أُولَى لِوُجُودِهِ فِي الحَالِ وَعَدَمِهِ بَعدَ المَوتِ؛ وَلِأَنَّ مَا بَعدَ المَوتِ حَالَ بُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُمكِنُ تَأْخِيرُ السَّبَبِيَّةِ إِلَى زَمَانِ بُطَلَانِ الأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ؛
سائر التعليقات؛ (لوجوده) أي لوجود المدبر في الحال، (وعدمه) أي عدم المدبر؛ يعني جعل سببًا في حال وجوده أولى من جعله سببًا في حال عدمه.
ولا يقال: إنه موجود حكمًا بعد موته، وإن كان معدوما كما جعل كالموجود في بعض الأحكام؛ لأنا نقول: الشيء إنما يعتبر موجودًا حكمًا إذا أمكن وجوده حقيقة ولا إمكان لوجوده حقيقة بعد موته لاستحالة وجود الفعل من الميت، ولا يمكن تقديره حيًّا بعد الموت؛ لأن هذا الحكم لا يثبت إلا إذا حكم الشرع بموته، ومتى حكم الشرع بموته استحال أن يحكم فيه بحياته؛ لإفضائه إلى التناقض، وبقاء بعض الأحكام لا يدل على تقديره حيًّا حكمًا.
قوله: (بخلاف سائر التعليقات) متعلق بقوله: (حال بطلان الأهلية) يعني أهلية المتصرف باقية في سائر التعليقات عند وجود الشرط أما ههنا لا تبقى أهلية التصرف بعد موته، فلو لم يجعله سببًا في الحال لغا كلامه من كل وجه. فإن قيل: وجود أهلية المعلق حال وجود الشرط؛ ليس بشرط كما مر أن لو علق الطلاق أو العتاق، ثم جُنَّ ثم وجد الشرط وهو مجنون يقعان؛ فكان التدبير بمنزلة سائر التعليقات.
قلنا: الأهلية فيما نحن فيه تبطل من وجه، وفي المجنون من وجه فإنه أهل للملك وزواله، ولا يكون أهلا لإيقاع الطلاق والعتاق. ألا ترى أن الولي لو زوجه امرأة يصح النكاح، ولو باشر هو بنفسه أسباب حرمة المصاهرة، ولو ارتد أبواه ولحقا بدار الحرب تثبت الحرمة بينه وبين منكوحته.
وفي الموت تبطل الأهلية من كل وجه، ألا ترى أن نفس التعليق يبطل بالموت ولا يبطل بالجنون؛ فعلى هذا لا يلزم من عدم اشتراط تلك الأهلية عدم اشتراط هذه الأهلية، ولأن ما نحن فيه تعليق العتق ابتداء بحال بطلان الأهلية من وقت التعليق، فلو لم يقل أنه سبب في الحال؛ لغا كلامه من كل وجه؛ لبطلان الأهلية حال وجود الشرط قطعًا.
وفي مسألة المجنون قد صح التعليق لصدوره من أهله في محله، والظاهر بقاء
стр. 3642
لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ السَّبَبِيَّةِ قَائِمٌ قَبْلَ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ يَمِينُ وَاليَمِينُ مَانِعُ وَالمَنعُ هُوَ المَقْصُودُ، وَأَنَّهُ يُضَادُّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ،
أهليته إلى وجود الشرط؛ لأن الظاهر من كل موجود بقاؤه باستصحاب الحال، فلما صح التعليق لم يبطل بعروض الجنون بعده؛ لكون المجنون أهلا لحكم التعليق لما ذكرنا، ولأن التعليق بالموت كالتنجيز؛ لأن الموت أمر كائن ولا تردد فيه، والشرط على حظر الوجود فلا يكون التعليق به كالتعليق بسائر الشروط.
ولا يقال: يشكل هذا بما إذا قال: إذا جاء غد فأنت حر؛ فإن مجيء الغد كائن لا محالة؛ لأنا نقول: لا نسلم أنه كائن لا محالة؛ لجواز أن تقوم القيامة قبل مجيء الغد، ولا يجوز أن تقوم القيامة قبل الموت، أو نقول: كلامنا في الأعم والأغلب، فإن الأغلب التعليق بشرط متردد، أو نقول: التعليق بمجيء الغد ليس بسبب في الحال؛ لأنه ليس بسبب موجب للخلافة، والتدبير فيه معنى الخلافة؛ لأن فيه معنى الوصية على ما يجيء فلما لم يكن في التعليق الغد معنى الخلافة؛ لم يصر سببًا في الحال، إليه أشير في المبسوط (١).
قوله: (لأن المانع من السببية) يعني القياس، وفي سائر التعليقات كونها سببًا في الحال، إلا أن المانع من السببية موجود قبل الشرط؛ لأنه انعقد تصرفًا آخر في الحال، ولأنه يصير يمينا، واليمين يمنع العقد عن مباشرة الشرط، والمانع من الشرط مانع من الحكم المتعلق بالشرط، والمانع من الحكم لا يكون سببًا للحكم؛ لأن أدنى درجات السبب أن يكون مفضيًا إلى السبب، فتعذر جعله سببًا قبل وجود الشرط، فإذا انتقض مع اليمين ينعقد سببًا حينئذ، وحال انتقاضه حال وجود الشرط؛ لكونه أهلا لمباشرة السبب وحكمه عند ذلك فجعلناه سببًا عنده، أما التعليق بالموت ليس للمنع ولا يمكن تأخير السببية لبطلان الأهلية؛ فبقي سببًا في الحال.
قوله: (وأنه) أي المنع (يضاد وقوع الطلاق والعتاق)، فلا يكون سببًا لما ذكرنا أن السبب ما يكون مفضيًا.
стр. 3643
وَأَمْكَنَ تَأْخِيرُ السَّبَبِيَّةِ إِلَى زَمَانِ الشَّرط؛ لِقِيَامِ الأَهْلِيَّةِ عِندَهُ فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّهُ وَصِيَّةُ خِلَافَة فِي الحَالِ كَالوِرَاثَةِ، وَإِبْطَالُ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ، وَفِي البَيعِ وَمَا يُضَاهِيهِ ذَلِكَ.
قوله: (وما يضاهيه)؛ أي يشابه البيع من الهبة والصدقة والإجهاد (١).
(ذلك) أي: إبطال السبب؛ أي: سبب العتق، وهو التدبير لا يجوز.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: التدبير إنما يصح من حيث إنه وصية برقبته لا من حيث إنه تعليق؛ لأنه يعتق بعد الموت، والتعليق بزوال الملك لا يجوز كما لو قال: إن بعتك فأنت حر، وإذا ثبت أنه وصية فالوصية تنعقد سببًا في الحال، كما لو نذر أن يتصدق بدرهم غدًا جاز تصدقه من اليوم لوجود سببه، فإذا انعقد سببا للعتق لا يجوز فسخه بالبيع كما لا يجوز نصا؛ لأن سبب العتق يثبت حق العتق ملحق بالحقيقة كالاستيلاد.
فإن قيل: لو كان وصية ينبغي أن نعطل التدبير إذا قتل المدبر سيده؛ إذ الوصية لا تجوز للقاتل سواء كان الجرح قبل الوصية أو بعدها، ولا يبطل التدبير بالقتل ذكره في الأسرار، ولأن الموصي به يتبع الموصي؛ فكان ذلك رجوعًا ذكره في الوصايا، وقد ذكر في تعليل الشافعي؛ أن الوصية لا تمنع البيع، فالتعليل بالوصية كيف يثبت عدم جواز البيع؟
قلنا: التدبير وإن كان وصية فهو تعليق العتق أيضًا بالموت، والقتل يحقق الموت أما في غيره من الوصية المحضة تبطل بالقتل بغير حق جزاء لما عجله إليه، أشار في الأسرار.
وفي المسألة الثانية: إنما بيع الموصى إذا لم يتعلق به حق الغير على وجه الخلافة في الحال، والعتق لا يحتمل الإبطال مع أنه تعليق بأمر كائن كما قلنا؛ فتكون هذه الوصية وَقَعَ لازمًا؛ لأنه سبب للتبرع بالعتق، والعتق لازم بخلاف الوصية بالمال لا يكون لازمًا؛ لأنه سبب للتبرع بالمال والتبرع بالمال غير لازم، فكذا سببه غير لازم؛ فلم يمتنع إبطاله بالبيع، إليه أشير في المبسوط (٢)،
стр. 3644
قال: (وَلِلمَولَى أَنْ يَستَخدِمَهُ وَيُؤَاجِرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةٍ وَطِئَهَا، وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا)، لِأَنَّ المِلكَ فِيهِ ثَابِتٌ لَهُ وَبِهِ تُستَفَادُ وِلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ (فَإِذَا مَاتَ المَولَى عَتَقَ المُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) لِمَا رَوَينَا؛ وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعُ مُضَافٌ إِلَى وَقتِ المَوتِ، وَالحُكمُ غَيْرُ ثَابِت فِي الحَالِ فَيَنفُذُ مِنْ الثُّلُثِ، حَتَّى لَو لَم يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى المَولَى دَيْنٌ يَسْعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ؛ لِتَقَدُّمِ الدِّينِ عَلَى الوَصِيَّةِ، وَلَا يُمكِنُ نَقضُ العِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ.
(وَوَلَدُ المُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ) وَعَلَى ذَلِكَ نُقِلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ (وَإِنْ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِمَوتِهِ عَلَى صِفَة، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ سَفَرِي هَذَا، أَوْ مِنْ
ووطيء المدبرة عند الجمهور إلا عند الزهري ومالك في رواية، وقال الأوزاعي: إن كان لا يطأها قبل التدبير لا يطأها بعده.
قوله: (لأن الملك فيه ثابت)؛ أي للمولى (فيه)؛ أي في المدبر. ولهذا لو قال: كل مملوك لي فهو حرّ يدخل المدبر إلا أنه ثبت فيه حق العتق، فمنع من التصرف ما يبطل حق العتق وهو البيع والهبة، وهذه التصرفات لا تمنع حق العتق فلا يمنع من التصرف فيه ولا يجوز رهنه؛ لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء المالية بطريق البيع، وهو ليس بمحل للبيع.
قوله: (لما روينا) إشارة إلى قوله ﵇: وهو حرّ من الثلث (١).
قوله: (وولد المدبرة مدبر)، وهو الأصح؛ لموافقته رواية المبسوط والإيضاح، ووقع في بعض النسخ: (وولد المدبرة مدبر غير صحيح)؛ لأن ولد المدبرة إن كان من الحرة حر، وإن كان من الأمة لا يصير مدبّرًا، وإن كان من غيرهما من المكاتبة وأم الولد كان على صفة أمه تبعًا لأمه.
وفي المنهاج: ولد المدبرة من نكاح أو زنا لا يثبت له حكم التدبير على الأظهر. قال شمس الأئمة (٢): وهو ضعيف جدا؛ لأنه مخالف لقول الصحابة والتابعين كعثمان وابن مسعود، وكذا نقل عن شريح وابن المسيب وقتادة
стр. 3645
مَرَضِ كَذَا فَلَيسَ بِمُدَبَّر، وَيَجُوزُ بَيعُهُ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَم يَنعَقِد فِي الحَالِ لِتَرَدُّد فِي تِلكَ الصِّفَةِ، بِخِلَافِ المُدَبَّرِ المُطلَق؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ عِتقُهُ بِمُطلَقِ المَوتِ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ ..
وجماعة، ولأن حق الحرية ثبت للأم؛ فيسري إلى ولدها لحقيقة الحرية.
قوله: وفي المغني (١): ولو دبَّر الحامل يتدبر حملها بلا خلاف كما لو أعتقتها وإن حملت بعد التدبير؛ فكذلك في قول أكثر أهل العلم، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عمر وابن المسيب والبصري، والقاسم ومجاهد والنخعي والشعبي، وعمر بن عبد العزيز والزهري والحسن بن صالح ومالك وأحمد، وللشافعي فيه قولان كالمذهبين.
ولا يعتق ولدها بموته، وهو رواية عن أحمد واختاره المزني.
ولنا: ما روي عن عمر وابنه وجابر أنهم قالوا: ولد المدبرة مدبر بمنزلتها، ولم يعرف من الصحابة مخالف فكان إجماعًا، وأما ولدها الموجود قبل التدبير لا يتدبر بلا خلاف، إلا ما حكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد وأنكروها.
