← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

الوَلَدِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الاسْتِبقَاءِ (وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنتِ حُرَّةٌ، فَوَلَدَت غُلَامًا وَجَارِيَةً، وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا وُلِدَ أَوَّلًا، عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ، وَنِصْفُ الجَارِيَةِ، وَالغُلَامُ عَبدٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَة مِنهُمَا تَعتِقُ فِي حَالٍ، وَهُوَ مَا إِذَا وَلَدَت الغُلَامَ أَوَّلَ مَرَّة الأُمُّ بِشَرط وَالجَارِيَةُ لِكَونِهَا تَبَعًا لَهَا، إِذِ الأُمُّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتِهَا، وَتَرِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إِذَا وَلَدَت الجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرطِ فَيَعتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَتَسْعَى فِي النّصفِ، أَمَّا الغُلَامُ يَرِقُ فِي الحَالَينِ فَلِهَذَا يَكُونُ عَبْدًا، وَإِنْ جاز البيع يملكها المشتري من وقت العقد حتى لو وطئت بشبهة في مدة الخيار؛ ثم أجيز البيع كان الأرش للمشتري؛ فتبين به أن البائع كان وطئها في غير ملكه فلهذا جعلناه بيانا. وههنا لو عين العتق في الموطوءة لا يتبين انعدام ملكه فيها سابقًا على الوطء بدليل أنها وطئت بشبهة يكون الأرش سالمًا للمولى، وإن عين العتق فيها مع أن فسخ البيع هنا يحصل بالجناية، وههنا يحصل بالجناية، وههنا لا يحصل بجنايته على إحداهما البيان فكذلك بالوطء. وكذا في بيع إحدى الأمتين، أما إذا كان الخيار للمشتري فإنه لا يملك أحدهما إلا بعد تعيين البيع فيها، وأما إذا كان الخيار للبائع؛ فلأنه لو عين البيع فيها بعد الوطء ثبت الملك للمشتري من وقت البيع؛ فتبين أنه وطئها في غير ملكه؛ فللتحرز عن هذا تعين البيع في الأخرى ضرورة بخلاف ما نحن فيه؛ إذ بالتعيين لا يتبين انعدام ملكه فيها سابقًا على ما ذكرنا، كذا في المبسوط (١). قوله: (عتق نصف الأم ونصف الجارية)، في المبسوط (٢): ذكر محمد في الكيسانيات هذا الجواب الذي ذكر ليس جواب هذا الفصل؛ بل في هذا الفصل لا نحكم بعتق واحد منهم، ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنها ولدت الغلام أو لا؛ فإن نكل فنكوله كإقراره وإن حلف كلهم أرقاء، وأما جواب الكتاب ففي فصل آخر، وهو ما إذا قال لأمته: إذا كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة، وإن كان جارية فهي حرة فولدتهما جميعًا، (ولا ندري الأول

стр. 3607

ادَّعَت الأُمُّ أَنَّ الغُلَامَ هُوَ المَولُودُ أَوَّلًا وَأَنكَرَ المَولَى وَالجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ، فَالقَولُ قَولُهُ مَعَ اليَمِينِ لِإِنكَارِهِ شَرطَ العِلْقِ، فَإِذَا حَلَفَ يَعتِقُ وَاحِدٌ مِنهُم، وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَت الأُمُّ وَالجَارِيَةُ؛ لِأَنَّ دَعوَى الأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرَةِ مُعتَبَرَةٌ لِكَونِهَا نَفْعاً مَحضًا، فَاعْتُبِرَ النُّكُولُ فِي حَقِّ حُرِّيَّتِهِمَا فَعَتَقَتَا، وَلَو كَانَتْ الجَارِيَةُ كَبِيرَةً وَلَم تَدَّعِ شَيْئًا وَالمَسأَلَةُ بِحَالِهَا عَتَقَت الأُمُّ بِنُكُولِ المَولَى خَاصَّة دُونَ الجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الأُمِّ غَيْرُ مُعتَبَرَةٍ فِي حَقٌّ الجَارِيَةِ الكَبِيرَةِ، وَصِحَّةُ النُّكُولِ تُبتَنَى عَلَى الدَّعَوَى فَلَم يَظْهَر فِي حَقِّ الجَارِيَةِ، وَلَو كَانَتِ الجَارِيَةُ الكَبِيرَةُ هِيَ المُدَّعِيَةُ لِسَبقِ وِلَادَةِ الغُلَامِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ، يَثْبُتُ عِنقُ الجَارِيَةِ بِنُكُولِ المَولَى دُونَ الأُمِّ لِمَا قُلْنَا، وَالتَّحْلِيفُ عَلَى العِلمِ فِيمَا ذَكَرنَا، لِأَنَّهُ استحلافٌ عَلَى فِعلِ الغَيرِ، فالغلام رقيق، والابنة حرة ويعتق نصف الأم)؛ لأنها إن ولدت الغلام أولا فهي حرة، والغلام رقيق، وإن ولدت الجارية أولا فهي حرة والغلام والأم رقيقان، فالأم تعتق في حال دون حال؛ فيعتق نصفها والغلام عبد بيقين، والجارية حرة بيقين إما بعتق نفسها أو بعتق الأم. قال صاحب النهاية: هو الصحيح لما أن الشرط الذي لم يتيقن في وجودها، وهو ما إذا في طرف واحد كان القول لمنكر وجوده، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار غدًا فأنتَ حرّ فمضى الغد، ولا يدري دخل أم لا؛ لا يعتق لوقوع الشك في شرط العتق؛، فكذلك ههنا وقع الشك في وجود شرط العتق، وهو ولادة للغلام أولا، وأما إذا كان الشرط المذكور في طرفي الوجود والعدم، كان أحدهما موجودًا لا محالة، فحينئذ يحتاج إلى اعتبار الأحوال كما في مسألة الكيسانيات. قوله: (في حق الجارية الكبيرة) لعدم ولايته عليها ولا نيابتها عنها، أما لو كانت صغيرة ثبوت دعواها عن دعوى الصغيرة. قوله: (لما قلنا)، وهو أن دعوى الغير على الغير نيابة لا يصح إما بإنابة أو ولاية ولم يوجد كلاهما؛ لأنه استخلاف على فعل الغير؛ فيكون على العلم. أصله حديث القسامة.

стр. 3608

وَبِهَذَا القَدرِ يُعرَفُ مَا ذَكَرنَا مِنْ الوَجهِ فِي كِفَايَةِ المُنتَهَى قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُل أَنَّهُ أَعتَقَ أَحَدَ عَبدَيهِ، فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّة) استحسانا، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ العَتَاقِ وَإِنْ شُهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَ إِحدَى نِسَائِهِ جَازَت الشَّهَادَةُ، وَيُجبَرُ الزَّوجُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إِحدَاهُنَّ وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قوله: (وبهذا القدر … ) إلى آخره، وفي النهاية والكافي: جميع الوجوه ستة: أحدها: ما ذكرنا وهو أنهم إن تصادقوا أنهم لا يدرون الأول، وجواب الكتاب؛ أنه يعتق نصف الأم ونصف الجارية باعتبار الأحوال. والثاني: أن تدعي الأم أن الغلام أول، وأنكر المولى ذلك والجارية صغيرة؛ فالجواب أن القول للمولى مع يمينه؛ لما ذكر في الكتاب. والثالث: إن تصادقوا على أن الغلام أول، والجواب أنه عتق الأم والبنت ورق الغلام؛ لأنه لاحظ له في العتق في جميع الأحوال؛ لما أن وجوده شرط عتق أمه وثبت عتق الأم بعد انفصاله. والرابع: إن تصادقوا أن الجارية أول، والجواب أنهم أرقاء. والخامس: أن تدعي الأم أولية، الغلام والجارية كبيرة ولم تدع شيئًا حلف المولى فإن حلف لم يثبت شيء. وإن نكل عتقت الأم دون البنت. والسادس: ما لو ادعت البنت دون الأم، فالجواب على عكس هذا؛ لأن النكول عنه ضرورة. قوله: إلى آخره، ولا يقال: إن النكول على قولهما إقرار، والإقرار يعتق أحدهما حكمًا لليمين إقرار بعتق الأخرى ضرورة؛ لأنا نقول: إنه إقرار بطريق الضرورة ولهذا يثبت العتق بمجرد النكول. والدليل عليه ما قالوا؛ أي محمد في الأصل. قال لغيره: أنا كفيل لكل ما يقر لك به فلان؛ فادعى المكفول له على فلان مالا فحلف فأنكر يقضي عليه بالمال، ولا يصير الكفيل كفيلا به، ولو كان إقرارًا من كل وجه لصار كفيلا به. كذا في الفوائد الظهيرية وجامع قاضي خان. وفي المحيط: لو قال: إن كان أول ولد تلدينه غلامًا فأنت حرة، وإن كان

стр. 3609

وَمُحَمَّدٌ الشَّهَادَةُ فِي العِتْقِ مِثْلُ ذَلِكَ) (*) وَأَصلُ هَذَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتقِ العَبدِ لَا تُقبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعوَى العَبدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِندَهُمَا تُقبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتَقِ الأَمَةِ وَطَلَاقِ المَنكُوحَةِ مَقبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعوَى بِالاتِّفَاقِ وَالمَسأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ. جارية ثم غلامًا فهما حران، فولدت غلامًا وجاريتين ولا يعلم الأول؛ عتق نصف الأم ونصف الغلام وربع كل واحدة من الجاريتين، أما الأم؛ فلأنها تعتق في حال دون حال وهو رواية، وفي عامة الروايات يجب أن يعتق ثلثها؛ لأنها تعتق في حال وترق في حالين، بأن كانت ولادة إحدى الجاريتين أولًا. وأما الغلام فإنه يعتق في حال بأن ولدت إحدى الجاريتين أولا، ويرق في حال بأن ولدت الغلام أولا. وأما الجاريتان فيعتق من كل واحدة ربعها في عامة الروايات؛ لأن أصابة الحرية بجهتين متعذرة؛ لأن الشخص إذا عتق تبعا للأم لا يتصور أن يعتق نفسه ومتى عتق يعتق نفسه لا يعتق تبعًا؛ فلا بد من إلغاء حد الجهتين فألغينا إصابة العتق من جهة الأم، واعتبرنا الإصابة تعتق نفسها؛ لأنها أقل وهو المتيقن، فإن كانت ولادة الغلام أولا يعتقان بعتق أنفسهما؛ فثبت لهما حرية في حال دون حال فيثبت نصف بينهما. قال أبو عصمة: ينبغي أن يعتق من كل واحدة ثلاثة أرباعها؛ لأن الغلام لو كان أولا تعتق الأم فتعتق الجاريتان، ولو كانت إحدى الجاريتين أولا ثم الغلام عتقت الجارية الأولى، والأخرى رقيقة، فكان لهما عتق ونصف بينهما، واختار شمس الأئمة قول أبي عصمة، وقال: هو الذي يوافق ما تقدم. قوله: (وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ)، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن المشهود به حق الشرع وهو العتق، ألا ترى أنه لا يحتاج إلى قبول العبد ولا يزيد برده! ويجوز أن يحلف بما هو حق الله تعالى، ويصح إيجابه في المجهول، ولا يصح إيجاب الحق للمجهول، ويتعلق به حرمة استحقاقه وذا حق الشرع قال ﵇: «ثلاثة أنا خصمهم» وعد منها: «من استرق حرا» (١)، ويتعلق به تكميل

стр. 3610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحدود ووجوب الجمعة والحج والزكاة والجهاد، ولا يمنع قبول الشهادة، والتناقض في دعوى العتق حتى لو أقر بالرق، ثم ادعى حرية الأصل وأقام البينة يقبل؛ فلو كانت الدعوى شرعًا لكان مانعًا؛ لأن التناقض يعدم الدعوى. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكتفي بشهادة الواحد؛ لأنه أمر ديني وخبر الواحد في الديانات مقبول. قلنا: خبر الواحد لا يكفى للإلزام؛ فلا بد من نصاب الشهادة. فإن قيل: لو كانت علة سقوط الدعوى في عتق الأم حرمة فرجها على المعتق لما قبلت على عتق الأمة المجوسية، وأخته في الرضاعة وعلى الطلاق الرجعي؛ لأن الشهادة بذلك إذا قبلت لم تتضمن حرمة فرجها. قلنا: من المشايخ من منع المسألتين الأوليتين. ومنهم من سلم مسألة المجوسية، ومنع مسألة الأخت من الرضاعة، وفرق بأن وطء المجوسية مملوكة للمولى وإنما منع خبثها كالحائض، وهذا لا يسقط إحصانه به مع قيام ملك اليمين. وفي المبسوط (١): وَطْئُ أُخته في الرضاعة ليس بزنا، بدليل أنه لا يلزمه الحد بوطئها قبل عتقها وبعده يلزمه الحد، وبضعها مملوك له، حتى لو وطئت بشبهة كان عقرها للمولى، وبعتقها يزول ذلك، وفي الطلاق الرجعي ينعقد به سبب حرمة فرجها. ولأبي حنيفة أن المشهود به حق العبد؛ لأنه يثبت به قوة حكمية لنفسه والقوة الحقيقة حقه بجميع معانيه، فكذا القوة الحكمية ولأنه يصير به مالكًا نفسه واكتسابه ومالكيه الاكتساب حق المالك؛ لأنها عبارة عن اختصاص يتمكن به من إقامة المصالح المتعلقة، وما وراء ذلك ثمرات العتق ولا عبرة به. وإنما العبرة للمشهود به، فإذا كان حق العبد يتوقف قبول البينة على دعواه،

