← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِرَفِعِ ذَنبِ هَتْكِ حُرمَةَ اسمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِاللَّهِ كَاذِبًا فَأَشْبَهَ المَعقُودَةَ. وَلَنَا: وقال الشافعي: فيها الكفارة، وبه قال الزهري وعطاء. قال ابن المنذر: ولا نعلم خبرًا يدل على هذا. (لأنها -أي الكفارة- (شرعت) في المعقودة إذا صارت كاذبة بالحنث الرفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى)؛ فلأن تجب في الغموس وهي كاذبة بالطريق الأولى، ولأنه قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والغموس مكسوبة القلب، وكسب القلب قصده، وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. وللجمهور قوله ﵇: «خمس من الكبائر لا كفارة فيها -وعدّ منها- اليمين الفاجرة» (١) رواه أبو الفرج؛ أي الكاذبة مع أن النافي لا يحتاج إلى دليل؛ لأن [الأصل] براءة الذمة. وقوله ﵇: «من الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس» رواه البخاري (٢) ولو كان فيها كفارة لذكرها، وفي أخواتها لا كفارة بالإجماع. قوله ﵇ في حديث الحضرمي: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضُ» أخرجه مسلم (٣) وأبو داود والترمذي والنسائي، وقوله ﵇ فيما رواه عمران بن حصين «من حلف على [١/ ٥٤٢] يمين مصبورة كاذبًا فليتبوأ بوجهه مقعده من النَّارِ» (٤) قال الخطابي: المصبورة اللازمة من جهة الحكم رواه أبو داود.

стр. 3677

أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ تَتَأَدَّى بِالصَّومِ، وَيُسْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ … ... … ... فلو وجبت الكفارة لم تكن جزاءً لها، وما رُوي عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ قال الطالب البينة ولم تكن له بينة فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال (١) ﵇: «بلى ولكن غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله» (٢) كما هو مذهبنا. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] رتب الكفارة على المعقودة، واليمين الغموس ليست معقودة؛ لاستحالة البر فيها، وإنما يعقدها للبر فقارنها ما ينافيها وهو الحنث فلم تنعقد، ووجه التمسك مع السنة وجواباتها مذكورة في الأصول. ولأنه تعالى أمر بحفظ الأيمان بعد ما شرع الكفارة فيها بقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والأمر بالحفظ إنما يتصور في المعقودة فدل على أنها خارجة عن الآية، ولأنها (كبيرة محضة) فلا تجب فيها الكفارة كسائر الكبائر. وهذا لأن المشروعات ثلاثة أنواع: عبادة محضة وسببها محظور محض، وكفارات مترددة بين العبادة والعقوبة؛ ألا ترى أن (الكفارة تتأدى بالصوم) وهو عبادة محضة، وشرط لها النية كسائر العبادات، وهي لا تشترط في العقوبات ويفتي بها ويثاب عليها وكان سببها مترددًا بين الحظر والإباحة وذا في المعقودة؛ لأنها باعتبار تعظيم حرمة اسم الله تعالى مباح، وباعتبار هتك هذه الحرمة بالحنث محظور. فأما الغموس فمحظور محض؛ لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى محظور محض فمعه أولى؛ لأنه يروج الكذب باسم الله تعالى، وهو في نهاية الحظر فلا يصلح سببًا للكاره ولا تلزم الطهارة؛ لأنه لا يوجب الكفارة بنفسه؛ لأنه محظور ومحض بل باعتبار ضم العود الذي هو مباح إليه؛ لكونه إمساكًا بالمعروف عند الجمهور، ولا يلزم الإفطار في رمضان؛ لأن الكفارة إنما تجب

стр. 3678

فَلَا تُنَاطُ بِهَا، بِخِلَافِ المَعقُودَةِ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ، وَلَو كَانَ فِيهَا ذَنبٌ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاحْتِيَارٍ مُبْتَدَأً، وَمَا فِي الغَمُوسِ مُلَازِمُ فَيَمْتَنِعُ الإِلْحَاقُ. (وَالمُنعَقِدَةُ: مَا يَحْلِفُ عَلَى أَمر فِي المُستَقبَلِ أَنْ يَفعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ، وَإِذَا حَنِثَ فِي ذَلِكَ لَزِمَتهُ الكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَهُوَ مَا ذَكَرنَا (وَاليَمِينُ اللَّغْوُ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ، وَالأَمرُ بِخِلَافِهِ، فَهَذِهِ اليَمِينُ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهِ صَاحِبَهَا) وَمِنْ اللَّغْوِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَزَيدٌ وَهُوَ يَظُنُّهُ زَيْدًا وَإِنَّمَا هُوَ عمرو، وَالأَصْلُ فِيهِ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآيَةَ، إِلَّا أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ. بفعل مباح في نفسه، وهو جماع زوجته وأكل ماله. والمراد بالمحضة أن لا يكون فيها شبهة إباحة ولا تأويل إباحة، حتى لو زنا في رمضان أو شرب الخمر فذلك حرام في نفسه وحرام لغيره، وهو الصوم فوجب الحد بالأول والكفارة بالثاني، ولا يلزم قتل المحرم صيدا متعمدًا؛ لأن عين الفعل ليست بمحظور محض حتى لو فعله في غير الإحرام والحرم؛ لم يحرم وإنما حرم بإحرامه وبالحرم لا بنفسه. والمراد بالمؤاخذة: المؤاخذة في الآخرة؛ لأنها هي المطلقة؛ لأنها دار الجزاء، وأما في الدنيا فقد يُؤَاخَذُ المطيعُ ابتلاء، ويُنْعَمُ على العاصي استدراجا، وأما اعتباره بالمعقودة على وجه القياس لما ذكرنا من الفرق، ولا من وجه الدلالة؛ لعدم اشتراكهما في المعنى الموجب. قوله: (فلا تناط بها)؛ أي: لا تعلق الكفارة بالكبيرة، (ولو كان فيها)؛ أي في المعقودة (ذنب فهو)؛ أي الذنب متأخر متعلق باختيار العبد فلا يمنع انعقاد اليمين. قوله: (إلا أنه علقه)؛ أي: محمد بالرجاء، وهذا جواب سؤال ذكره في المبسوط (١): فإن قيل: ما معنى تعليق محمد نفي المؤاخذة بالرجاء، وعدم