قوله: (ويجوز بيعه) أي بالإجماع؛ لأن السبب لم ينعقد في الحال، وإذا انتفى معنى السببية؛ لتردده بين الثبوت والعدم، بقي تعليقا كسائر التعليقات فلا يمنع من المبيع.
فإن قيل: ففي أي وقت بعد الموت فاستقام كلام من يقول أنه ينعقد سببًا بعد الموت، وقد أثبت بطلانه.
وإن قلت: قبله فلماذا يجوز بيعه كالمدبر المطلق؟
قلنا: ينعقد (في آخر جزء من أجزاء حياته) (٢) لا بعد الموت ولا في الحال، فيصير كالمدبر المطلق؛ لزوال التردد كذا في تعليقات أبي نصر الزوزني.
قوله: (لتردد … ) إلى قوله: (لا محالة)، وفقه هذا الكلام؛ أن التدبير إنما وجب حق الحرية في المال بناء على قصده القربة، لا يختلف بالموت من ذلك المرض أو من غيره فلانعدم هذا القصد لم يكن مدبّرًا بخلاف ما إذا علقه بمطلق
стр. 3646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الموت، فإن القصد إلى إيجاب القربة هناك مستحق حين علقه بما هو كائن إلى يوم القيامة لا محالة، كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: يشكل بما لو قال لعبده: أنت حر قبل موتي بشهر ومضى شهر، فإنه تعلق بمطلق موت المولى، ومع ذلك أنه مطلق مقيد حتى يجوز للمولى بيعه، ذكره في الأسرار.
قلنا: إنما كان كذلك؛ لأنه يعتق بالشهر قبل موته كما سماه، فيجب اعتباره بالعتق المضاف إلى غد، وأنه لا يثبت حقا للعبد في الحال فكذا هنا.
فإن قيل: يشكل بما إذا قال: كل مملوك أملكه؛ فهو حر بعد موتي، ثم اشترى مماليك ثم مات؛ عتقوا، فكان عتقهم بمطلق موت المولى، ومع هذا لو باع ما اشتراه صح، ولم يدخل تحت الوصية بالعتق إلا عند الموت.
قلنا: الوصية إذا أضيفت إلى معدوم توقف على الموت، ألا ترى لو أوصى لولد زيد وله ثلاثة أولاد فمات أحدهم بطل ثلث الوصية؛ لأن الوصية تناولهم جميعا، ولو ولد له ثلاثة أولاد بعد الوصية ثم مات أحدهم لم يبطل من الوصية شيء؛ لأن الثالث لم يدخل تحت الوصية؛ لأنهم كانوا معدومين عند الإيجاب فتناول ما يوجد.
كما لو أضاف الوصية إلى مال موجود تعلقت به وبطلت بهلاكه، ولو أضافها إلى معدوم لم يدخل فيها إلا ثلث ماله عند الموت، فإذا كان كذلك صح بيع ما اشتراه؛ لأن إيجاب التدبير لم يتناوله، ولو بقي إلى الموت عتق بالموت لدخوله تحت الإيجاب وقت الموت، وهذا لأن الوصية سبب الخلافة للحال، ويجب حكمه عند الموت فاستغنت عن المحل بين الإيجاب والموت؛ لأنه لا وقت الإيجاب ولا وقت حلول الحكم، إليه أشير في الأسرار.
وذكر في المبسوط (٢): وذكر في اختلاف زفر ويعقوب لو قال لعبده: إن مت أو قتلت فأنت حر، فعند زفر هو مدبر لتعلق عتقه بمطلق الموت حتى يعتق بأي وجه كان.
стр. 3647
(فَإِنْ مَاتَ المَولَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَتَقَ كَمَا يُعتَقُ المُدَبَّرُ) مَعْنَاهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حُكمُ التَّدْبِيرِ فِي آخِرِ جُزء مِنْ أَجزَاءِ حَيَاتِهِ؛ لِتَحَقُّقِ تِلكَ الصِّفَةِ فِيهِ فَلِهَذَا يُعتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَمِنْ المُقَيَّدِ أَنْ يَقُولَ: «إِنْ مِتُّ إِلَى سَنَة أَوْ عَشْرِ سِنِينَ» لِمَا ذَكَرنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِلَى مِائَةِ سَنَةِ، وَمِثْلُهُ لَا يَعِيشُ إِلَيْهِ فِي الغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ كَالكَائِنِ لَا مَحَالَةَ.
وعند أبي يوسف؛ لا يكون مدبرًا؛ لأنه علقه بأحد الشيئين الموت أو القتل، والقتل وإن كان موتًا فالموت ليس بقتل وتعليقه بأحدهما يمنع أن يكون عزيمة في أحدهما خاصة فلا يصير مدبرا.
وروى الحسن عن أبي حنيفة لو قال: إذا مِتُّ وغُسِّلْتُ فأنت حر لا يكون مدبرا؛ لأنه يعلقه بالموت وبشيء آخر بعده، ثم إذا مات لا يعتق، وإن غُسل قياسًا ما لم يعتقه الورثة؛ لانتقاله إلى الورثة بنفس الموت.
وفي الإسبيجابي: يعتق؛ لأنه يُغَسَّلُ بعد الموت قبل أن يتقرر ملك الوارث فيه، وهو نظير تعليقه بموته على صفة.
قوله: (مات المولى على الصفة التي ذكرها) قيد؛ لأنه لو برأ من مرضه أو رجع من سفره ثم مات لم يعتق؛ لأن الشرط الذي علق به العتق لم يوجد. كذا في المبسوط (١).
قوله: (ومن المقيد … ) إلى آخره فلو مات قبل تمام السنة أو عشر سنين؛ عتق لوجود الشرط، ولو مات بعدهما لا يعتق؛ لعدم وجود الشرط في المدبر المقدر.
قوله: (كالكائن لا محالة)، وهو قول مالك، ورواية الحسن عن أبي حنيفة، وهذا موافق لرواية الإيضاح، ومخالف لفتاوى قاضي خان، قال: على قول أصحابنا مدبّر مقيد.
وكذا ذكره في الينابيع وجوامع الفقه؛ لأن ذكر الوقت طويلا لا يعيش في مثله أو يعيش يعتبر الوقت.
стр. 3648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعلى قول الحسن إذا ذكر وقتًا لا يعيش في مثله؛ يكون ذكر الوقت للتأبيد ما إذا تزوج امرأة إلى وقت يكون متعة طال الوقت أو قصر.
وعند الحسن إذا ذكر وقتا لا يعيشان لمثله لا يكون متعة، ولو قال: أنت حر قبل موتي بشهر أو بيوم، فإنه مدبر مقيد حتى يملك بيعه. وعند زفر مدبر مطلق لتعلق عتقه بموت المولى وهو التدبير.
قلنا: تعليقه بمطلق موت المولى تدبيرا لم يوجد؛ لاحتمال موته قبل شهر فلم يتعلق عتقه بشرط كائن لا محالة، ولو مات بعد شهر أو يوم.
قيل: يعتق من الثلث، وقيل: يعتق من جميع المال؛ لأن على قول أبي حنيفة يستند العتق إلى أول الشهر قبل الموت، وهو كان صحيحًا في ذلك الوقت، وهو قول أبي يوسف ومحمد: يصير مدبَّرًا بعد مضي الشهر قبل موته.
وفي الذخيرة: قال له: أنت حر بعد موتي بيوم أو بشهر لا يصير مدبرًا، وهو إيصاء بعتقه بعد مضي يوم أو شهر فلا يعتق ما لم يعتقه الولي أو الوارث.
وفي الإسبيجابي: إذا لم يعتق إلا بإعتاق الوارث أو الوصي، فالوارث يملك إعتاقه تنجيزًا وتعليقًا، والوصي لا يملكه إلا تنجيزا، ولو أعتقه عن كفارته يعتق عن الميت دون الكفارة، والولد يصير مدبرا في المدير المطلق دون المقيد، ولو دبر وارث المرتد بعد لحوقه، ثم جاء مسلما أخذه مدبرًا، ولو دبره هو ولحق بدار الحرب، وباعه الوارث ثم جاء مسلمًا فاشتراه فهو مدبر.
وفي المبسوط (١): قال له: أنت بعد موتي إن شئت؛ لم يصر مدبرًا لعدم تعليقه بمطلق الموت حينئذ، فإن نوى بها المشيئة الساعة فشاء العبد؛ فهو حر بعد موته لتعلقه بمطلق الموت حينئذ فيصير مدبرًا، ولو شاء العبد عند موته فهو حر؛ لوجود الشرط لا بالتدبير.
وقال أبو بكر الرازي: صحيح أن لا يعتق ههنا ما لم يعتقه الوارث الوصي، وهكذا ذكره شيخ الإسلام؛ لأنه ما لم يعتق بنفس الموت صار ميرانا
стр. 3649
بَابُ الاسْتِيلاد
(وَإِذَا وَلَدَت الأَمَةُ مِنْ مَولَاهَا فَقَد صَارَت أَمَّ وَلَد لَهُ، لَا يَجُوزُ بَيعُهَا وَلَا تَمْلِيكُها)
فلا يعتق بعد ذلك إلا بإعتاق، وتكون وصية تحتاج إلى تنفيذها، كما لو قال: أعتقوه بعد موتي إن شاء، أو قال: حر بعد موتي بيوم، هكذا ذكره ابن سماعة في نوادره.
ثم في ظاهر الجواب تعتبر المشيئة بعد موت المولى في المجلس، وعن أبي يوسف؛ أنه لا يقيد بالمجلس؛ لأن هذا في معنى الوصية، ولا يشترط في لزوم الوصية القبول في المجلس بعد الموت.
والفرق بين هذه وبين تأخير العتق بعد الموت إلى يوم أو شهر ونحو ذلك؛ أنه لما تأخر العتق عن موته بزمان ممتد، وملك الوارث يتقرر في ذلك الزمان، عرفنا أن مراده الأمر بإعتاقه، وفي مسألة المشيئة تتصل مشيئة العبد بموت المولى قبل تقرر ملك الوارث؛ فيعتق بإعتاق المولى، ولا حاجة إلى إعتاق الوارث إياه. كذا في المبسوط (١) والله أعلم.
باب الاستيلاد
التدبير والاستيلاد يشتركان في كونهما حق الحرية، والتدبير أنسب من الاستيلاد بوجود الولد على وجه الخبر لا على وجه الإنشاء، فلذلك قدم التدبير.
الاستيلاد لغة: طلب الولد، وأم الولد من الأسماء الغالبة، البيت والنجم للكعبة والثريا؛ فكان في هذا كله خروج من العموم إلى الخصوص.
قوله: (لا يجوز بيعها ولا تمليكها) وهو قول جمهور الصحابة وجمهور الفقهاء والتابعين وبعض الظاهرية، وقال بشر المريسي وداود الأصبهاني ومن تابعه: يجوز بيعها ولا تعتق بموت المولى، وهو مروي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن عباس، وابن مسعود وابن الزبير وزيد بن ثابت، ذكر ذلك في المحلى.
стр. 3650
لِقَولِهِ ﵊: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» أَخبَرَ عَنْ إعتَاقِهَا فَيَثْبُتُ بَعضُ مَوَاجِبِهِ وَهُوَ حُرمَةُ البَيعِ، وَلِأَنَّ الجُزئِيَّةَ قَدْ حَصَلَت بَينَ الوَاطِئِ وَالمَوطُوءَةِ بِوَاسِطَةِ الوَلَدِ، فَإِنَّ المَاءَينِ قَدْ اختَلَطَا بِحَيثُ لَا يُمكِنُ المَيزُ بَينَهُمَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرمَةِ
وعن عمر ﵁ أنها إن عفت وأسلمت عتقت، وإن كفرت وفجرت أرقت، وروي مثله عن عمر بن عبد العزيز. وعن ابن مسعود بسند صحيح: تعتق من نصيب ولدها، ذكره في المغني. وعن ربيعة الرأي: يعجل عتقها لظاهر الحديث.
واحتج من جوز بيعها بما روى جابر بن عبد الله أنه قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر ﵁ نهانا عن ذلك فانتهينا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (١)، وكان أبو بكر ﵁ يبيع أمهات الأولاد في زمانه، وعمر ﵁ في نصف إمارته، ولأن المالية والمحلية للبيع قبل الولادة معلومة فيها بيقين فلا ترتفع إلا بيقين مثله، وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين.