стр. 3611

وَإِذَا كَانَ دَعوَى العَبْدِ شَرطًا عِندَهُ لَم تَتَحَقَّق فِي مَسأَلَةِ الكِتَابِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ المَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ فَلَا تُقبَلُ الشَّهَادَةُ. وَعِندَهُمَا: لَيْسَ بِشَرط فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ ونحن نسلم أن في العتق معنى حق الشرع وذلك لا يدل على أنه حق الشرع، فإن حق العبد قد لا يتوقف على قبوله؛ كالعفو من القصاص وإبراء الكفيل، فإنه لا يتوقف على قبوله ولا يرتد برده، والتناقض معفو فيه لخفائه كما في دعوى النسب، ولأن للعتق شبهتين فلشبهه بحق الشرع قلنا: التناقض لا يمنع صحة الدعوى. فإن قيل: قد ذكر في الزيادات أن العتق إذا حكم به يصير كل الناس مقضيًّا عليهم، وإن كانت الدعوى لم توجد إلا من واحد منهم، وعلل بأنه حق الشرع فصار الدعوى من واحد كالدعوى من الكل، والقضاء على واحد كالقضاء على الكل؛ لأنه حق الشرع لا يقبل البينة برقه بعد الحكم برقه فوقع الشك في قبولها فلا يقبل فيهما. ثم العبد غير متهم في إنكار العتق؛ لأن العاقل لا يجحد الحرية ليستكسبه غيره فينفق عليه بعض كسبه، ويجعل الباقي لنفسه فصح إنكاره، وصار به بالشهود بخلاف الأمة، فإنها متهمة في إنكار العتق؛ لما أن لها من الحظ في الصحة مع المولى، ولا معتبر في إنكار من هو متهم في إنكاره، فجعلناه كالمدعية تقديرًا حتى لو كان العبد متهما بأن كان لزمه حد قذف أو قصاص في طرف فأنكر العتق لم يلتفت إلى إنكاره وقضى عليه بالبينة. قوله: (لأن الدعوى من المجهول لا تتحقق)؛ لأنا لو صورنا الدعوى من أحدهما من غير تعيين كانت الدعوى من المجهول وهي لا تصح، وصاحب الحق غير معين فلم يكن دعواهما دعوى من صاحب الحق ولا الدعوى حينئذ لا يكون مطابقا للشهادة؛ لأن الشهادة على أحدهما لا عليهما. وذكر رشيد الدين في فتاواه: أن خلاف أبي حنيفة معهما في الشهادة القائمة على العتق الحاصل من جهة المولى، أما لا خلاف أن الشهود إذا شهدوا أنه حر الأصل تقبل شهادتهم بدون الدعوى؛ لأن الشهادة على حرية الأصل شهادة على حرية أمه، والشهادة على حرية أمه شهادة على تحريم

стр. 3612

انعَدَمَ الدَّعْوَى. أَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَعَدَمُ الدَّعْوَى لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهَا لَيسَت بِشَرط فِيهَا. وَلَو شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ إِحدَى أَمَتَيْهِ لَا تُقبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَظْلَهُ، وَإِنْ لَم تَكُنْ الدعوى شرطًا فِيهَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ الدَّعَوَى لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الفَرجِ فَشَابَهُ الطَّلَاقَ، وَالعِتقُ المُبهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الفَرجِ عِندَهُ عَلَى مَا ذَكَرنَاهُ الفرج، وحرمة الفرج حق الله تعالى فيقبل جنسه من غير الدعوى كما في عتق الأمة. ولكن ذكر صاحب المحيط: الصحيح أن الدعوى شرط في حرية الأصل أيضًا عنده، والتناقض لا يمنع صحة الدعوى؛ لا في حرية الأصل ولا في حرية العارض، كذا في الفصول للإمام الإسْتَرُوْشَنِيُّ ﵀. قوله: (إنما لا يشترط الدعوى)؛ أي: في الأمة المعينة (لما أنه)؛ أي: العتق فيها (يتضمن تحريم الفرج)، وتحريم الفرج حق الله تعالى، لما أن وطئه بعد العتق زنا، والشهادة على الزنا تقبل بدون الدعوى. فإن قيل: على عتق العبد المعين ينبغي أن نقبل بغير الدعوى؛ لما أن فيه تحريم استرقاقه وتحريم الاسترقاق حق الله. قلنا: تحريم الاسترقاق يثبت بعد تمام الشهادة، ولو ثبت معنى بعد الشهادة لا تجعل أصلا في قبول الشهادة، كما لو شهد الإنسان بمال وهو لا يدعي، فإنه لا يقال: يقبل لجواز أن يجب في ذلك المال زكاة، وهو حق الله، هكذا ذكره التمرتاشي. فإن قيل: لا تفاوت حينئذ بين تحريم الاسترقاق وتحريم الفرج؛ إذ كل منهما بعد تمام الشهادة، فكيف يجعل تضمين الفرج مجوّزا للقبول بلا دعوى، ولم يجعل تضمن تحريم الاسترقاق مجوزا للقبول بلا دعوى. قلنا: الفرق أن الشهادة بعتق الأمةِ قائمة مقام الشهادة أنهما تزنيان، بعد هذا لو وطئها مولاها، والشهادة على الزنا مما ورد الشرع أما الشهادة بعتق لو قلنا بجوازها كانت قائمة مقام شهادتهما بالاسترقاق بعد الحرية، فهو مما لم يرد به الشرع؛ بل ذاك، وقوله: (وأعتقه بمنزلة)، وفيه الخلاف المذكور؛ لأن

стр. 3613

فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى عِنقِ أَحَدِ العَبدَينِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا شَهِدَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيهِ. أَمَّا إِذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعتَقَ أَحَدَ عَبدَيهِ فِي مَرَضِ مَوتِهِ أَوْ شَهِدَا عَلَى تَدبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ، وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِ مَوتِهِ أَوْ بَعدَ الوَفَاةِ تُقبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَقَعَ وَصِيَّة، وَكَذَا العِتقُ فِي مَرَضِ المَوتِ وَصِيَّةٌ، وَالخَصمُ فِي الوَصِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ المُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ. وَعَنهُ خَلَفٌ وَهُوَ الوَصِيُّ أَوْ الوَارِثُ، وَلِأَنَّ العِتَقَ فِي مَرَضِ المَوتِ يَشِيعُ بِالمَوتِ فِيهِمَا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصمًا مُتَعَيَّنا، وَلَو شَهِدَا بَعدَ مَوتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَقَد قِيلَ: لَا تُقبَلُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّة. وَقِيلَ، تُقبَلُ لِلشُّيُوعِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الاحتياط في أمر الفرج أشد رعاية من غيره. ألا ترى أن الإعتاق المبهم بين الأمتين وإن كان يجوز وطئهما من حيث الدليل على قول أبي حنيفة، وهو أن الإعتاق المبهم لا ينزل في المعين قبل البيان، ومع ذلك لا يفتى بحل وطئها؛ لرعاية الأمهات الاحتياط في أمر الفرج، وإذا كان كذلك فلا يلزم من قبول الشهادة بعتق الأمة من غير دعوى رعاية لجانب حرمة الفرج، وإن كان ثبوته بطريق التضمين قبول الشهادة لعتق العبد رعاية لجانب حرمة الاسترقاق الثابت بطريق التضمن؛ لما أن حرمة الاسترقاق لا تساوي حرمة الفرج في الأخذ بالاحتياط. قوله: (أما إذا شهدا … ) إلى آخره، هذا بيان قوله: (إلا أن تكون في وصية) (حيثما وقع)؛ أي ساوى في حالة الصحة أو في المرض. قوله: (فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٍّ)، لا نصَّ فيه عن أبي حنيفة واختلف المشايخ فيه. قيل: لا يقبل؛ لأن الإعتاق في الصحة ليس بوصية؛ فلم يكن الميت مدعيًا تقديرا. وقيل: تقبل؛ لأن العتق شاع فيهما بعد الموت فتصح دعواهما. وفي الكافي: الأصح إذا جاز أن يكون معلولا بعلتين فيتعدى بإحداهما.

стр. 3614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فروع ولو شهدا أنه حرر أمةً بعينها وسماها فنسيا اسمها أو شهدا أنه طلق امرأة معينة فنسيا اسمها بطلت شهادتهما؛ لإقرارهما على أنفسهما بالغفلة وشهادة المغفّل لا تقبل، ولأنهما لم يشهدا بما تحملا عتق معلومة وطلاق معلومة، وشهدا بعتق مجهولة وطلاق مجهولة والشهادة بغير ما تحملا باطلة. وعند زفر تقبل الشهادة ويؤمر بالبيان؛ لأن الجهالة لا تمنع صحة الطلاق والعتاق كما لو شهد ابتداء بعتق مجهولة وطلاق مجهولة، ولو شهدا بعتق أحد العبدين وقالا: أعتق أحد العبدين، وقالا: أعتق أحدهما معينا ونسينا اسمه، فكذا لا يقبل عنده، وإن ادعيا؛ لأن المستحق للحرية مجهول فعرت البينة عن الدعوى. ولو شهدا بعتق عبد وحكم القاضي بشهادتهما ثم رجعا ضمنا قيمته، ثم شهد آخران أن المولى أعتقه بعد شهادتهما لم يسقط عنهما الضمان اتفاقًا؛ لأنه عتق بالقضاء والمعتق لا يعتق فلم يقبل شهادتهما، ومتى لم تقبل شهادتهما لم ينتف الضمان عن الأولين، وإن شهدا أنه أعتقه قبل شهادتهما لم يقبل أيضًا ولم يرجعا بما ضمنا على المولى عند أبي حنيفة. وعندهما؛ تقبل ورجعا عليه بما ضمنا، وهذا بناء على ما مر أن الشهادة على العبد تقبل بلا دعوى عندهما، وعنده لا تقبل بدون الدعوى فلا يثبت عتقه قبل شهادتهما، فكان التلف بشهادتهما. وقيل: هذه المسألة بناء على أن القضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا عنده فلا حاجة إلى قبول الشهادة ثانيًا، وعندهما لا تنفذ، فعلى هذا لا فرق بين الأمة والعبد، وعلى الأول يفترقان. ولو شهدا على الشريك الحاضر؛ أن الشريك الثاني قد أعتق نصيبه منه فعند أبي حنيفة لا يقبل؛ لأن الإعتاق عنده يتجزئ فكانت الشهادة بعتق نصيب الغائب خاصة، وليس عنه خصم حاضر، والقضاء على الغائب لا يجوز؛ لكن يحال بينه وبين الحاضر أن يسترقه ويوقف حتى يقدم استحسانا، وفي القياس لا

стр. 3615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يحال، وعندهما يقبل ويقضي بعتقه؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ فينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، وهما في الحقيقة شهدا على الحاضر بعتق نصيبه فيقبل. أعتق عبده في مرض موته ولا مال له غيره عتق ثلثه بغير عوض، وسعى في ثلثيه عندنا إذا لم تجز الورثة، وبه قال ابن المسيب وشريح والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وحماد بن أبي سليمان. وقال الشافعي ومالك وأحمد في العبيد: يقرع بينهم ويعتق بالقرعة. وفي العبد الواحد يعتق ثلثه ويبقى ثلثاه رقيقا بتصرف الورثة في ذلك كيف شاءت، واحتجوا بما روى أبو المهلب عن عمران بن الحصين: أن رجلا أعتق ستة مماليك عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، «فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدًا» رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي (١)، وفي رواية: «أوصى عند موته أن أعتق ستة مماليك» رواه مسلم. واسم أبي المهلب عمرو بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية. واختلفوا في قوله قال: يعني رسول الله: «لو شَهِدْتُهُ قبل أن يُدفن في مقابر المسلمين»، رواه أبو داود والنسائي (٢). وقيل: قال: «فقد همَمْتُ أن لا أصَلِّي عليه» (٣)، وأما أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو إعتاقهم فيستوون في الاستحقاق، ولا إعطاء البعض زيادة على ما استحقه، كما لو أوصى لرقابهم لكل واحد برقبة ولا مال له سواهم، وهذا لأنه لما كان المأذون فيه إعتاق ثلث كل واحد منهم لا الثلثين؛ لأن ذلك حق الورثة، كانت إضافته إلى كل واحد منهم إضافة إلى ثلاثة لا غير في حق نفاده؛ لأن ذلك حق المعتق دون الزائد عليه صار كأنه قال: أعتق ثلث كل