стр. 3679

للاختلافِ فِي تَفسِيرِهِ. المؤاخذة في اللغو منصوص، وما عُرف بالنص فهو مقطوع به. قلنا: نعم؛ لكن صورة تلك اليمين مختلف فيها؛ فعلق بالرجاء نفي المؤاخذة في اللغو بالصورة التي ذكرها، وذلك غير معلوم بالنص مع أنه لم يرد بذلك اللفظ التعليق بالرجاء؛ بل أراد به التعظيم والتبرك بذكر الله تعالى كما روي أنه ﵇ مرَّ بالمقابر فقال: «ديار قوم مؤمنين وإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحقون» (١)، وما ذكر الاستثناء لمعنى الشك فإنه كان يتيقن بالموت قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] الآية، ولكن معنى ذكر الاستثناء ما ذكرنا (للاختلاف في تفسيره). وما ذكر في الكتاب من تفسير اللغو مروي عن ابن عباس، وبه قال أحمد في رواية، وعن محمد هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله في كلامه وهو مروي عن عائشة موقوفًا (٢) ومرفوعًا (٣)، وعن ابن عباس في رواية. وبه قال الشافعي وأحمد ومحمد في رواية، وقال الشافعي: كل يمين صدر عن غير قصد في الماضي وفي المستقبل فهو لغو، وبه قال أحمد في رواية. وعن مالك: أن اللغو هو اليمين الغموس كذا نقل عنه الشافعية. وفي المبسوط (٤): تأويل ما رَوَتْ عائشة أن اللغو: لا والله … الحديث، فيما يكون خبرا عن الماضي؛ فإن اللغو ما يكون خاليًا عن الفائدة، والخبر في الماضي خالٍ عن فائدة اليمين على ما قررنا فكان لغوًا، أما الخبر في المستقبل بعدم القصد لانعدم فائدة اليمين؛ فكان لغوًا وردّ الشرع بأن الهزل والجد في اليمين سواء.

стр. 3680

قَالَ: (وَالقَاصِدُ فِي اليَمِينِ، وَالمُكرَهِ، وَالنَّاسِي، سَوَاءٌ) حَتَّى تَجِبُ الكَفَّارَةُ لِقَولِهِ ﷺ : «ثَلَاثُ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزِلُهُنَّ جِدُّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَاليَمِينُ» وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي ذَلِكَ، وَسَنُبَيِّنُ فِي الإِكْرَاهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ فَعَلَ المَحلُوفَ عَلَيْهِ مُكرَها أَوْ نَاسِيًا فَهُوَ سَوَاءٌ)، لِأَنَّ الفِعلَ الحَقِيقِيَّ لَا يَنعَدِمُ بِالإِكْرَاءِ وقال النخعي: لغو اليمين إن كنت ناسيًا على ماض أو مستقبل. وقال الشعبي ومسروق: لغو اليمين أن يحلف على معصية فيتركها فيكون لاغيًا بيمينه. وقال سعيد بن جبير: لغو اليمين أن يحرم على نفسه ما أحل الله له من قول أو عمل. قوله: (والمكره والناسي)؛ أي: مذهوبا عن التلفظ باليمين ثم ذكر أنه بلفظ اليمين، وفي بعض النسخ: (الخاطئ) مكان الناسي وهو أن يريد أن يسبح فجرى على لسانه اليمين كذا في التقويم. والشافعي ﵀ يُخالفنا في ذلك أي في المكره والناسي وكذا في الخاطيء فيقول: لا تجب الكفارة فيها؛ لأن الكفارة بستر الذنب ولا ذنب فيها، ولقوله ﵇: «رُفع عن أمتي الخطأُ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١) وقد مر في الطلاق، وبقوله قال مالك وأحمد. قوله: (ومن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو مكرها فهو سواء)، وبه قال مالك والشافعي في قول وأحمد في رواية، وقال الشافعي في أصحهما وأحمد في رواية: لا يحنث؛ لقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ … » الحديث (٢)، ولأنه لو حلف مكرهًا أو ناسيًا لا ينعقد يمينه ولأن المحلوف عليه إذا وجد على وجه الإكراه؛ لأنه أحد سببي وجوب الكفارة، ولأن الإكراه لو قارن بحكم الكفر لا يتعلق بها حكمها، فكذا إذا قارن سبب الكفارة كالجنون، كذا في شرح الوجيز. ولنا: قوله ﵇: «ثلاث … » الحديث (٣)، فعلم أن الرضا والقصد

