة.
وفي المبسوط (١): أنه قصد القربة بالإعتاق وتمام ذلك يعتق ما بقي، فإذا كان متمكنا من إتمامه بملكه مقدار ما يؤديه إلى شريكه كان عليه، وهكذا كان في حديث نافع عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «قُومَ عليه نصيب شريكه إن كان له من المال ما يبلغ ذلك» (٢).
وفي التمرتاشي: لو قال: المعتق أعتقت وأنا معسر، وقال الساكت بخلافه
стр. 3573
العتقَ كُلُّهُ مِنْ جِهَتِهِ لِعَدَمِ التَّجْزِيءِ. وَأَمَّا التَّخْرِيجُ عَلَى قَولِهِ فَخِيَارُ الإِعْتَاقِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي البَاقِي، إذ الإعتَاقُ يَتَجَزَّأُ عِندَهُ، وَالتَّصْمِينُ، لِأَنَّ المُعتِقَ جَانِ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِهِ نَصِيبَهُ، حَيثُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ البَيعُ وَالهِبَةُ وَنَحوُ ذَلِكَ مِمَّا سِوَى الإِعْتَاقِ وَتَوَابِعِهِ، وَالاسْتِسْعَاءُ لِمَا بَيَّنَّا.
وَيَرْجِعُ المُعتِقُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى العَبدِ، لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ
نظر إليه يوم ظهر العتق كما في الإجارة إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه.
وإن مات العبد قبل أن يختار الساكت شيئًا لم يكن له تضمين الموسر في رواية عن أبي حنيفة؛ لأن التضمين بشرط نقل الملك إلى المعتق وقد فات النقل بالموت، وفي ظاهر الرواية عنه له ذلك ويأخذه من تركته؛ لأن الضمان يستند إلى حالة الإعتاق كما في تضمين المتلفات وعندهما الضمان واجب، ولو باع الساكت نصيبه من المعتق أو وهب على عوض فالقياس أن يجوز كالتضمين، وفي الاستحسان لا يجوز؛ لأن هذا تمليك للحال وهو غير محل له بخلاف التضمين فإنه تمليك من وقت الإفساد وهو محل له.
وفي جامع قاضي خان: لو أعتق أحد الشريكين في مرض موته وهو موسر، ثم مات لا يوجد ضمان المعتق من تركته في قول أبي حنيفة بل يسقط؛ لأن الضمان يجب بطريق التحمل والصلة، والصلات تسقط بالموت، وعندهما يؤخذ من تركته؛ لأنه ضمان إتلاف، وإنما عرف استسعاء العبد عند عسرته بالنص بخلاف القياس.
قوله: (وتوابعه)؛ أي: توابع الإعتاق كالكتابة والتدبير. (والاستسعاء) معطوف على قوله: (والتضمين).
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: احتسبت ماليته عنده.
قوله: (كان له ذلك)؛ أي: للساكت الرجوع على العبد؛ فكذلك للمعتق كالمتدبر إذا قتل في يد الغاصب، وضمّن الغاصب كان للغاصب أن يرجع على القاتل كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
стр. 3574
بِالاسْتِسْعَاءِ، فَكَذَلِكَ لِلمُعتقِ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضِمنا فَيَصِيرُ كَأَنَّ الكُلَّ لَهُ، وَقَدْ عَتَقَ بَعضُهُ، فَلَهُ أَنْ يُعتِقَ البَاقِيَ أَوْ يَسْتَسعِيَ إِنْ شَاءَ، وَالوَلَاءُ لِلمُعتِقِ فِي هَذَا الوَجهِ، لِأَنَّ العِتقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ، حَيثُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ. وَفِي حَالِ إِعْسَارِ المُعتِقِ إِنْ شَاءَ أَعتَقَ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى لِمَا بَيَّنَّا، وَالوَلَاءُ لَهُ فِي الوجهينِ، لِأَنَّ العِتَقَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ المُستَسعِي عَلَى المُعتِقِ بِمَا أَدَّى بِإِجْمَاعِ بَيْنَنَا، لِأَنَّهُ يَسْعَى لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ أَوْ لَا يَقْضِي دَينا عَلَى المُعْتَقِ، إِذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعُسْرَتِهِ، بِخِلَافِ المَرهُونِ إِذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ المُعسِرُ، لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّت أَوْ يَقْضِي دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ، فَلِهَذَا يَرجِعُ عَلَيْهِ. وَقَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي المُوسِرِ
وقوله: (المستسعى) - بفتح العين - على صيغة المفعول، وهو العبد.
وقوله: (لأنه ملكه بأداء الضمان ضمنًا) جواب سؤال يرد على أبي حنيفة، وهو أنه معتق البعض كالمكاتب عنده؛ فينبغي أن لا يتملكه بالضمان كالمكاتب لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، فأجاب عنه بقوله: ملكه ضمنا لأداء الضمان لا قصدًا، وكم من شيء يثبت ضمنا لا قصدًا.
قوله: (بإجماع بيننا) قيد به احترازًا عن أبي ليلى وزفر؛ فإن عندهما يرجع العبد بما سعى على المعتق كالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن المعسر.
قوله: (فلهذا يرجع)؛ أي: لكونه مضطرًا إلى فكاك رقبته أو يقضي دينا على الراهن، وكذا لو أعتق جاريته على أن تزوجه نفسها فامتنعت تسعى في قيمتها وهي حرة، وكذا لو أعتقها على خمر أو خنزير تسعى في قيمتها وهي حرة.
وكذا لو باع نصف العبد منه بجارية فاستحقت عتق العبد ويسعى في قيمته، وهو حرّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر يجب عليه قيمة الجارية، وكذا المولى لو أعتق عبد المديون وهو معسر يسعى وهو حر كالمراهن المعسر إذا أعتق الرهن، ولو وجبت السعاية لنزول العتق يسعى وهو رقيق كما في معتق العبد بعضه، بخلاف المريض إذا أعتق عبده فإنه يسعى وهو رقيق؛ لأن تصرفه موقوف فيما لا ينقض عنده، ونافذ فيما ينقض كالهبة والعتق.
стр. 3575
كَقَولِهِمَا. وَقَالَ فِي المُعسِرِ: يَبْقَى نَصِيبُ السَّاكِتِ عَلَى مِلْكِهِ يُبَاعُ وَيُوهَبُ، لِأَنَّهُ لَا وَجهَ إِلَى تَضْمِينِ الشَّرِيكِ لِإِنْسَارِهِ وَلَا إِلَى السِّعَايَةِ، لِأَنَّ العَبدَ لَيْسَ بِجَانِ وَلَا رَاضِ بِهِ، وَلَا إِلَى إِعْتَاقِ الكُلِّ لِلإِصْرَارِ بِالسَّاكِتِ فَتَعَيَّنَ مَا عَيَّنَاهُ. قُلْنَا: إِلَى الاسْتِسْعَاءِ سَبِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الجِنَايَةِ، بَلْ تُبتَنَى السِّعَايَةُ عَلَى احْتِبَاسِ المَالِيَّةِ فَلَا يُصَارُ إلَى الجَمعِ بَينَ القُوَّةِ المُوجِبَةِ لِلمَالِكِيَّةِ وَالضَّعفِ السَّالِبِ لَهَا فِي شَخص وَاحِد.
قوله: (ولا راض) أي: بإعتاق المعسر؛ لأن الرضا لا يتحقق إلا بالعلم، والمولى منفرد في إعتاقه بدون علمه؛ فتعين ما عيناه، وهو عتق ما عتق، ورق وما رق.
قوله: (إلى الاستسعاء سبيل) كما في العبد المرهون.
ولنا: حديث أبي هريرة كما أخرجه في الصحيحين (١)، ولأن ماليته احتسبت عنده بغير رضاء الساكت فيأمره بالسعاية بالنص وينال شرف الحرية، وليصل الساكت إلى بدل حقه جمعًا بين المصلحتين. وقالت الشافعية: المولى لا يستوجب على عبده دينا فكيف يستسعيه الساكت؟.
قلنا: اعتراض على رسول الله، ويجوز أن يجب على العبد دين لسيده كالمكاتب، فإنه عبد ما بقي عليه درهم ومعتق البعض كالمكاتب عنده إلا أنه بالعجز عن السعاية لا يعود رقيقًا ويلزمه السعاية، وبدل الكتابة غير لازم.
قوله: (فلا يصار إلى الجمع … ) إلى آخره، يعني كونه حرا في نصفه ورقيقًا في نصفه؛ إذ لا يشهد له أصول الشرع، كما لا يشهد بأن يكون نصف المرأة مطلقة ونصفها غير مطلقة أو بقتل نصف رجل ويبقى نصفه غير مستحق القتل، ولأن الغرض من المالكية ملك الأشياء بأسبابها وملكها بأسبابها إنما يتصور من الأشخاص لا من الإسقاط؛ فيستسعى لئلا يؤدي إلى المالكية وعدمه في محل واحد.
والاستسعاء لا يفتقر إلى الجناية؛ بل هو مبني على احتباس المالية، كما إذا وقع ثوب بهبوب الريح في صبغ إنسان فصبغ كان لصاحب الصبغ أنه يرجع
стр. 3576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه بقيمة صبغه إذا اختار صاحب الثوب إمساك ثوبه، وكذا إذا استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة يضمن نصيب شريكه موسرًا كان أو معسرًا؛ لاحتباس نصيب شريكه عنده، ووجوب السعاية من طريق الحكم للاحتباس وذلك متقرر وإن لم يرض به العبد كذا في المبسوط (١).
وفي البدائع: الضمان ثلاثة أنواع: ضمان تملك كاستيلاد الجارية المشتركة، وضمان إفساد كالإتلافات وإعتاق العبد المشترك عندهما، وضمان احتباس كإعتاق العبد المشترك على قول أبي حنيفة، ويعتبر القيمة في الضمان والسعاية يوم الإعتاق؛ لأنه السبب كما في الغصب وكذا حال المعتق في اليسار والإعسار، حتى لو كان موسرًا حين عتق ضمن ولم يسقط بالعسر الطارئ، ثم اختلفت الرواية عن أبي حنيفة في رواية الضمان هو الأصل، وفي رواية الواجب أحدهما غير عين فأيهما أجازه فهو الواجب.
وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا مات العبد أو المعتق الموسر قبل التضمين، أو الاستسعاء؛ فعلى الرواية الأولى للساكت حق التضمين؛ لأنه هو الأصل فلا يسقط بالموت كالغصب، وعلى الرواية الثانية ليس له ذلك؛ لأن الضمان يثبت بملك المضمون، ولا يملك ذلك بعد الموت ويأخذ الأكساب بعد الموت العبد؛ لأن الواجب أحدهما فتبين أن الواجب من الأصل هو الاستسعاء فيكون استكسابا بعد الموت.
وعلى الرواية الأولى ليس له أخذها بطريق السعاية؛ لأن الضمان هو الأصل فيكون استكسابًا بعد الموت وذلك لا يتصور.
وفي الذخيرة: لو أراد الساكت تضمين المعتق الموسر ثم أراد أن يستسعي له ذلك ما لم يقبل المعتق الضمان أو يحكم به حاكم، وهو رواية بن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة، وذكر في الأصل إذا اختار الاستسعاء؛ لم يكن له اختيار التضمين بعد ذلك رَضِي العبد بالسعاية أو لا باتفاق الروايات، وهذا التفريع
стр. 3577
قَالَ: (وَلَو شَهِدَ كُلُّ وَاحِد مِنْ الشَّرِيكَينِ عَلَى صَاحِبِهِ بِالعِيقِ، سَعَى العَبْدُ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ، مُوسِرَينِ كَانَا أَوْ مُعسِرَينِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً) وَكَذَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالآخَرُ مُعسِرًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا يَزِعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، فَصَارَ مُكَاتَبًا فِي زَعمِهِ عِندَهُ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ …
إنما يتأتى على قول أبي حنيفة لا على قولهما؛ فإن السعاية مع اليسار لا تجتمع عندهما.
ولو مات شريك المعتق فكل وارث ما يختاره رواه محمد عنه وخالف فيه ابن زياد، وعنده: إما أن يتفقوا على التضمين أو السعاية، ولو اختلف المعتق والساكت في قيمة العبد إن كانت المدة من وقت الإعتاق قريبا، بحكم حال العبد، وإن كانت بعيدة فالقول للمعتق ولإنكاره الزيادة، فإن قال أحدهما: كان العتق الساعة، وقال الآخر: كان العتق من سنتين وكانت قيمته وقت الإعتاق ألفًا والآن خمسمائة بحكم الحال؛ لأن العتق حادث فيضاف إلى أقرب الأوقات، وكذا إذا وقع الخلاف بين العبد والساكت، وكذا إذا وقع الاختلاف بين الساكت والمُعتق في حال المُعتق يوم الإعتاق في اليسار والإعسار إن كانت المدة قريبة يحكم الحال، وإن كانت بعيدة لا يحكم.