стр. 3616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واحد منكم، ولو قال كذلك لا تجزئ فيه القرعة، ويعتقون بالحصص عند المالكية. وفي المنهاج: لو أعتق عبده في مرضه عتق ثلثه، ولو قال: أعتق ثلث كل عبد أقْرَعَ. فإن قيل: يعتق من كل عبد ثلثه، وإن سلموا أن قياس الأصل معنا وتركوه بالحديث: وفيه لم يكن له غيرهم، وإعتاقهم مع وجود المال بالقرعة؛ ترك بالحديث قياس الأصول وحكم بالتَّشَهي. وفي المبسوط (١): ثم قال الخصم: ضرر إبطال حق الأكثر من العبد وزيادة لمن لا يستحق الزيادة، وفيما قلنا ضرر تأخر الحق في حق مورثه، وضرر التأخر أهون. قال الشيخ أبو بكر الرازي: القرعة بين العبيد من جنس المَيْسِرِ المُحَرَّم بنص القرآن؛ لما فيه من نقل الحرية عمن وقعت عليه إلى غيره بالقرعة، ولما فيه من بخس الحق وإبطاله، حتى لا يخطئ واحد منهم بشيء وأخذ بعضهم حقه وحق غيره، فهذا هو المَيْسِرُ بعينه، ولأن العتق نازل في الكل حتى برأ من مرضه عتقوا كلهم، كما لو وهبهم ثم برأ نفذت هبته في الكل، والبرء لا يوجب عتقا لم يصح، فثبت أنه واقع في جميعهم، والعتق لا يجوز رفعه بالقرعة. ولا حجة لهم في حديث عمران لوجوه: أحدها: أنه قضاء في شيء بعينه، وهو واقعة عين وواقعة الأعيان لا عموم لها. والثاني: يحتمل أن يكون به اثنين شائعين، أي قدر اثنين لا بأعيانهما كقوله: «في أربعين شاة شاة» (٢) ذكره الجصاص؛ لأنا إذا أعتقنا من كل واحد ثلثه فقد أعتقنا قدر اثنين منهم، ويحمل على هذا جمعًا بين الأثر والنظر، لكن يُرَدُّ على الجصاص إقراعه ﵇؛ لأنه إذا عتق من كل واحد ثلثه قدر اثنين شائعًا؛ فلا حاجة إلى القرعة.

стр. 3617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثالث: أنه لا يتفق للإنسان ستة أعبد ولا يملك غيرهم من درهم وقماش وأثاث ولا نحاس، ولا دابة ولا قمح ولا دار يسكنها، ولا شيء قل ولا جل وهو منكر جدا؛ بل هو من قبيل المستحيل في العرف؛ فَيُرَدُّ به كما يُرَدُّ عندنا خبر الواحد فيما فيه عموم البلوى. والرابع: لا يتفق أن يكون ستة أعبد قيمتهم سواء، والقيمة تختلف في ذوات الأمثال فكيف بذوات القيم، وزعموا أن عبيد الحجاز إنما هم الزنوج والحَبَسُ، وقيمتهم متساوية وهو دعوى منهم بلا برهان ولا عرف ولا عادة ولا شاهد الحال، فإنا نرى عبيد الحبش عبدًا بخمسمائة والآخر بأربعمائة والآخر بثلاثمائة، وتفاوت القيمة في بني آدم فاحش في صحيح مسلم (١): أعتق علي بن الحسين عبدًا قد أعطاه به ابن جعفر عشرة ألاف درهم أو ألف دينار، فبطل قولهم؛ فلا يلتفت إلى الزعم الذي لا دليل عليه ومثلهم الزنوج. وذكر الشيخ ابن عبد السلام في قواعده (٢): أنه لا وجه للإقراع عند تعارض البينتين ولا عند تعارض الخبرين رد لا يعتد فيه بأحد الخبرين ولا بإحدى الشهادتين، فكذا لا يفيد فيه بإعتاق عبدين وإرقاق أربعة، فقد تقدم إعتاق الستة، ثم ذكر أن شرع القرعة؛ لدفع الأحقاد والضغائن والرضى بالمقادير، لا أن القرعة تظهر الحق. انتهى الكلام. وقد رجع إلى الحق فيها، وإنما يجوز استعمال القرعة عندنا؛ فيما يجوز فعله بغير قرعة كما في القسمة للقاضي لدفع تهمة المَيْلِ، وفي قسمة الغنائم والمسافر بالزوجة، وأقرع زكريا ﵇؛ لتطييب قلوب الأحبار وإلا كان هو أحق بضم مريم إلى نفسه؛ لأن خالتها كانت تحته مع أنها كانت معجزة لما أنه من الحديد، والله أعلم.

стр. 3618

بَابُ الحَلِفِ بِالعِلْقِ (وَمَنْ قَالَ: إِذَا دَخَلْتُ الدَّارَ فَكُلُّ مَملُوك لِي يَومَئِذٍ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَيسَ لَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ دَخَلَ عَتَقَ) لِأَنَّ قَولَهُ يَومَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: يَومَ إِذْ دَخَلتُ، إِلَّا أَنَّهُ أَسقَطَ الفِعَلَ وَعَوَّضَهُ بِالتَّنْوِينِ،. . . . . . . . . . . باب الحلف بالعتق لما فرغ من أنواع التنجيز من العتق شرع في التعليق منه؛ إذ التعليق قاصر في السببية فأُخّر، والمراد بالحلف والعتق؛ هو أن يجعل العتق جزاء حلفه. قوله: (وعوضه بالتنوين)، ويسمى هذا التنوين تنوين العوض عند النحويين، وهو مختص بالمبينات، واختلف في دخولها المعرب مثل كل وبعض قبل تنوين العوض عن المضاف إليه؛ لأن [الأصل] (١) كلهم وبعضهم، والأصح أنه التمكين الذي يدل على أمكنية الاسم؛ لأنه معرب منون ذكره ابن يعيش في شرح المفصل. (ذا) ظرف لما مضى من الزمان، ولهذا قال صاحب الكتاب: (إذ دخلت)؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ﴾ [ال عمران: ٤٥]. ومن حق هذا الباب أن يكون في الأيمان، وإنما ذكر هنا لأجل الجزاء دون الشرط، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد فإنه صحح ذلك في العتق دون الطلاق، وزعم أن الشارع يتشوف إلى العتق دون الطلاق، ولهذا لا أصل له عندنا ويصح فيهما. فإن قيل: ينبغي أن لا يعتق ما ملكه بعد القول عند الدخول؛ لأنه ما أضاف العتق إلى الملك ولا إلى سببه كما لو قال لعبد الغير: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم اشتراه فدخل الدار لا يعتق. قلنا: قد وُجِدَ دلالة؛ لأنه أضاف العتق إلى مملوك له زمان الدخول، والمملوك لا يكون بلا ملك فصار كأنه قال: إن ملكت مملوكًا وقت الدخول فهو حر بخلاف تلك المسألة؛ لأنه لم توجد الإضافة إلى الملك لا صريحًا ولا دلالة.

стр. 3619

فَكَانَ المُعتَبَرُ قِيَامَ المِلكِ وَقتَ الدُّخُولِ، وَكَذَا لَو كَانَ فِي مِلْكِهِ يَومَ حَلَفَ عَبْدٌ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى دَخَلَ عَتَقَ لِمَا قُلْنَا. (وَلَو لَم يَكُنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ: «يَومَئِذ»، لَم يَعتِق) لِأَنَّ قَولَهُ كُلُّ مَمْلُوكَ لِي لِلحَالِ (حتى دخلَ عَتَقَ) أي بالإجماع لما قلنا، وهو أن المعتبر قيام الملك وقت الدخول، وقد وُجِدَ. قوله: (كل مملوك لي للحال)؛ لأن اللام للاختصاص والاختصاص بمملوك له في الحال؛ إذ لو لم يكن مملوكًا في الحال كان هو وغيره سواء، وعمل الشرط في تأخير الجزاء كما لو قال: كل مملوك لي حر يتناول المملوك للحال، كذا ذكره فخر الإسلام. ثم هذه اليمين لا تتناول الجنين ولا المملوك المشترك ولا المكاتب، وكذا عبيد عبده التاجر إلا أن ينويهم وهو قول أبي يوسف سواء كان العبد عليه دين أو لا. وعند محمد: يُعتقون نواهم أو لا. وعند أبي حنيفة: إذا كان على العبد التاجر دين ونواهم عتقوا وإلا فلا، ولو كان عليه دين لم يعتقوا وإن نواهم. وفي المكاتب خلاف زفر فإنه يعتق عنده. وقال مالك: لو قال: مماليكي أو عبيدي أو رقيقي أحرار؛ عتق عبيده ومدبّروه وأمهات أولاده ومكاتبوه، وكل شقص له في مملوك ولا يعتق عبيد عبيده. وفي الإيضاح وجامع التمرتاشي والمحيط: يعتق مدبّروه وأمهات أولاده وولدهما والذكر والأنثى؛ لأن المملوك اسم عام، وكذا يدخل العبد المرهون والمأذون والمستأجر، ولو نوى الذكور دون الإناث وعلى العكس صدق ديانة للتخصيص لا قضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، ولو نوى ما يستقبل؛ لأنه قصد بغير ما يدل عليه ظاهر لفظه فلم تعتبر نيته في إبطال حكم الظاهر، واعتبر اعترافه لإثبات العتق في المستقبل؛ لأنه قصد إثباته بلفظ محتمل. وقال بعض المالكية ولو قال: رقيقي أحرار لم يعتق الإناث أو ردوا عليهم؛ لأن لفظ رقيقي يتناول الذكور والإناث، قال ﵇: «من أعتق

стр. 3620

وَالجَزَاءُ حُرِّيَّةُ المَملُوكِ فِي الحَالِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الشَّرِطُ عَلَى الجَزَاءِ تَأَخَّرَ إِلَى وُجُود فَيَعْتِقُ إِذَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ إِلَى وَقتِ الدُّخُولِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ اشْتَرَاهُ بَعدَ اليَمِينِ. (وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكَ لِي ذَكَر فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ جَارِيَةٌ حَامِلٌ، فَوَلَدَت ذَكَرًا، لَم يَعتِق) وَهَذَا إِذَا وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا ظَاهِرٌ، لِأَنَّ اللَّفظَ لِلحَالِ، وَفِي قِيَامِ الحَملِ وَقتَ الْيَمِينِ احْتِمَالٌ لِوُجُودِ أَقَلِّ مُدَّةِ الحَملِ بَعدَهُ، وَكَذَا إِذَا وَلَدَت لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ اللَّفظَ يَتَنَاوَلُ المَملُوكَ المُطلَقَ، وَالجَنِينُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِلأُمِّ لَا مَقصُودًا، وَلِأَنَّهُ عُضو مِنْ وَجه وَاسْمُ المَملُوكِ يَتَنَاوَلُ الأَنفُسَ دُونَ الأَعضَاءِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيعَهُ مُنفَرِدًا. قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: وَفَائِدَةُ التَّعْبِيدِ بِوَصفِ الذُّكُورَةِ أَنَّهُ لَو قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكِ لِي تَدخُلُ الحَامِلُ، فَيَدْخُلُ الحَملُ تَبَعًا لَهَا. (وَإِنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكَ أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعدَ غَدٍ، أَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكَ لِي فَهُوَ حُرٌّ بَعدَ غَدٍ، وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ، ثُمَّ جَاءَ بَعدُ غَد عَتَقَ الَّذِي فِي مِلْكِهِ يَومَ حَلَفَ) لِأَنَّ شقصًا له في عبد» (١)، والأمة مثله لتناولهما لفظ العبد. وفي الذخيرة: قال: مماليكي كلهم أحرار، ونوى الرجال لا النساء لم يذكره، وقالوا: لا يصدق ديانة بخلاف قوله: (كل مملوك لي) ونوى التخصيص يصدق ديانة. قوله: (لا يملك بيعه مفردًا)، وكذا لو أعتقه عن الكفارة لا يجوز، ولا تجب صدقة الفطر عنه. قوله: (كل مملوك أملكه حر بعد غد) ظرف؛ لقوله: (حر) لا لقوله: (أو مملوك)؛ لأن أملكه للحال. وقوله: (ثم جاء بعد غد)، ولفظ (بعد) بالرفع دون النصب؛ لما أن بعد معرب وليس بمبني، وإنما انتصب في مواضع على الظرفية، فلما كان في موضع الفاعل ارتفع كذا نقل عن العلامة مولانا حافظ الدين.