стр. 3681

وَهُوَ الشَّرطُ، وَكَذَا إِذَا فَعَلَهُ وَهُوَ مَعْمِيٌّ عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ لِتَحَقُّقِ الشَّرطِ حَقِيقَة، وَلَو كَانَتِ الحِكمَةُ رَفَعَ الذَّنبِ، فَالحُكمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِهِ وَهُوَ الجِنثُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الذَّنبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ مَا يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا يَكُونُ يَمِينًا قَالَ: (وَاليَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِاسم آخَرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ ليس بشرط وقد وُجد الفعل المحلوف عليه، وقد مر جواب الحديث في الطلاق، وقياسه على المجنون رد المختلف على المختلف؛ لأن المجنون إذا فعل المحلوف عليه حنث، وقد مر جواب الحديث إذا حلف قبل الجنون. وقوله: (ولو كانت الحكمة … ) إلى آخره؛ جواب سؤال وهو أن يقال: الكفارة لستر الذنب؛ لأنها ستارة كاسمها، ولا ذنب في المجنون إذا أتى المحلوف عليه حال الجنون؛ فأجاب وقال: (فالحكم)؛ أي حكم الكفارة، دائر على دليله الذنب وهو الحنث في اليمين، لا مع حقيقة الذنب كما في الاستبراء فإنه يجب بخلاف الملك؛ لقيامه مقام شغل الرحم، وإن لم يُوجد الشغل حقيقة، كالجارية المشتراة من المرأة والجارية البكر. باب ما يكون يمينا وما لا يكون يمينا لما ذكر أنواع اليمين شرع في بيان ما يحلف به. قوله: (واليمين بالله أو باسم من أسماء الله تعالى)، ثم جميع أسماء الله تعالى في ذلك سواء تعارف الناس الحلف به أو لا وهو الظاهر من مذهب أصحابنا وهو الصحيح، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول؛ لقوله ﵇: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر» (١). والحلف بجميع أسمائه حلف بالله، وما ثبت بالنص أن دلالته لا يراعى فيها العرف، وقال بعض أصحابنا: كل اسم لا يسمى به غير الله؛ كالله والرحمن فهو يمين، وما يسمى غير الله كالحكيم والعليم والقادر؛ فإن أراد به يمينا فهو

стр. 3682

وَالرَّحِيمِ أَوْ بِصِفَة مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا عُرفًا، كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ) لِأَنَّ الحَلِفَ بِهَا مُتَعَارَفٌ، وَمَعنَى اليَمِينِ - وَهُوَ القُوَّةُ - حَاصِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فَصَلُحَ ذِكرُهُ حَامِلًا وَمَانِعًا. قَالَ: (إِلَّا قَولَهُ: «وَعِلمِ اللَّهِ»، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَف. وَلِأَنَّهُ يُذكَرُ وَيُرَادُ بِهِ المَعلُومُ، يمين، وإن لم يُرد به فلا يكون يمينا كذا في الكافي، وبه قال الشافعي في قول. قوله: (أو بصفة من صفاته) أراد بالصفة ههنا خلاف ما أريد في النحو؛ فإن الصفة عند أهل النحو ما يمكن أن يوصف به غيره سواء فيما كان لمسماه جثة أو لا كراكب وجالس ومفهوم ومضمر حيث يقال: رجل راكب ومعنى مفهوم، فعلى هذا لا تكون العزة والجلال صفة عندهم، أما هاهنا فالاسم: عبارة عن لفظ دال على الذات مع صفته كالرحمن والرحيم والعالم، والصفة: عبارة عن المصادر التي تحصل عن وصف الله تعالى بأسماء فاعلها؛ كالرحمة والعزة والعلم. قوله: (لأن الحلف بها)؛ أي: بصفة من صفاته (متعارف). وفي شرح الطحاوي: كل ما تعارفته العرب لا يكون يمينا هذه طريقة الفقهاء، ثم العرب لم تتعارف يمينًا بقوله: وعلم الله ورحمته أو غضب الله وسخطه وكذا القرآن والكلام. وفي المبسوط (١): قال مشايخ العراقيين: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والعزة والجلال والكبرياء يمين، والحف بصفات الفعل؛ كالرحمة والسخط والغضب والرضا لا يكون يمينًا. وقالوا: صفات الذات ما لا يجوز أن يوصف بضده فإنه تعالى يرضى بالإيمان ولا يرضى بالكفر، وقالوا: ذكر صفات الذات والحلف بالله تعالى مشروع دون غيره، وعلى هذا ينبغي أن يكون وعلم الله يمينا؛ لأنه من صفات الذات ولكنهم تركوا هذا القياس؛ لما أن العلم (يذكر ويراد به المعلوم).