وللجمهور حديث سلامة بنت معقل امرأة من خارجة قيس بن غيلان قالت: قدم بي عمي في الجاهلية فباعني من الحباب بن عمرو فولدت له عبد الرحمن، ثم هلك فقالت امرأته: الآن تباعين في دينه، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إني امرأة من خارجة قيس بن غيلان قدم بي عمي المدينة في الجاهلية فباعني من الحباب بن عمرو، فولدت له عبد الرحمن فقالت امرأته الآن: والله لتباعين في دَيْنِه، فقال ﵇: «من ولي الحباب؟» قيل: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو، فبعث إليه فقال: «أعتقوها، فإذا سمعتم برقيق قدم علي فأتوني أُعَوِّضُكم»، فقالت: أعتقوني، فقدم على رسول الله ﷺ رقيق فعوضهم غلامًا. رواه أبو داود (٢).
وفي رواية أحمد (٣) «لا تبيعوها وأعتقوها»؛ أي خلوا سبيلها، ذكر البيهقي
стр. 3651
المُصَاهَرَةِ، إِلَّا أَنَّ بَعدَ الاِنفِصَالِ تَبقَى الجُزئِيَّةُ حُكمًا لَا حَقِيقَة، فَضَعُفَ السَّبَبُ … .
أنه أحسن شيء يروى فيه عن رسول الله ﷺ .
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّمَا رجل ولدت أُمَّتُهُ منه فهي معتقةٌ عن دبر منه» رواه أحمد وابن ماجه (١).
في المبسوط (٢): هو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، وقال ﵇ في مارية القبطية أم إبراهيم حين قيل له: ألا تعتقها، قال ﵇: «أعتقها ولدها» رواه ابن ماجة والدارقطني (٣)، وقضيته تنجيز الحرة، ولم يثبت ذلك إجماعا فثبت حق العتق إعمالا للحديث بقدر الممكن.
وقال الخطابي: قد ثبت أنه ﵇ قال: «إِنَّا معاشر الأنبياء لا نورَثُ ما تركناه صدقةٌ» (٤)، فلو كانت مارية مالًا لبيعت وصار ثمنها صدقة، وعنه ﵇ أنه نهى عن التفريق يبين الأولاد والأمهات، وفي بيعهن تفريق بينهن.
وعن عمر ﵁ قال: أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبعها، ولا يهبها وهو يستمتع بها ما عاش، فإذا مات فهي حرة. رواه مالك في الموطأ والدارقطني.
وعن عبيدة السلماني قال: خطب على ﵁ على المنبر فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد، فرأيت أنا وعمر إعتاقهن فقضى به عمر ﵁ أيام حياته،
стр. 3652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعثمان ﵁ في مده حياته، فلما وليت أرى أن أُرِقَّهن، قال عبيدة: فرأي علي وعمر في الجماعة أحب إلي من رأي علي وحده، وروي عن علي وابن عباس وابن الزبير الرجوع إلى قول الجماعة، ذكره في المغني (١).
ولا حجة للخصم في حديث جابر؛ لأنه ليس فيه أنه ﵇ أمر بذلك وأمرهم، ويحتمل أن يكون ذلك في زمانه ﵇ ولم يشعر به، وإنما يكون فعلهم حجة إذا علم به رسول الله ﷺ وأقرهم عليه وبيعهن يقع نادرًا.
ويحتمل أن يكون ذلك مباحًا، ثم نهى عنه ﵇ ولم يعلم به أبو بكر ﵁؛ لقصر مدة خلافته واشتغاله بأمور الدين ومحاربة أهل الردة، ثم نهى عنه عمر ﵁ لما بلغه نهيه ﵇ فانتهوا عنه، وهو مثل حديث جابر في المتعة قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ حتى نهانا عنه عمر ﵁ رواه مسلم (٢)
في النهاية: وعن ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة، ولا نرى بها بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أنه ﵇ نهى عن المخابرة فتركناها (٣).
وحكي أن أبا سعيد البردعي أستاذ الكرخي خرج حاجًا من بردعة؛ فوصل إلى بغداد يوم الجمعة رأى قومًا جلسوا بعد الصلاة، وبينهم داود الأصبهاني الظاهري فسأله حنفي عن بيع أم الولد، فقال: يجوز؛ لأنا اتفقنا على جواز بيعها قبل أن تصير أم ولد فوجب أن تبقى كذلك؛ إذ الأصل في كل ثابت دوامه واستمراره، فعارضه أبو سعيد وقال: قد زالت تلك الحالة بالاتفاق وامتنع بيعها لما حبلت ولد سيدها، والأصل في كل ثابت وهو حرمة بيعها إجماعا دوامًا فانقطع داود، ولم يجد له جوابًا، واستحسنوا هذه المناظرة أصحاب المذاهب الأربعة.
قيل: يمكن للظاهري بأن يجيب أن بيعها حاملا مستلزم بيع ولدها وهو
стр. 3653
فَأَوجَبَ حُكما مُؤَجَّلًا إِلَى مَا بَعدَ المَوتِ، وَبَقَاءُ الجُزئِيَّةِ حُكما بِاعْتِبَارِ النَّسَبِ وَهُوَ مِنْ جَانِبِ الرِّجَالِ. فَكَذَا الحُرِّيَّةُ تَثبُتُ فِي حَقِّهِم لَا فِي حَقِّهِنَّ، حَتَّى إِذَا مَلَكَت
حر، ولا كذلك قبله، وأجيب بذكر الجائز في الجزئية والبعضية التي تقدم، ولأن هذا الكلام لا يندفع بالمعارضة يعرف بالتأمل، وناظر أيضًا أبو سعيد القاضي أبا حازم الحنفي العراقي قاضي المعتضد في توريث ذوي الأرحام، والقاضي يرى أن اتفاق الخلفاء الأربعة إجماع يوجب العلم، ولم يعتبر خلاف زيد بن ثابت في منع ذوي الأرحام لمخالفة الإجماع، وأمر المعتضد برد الأموال التي اجتمعت في بيت المال من تركات فيها ذوو الأرحام، فأنكر عليه أبو سعيد فقال: هذا شيء أقضي على قول زيد، فقال أبو حازم: لا أعتد بخلافه في مقابلة الخلفاء الراشدين.
وذكر السَّرَخْسِي (١): أنه أمر المعتصم والظاهر أنه غلط من الكاتب؛ لأنه لم يكن في أيام المعتصم، ثم حكم القاضي بجواز بيع أم الولد هل ينفذ؟ خلاف بين أصحابنا!؛ فعند أبي حنيفة ينفذ خلافًا ذكره في المحيط، وأصول البزدوي والميزان.
قوله: (وَبَقَاءُ الجُزْئِيَّةِ حُكْمًا … ) إلى آخره، جواب سؤال، وهو أن يقال: النسبة ليست بمؤثرة في حق الحرية، ألا ترى أن النسبة مشتركة بين الأب والأم؛ لأن الأب منسوب إلى الأم بواسطة الولد كنسبة الأم إلى الأب بواسطة الولد، ثم الاتصال بواسطة الولد من جانب الرجل ليس بمؤثر في إثبات حق الحرية حال الأبوة، فإنها لو تزوجت عند رجل فولدت منه، ثم ملكت أباه لم يثبت حق الحرية له حال حياة المرأة، وكان حقيقة الحرية بعد موتها؛ فيجب أن يكون في حياتها كذلك؛ فأجاب عنه بما ذكر في الكتاب ذكر السؤال والجواب في الإيضاح.
قوله: (فَكَذَا الحُرِّيَّةُ) بالحاء في بعض النسخ الجزية، والجزية بالجيم أفصح؛ لأن (الجزئية) كما تثبت في حقهم كذلك تثبت في حقهن بل في حقهن أولى؛ لأن الولد يقرض منهن بالمقراض، وقد ذكر في الكتاب (تثبت في حقهم لا في حقهن)،
стр. 3654
الحُرَّةُ زَوجَهَا وَقَدْ وَلَدَت مِنهُ لَم يُعتَقِ الزَّوجُ الَّذِي مَلَكَتْهُ بِمَوتِهَا، وَبِثُبُوتِ عِتق مُؤَجَّل يَثْبُتُ حَقُّ الحُرِّيَّةِ فِي الحَالِ فَيُمْنَعُ جَوَازُ البَيعِ وَإِحْرَاجُهَا لَا إِلَى الحُرِّيَّةِ فِي الحَالِ، وَيُوجِبُ عِتَقَهَا بَعدَ مَوتِهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ بَعضُهَا مَملُوا لَهُ، لِأَنَّ الإستيلاد لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِنَّهُ فَرعُ النَّسَبِ فَيُعتَبَرُ بِأَصْلِهِ.
قَالَ: (وَلَهُ وَطَؤُهَا وَاسْتِحْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَرْوِيجُهَا) لِأَنَّ المِلكَ فِيهَا قَائِمٌ
وأنه على تقدير الحاء تثبت حرية النساء في حق الرجال، ولا تثبت حرية الرجال في حق النساء كذا ذكر في الإيضاح، وعلى تقدير الجيم معناه: لأن الجزية المؤكدة بالنسب في حقهم لا في حقهن؛ إذ النسب إلى الآباء.
قوله: (لأن الاستيلاد لا يتجزأ)، فإن قيل: قد ذكر في باب العتق أن الاستيلاد متجز عند أبي حنيفة وهذا تناقض.
قلنا: معنى قوله: (لا يتجزأ)؛ أي يكمل بتمليك نصيب صاحبه بالضمان على ما يجيء بعد؛ لأن نصيب صاحبه قابل للنقل بالضمان؛ لأن الاستيلاد وقع في القنة وهي قابلة للانتقال فيندفع التناقض، أو نقول: القول عدم التجزئ عنده هنا بناء على أن الاستيلاد فرع والنسب لا يتجزأ فكذا الاستيلاد، وهناك التجزئ باعتبار أنه فرع الإعتاق فلما تجزأ الإعتاق تجزأ جميع شعبه، فيكون التجزأ وعدم التجزأ بالجهتين فيندفع التناقض، أو نقول: يحتمل أن تكون فيه روايتان عن أبي حنيفة.
قوله: (فيعتبر بأصله)؛ أي بأصل الاستيلاد وهو النسب.
قوله: (وَلَهُ وَطْؤُهَا … ) إلى آخره، وهو قول الجمهور، وقال مالك: لا يملك إجارتها كالبيع وهو ضعيف، وله كسبها وإعتاقها وكتابتها.
فإن قيل: ينبغي أن لا يملك تزويجها؛ لاشتغال الرحم وتوهم الشغل مانع في النكاح كما في المعتدة.
قلنا: محلية جواز النكاح كانت ثابتة قبل الوطء، وقد وقع الشك في خروجه فلا يخرج بالشك، بخلاف المعتدة؛ فإنها خرجت عن محلية نكاح الغير
стр. 3655
فَأَشْبَهَت المُدَبَّرَةَ (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إِلَّا أَنْ يَعتَرِفَ بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ لَم يَدَّعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَا ثَبَّتَ النَّسَبُ بِالعَقدِ فَلَأَن يَثبُتَ بِالوَطْءِ، وَأَنَّهُ أَكثَرُ
فلا تعود إلى المحلية إلا بعد الفراغ حقيقة، وذلك بعد انقضاء العدة، ولكن الأفضل للمولى أن لا يزوجها إلا بعد الاستبراء؛ لجواز العلوق منه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا)؛ أي ولد الأمة إلا أم الولد؛ لأن ولد أم الولد يثبت نسبه بلا دعوة كما يجيء، يعني لا يثبت ولد الأمة وإن اعترف بوطئها عندنا.
وبه قال الشعبي والثوري والحسن البصري، وهو مروي عن عمر وزيد بن ثابت مع العزل.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: يثبت نسبه منه إذا أقر بوطئها، وإن عزل عنها إلا أن يدعي أنه استبرأ بعد الوطء بحيضة وهو ضعيف؛ لأنهم زعموا أنها بالوطء صارت فراشًا كالنكاح، وفيه يلزم الولد وإن استبرأها؛ لأن الحامل تحيض عند مالك والشافعي فلا يفيد الاستبراء.
ولو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد، وهو وجه للشافعية وضعفوه، وروى الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يأتي جارية فحملت فقال: ليس مني إني أتيتها إتيانا لا أريد به الولد.
وعن عمر؛ أنه كان يعزل عن جاريته فجاءت بولد أسود فشق عليه، فقال: ممن هو؟ فقالت: من راعي الإبل فحمد الله وأثنى عليه ولم يلتزمه.