стр. 3621

قَولُهُ: «أَمْلِكُهُ» لِلحَالِ حَقِيقَة يُقَالُ: أَنَا أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا، وَيُرَادُ بِهِ الحَالُ، وَكَذَا يُستَعمَلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَة، وَالِاسْتِقْبَالُ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوفَ فَيَكُونُ مُطلَقُهُ لِلحَالِ فَكَانَ الجَزَاءُ حُرِّيَّةَ المَملُوكِ فِي الحَالِ مُضَافًا إِلَى مَا بَعدَ الغَدِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَشْتَرِيهِ بَعدَ اليَمِينِ. (وَلَو قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكَ أَملِكُهُ، أَوْ قَالَ: كُلُّ مَملُوكَ لِي حُرٌّ بَعدَ مَوتِي، وَلَهُ مَملُوكُ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا آخَرَ، … ... … [قوله] (١): (وكذا يستعمل له) على تأويل قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] والمراد به الحال، والمحتاج إلى القرينة بمنزلة المجاز، وهذا مخالف لما ذكره في النحو أنه مشترك بين الحال والاستقبال. قيل: ما ذكروه بحسب الاستعمال لا بحسب الوضع، والشيخ ذكره بحسب الوضع؛ لأنهم وضعوا صيعًا للماضي وصيعًا للاستقبال وهي الأمر والنهي، فوجب أن تكون أفعل للحال؛ لأن الأصل أن يكون لكل معنى لفظ على حدة، فوجب أن يكون للحال نفيًا للاشتراك والترادف وهو أن يكون الاستقبال صيغتان، لأنهما خلاف الأصل. وفي المحيط: أملك وإن كان حقيقة للاستقبال إلا أنه صار للحال شرعًا كما في الشهادة عرفًا، كما يقال: أملك كذا كذا درهما، فكان كالحقيقة في الحال، ولكن يرد على هذا التعليل أن الحقيقة أولى من المجاز المتعارف عند أبي حنيفة كما في الشرب من الفرات. وفي الذخيرة: صيغة أفعل للحال حقيقة، وهو مذهب محققي (٢) النحويين. وبعد هذا اختلف عبارات المشايخ قيل: الحال أمس؛ إذ ليس للحال صيغة سوى هذا بخلاف الاستقبال فعند الإطلاق ينصرف إليه. وقيل: يعين للحال بغلبة الاستعمال كما في أشهد وأصلي، كما يتعين للاستقبال، في قولك: أتزوج وأسافر.

стр. 3622

فَالَّذِي كَانَ عِندَه وَقتَ اليَمِينِ مُدَبَّرُ، وَالآخَرُ لَيسَ بِمُدَبَّر، وَإِنْ مَاتَ عَتَقَا مِنْ الثُّلُثِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي النَّوَادِرِ: يَعتِقُ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ يَومَ حَلَفَ وَلَا يَعْتِقُ مَا استَفَادَ بَعدَ يَمِينِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوك لِي إِذَا مِتُّ فَهُوَ حُرٌّ لَهُ: أَنَّ اللَّفظَ حَقِيقَة لِلحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَلَا يَعتِقُ بِهِ مَا سَيَمْلِكُهُ، وَلِهَذَا صَارَ هُوَ مُدَبَّرًا دُونَ الآخر. وَلَهُمَا: أَنَّ هَذَا إِيجَابُ عِتق وَإِيصَاءُ حَتَّى اعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَفِي الوَصَايَا تُعتَبَرُ الحَالَةُ المُنتَظَرَةُ وَالحَالَةُ الرَّاهِنَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الوَصِيَّةِ بِالمَالِ مَا يَسْتَفِيدُهُ بعدَ الوَصِيَّةِ، وَفِي الوَصِيَّةِ لِأُولَادِ فُلَان مَنْ يُولَدُ لَهُ بَعدَهَا. وَالإِيجَابُ إِنَّمَا يَصِلُّ مُضَافًا إلَى المِلكِ أَوْ إِلَى سَبَبِهِ، فَمِنْ حَيثُ إِنَّهُ إِيجَابُ قوله: (فالذي كان عبده (مُدَبَّرُ)؛ أي: مدبر مطلق. (والآخر ليس بمدبر) أي: بمدبر مطلق بل هو مدبر مقيد على قول أبي حنيفة حتى يعتق من الثلث بعد الموت. وطعن عيسى بن أبان في هذه المسألة وقال: ينبغي أن لا يعتق من حدث في ملكه؛ لأن اللفظ لم يتناوله؛ لأنه للحال لو تناولهم ينبغي أن لا يجوز بيعهم لتعلق عتقهم بموت المولى فكان فيه جمع بيع الحكمين المتناقضين، ولكن الجواب ما ذكره في المتن ذكره فخر الإسلام في مبسوطه. قوله: (يعتق ما كان في ملكه)؛ أي بطريق التدبير. قوله: (أن هذا أي لفظ أملكه إيجاب عتق). (وإيصاء)؛ أي: اللفظ واحد لكن له موجبين فعملنا بهما؛ فأعملنا إيجاب العتق في المملوك، وأعملنا الإيصاء في المستحدث؛ لأن في الوصايا تعتبر الحالة المنتظرة)، أي: المستحدثة كما تعتبر (الحالة الراهنة) أي: الحالية، وسميت الحالية بالراهنة لأن الرهن حبس في اللغة والمرء محبوس فيها لا فيما قبلها ولا فيما بعدها. قوله: (والإيجاب إنما يصح مضافًا … ) إلى آخره، جواب سؤال مقدر وهو على وجهين: أحدهما: أن يقال ينبغي أن لا يتناول الإيجاب المشتري أصلا في الحال

стр. 3623

العِيقِ يَتَنَاوَلُ العَبدَ المَملُوكَ اعْتِبَارًا لِلحَالَةِ الرَّاهِنَةِ، فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيعُهُ، وَمِنْ حَيثُ إِنَّهُ إِيصَاءُ يَتَنَاوَلُ الَّذِي يَشْتَرِيهِ اعْتِبَارًا لِلحَالَةِ المُتَرَبِّصَةِ وَهِيَ حَالَةُ المَوتِ، وَقَبلَ المَوتِ حَالَةُ التَّمَلُّكِ استقبَالُ مَحضُ فَلَا يَدْخُلُ تَحتَ اللَّفْظِ، وَعِنْدَ المَوتِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَملُوكٍ لِي أَوْ كُلُّ مَمْلُوكِ أَملِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ، بِخِلَافِ قَولِهِ بَعدَ غد عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إِيجَابُ العِتقِ وَلَيْسَ فِيهِ إِيصَاءُ، وَالحَالَةُ محض استقبال فَافْتَرَقَا. وَلَا يُقَالُ: إِنَّكُمْ جَمَعتُم بَينَ الحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ. لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ، لَكِن بِسَبَبَينِ مُختَلِفَينِ إِيجَابِ عِتق وَوَصِيَّة، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِسَبَبٍ وَاحِد. ولا في المال؛ لأن التناول إنما يكون مضافًا إلى الملك أو إلى سببه، وليس أحدهما في حقه. فأجاب عنه وقال: إنما تناوله باعتبار الإيصاء لا باعتبار الإيجاب الحالي. والثاني: أن يقال ينبغي أن يكون المشتري مدبرًا مطلقًا حال شرائه؛ لأن التدبير في كل مدبر إنما يكون على وجه الإيصاء حتى يعتبر من الثلث، وفي الإيصاء لا يتفاوت الحالي والمستحدث، كما لو أوصى بثلث ماله يدخل في الحالي والمستحدث؛ فأجاب عنه بأن إيجاب التدبير مطلقًا إنما يكون عند إضافة التدبير إلى الملك أو إلى سببه، ولم يوجد في حق المستحدث واحد منهما؛ فلا يتحقق في حق التدبير مطلقا. قوله: (على ما تقدم)؛ يعني لا يعتق المشتري في قوله: (كل مملوك لي أو كل مملوك أملكه فهو حر بعد غد)؛ لأن المشتري لا يدخل في غير الإيصاء إلا بقرينة كما لو قال: كل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة، حيث يدخل ما يستفيده لا ما هو في الحال؛ لأنه وقت والتوقيت إنما يكون في المستقبل. وأما في قوله: (كل مملوك أملكه بعد غد) ما وجد دليل الاستقبال لما قلنا أن قوله (أملك) للحال. وقوله: (بعد غد) ظرف لقوله: (حر) لا لقوله: (أملكه)؛ فلما كان للحال لا يتناول الاستقبال؛ لأن اللفظ لا يتناولهما في حالة واحدة؛ لأن الاستقبال إما حقيقة عند البعض أو مجاز، والجمع بين الحقيقة والمجاز وتعميم المشترك لا يجوز. قوله: (وإنما لا يجوز ذلك) أي الجمع بين الحال والاستقبال لسبب واحد.

стр. 3624

بَابُ العِتْقِ عَلَى جُعل (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَال فَقَبِلَ العَبدُ عَتَقَ) وَذَلِكَ مِثْلُ: أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِأَلْفِ درهم، … ... .. في الكافي: هذا كاختلافهم في قوله: الله عليَّ أن أصوم رجب، ونوى به النذر واليمين. فأبو يوسف لم يرَ الجمع بينهما؛ لأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، وهما جوزاه؛ لأنه قُدّر بصيغته يمين بموجبه، والتحقيق هو الأول، وهذا البحث مع ما فيه مذكور في بيان الوصول في شرح أصول فخر الإسلام، وليطلب ثمة. فإن قيل: قد قال محمد في الجامع الكبير: لو قال: كل مملوك أملكه غدًا فهو حر، ولا نية له عتق ما اجتمع في ملكه غد، فقد تناول (أملكه) هذا للحال والاستقبال مع أنه ليس فيه سببان مختلفان في إيجاب عتق ووصية. قلنا: قد جعل محمد قوله: أملكه غدًا عبارة عما يجتمع في ملكه، وفي الاجتماع في الغد لإثبات شيء إن ملك قبله أو في ذلك الوقت؛ فكان عملًا بعموم المجاز لا جمعًا بين الحقيقة والمجاز، والله أعلم. باب العتق على جعل أَخَّرَ العتق على مال عن سائر الأبواب كما أخر الخلع عن الطلاق؛ لأن المال فيهما غير أصيل؛ فتأخير ما ليس بأصيل عمل على الأصل. في الصحاح (١): الجُعل - بالضم -: ما جعل للإنسان من شيء على شيء يفعله، وكذا الجعالة بالكسر والجيعلة. قوله: (فقبل العبد عتق) أي من قبل. قوله: (أو بألف درهم)، وكذا لو قال: على أن لي عليك ألفًا، أو على

стр. 3625

وَإِنَّمَا يُعتَقُ بِقَبُولِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ المَالِ بِغَيرِ المَالِ، إذ العَبْدُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَمِنْ قَضِيَّةِ المُعَاوَضَةِ ثُبُوتُ الحُكمِ بِقَبُولِ العِوَضِ لِلحَالِ كَمَا فِي البَيعِ، فَإِذَا قَبِلَ صَارَ حُبًّا، وَمَا شَرَطَ دَينُ عَلَيْهِ حَتَّى تَصِحَ الكَفَالَةُ بِهِ، بِخِلَافِ بَدَلِ الكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَعَ المُنَافِي وَهُوَ قِيَامُ الرِّقٌ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِطْلَاقُ لَفظِ المَالِ يَنتَظِمُ أَنوَاعَهُ مِنَ النَّقْدِ وَالعَرَضِ وَالحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ المَالِ بِغَيرِ المَالِ فَشَابَهَ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالصُّلحَ عَنْ دَمِ العَمدِ، وَكَذَا الطَّعَامُ وَالمَكِيلُ وَالمَوزُونُ إِذَا كَانَ مَعْلُومَ الجِنسِ، وَلَا تَضُرُّهُ جَهَالَةُ الوَصفِ؛ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ. ألف تؤديها، أو على أن تعطيني ألفا، أو على أن تجيبني بألف. وما شرط دين عليه؛ لأنه يسعى وهو حر؛ لأنه عتق بقوله والتزم المال، وله ذمة صالحة للإلزام وقد تأكدت بالعتق بخلاف بدل الكتابة حيث لا يصح الكفالة عنه؛ لأنه يسعى وهو عبد، والمولى لا يستوجب على عبده دينًا، وهو القياس، والكتابة تثبت على خلاف القياس؛ لضرورة حصول الحرية للمكاتب وحصول المال للمولى، فاقتصر على موضع الضرورة، ولم يتعد إلى الكفالة. وهو معنى قوله: (ثبت مع المنافي … ) إلى آخره، ولأن الكفالة إنما تصح بدَيْنٍ صحيح؛ أي لازم، وهو أن لا يخرج المديون عن وجوبه إلا بالأداء أو بالإبراء، وبدل الكتابة يسقط بدونهما بالتعجيز فلا يصح الكفالة به. قوله: (وإطلاق لفظ المال) أي في قوله: (بغير مال فشابه النكاح … ) إلى آخره من حيث إن الحيوان يثبت دينا في الذمة في هذه العقود فكذا ههنا، وبه قال مالك وأحمد وفيه خلاف الشافعي، واعتبره بالبيع والإجارة وقد مر في النكاح. (معلوم الجنس) كمائة قفيز حنطة (ولا تضره جهالة الجنس (والوصف) بأن لم يقل إنها جيدة أو رديئة أو خريفية أو ربيعية؛ لأنها) جهالة الوصف (يسيرة) لا تمنع صحة التسمية تسميه عوضًا ألا ترى أنه لو اشترى شيئًا بعد الغير صح العقد فكذا ههنا إلا أن في البيع إذا لم يُجِزْهُ مالك العبد يفسخ العقد، وههنا أن في البيع لا يفسخ؛ لأن تعذر التسليم يوجب المصير إلى القيمة، والقيمة يجوز