стр. 3683

يُقَالُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينَا: أَي مَعْلُومَك (وَلَو قَالَ: وَغَضَبِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ، لَم يَكُنْ حَالِفًا) وَكَذَا وَرَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الحَلِفَ بِهَا غَيْرُ مُتَعَارَف؛ وَلِأَنَّ الرَّحْمَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا وقال الشيخ أبو المعين في تبصرة الأدلة: إن الحلف بالعلم أو الرحمة أو الغضب مشروع إن كان مراده الصفة القائمة بذاته، فعلى هذا القياس كل ما يمكن أن يكون صفة له تعالى؛ فالحلف به يكون يمينا بالنية، ولا يلزم عليه قدرة الله فإنها تذكر ويراد بها المقدور، يقال: انظروا إلى قدرة الله؛ أي: مقدوره؛ لأن ذلك على طريق حذف المضاف؛ أي أثر قدرة الله، وهم يقصدون بهذا الفرق الإشارة إلى مذهبهم أن صفات الفعل غير الله. والمذهب عندنا: أن صفات الله لا هو ولا غيره كلها قديمة، فلا يستقيم الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل، والأصح أن نقول: إن مبنى الأيمان على العُرف؛ فما تعارف الناس الحلف به يكون يمينا وإلا فلا، وهو اختيار مشايخ ما وراء النهر؛ لأن اليمين إنما ينعقد للحمل أو للمنع، وذا إنما يكون بما يعتقد الحالف تعظيمه وكل مؤمن يعتقد تعظيم الله تعالى وصفاته؛ إذ هو معظم بجميع أسمائه وصفاته فصارت حرمة ذاته وصفاته حاملا أو مانعا على ما قصد الحالف نفيًا أو إثباتًا، وهذا إنما يكون إذا كان الحلف به متعارفًا أما إذا لم يكن فلا، والحلف بعلم الله غير متعارف ولم يجعل يمينا؛ ولهذا قال محمد: و (أمانة الله) يمين، ثم سُئِل عن معناه فقال: لا أدري، فكأنه وجد العرب يحلفون بأمانة الله عادة فجعله يمينا، وفيه خلاف الطحاوي. فوجه رواية الأصل: أنه يتعذر الإشارة إلى شيء بعينه أنه أمانة الله، والحلف به متعارف فعلم أنهم يريدون به الصفة، فكأنه قال: والله الأمين. وقال الشافعي: وعلم الله أو وقدرة الله تعالى ونوى به اليمين، أو أطلق فهو يمين ولو قال: أردت به المعلوم أو المقدور لم يكن يمينا، وكذا في: وخلق الله، ورزق الله، لم يكن يمينا بلا نية. وقال مالك: لا ينعقد بصفات الفعل، وبه قال أحمد في رواية؛ لأنه مشترك، ومع الاشتراك لا حرمة له فلا ينعقد اليمين به؛ لأنها تعقد لحرمة اسم الله تعالى. وعن أحمد في القدرة مثل قولنا، والحلف بكلام الله والقرآن لم

стр. 3684

أَثَرُهُ، وَهُوَ المَطَرُ أَوْ الجَنَّةُ وَالغَضَبُ وَالسَّخَطُ يُرَادُ بِهِمَا العُقُوبَةُ (وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَم يَكُنْ حَالِفًا كَالنَّبِيِّ وَالكَعْبَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِف بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَر» (وَكَذَا إِذَا حَلَفَ بِالقُرآنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَف، قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: يكن يمينًا عندنا؛ لأنه غير متعارف، وعند الشافعي يكون يمينًا؛ لأنه من صفاته تعالى، وبه قال مالك وأحمد. قوله: (ومن حلف بغير الله … ) إلى قوله: (أو ليذر). فإن قيل: إنه أقسم بغير ذاته وصفاته، والشمس والليل والضحى هذا كثير في القرآن، قلنا: الله تعالى ولاية الإيجاب والأمر والنهي والتعظيم والتحقير، وله ولاية أن يثبت الحرمة لمن شاء بما شاء، وليس للعبد ذلك؛ بل له أن ينتهي عما نهاه الله تعالى، وقد نهاه عن الحلف بغيره، وما اعتاده الناس من الحلف ب (جان وسرتو) (١)؛ فإن اعتقد أنه حلف، وأن البِرَّ بِه واجب كذا في محاسن الشرائع. وفي التتمة: وقال علي الرازي: أخاف على من قال: بحياتي وحياتك وما أشبه ذلك أنه يَكْفُر، ولولا أن العامة يقولون ولا يعلمونه؛ لقلت إنه شرك؛ لأنه لا يمين إلا بالله فإذا حلف بغير الله فكأنه أشرك معه. قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا، ثم الحلف بالكعبة والنبي والعرش والكرسي وما أشبه ذلك لا ينعقد عند الجمهور، وعن أحمد ينعقد اليمين بالحلف بالنبي ﵇ في رواية؛ لأنه أحد شطري الشهادة فأشبه اسم الله. ولنا ما روي عن عمر ﵁ أنه ﵇ قال: «لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» متفق عليه (٢)، وعن ابن عمر أنه ﵇ قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه الترمذي (٣) وقال حديث حسن، وما قيل: إن قوله ﵇: «أو ليذر» لا يدل على نفي الجواز؛