وفي المنتقى عن محمد: لو أعتقه من سنة ثم قال: أنا معسر يوم الإعتاق، وقال الساكت: كنت موسرًا يحكم الحال فكأنه جعل السنة قريبة، ولو صالحه على أكثر من قيمته بدراهم أو دنانير بغبن فاحش لا يجوز، وعلى عرض يجوز، ولو امتنع العبد من السعاية وله عمل معروف يؤجر ويؤخذ من أجرته وكذا المدبّر، ولو كان العبد صغيرًا يعقل، ورضي بذلك جاز وعليه وكان الأجر للساكت قصاصا في حقه.
قوله: (على صاحبه بالعتق)؛ أي: الإعتاق.
قوله: (في زعمه)؛ أي: زعم كل واحد.
(عنده) أي: عند أبي حنيفة.
(وحرم عليه)؛ أي: على كل واحد منهما.
فِي النِّصفِ الْآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ) (*) لِأَنَّ المُقضَى عَلَيْهِ بِسُقُوطِ السِّعَايَةِ مَجْهُولٌ، وَلَا يُمْكِنُ القَضَاءُ عَلَى المَجْهُولِ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: لَكَ عَلَى أَحَدِنَا أَلفُ دِرْهَم، فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِشَيْء لِلجَهَالَةِ، كَذَا هَذَا. وَلَهُمَا: أَنَّا تَيَقَّنَّا بِسُقُوطِ نِصفِ السِّعَايَةِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَانِثُ بِيَقِينِ، وَمَعَ التَّيَقْنِ بِسُقُوطِ النِّصْفِ كَيْفَ يُقضَى بِوُجُوبِ الكُلِّ، وَالجَهَالَةُ تَرتَفِعُ بِالشُّيُوعِ وَالتَّوزِيعِ، كَمَا إِذَا
قوله: (يسعى في جميع قيمته)؛ أي: إذا كانا معسرين، ولو كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا سعى بنصف القيمة للموسر، ولو كانا موسرين لا يسعى لأحدهما، ذكره في جامع شمس الأئمة.
قوله: (لأن المقضي عليه بسقوط السعاية)، وفي بعض النسخ: (لسقوط حقه في السعاية حكم يثبت على المعتق حقيقة)، ونحن نعلم أن أحدهما حانث بعينه، وإذا كان عينا بطل التوزيع منافيًا له كذا في المبسوط (١).
قوله: (كيف يقضي بوجوب الكل)؛ لأنه يكون ظلما (بالشيوع)؛ أي بشيوع النصف الذي عتق وتوزيعه؛ لأن بالتوزيع يصير المقضي عليه الموليان ولا جهالة فيهما، ولا كذلك لولا القسمة والتوزيع؛ لأن المقضي عليه هناك أحدهما وأحدهما مجهول.
وقلنا: بالتوزيع وإن كان فيه إسقاط حق غير المعتق وإيجابه للمعتق، إلا أنه بطريق الضرورة؛ لأن القول يوجب كل السعاية كما قال محمد: إبطال حق العبد، وفي القول بالتوزيع إبطال حق غير المعتق من وجه؛ فكان التوزيع أولى من وجوب كل السعاية؛ لأن فيه إبطال حق العبد من كل وجه.
وأما قوله: التعيين يمنع التوزيع فباطل بما ذكر في كتاب التحري: في عشرة رجال لكل واحد جارية، فأعتق أحدهم جاريته، ثم صار لا يدري الذي أعتق جاريته والمعتقة، ثم اجتمعن في ملك واحد منهم، ثم مات أنه يُحكم بعتقهن وتسعى كل واحدة في تسعة أعشار قيمتها، كذا في المبسوط (٢).
стр. 3580
أَعْتَقَ أَحَدَ عَبدَيهِ لَا بِعَيْنِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ وَنَسِيَهُ وَمَاتَ قَبلَ التَّذَكَّرِ أَوْ البَيَانِ، وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ فِيهِ عَلَى أَنَّ اليَسَارَ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ أَوْ لَا يَمْنَعُهَا عَلَى الاخْتِلَافِ الَّذِي سَبَقَ.
(وَلَو حَلَفَا عَلَى عِتْقِ عَبدَينِ، كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، لَم يَعتِق وَاحِدٌ مِنْهُمَا) لِأَنَّ المَقضِيَّ عَلَيْهِ بِالعِتقِ مَجْهُولٌ، وَكَذَلِكَ المَقضِيُّ لَهُ، فَتَفَاحَشَتِ الجَهَالَةُ، فَامْتَنَعَ القَضَاءُ، وَفِي العَبدِ الوَاحِدِ المَقضِيُّ لَهُ وَالمَقضِيُّ بِهِ مَعْلُومٌ فَغَلَبَ المَعلُومُ المَجْهُولَ.
قوله: (ومات قبل التذكر والبيان) فإن العتق يوزع عندنا، وقال الشافعي في قول: يقرع بينهما، وفي قول: الوارث يقام مقامه في البيان، وهو الأصح.
قوله: (على الاختلاف الذي … ) وهو اليسار لا يمنع السعاية عند أبي حنيفة وعندهما، فحينئذ عنده يسعى للموليين في نصف قيمته موسرين كانا أو معسرين، أو أحدهما موسر والآخر معسر، وعند أبي يوسف: يسعى لهما إن كانا موسرين وإن كانا معسرين لا يسعى لواحد منهما لما مر، ولو كان أحدهما موسرًا؛ سعى في ربع القيمة للموسر، ولا يسعى للمعسر براءة من السعاية، وبقول شريكي أعتقه وهو موسر وفي تضمنه.
قوله: (ولو حلفا) أي: علقا بالدخول وعدمه (كل واحد منهما) أي: من العبدين.
قوله: (لأن المقضي عليه بالعتق) وهو أحد الموليين (مجهول وكذلك المقضي له) وهو المعتق (مجهول)، فتمكنت الجهالة في موضعين فترجح جانب الجهالة.
(المقضي له) أي بسقوط نصف السعاية وهو العبد معلوم؛ لأنه وجد، (والمقضي به) وهو نصف السعاية معلوم، والمجهول واحد وهو الحانث؛ فيرجح جانب العلم علي جانب الجهالة فيوزع.
ثم في مسألة العبدين إذا اشتراهما رجل جاز، وإن كان عالما بحنث أحد البائعين؛ لأن كل واحد يزعم أنه يبيع العبد، وزَعْمُ المشتري قبل دخول العبد في ملكه غير معتبر كما لو أقر بحرية عبد ومولاه ينكر ثم اشتراه صح، وإذا صح الشراء واجتمعا في ملكه عتقا عليه أحدهما؛ لأن زعمه معتبر الآن؛ لحصولهما
стр. 3581
(وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ ابنَ أَحَدِهِمَا، عَتَقَ نَصِيبُ الْأَبِ) لِأَنَّهُ مَلَكَ شِقصَ قَرِيبِهِ وَشِرَاؤُهُ إِعْتَاقٌ عَلَى مَا مَرَّ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) عَلِمَ الْآخَرُ أَنَّهُ ابْنُ شَرِيكِهِ أَوْ لَم يَعلَم وَكَذَا إِذَا وَرِثَاهُ، وَالشَّرِيكُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَعتَقَ نَصِيبَهُ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى
في ملكه ويؤمر بالبيان؛ لأن المقضى عليه معلوم، وكذا لو أقر بإعتاق البائع ثم ملكه عتق عليه بإقراره، ولو قال: عبده حر إن لم يكن دخل فلان اليوم هذه الدار، ثم قال: امرأته طالق إن كان دخل اليوم؛ عتق وطلقت؛ لأن باليمين الأولى صار مقرا بوجود شرط الطلاق، وباليمين الثانية صار مقرًا بوجود شرط العتق.
وقيل: لم تطلق ولم تعتق؛ لأن أحدهما معلق بعدم الدخول والآخر بوجوده، وكل واحد من الشرطين دائر بين الوجود والعدم فلا يترك الجزاء بالشك.
وعن أبي يوسف؛ يعتق ولا تطلق؛ لأن باليمين الثانية صار مقرا بنزول العتق، ولم يوجد بعد الثانية ما يوجب إقراره بنزول الطلاق، كذا ذكره التمرتاشي وقاضي خان وصاحب الفوائد.
قوله: عتق نصيب الأب؛ أي: زال ملكه عند أبي حنيفة؛ لما أنه لا يثبت شيء من العتق عنده.
قوله: (وكذلك إذا وَرِثَاهُ) صورته امرأة اشترت ابن زوجها، ثم ماتت المرأة عن أخ زوج كان النصف؛ تعتق عليه، أو كان للرجلين ابن عم وله جارية فزوجها أحدهما فولدت ولدا ثم مات ابن العم فورث الولد زوجها وابن عم آخر له؛ عتق الولد على الأب أو امرأة لها زوج وأب ولها غلام، وهو أبو زوجها؛ فماتت هذه المرأة صار الغلام ميراثا بين زوجها وأبيها.
أو رجل له جارية وابنها، ثم جاءت المأسورة بولد من المولى ثم مات المولى وترك هذا الابن وابنا من غير هذه الجارية؛ صار الغلام المأسور ميراثا لهما، أو اشترى جارية مع ولدها ثم ولدت منه؛ فمات المولى وتركه ميراثًا بين ولده منها وولد من غيرها.
стр. 3582
(العبد) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: فِي الشِّرَاءِ يَضمَنُ الأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ، إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعسِرًا، سَعَى الابْنُ فِي نِصفِ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِ أَبِيهِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا مَلَكَاهُ، بِهِبَة أَوْ صَدَقَة أَوْ وَصِيَّة (*)، وَعَلَى هَذَا إِذَا اشْتَرَاهُ رَجُلَانِ وَأَحَدُهُمَا قَدْ حَلَفَ بِعِقِهِ إِنْ اشْتَرَى نِصْفَهُ.
لَهُمَا: أَنَّهُ أَبْطَلَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالإِعْتَاقِ، لِأَنَّ شِرَاءَ القَرِيبِ إعتَاقٌ، وَصَارَ هَذَا كَمَا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَينَ أَجنَبِيَّيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَلَهُ: أَنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ فَلَا يُضَمِّنُهُ، كَمَا إِذَا أَذِنَ لَهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ صَرِيحًا، وَدَلَالَةٌ ذَلِكَ أَنَّهُ شَارَكَهُ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ العِتقِ وَهُوَ الشَّرَاءُ، لِأَنَّ شِرَاءَ القَرِيبِ إعتَاقٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الكَفَّارَةِ عِنْدَنَا، وَهَذَا ضَمَانُ إفساد فِي ظَاهِرِ قَولِهِمَا حَتَّى يَختَلِفَ بِاليَسَارِ وَالإِعْسَارِ فَيَسْقُطَ بِالرِّضا، وَلَا يَختَلِفُ الجَوَابُ بَينَ العِلْمِ وَعَدَمِهِ،
ثم لا خلاف بين أصحابنا في الإرث أنه لا يلزمه الضمان، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وقولهم: في غير الإرث كقولهما إلا أنهم لا يستسعونه، والأخ يعتق عند الشافعي على ما مر.
قوله: (قد حلف بعتقه إن اشترى نصفه) قيد بالنصف؛ لأنه لو حلف بعتقه ثم اشتراه لشريكه الآخر لا يعتق؛ لأن الشرط شراء كل العبد ولم يوجد.
قوله: (رضي بإفساد نصيبه)؛ لأنه شاركه في علة العتق، والحكم يضاف إلى علة العلة كما في سَوْقِ الدابة وقَوْدُها.
قوله: (أذن له بإعتاق نصيبه) صريحًا بأن قال: أعتق نصيبي.
(في ظاهر قولهما) احترز به عما روى أبو يوسف هذا ضمان تملك لما سقط الإذن كاستيلاد الجارية المشتركة بإذن الشريك، فإنه يضمن نصيبه؛ فعلم أنه ضمان إفساد لا ضمان تملك، وضمان الاستيلاد ضمان التملك؛ لأن الاستيلاد موضوع لطلب الولد لا للعتق حتى تحقق من غير عتق المنكوحة، فلا يمكن أن يجعل الواجب به ضمان عتق، وهو غير موضوع فجعلناه ضمان التمليك.