стр. 3626

قَالَ: (وَلَو عَلَّقَ عِتقَهُ بِأَدَاءِ المَالِ صَحَّ، وَصَارَ مَأذُونَا) وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ أَدَّيتَ إِلَيَّ أَلفَ دِرْهَم فَأَنْتَ حُرٌّ؛ وَمَعنَى قَولِهِ: صَحَّ أَنَّهُ يُعتَقُ عِنْدَ الأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَعلِيقِ العِتْقِ بِالأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعَنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي الانتِهَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا صَارَ مَأذُونَا؛ لِأَنَّهُ رَغَبَهُ فِي الاكتِسَابِ بِطَلَبِهِ الأَدَاءَ مِنْهُ، وَمُرَادُهُ التِّجَارَةُ دُونَ التَّكَدِّي فَكَانَ إِذنًا لَهُ دَلَالَة. أن تكون أصلا ههنا؛ فإنه لو أعتقه على حيوان فجاء بالقيمة يجبر على القبول، ولا مدخل للقيمة في باب البيع، كذا في الإيضاح. قوله: (ومعنى قوله: صح أنه يعتق عند الأداء من غير أن يصير مكاتبًا)؛ لأن صيغة هذا اللفظ صيغة التعليق؛ فيتعلق عتقه بأداء المال كالتعليق بسائر الشروط، ولهذا لا يحتاج فيه إلى قول العبد ولا يرتد برده، وللمولى أن يبيعه قبل الأداء كما في التعليق بسائر الشروط. قوله: (معاوضة في انتهاء)، فإن قيل: لا يمكن جعله معاوضة؛ لأن البدل والمبدل عند الأداء كله للمولى. قلنا: لما ثبت عند الأداء معنى الكتابة؛ لأن العتق يقابل المال عند الأداء، ولهذا أجبرنا المولى على قبوله؛ ثبت شرط صحة الكتابة اقتضاء، وهو أن يصير [العبد أحق] (١) بالمؤدى سابقًا على الأداء، وصار كما إذا كاتب العبد على نفسه وماله، وكان الكسب مالا قبل الكتابة؛ فإنه يصير أحق بذلك المال حتى لو أدى بدل الكتابة منه يعتق، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. فإن قيل: العبد المعلق عتقه بأداء المال لو صار أحق بمكاسبه؛ ينبغي أن لا يرجع المولى عليه ثانيًا إذا أدى من مال اكتسبه قبل التعليق، كما في المكاتب ولكن المولى يرجع عليه ههنا. قلنا: إنما جعل التعليق معاوضة في الانتهاء؛ ضرورة دفع الغرور عن العبد حتى يجبر المولى على قبوله، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، فلا يظهر في منع المولى عن الرجوع فيما اكتسبه قبل التعليق، وإن كان يظهر في حق جبر

стр. 3627

(وَإِنْ أَحْضَرَ المَالَ أَجبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَى قَبضِهِ، وَعَتَقَ العَبْدُ) وَمَعَنَى الإِجَبَارِ فِيهِ وَفِي سَائِرِ الحُقُوقِ أَنَّهُ يَنْزِلُ قَائِضًا بِالتَّحْلِيَةِ. وَقَالَ زُفَرُ رَحْمَةُ اللهِ: لَا يُجِبَرُ عَلَى القَبُولِ المولى على القبول، وحصول الأداء من مال المولى لا يمنع صحة الأداء في حصول العتق، كالمستحق لغير المولى بأن كان مغصوبًا لكن لا يجبر على القبول في المغصوب إذا علمه. فإن قيل: كيف يصير مأذونا له في التجارة مع اقتصاره على المجلس. قلنا: من جملة صور الإذن أن يقول: إذا أديت أو متى أديت، وفيهما لا يقتصر على المجلس، وفي صورة؛ إن أديت يقتصر على المجلس في ظاهر الرواية، ولا يمنع من صيرورته مأذونا للتجارة لجواز أن يكتسب في المجلس ما علق عتقه به واشتغاله بالكسب لا يوجب تبدل المجلس؛ لأنه في تحقيق مقصوده كما لو قالت: ادع لي أبي أستشيره أي شهودًا أشهدهم. وعن أبي يوسف؛ لا يقتصر على المجلس في صورة إن كما في التعليق بسائر الشروط، وكما في سائر الشروط، وكما في قوله: إذا أدَّيْتَ أو متى أدَّيْتَ. وجه الظاهر؛ أن هذا بمنزلة التعليق بمشيئه العبد ليخيره بين الأداء والامتناع عنه، فكما يتوقف على المجلس في أنتَ حرّ إن شئت، يتوقف هنا بخلاف قوله: إذا ومتى؛ لأنهما للوقت فعمّا الأوقات كلها، وإن للشرط لا للوقت فكان هذا طلبًا للمال في الحال، فتقيد به وإنما صار مأذونا له في التجارة؛ لأنه حثه على أداء المال؛ فيكون هذا تحريضًا له على الاكتساب، ومراده من الاكتساب التجارة دون التكدي (١)؛ لأنها هي المشروعة عند الاختيار. وفي المبسوط (٢): التكدي؛ أمارة الخساسة. قوله: (ومعنى الإجبار … ) إلى آخره؛ فشرطها أن لو مد يده أمكنه قبضه وهو قول الشافعي، لا أن يكون معنى الإجبار في القبض ما هو المشهور عند

стр. 3628

وَهُوَ القِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِين، إذ هُوَ تَعلِيقُ العِتقِ بِالشَّرطِ لَفظًا، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ العَبدِ وَلَا يَحْتَمِلُ الفَسخَ وَلَا جَبرَ عَلَى مُبَاشَرَةِ شُرُوطِ الأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا استحقاقَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرطِ، بِخِلَافِ الكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَالبَدَلُ فِيهَا وَاجِبٌ. وَلَنَا: أَنَّهُ تَعلِيقٌ نَظَرًا إِلَى اللَّفظِ وَمُعَاوَضَةٌ نَظَرًا إِلَى المَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ مَا عَلَّقَ عِتَقَهُ بِالأَدَاءِ إِلَّا لِيَحُنَّهُ عَلَى دَفِعِ المَالِ فَيَنَالَ العَبدُ شَرَفَ الحُرِّيَّةِ وَالمَولَى المَالَ بِمُقَابَلَتِهِ بِمَنزِلَةِ الكِتَابَةِ، وَلِهَذَا كَانَ عِوَضًا فِي الطَّلَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ، حَتَّى كَانَ بَائِنَا، فَجَعَلْنَاهُ تَعليقا فِي الابْتِدَاءِ، عَمَلا بِاللَّفْظِ وَدَفعًا لِلضَّرَرِ عَنِ المَولَى حَتَّى لَا الناس، وهو أن يكره على القبض بالتزاحم والحبس؛ لأنه تصرف يمين، ولهذا لا يتوقف على قبول العبد ولا يحتمل الفسخ، ويمكنه أن يبيعه قبل الأداء أو ينزع فيه غيره أو مات المولى، فأدى العبد إلى وارثه لم يعتق، ولو مات العبد وترك مالا فللمولى ولا يعتق، ولو حط البعض بطلبه فأدى الباقي لا يعتق؛ لعدم الشرط لو كانت أمة فولدت ثم أدت لا تعتق ولدها لعدم السراية. ولو أبرأه عن هذا المال لا يعتق ولا يصير العبد أحق باكتسابه في الحال حتى كان للمولى أن يأخذ من كسبه بغير رضاه بخلاف الكتابة في هذا كله، فعلم أنه تصرف يمين، ولا يجبر الحالف على تحصيل شرط الحنث؛ لأن الحنث يتكلف في إعدامه لا في ايجاده؛ فصار كما لو علق عتقه بالدخول وغيره. وقوله: (تعليق) التعليق بالشرط أيضًا احتراز عن الكتابة، فإنها ليست بتعليق لفظي فإنه لو قال: كاتبتك على كذا صح وليس فيه تعليق لفظا؛ إذ التعليق اللفظي إنما يكون بألفاظ الشرط. قوله: (ولهذا كان عوضًا في الطلاق في مثل هذا اللفظ) بأن قال: إن أديت إليَّ ألفًا فأنتِ طالق حتى لو طلقها بهذه الصفة كان بائنا، وإن أتى بلفظ الصريح الذي لا يقع به إلا رجعيا. قوله: (معاوضة) عملا بالشبهين، وقد ذكرنا السؤال والجواب على قوله: (معاوضة). والدليل على كونه معاوضة؛ أنه لو وجد المال زيوفًا فرده له أن يستبدله بالجياد.

стр. 3629

يمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ، وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَلَا يَسْرِي إِلَى الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَجَعَلْنَاهُ مُعَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ عِنْدَ الْأَدَاءِ دَفْعًا لِلْغُرُورِ عَنِ الْعَبْدِ حَتَّى يُجْبَرَ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ، فَعَلَى هَذَا يَدُورُ الْفِقْهُ وَتَخَرَّجُ الْمَسَائِلُ نَظِيرُهُ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْمُعَوَضِ. وَلَوْ أَدَّى الْبَعْضَ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدَّ الْكُلُّ لِعَدَمِهِ قوله: (دفعا للغرور عن العبد) فلو لم يجبر المولى عليه لتضرر العبد؛ إذ ما تحمل المشقة في اكتساب المال إلا لينال شرف الحرية، ولو أجبر المولى لا يتضرر به لأخذه العوض، وقد رضي بالعتق بأدائه حيث علقه بأدائه. وفي المبسوط (١): وفرنا عليه معنى التعليق في الابتداء مراعاة للفظ المولى ودفع الضرر عنه، ووفرنا عليه معنى الكتابة في الانتهاء لدفع الضرر عن العبد، فقلنا: بالتخلية يعتق، أما لو باعه المولى ثم اشتراه ثم أدى المال؛ عن أبي يوسف: يعتق، وهذا وما قبل البيع سواء؛ لأن التعليق لا يبطل بالبيع. وفي الزيادات: لا يجبر المولى على القبض؛ لأن معنى التعليق لا يبطل بالبيع؛ ولكن معنى الكتابة تبطل بنفوذ البيع، وأما قبل البيع فمعنى الكتابة باق كما بينا. قوله: (فعلى هذا، أي فعلى) (٢) العمل بالشبهين (يدور الفقه) أي: المعنى الفقهي وتخرج المسائل؛ نظيره الهبة بشرط العوض جعلناها هبة ابتداء حتى لا تفيد الملك قبل القبض، ولا يجبر على تسليمه، وتفسد بالشيوع فيما يحتمل القسمة ولا يستحق فيها الشفعة قبل القبض، ولا يرد بالعيب، وبعد القبض جعلناه بيعا، حتى يستحق بها الشفعة ويردها بالعيب، ويترتب عليها بعد القبض أحكام البيع حتى لا يتمكن الواهب من الرجوع. قوله: (ولو أدى البعض يجبر … ) إلى آخره كذا في الإيضاح؛ لأن الإجبار يثبت في الكل فيثبت في البعض كما في الكتابة.

стр. 3630

الشَّرطِ، كَمَا إِذَا حَطَّ البَعضَ وَأَدَّى البَاقِيَ. ثُمَّ لَو أَدَّى أَلفاً اكتَسَبَهَا قَبلَ التَّعْلِيقِ، رَجَعَ المَولَى عَلَيْهِ وَعَتَقَ لِاسْتِحْقَاقِهَا، وَلَو كَانَ اكتَسَبَهَا بَعدَهُ لَم يَرجِع عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونُ مِنْ جِهَتِهِ بِالأَدَاءِ مِنهُ، ثُمَّ الأَدَاءُ فِي قَولِهِ: «إِنْ أَدَّيْتَ» يَقْتَصِرُ عَلَى المَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَحْيِيرٌ، وَفِي قَولِهِ: «إِذَا أَدَّيْتَ» لَا يَقْتَصِرُ؛ لِأَنَّ إِذَا تُسْتَعْمَلُ لِلوَقتِ بِمَنزِلَةِ مَتَى. وقال شيخ الإسلام في مبسوطه: لا يجبر؛ لأن معنى الكتابة يثبت عند أداء جميع المال عندنا، فإذا لم يؤده لا يثبت معنى الكتابة، وكذا لو أدى البعض وحط المولى البعض، وأبرأه عن الكل لا يعتق؛ لأن شرط عتقه أداء الكل. قوله: ولما ذكرنا أن الأداء حصل بمال مستحق وذا لا يمنع صحة الأداء. وقوله: (لاستحقاقها) تعليل لقوله: (رجع) لا لقوله: (عتق)؛ أي رجع المولى بالألف التي أداها العبد وعتق؛ لأنها مستحقة للمولى؛ إذ العبد وما في يده لمولاه فكان أدى ملك المولى لمولاه، وعتق لوجود شرط العتق، ووجب عليه ألف أخرى؛ لأن المولى إنما رضي بعتقه بمقابلة ألف تحصل له؛ إذ مقصود المولى أن يحثه على الاكتساب ليؤدي من كسبه فيملك المولى ما لم يكن له مالكًا قبل هذا، وبأداء مال المولى إليه لا يحصل هذا المقصود؛ فيرجع عليه بمثله دفعًا للضرر عن المولى كذا في المبسوط (١). قوله: (لأنه) أي العبد (مأذون من جهته)؛ أي جهة المولى (بالأداء) من ذلك الكسب فيمتنع ظهور ملك المولى فيه، ويكون الباقي للمولى؛ لأنه صار مأذونا له في التجارة، ومال المأذون له فإذا فرغ من حاجته لمولاه كذا في المحيط. قوله: (يقتصر على المجلس) أي في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف؛ لا يقتصر وقد تقدم. وفي المبسوط: لو اختلفا في مقدار المعلق بأدائه فالقول للمولى؛ لأنه ينكر الشرط والبينة للعبد، ولو قال: أنت حرّف على ألف؛ فقبل حتى عتق، ثم اختلفا فالقول للعبد لإنكاره بعد عتقه.