стр. 3685

وَالنَّبِيِّ وَالقُرآنِ، أَمَّا لَو قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ التَّبَرِّي مِنْهُمَا كُفْرٌ. قَالَ: (وَالحَلِفُ بِحُرُوفِ القَسَمِ، وَحُرُوفُ القَسَمِ: الوَاوُ كَقَولِهِ: وَاللَّهِ، وَالبَاءُ بل يدل على الكراهة كما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيع﴾ [الجمعة: ٩] مرود بالإجماع. قوله: (لأن التَّبَرِّي مِنْهُمَا)؛ أي: من القرآن والنبي (كفر)، وتعليق الكفر بالشرط يمين عندنا وأحمد كما يجيء، وقال الشافعي ومالك: لا ينعقد يمينا؛ لأن اليمين لا ينعقد بغير الله، ولو قال: أنا بريء من المصحف لا يكون يمينا؛ لأن المصحف أوراق، ولو قال: أنا بريء مما في المصحف؛ لأن ما في المصحف قرآن فكأنه قال: أنا بريء من القرآن؛ فإذا علق الكفر بالشرط؛ فكأنه عظم ما في المصحف، وهو ذاته وصفاته؛ فيكون في المعنى الحلف بالله تعالى. وفي المحيط: حلف بالقرآن أو المصحف أو بدين الله تعالى أو بطاعته أو بشرائعه أو بأنبيائه أو بملائكته أو بعرشه أو بكرسيه أو بالكعبة لا يكون يمينا، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من القرآن أو من هذه القبلة أو من صوم رمضان أو من الصلاة أو مما في المصحف؛ فهذا يمين كله، ولو قال: أنا بريء من كلامه في المصحف؛ فهو يمين واحدة، ولو رفع كتابًا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أنا بريء منه إن فعلت كذا فهو يمين، ولو قال: أنا بريء من الحجة التي حججت أو من الصلاة التي صليت؛ فليس بيمين بخلاف ما لو قال: أنا بريء من القرآن الذي تعلمته؛ فإنه يمين، ولو قال: أنا بريء من شهر رمضان وأراد البراءة عن فريضته؛ فهو يمين، ولو أراد البراءة عن آخر لا يكون يمينا، وإن لم يكن له نية لا يكون يمينا. قوله: (بحروف القسم … ) إلى آخره؛ (الواو) كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، (والباء) كقوله بالله والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (والتاء) كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. قال أهل اللسان الأصل فيه الباء وهي من صلة الحلف فكأن الحالف يقول: حلفت أو أقسمت أو آليت بالله، ثم لما كثر الاستعمال وفهم المقصود؛ حذف الفعل ثم الواو ملحق بالباء؛ لما في الإلصاق من معنى الجمع؛ ولهذا لا

стр. 3686

كَقَولِهِ: بِاللَّهِ، وَالتَّاءُ كَقَولِهِ: تَاللَّهِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعهُودٌ فِي الأَيْمَانِ وَمَذْكُورٌ فِي القُرآنِ (وَقَدْ يُضْمَرُ الحَرفُ فَيَكُونُ حَالِفًا، كَقَولِهِ: اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا) لِأَنَّ حَذَفَ الحَرفِ مِنْ عَادَةِ العَرَبِ إِيجَازًا، ثُمَّ قِيلَ: يُنصَبُ لانتِزَاعِ الحَرفِ الخَافِضِ، وَقِيلَ: يُحْفَضُ فَتَكُونُ الكَسَرَةُ دَالَّة عَلَى المَحذُوفِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لِلَّهِ فِي المُختَارِ، لِأَنَّ البَاءَ تُبَدَّلُ بِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١]. أَي آمَنتُم بِهِ. يستعمل مع المضمر والتاء ملحقة بالواو لأنهما من حروف الزوائد، ويبدل بها في نحو تجاه. قوله: (وقد يضمر الحرف … ) إلى قوله: (لأن حذف الحروف … ) إلى آخره، ذكر لفظ الإضمار في الرواية، والحذف في التعليل بطريق المسامحة لما أن بينهما فرقًا؛ فإنَّ المضمر ما يبقى أثره نحو قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. (ثم قيل: ينصب)، وهو مذهب أهل البصرة، (وقيل: يخفض)، وهو مذهب أهل الكوفة هكذا ذكره في المبسوط (١). ولكن تعليله النصب بانتزاع الخافض والجر لدلالة الكسرة عليه غير مستقيم، فعند أهل النحو لما أن انتصابه على أنه مفعول به عند حذف حرف الجر؛ لاتصال فعل أحلف أو أقسم بالمحلوف به إلا إن يؤول قوله: (لانتزاع الخافض؛ أي: بسبب انتزاع الخافض يصل فعل أحلف بالمحلوف به، وكذا الجر لإضمار حرف الجر والعامل يعمل عمله عند الإضمار بخلاف الحذف على ما ذكرنا، إلا أن يؤول ويقول: المراد بالمحذوف المضمر تسامحا. قوله: (وكذا إذا قال: الله في المختار)؛ يعني يكون يمينا؛ (لأن الباء تبدل بها)؛ أي: باللام فإنهما يتعاقبان قال الله تعالى: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١])؛ أي به، قال ابن عباس: دخل آدم الجنة فالله ما غربت الشمس حتى خرج. وفي فتاوى قاضي خان: [لو بالله] (٢) لا أفعل كذا وسكن الهاء أو رفعها أو نصبها يكون يمينا؛ لأنه ذكر اسم الله تعالى، والخطأ في الإعراب لا يمنع صحة