стр. 3583
وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنهُ، لِأَنَّ الحُكمَ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ، كَمَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: كُل هَذَا الطَّعَامَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلآمِرِ وَلَا يَعْلَمُ الْآمِرُ بِمِلْكِهِ.
(وَإِنْ بَدَأَ الأَجْنَبِيُّ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ ثُمَّ اشْتَرَى الأَبُ نِصْفَهُ الْآخَرَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَالْأَجْنَبِيُّ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الأَبَ) لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ (وَإِنْ شَاءَ استَسْعَى الابنَ فِي نِصفِ قِيمَتِهِ) لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّتِهِ عِندَهُ، (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ يَسَارَ المُعتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِندَهُ. وَقَالَا: لَا خِيَارَ لَهُ وَيَضمَنُ الأَبُ نِصْفَ
قوله: (وهو ظاهر الرواية عنه) عن أبي حنيفة، واحترز عن رواية الحسن عنه؛ أنه إذا لم يكن الشريك عالمًا يضمنه؛ لأن رضاه إنما يتحقق إذا علم بقرابة شريكه فإذا لم يعلم يضمنه.
وجه الظاهر أن يسقط مشاركته في (السبب)؛ أي العلة وذا لا يختلف بعلمه وجهله كما لو أطعم المغصوب من مالكه فتناوله، وهو لا يعلم أنه ملكه لا يكون له أن يضمن الغاصب شيئًا. كذا ذكره شمس الأئمة، وما ذكر من التنظير في الكتاب ذكره في مبسوطه (١) وكلاهما مستقيم.
قوله: (فاشترى نصفه) قيد به؛ لأنه إذا اشترى نصيب أحد الشريكين منه؛ يضمن للساكت بالإجماع لعدم الرضا ودلالته.
وقوله: (والوجه قد ذكرناه) (٢) إشارة إلى قوله: (أنه أبطل) (٣)، وقوله: (وله أنه رضي بإفساد نصيبه) (٤).
وفي الكافي: عندهما يضمن إذا كان موسرًا؛ لأن المعتق هو المشتري والبائع باشر شرطه؛ لأن تمليك البائع في حق المشتري شرط لتملكه؛ إذ به تأثير الإنجاب في إزالة ملك البائع لا في ثبوت الملك للمشتري.
قلنا: البيع علة لا تتم إلا بالإيجاب والقبول والعلة الواحدة لا تحتمل التقسيم ليجعل حكمها منقسمًا؛ فيجعل بعضها علة، وبعضها شرحًا؛ بل الإيجاب والقبول علة واحدة للزوال والدخول، ثم الحكم ينقسم عليهما فيصير
стр. 3584
قِيمَتِهِ (*)، لِأَنَّ يَسَارَ المُعتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِندَهُمَا.
(وَمَنِ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضمَنُ إِذَا كَانَ مُوسِرًا) وَمَعْنَاهُ: إِذَا اشْتَرَى نِصْفَهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ كُلَّهُ فَلَا يَضمَنُ لِبَائِعِهِ شيئا عِندَهُ، وَالوَجهُ قَدْ ذَكَرنَاهُ.
(وَإِذَا كَانَ العَبدُ بَينَ ثَلَاثَةِ نَفَر فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَأَرَادُوا الضَّمَانَ، فَلِلسَّاكِتِ أَنْ يُضَمِّنَ المُدَبِّرَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ قِنَّا وَلَا يُضَمِّنَ المُعتقَ، وَلِلمُدَبَّرِ أَنْ يُضَمِّنَ المُعتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَلَا يُضَمِّنَهُ الثُّلُثَ الَّذِي ضَمِنَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: العَبدُ كُلُّهُ لِلَّذِي دَبَّرَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَيَضمَنُ ثُلُثَي قِيمَتِهِ لِشَرِيكَيهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعسِرًا) وَأَصلُ هَذَا: أَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، خِلَافًا لَهُمَا كَالإِعْتَاقِ (**)، لِأَنَّهُ شُعَبَةٌ مِنْ شُعَبِهِ فَيَكُونُ مُعتَبَرًا بِهِ، وَلَمَّا كَانَ مُتَجَزِّئا عِندَهُ اقْتَصَرَ عَلَى نَصِيبِهِ، وَقَدْ أَفْسَدَ بِالتَّدْبِيرِ نَصِيبَ الْآخَرَينِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُدَبِّرَ نَصِيبَهُ أَوْ يُعتِقَ أَوْ يُكَاتِبَ أَوْ يُضَمِّنَ المُدَبِّرَ أَوْ يَستَسعِيَ العَبدَ أَوْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ، لِأَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَاسِدٌ
هذا مملكا وهذا وذا مُتَملكًا.
قوله: (فأرادوا الضمان) هذا بطريق التغليب حيث ذكر بلفظ الجمع، والمعتق لا يريد الضمان؛ لتعذر الجمع بين كونه معتقًا وبين كونه مضمنًا، والمريد للضمان هو الساكت والمدبر.
قوله: (فلكل واحد منهما أن يدبر … ) إلى آخره، فكان لكل واحد ستة خيارات كما ذكر في الكتاب.
وذكر قاضي خان؛ أن لكل واحد خمس خيارات، ولم يذكر قوله: (أو يتركه على حاله). ثم قال: وقولنا له خمس خيارات؛ أي يصح منه هذه التصرفات؛ لأن نصيبه؛ أي نصيب كل واحد منهما باق على ملك كل واحد منهما. (بإفساد شريكه)؛ أي بإفساد شريك كل واحد منهما باق على ملك كل
стр. 3585
بِإِفْسَادِ شَرِيكِهِ حَيثُ سَدَّ عَلَيْهِ طُرُقَ الانتِفَاعِ بِهِ بَيعا وَهِبَة عَلَى مَا مَرَّ، فَإِذَا اختَارَ أَحَدُهُمَا العِتَقَ تَعَيَّنَ حَقَّهُ فِيهِ وَسَقَطَ احْتِيَارُهُ غَيْرَهُ، فَتَوَجَّهَ لِلسَّاكِتِ سَبَبُ ضَمَانِ تَدْبِيرِ المُدَبَّرِ وَإِعْتَاقِ هَذَا المُعتَقِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ المُدَبِّرَ لِيَكُونَ الضَّمَانُ ضَمَانَ مُعَاوَضَة، إذ هُوَ الأَصلُ حَتَّى جُعِلَ الغَصبُ ضَمَانَ مُعَاوَضَة عَلَى أَصْلِنَا، وَأَمْكَنَ
واحد منهما، وهو المدبّر حيث سد المدبّر على كل واحد منهما (طرق الانتفاع) بذلك العبد (بيعًا وهبة).
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (هذا المعتق) جار عليه (بإفساد نصيبه) حيث امتنع منه (بيعًا وهبة) إلى آخره.
(على أصلنا) احتراز عن قول الشافعي والغصب وإن كان عدوانا في الابتداء جعلنا ضمان معاوضة جريًا على الأصل المعهود، وهو أن الأصل في الضمان معاوضة؛ رعاية للمعادلة والمماثلة من الجانبين الضامن والمضمون له، والدليل عليه أن لو غصب عبدًا وأبق من يده، وقضى القاضي على الغاصب بالقيمة ثم عاد العبد؛ فللغاصب أن يبيع العبد مرابحة على القيمة التي أداها، والمرابحة مخصوصة بالمعاوضات المحضة.
والمسألة في فتاوي قاضي خان وكذا الأصل في ضمان المدبر ضمان معاوضة؛ بدليل إن من غصب مدبّرًا فاكتسب عنده كسبًا، ثم أبق فلم يرجع من إباقه حتى مات؛ كان ذلك الكسب للغاصب.
والمسألة في أصول شمس الأئمة: وإنما يكون الكسب له إذا كان المُدَبَّر ملكا للغاصب عند أداء الضمان.
وقال الكشاني: الدليل على أن الغصب ضمان معاوضة مسألة المأذون، وهي أن إقراره بالغصب يصح أيضًا مع أن إقراره بضمان الإتلاف مؤخر إلى ما بعد العتق، وإذا كان الأصل في الضمانات ضمان معاوضة في الغصب مع أنه عدوان؛ ففي الإعتاق وهو مشروع أولى فلا يترك هذا الأصل إلى ضمان الجناية إلا لضرورة العجز، وحين دبر الأول كان نصيب الساكت محتملا للتملك؛ فانعقد سبب الضمان موجبًا للملك في المضمون.
стр. 3586
ذَلِكَ فِي التَّدْبِيرِ لِكَونِهِ قَابِلا لِلنَّقلِ مِنْ مِلك إِلَى مِلك وَقتَ التَّدْبِيرِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَاتَبٌ أَوْ حُرٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الأَصْلَينِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَا المَكَاتِبِ بِفَسِخِهِ حَتَّى يَقْبَلَ الانتِقَالَ فَلِهَذَا يَضمَنُ المُدَبِّرُ، ثُمَّ لِلمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ المُعتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرا، لِأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مُدَبَّرًا، وَالضَّمَانُ يَتَقَدَّرُ بِقِيمَةِ المُتلَفِ، وَقِيمَةُ المُدَبَّرِ ثُلُنَا قِيمَتِهِ قِنَّا عَلَى مَا قَالُوا.
ثم بعد التدبير لا يحتمل النقل إلى ملك غير المدبر، فلما أعتق الثاني لم ينعقد ذلك للضمان بشرط ملك المضمون؛ لأن نصيب الساكت يوم أعتق لم يكن محلا له، فلو لزم على المعتق ضمان الساكت؛ لوجب من غير ملك المضمون فيصير خالص ضمان العدوان، وذلك باطل إلا عند الضرورة، ولا ضرورة ههنا لإمكان تضمين المدبر. (لأنه عند ذلك)؛ أي عند الإعتاق مدبر، وفي بعض النسخ: (مكاتب أو حر على اختلاف الأصلين فلا بد من رضا المكاتب بفسخه حتى يقبل الانتقال).
قال الإمام جلال الدين ابن المصنف ﵀: قوله: (مُكَاتَبٌ أَوْ حُرٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الأَصْلَيْنِ)، غير مستقيم، وكذا قوله: (لا بد من رضا المكاتب بفسخه)؛ لأنه عند الإعتاق ليس بمكاتب ولا حر، وإنما يصير كذلك بعد الإعتاق والمستسعي عند أبي حنيفة، وإن كان بمنزلة المكاتب، إلا أنه ينفسخ بالعجز ولا بالتفاسخ وإنما الصحيح أن يقال؛ لأنه عند ذلك مدبر.
قوله: (على ما قالوا) إشارة إلى أن فيه خلافًا.
قال الإمام السغدي: ثلثا قيمة القن؛ لأن منفعة الوطء والسعاية باقية ومنفعة البيع زائلة، وقال بعض المشايخ: نصف قيمة القن؛ لأن قبل التدبير كان له فيه نوع منفعة البيع وما شاكله، ومنفعة الإجارة وما شاكلها، وقد زال أحدهما وهو البيع وبقي الآخر، وإليه مال الصدر الشهيد، وعليه الفتوى، وقال بعضهم: قيمته قيمة الخدمة ينظر بكم يستخدم مدة عمره من حيث الحزر والظن؟ وقيل: يسأل أهل الخبرة أن العلماء لو جوزوا بيعه بكم يشتري هذا المدبر؟ يجب ما قالوا.
стр. 3587
وَلَا يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ مَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ جِهَةِ السَّاكِتِ، لِأَنَّ مِلكَهُ يَثْبُتُ مُستَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجه دُونَ وَجه، فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّصْمِينِ.
وقيل: يقوم فائت المنافع التي تفوت بالتدبر، وإليه أشار محمد في بعض الكتب، ولم ينقل من المتقدمين في معرفة قيمة المكاتب شيء.
وأشار محمد في جنايات الجامع؛ أن قيمتة أقل من قيمة القن ولم يبين مقداره.
وقيل: ينبغي أن يكون النصف الكل من الذخيرة. وقيمة أم الولد؛ ثلث قيمة القن؛ لأن البيع والاستسعاء قد التقيا ملك الإعتاق.
وفي الذخيرة قال بعض المشايخ: ينظر بكم تستخدم مدة عمرها.
وقيل: يسأل أهل الخبرة أن العلماء لو جوزوا بيعها بكم تُشترى فيجب ذلك المقدار، وقيمة المكاتب نصف القن؛ لأن المكاتب حر يدا، وبقية الرقبة؛ فكان نصف القن.
قوله: (ولا يضمنه)؛ أي: ولا يضمن المدبر المعتق (قيمة ما ملكه بالضمان) بوجهين:
أحدهما: أنه (ملك يثبت مسندا … ) إلى آخره.