стр. 3631

(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعدَ مَوتِي عَلَى أَلفِ دِرْهَم، فَالقَبُولُ بَعدَ المَوتِ) لإِضَافَةِ الإِيجَابِ إِلَى مَا بَعدَ المَوتِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ غَدًا بِأَلْفِ درهم، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ عَلَى أَلفِ دِرهَم، حَيثُ يَكُونُ القَبُولُ إِلَيْهِ فِي الحَالِ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ التَّدْبِيرِ فِي الحَالِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ المَالُ لِقِيَامِ الرِّقٌ. قَالُوا: لَا يُعتَقُ عَلَيْهِ فِي مَسأَلَةِ الكِتَابِ، وَإِنْ قَبِلَ بَعدِ المَوتِ مَا لَم يُعتقهُ الوَارِثُ؛ لِأَنَّ المَيِّتَ لَيسَ بِأَهلِ لِلإِعْتَاقِ، وَهَذَا صَحِيحٌ. وفي الخزانة لو قال: إذا أديت إليَّ ألفًا كل شهر مائة؛ فهو مكاتب لا يجوز بيعه. قوله: (إلا أنه لا يجب المال لقيام الرق) والمولى لا يستوجب على عبده دينا. فإن قيل: لما لم يجب المال ما فائدة تعليق التدبير بالقبول؟. قلنا: هذا تعليق التدبير بالقبول لا إيجاب المال بالقبول؛ فكان بمنزلة قوله: إن قبلت ألف درهم فأنتَ مدبر فقبل كان مدبّرًا، ويجوز تعليق التدبير بالقبول وإن لم يُجب القبول المال، كما لو علق تدبيره بدخول الدار فدخل كان مدبرا ولم يجب المال، ثم إذا لم يجب المال مع قيام رقه؛ لأن المدبر ملك المولى والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا؛ فيسقط المال ضرورة بخلاف ما إذا أعتقه على مال؛ لأن هناك الموال يجب على العتق والمولى يستوجب على معتقه دينا كذا في الذخيرة. قوله: (في مسألة الكتاب) وهو؛ (قال لعبده: أنت حر بعد موتى على ألف). قوله: (ما لم يعتقه الوارث) قال التمرتاشي: أو الوصي أو القاضي إن امتنعا عن إعتاقه؛ لأن العتق متى تأخر عن الموت يحتاج إلى التقييد، ويعتق من ثلث ماله، (وهذا)؛ أي قولهم: (لا يعتق ما لم يعتقه) لما ذكر في الكتاب من عدم أهلية الميت للإعتاق في ذلك الوقت. فإن قيل: أهلية المعتق ليست بشرط حال وجود الشرط؛ بل حال التعليق، ولهذا لو علق طلاق امرأته أو عتاق عبده بشرط ثم جُنَّ، ثم وجد الشرط وهو

стр. 3632

قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى خِدمَتِهِ أَربَعَ سِنِينَ، فَقَبِلَ العَبْدُ، فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ فِي مَالِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ مجنون يقع الطلاق والعتاق، ويعتق في مسألة المدبر من غير وقف على إعتاق الوارث، والتدبير تعليق العتق بالموت؛ فعلم أن الأهلية ليست بشرط وقت وجود الشرط. قلنا: الفرق بين تلك المسائل وبين مسألتنا؛ أن الاختلال الأهلية في تلك المسائل في حق المعلق لا غير، وفي مسألتنا الاختلال في موضعين في حق المعلق، وفي حق المحل؛ إذ العبد يصير ملكا للوارث فلم يمكن تنفيذ ما علقه في ملك الغير. أما في مسألة الجنون بالتنفيذ في ملك المعلق، وكذا في مسألة التدبير؛ إذ التنفيذ في الثلث والثلث حقه ولهذا لو لم يكن له مال؛ يعتق ثلثه ويسعى في ثلثيه. إليه أشير في المبسوط. وقال قاضي خان والتمرتاشي: إذا لم يعتق ههنا بدون إعتاق الوارث؛ لأن العتق تأخر عن الموت إلى أن يقبل، والعتق متى تأخر عن الموت؛ لا يثبت إلا بإثبات واحد من هؤلاء من الوارث والوصي والقاضي؛ لأنه صار بمنزلة الوصية بالإعتاق وصار كما لو قال: أنتَ حرّ بعد موتي بشهر بخلاف المدبر؛ لأن عتقه تعلق بنفس الموت؛ فلا يشترط إعتاق أحد من هؤلاء. قوله: (فَقَبِلَ العَبْدُ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ)، وفي المبسوط (١): قال لعبده: أنت حر على أن تخدمني سنة فقبل فهو حرّ والخدمة عليه؛ لأنه أوجب له العتق بقبول الخدمة. أما لو قال: إن خدمتني أربع سنين؛ فأنت حر لا يعتق حتى توجد الخدمة أربع سنين؛ لأنه أوجب له العتق بوجود الخدمة، فلو مات المولى؛ فلورثته أن يأخذوه بما بقي من خدمة السنة من خدمته في قياس قول أبي حنيفة الآخر، وهو قول أبي يوسف. وفي قول محمد يأخذونه بما بقي من خدمه السنة؛ لأن الخدمة دين عليه

стр. 3633

قِيمَةُ خِدمَتِهِ أَربَعَ سِنِينَ) (*) أَمَّا العِيقُ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الخِدمَةَ فِي مُدَّة مَعْلُومَة عِوَضًا فَيَتَعَلَّقُ العِتْقُ بِالقَبُولِ، وَقَدْ وُجِدَ وَلَزِمَهُ خِدمَةُ أَربَعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ عِوَضًا، فَصَارَ فيخلفه وارثه بعد موته؛ كما لو أعتقه على ألف واستوفى بعضه ثم مات ما لهم أن يؤاخذوه بما بقي من الألف، ولكن في ظاهر الرواية؛ يأخذونه بما بقي من خدمة السنة في قولهما؛ لأن الناس يتفاوتون في الخدمة، وإنما الشرط أن يخدم المولى، وقد فات بالموت كما يفوت بموت العبد؛ فإنهم يأخذون من تركة العبد قدر ما بقي من خدمة السنة من قيمته على قولهما، وعند محمد من قيمة الخدمة. قال شمس الأئمة (١): هذا العذر ليس بقوي فإن الخدمة عبارة عن خدمة البيت، وهي معروفة لا يتفاوتون فيها، فلا تفوت بموت المولى، ولكن الأصح أن نقول: الخدمة عبارة عن المنفعة، والمنفعة لا تورث؛ فلا يمكن إيفاء عين الخدمة بعد موت المولى، فلهذا كان المعتبر قيمته أو قيمة الخدمة على حسب ما اختلفوا فيه. قوله: (أما العتق … ) إلى آخره؛ أي العتق بسبب العوض ينزل بقبول العوض قبل الأداء، كما لو أعتقه على مال آخر، كذا في جامع قاضي خان والفوائد الظهيرية. قوله: (لأنه)؛ أي الخدمة على تأويل المذكور (يصلح عوضًا)؛ لأن المنفعة أخذت حكم المالية بالعقد، ولهذا صلحت مهرًا مع أنه تعالى شرع ابتغاء الأعواض بالأموال، وبقيمة نفسه عندهما، كما هو الحكم في مبادلة المال إذا تعذر تسليم العوض يجب رد المعوض، وقد تعذر عليه رد المعوض، وهو رقبته فتلزمه قيمته في قول أبي حنيفة الأول، وهو قول محمد؛ لأن هذا عقد لا يحتمل النقض والفسخ بعد ثبوت العتق؛ فصار كالنكاح والطلاق والصلح عن دم العمد. وجه قولهما في مسألة إعتاق العبد على خدمته أربع سنين؛ أن هذا معاوضة مال بمال، وكذا المنفعة بإيراد العقد عليها، ولهذا صلحت مهرا؛ فلما كان كذلك كان بمنزلة لو باع عبدًا بجارية، ثم استحقت الجارية يرجع عليه بقيمة

стр. 3634

كَمَا إِذَا أَعْتَقَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَم، ثُمَّ إِذَا مَاتَ العَبدُ فَالخِلَافِيَّةُ فِيهِ بِنَاء عَلَى خِلَافِيَّة أُخرَى، وَهِيَ أَنَّ مَنْ بَاعَ نَفْسَ العَبدِ مِنهُ بِجَارِيَة بِعَينِهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّت الجَارِيَةُ أَوْ هَلَكَت يَرجِعُ المَولَى عَلَى العَبدِ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ عِندَهُمَا وَبِقِيمَةِ الجَارِيَةِ عِندَهُ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَوَجهُ البِنَاءِ: أَنَّهُ كَمَا يَتَعَذَّرُ تَسلِيمُ الجَارِيَةِ بِالهَلَاكِ وَالاسْتِحْقَاقِ يَتَعَذَّرُ الوُصُولُ إِلَى الخِدمَةِ بِمَوتِ العَبدِ، وَكَذَا بِمَوتِ المَولَى فَصَارَ نَظِيرَهَا. (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَعتِق أَمَتَكَ عَلَى أَلفِ دِرْهَم عَلَى أَنْ تُزَوِّجِنِيهَا، فَفَعَلَ، العبد لا بقيمة الجارية؛ لكونه معاوضة مال بمال. غاية ما في الباب؛ أن العبد لا يملك نفسه حكمًا بهذا الإعتاق؛ لكن ذلك لا يقدح في كونه معاوضة مال بمال. ألا ترى أن من اشترى عبدًا قد أقر بحريته؛ لا يثبت الملك له في رقبته، ولكن معاوضة مال بمال ألا ترى أن من اشترى عبدًا كذا في الفوائد الظهيرية. وفي المحيط والإسبيجابي: ذكر قولهما وقول محمد كما ذكر في الكتاب، وعلى هذا لو أعتق ذمي عبده على خمر أو خنزير يعتق بالقبول؛ فإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر فعندهما على العبد قيمته، وعند محمد عليه قيمة الخمر. وفي الإسبيجابي: لو خدمه سنة ثم مات أحدهما عليه ثلاثة أرباع قيمته على قولهما، وعلى قول محمد: عليه قيمة ثلاث سنين، ولو لم يستحق الجارية ولكن ردها بعيب فهو على هذا الخلاف إن كان عيبًا فاحشا، وإن كان غير فاحش فكذلك عندهما، وعند محمد؛ لا يقدر على ردها؛ لأن هذا مبادلة بغير مال فأشبه النكاح، والمرأة لا تقدر على رد مهرها في العيب اليسير. وقد ذكره في نكاح الجامع، ولو قال: إن خدمتني سنة فأنت حر فخدمه أقل من سنة أو أعطاه مالا عوضًا عن خدمته؛ لم يعتق، أو قال: إن خدمتني وأولادي سنة فمات بعض أولاده لا يعتق. قوله: (أعتقه) عنى علي … إلى آخره لم يذكر في عامة النسخ لفظة: علي، قيل: على أن تزوجنيها، وهو الموافق بلفظ جامع شمس الأئمة، ولأنه يستفاد معنى الوجود من غير ذكره، وألحق في بعض النسخ على؛ ليكون أدل على المراد.