стр. 3687

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ، فَلَيسَ بِحَالِفٍ، وَهُوَ قَولُ مُحَمَّد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِحدَى الرِّوَايَتَينِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (*) -. وَعَنهُ رِوَايَةٌ أُخرَى: أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّ الحَقَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ حَقِيَتُهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ الحَقِّ، وَالحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى، إذ الطَّاعَاتُ حُقُوقُهُ فَيَكُونُ حَلِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ، قَالُوا: وَلَو قَالَ: وَالحَقِّ، يَكُونُ يَمِينًا، وَلَو القسم، لا في عُرف الاستعمال ولا في عُرف الشرع؛ لما روي في حديث ركانة: والله ما أردت (١) بالرفع، ويُروى بالجر، وروي أنه ﵇ قال لابن مسعود: «حلف أبا جهل» بالنصب وعليه الجمهور. وعن القفال من أصحاب الشافعي وأحمد في رواية: ولو قال بالرفع لا يكون يمينا إلا بالنية؛ لأنه لم يأت بالموضوع ولا قصده، ويحتمل ابتداء الكلام ويحتمل اليمين فلا يكون يمينا إلا بالنية، وعليه جمع من أصحاب الشافعي، والصحيح ما ذكرنا أن الخطأ في الإعراب لا يمنع صحة القسم لما ذكرنا. قوله: (وعنه)؛ أي: وعن أبي يوسف في رواية أخرى أنه يمين؛ يعني: إذا أطلق، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وكذا إذا لم ينو العبادات أما إذا نوى العبادات لا يكون يمينا كما قال أبو حنيفة ومحمد وعن أحمد: لا يقبل قوله؛ لأنه اقترن بعرف الاستعمال إلى اليمين؛ فانصرف إلى ما يستحقه لنفسه من العظمة والكبرياء؛ فأشبه قدرة الله فتكون نيته خلاف الظاهر فلا يُعتبر. وقلنا: الحق إذا أضيف به الله تعالى يراد به العبادات عرفا وشرعًا، فقد قيل للنبي ﵇: أن لا تشركوا به شيئًا وتعبدوه، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، والحلف بالطاعات لا يكون يمينا؛ لأنه حَلِفٌ بغير الله بخلاف ما لو قال: (والحقِّ) مُعرَّفًا حيث (يكون يمينا) بالإجماع؛

стр. 3688

قَالَ: حَقًّا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الحَقَّ مِنْ أَسمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُنَكَّرُ يُرَادُ بِهِ تَحقِيقُ الوعد. (وَلَو قَالَ: أُقْسِمُ، أَوْ أُقسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَحلِفُ، أَوْ أَحلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، فَهُوَ حَالِفٌ)؛ (لأن الحق من أسماء الله تعالى) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦] وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١]. قوله: (قال: حقًا لا يكون يمينًا)؛ لأنه منكر، (والمنكر راد به تحقق الوعد)، ومعناه افعل هذا لا محالة فلا يكون يمينًا. وحكي عن الإمام إسماعيل الزاهد الصفار: أنه يكون يمينا؛ لأنه ذكره مطلقا ولم يذكره مضافًا إلى الله تعالى؛ فصار كالحق يكون يمينا، وفي ظاهر الرواية لا يكون يمينا؛ لأن النكرة في أسماء الله لا تتصور؛ إذ النكارة إنما تكون فيما فيه التعدد؛ فبدلالة التنكير عُرف أنه لم يرد به اسم الله تعالى؛ بل أراد تحقيق الوعد فلا يكون يمينا. ولو قال: وجه الله لم يكن يمينًا عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف: يكون يمينا؛ لأن وجه الله ذاته قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]؛ أي ذاته. وله: أنه قد لا يراد به الذات ولا الصفة كقولك: فعلت ذلك ابتغاء وجه الله؛ لا تراد الصفة والا الذات، فإذا استعمل في غيرهما وقع الشك في انعقاد اليمين؛ فلا ينعقد بالشك. قوله: (ولو قال: أُقْسِمُ أو أقسمُ بِاللَّهِ … ) إلى قوله: (فهو حالف)، وكذا لو قال: أعزم أو أعزم بالله. وقال زفر: إذا لم يقل بالله في هذه الفصول لا يكونُ يمينا، وبه قال الشافعي نوى أو لم ينو. وقال مالك: إذا نوى اليمين بقوله: أقسم بالله إلى آخره يكون يمينا وإن أطلق فلا. وعن أحمد؛ إذا لم يقل بالله فهو يمين أيضًا في رواية كمذهبنا سواء نوى اليمين أو لا، وفي رواية: لا بدون ذكر الله.