والثاني: أنه لما انتقل نصيب الساكت إلى المدبر قيام المدبر قيام الساكت في ذلك الثلث، والساكت كان لا يملك تضمين المعتق فكذا من قام مقامه، وللمدبّر أن يستسعي العبد في ذلك الثلث؛ لأن الساكت لا يملك الاستسعاء فكذا من قام مقامه.
قوله: (ثابت من وجه) من حيث إنه لم يكن حاله التدبير، فإذا كان كذلك لم يظهر في حق الثالث بالتضمين؛ لما عرف أن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، وتوضيحه أن المُعتق لو كان ضامنًا بصنعه وهو الإعتاق، وضمنه المدبر نصيبه ثم أعتقه الثاني كان للمدبّر أن يُضمِّن المعتق ثلثي قيمته مدبرا وثلثه قنا؛ لأن الإعتاق وجد بعد تملك المدبر نصيب الساكت فله تضمين كل ثلث نصيبه، ذكره التمرتاشي.
стр. 3588
وَالْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُدَبِّرِ أَثَلَاثًا ثُلُثَاهُ لِلْمُدَبِّرِ وَالثُّلُثُ لِلْمُعْتِقِ، لِأَنَّ العَبْدَ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى هَذَا المِقْدَارِ.
فإن قيل: على قوله: (ثابت من وجه دون [وجه]) (١) يشكل بما إذا أعتق أحد الشريكين وهو موسر يؤدي المعتق الضمان، ثم يرجع على العبد بما ضمن للساكت مع أن العبد ثالثهما.
قلنا: المعتق بأداء الضمان قام مقام الشريك، وللشريك ولاية الاستسعاء فكذا من قام مقامه، أما المدبّر قام مقام الساكت بأداء الضمان، وليس للساكت تضمين المعتق فكذا من قام مقامه.
وقيل: يرد عليه ما لو هلك المدبر في يد غاصب الغاصب، وضمنه الغاصب حيث يرجع على الثاني، وإن كان ملكه ثبت مستندًا.
أجيب أن الغاصب قام مقام المالك في ضمان الحيلولة، وللمالك أن يُضَمِّن غاصب الغاصب؛ فكذا من قام مقامة.
قوله: (وَالْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُدَبِّرِ) أي: غصبه المدبر والمعتق؛ لأنه إنما يعتق إذا مات المدبر ذكره قاضي خان.
قوله: (على هذا المقدار) فإن المدبر ملك ثلثيه؛ ثلثه ملكه وثلثه بالتضمين.
فإن قيل: أداء الضمان لو كان مبيّنًا ملك نصيب الآخر، فالمعتق أيضًا أدى الضمان إلى المدبر ثلث قيمته مدبرا؛ فينبغي أن يثبت له الولاء بهذا الطريق أيضًا.
قلنا: ضمان المعتق ضمان إتلاف وإفساد، ولا ضمان معارضة لما ذكرنا أن المدبر غير قابل للنقل، فلم يملك المعتق شيئًا بمقابلة أدائه الضمان، وأما المدبر فقد ملك نصيب الساكت بأداء الضمان مستندًا إلى وقت التدبير؛ لأنه كان في ذلك قابلا للنقل؛ فصار كأنه مدبر ثلثيه من الابتداء بطريق الاستناد؛ فثبت له ثلثا الولاء، إليه أشار التمرتاشي.
стр. 3589
وَإِذَا لَم يَكُنْ التَّدْبِيرُ مُتَجَزِّنَا عِندَهُمَا صَارَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا لِلمُدَبِّرِ، وَقَدْ أَفْسَدَ نَصِيبَ شَرِيكَيهِ لِمَا بَيَّنَّا فَيَضمَنُهُ، وَلَا يَختَلِفُ بِاليَسَارِ وَالإِنْسَارِ، لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكَ فَأَشْبَهَ الاستيلادَ، بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَة، وَالوَلَاءُ كُلُّهُ لِلمُدَبِّرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ جَارِيَةٌ بَينَ رَجُلَيْنِ زَعَمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِصَاحِبِهِ، وَأَنكَرَ ذَلِكَ الْآخَرُ، فَهِيَ مَوقُوفَةٌ يَومًا،
وفي الزيادات: مُكاتب بين اثنين أعتقه أحدهما؛ عتق نصيبه ونصيب شريكه على حاله كما كان ولا ضمان عليه ولا سعاية إلا عند عجزه عند أبي حنيفة؛ لأن الكتابة تتجزئ عنده وعندهما عتق كله والولاء له بخلاف المدبر؛ لأنه لا ينتقل من ملك إلى ملك ولا ينفسخ بحال؛ فكان المانع قائما فلا يكمل، والكتابة قابلة للفسخ فيكمل الإعتاق، وكذا لو دبره أحدهما يتقيد في نصيبه، ويبقى نصيب الآخر مكاتبًا من غير ضمان ولا سعاية عند أبي حنيفة؛ لأن نصيب الآخر على حاله عنده.
قوله: (وإذا لم يكن التدبير متجزئًا عندهما … ) إلى آخره يعني ما ذكرنا كله إلى ههنا قول أبي حنيفة.
(لأنه) أي: لأن (ضمان) التدبير ضمان تملك؛ لأنه يملك كسبه وخدمته (فلا يختلف باليسار والإعسار) كضمان الاستيلاد، كذا ذكره التمرتاشي.
(بخلاف الإعتاق) أي ضمان الإعتاق؛ لأنه ضمان جناية لا يختلف باليسار والإعسار؛ كما لو أتلف مال الغير يجب وعليه ضمانه معسرا كان أو موسرًا.
قلنا: ضمان الجناية يختلف باليسار والإعسار إذا كان بطريق الصلة، والإعتاق ضمان صلة كضمان نفقة الأقارب، والمراد من هذه الضمانات؛ هو الضمان التي يتعلق بباب الإعتاق يختلف فحكمه باليسار والإعسار بالنص وقد ذكرناه.
قوله: (وهذا ظاهر)؛ لأنه بالتدبير يتملك نصيب شريكه المعتق والساكت، والإعتاق لغو.
قوله: (فهي موقوفة يومًا) أي: يرفع عنها الخدمة يوما.
стр. 3590
وَيَومًا تَخدُمُ المُنكِرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ شَاءَ المُنكِرُ اسْتَسْعَى الجَارِيَةَ فِي نِصفِ قِيمَتِهَا ثُمَّ تَكُونُ حُرَّة لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا) (*) لَهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَم يُصَدِّقَهُ صَاحِبُهُ انقَلَبَ إقْرَارُ المُقِرِّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ اسْتَولَدَهَا، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ المُشتَرِي عَلَى البَائِعِ أَنَّهُ أَعتَقَ الْمَبِيعَ قَبلَ البَيعِ، يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ، كَذَا هَذَا فَتَمْتَنِعُ الخِدمَةُ وَنَصِيبُ المُنكِرِ عَلَى مِلْكِهِ فِي الحُكمِ، فَتَخْرُجُ إِلَى العَتَاقِ بِالسِّعَايَةِ كَأُمٌ وَلَدِ النَّصَرَانِي إِذَا أَسْلَمَت.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمةُ اللهِ: أَنَّ المُقِرَّ لَو صَدَقَ كَانَتْ الخِدمَةُ، كُلُّهَا لِلمُنكِرِ، وَلَو كَذَبَ
قوله: (لا سبيل عليها)؛ أي: بالاستسعاء، واختلف المشايخ في الخدمة للمنكر هل يخدم يومًا للمنكر عندهما؟، والصحيح؛ أنه لا يخدم.
قوله: (انقلب إقرار المقر عليه)؛ أي على المقر (كأنه أعتقه)؛ أي كأن المشتري أعتق.
وفي جامع قاضي خان: ولا يمكنه تضمين؛ لأن المقر ما أقر على نفسه بالاستيلاد، وسبب الضمان بقاء ملك المنكر محتبسا عند الجارية، ومنفعة الاحتباس تعود إليها، وكان ولاية الاستسعاء، وإذا أدت نصف القيمة؛ عتق نصفها فتعتق كلها؛ لأنه لا تتجزئ عندهما. وليس للمقر أن يستسعي الجارية؛ لأنه يدعي التملك على الشريك بالاستيلاد وهو ينكر، فلم يكن الاستسعاء له لتبرئه عنه، وليس له ولاية الاستخدام أيضًا؛ لأنها أم ولد الغير في زعمه.
قوله: (كأم ولد النصراني إذا أسلمت) تخرج إلى العتق بالسعاية؛ لتعذر إبقائها في ملك المولى ويده بعد إسلامها، وإصراره على الكفر؛ فتخرج إلى العتق بالسعاية.
قوله: (ولأبي حنيفة رَحْمةُ اللهِ) إلى آخره، الخدمة للمنكر ثابتة يومًا بيقين؛ لأن المقر إن صدق كان الخدمة كلها للمنكر، وإن كذب كان نصفها له فأثبتنا المتيقن وطرحنا المشكوك؛ فكان له أن يستخدمها يومًا، وتكون موقوفة يوما؛ لأن كل واحد منهما يقر بأنه لا حق له في استخدامها في ذلك اليوم.
стр. 3591
كَانَ لَهُ نِصْفُ الخِدمَةِ فَيَثْبُتُ مَا هُوَ المُتَيَقَّنُ بِهِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَلَا خِدمَةَ لِلشَّرِيكِ الشَّاهِدِ وَلَا اسْتِسعَاءَ، لِأَنَّهُ يَتَبَرَّأُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ وَالضَّمَانِ، وَالإِقْرَارُ بِأُمُومِيَّةِ الوَلَدِ يَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ لَا يَرتَدُّ بِالرَّدِّ، فَلَا يُمكِنُ أَنْ يُجْعَلَ المُقِرُّ كَالمُستَولِدِ.
(وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ وَلَد بَيْنَهُمَا فَأَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا) (*) لِأَنَّ مَالِيَّةَ أُمِّ الوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَة عِندَهُ وَمُتَقَوِّمَةٌ عِندَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الأَصلِ تُبتَنَى عِدَّةٌ مِنْ المَسَائِلِ أَورَدنَاهَا فِي كِفَايَةِ المُنتَهَى.
وقوله: (والإقرار بأمومية الولد … ) إلى آخره، جواب عن قولهما: (أن صاحبه إذا أنكر انقلب على المقر)، فقال في جوابه: (الإقرار بأمومية الولد يتضمن الإقرار بالنسب)، (وهو) أي: ثبوت النسب (أمر لازم لا يرتد بالرد) حتى لو أقر بنسب صغير لرجل وكذبه المقر له، ثم أقر المقر بنسب الصغير لنفسه لا يصح؛ لما أن النسب لا يرتد بالرد.
قوله: (وإن كانت أم ولد بينهما) بأن ولدت جارية بينهما ولدًا فادعياه.
قوله: (ومتقومة عندهما) وهو قول سائر الفقهاء غير أبي حنيفة.
قوله: (عدة مسائل) منها إذا مات أحدهما لا تسعى للآخر عنده، وعندهما تسعى.
ومنها: إنها ولدت بعد ذلك فادعاه أحدهما ثبت نسبة منه وعتق ولا يضمن من قيمته شيئًا لشريكه عنده وعندهما يضمن لشريكه نصف قيمته إن كان موسرًا، ويسعى الولد في النصف إن كان معسرا.
ومنها: لو غصبها غاصب فماتت في يده لا يضمنها عنده، ويضمنها عندهما.
وذكر في الرقيات: يضمن عنده بالغصب كما يضمن الصبي الحر، حتى لو
стр. 3592
وَجهُ قَولِهِمَا: أَنَّهَا مُنتَفَعُ بِهَا وَطئًا وَإِجَارَة وَاسْتِحْدَامًا، وَهَذَا هُوَ دَلَالَةُ التَّقَوُّمِ، وَبِامتِنَاعِ بَيْعِهَا لَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُهَا كَمَا فِي المُدَبَّرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ وَلَدِ النَّصْرَانِي إِذَا أَسْلَمَت عَلَيْهَا السِّعَايَةُ، وَهَذَا آيَةُ التَّقَوُّمِ.
غَيْرَ أَنَّ قِيمَتَهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنَّة عَلَى مَا قَالُوا، لِفَوَاتِ مَنفَعَةِ البَيعِ وَالسِّعَايَةِ بَعدَ المَوتِ، بِخِلَافِ المُدَبَّرِ، لِأَنَّ الفَائِتَ مَنفَعَةُ البَيعِ، أَمَّا السِّعَايَةُ وَالاسْتِحْدَامُ بَاقِيَانِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ التَّقَوُّمَ بِالإِحْرَازِ، وَهِيَ مُحرَزَةٌ لِلنَّسَبِ لَا لِلتَّقَوُّمِ، وَالإِحْرَازُ لِلتَّقَوُّمِ
قربها إلى مسبعة فافترسها سبع يضمن؛ لأنه ضمان جناية لا ضمان غصب، ويضمن بالقتل بالاتفاق؛ لأنه ضمان جناية.