стр. 3635

فَأَبَت أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، فَالعِلْقُ جَائِزٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الآمِرِ)؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَعْتِق عبدَك عَلَى أَلْفِ دِرْهَم عَلَيَّ فَفَعَلَ، لَا يَلزَمُهُ شَيْءٌ وَيَقَعُ العِتْقُ عَلَى المَأْمُورِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: طَلِّق امْرَأَتَكَ عَلَى أَلفِ دِرْهَم عَلَيَّ فَفَعَلَ حَيثُ يَجِبُ الْأَلْفُ عَلَى الآمِرِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ البَدَلِ عَلَى الأَجنَبِيِّ فِي الطَّلَاقِ جَائِزٌ، وَفِي العَتَاقِ لَا يَجُوزُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. (وَلَو قَالَ: أَعتِق أَمَتَكَ عَنِّي عَلَى أَلفِ دِرْهَم وَالمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا قُسِّمَت الأَلفُ عَلَى قِيمَتِهَا وَمَهرِ مِثْلِهَا، فَمَا أَصَابَ القِيمَةَ أَيَّاهُ الْآمِرُ، وَمَا أَصَابَ المَهرَ بَطَلَ عَنهُ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: «عَنِّي» تَضَمَّنَ الشِّرَاءُ اقْتِضَاء عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَد قَابَلَ الأَلفَ بِالرَّقَبَةِ شِرَاء وَبِالبُضْعِ نِكَاحًا فَانقَسَمَ عَلَيْهِمَا، وَوَجَبَت وذكر شمس الأئمة: أن المرأة لا تجبر على تزويج نفسها منه بعد العتاق في المسألتين؛ لأنها صارت حرة مالكة أمر نفسها بمنزلة من أعتق أمته على أن تزوج نفسها منه؛ فقبلت ثم أبت بعد العتاق لم تجبر على ذلك، (وقد قررناه)؛ أي في باب الخلع؛ أي في مسألة خلع الأب ابنته الصغيرة على وجه الإشارة في بدل العتق على الأجنبي. قوله: (والمسألة بحالها)، أي: قال: على أن تزوجنيها ففعل فأبت أن تزوجه قسمت الألف على ما عرف، وهو أن العتق لا يقع عن الأمر بدون ملكه. فإن قيل: ههنا شبهان أحدهما: أنه وجب أن لا يعتق الأمة قبل القبض؛ لأن البيع فيها فاسد لا تبع بما يخصها من الألف على اعتبار عليها، وعلى منافع بضعها، والبيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض. ألا ترى أنه لو قال: أعتقها عني يقع العتق عن المأمور لا عن الأمر؛ لأنه استيهاب، والهبة لا تفيد الملك بدون القبض. والثانية: أن العوض لو وجب في هذا؛ ينبغي أن يكون ذلك العوض قيمتها لا ما يخصها من الألف أنه سمت؛ لأن البيع فاسد لما ذكرنا، أو لأنه أدخل النكاح في البيع، وإدخال الصفقة في الصفقة مفسد للبيع، والبيع الفاسد موجب للقيمة كاملة، والقول بما يخصها من الثمن موجب البيع الصحيح.

стр. 3636

حِصَّةُ مَا سَلَّمَ لَهُ، وَهُوَ الرَّقَبَةُ وَبَطَلَ عَنهُ مَا لَم يُسَلِّم وَهُوَ البُضْعُ، فَلَو زَوَّجَت نَفْسَهَا مِنْهُ لَم يَذْكُرهُ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَا أَصَابَ قِيمَتَهَا سَقَطَ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ وَهِيَ لِلمَولَى فِي الوجهِ الثَّانِي، وَمَا أَصَابَ مَهرَ مِثْلِهَا كَانَ مَهْرًا لَهَا فِي الوَجْهَينِ. قلنا: قد ذكر شمس الأئمة الجواب في المسألة الأولى أن الأمة تنتفع بهذا الإعتاق عن هذا الوجه تصير قابضة نفسها أدنى، قبض، وهو يكفي في البيع الفاسد ولا يكفي في الهبة كالقبض مع الشيوع فيما يحتمل القسمة، ومع اتصال الثمار على رؤوس الأشجار، يكفي لوقوع الملك في البيع الفاسد دون الهبة فوضح الفرق، كذا في الفوائد الظهيرية. وأما الثانية؛ أن منافع البضع متقومة عند إيراد العقد عليها وقران ما هو متقوم في نفسه، وإن كان يجب للمبيع ما يخصه من الثمن على ما ذكر فيمن جمع بين عبد ومدبر في البيع، وأما على تقدير إدخال الصفقة في الصفقة؛ فالنكاح ثبت للبيع هنا فلا يلتفت بوروده؛ لأن أحكام الضمنيات ثبت بشرط المتضمن لا بشروط المُتَضَمَّن، وذكر فخر الإسلام والكشاني؛ لم يبطل البيع بشرط النكاح؛ لأنه مدرج في الأعيان، وأخذ حكمه فلا يبطل بالشرط الفاسد كالإعتاق. قوله: (فلو زوجت نفسها منه) أي: في المسألتين لم يذكره محمد في الجامع الصغير (ما أصاب قيمتها سقط لعدم الضمان (في الوجه الأول)، وهو ما إذا لم يقل («عنّي»). (وهو) أي ما أصاب قيمتها، وفي بعض وهي حصة القيمة للمولى في الوجه الثاني وهو ما إذا قال فيه عنى في الوجهين)؛ أي في الذي قال عني ولم يقل عنى. قال التمرتاشي: فإن تزوجت فلها مهرها، ولا يكون عتقها مهرا؛ لأنه ليس بمال وعن أبي يوسف أنه جعل العتق مهرا؛ لأنه ﵇ أعتق صفية ونكحها وجعل عتقها مهرها (١). قلنا: أنه ﵇ مخصوص بالنكاح بغير مهر؛ فإن أبت فعليه قيمتها؛

стр. 3637

بَابُ التَّدْبِيرِ (إِذَا قَالَ المَوْلَى لِمَملُوكِهِ: إِذا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرُ، أَوْ قَدْ دَبَّرتُكَ، فَقَد صَارَ مُدَبَّرًا) لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ صَرِيحٌ فِي التَّدْبِيرِ، فَإِنَّهُ لأن الشرط فات، وكذا لو أعتقت عبدًا على أن يتزوجها؛ فإن فعل فلها مهرها، وإن أبي فعليه قيمته. باب التدبير لما فرغ عن الإعتاق المطلق عن القيد، شرع في الإعتاق المقيد، وهو التدبير المقيد بمنزلة المركّب، والمطلق بمنزلة المفرد والمركب بعد المفرد لا محالة. التدبير لغة: هو النظر في عاقبة الأمر كذا ذكره في الصحاح (١). وفي المجمل (٢): يقال دابر الرجل مدابر إذا مات، وسُمِّي العتق بعد الموت؛ لأنه إعتاق في دبر الحياة. وشرعًا: هو العتق المودع في المملوك بعد موت المالك. (عن دبر مني) مأخوذ من قول النبي ﵇ في أم الولد: «فهي معتقة عن دبر منه» (٣)، كذا في المبسوط (٤). قوله: (إذا مت)، وكذا إذا قال: إن مت. وفي الإيضاح والتحفة والينابيع: ألفاظه ثلاثة أنواع: أحدها: الصريح كقوله: دبرتك أو أنتَ مدبر أو أنت حر عن دبر مني،

стр. 3638

إثباتُ العِتقِ عن دُبُر (ثمَّ لا يجوز بيعه ولا هبته ولا إخراجه عن مِلكه إلاَّ إلى الحُرِّيَّةِ) كما في الكِتابَةِ. وقال الشَّافِعِيُّ: يجوز؛ لأنه تعليقُ العِتقِ بالشَّرطِ فلا يمتنع به البيعُ والهبةُ كما وكذا حررتك وأعتقتُ أو أنتَ محرر أو عتيق معتق بعد موتي يصير مدبراً. والثاني: بلفظة اليمين مثل قوله: إن مت أو حدث بي حادث، والمراد بالحادث الموت عادة فأنت حر، وكذا إذا قال: مع موتي، فإن هذا تعليق العتق بالموت؛ لأن قران الشيء بالشيء يقتضي وجوده عنده، ولذا لو قال: في موتي. وروى هشام محمد في قوله: أنت مدبر بعد موتي يصير مديرًا للحال؛ لأن المدبر اسم لمن يعتق عن دبر موته، فكان قوله: أنت مدبر بعد موتي، وأنت حر بعد موتي سواء، وكذا لو قال: أعتقتك بعد موتي أو حررتك. والثالث: بلفظة الوصية بأن قال: أوصيت لك برقبتك، أوصيت لك بعتقك أو بنفسك، فالكل سواء، وكذا لو قال: أوصيت بثلث مالي فيدخل رقبته منه؛ لأن رقبته من جملة ماله، فكان موصى له بثلث ماله برقبته. وفي المنهاج: صريحه أنت حر بعد موتي أو إذا مت فأنت حر أو أعتقتك بعد موتي، وكذا دبرتك أو أنت مدبر في المذهب، والتدبير تعليق العتق بصفة، وفي قول: وصية. وفي المغني (١): صريحه أنت مدبر أو دبرتك أو أنت حر بعد موتي، وكذا لو علق صريح العتق بالموت. وفي الكافي: لو قال: أنت حر أو مدبر أو عتيق يوم أموت يصير مدبرا أو المراد باليوم الوقت؛ لأنه قرن به ما لا يمتد، ولو نوى النهار دون الليل لا يكون مدبرا مطلقاً؛ لجواز أن يموت ليلاً، فقال: أنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق بعد موتي يصير مدبرا بلا خلاف. ثم حكمه ما ذكر في الكتاب بقوله: (ثم لا يجوز بيعه … ) إلى قوله: (وقال الشافعي).

стр. 3639

فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَكَمَا فِي المُدَبَّرِ المُقَيَّدِ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ، وَهِيَ غَيْرُ مَانِعَة مِنْ ذَلِكَ. وقولنا قول عامة العلماء والسلف من الحجازيين في الشاميين والكوفيين، وهو مروي عن عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت، وبه قال شريح وقتادة وجماعة غيرهم ومالك. وقال الشافعي وأحمد وداود: يجوز بيعه عند الحاجة وغيرها، وإذا مات مولاه عتق من ثلث ماله، وإن كان عليه دين يسعى في جميع قيمته ولا يباع في الدين عند الجمهور، وعند مالك يباع في الدين حال حياة سيده وبعد موته. وقال ابن مسعود ومسروق ومجاهد وابن جبير: يعتق من رأس المال، وبه قال زفر والليث بن سعد. احتج الشافعي بما روي عن جابر بن عبد الله أن رجلا من الأنصار عتق عبدا له عن دبر منه ولم يكن له مال غيره فدعا به رسول الله ﷺ ، وقال: «من يشتريه؟» فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (١). وقال ابن قدامة في المغني (٢): متفق عليه، وهو غلط منه، وإنما هو من مفردات مسلم من روايته عن أبي الزبير عن جابر، وهو مدلّس فلا يحتج به. وعن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق غلامًا له عن دبر منه، ولم يكن له مال غيره، فأمر به النبي ﷺ فبيع بسبعمائة أو تسعمائة. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه (٣). ولأن التدبير؛ إما تعليق العتق بالشرط فلا يمنع جواز البيع كالتعليق بسائر

стр. 3640

ولَنَا: قَولُهُ ﷺ : «المُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ»، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ بَعدَ المَوتِ وَلَا سَبَبَ غَيْرَهُ؛ ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا فِي الحَالِ الشروط أو وصية، ولهذا يعتبر من الثلث والوصية لا تمنع وغيره كما لو [أوصى] (١) برقبته لإنسان غيره. ولنا حديث نافع، عن ابن عمر: أنه ﵇ قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب ولا يورث» (٢). احتج به الطحاوي والكرخي والرازي وأبو الوليد ابن رشد المالكي وغيرهم من الأئمة، وروى أبو الوليد الباجي أن عمر ﵁ رد بيع المدبر في مَلَإٍ خير القرون وهم حضور متوافرون، وهو إجماع منهم على عدم جواز بيعه. وأما حديث جابر؛ فحكاية فعل أو حكاية حال ولا عموم لها، وإنما كان يتعارض ما ذكرناه أن لو كان قال: بيع المدبر جائز أو يحمل على المدبر المقيد وهو جائز بالاتفاق، ولأن الإمام لا يلي بيع أموال الناس فهو متروك الظاهر، وقد روي عنه ﵇ أنه خدمه المدبّر، وهو رواية جابر، ذكره أبو الوليد المالكي مع أصحابنا، وإنما تجوز الراوي في اللفظ، والإجازة بيع المنفعة وهي نوع من البيوع. وفي المبسوط (٣): عن أبي جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين أنه ﵇ إنما باع خدمة المدبر لا رقبته (٤)، والإجارة تسمى بيعًا بلغة أهل المدينة كما رواه جابر، ويحتمل أنه كان في وقت كان فيه بيع المدبر جائز ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ذكره في الناسخ والمنسوخ، وما روينا محكم لا يمكن أن يُحمَلَ على محمل غير ما قلنا. قوله: (ولأنه) أي التدبير المطلق (سبب الحرية)، فإن الحرية تثبت بعد الموت بالإجماع ولا سبب غير التدبير، فيكون التدبير (سببا في الحال) بخلاف