وعن زيد بن ثابت؛ أنه كان يطأ جارية فارسية ويعزل عنها فجاءت بولد فأعتق الولد وجلدها، وعنه أنه قال لها: ممن حملت؟ قالت: منك، قال لها: كذبت ما وصل إليك مما يكون منه الحمل، ولم يلزمه مع اعترافه بوطئها فهو حجة عليهم.
стр. 3656
إفضَاء أَولَى وَلَنَا: أَنَّ وَطْءَ الأَمَةِ يُقصَدُ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الوَلَدِ؛ لِوُجُودِ المَانِعِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَةِ بِمَنزِلَةِ مَالِكِ اليَمِينِ مِنْ غَيْرِ وَطْء، بِخِلَافِ العَقدِ؛ لِأَنَّ الوَلَدَ يَتَعَيَّنُ مَقْصُودًا مِنْهُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الدَّعْوَةِ.
(فَإِنْ جَاءَت بَعدَ ذَلِكَ بِوَلَد ثَبَتَ نَسَبُهُ بِغَيْرِ إِقْرَارِ) مَعنَاهُ: بَعدَ اعْتِرَافِ مِنهُ بِالوَلَدِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعوَى الوَلَدِ الأَوَّلِ تَعَيَّنَ الوَلَدُ مَقصُودًا مِنهَا فَصَارَت فِرَاشًا كَالمَعقُودَةِ (إِلَّا أَنَّهُ إِذَا نَفَاهُ يَنتَفِي بِقَولِهِ) لِأَنَّ فِرَاشَهَا ضَعِيفٌ حَتَّى يَمْلِكَ نَقلَهُ بِالتَّزْوِيجِ، بِخِلَافِ المَنكُوحَةِ، حَيثُ لَا يَنتَفِي الوَلَدُ بِنَفْيِهِ إِلَّا بِاللُّعَانِ، لِتَأَكَّدِ الفِرَاشِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ إِبْطَالَهُ
قوله: (لوجود المانع) وهو ذهاب التقوم عنده، ونقصان القيمة عندهما في الأمة، وزوال الملك في الولد (منه) أي من طلب الولد (كالمعقودة)؛ أي كالمنكوحة.
قوله: (ينتفي بقوله)؛ أي من غير لعان.
وفي المبسوط (١): إنما يملك نفسه إذا لم يقض القاضي به أو لم يتطاول الزمان، فأما بعد القضاء فقد لزمه بالقضاء فلا يملك إبطاله، والتطاول دليل إقراره في هذه المدة من قبول التهنئة ونحوه؛ فيكون كالصريح بإقراره، واختلافهم في التطاول قد سبق في اللعان.
قوله: (يملك نقله)؛ أي نقل الفراش من نفسه إلى غيره (بالتزويج) حيث يملك تزويجها من غيره، وهذا إذا كان محل وطئها بعد الولد الأول. أما لو لم يحل لا يثبت نسبه إلا باستلحاقه، كما لو وطئها أبو سيدها أو ابنه أو وطء هو أمها وبنتها أو حرمت عليه برضاع أو كتابة ذكره في المحيط وغيره.
ولو أعتقها يثبت نسب ولدها إلى سنتين من يوم الإعتاق، وكذا في الموت؛ لأنها معتدة ولا يمكن نفيه؛ لأن فراشها تأكد بالحرية بدليل أنه لا يملك نقله بالتزويج؛ فالتحق بفراش المنكوحة في القوة، ولو حرمت عليه بحيض أو نفاس أو صوم أو إحرام يثبت نسبه بالسكوت؛ لأن المحل لم يحرم وإنما حرم الفعل فيه.
стр. 3657
بِالتَّرْوِيجِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرنَاهُ حُكْمٌ. فَأَمَّا الدَّيَّانَةُ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا وَحَصَّنَهَا وَلَم يَعْزِل عَنهَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ وَيَدَّعِي، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الوَلَد مِنهُ، وَإِنْ عَزَلَ عَنهَا أَوْ لَم يُحَصِّنهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَنفِيَهُ، لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ يُقَابِلُهُ ظَاهِرُ آخَرُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ أُخرَيَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّد رَحِمَهُمَا اللَّهُ ذَكَرنَاهُمَا فِي كِفَايَةِ المُنتَهَى.
(فَإِنْ زَوَّجَهَا فَجَاءَت
قوله: (حصّنها)؛ أي حفظها عما يوجب ريبة الزنا يلزمه أن يعرف به وهذا بالإجماع.
يقابله ظاهر (آخر) أي يعارضه ظاهر آخر وهو أن يكون الولد من الزنا؛ لوجود أحد الدليلين وهما العزل وعدم التحصين.
قوله: (أخريان عن أبي يوسف، وعن محمد)، والأصح: (آخران) وفي بعض النسخ: (أخروان)؛ أي عن أبي يوسف رواية واحدة، وعن محمد كذلك، وهو فائدة إعادة كله عن تلك الروايات يفيد الوجوب كذا في المبسوط (١).
وعن أبي يوسف: لو وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك فجاءت بولد؛ فعليه أن يدعيه؛ سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم تحصن تحسينا للظن بها، وحملا لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه؛ لأن ما ظهر عقبه سببه يكون محتالا به عليه حتى يتبين خلافه.
وعن محمد: لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه، ولكن ينبغي أن يعتق الولد ويستمتع بها ويعتقها بعد موته؛ لأنه استلحاق ليس منه حرام شرعًا فيحتاط من الجانبين، وذكر تلك الروايتين في القضاء بلفظ الاستحباب، فقال أبو يوسف: أحب أن يدعيه، وقال محمد: أحب أن يعتق الولد إلى آخره.
قوله: (فإن زوجها … ) إلى آخره.
في مبسوط فخر الإسلام ينبغي أن لا يزوجها حتى يستبرئها بحيضه؛
стр. 3658
وَلَدُ فَهُوَ فِي حُكْمِ أُمِّهِ)؛ لِأَنَّ حَقَّ الحُرِّيَّةِ يَسْرِي إِلَى الوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الحُرَّةِ حُرٌّ وَوَلَدُ القِنَّةِ رَقِيقٌ (وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ مِنَ الزَّوْجِ)، لِأَنَّ الفِرَاشَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، إِذِ الفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فِي حَقِّ الأَحْكَامِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ المَوْلَى لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُعْتِقُ الوَلَدُ وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِإِقْرَارِهِ.
لاحتمال العلوق منه، ولكن بهذا التهم يوجب الاحتياط، ولا يبطل النكاح حتى لو تزوجها قبل الاستبراء فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر، فالولد من المولى والنكاح فاسد للتيقن بالعلوق فراش المولى فلا يجوز تزويجها، وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر فالولد من الزوج للتيقن بالعلوق على فراشه سواء كان النكاح صحيحا أو فاسدا وحصل به الدخول؛ لأن الفاسد ملحق بالصحيح، فعلم من هذا أن قوله في الكتاب: (وإن كان النكاح فاسدا) إن للوصل، وذكره لنفي شبهة وهو أن فراش المولى ثابت على وجه الصحة، فينبغي أن لا يزول بالنكاح الفاسد؛ إذ الفاسد لا يعارض الصحيح، فأجاب عنه (إذ الفاسد ملحق بالصحيح في حق الأحكام).
وفي الإيضاح: أراد بالفاسد ههنا إذا اتصل به الدخول.
قوله: (فهو في حكم أمه) حتى لا يجوز بيعه ولا هبته ولا رهنه ولا التصدق به، ولا يسعى لأحد ويعتق من رأس ماله كالأم، ويجوز استخدامه وإجارته إلا أنه إذا كان الولد جارية لا يستمتع بها؛ لأنه وطئ أمها، وهي إجماعية؛ (لأنه ثابت النسب من غيره)، ويعتق الولد وهي إجماعية.
في المبسوط (١): لو زوج جاريته من عبده فجاءت بولد فادعاه المولى لا يثبت نسبه منه؛ لأنه ثابت النسب من عبده، (ويعتق الولد) بملكه، وأمه بمنزلة أم الولد تعتق بموت سيدها، (وتصير أمه أم ولد له)؛ أي فيما إذا كانت قيمته به، أما لو كانت أم ولد فأمومية الولد ثابتة قبل الدعوة.
فإن قيل: كيف تثبت أمومية الولد مع عدم ثبوت النسب، وأمومية الولد ههنا مبنية على ثبوت النسب بدعوة الولد بخلاف ابتداء الاقتران بالاستيلاد، فإن ذلك
стр. 3659
(وَإِذَا مَاتَ المَولَى عَتَقَت مِنْ جَمِيعِ المَالِ) لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِعِيقِ أُمَّهَاتِ الأَولَادِ، وَأَنْ لَا يُبَعنَ فِي دَين وَلَا يُجْعَلنَ مِنَ الثُّلُثِ».
وَلِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى الوَلَدِ أَصْلِيَّةٌ، فَتُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الوَرَثَةِ وَالدِّينِ كَالتَّكْفِينِ، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مِنْ زَوَائِدِ الحَوَائِجِ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا فِي دَينِ مبني على دعوة الولد.
قلنا: مجرد الإقرار بالاستيلاد كافٍ لثبوت الاستيلاد، وإن كان في ضمن شيء لم يثبت ذلك الشيء. وفي المبسوط (١): يحتمل أن يكون الولد ثابت النسب من المولى بعلوق سبق النكاح أو شبهة بعد النكاح، إلا أن هذا الاحتمال غير معتبر في حق النسب لثبوته من الزوج، فاستغنى الولد عن النسب؛ فبقي معتبرًا في حق الأم لحاجتها إلى أمومية الولد.
قوله: (وَأَنْ لَا يُبَعْنَ)، وفي نسخة: وأن لا تستعين، والأول موافق لرواية الإيضاح، ولكن لقوله: (لما روينا) في دعوى نفي السعاية يدل على صحة قوله: (لا يبعن) يدل على عدم وجوب السعاية؛ لأن عدم جواز البيع يدل على عدم المالية، ووجوب السعاية بناء على بقاء المالية، ولم تبق المالية فيها؛ لقوله ﵇: «أعتَقَها وَلدُها» (٢). وقوله: (لما روينا)؛ إشارة إلى قوله ﵇: «أعتقها وَلَدُها».
قوله: (ولأن الحاجة إلى الولد أصلية)؛ لأن قوامه بالنسل معنى كما أن قوامه بالأكل حقيقة، ولهذا يجوز للأب أن يأكل مال ابنه عند الحاجة، فكذا يجوز أن يستولد جاريته بغير إذنه؛ لحاجته بقاء نسله، وحاجته مقدمة على الورثة والدين كحاجته إلى الجهاز (والتكفين).
стр. 3660
المَولَى لِلغُرَمَاءِ لَمَا رَوَينَا، وَلِأَنَّهَا لَيسَت بِمَالٍ مُتَقَوَّمٍ حَتَّى لَا تُضِمَنُ بِالغَصِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الغُرَمَاءِ كَالقِصَاصِ، بِخِلَافِ المُدَبَّرِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّم (*).
(وَإِذَا أَسْلَمَت أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِي فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا) وَهِيَ بِمَنزِلَةِ المُكَاتَبِ لَا تُعتَقُ حَتَّى تُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ.
وَقَالَ زُفَرُ ﵀: تُعتَقُ فِي الحَالِ وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا، وَهَذَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا عُرِضَ عَلَى المَولَى الإِسْلَامُ فَأَبَى، فَإِنْ أَسْلَمَ تَبقَى عَلَى حَالِهَا. لَهُ: أَنَّ إِزَالَةَ الذُّلِّ عَنهَا بَعدَمَا أَسْلَمَت وَاجِبَةٌ، وَذَلِكَ بِالبَيعِ أَوْ الإِعْتَاقِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ البَيعُ فَتَعَيَّنَ الإِعْتَاقُ.
قوله: (كالقصاص)؛ يعني إذا مات من له القصاص وهو مديون؛ فليس الأرباب الديون أن يأخذوا من عليه القصاص بدينهم مقابلة ما وجب عليه من القصاص؛ لأن القصاص ليس بمال متقوم حتى يأخذ بمقابلته شيئًا.
وقيل: معناه إذا قتل المديون شخصًا، لا يقدر الغرماء على منع ولي القصاص من استيفاء القصاص.
وقيل: معناه إذا قتل رجل مديونا والمديون قد عفا؛ فلا يقدر الغرماء على منع المديون عن العفو.
قوله: (وقال زفر: يعتق في الحال)، وبه قال مالك والظاهرية إلا أنه بغير سعاية عندهما، وعند زفر بالسعاية.