ومنها: أنه لو باعها وسلمها وماتت في يد المشتري لم يضمن عنده، وعندهما يضمن.
ومنها: أن الأمة الحبلى بيعت فولدت لأقل من ستة أشهر، ثم ماتت الأم عند المشتري فادعى البائع الولد صح، وعليه أن يرد جميع الثمن عنده، وعندهما يحتبس ما يخصها من الثمن كذا في الفوائد الظهيرية.
(وجه قولهما) والجمهور: (أنها) مملوكة (منتفع بها وطئا وإجارة واستخداما)، ويكون كسبها له، ولو قال: كل مملوك لي حر عتقت، ويتعلق بموت المولى (بامتناع بيعها لا يسقط تقومها) كما في المدبر والأبق، إلا أنه امتنع سعايتها للغرماء والورثة بعد موت المولى لكونها مصروفة إلى حاجتها؛ كيلا يضيع نسبه وماؤه بخلاف التدبير.
(وهذا) أي: حل الوطء والإجارة والاستخدام (دلالة التقوّم)؛ لأن هذه الأفعال لا تكون إلا بملك اليمين فيها لعدم العقد، ولا يتأتى بين حق الحرية والتقوم (أن أم ولد النصراني إذا أسلمت)، وكذا المغرور إذا كانت الأمة أم ولد، فإن المغرور يضمن قيمة الولد عندنا كذا ذكره قاضي خان والإمام ظهير الدين.
قوله: (التقوم بالإحراز)، ألا ترى أن الصيد قبل الإحراز لا يكون مالا متقوّما؟، والآدمي في الأصل ليس بمال، ويصير مالا بإحرازه على قصد التمول، ويثبت ملك المتعة تبعًا؛ فإذا حصنها واستولدها ظهر أن إحرازه لها،
стр. 3593
تابعٌ، وَلِهَذَا لَا تَسْعَى لِغَرِيم وَلَا لِوَارِثَ بِخِلَافِ المُدَبَّرِ، وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ فِي الحَالِ، وَهُوَ الجُزْئِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِوَاسِطَةِ الوَلَدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرمَةِ المُصَاهَرَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَم يُظهِر عَمَلَهُ فِي حَقِّ المِلكِ ضَرُورَةَ الاِنتِفَاعِ، فَعَمِلَ السَّبَبُ فِي إِسْقَاطِ التَّقَوُّمِ، وَفِي المُدَبَّرِ يَنعَقِدُ السَّبَبُ بَعدَ المَوتِ، وَامْتِنَاعُ البَيعِ فِيهِ لِتَحقِيقِ مَقْصُودِهِ فَافْتَرَقَا
كان لملك المتعة، لا لقصد التمول فصار في صفة المالية كأن الإحراز لم يوجد أصلا؛ فلا يكون مالا متقوّمًا، وملك المتعة ينفك عن ملك المالية، فللزوج على زوجته ملك المتعة، دون ملك المالية، كذا في المبسوط (١).
وفي الكافي: أصله قوله ﵇: «أعتَقَها وَلَدُها» (٢)، وقضيته الحرية وزوال التقوم، ولكن تقاعد عن إفادة الحرية إجماعًا، ولا إجماع في زوال التقوم فيثبت.
قوله: (وهو)؛ أي: السبب للحرية (والجزئية الثابتة) بواسطة الولد، إلى هذا أشار عمر ﵁ في حرمة بيعهن، فقال: تبيعهن، وقد اختلطت لحومهن بلحومكم، ودمائهن بدمائكم. (لم يظهر عمله)؛ أي: عمل السبب (في حق الملك) ولم يعتق حقيقة ضرورة الانتفاع بالإجماع؛ إذ قصده أن يكون فراشه إلى وقت موته. (وفي المدبر ينعقد)؛ أي (سبب) الحرية (بعد الموت) لما أنه كالمعلق بالموت فيلزم عليه حينئذ عدم جواز بيعه شبهة.
فأجاب عنه بقوله: (وامتناع البيع لتحقق مقصوده) من التدبير أن يبقى على ملكه إلى أن تموت وتعتق بعده.
وفي الكافي: ما ذكر صاحب الكتاب ههنا يناقض ما ذكره في باب التدبير سبب الحرية، ولا وجه لصحته إلا أن يؤوّل بأن الأصل أن ينعقد السبب بعد الموت؛ إذ التعليقات ليست بأسباب في الحال، وإنما تصير أسبابًا عند الشرط،
стр. 3594
وَفِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِي قَضَيْنَا بِتَكَاتُبِهَا عَلَيْهِ دَفعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الجَانِبَينِ، وَبَدَلُ الكِتَابَةِ لَا يَفْتَقِرُ وُجُوبُهُ إِلَى التَّقَوُّمِ.
بَابُ عِتْقِ أَحَدِ العَبْدَيْنِ
وإنما قضينا بانعقاد التدبير سببا في الحال ضرورة نفقه، ذكره في باب التدبير؛ فظهر أثر انعقاده في حرمة البيع خاصة، لا في سقوط التقوم؛ بل في حق سقوط التقوم بقي على الأصل واللفظ ينبو عنه.
قوله: (وفي أم ولد النصراني … ) إلى آخره جواب عما قاسوا عليها. (قضينا) أي حكمنا بكتابتها (دفعاً للضرر عن الجانبين)؛ لأن في إبقائها على ملك المولى بعد إسلامها وإصراره على الكفر ضررًا في حقها، وإبطال حق النصراني مجانا لا يجوز؛ لأن النصراني يعتقد تقوّم أم ولدها وجواز بيعها.
والحكم في حقهم يبتني على اعتقادهم كما في مالية الخمر؛ فلما كانت هي في معنى المكاتبة كان ما أدته في معنى بدل الكتابة، وبدل الكتابة لا يقتضي أن يكون ما يقابله متقوّمًا؛ لأن بدل الكتابة بمقابلة ما ليس بمتقوم؛ لأن ما يقابله فك الحج وفك الحجر غير متقوم؛ لأنه إسقاط؛ لأنه يأخذ مال نفسه في الحقيقة فلا يحتاج إلى تقوم المكاتبة.
وفي المبسوط (١): ولأن ملك النصراني محترم فيها وإن لم يكن مالا متقوما، وقد احتبس عندها لمعنى من جهتها فيكون مضمونًا عليها عند الاحتباس، وإن لم يكن مالاً متقومًا كالقصاص فإنه ليس بمال متقوم، فإذا احتبس نصيب أحد الشريكين بعفو الآخر عند القاتل؛ يلزمه بدله. وقيل: (بدل الكتابة لا يفتقر وجوبه إلى تقويم).
باب عتق أحد العبدين
ناسب البابان من حيث إن في كل واحد منهما حق بعض المملوك، غير أن في الأول بعض مملوك وهو واحد، وفي هذا ببعض مملوك وهو اثنان أو أكثر؛ فقدم الأول لتقدم الواحد على الاثنين.
стр. 3595
(وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدُ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ: أَحَدُكُمَا … ...
قوله: (ومن كان له ثلاثة أعبد) إلى آخره، فالمسألة على ثلاثة أوجه: أحدها: إن بين العتق، والثاني: أنه مات قبل البيان، والثالث: أنه مات العبد قبل البيان، فالمولى يؤمر بالبيان ما دام حيًّا؛ لأن الإبهام منه، فإذا عنى بالكلام الأول الثابت عتق الثابت، وبطل الكلام الثاني؛ لأنه بقي دائر بين الحر والعبد؛ فصار حرًّا فلا يستحق به العتق.
فإن قيل: العتق المبهم معلق بشرط البيان، ولهذا كان للبيان حكم الإنشاء؛ فلا يصير جامعًا بين الحر والعبد؛ فينبغي أن لا يبطل الإيجاب الثاني.
قلنا: العتق المبهم، وإن كان معلقًا بشرط البيان لكن البيان إنشاء من وجه، إظهار من وجه؛ لأن (أحدكما) لا يتناول المعين، وبعد البيان يصير واقعًا في المعين؛ فيصير البيان إنشاء من هذا الوجه، ومن حيث إنه يجبر على البيان إذا خاصمه العبد، ولا يجبر على إنشاء العتق كان إظهار؛ فلا يعتق به الداخل، وإن كان إنشاء لا يكون الكلام الثاني جبرًا؛ فلا يعتق الداخل بالشك، فإن بدأ بالكلام الثاني وقال: عنيت به الداخل عتق الداخل ويؤمر ببيان الكلام الأول.
فإن قال: عنيت الكلام الثاني الثابت عتق الثابت بالكلام الثاني، وتعين الخارج بالكلام الأول ولا يبطل الإيجاب الأول؛ لأن حال وجوب الإيجاب الأول كانا رقيقين؛ لأن العتق على الثابت إنما يقع بالإيجاب الثاني بعد وجود الإيجاب الأول بخلاف المسألة الأولى، وإن قال: عنيت بالكلام الثاني الداخل عتق الداخل، ويؤمر ببيان فإن لم يبين المولى شيئًا ومات أحدهم فالموت بيان أيضًا، فإن مات الخارج تعين الثابت بالإيجاب الأول لزوال المزاحم وبطل الإيجاب الثاني وإن مات الثابت تعين الخارج بالإيجاب الأول والداخل بالإيجاب الثاني؛ لأن الثابت يزاحمها ولم يبق.
وإن مات الداخل خُيّر في الإيجاب الأول، فإن عنى به الخارج تعين للثابت بالإيجاب الثاني وإن عنى به الثابت بطل الإيجاب الثاني؛ لما مر، فإن لم يمت واحد منهم، ولكن مات المولى قبل البيان؛ شاع العتق بينهم على
стр. 3596
حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ وَلَم يُبَيِّنْ عَتَقَ مَنْ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ القَولُ ثَلَاثَةُ أَربَاعِهِ، وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِد مِنْ الْآخَرَينِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كَذَلِكَ إِلَّا فِي العَبدِ الآخَرِ فَإِنَّهُ يَعتِقُ رُبُعُهُ) (*) أَمَّا الخَارِجُ فَلِأَنَّ الإِيجَابَ الأَوَّلَ دَائِرٌ بَينَهُ وَبَينَ الثَّابِتِ، وَهُوَ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ القَولُ، فَأَوجَبَ عِنقَ رَقَبَة بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فَيُصِيبُ كُلًّا مِنهُمَا
اعتبار الأحوال عندنا، وعند الشافعي يقرع بينهم في قول، وفي الأصح: يقوم الوارث مقامه في البيان وقد مر.
والأصل في اعتبار الأحوال في حالة الاشتباه ما روى أنه ﵇ بعث أناسًا إلى بني خثعم للقتال، فاعتصم ناس منهم بالسجود فقتلهم بعض أصحاب النبي ﵇، فلما بلغ ذلك إلى رسول الله ﷺ قضى ﵇ بنصف العقل (١) باعتبار الأحوال، وذلك السجود منهم يحتمل أن يكون الله تعالى فكان إسلامًا فيجب بقتلهم جميع الدية، ويحتمل أن يكون لا الله تعالى؛ لكن تعظيمًا يقيه من القتل على ما عليه دأبهم في السجود تعظيمًا لعظمائهم؛ صونًا عن شرهم في اعتبار هذه الحالة لا تجب الدية، فلما وجبت من وجه ولم تجب من وجه؛ وجب النصف.
وعلى هذا مسائل أصحابنا، وإنما لم يعتبر الأحوال أبو حنيفة في الخنثى المشكل حيث أعطاه أقل النصيبين؛ لأن اعتبار الأحوال في صورة الاشتباه بصفة الدوام والاستمرار، وفي الخنثى لا يتحقق الاشتباه بصفة الاستمرار؛ لأنه لا بد أن يظهر لها لحية أو ثدي عند البلوغ، كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: (أُعِيدَ عَلَيْهِ القَوْلُ)، والمراد من القول قوله: (أحدكما حر) (والذي أعيد عليه ذلك القول).