стр. 3641

أُولَى لِوُجُودِهِ فِي الحَالِ وَعَدَمِهِ بَعدَ المَوتِ؛ وَلِأَنَّ مَا بَعدَ المَوتِ حَالَ بُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُمكِنُ تَأْخِيرُ السَّبَبِيَّةِ إِلَى زَمَانِ بُطَلَانِ الأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ؛ سائر التعليقات؛ (لوجوده) أي لوجود المدبر في الحال، (وعدمه) أي عدم المدبر؛ يعني جعل سببًا في حال وجوده أولى من جعله سببًا في حال عدمه. ولا يقال: إنه موجود حكمًا بعد موته، وإن كان معدوما كما جعل كالموجود في بعض الأحكام؛ لأنا نقول: الشيء إنما يعتبر موجودًا حكمًا إذا أمكن وجوده حقيقة ولا إمكان لوجوده حقيقة بعد موته لاستحالة وجود الفعل من الميت، ولا يمكن تقديره حيًّا بعد الموت؛ لأن هذا الحكم لا يثبت إلا إذا حكم الشرع بموته، ومتى حكم الشرع بموته استحال أن يحكم فيه بحياته؛ لإفضائه إلى التناقض، وبقاء بعض الأحكام لا يدل على تقديره حيًّا حكمًا. قوله: (بخلاف سائر التعليقات) متعلق بقوله: (حال بطلان الأهلية) يعني أهلية المتصرف باقية في سائر التعليقات عند وجود الشرط أما ههنا لا تبقى أهلية التصرف بعد موته، فلو لم يجعله سببًا في الحال لغا كلامه من كل وجه. فإن قيل: وجود أهلية المعلق حال وجود الشرط؛ ليس بشرط كما مر أن لو علق الطلاق أو العتاق، ثم جُنَّ ثم وجد الشرط وهو مجنون يقعان؛ فكان التدبير بمنزلة سائر التعليقات. قلنا: الأهلية فيما نحن فيه تبطل من وجه، وفي المجنون من وجه فإنه أهل للملك وزواله، ولا يكون أهلا لإيقاع الطلاق والعتاق. ألا ترى أن الولي لو زوجه امرأة يصح النكاح، ولو باشر هو بنفسه أسباب حرمة المصاهرة، ولو ارتد أبواه ولحقا بدار الحرب تثبت الحرمة بينه وبين منكوحته. وفي الموت تبطل الأهلية من كل وجه، ألا ترى أن نفس التعليق يبطل بالموت ولا يبطل بالجنون؛ فعلى هذا لا يلزم من عدم اشتراط تلك الأهلية عدم اشتراط هذه الأهلية، ولأن ما نحن فيه تعليق العتق ابتداء بحال بطلان الأهلية من وقت التعليق، فلو لم يقل أنه سبب في الحال؛ لغا كلامه من كل وجه؛ لبطلان الأهلية حال وجود الشرط قطعًا. وفي مسألة المجنون قد صح التعليق لصدوره من أهله في محله، والظاهر بقاء

стр. 3642

لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ السَّبَبِيَّةِ قَائِمٌ قَبْلَ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ يَمِينُ وَاليَمِينُ مَانِعُ وَالمَنعُ هُوَ المَقْصُودُ، وَأَنَّهُ يُضَادُّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ، أهليته إلى وجود الشرط؛ لأن الظاهر من كل موجود بقاؤه باستصحاب الحال، فلما صح التعليق لم يبطل بعروض الجنون بعده؛ لكون المجنون أهلا لحكم التعليق لما ذكرنا، ولأن التعليق بالموت كالتنجيز؛ لأن الموت أمر كائن ولا تردد فيه، والشرط على حظر الوجود فلا يكون التعليق به كالتعليق بسائر الشروط. ولا يقال: يشكل هذا بما إذا قال: إذا جاء غد فأنت حر؛ فإن مجيء الغد كائن لا محالة؛ لأنا نقول: لا نسلم أنه كائن لا محالة؛ لجواز أن تقوم القيامة قبل مجيء الغد، ولا يجوز أن تقوم القيامة قبل الموت، أو نقول: كلامنا في الأعم والأغلب، فإن الأغلب التعليق بشرط متردد، أو نقول: التعليق بمجيء الغد ليس بسبب في الحال؛ لأنه ليس بسبب موجب للخلافة، والتدبير فيه معنى الخلافة؛ لأن فيه معنى الوصية على ما يجيء فلما لم يكن في التعليق الغد معنى الخلافة؛ لم يصر سببًا في الحال، إليه أشير في المبسوط (١). قوله: (لأن المانع من السببية) يعني القياس، وفي سائر التعليقات كونها سببًا في الحال، إلا أن المانع من السببية موجود قبل الشرط؛ لأنه انعقد تصرفًا آخر في الحال، ولأنه يصير يمينا، واليمين يمنع العقد عن مباشرة الشرط، والمانع من الشرط مانع من الحكم المتعلق بالشرط، والمانع من الحكم لا يكون سببًا للحكم؛ لأن أدنى درجات السبب أن يكون مفضيًا إلى السبب، فتعذر جعله سببًا قبل وجود الشرط، فإذا انتقض مع اليمين ينعقد سببًا حينئذ، وحال انتقاضه حال وجود الشرط؛ لكونه أهلا لمباشرة السبب وحكمه عند ذلك فجعلناه سببًا عنده، أما التعليق بالموت ليس للمنع ولا يمكن تأخير السببية لبطلان الأهلية؛ فبقي سببًا في الحال. قوله: (وأنه) أي المنع (يضاد وقوع الطلاق والعتاق)، فلا يكون سببًا لما ذكرنا أن السبب ما يكون مفضيًا.

стр. 3643

وَأَمْكَنَ تَأْخِيرُ السَّبَبِيَّةِ إِلَى زَمَانِ الشَّرط؛ لِقِيَامِ الأَهْلِيَّةِ عِندَهُ فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّهُ وَصِيَّةُ خِلَافَة فِي الحَالِ كَالوِرَاثَةِ، وَإِبْطَالُ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ، وَفِي البَيعِ وَمَا يُضَاهِيهِ ذَلِكَ. قوله: (وما يضاهيه)؛ أي يشابه البيع من الهبة والصدقة والإجهاد (١). (ذلك) أي: إبطال السبب؛ أي: سبب العتق، وهو التدبير لا يجوز. وفي مبسوط شيخ الإسلام: التدبير إنما يصح من حيث إنه وصية برقبته لا من حيث إنه تعليق؛ لأنه يعتق بعد الموت، والتعليق بزوال الملك لا يجوز كما لو قال: إن بعتك فأنت حر، وإذا ثبت أنه وصية فالوصية تنعقد سببًا في الحال، كما لو نذر أن يتصدق بدرهم غدًا جاز تصدقه من اليوم لوجود سببه، فإذا انعقد سببا للعتق لا يجوز فسخه بالبيع كما لا يجوز نصا؛ لأن سبب العتق يثبت حق العتق ملحق بالحقيقة كالاستيلاد. فإن قيل: لو كان وصية ينبغي أن نعطل التدبير إذا قتل المدبر سيده؛ إذ الوصية لا تجوز للقاتل سواء كان الجرح قبل الوصية أو بعدها، ولا يبطل التدبير بالقتل ذكره في الأسرار، ولأن الموصي به يتبع الموصي؛ فكان ذلك رجوعًا ذكره في الوصايا، وقد ذكر في تعليل الشافعي؛ أن الوصية لا تمنع البيع، فالتعليل بالوصية كيف يثبت عدم جواز البيع؟ قلنا: التدبير وإن كان وصية فهو تعليق العتق أيضًا بالموت، والقتل يحقق الموت أما في غيره من الوصية المحضة تبطل بالقتل بغير حق جزاء لما عجله إليه، أشار في الأسرار. وفي المسألة الثانية: إنما بيع الموصى إذا لم يتعلق به حق الغير على وجه الخلافة في الحال، والعتق لا يحتمل الإبطال مع أنه تعليق بأمر كائن كما قلنا؛ فتكون هذه الوصية وَقَعَ لازمًا؛ لأنه سبب للتبرع بالعتق، والعتق لازم بخلاف الوصية بالمال لا يكون لازمًا؛ لأنه سبب للتبرع بالمال والتبرع بالمال غير لازم، فكذا سببه غير لازم؛ فلم يمتنع إبطاله بالبيع، إليه أشير في المبسوط (٢)،

стр. 3644

قال: (وَلِلمَولَى أَنْ يَستَخدِمَهُ وَيُؤَاجِرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةٍ وَطِئَهَا، وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا)، لِأَنَّ المِلكَ فِيهِ ثَابِتٌ لَهُ وَبِهِ تُستَفَادُ وِلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ (فَإِذَا مَاتَ المَولَى عَتَقَ المُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) لِمَا رَوَينَا؛ وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ مُضَافٌ إِلَى وَقتِ المَوتِ، وَالحُكمُ غَيْرُ ثَابِت فِي الحَالِ فَيَنفُذُ مِنْ الثُّلُثِ، حَتَّى لَو لَم يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى المَولَى دَيْنٌ يَسْعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ؛ لِتَقَدُّمِ الدِّينِ عَلَى الوَصِيَّةِ، وَلَا يُمكِنُ نَقضُ العِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ. (وَوَلَدُ المُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ) وَعَلَى ذَلِكَ نُقِلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ (وَإِنْ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِمَوتِهِ عَلَى صِفَة، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ سَفَرِي هَذَا، أَوْ مِنْ ووطيء المدبرة عند الجمهور إلا عند الزهري ومالك في رواية، وقال الأوزاعي: إن كان لا يطأها قبل التدبير لا يطأها بعده. قوله: (لأن الملك فيه ثابت)؛ أي للمولى (فيه)؛ أي في المدبر. ولهذا لو قال: كل مملوك لي فهو حرّ يدخل المدبر إلا أنه ثبت فيه حق العتق، فمنع من التصرف ما يبطل حق العتق وهو البيع والهبة، وهذه التصرفات لا تمنع حق العتق فلا يمنع من التصرف فيه ولا يجوز رهنه؛ لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء المالية بطريق البيع، وهو ليس بمحل للبيع. قوله: (لما روينا) إشارة إلى قوله ﵇: وهو حرّ من الثلث (١). قوله: (وولد المدبرة مدبر)، وهو الأصح؛ لموافقته رواية المبسوط والإيضاح، ووقع في بعض النسخ: (وولد المدبرة مدبر غير صحيح)؛ لأن ولد المدبرة إن كان من الحرة حر، وإن كان من الأمة لا يصير مدبّرًا، وإن كان من غيرهما من المكاتبة وأم الولد كان على صفة أمه تبعًا لأمه. وفي المنهاج: ولد المدبرة من نكاح أو زنا لا يثبت له حكم التدبير على الأظهر. قال شمس الأئمة (٢): وهو ضعيف جدا؛ لأنه مخالف لقول الصحابة والتابعين كعثمان وابن مسعود، وكذا نقل عن شريح وابن المسيب وقتادة

стр. 3645

مَرَضِ كَذَا فَلَيسَ بِمُدَبَّر، وَيَجُوزُ بَيعُهُ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَم يَنعَقِد فِي الحَالِ لِتَرَدُّد فِي تِلكَ الصِّفَةِ، بِخِلَافِ المُدَبَّرِ المُطلَق؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ عِتقُهُ بِمُطلَقِ المَوتِ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ .. وجماعة، ولأن حق الحرية ثبت للأم؛ فيسري إلى ولدها لحقيقة الحرية. قوله: وفي المغني (١): ولو دبَّر الحامل يتدبر حملها بلا خلاف كما لو أعتقتها وإن حملت بعد التدبير؛ فكذلك في قول أكثر أهل العلم، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عمر وابن المسيب والبصري، والقاسم ومجاهد والنخعي والشعبي، وعمر بن عبد العزيز والزهري والحسن بن صالح ومالك وأحمد، وللشافعي فيه قولان كالمذهبين. ولا يعتق ولدها بموته، وهو رواية عن أحمد واختاره المزني. ولنا: ما روي عن عمر وابنه وجابر أنهم قالوا: ولد المدبرة مدبر بمنزلتها، ولم يعرف من الصحابة مخالف فكان إجماعًا، وأما ولدها الموجود قبل التدبير لا يتدبر بلا خلاف، إلا ما حكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد وأنكروها. قوله: (ويجوز بيعه) أي بالإجماع؛ لأن السبب لم ينعقد في الحال، وإذا انتفى معنى السببية؛ لتردده بين الثبوت والعدم، بقي تعليقا كسائر التعليقات فلا يمنع من المبيع. فإن قيل: ففي أي وقت بعد الموت فاستقام كلام من يقول أنه ينعقد سببًا بعد الموت، وقد أثبت بطلانه. وإن قلت: قبله فلماذا يجوز بيعه كالمدبر المطلق؟ قلنا: ينعقد (في آخر جزء من أجزاء حياته) (٢) لا بعد الموت ولا في الحال، فيصير كالمدبر المطلق؛ لزوال التردد كذا في تعليقات أبي نصر الزوزني. قوله: (لتردد … ) إلى قوله: (لا محالة)، وفقه هذا الكلام؛ أن التدبير إنما وجب حق الحرية في المال بناء على قصده القربة، لا يختلف بالموت من ذلك المرض أو من غيره فلانعدم هذا القصد لم يكن مدبّرًا بخلاف ما إذا علقه بمطلق
следующие страницы →