وقال الشافعي وأحمد في المشهور: منع الذمي من وطئها والاستمتاع بها ويحال بينهما، ولا يُمكّن من الخلوة بها وأجبر على نفقتها. (فإن أسلم) حلت له، وإن مات قبل إسلامه أو بعده وعتقت بموته.
وعن أحمد في رواية: تستسعى في قيمتها فإن أدت عتقت كما قلنا. وفيما قلنا جمع بين الحقين والمصلحتين، وهو أولى من إلزام النفقة إلى الممات بلا عوض، ولا منفعة، واعتبراه بالعبد القن إذا أسلم وهو قياس فاسد، فإن إخراج
стр. 3661
وَلَنَا: أَنَّ النَّظَرَ مِنْ الجَانِبَينِ فِي جَعَلِهَا مُكَاتَبَة، لِأَنَّهُ يَندَفِعُ الذُّلُّ عَنهَا بِصَيرُورَتِهَا حُرَّة يَدًا، وَالضَّرَرُ عَنْ الذُّمِّيِّ لِانْبِعَائِهَا عَلَى الكَسَبِ نَيلا لِشَرَفِ الحُرِّيَّةِ، فَيَصِلُ الذِّمِّيُّ إِلَى بَدَلِ مِلْكِهِ، أَمَّا لَو أُعتِقَت وَهِيَ مُفْلِسَةٌ تَتَوَانَى فِي الكَسَبِ وَمَالِيَّةُ أُمِّ الوَلَدِ يَعتَقِدُهَا الذِّمِّيُّ مُتَقَوِّمَة فَيُترَكُ وَمَا يَعتَقِدُهُ، وَلِأَنَّهَا إِنْ لَم تَكُنْ مُتَقَوِّمَةٍ فَهِيَ مُحتَرَمَةٌ، وَهَذَا يَكفِي لِوُجُوبِ الضَّمَانِ كَمَا فِي القِصَاصِ المُشْتَرَكِ إِذَا عَفَا أَحَدُ الأَولِيَاءِ يَجِبُ المَالُ لِلبَاقِينَ.
(وَلَو مَاتَ مَوْلَاهَا عَتَقَت بِلَا سِعَايَة)، لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَد لَهُ، وَلَو عَجَزَت فِي حَيَاتِهِ لَا تُرَدُّ قِنَّة؛ لِأَنَّهَا لَو رُدَّت قِنَّةٌ أُعِيدَت مُكَاتَبَة لِقِيَامِ المُوجِبِ (وَمَنْ استَولَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحَ ثُمَّ مَلَكهَا،
العبد من ملكه ممكن بالبيع بخلاف أم الولد، وهي تجتهد في السعاية (نيلا شرف الحرية) عاجلا، (ومالية أم الولد يعتقدها الذمي)، وكذا المسلمون إلا أبي حنيفة، وكذا يجوز كتابة أم الولد لتعجيل عتقها قبل موت سيدها.
قوله: (وَمَالِيَّةُ أُمِّ الوَلَدِ يَعْتَقِدُهَا الذِّمِّيُّ) هذا جواب إشكال لهما على قول أبي حنيفة في عدم تقوم أم الولد، فقال: (يعتقدها الذمي) حتى يعتقد جواز بيعها؛ (فيترك وما يعتقده)؛ أي مع ما تعتقده، والواو بمعنى مع، وقد بينا الاختلاف في قدر قيمة المدبر وأم الولد.
قوله: (وهذا) القدر (يكفي لوجوب الضمان)؛ لأنه احتبس عندها لمعنى من جهتها فيكون مضمونًا؛ كالقصاص إذا حبس نصيب أحدهما عند القاتل بعفو الآخر، فيلزمه بدله وصار بمنزلة إزالة ملكه بلا بدل؛ فيتضرر به الذمي من إزالة ملكه مجانًا وملكه مخر به؛ فيتضرر الذمي فلا يجوز الضرر، وعلى ذلك فقد يلزم أن يكون مضمونًا في الغصب وليس كذلك عنده؛ لأن مبنى ضمان الغصب على المماثلة قال تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والغصب من الاعتداء، ولا مماثلة بين ما ضمن وبين مالية أم الولد؛ لأنها غير متقومة؛ فلم يجب الضمان كما في غصب المنافع.
قوله: (لقيام الموجب) وهو إسلامها فيلزم الدور فكذلك لا يرد فيه.
стр. 3662
صَارَت أُمَّ وَلَد لَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَد لَهُ، وَلَوِ اسْتَولَدَهَا بِمِلكِ يَمِين ثُمَّ اسْتُحِقَّت ثُمَّ مَلَكَهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَد لَهُ عِنْدَنَا، وَلَهُ فِيهِ قَولَانِ وَهُوَ وَلَدُ المَعْرُورِ. لَهُ: أَنَّهَا عَلِقَت بِرَقِيق فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَد لَهُ كَمَا إِذَا عَلِقت مِنْ الزِّنَا ثُمَّ مَلَكَهَا الزَّانِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الوَلَدِ بِاعْتِبَارِ عُلُوقِ الوَلَدِ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ جُزءُ الأُمِّ فِي تِلكَ الحَالَةِ وَالجُزْءُ لَا يُخَالِفُ الكُلَّ.
وَلَنَا: أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الجُزئِيَّةُ عَلَى مَا ذَكَرنَا مِنْ قَبْلُ، وَالجُزْئِيَّةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ الوَلَدِ الوَاحِدِ إِلَى كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا كَمَلًا، وَقَدْ ثَبَتَ النَّسَبُ فَتَثْبُتُ الجُزئِيَّةُ بِهَذِهِ الوَاسِطَةِ، بِخِلَافِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ فِيهِ لِلوَلَدِ إِلَى الزَّانِي، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ عَلَى الزَّانِي
قوله: (صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)، وبه قال أحمد في رواية.
(وقال الشافعي ﵀: لا تصير أم ولد له)، وبه قال مالك، وكذا لو وطئها بشبهة أو ولدت آخر بغرور ثم اشتراها لا تصير أم ولد له عند مالك على الرواية، وهو قول أحمد.
وعند الشافعي لا تصير أم ولد له من غير تفصيل على الأظهر، وفي التنبيه: في ولد المغرور قولان، وفي الجارية إذا ملكها قولان.
وكذا لو استولد جارية أمته فيها قولان (له)؛ أي للشافعي أنها علقت رقيقة وأمومية الولد باعتبار علوقه حر الأصل؛ لأنه جزء الأم في تلك الحالة فلا يخالف الجزء الكل، فعلى هذا الطريق في الْمَغْرُورِ تصير أم ولد؛ لأنها علقت بِحُرِّ، يؤيده قوله علي السلام: «أيّما أمة ولدت من سيدها» (١) شرط ثبوت حق العتق أن تلد من سيدها، وهذا ولدت من زوجها، وعلى هذا الخلاف النكاح الفاسد والوطء بشبهة.
قوله: (وقد ثبت) أي نسب الولد منهما.
قوله: (بخلاف الزنا)، يعني لو استولدها بالزنا وأقر بذلك ثم ملكها لا تصير أم ولده استحسانًا، وفي القياس تصير أم ولده وهو قول زفر؛ لأنه ولده
стр. 3663
إِذَا مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ جُزؤُهُ حَقِيقَة بِغَيْرِ وَاسِطَة. نَظِيرُهُ مَنْ اشْتَرَى أَخَاهُ مِنْ الزِّنَا لَا يُعتَقُ؛ لِأَنَّهُ يُنسَبُ إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ نِسْبَتِهِ إِلَى الْوَالِدِ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَة.
حقيقة، حتى لو ملكه يعتق عليه فكذا تكون أمه أم ولد.
وجه الاستحسان؛ أن موجب حق العتق صيرورتها منسوبة إليه بواسطة الولد ولم يوجد؛ لأن النسب لا يثبت بالزنا، ولا معتبر بما قاله الخصم من حرية الماء الذي هو في حكم الجزء؛ لأنه لو أعتق ما في بطن جاريته لم يثبت لها حق العتق ولا حقيقته، فلو كان ثبوت العتق باعتبار الاتصال والجزئية لثبت ههنا؛ فعلم بهذا أن معنى قوله ﵇: «أيّما أمة … » الحديث (١)، فيما إذا ولدت من سيدها وهو غير متعرض فيما إذا ولدت من زوجها، ثم صار زوجها سيدها فما حكمها؟ بل حكمها موقوف إلى قيام الدليل، وقد قام الدليل ههنا كما ذكرنا.
وفي الأسرار والإيضاح: والكلام ههنا يرجع إلى معرفة سبب أمومية الولد؛ فهذا حكم شرعي معروف بهذا الاسم وسببه عندنا نسب الولد، وعند الشافعي؛ علوق الولد حرا ولكن يرد على تعليلنا ما ادعى نسب ولد أمَتِهِ فيما إذا زوجها من عبده، فإن نسبه ثابت من عبده ولا يثبت منه وتصير أمة أم ولده، وإن كانت النسبة حقيقة وجوابه ما ذكرنا من المبسوط في قوله: (صارت أم ولد له) (٢).
وفي المبسوط (٣): لو طلقها زوجها فتزوجت بآخر فولدت منه، ثم اشترى الكل؛ تصير أم ولده ويعتق ولدها، وولدها من غيره يجوز بيعه، ولا يكون بمنزلة أمه خلافًا لزفر، بخلاف الحادث في ملكه من غيره فإنه في حكم أمه.
قوله: (نظيره)؛ أي نظير أم الولد من الزنا (أخاه من الزنا) حيث لا يعتق عليه؛ لعدم انتسابه إلى أبيه حتى لو كان الأخ لأم عتق عليه، كذا وجدت في بعض النسخ كذا ذكره الإمام الحاوي.
стр. 3664
(وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَجَاءَت بِوَلَد فَادَّعَاهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَصَارَت أُمَّ وَلَد لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْرُهَا وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا) وَقَدْ ذَكَرنَا المَسأَلَةَ بِدَلَائِلِهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ، وَإِنَّمَا لَا يَضمَنُ قِيمَةَ الوَلَدِ، لِأَنَّهُ الْعَلَقَ حُرَّ الأَصلِ لاستناد الملكِ إِلَى مَا قَبْلَ الاستيلاد.
(وَإِنْ وَطِئَ أَبُو الأَبِ مَعَ بَقَاءِ الأَبِ لَم يَثْبُتُ النَّسَبُ)؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلجَدِّ حَالَ قِيَامِ الأَبِ (وَلَو كَانَ الأَبُ مَيْتًا ثَبَتَ مِنْ الجَدِّ كَمَا يَثْبُتُ مِنْ الأَبِ)؛ لِظُهُورِ وِلَايَتِهِ عِنْدَ فَقَدِ الأَبِ، وَكُفْرُ الأَبِ وَرِقْهُ بِمَنزِلَةِ مَوتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلوِلَايَةِ (وَإِذَا كَانَتْ
قوله: (وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ … ) إلى قوله: (في كتاب النكاح من هذا الكتاب) وللشافعي فيه قولان: أحدهما: تصير أم ولده ويلزمه قيمتها ومهرها. والآخر؛ لا تصير أم ولده ويلزمه مهرها دون قيمتها؛ لأنه لم يتملكها، وبه قال أحمد، قال مالك: يملكها بالقيمة حملت منه أو لا.
قوله: (وكفر الأب)؛ أي كفر الأب (ورقه بمنزلة الموت) وكذا جنونه لعدم ولايته، ولو ادعاه الأب وهو مرتد فهي موقوفة عند أبي حنيفة وعندها صحيحة، وهي فرع تصرفات المرتد؛ لأنه تملكها بالقيمة فكانت مبادلة وهي موقوفة عنده خلافا لهما.
وكان ينبغي أن يتوقف عندهما أيضًا؛ لأن تصرفه في مال ولده موقوف عندهما أيضًا، لكنها تضمنت التصرف في مال نفسه لا يتوقف لا سيما في النسب؛ لأنه يحتاط في إثباته فينفذ ولم يتوقف.
ولو كان الأب معتوها صحت دعوة الجد، ولو ادعى المعتوه بعد إفاقته، وقد جاءت لأقل من ستة أشهر من إفاقته؛ لا يصح في القياس لانعدام ولايته عند العلوق، وفي الاستحسان يصح؛ لأن العته لا يبطل الحق والولاية بل تعجزه عن العمل.