стр. 3597
النِّصْفُ، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَفَادَ بِالإِيجَابِ الثَّانِي رُبُعًا آخَرَ، لِأَنَّ الثَّانِيَ دَائِرٌ بَينَهُ وَبَينَ الدَّاخِلِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ فِي الكِتَابِ آخِرًا فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الحُرِّيَّةِ بِالإِيجَابِ الأَوَّلِ، فَشَاعَ النّصفُ المُستَحَقُّ بِالثَّانِي فِي نِصْفَيهِ، فَمَا أَصَابَ المُستَحِقَّ بِالأَوَّلِ لَغَا، وَمَا أَصَابَ الفَارِغَ بَقِيَ، فَيَكُونُ لَهُ الرُّبُعُ فَتَمَّت لَهُ ثَلَاثَةُ الأَربَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَو أُرِيدَ هُوَ بِالثَّانِي يَعتِقُ نِصْفُهُ، وَلَو أُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلُ لَا يَعتِقُ هَذَا النِّصْفُ فَيَنتَصِفُ فَيَعتِقُ مِنهُ الرُّبُعُ بِالثَّانِي وَالنِّصْفُ بِالأَوَّلِ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ: فَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ: لَمَّا دَارَ الإِيجَابُ الثَّانِي بَينَهُ وَبَينَ الثَّابِتِ.
(ربعاً الآخر)؛ أي: الداخل.
(فيكون له)؛ أي للثابت، (ولو أريد به)؛ أي بالإيجاب الثاني.
قوله: (فيتنصف فيعتق منه) الربع.
فإن قيل: يجب أن يتعين النصف الفارغ تصحيحًا للتصرف كما في مسألة الصرف وغيره.
قلنا: إنما يكون كذلك أن لو ثبت قصدًا، أما إذا ثبت ضمنا فلا.
قوله: (فمحمد ﵀ يقول … ) إلى آخره، لمحمد سوى ما ذكر في الكتاب في أن الداخل يستحق الربع هو أن (الإيجاب الثاني) صحيح في حال دون حال؛ لأنه لو أراد بالكلام الأول الخارج صح الكلام الثاني، وإن أراد بالكلام الأول الثابت كان الكلام الثاني خبرًا غير موجب للحكم فكان الثاني صحيحًا في حال دون حال، ولو صح مطلقا يعتق رقبة بينهما فيعتق من كل واحد منهما بالكلام الثاني ربعه، ولهذا يعتق في الثابت بالكلام الثاني ربعه.
والدليل عليه مسألة ذكرها في الزيادات: رجل له ثلاث نسوة لم يدخل بهن فقال لثنتين منهن: أحدكما طالق فخرجت واحدة ودخلت الثانية، فقال: أحدكما طالق ثم مات قبل البيان؛ يسقط من مهر الخارجة ربعه ومن مهر الثانية ثلاثة أثمانه، ومن مهر الداخلة ثمنه، والثمن من الصداق بمنزلة الربع من العتاق؛ لأن ذلك الثمن هو ربع النصف الساقط؛ فثبت أن حظ الداخلة الربع دون النصف
стр. 3598
وَقَدْ أَصَابَ الثَّابِتَ مِنهُ الرُّبُعُ فَكَذَلِكَ يُصِيبُ الدَّاخِلَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: إِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا، وَقَضِيَّتُهُ التَّنصِيفُ وَإِنَّمَا نَزَلَ إِلَى الرُّبُعِ فِي حَقِّ الثَّابِتِ لِاسْتِحْقَاقِهِ النِّصْفَ بِالإِيجَابِ الأَوَّلِ كَمَا ذَكَرنَا، وَلَا استحقاقَ لِلدَّاخِلِ مِنْ قَبْلُ فَيَثْبُتُ فِيهِ النِّصْفُ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ القَولُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ
وجوابهما عن مسألة الزيادات.
قيل: ذلك قول محمد، وأما على قولهما فللداخلة أرباع المهر، ولئن كان قول الكل؛ فالفرق لهما أن الكلام الأول يعتبر تعليقا في حكم الداخل في حق حكم يقبل التعليق، ووقوع العتق يحتمل التعليق، أما البراءة عن المهر لا تحتمله فيعتبر تنجيزا في حق هذا الحكم، وإذا اعتبر تنجيزًا كان الكلام الثاني متردّدًا فأوجب سقوط ربع المهر؛ لأنه لو كان صحيحًا من كُلِّ وجه يوجب نصف المهر، فإذا كان مترددًا يوجب الربع؛ لأنه يوجب براءة النصف إذا كان المراد بالإيجاب الأول الخارجة، ولا يوجب براءة شيء إذا كان المراد بالأول الثانية، فأوجب براءة ربع المهرين الثابتة والخارجة.
والفرق الثاني أن الإيجاب الثاني صحيح في حق الثابت والداخل من كل وجه، أما في حق الداخل، فلا شك وكذا في حق الثابت، أما على قول أبي حنيفة فظاهر؛ لأن الثابت فيه عتق بعضه لا كله ومعتق البعض محل الإعتاق فصح اللفظ الثاني على كل حال، بخلاف الطلاق فإنه لا يتجزى.
وأما على قول أبي يوسف فالإعتاق، وإن كان لا يتجزئ لكن الثابت دار بين أن يكون حرا، وبين أن يكون عبدًا؛ فكان كالمكاتب، والمكاتب محل للعتق بخلاف الطلاق؛ لأنه ثمة ليس بين أن تكون المرأة طالقًا وغير طالق حالة ثالثة.
وقيل: قول أبي يوسف خطأ؛ لأن عنده الإعتاق لا يتجزئ كقول محمد، وقيل: الصحيح عنده أن الكتابة حالة ثالثة ذكر ذلك في مسائل الزيادات التي وضعها محمد على غير ترتيب الزيادات.
قوله: (فإن كان القول منه؛ أي من المولى في المرض) ومات إن خرجوا
стр. 3599
قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) وَشَرحُ ذَلِكَ أَنْ يُجمَعَ بَينَ سِهَامِ العِتْقِ وَهِيَ سَبْعَةٌ عَلَى قَولِهِمَا، لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَربَعَة لِحَاجَتِنَا إِلَى ثَلَاثَةِ الأَربَاعِ فَنَقُولُ: يَعتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسهُم وَمِنْ الآخَرَينِ مِنْ كُلِّ وَاحِد مِنهُمَا سَهِمَانِ فَيَبْلُغُ سِهَامُ العِتَقِ سَبعَة، وَالعِيقُ فِي مَرَضِ المَوتِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِهَا الثُّلُثُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ سِهَامُ الوَرَثَةِ ضِعفَ ذَلِكَ فَيُجْعَلَ كُلُّ رَقَبَة عَلَى سَبعَة، وَجَمِيعُ المَالِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيَعتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي أَربَعَة وَيَعتِقُ مِنْ البَاقِيَينِ مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا سَهِمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَة، فَإِذَا تَأَمَّلَت وَجَمَعت اسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَة عَلَى سِتَّة، لِأَنَّهُ يَعتِقُ مِنْ الدَّاخِلِ عِندَهُ سَهِمْ فَنَقَصَت سِهَامُ العِتقِ بِسَهم، وَصَارَ جَمِيعُ المَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَبَاقِي التَّحْرِيجِ مَا مَرَّ. (وَلَو كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدخُولات وَمَاتَ الزَّوجُ قَبْلَ البَيَانِ، سَقَطَ مِنْ مَهرِ الخَارِجَةِ رُبُعُهُ، وَمِنْ مَهرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ، وَمِنْ مَهرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ) قِيلَ: هَذَا قَولُ مُحَمَّد ﵀ خَاصَّة، وَعِندَهُمَا: يَسقُطُ رُبُعُهُ، وَقِيلَ: هُوَ قَولُهُمَا أَيضًا، وَقَدْ ذَكَرنَا الفَرقَ وَتَمَامَ تَفْرِيعَاتِهَا فِي الزِّيَادَاتِ.
من الثلث، فكذا الجواب، وإن لم يكن له مال آخر لم تُجز الورثة.
قوله: (وتمام تفريعاتها في الزيادات) أي شرح المصنف للزيادات والآخر في شرحه للجامع الصغير.
فإن قيل: في هذا المجموع سؤال يرد على قول أبي يوسف ومحمد وهو أنه كيف يتصور تجزئة العتق بالنصف وغيره عندهما، وإعتاق البعض عندهما إعتاق للكل؛ لما أن العتق لا يتجزئ عندهما، فينبغي أن يعتق كل واحد ولا يسعى في شيء يخرجون من الثلث أولا؟.
قلنا: لا يتجزئ الإعتاق عندهما إذا صادف محلًّا معلومًا، أما إذا كان الإعتاق ثبوته نظر التوزيع والانقسام باعتبار الأحوال فلا؛ لأن ثبوته حينئذ نظر الضرورة ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، والثابت بالضرورة لا يعدو موضعه كذا في جامع التمرتاشي وقاضي خان والفوائد الظهيرية.
стр. 3600
(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَبَاعَ أَحَدَهُمَا، أَوْ مَاتَ أَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ بَعدَ مَوتِي عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَم يَبقَ مَحَلًّا لِلعِتْقِ أَصْلًا بِالمَوتِ … ...
قوله: (فباع) وكذا لو وهبه لآخر (أو مات)، وكذا لو قتل، (أو قال: أنت حر بعد موتي) أو دبره، وكذا لو أعتقه.
وفي الإيضاح: لو أعتق أحدهما بعد قوله: (أحدكما حرّ)، وقال: أردت به ذلك العتق، فالقول له إنشاء؛ فكذا يصلح بيانًا ثم أعتق أحد العبدين منهما جائز عندنا، ويؤمر بالبيان ما دام حيًا، وهو قول الشافعي ومالك في رواية. وعند أحمد لا يعتق إلا بالقرعة، ولا يصح بيانه إلا أن يقول: كنت نويته عند التلفظ به. وعند الظاهرية لا يعتق أصلا، ثم البيان حقيقي كالصريح، وحكمي كما ذكرنا.
قوله: (لم يبق محلًا للعتق أصلا بالموت).
فإن قيل: يشكل بما لو قال لأمتيه: إحداهما ابنتي أو أم ولدي، وماتت إحداهما لم تتعين الحرية والاستيلاد في الحية ذكره التمرتاشي.
قلنا: ليس هو إيقاعًا بصيغته بل إخباره، ويجوز أن نخبره بهذا عن الحي والميت فيرجع إلى بيان المولى، فإن الإنشاء لا يصح إلا في الحي، وفي مسألتنا إنما يتعين الآخر بعد الموت؛ لأن البيان إنشاء من وجه إظهار من وجه فيصبح البيان في محل يحتمل الإنشاء، والميت لا يحتمل الإنشاء فتعين الآخر للعتق، كذا في الإيضاح والفوائد الظهيرية.
فإن قيل: يشكل على مسألة الموت ما إذا اشترى أحد العبدين، وسمي لكل واحد ثمنا وشرط الخيار لنفسه، ثم مات أحدهما تعين البيع في الهالك ذكره في المبسوط (١) والإيضاح، وههنا يتعين العتق في القائم لا الهالك، فكما أن إنشاء العتق يقتضي الحياة كذلك إنشاء البيع والاختيار فيه يقتضي الحياة أيضا.
قلنا: قال علي القمي: وفي الحقيقة لا فرق بينهما؛ لأن الهالك يهلك على
стр. 3601
وَلِلعِتقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالبَيعِ وَلِلعِتقِ مِنْ كُلِّ وَجه بِالتَّدْبِيرِ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ، وَلِأَنَّهُ بِالبَيعِ قَصَدَ الوُصُولَ إِلَى الثَّمَنِ وَبِالتَّدْبِيرِ إِبْقَاءَ الانتِفَاعِ إِلَى مَوتِهِ، وَالمَقْصُودَانِ يُنَافِيَانِ العتقَ المُلتَزَمَ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ دَلَالَهُ، وَكَذَا إِذَا اسْتَولَدَ إحدَاهُمَا لِلمَعْنَيَيْنِ، وَلَا فَرقَ بَينَ البَيعِ الصَّحِيحِ وَالفَاسِدِ مَعَ القَبْضِ وَبِدُونِهِ وَالمُطلَقِ وَبِشَرطِ الخِيَارِ لِأَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الكِتَابِ وَالمَعنَى مَا قُلْنَا، وَالعَرضُ عَلَى البَيعِ مُلحَقِّ بِهِ فِي المَحفُوظ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَالهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنزِلَةِ البَيعِ لِأَنَّهُ تمليك.
ملكه في الفصلين، وَالأصح أن يقول هناك: حين أشرف أحدهما على الهلاك تعين البيع فيه؛ لأنه تعذر عليه رده كما قبض قائمًا تعين للبيع وهو حي لا ميت، وههنا لو تعين العتق فيه تعين بعد الموت؛ لأنه بالإشراف على الهلاك لا يخرج عن أن يكون محلا للعتق، وبعد الموت ليس بمحل للعتق فتعين القائم ضرورة، كذا في المبسوط (١).