стр. 3689

لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ مُستَعمَلَةٌ فِي الحَلِفِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لِلحَالِ حَقِيقَة، وَتُسْتَعْمَلُ للاستقبالِ بِقَرِينَة، فَجُعِلَ حَالِفًا فِي الحَالِ، وَالشَّهَادَةُ يَمِينُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا وجه قولهم: إن أقسم يحتمل أن يكون قسمًا باسم الله، ويحتمل أن يكون قسما بغير اسم الله فلا يكون يمينا، وفي أشهد بالله، إذا نوى اليمين يكون يمينا بالإجماع وإن أطلق فكذلك عندنا وزفر وأحمد في رواية، والشافعي في وجه، وفي وجه لا يكون يمينا، وبه قال مالك؛ لاحتمال أن يكون المراد أشهد بوحدانية الله تعالى ثم يبتدئ لأفعلن كذا. وجه الأول: ورود الشرع بالشهادة بمعنى القسم قال تعالى: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ثم قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]. وفي شرح المجمع: وقوله: أشهد بالله يكون يمينا بالاتفاق، وهذا نص في المنظومة وفي إشارات الأسرار: ذكر خلاف زفر فيهما. قوله: (هذه الألفاظ)؛ أي: أقسم وأخواته مستعملة في الحلف، أما الأول؛ فلقوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] وأما الثاني؛ فلقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦٢]، وأما الثالث فلما تلونا من قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ سواء ذكر قوله بالله أو أطلق؛ لأن الحلف في الظاهر يكون بالله؛ إذ هو المعهود المشروع وبغيره مهجور والعزم عبارة عن القصد البليغ الذي ينتهي إليه قصد العازم فكان يمينا؛ لأنه صريح بمعناها. (وهذه الصيغة)؛ أي: صيغة أقسم (للحال حقيقة) عند الفقهاء فكذا في الشرع حتى جعل قولُ المرأة: اختيار نفسي عند التخيير بمنزلة اخترتُ، وكذا قول الموحد: أشهد وقول الشاهد عند القاضي: أشهد للحال (وتستعمل للاستقبال) بقرينة سوف أو السين. فإن قيل: اليمين ما كان حاملًا ومانعًا على فعله أو تركه، وعند ترك البر موجبًا للكفارة فقوله: أقسم لا يكون موجبًا من البر شيئًا بمجرده؛ لأنه لم ينعقد على فعل شيء أو تركه فكيف يكون يمينا؟ ولأن الكفارة ساترة لذنب هتك حرمة اسم الله وليس في (أقسم) مجردًا هتك لحرمة اسم الله؛ فكيف يكون يمينا موجبًا للكفارة؟ ولأن صيغة فعل المضارع كما تكون للحال تكون للاستقبال؛

стр. 3690

نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: (١)] ثُمَّ قَالَ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] وَالحَلِفُ بِاللَّهِ هُوَ المَعهُودُ المَشرُوعُ وَبِغَيْرِهِ مَحظُورٌ فَصُرِفَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قِيلَ: لَا يَحتاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنهَا لِاحْتِمَالِ العِدَّةِ وَاليَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ. (وَلَو قَالَ بِالفَارِسِيَّةِ: سوكند ميخورم بخداي يَكُونُ يَمِينًا)؛ لِأَنَّهُ لِلحَالِ، وَلَو قَالَ: سوكند خورم، قِيلَ: لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَلَو قَالَ: بِالفَارِسِيَّةِ سوكند خورم بِطَلَاقِ زنم لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ. فلا تجب الكفارة بالشك خصوصًا في حق الكفارة؛ فإنها ملحقة بالحدود ولهذا تداخلت. قلنا: قوله: أقسم للحال حقيقة كما قلنا؛ فكان بمنزلة قوله: على يمين أو يمين الله، والإقرار باليمين يمين موجب للكفارة ذكره في الذخيرة والمنتقى؛ لأن اليمين بالله هو المعهود المشروع كما بيّنا فكان إقرارًا بوجوب الكفارة، فإذا كان إقرار بوجوب الكفارة لا يحتاج إلى وجوب البر ابتداء، ولا إلى تصور هتك حرمة اسم الله ولا إلى جعل تلك الصيغة للحال كذا قالوه. ولهذا ولأن المعهود المشروع اليمين قال بعض المشايخ: (لا يحتاج إلى النية)، وقيل: (لا بدَّ منها)؛ أي من النية؛ أي: فيما إذا أطلق أقسم أو غيره عن ذكر الله تعالى ذكره صاحب الإيضاح؛ لاحتمال العدة واليمين بالجر عطفا على الاحتمال يعني: هذه الصيغة وإن كانت مستعملة للتحقيق تستعمل أيضًا للإخبار عن المستقبل؛ فإذا نوى جعله إيجابًا للحال. قوله: (بل لا) يكون شرطًا؛ لأنه وعد. وفي الذخيرة: وقيل سوكند خوده يكون يمينا كما لو قال: مي خودم أو خوردم ولو قال: سوكند خورده إن كان صادقًا يكون يمينا وإن كان كاذبًا فلا شيء عليه، ولو قال: مراسوكند بطلاق لست له شراب خورم فشرب طلقت امرأته، وإن لم يكن حلف ولكن قال: قلتُ لدفع تعرضهم لا يُصدق قضاء، ولو قال: مراسو كند خانه است نخورم وشرب طلقت امرأته؛ لأن الأوهام تنصرف إليه، ولو قال: تخرجي من الدار بغير إذني، فإني قد حلفت بالطلاق فخرجت بغير إذنه لا تطلق؛ لأنه ما أضاف الطلاق إليها.