ونظيره؛ إذا غاب الأقرب تثبت ولاية الإنكاح للأبعد مع بقائها للأقرب، ولا يصح، ولا مدبرة الابن وأم ولده لأنهما لا يملكان بالقيمة، ولو جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء لا يثبت نسبه منه؛ لأن العلوق كان في زمن
стр. 3665
الجَارِيَةُ بَينَ شَرِيكَينِ فَجَاءَت بِوَلَد فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسُبُهُ مِنهُ)، لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي نِصفِهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلكَهُ، ثَبَتَ فِي البَاقِي ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِمَا أَنَّ سَبَبَهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ العُلُوقُ إذ الوَلَدُ الوَاحِدُ لَا يَنعَلِقُ مِنْ مَاعَينِ.
(وَصَارَت أُمَّ وَلَد لَهُ)؛ لِأَنَّ الاستيلادَ لَا يَتَجَزَّأُ عِندَهُمَا (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَد لَهُ، ثُمَّ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ) إذ هُوَ قَابِلٌ لِلمِلكِ (وَيَضمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا)؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ لَمَّا اسْتَكمَلَ الاستِيلَادَ وَيَضمَنُ نِصْفَ عُقْرِهَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَة مُشْتَرَكَة، إذ المِلكُ يَثْبُتُ حُكمًا للاستيلادِ فَيَتَعَقَّبُهُ المِلكُ فِي نَصِيبٍ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ الأَبِ إِذَا اسْتَولَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ، لِأَنَّ المِلكَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ شَرحًا للاستيلادِ فَيَتَقَدَّمُهُ
لا ولاية للجد في الاستيلاد.
وفي المنافع: يشترط أن تكون الجارية في ملك الابن من وقت العلوق إلى وقت الدعوة، وأن يكون الأب صاحب ولاية بأن لا يكون كافرًا ثم أسلم، ولا عبدا ثم عتق كما قلنا في الجد.
قوله: (فادعاه أحدهما)، سواء ادّعى في صحته أو في مرضه.
قوله: (ضرورة أنه) أي النسب لا يتجزأ، ولأن باعتبار ملكه يثبت النسب وباعتبار ملك شريكه يمنع ثبوته فتغلب المثبت للنَّسَبِ احتياطا. ألا ترى أنه يسقط عنه الحد بهذا الطريق، ويجب العقر؛ فكذا يثبت النسب منه بالدعوة، ويضمن نصف قيمتها لشريكه.
قوله: (فيتعقبه الملك في نصيب صاحبه)، وفي بعض النسخ: (فيعقبه)، والأول أصح هذا اختيار بعض المشايخ، أما الأصح أن الحكم مع علته يقترنان لما عرف في أصول الفقه، ويمكن أن يؤوّل بعقبه؛ بحسب الطبع والاعتبار ولا يحسب الزمان.
قوله: (فيتقدمه)؛ أي يتقدم الملك الاستيلاد.
فإن قيل: الملك يثبت ضرورة الاستيلاد؛ فيثبت سابقًا على العلوق في حق الاستيلاد لا في حق غيره؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها.
стр. 3666
فَصَارَ وَاطِئًا مِلكَ نَفْسِهِ (وَلَا يَعْرَمُ قِيمَةَ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقتِ العُلُوقِ، فَلَم يَتَعَلَّق شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مِلكِ الشَّرِيكِ.
وَ (إِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا) مَعْنَاهُ: إِذَا حَمَلَتْ عَلَى مِلْكِهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُرْجَعُ إِلَى قَولِ القَافَةِ؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ النَّسَبِ مِنْ شَخَصَينِ - مَعَ عِلمِنَا أَنَّ الوَلَدَ لَا يَتَخَلَّقُ مِنْ مَاءَينِ - مُتَعَذِّرٌ فَعَمِلَنَا بِالشَّبَهِ، وَقَدْ سُرَّ رَسُولُ
قلنا: الاستيلاد عبارة عن جميع الفعل الذي يحصل به الولد؛ فلم يعتبر تعدد الفعل مع اتحاد المطلوب فيتقدم الملك على حمله الفعل؛ فيقع الوطء في الملك.
قوله: (حملت على ملكهما) قيد به؛ لأنها إذا حملت على ملك أحدهما نكاحا ثم اشتراها هو وآخر؛ فهي أم ولد له؛ لأن نصيبه منها صار أم ولد له، والاستيلاد لا يحتمل التجزيء؛ أي في حق النسب كما مر فيثبت في نصيب شريكه أيضًا، وبقولنا قال الثوري وإسحاق بن راهويه. (وقال الشافعي ﵀: يرجع إلى قول القافة)، وفي بعض النسخ: (إلى قول القائف).
والقافة: جمع القائف كالباعة والحاكة في جمع البائع والحائك، والقائف: هو الذي يتتبع آثار الآباء في الأبناء، من قاف أثره إذا اتبعه، والقيافة في بني مدلج منهم المجزز، وقيل: في بني أسد ومدلج، وقيل: سمي مجززا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا حلق لحيته، وقيل: جزز ناصيته.
وبقول الشافعي قال أحمد، وقال مالك به في الإماء دون الحرائر.
احتج الشافعي بحديث عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ مسرورا تبرق أسارير وجهه: ألم تر أنَّ مجززا المدلجيّ مرَّ على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة، وهما تحت قطيفة قد غطي وجههما ورجلاهما بادية، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض (١)، فلو كان العمل بالشبه باطلا لما سر به رسول الله ﷺ ؛ لأنه ﵇ لا يُسَرُّ إلا بحق.
قوله: (لا يتخلق) أي (من ماءين) محلّين.
стр. 3667
اللَّهِ ﷺ بِقَولِ القَائِفِ فِي أُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
ولَنَا: كِتَابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ - إِلَى شُرَيحِ فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ: لَبَّسَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِمَا، وَلَو بَيَّنَا لَبُيِّنَ لَهُمَا، هُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَهُوَ لِلبَاقِي مِنْهُمَا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَر مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ عَلِيٌّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الاستحقاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ، وَالنَّسَبُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَكِن تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحكَامٌ مُتَجَنِّئَةٌ، فَمَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى التَّجْزِئَةِ، وَمَا لَا يَقْبَلُهَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلَا كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ أَبَا لِلْآخِرِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالآخَرُ ذِمِّيًّا لِوُجُودِ المُرَجِّحِ فِي حَقِّ المُسلِمِ وَهُوَ الإِسْلَامُ وَفِي حَقِّ الْأَبِ وَهُوَ مَا لَهُ مِنْ الحَقِّ فِي نَصِيبِ الابنِ، وَسُرُورُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رُوِيَ؛ لِأَنَّ الكُفَّارَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ ﵁، وَكَانَ قَولُ القَائِفِ مُقْطِعًا لِطَعَنِهِم.
قوله: (وهو)؛ أي الولد للباقي منهما؛ أي من الأبوين حتى إذا مات أحدهما يكون كل ميراث الابن للأب الحي، ولا يكون نصفه لورثة الأب الميت (في سبب الاستحقاق)، وهو الملك تتعلق به أي بالنسب (أحكام متجزئة) كالإرث والنفقة وصدقة الفطر وولاية التصرف في ماله والحضانة، (فما يقبل التجزئة) كالإرث وما لا يقبلها كالنسب وولاية الإنكاح.
(والآخر ذمي)، وعند زفر المسلم والذمي سواء لاستوائهما في الملك، وهو النسب وهو ما له؛ أي المرجح ماله - بفتح اللام؛ أي للأب من حق الملك في نصيب الابن بقوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (١)
قوله: (يطعنون). في الصحاح (٢): طعن بالقول والرمح يطعن بالضم من حد نصر، روي أن [الجاهلية تقدح] (٣) في نسب أسامة بن زيد؛ لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه أبيض كالقطن، وكانوا يعتقدون قول القافة حجة.
стр. 3668
فُسِّرَ بِهِ (وَكَانَتِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا)؛ لِصِحَّةِ دَعوَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ فِي الوَلَدِ، فَيَصِيرُ نَصِيبُهُ مِنهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ تَبَعًا لِوَالِدِهَا (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ العُقْرِ قِصَاصًا بِمَا لَهُ
(فُسِّرَ به)؛ لأنه سبب قطع طعنهم. والعجب من مالك يحتج بحديث مجزز، ومجزز إنما قاله في ابن حرة لا في ابن أمة؛ لأن أم أسامة كانت حرة، ومما يؤيد قولنا؛ قصة العجلاني (١)، وقصة المتلاعنين (٢) حيث لم يعتبر الشبه، وحديث زمعة حيث قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٣) وهو مشهور، وحديث رجل قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال ﵇: «هل لك إبل؟» فقال: نعم، قال: «ما ألوانها»؟ قال: حمر، قال: «فيها من أورق؟»، فقال: إن فيها لورقا، فقال: «ما ترى ذلك من أين جاء بها؟»، قال: من عرق نزعها، قال ﵇: «ولعل هذا عرق نزعه» رواه الجماعة (٤)، ولم يرخص له ﵇ في نفيه لعدم الشبه، فعلم أن الشبه لا يوجب ثبات النسب، ولا عدمه يوجب انتفاءها.
قوله: (وكانت الأمة أم ولد لهما) حتى تخدم لكل واحد يومًا كما كانت قبله، ولو مات أحدهما عتقت ولا ضمان للشريك في تركة الميت بالاتفاق؛ لوجود الرضا منهما بعتقها عند الموت، ولا سعاية عليها في قول أبي حنيفة لعدم التقوّم، وعلى قولهما: تسعى في نصف قيمتها للشريك الحي.
ولو أعتقها أحدهما في حياته عتقت، ولا ضمان على المعتوق للشريك، ولا سعاية في قول أبي حنيفة، وعندهما؛ يضمن المعتق نصف قيمتها إن كان موسرًا، وتسعى هي إن كان معسرًا للتقوم عندهما، كذا في المبسوط (٥).
قوله: (قصاصًا بما له) يعني اللام؛ أي بالدين له، وفائدة وجوب العقر مع
стр. 3669
عَلَى الْآخَرِ، وَيَرِثُ الابنُ مِنْ كُلِّ وَاحِد مِنهُمَا مِيرَاثَ ابْنِ كَامِل)؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمِيرَاثِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ (وَيَرِثَانِ مِنهُ مِيرَاثَ أَبِ وَاحِدٍ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّسَبِ كَمَا إِذَا أَقَامَا البَيِّنَةَ. (وَإِذَا وَطِئَ المَولَى جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ، فَجَاءَت بِوَلَد فَادَّعَاهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ المُكَاتَبُ ثَبَتَ نَسَبُ الوَلَدِ مِنهُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّهُ لَا يُعتَبَرُ تَصدِيقُهُ اعْتِبَارًا بِالأَبِ يَدَّعِي وَلَدَ جَارِيَةِ ابْنِهِ. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ - وَهُوَ
صيرورته قصاصًا فيما يرى أحدهما حقه فيبقى حق الآخر ويتوجه بالمطالبة.
وفي المنافع: فيه فائدة؛ إذ ربما قوم نصيب أحدهما بالدراهم والآخر بالدنانير؛ فيدفع الدراهم ويأخذ الدنانير.
قوله: (ميراث أب واحد)؛ لأن التعدد في الأب حقيقةً محال تفسير كان على السواء؛ لعدم إمكان الترجيح (كما إذا أقام البينة)؛ أي على شيء يصير ذلك الشيء مشتركًا فكذا هذا، وأقاما البينة على ابن مجهول النسب فالحكم هكذا فكذا هنا، ولو كانت الأمة بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر فادعوه جميعًا فهو ابنهم؛ لأن ما زاد على اثنين مساو للاثنين في الاستحقاق.
وقال أبو يوسف: لا يثبت النسب من أكثر من اثنين؛ لأن القياس ينفي ثبوته من اثنين؛ لكنه ترك لأثر عمر ﵁ وما زاد يبقى على الأصل.
وقال محمد: لا يثبت لأكثر من ثلاثة؛ إذ الثلاثة معتادة في الحمل؛ إذ الثلاثة معتادة في الحمل الواحد، وقد جاء عن إبراهيم أنه يثبت النسب من ثلاثة، وعند أبي حنيفة؛ يثبت النسب من المرأتين، وعند أبي يوسف؛ يلحق برجلين دون امرأتين.