قوله: (وللعتق من كل وجه بالتدبير) يعني بالتدبير يستحق العتق مضافًا فيكون فيه ناقصا، ولهذا لو أعتق المدبر عن كفارته لا يصح، والعتق الذي قصده بقوله: (أحدكما حرّ) (٢) عتق كامل؛ فلا يكون محلا للعتق الكامل.
قوله: (والمقصودان) هذا وهو وصول إلى الثمن وإبقاء الانتفاع (ينافيان العتق)؛ إذ بالعتق لا يبقى كلاهما، وكذا إذا استولد إحداهما بأن وطئها وعلقت منه فمن ضرورة صحة أمومية الولد تعيين الآخر (للمعنيين)، وهو استحقاق العتق وبه لا يبقى محلا للعتق كما في التدبير، وإبقاء الانتفاع وهو مناف للعتق المنجز.
قوله: (أو بدونه)؛ أي بدون القبض في البيع الفاسد؛ لما أن انتفاء العتق عنه ما كان من ضرورة ثبوت الحكم.
قوله: (لأنه تمليك)؛ بل لدلالة تصرف يختص بالملك، ولهذا لو ساوم أحدهما تعين الآخر للعتق، والسوم أدون من العقد الفاسد، وكذا لو علق
стр. 3602
(وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لِامْرَأَتَيهِ: إِحدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ مَاتَتْ إِحْدَاهُمَا لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَو وَطِئَ إِحْدَاهُمَا لِمَا نُبَيِّنُ وَلَو قَالَ لِأَمَتَيهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ، ثُمَّ جَامَعَ
أحدهما بالشرط تعيّن الآخر؛ لأنه ذكر فيه ما يدل على انعدام العتق فيه؛ إذ المعلق عدم للحاجة له.
وعن محمد: لو كان التعليق سابقًا على العتق المجهول فعتق بوجود الشرط تعين الآخر؛ لأنه فات المحل فصار كما لو مات.
وعن محمد في الإملاء: إذا وهب أحدهما وأقبض أو تصدق وأقبض عتق الآخر، وإنما ذكر الإقباض على سبيل التأكيد لا الشرط؛ لأنه ذكر في المبسوط (١) والمحيط وغيرهما: أن التباين باعتبار دلالة تصرف يختص الملك إلى آخره.
وفي الغزنوي: لو باعهما صفقة لا يجوز البيع فيهما؛ لأنها جمع بين حرّ وعبد فدل على نزوله في أحدهما، ولو وهبهما أو تصدق بهما أو تزوج يجوز ويجبر على البيان؛ لأن الضم كإدخال الشرط الفاسد، وهذه العقود لا تبطل بالشرط الفاسد، ولو مات قبل البيان؛ بطلت العقود بشيوع الحرية فيهما إلا التزوج.
ولو قال أحدهما: أم ولدي أو بنتي وماتت إحداهما لم تتعين الأخرى للحرية؛ لأن هذا إخبار وهو مستقيم في الحي والميت، ولو قتلهما خطأ تجب قيمة ودية ولو قتلهما رجلان يجب قيمتهما، ولو قطع إنسان أيديهما يجب إرثهما دون الدية؛ لأن القطع لا يمنع البيان.
وفي الوصية لو رهن الجارية الموصى بها أو عرضها على البيع يكون رجوعًا، ولو كاتبها أو وطئها لم يكن رجوعًا ذكره في الفتاوي.
وفي المحيط: في خيار الشرط عرض المشتري عن البيع يبطل خياره وكذا عرض البائع في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وفي رواية الحسن عنه؛ لا كالاستخدام.
стр. 3603
إحدَاهُمَا لَم تَعتِق الأُخرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: تَعتِقُ) (*) لِأَنَّ الوَطاءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي المِلكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ فَكَانَ بِالوَطءِ مُستَبقِيَا المِلكَ فِي المَوطُوءَةِ فَتَعَيَّنَت الأُخرَى لِزَوَالِهِ بِالعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ. وَلَهُ: أَنَّ المِلكَ قَائِمٌ فِي المَوطُوءَةِ، لِأَنَّ الإيقَاعَ فِي المُنَكَّرَةِ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ، فَكَانَ وَطؤُهَا حَلَالًا فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا، وَلِهَذَا حَلَّ وَطَؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ، ثُمَّ يُقَالُ العِتْقُ غَيْرُ نَازِل قَبْلَ البَيَانِ … ... .
قوله: (لم تعتق الأخرى عند أبي حنيفة)، وبه قال أحمد، ولو قال: إحداكن حرة فجامع إحداهما، (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد-: تعتق، وبه قال الشافعي ومالك في رواية كما في الطلاق، وفيه الإنفاق.
وفي النوادر: لو قال لمدخولتيه: إحداكما طالق، ثم وطئ إحداهما تقع على الأخرى؛ لأن الرجعي لا يحرم الوطء، بخلاف الثلاث والواحدة البائنة ذكره في القنية.
وفي الزيادات: البيان في الطلاق المبهم لا يثبت بمقدمات الدخول، وذكر الكرخي: يحصل بالتقبيل كما يحصل بالوطء، وبه قال مالك في العتق المبهم، أما لو قال لامرأتيه: إحداكما طالق طلقتا، عنده والفرق بينهما عسر.
(وإحداهما حرة)؛ أي بيقين، ولهذا لو قتلهما إنسان تجب دية وقيمة كما ذكرنا (وله) أي: لأبي حنيفة (أن الملك قائم في الموطوءة) وإن وجد الوطء فيهما جميعًا؛ لأن الإيقاع في المنكرة وكل واحد منهما معرفة فلا يقع العتق فيها قبل البيان، ولهذا لو وطئتا بشبهة كان الواجب عقر مملوكين، وكان ذلك كله للمولى، وإنما يملك البدل بملك الأصل فعلم أن الملك قائم، وعن هذا قالوا: لو لم يكن استيفاء بدله بيانًا لم يكن استيفاء أصله بيانًا لم يكن، وكذا لو قطعت يد أحدهما وأخذ المولى بدله لم يكن بيانًا، لم يكن استيفاء أصله بيانًا، وكذا لو قطعت يد إحداهما وأخذ المولى بدله، لم يكن بيانا لما أن قطع يد أحدهما لا يكون بيانا؛ فكذا أخذ بدله.
قوله: (وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا)؛ أي وطء الأمَتَينِ، وحل الوطء ينبني على
стр. 3604
لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ فِي المُنَكَّرَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكمِ تَقَبُّلِهِ، وَالوَطاءُ يُصَادِفُ المُعَيَّنَةَ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛
ملك المتعة، والعتق محله ملك الرقبة فلم يتحد المحل فلا تتحقق المنافاة بين حل الوطء وبين العتق؛ لأن من شرط المنافاة اتحاد محل الحكم، فإذا امتنع البيان من هذا الوجه؛ لم يبق إلا وجه آخر وهو إثبات الضرورة ولا ضرورة؛ لأن حل الوطء يتصور ثبوته مع العتق وحد الضرورة ما لا يقبل الفصل عنه بحال محل الوطء، ينفصل عن ملك الرقبة وجودًا وعدمًا؛ أما وجودًا ففي المنكوحة الحرة، وأما عدمًا ففي أمته المجوسية؛ فلما كان كذلك لم ينتف ملك المتعة عند انتفاء ملك الرقبة.
فإن قيل: أفي مسألتنا من ضرورة انتفاء ملك المتعة انتفاء ملك الرقبة؛ إذ ملك المتعة ثابت بسبب ملك الرقبة؟.
قلنا: ما كان طريقف الضرورة تعتبر فيه الجملة لا الأحوال، كما لو اشترى لحمًا فأخبره عدل أنه ذبيحة مجوسي يحرم عليه تناوله، وسبب الحل ههنا ملك العين، ولما كان حل التناول يثبت في الطعام في الجملة من غير ملكه؛ نظر إلى الجملة دون الأحوال، فقيل: لا يحل تناوله ولا يبطل ملكه حتى لا يرجع على البائع بالثمن نظر إلى الانفصال كما في ملك الخمر كذا في المبسوط (١) والإيضاح.
قوله: (لتعلقه به)؛ أي: العتق بالبيان، فصار كالعتق المعلق بالشرط. (نازل) قبل الشرط؛ بل التزام في الذمة فهذا لو سُجِنا فأوقع العتق على أحدهما كان أرشهما للمولى، فهذا بيان ما ذكر من حل وطئهما؛ لأن الحل كان ثابتًا ولم ينزل إلا بنزول العتق ولم ينزل.
(فيظهر)؛ أي: العتق النازل (في المنكرة فيظهر في حق حكم تقبله) وهو البيان والبيع، فإنه لو اشترى أحد العبدين على أنه بالخيار فيهما صح البيع، والوطء يصادف المعيّنة؛ لأنه فعل حسي فلا يقع في غير المعين؛ فكان في حق الوطء غير نازل فلم يكن بيانًا، وهذا الفرق بين الطلاق والعتاق. (بخلاف
стр. 3605
لِأَنَّ المَقصُودَ الأصلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الوَلَدُ، وَقَصدُ الوَلَدِ بِالوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ المِلكِ فِي المَوطُوءَةِ صِيَانَة لِلوَلَدِ، أَمَّا الأَمَةُ فَالمَقصُودُ مِنْ وَطئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ
الطلاق) فإن بوطيء إحداهما أتى بما هو المُعَظم من المقاصد في اليمين، والوطء في ملك اليمين ليس من المقاصد.
ألا ترى أنه يجوز شراء المجوسية وشراء من تحرم عليه برضاع أو صهرية؛ بل هو من باب الاستخدام (قضاء الشهوة)، ولهذا لو أوصى بجارية ثم وطئها لا يكون رجوعًا، فلو كان استيفاء الملك لكان رجوعًا ولهذا لو جاءت الأمة بولد بحمل الوطء لا يلزمه بدون الدعوى إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
وفي المبسوط (١): لو علقت الأمة الموطوءة منه تعينت الأخرى للحرية ووطئهما جميعًا مملوكه؛ لأن الوطء بملك اليمين بمنزلة الاستخدام، ولا نقول: هو في الذمة كما توهمه بعض أصحابنا؛ لأنه ما أوجبه في الذمة بدليل إنه يجبر على البيان، وما كان في الذمة لا يجبر عليه كما قال: الله علي أن أعتق أحد هذين العبدين، وإنما لا يفتى له بحل وطئها؛ لأن النكرة التي أوجبت فيها العتق لا تعدوهما، والحل والحرمة مبنيان على الاحتياط، وفي الفتوى بحل وطئهما ترك الاحتياط التي فيها.
فإن قيل: يشكل وعلى أن وطء الأمة من باب الاستخدام، وليس ببيان بما لو استخدم المبيع ما اطلع على العيب لا يمنعه من الرد بالعيب، ولو وطء المبيعة قبل الاطلاع على العيب أو بعده لا يرده بالعيب، وبما لو وطء المبيعة بالخيار للبائع في مدة الخيار يكون فاسخًا للعيب، أو باع إحدى الأمتين سمى لكل واحدة منهما ثمنًا، وشرط الخيار لنفسه ثم وطئ أحدهما، فليس له أن يعين البيع فيها بعد ذلك، ولو كان المشتري بالخيار فوطئ أحدهما تعين البيع فيها؛ لإثبات صفة الحل فيها فما وجه الفرق؟
قلنا: في المسألة الأولى يأتي الفرق في باب خيار العيب إن شاء الله تعالى، وأما في مسألة البيع بشرط الخيار لو لم يجعله فاسخًا للبيع بالوطء؛ لكان إذا
стр. 3606
الوَلَدِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الاسْتِبقَاءِ (وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنتِ حُرَّةٌ، فَوَلَدَت غُلَامًا وَجَارِيَةً، وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا وُلِدَ أَوَّلًا، عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ، وَنِصْفُ الجَارِيَةِ، وَالغُلَامُ عَبدٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَة مِنهُمَا تَعتِقُ فِي حَالٍ، وَهُوَ مَا إِذَا وَلَدَت الغُلَامَ أَوَّلَ مَرَّة الأُمُّ بِشَرط وَالجَارِيَةُ لِكَونِهَا تَبَعًا لَهَا، إِذِ الأُمُّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتِهَا، وَتَرِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إِذَا وَلَدَت الجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرطِ فَيَعتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَتَسْعَى فِي النّصفِ، أَمَّا الغُلَامُ يَرِقُ فِي الحَالَينِ فَلِهَذَا يَكُونُ عَبْدًا، وَإِنْ
جاز البيع يملكها المشتري من وقت العقد حتى لو وطئت بشبهة في مدة الخيار؛ ثم أجيز البيع كان الأرش للمشتري؛ فتبين به أن البائع كان وطئها في غير ملكه فلهذا جعلناه بيانا.