وعند محمد؛ يلحق بالآباء ولا يلحق إلا بأم واحدة، ثم لا فرق بين أن يكون الأنصباء متفاوتة، ومتساوية في الجارية في دعوى الولد، وعلى أصل أبي يوسف؛ إذا ادعوا أكثر من ذلك لم يكن بعضهم أولى من بعض ذكره في جوامع الفقه وغيره. قوله: (لا يعتبر تصديقه)، أي تصديق المكاتب؛ بل يثبت بمجرد دعوى المولى كما في الأب يدعي ولد جارية ابنه، والجامع: إن جارية المكاتب كسبت كسب المولى، فكذا جارية الابن كسبت كسب الأب، أو نقول: للمولى في المكاتب ملك الرقبة، وليس للأب على الابن ملك الرقبة ولا ملك اليد بل
стр. 3670
الفَرقُ -: أَنَّ المَولَى لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي أَكسَابِ مُكَاتَبِهِ حَتَّى لَا يَتَمَلَّكَهُ، وَالْأَبُ يَمْلِكُ تَمَلُّكَهُ فَلَا مُعتَبَرَ بِتَصْدِيقِ الاِبنِ. قَالَ: (وَعَلَيْهِ عُقْرُهَا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُهُ الملك؛ لِأَنَّ مَا لَهُ مِنْ الحَقِّ كَاف لِصِحَّةِ الاستيلادِ لَمَا تَذكُرُهُ. (وَقِيمَةُ وَلَدِهَا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المَعْرُورِ، حَيثُ إِنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ كَسَبُ كَسبِهِ فَلَم يَرضَ بِرِقِّهِ فَيَكُونُ حُرًّا بِالقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ (وَلَا تَصِيرُ الجَارِيَةُ أُمَّ وَلَد لَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَا مِلكَ لَهُ فِيهَا حَقِيقَة كَمَا فِي وَلَدِ المَعْرُورِ (وَإِنْ كَذَّبَهُ المَكَاتِبُ فِي النَّسَبِ لَم يَثْبُت)؛ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصدِيقِهِ (فَلَو مَلَكَهُ يَومًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) لِقِيَامِ المُوجِبِ وَزَوَالِ حَقٌّ المُكَاتَبِ إذ هُوَ المَانِعُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
له حق التملك في ماله، وحق الملك أقوى من حق التملك، فلما ثبت للأب نسب جارية ابنه بلا تصديق الابن؛ فلأن يثبت نسب جارية المكاتب بالطريق الأولى.
قوله: (أن المولى لا يملك التصرف)، يعني أنه حجر على نفسه بعقد الكتابة عن التصرف في مال الولد عند الحاجة فلا يحتاج إلى تصديق الولد، ثم عند تصديق المكاتب لا تصير الجارية أم ولد للمولى، أما لو ملكها المولى بعده يومًا من الدهر تصير أم ولده؛ لأنه ملكها وله منها ولد (فلو ملكه)؛ أي الولد على تقدير تكذيب المكاتب.
قوله: (لقيام الموجب) وهو الإقرار بالاستيلاد، والمسألة تجيء في المكاتب بدلائلها إن شاء الله تعالى.
فروع: وفي التكملة: لا يحل للمولى وطء مكاتبته ولو وطئها فعليه عقر.
وفي الإسبِيجابي: لو علقت منه كانت بالخيار؛ إن شاءت عجزت عن نفسها فصارت أم ولد، وإن شاءت مضت على الكتابة وأخذت عقرها.
وفي التنبيه: يلزمه عقرها وإن أحبلها تصير أم ولد، فإن أدّت الكتابة عتقت، وتعتق بموت سيدها أيضًا.
وفي المغني (١): وطء المكاتبة بغير شرط حرام عند الجمهور والأئمة
стр. 3671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأربعة، ولو شرط وطئها فهو باطل أيضا عند الجمهور.
وقال أحمد وابن المسيب: له ذلك عند الشرط ولا حد عليه عند أهل العلم، وعن الحسن والزهري يحد، ولو وطء جارية مكاتبه فعليه عقرها وهو قول الشافعي وأحمد، وقال مالك: لا شيء عليه؛ لأنها ملكه.
قلنا: هو عوض منفعتها فصار كوطء الأجنبي.
وفي المحيط: يجوز إعتاق أم الولد وكتابتها لتعجيل الحرية وكذا تدبيرها؛ لأنها يجتمع لها سببا حرية، وفي غيرها لا يصح تدبيرها؛ لأنه لا يفيد.
وفي جوامع الفقه: استولد مدبرته بطل التدبير ويعتق من جميع المال ولا تسعى في الدين، ولو باع خدمة أم الولد منها جاز وعتقت، كما لو باع رقبة العبد منه هكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف.
وعن ابن سماعة عن أبي يوسف: بيع الخدمة باطل، ولا تعتق بخلاف بيع رقبتها منها حيث تعتق.
وفي الخزانة: لو ولدت جارية منه، وقال: أحلها لي والولد ولدي، صدقه المولى في الإحلال وكذبه في النسب؛ لم يثبت نسبه؛ فإن ملكها يوما ثبت نسبه، وصارت أم ولد له، لو صدقه في الولد ثبت نسبه وصارت أم ولد له وهو عبد لمولاه.
وفي الكافي: أمة بين رجلين قالا في صحتهما: هي أم ولد أحدنا، ثم مات أحدهما يؤمر الحي بالبيان دون الورثة؛ لأنه يخبر بفعل نفسه والورثة بفعل غيرهم، فإن قال الحي: هي أم ولد فهي أم ولده، ويضمن نصف قيمتها ولا يضمن من العقر شيئًا؛ لأنه لو أقر بوطئها بعد ملكها فلعله استولدها بنكاح قبل.
ولو قال: هي أم ولد الميت عتقت؛ صدقته الورثة أو لا؛ لأنه إن صدق فهي حرة وإن كذب فكذلك لإقراره بعتقها بموته، ولا سعاية للحي؛ لأنه يدعي الضمان على الميت، وكذا للورثة لأنهم يدعون عليه الضمان؛ إن كذبوه في إقراره بعتقها بموته ولا سعاية للحي؛ لأنه يدعي الضمان على الميت، وكذا للورثة؛ لأنهم يدعون عليه الضمان إن كذبوه في إقراره، وإن صدقوه فقد أقروا بعدم السعاية، والله علم بالصواب.
стр. 3672
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
كتاب الأيمان
كما قَفَّى العبادات بالنكاح لمناسبة ذكرناها، قَفَّى النكاح الطلاق للمناسبة وأعقبه العتاق؛ لأنه يشارك الطلاق في عامة الأوصاف، ثم قَفَّى العتاق باليمين؛ لمناسبة أن الإكراه والهزل لا يؤثران فيها.
ثم محاسن اليمين؛ تصديق السامع المتكلم في إخباره، وفائدة الكلام في إيقاع الصدق في قلب السامع، إذا لم يقع في قلبه صدقه ضاع إخباره ويصير ملحقًا بنعيق الغراب، ومن محاسنها أيضًا: زينة الكلام بذكر اسم الله تعالى، ومن محاسنها أيضًا: تعظيم اسم الله تعالى أو صفته.
الأيمان جمع يمين ويجمع على أيمن أيضًا، واليمين لغة: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥]، وقال الشماخ وقيل: الحطيئة (١):
رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيِّ يَسْمُو … إِلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدِ … تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ
يريد بها القوة، وفي المغرب (٢): سمي الحلف يمينًا لوجهين:
أحدهما: أن اليمين هو القوة، والحالف يتقوى باليمين بالله تعالى عن الحمل أو المنع فسمي بها.
والثاني: أنهم كانوا يتمسكون بأيمانهم فسمي الحلف يمينًا للزوم اليمين
стр. 3673
قَالَ: (الأَيْمَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْرُب،
فيها، وسمي المحلوف عليه يمينًا أيضًا لتلبسه بها وهي مؤنثة.
وأيمنُ اللهِ: جمع يمين عند الكوفيين وهمزتها قطعية، واختاره الزجاج وابن كيسان وقالوا: إنها حققت همزتها وطرحت في الوصل؛ لكثرة استعمالهم لها، وعند سيبويه: ليست جمعًا والهمزة للوصل؛ إذ الجمع لا يجوز أن يبقى على حرف واحد وخففت كقولهم: م الله.
وقال أبو الحسن: لا يستعمل أيمن الله إلا بالرفع دون النصب والجر ولا يستعمل إلا في القسم.
وأم أيْمَنَ حاضنة رسول الله ﷺ ، وقيل: حاضنة أولاده أيضًا.
وفي الصحاح (١): ربما حذفوا النون من أيمن الله فقالوا: أيم الله وربما بقوا الميم وَحدَها فقالوا: مُ الله، وربما كسروا الميم، وربما قالوا: مُنُ اللهُ ومُنَ اللهَ ومُنِ اللهِ بضمهما وفتحهما وكسرهما.
وفي الخليل: أسماؤها ستة: قسَمٌ ويمين وحلفٌ، وعهد وميثاق وإيلاء.
وفي الشرع: عبارة عن عقد قَوِيَ بها عزم الحالف على الفعل أو الترك، وسمي هذا العقد بها؛ لأن العزيمة تتقوى بها، وسببها: قصد الحالف إظهار صدقه في قلب السامع، وشرطها: كون الحالف حرا عاقلا بالغا، وركنها: اللفظ الذي تنعقد به اليمين، وحكمها: البِرُّ حال بقاء اليمين إذا وجب تحقيق البر، والكفارة عند فوات البر.
قوله: (الأَيْمَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُب)، وفي المغرب (٢): الصواب أن يقول: ثلاث أضرب وإن كانت الرواية محفوظة بالتاء فعلى تأويل الأقسام، ووجه الانحصار: أن اليمين لا تخلو إما إن يكون فيها مؤاخذة أو لا، والثاني اللغو والأول إن كانت المؤاخذة في الدنيا فهي المنعقدة وإن كانت في العقبى فهي الغموس وكذا قيل.
وفي الإيضاح: والأقسام الثلاثة إنما تنافي اليمين بالله تعالى.
стр. 3674
اليَمِينُ الغَمُوسُ، وَيَمِينُ مُنعَقِدَةٌ، وَيَمِينُ لَغْوِ، فَالغَمُوسُ: هُوَ الحَلِفُ … ... … ... … ... .
وفي المبسوط (١): اليمين على نوعين: نوع تعرفه أهل اللغة، وهو ما تقصد به تعظيم المقسم به ويسمون ذلك قسمًا، ونوع لا تعرفه أهل اللغة؛ لكن الفقهاء سموا الشرط والجزاء؛ لما فيها من معنى اليمين وهو المنع أو الإيجاب.
ثم بدأ محمد الكتاب ببيان النوع الأول فقال: الأيمان ثلاثة أقسام، ولم يُرد به عدد الأيمان فإن ذلك أكثر من أن يحصى؛ بل المراد اليمين بالله تعالى: يمين تُكَفّر، ويمين لا تُكَفّر، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله تعالى بها، فالتي تُكفّر: فالحلف على أمر في المستقبل لإيجاد فعل ونفيه، وهذا مشروع أمر الله به في بيعة نصرة الحق وفي المظالم والخصومات.
وهي في وجوب الحفظ أربعة أنواع:
ما يجب فيها البِرُّ، وهو الحلف على فعل طاعة أو امتناع معصية، وذلك فرض عليه وبالحلف يزداد وكادة.
وما لا يجوز حفظها وهو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية.
وما يخيّر فيه بين الحنث والبر والحنث خير من البر فيندب فيه للحنث قال ﵇: «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فليأت بالذي هو خيرٌ» الحديث (٢) وأدنى الأمر الندب.
وما يستوي فيه البر والحنث في الإباحة؛ فيتخيّر بينهما وحفظها أولى؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وحفظ اليمين بعد وجودها بالبر، ومتى حنث في اليمين المعقودة؛ فعليه الكفارة بالنص وإجماع الأمة.
قوله: (اليمين الغموس)، أي: يمين غموس على الصفة لا الإضافة؛ لأن إضافة الموصوف إلى الصفة لا يجوز. وما قيل: قولهم: (يمين الغموس كعلم الطب؛ فإنه لا خلاف لأحد في صحته) غير صحيح؛ لأن الطب ليس بصفة،
стр. 3675
عَلَى أَمر مَاضٍ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ فِيهِ، فَهَذِهِ اليَمِينُ يَأْثَمُ فِيهَا صَاحِبُهَا لِقَولِهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا أَدخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِلَّا التَّوبَةَ وَالاسْتِغْفَارَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: فِيهَا الكَفَّارَةُ، …
والغموس صفة فتكون هذه الإضافة مثله كذا في المغرب (١)، وفيه: سميت غموسًا؛ لانغماس صاحبها في الإثم ثم في النار.
ثم الحلف بغير الله تعالى كالطلاق والعتاق مكروه عند البعض؛ لقوله ﵇: «من كان حالفًا … » الحديث (٢)، ولأن في اليمين تعظيم المقسم به ولا يجوز لغيره تعالى، وعند عامة العلماء لا يُكره؛ لأنه يحصل بها الوثيقة في الناس؛ فتمس الحاجة إلى الوثيقة بالطلاق وغيره.
وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه حلف بالطلاق عند النبي ﵇، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ ولو كان مكروها لأنكر عليه، وما رووا محمول على الحلف به لا على الوثيقة، أو على الحلف به في الماضي، وهذا معنى مكروه لا يحصل به معنى الوثيقة.
قوله: (على أمر ماض) ذكر الماضي ليس على الشرط؛ فإن اليمين الغموس يكون في الحال أيضًا كما لو حلف: والله ما لهذا عليَّ دَيْن، وهو يعلم خلافه، أو قوله: والله إنه عمر وهو يعلم أنه زيد ذكره في الإيضاح والتحفة.
وفي المبسوط (٣): الغموس ليست بيمين حقيقة؛ لأنها كبيرة مَحْصَنة، واليمين عقد مشروع والكبيرة ضد المشروع، ولكن سماه يمينا مجازا؛ لأن ارتكاب هذه الكبيرة بصورة اليمين كما سمى النبي ﵇ بيع الحر بيعًا باستعمال صورة البيع.
قوله: (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِلَّا التَّوْبَةَ وَالاسْتِغْفَارَ)، وبه قال أحمد وأكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب، وأبي الحسن ابن أبي الحسن البصري والأوزاعي والثوري والليث، وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الحديث وداود الظاهري.
стр. 3676
لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِرَفِعِ ذَنبِ هَتْكِ حُرمَةَ اسمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِاللَّهِ كَاذِبًا فَأَشْبَهَ المَعقُودَةَ. وَلَنَا:
وقال الشافعي: فيها الكفارة، وبه قال الزهري وعطاء. قال ابن المنذر: ولا نعلم خبرًا يدل على هذا.
(لأنها -أي الكفارة- (شرعت) في المعقودة إذا صارت كاذبة بالحنث الرفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى)؛ فلأن تجب في الغموس وهي كاذبة بالطريق الأولى، ولأنه قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والغموس مكسوبة القلب، وكسب القلب قصده، وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول.
وللجمهور قوله ﵇: «خمس من الكبائر لا كفارة فيها -وعدّ منها- اليمين الفاجرة» (١) رواه أبو الفرج؛ أي الكاذبة مع أن النافي لا يحتاج إلى دليل؛ لأن [الأصل] براءة الذمة.
وقوله ﵇: «من الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس» رواه البخاري (٢) ولو كان فيها كفارة لذكرها، وفي أخواتها لا كفارة بالإجماع.
قوله ﵇ في حديث الحضرمي: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضُ» أخرجه مسلم (٣) وأبو داود والترمذي والنسائي، وقوله ﵇ فيما رواه عمران بن حصين «من حلف على [١/ ٥٤٢] يمين مصبورة كاذبًا فليتبوأ بوجهه مقعده من النَّارِ» (٤) قال الخطابي: المصبورة اللازمة من جهة الحكم رواه أبو داود.
стр. 3677
أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ تَتَأَدَّى بِالصَّومِ، وَيُسْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ … ... … ...
فلو وجبت الكفارة لم تكن جزاءً لها، وما رُوي عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ قال الطالب البينة ولم تكن له بينة فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال (١) ﵇: «بلى ولكن غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله» (٢) كما هو مذهبنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] رتب الكفارة على المعقودة، واليمين الغموس ليست معقودة؛ لاستحالة البر فيها، وإنما يعقدها للبر فقارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد، ووجه التمسك مع السنة وجواباتها مذكورة في الأصول.
ولأنه تعالى أمر بحفظ الأيمان بعد ما شرع الكفارة فيها بقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والأمر بالحفظ إنما يتصور في المعقودة فدل على أنها خارجة عن الآية، ولأنها (كبيرة محضة) فلا تجب فيها الكفارة كسائر الكبائر.
وهذا لأن المشروعات ثلاثة أنواع: عبادة محضة وسببها محظور محض، وكفارات مترددة بين العبادة والعقوبة؛ ألا ترى أن (الكفارة تتأدى بالصوم) وهو عبادة محضة، وشرط لها النية كسائر العبادات، وهي لا تشترط في العقوبات ويفتي بها ويثاب عليها وكان سببها مترددًا بين الحظر والإباحة وذا في المعقودة؛ لأنها باعتبار تعظيم حرمة اسم الله تعالى مباح، وباعتبار هتك هذه الحرمة بالحنث محظور.
فأما الغموس فمحظور محض؛ لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى محظور محض فمعه أولى؛ لأنه يروج الكذب باسم الله تعالى، وهو في نهاية الحظر فلا يصلح سببًا للكاره ولا تلزم الطهارة؛ لأنه لا يوجب الكفارة بنفسه؛ لأنه محظور ومحض بل باعتبار ضم العود الذي هو مباح إليه؛ لكونه إمساكًا بالمعروف عند الجمهور، ولا يلزم الإفطار في رمضان؛ لأن الكفارة إنما تجب
стр. 3678
فَلَا تُنَاطُ بِهَا، بِخِلَافِ المَعقُودَةِ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ، وَلَو كَانَ فِيهَا ذَنبٌ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاحْتِيَارٍ مُبْتَدَأً، وَمَا فِي الغَمُوسِ مُلَازِمُ فَيَمْتَنِعُ الإِلْحَاقُ.
(وَالمُنعَقِدَةُ: مَا يَحْلِفُ عَلَى أَمر فِي المُستَقبَلِ أَنْ يَفعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ، وَإِذَا حَنِثَ فِي ذَلِكَ لَزِمَتهُ الكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَهُوَ مَا ذَكَرنَا (وَاليَمِينُ اللَّغْوُ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ، وَالأَمرُ بِخِلَافِهِ، فَهَذِهِ اليَمِينُ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهِ صَاحِبَهَا) وَمِنْ اللَّغْوِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَزَيدٌ وَهُوَ يَظُنُّهُ زَيْدًا وَإِنَّمَا هُوَ عمرو، وَالأَصْلُ فِيهِ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآيَةَ، إِلَّا أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ.
بفعل مباح في نفسه، وهو جماع زوجته وأكل ماله.
والمراد بالمحضة أن لا يكون فيها شبهة إباحة ولا تأويل إباحة، حتى لو زنا في رمضان أو شرب الخمر فذلك حرام في نفسه وحرام لغيره، وهو الصوم فوجب الحد بالأول والكفارة بالثاني، ولا يلزم قتل المحرم صيدا متعمدًا؛ لأن عين الفعل ليست بمحظور محض حتى لو فعله في غير الإحرام والحرم؛ لم يحرم وإنما حرم بإحرامه وبالحرم لا بنفسه.
والمراد بالمؤاخذة: المؤاخذة في الآخرة؛ لأنها هي المطلقة؛ لأنها دار الجزاء، وأما في الدنيا فقد يُؤَاخَذُ المطيعُ ابتلاء، ويُنْعَمُ على العاصي استدراجا، وأما اعتباره بالمعقودة على وجه القياس لما ذكرنا من الفرق، ولا من وجه الدلالة؛ لعدم اشتراكهما في المعنى الموجب.
قوله: (فلا تناط بها)؛ أي: لا تعلق الكفارة بالكبيرة، (ولو كان فيها)؛ أي في المعقودة (ذنب فهو)؛ أي الذنب متأخر متعلق باختيار العبد فلا يمنع انعقاد اليمين.
قوله: (إلا أنه علقه)؛ أي: محمد بالرجاء، وهذا جواب سؤال ذكره في المبسوط (١): فإن قيل: ما معنى تعليق محمد نفي المؤاخذة بالرجاء، وعدم
стр. 3679
للاختلافِ فِي تَفسِيرِهِ.
المؤاخذة في اللغو منصوص، وما عُرف بالنص فهو مقطوع به.
قلنا: نعم؛ لكن صورة تلك اليمين مختلف فيها؛ فعلق بالرجاء نفي المؤاخذة في اللغو بالصورة التي ذكرها، وذلك غير معلوم بالنص مع أنه لم يرد بذلك اللفظ التعليق بالرجاء؛ بل أراد به التعظيم والتبرك بذكر الله تعالى كما روي أنه ﵇ مرَّ بالمقابر فقال: «ديار قوم مؤمنين وإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحقون» (١)، وما ذكر الاستثناء لمعنى الشك فإنه كان يتيقن بالموت قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] الآية، ولكن معنى ذكر الاستثناء ما ذكرنا (للاختلاف في تفسيره).
وما ذكر في الكتاب من تفسير اللغو مروي عن ابن عباس، وبه قال أحمد في رواية، وعن محمد هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله في كلامه وهو مروي عن عائشة موقوفًا (٢) ومرفوعًا (٣)، وعن ابن عباس في رواية.
وبه قال الشافعي وأحمد ومحمد في رواية، وقال الشافعي: كل يمين صدر عن غير قصد في الماضي وفي المستقبل فهو لغو، وبه قال أحمد في رواية.
وعن مالك: أن اللغو هو اليمين الغموس كذا نقل عنه الشافعية.
وفي المبسوط (٤): تأويل ما رَوَتْ عائشة أن اللغو: لا والله … الحديث، فيما يكون خبرا عن الماضي؛ فإن اللغو ما يكون خاليًا عن الفائدة، والخبر في الماضي خالٍ عن فائدة اليمين على ما قررنا فكان لغوًا، أما الخبر في المستقبل بعدم القصد لانعدم فائدة اليمين؛ فكان لغوًا وردّ الشرع بأن الهزل والجد في اليمين سواء.
стр. 3680
قَالَ: (وَالقَاصِدُ فِي اليَمِينِ، وَالمُكرَهِ، وَالنَّاسِي، سَوَاءٌ) حَتَّى تَجِبُ الكَفَّارَةُ لِقَولِهِ ﷺ : «ثَلَاثُ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزِلُهُنَّ جِدُّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَاليَمِينُ» وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي ذَلِكَ، وَسَنُبَيِّنُ فِي الإِكْرَاهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ فَعَلَ المَحلُوفَ عَلَيْهِ مُكرَها أَوْ نَاسِيًا فَهُوَ سَوَاءٌ)، لِأَنَّ الفِعلَ الحَقِيقِيَّ لَا يَنعَدِمُ بِالإِكْرَاءِ
وقال النخعي: لغو اليمين إن كنت ناسيًا على ماض أو مستقبل. وقال الشعبي ومسروق: لغو اليمين أن يحلف على معصية فيتركها فيكون لاغيًا بيمينه. وقال سعيد بن جبير: لغو اليمين أن يحرم على نفسه ما أحل الله له من قول أو عمل.
قوله: (والمكره والناسي)؛ أي: مذهوبا عن التلفظ باليمين ثم ذكر أنه بلفظ اليمين، وفي بعض النسخ: (الخاطئ) مكان الناسي وهو أن يريد أن يسبح فجرى على لسانه اليمين كذا في التقويم.
والشافعي ﵀ يُخالفنا في ذلك أي في المكره والناسي وكذا في الخاطيء فيقول: لا تجب الكفارة فيها؛ لأن الكفارة بستر الذنب ولا ذنب فيها، ولقوله ﵇: «رُفع عن أمتي الخطأُ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١) وقد مر في الطلاق، وبقوله قال مالك وأحمد.
قوله: (ومن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو مكرها فهو سواء)، وبه قال مالك والشافعي في قول وأحمد في رواية، وقال الشافعي في أصحهما وأحمد في رواية: لا يحنث؛ لقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ … » الحديث (٢)، ولأنه لو حلف مكرهًا أو ناسيًا لا ينعقد يمينه ولأن المحلوف عليه إذا وجد على وجه الإكراه؛ لأنه أحد سببي وجوب الكفارة، ولأن الإكراه لو قارن بحكم الكفر لا يتعلق بها حكمها، فكذا إذا قارن سبب الكفارة كالجنون، كذا في شرح الوجيز.
ولنا: قوله ﵇: «ثلاث … » الحديث (٣)، فعلم أن الرضا والقصد