وههنا لو عين العتق في الموطوءة لا يتبين انعدام ملكه فيها سابقًا على الوطء بدليل أنها وطئت بشبهة يكون الأرش سالمًا للمولى، وإن عين العتق فيها مع أن فسخ البيع هنا يحصل بالجناية، وههنا يحصل بالجناية، وههنا لا يحصل بجنايته على إحداهما البيان فكذلك بالوطء.
وكذا في بيع إحدى الأمتين، أما إذا كان الخيار للمشتري فإنه لا يملك أحدهما إلا بعد تعيين البيع فيها، وأما إذا كان الخيار للبائع؛ فلأنه لو عين البيع فيها بعد الوطء ثبت الملك للمشتري من وقت البيع؛ فتبين أنه وطئها في غير ملكه؛ فللتحرز عن هذا تعين البيع في الأخرى ضرورة بخلاف ما نحن فيه؛ إذ بالتعيين لا يتبين انعدام ملكه فيها سابقًا على ما ذكرنا، كذا في المبسوط (١).
قوله: (عتق نصف الأم ونصف الجارية)، في المبسوط (٢): ذكر محمد في الكيسانيات هذا الجواب الذي ذكر ليس جواب هذا الفصل؛ بل في هذا الفصل لا نحكم بعتق واحد منهم، ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنها ولدت الغلام أو لا؛ فإن نكل فنكوله كإقراره وإن حلف كلهم أرقاء، وأما جواب الكتاب ففي فصل آخر، وهو ما إذا قال لأمته: إذا كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة، وإن كان جارية فهي حرة فولدتهما جميعًا، (ولا ندري الأول
стр. 3607
ادَّعَت الأُمُّ أَنَّ الغُلَامَ هُوَ المَولُودُ أَوَّلًا وَأَنكَرَ المَولَى وَالجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ، فَالقَولُ قَولُهُ مَعَ اليَمِينِ لِإِنكَارِهِ شَرطَ العِلْقِ، فَإِذَا حَلَفَ يَعتِقُ وَاحِدٌ مِنهُم، وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَت الأُمُّ وَالجَارِيَةُ؛ لِأَنَّ دَعوَى الأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرَةِ مُعتَبَرَةٌ لِكَونِهَا نَفْعاً مَحضًا، فَاعْتُبِرَ النُّكُولُ فِي حَقِّ حُرِّيَّتِهِمَا فَعَتَقَتَا، وَلَو كَانَتْ الجَارِيَةُ كَبِيرَةً وَلَم تَدَّعِ شَيْئًا وَالمَسأَلَةُ بِحَالِهَا عَتَقَت الأُمُّ بِنُكُولِ المَولَى خَاصَّة دُونَ الجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الأُمِّ غَيْرُ مُعتَبَرَةٍ فِي حَقٌّ الجَارِيَةِ الكَبِيرَةِ، وَصِحَّةُ النُّكُولِ تُبتَنَى عَلَى الدَّعَوَى فَلَم يَظْهَر فِي حَقِّ الجَارِيَةِ، وَلَو كَانَتِ الجَارِيَةُ الكَبِيرَةُ هِيَ المُدَّعِيَةُ لِسَبقِ وِلَادَةِ الغُلَامِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ، يَثْبُتُ عِنقُ الجَارِيَةِ بِنُكُولِ المَولَى دُونَ الأُمِّ لِمَا قُلْنَا، وَالتَّحْلِيفُ عَلَى العِلمِ فِيمَا ذَكَرنَا، لِأَنَّهُ استحلافٌ عَلَى فِعلِ الغَيرِ،
فالغلام رقيق، والابنة حرة ويعتق نصف الأم)؛ لأنها إن ولدت الغلام أولا فهي حرة، والغلام رقيق، وإن ولدت الجارية أولا فهي حرة والغلام والأم رقيقان، فالأم تعتق في حال دون حال؛ فيعتق نصفها والغلام عبد بيقين، والجارية حرة بيقين إما بعتق نفسها أو بعتق الأم.
قال صاحب النهاية: هو الصحيح لما أن الشرط الذي لم يتيقن في وجودها، وهو ما إذا في طرف واحد كان القول لمنكر وجوده، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار غدًا فأنتَ حرّ فمضى الغد، ولا يدري دخل أم لا؛ لا يعتق لوقوع الشك في شرط العتق؛، فكذلك ههنا وقع الشك في وجود شرط العتق، وهو ولادة للغلام أولا، وأما إذا كان الشرط المذكور في طرفي الوجود والعدم، كان أحدهما موجودًا لا محالة، فحينئذ يحتاج إلى اعتبار الأحوال كما في مسألة الكيسانيات.
قوله: (في حق الجارية الكبيرة) لعدم ولايته عليها ولا نيابتها عنها، أما لو كانت صغيرة ثبوت دعواها عن دعوى الصغيرة.
قوله: (لما قلنا)، وهو أن دعوى الغير على الغير نيابة لا يصح إما بإنابة أو ولاية ولم يوجد كلاهما؛ لأنه استخلاف على فعل الغير؛ فيكون على العلم. أصله حديث القسامة.
стр. 3608
وَبِهَذَا القَدرِ يُعرَفُ مَا ذَكَرنَا مِنْ الوَجهِ فِي كِفَايَةِ المُنتَهَى قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُل أَنَّهُ أَعتَقَ أَحَدَ عَبدَيهِ، فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّة) استحسانا، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ العَتَاقِ وَإِنْ شُهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَ إِحدَى نِسَائِهِ جَازَت الشَّهَادَةُ، وَيُجبَرُ الزَّوجُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إِحدَاهُنَّ وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ
قوله: (وبهذا القدر … ) إلى آخره، وفي النهاية والكافي: جميع الوجوه ستة:
أحدها: ما ذكرنا وهو أنهم إن تصادقوا أنهم لا يدرون الأول، وجواب الكتاب؛ أنه يعتق نصف الأم ونصف الجارية باعتبار الأحوال.
والثاني: أن تدعي الأم أن الغلام أول، وأنكر المولى ذلك والجارية صغيرة؛ فالجواب أن القول للمولى مع يمينه؛ لما ذكر في الكتاب.
والثالث: إن تصادقوا على أن الغلام أول، والجواب أنه عتق الأم والبنت ورق الغلام؛ لأنه لاحظ له في العتق في جميع الأحوال؛ لما أن وجوده شرط عتق أمه وثبت عتق الأم بعد انفصاله.
والرابع: إن تصادقوا أن الجارية أول، والجواب أنهم أرقاء.
والخامس: أن تدعي الأم أولية، الغلام والجارية كبيرة ولم تدع شيئًا حلف المولى فإن حلف لم يثبت شيء. وإن نكل عتقت الأم دون البنت.
والسادس: ما لو ادعت البنت دون الأم، فالجواب على عكس هذا؛ لأن النكول عنه ضرورة.
قوله: إلى آخره، ولا يقال: إن النكول على قولهما إقرار، والإقرار يعتق أحدهما حكمًا لليمين إقرار بعتق الأخرى ضرورة؛ لأنا نقول: إنه إقرار بطريق الضرورة ولهذا يثبت العتق بمجرد النكول.
والدليل عليه ما قالوا؛ أي محمد في الأصل. قال لغيره: أنا كفيل لكل ما يقر لك به فلان؛ فادعى المكفول له على فلان مالا فحلف فأنكر يقضي عليه بالمال، ولا يصير الكفيل كفيلا به، ولو كان إقرارًا من كل وجه لصار كفيلا به.
كذا في الفوائد الظهيرية وجامع قاضي خان.
وفي المحيط: لو قال: إن كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة، وإن كان
стр. 3609
وَمُحَمَّدٌ الشَّهَادَةُ فِي العِتْقِ مِثْلُ ذَلِكَ) (*) وَأَصلُ هَذَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتقِ العَبدِ لَا تُقبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعوَى العَبدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِندَهُمَا تُقبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتَقِ الأَمَةِ وَطَلَاقِ المَنكُوحَةِ مَقبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعوَى بِالاتِّفَاقِ وَالمَسأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
جارية ثم غلامًا فهما حران، فولدت غلامًا وجاريتين ولا يعلم الأول؛ عتق نصف الأم ونصف الغلام وربع كل واحدة من الجاريتين، أما الأم؛ فلأنها تعتق في حال دون حال وهو رواية، وفي عامة الروايات يجب أن يعتق ثلثها؛ لأنها تعتق في حال وترق في حالين، بأن كانت ولادة إحدى الجاريتين أولًا.
وأما الغلام فإنه يعتق في حال بأن ولدت إحدى الجاريتين أولا، ويرق في حال بأن ولدت الغلام أولا. وأما الجاريتان فيعتق من كل واحدة ربعها في عامة الروايات؛ لأن أصابة الحرية بجهتين متعذرة؛ لأن الشخص إذا عتق تبعا للأم لا يتصور أن يعتق نفسه ومتى عتق يعتق نفسه لا يعتق تبعًا؛ فلا بد من إلغاء حد الجهتين فألغينا إصابة العتق من جهة الأم، واعتبرنا الإصابة تعتق نفسها؛ لأنها أقل وهو المتيقن، فإن كانت ولادة الغلام أولا يعتقان بعتق أنفسهما؛ فثبت لهما حرية في حال دون حال فيثبت نصف بينهما.
قال أبو عصمة: ينبغي أن يعتق من كل واحدة ثلاثة أرباعها؛ لأن الغلام لو كان أولا تعتق الأم فتعتق الجاريتان، ولو كانت إحدى الجاريتين أولا ثم الغلام عتقت الجارية الأولى، والأخرى رقيقة، فكان لهما عتق ونصف بينهما، واختار شمس الأئمة قول أبي عصمة، وقال: هو الذي يوافق ما تقدم.
قوله: (وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ)، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن المشهود به حق الشرع وهو العتق، ألا ترى أنه لا يحتاج إلى قبول العبد ولا يزيد برده! ويجوز أن يحلف بما هو حق الله تعالى، ويصح إيجابه في المجهول، ولا يصح إيجاب الحق للمجهول، ويتعلق به حرمة استحقاقه وذا حق الشرع قال ﵇: «ثلاثة أنا خصمهم» وعد منها: «من استرق حرا» (١)، ويتعلق به تكميل
стр. 3610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحدود ووجوب الجمعة والحج والزكاة والجهاد، ولا يمنع قبول الشهادة، والتناقض في دعوى العتق حتى لو أقر بالرق، ثم ادعى حرية الأصل وأقام البينة يقبل؛ فلو كانت الدعوى شرعًا لكان مانعًا؛ لأن التناقض يعدم الدعوى.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكتفي بشهادة الواحد؛ لأنه أمر ديني وخبر الواحد في الديانات مقبول.
قلنا: خبر الواحد لا يكفى للإلزام؛ فلا بد من نصاب الشهادة.
فإن قيل: لو كانت علة سقوط الدعوى في عتق الأم حرمة فرجها على المعتق لما قبلت على عتق الأمة المجوسية، وأخته في الرضاعة وعلى الطلاق الرجعي؛ لأن الشهادة بذلك إذا قبلت لم تتضمن حرمة فرجها.
قلنا: من المشايخ من منع المسألتين الأوليتين. ومنهم من سلم مسألة المجوسية، ومنع مسألة الأخت من الرضاعة، وفرق بأن وطء المجوسية مملوكة للمولى وإنما منع خبثها كالحائض، وهذا لا يسقط إحصانه به مع قيام ملك اليمين.
وفي المبسوط (١): وَطْئُ أُخته في الرضاعة ليس بزنا، بدليل أنه لا يلزمه الحد بوطئها قبل عتقها وبعده يلزمه الحد، وبضعها مملوك له، حتى لو وطئت بشبهة كان عقرها للمولى، وبعتقها يزول ذلك، وفي الطلاق الرجعي ينعقد به سبب حرمة فرجها.
ولأبي حنيفة أن المشهود به حق العبد؛ لأنه يثبت به قوة حكمية لنفسه والقوة الحقيقة حقه بجميع معانيه، فكذا القوة الحكمية ولأنه يصير به مالكًا نفسه واكتسابه ومالكيه الاكتساب حق المالك؛ لأنها عبارة عن اختصاص يتمكن به من إقامة المصالح المتعلقة، وما وراء ذلك ثمرات العتق ولا عبرة به.
وإنما العبرة للمشهود به، فإذا كان حق العبد يتوقف قبول البينة على دعواه،