стр. 3691

قَالَ: (وَكَذَا قَولُهُ: لَعَمرُ اللَّهِ، وَأَيمُ اللَّهِ) لِأَنَّ عَمرَ اللَّهِ بَقَاءُ اللَّهِ، وَأَيمُ اللَّهِ مَعْنَاهُ: أَيمُنُ اللَّهِ وَهُوَ جَمعُ يَمِين، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاللَّهِ وَأَيمُ صِلَةٌ كَالوَاءِ، وَالحَلِفُ بِاللَّفْظَينِ مُتَعَارَفٌ. قوله: (وكذا قوله: لَعَمْرُ اللَّهِ … ). إلى آخره؛ فقد عطف المسألة وهو قوله: (أقسم … ) (١) إلى آخره، وفي المغرب (٢): العمر بالفتح والضم- البقاء إلا أن الفتح غلب في القسم لا يجوز فيه الضم. وفي المبسوط (٣): لعمرو الله يمين باعتبار المعنى، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] والعمر هو البقاء، والبقاء من صفات الذات فكأنه قال: والله الباقي، ولو أطلق لعمرو الله وأيم الله يكون يمينا عندنا وأحمد، وبه قال الشافعي في وجه؛ لاشتهاره في اليمين لغة وعرفًا وشرعًا؛ لما قلنا: إن العمران البقاء، وقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] الآية، وقال النابغة: لعمرو الذي قد زرته حججًا … وما أريق على الأنصابِ من جَسَدِ (٤) وقال الشافعي: في وجه لا يكون يمينا بدون النية؛ لأنه كما يُطلق بمعنى البقاء يُطلق بمعنى العبادات والمفروضات، ولا خلاف فيما إذا نوى يمينا، وكذا لو قال: في أيم الله؛ لأنه جمع يمين فكأنه قال: أيمن الله ولا يعرفه ولا يستعمله إلا خواص الناس؛ فلا يكون يمينا إلا بالنية لعدم اشتهاره. وقلنا: وأيم الله جمع يمين وهو مذهب أهل الكوفة؛ فكان التقدير أيمن الله قسمي وكأنه قال: حلفتُ بالله. وقد روي أنه ﵇ قال: «وأيم الله لخليق بالإمارة» (٥) فكان مشهورًا في اليمين بعرف الاستعمال، وقيل معناه: (والله وايم) صلة؛ أي: من صلات القسم، ولو كان جمع يمين لما سقطت همزته عند الوصل، وجعل في المفصل حذف النون (أيم)، وحذف همزته عند الدرج من التخفيف في القسم؛ ففيه دليل على أن همزته همزة قطع كما هو مذهب الفراء؛ فإنه يزعم أنه جمع يمين

стр. 3692

(وَكَذَا قَولُهُ: «وَعَهْدِ اللَّهِ» «وَمِيثَاقِهِ») لِأَنَّ العَهْدَ يَمِينٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا فسقوطها عند الوصل؛ لأجل التخفيف في القسم. وذهب سيبويه إلى أنها كلمة اشتقت من اليمين ساكنة الأول؛ فاجتلبت الهمزة للنطق بالساكن كما اجتلبت في ابن وأشباهه، فعلى هذا لا تكون الهمزة مخففة في الوصل؛ لأجل القسم كذا في الأقليد. قوله: (وكذا قوله: وعهد الله وميثاقه)؛ أي: إذا أطلق فهو يمين عندنا ومالك وأحمد. وقال الشافعي: لا يكون يمينًا بغير النية؛ لأن العهد والميثاق يحتمل العبادات فلا يكون يمينا بغير النية. وقلنا: غلب الاستعمال العهد في اليمين؛ إذ الحالف عاهد الله أن لا يفعل ذلك الشيء أو يفعله دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، والميثاق بمعنى العهد، وكذا الذمة ولهذا يسمى الذمي معاهدًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية، وكذا الأمانة على هذا الخلاف فعندنا ومالك وأحمد في رواية يمين للعادة الغالبة، وعند الشافعي فُسرت الأمانة بالعبادات، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧١] فلا بد من النية، وقد مرت المسألة. ولو قال: علي عهد الله وأمانته أو ميثاقه ولم تكن له نية؛ فهو يمين عندنا ومالك وأحمد، وعن الشافعي وجهان في وجه يكون يمينا، ولو حلف تكون كفارة واحدة. وحكي عن مالك: يجب عليه بكل لفظ كفارة؛ لأن كل لفظ يمين بنفسه، وهو قياس مذهبنا إذا ذكر بالواو، والله والرحمن والرحيم إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة وهو قول زفر. وعند الشافعي؛ لو قصد بكل لفظ يمينا كما قال مالك، وإلا يكون الجمع بين الألفاظ للتأكيد كما قال: والله الرحمن الرحيم فتجب كفارة واحدة كما

стр. 3693

﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١] وَالمِيثَاقُ عِبَارَةٌ عَنْ العَهْدِ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: «عَلَيَّ نَدْرٌ» أَوْ «نَدْرُ اللَّهِ») لِقَولِهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ نَدْرًا وَلَم يُسَمٌ فَعَلَيْهِ قلنا، الواو للعطف وهو يوجب المغايرة فيتعلق بكل لفظ كفارة. قوله: (وَكَذَا إِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرُ اللَّهِ) هاهنا أربع مسائل: الأولى: أن ينذر نذرًا مطلقًا كما قال في الكتاب وهو يمين. الثانية: أن يقول: الله عليَّ صوم يوم كذا أو عليَّ نذر صوم كذا؛ فعليه الوفاء بما نذر. والثالثة: أن يعلق نذره بشرط كما لو قال: إذا جاء فلان أو شفى الله مريضي؛ فعليَّ نذر صوم كذا، وعلي صوم يوم كذا فعليه الوفاء بما سمى. والرابعة: أن يقول: عليَّ نذر أن لا أفعل كذا فهو ينعقد يمينا، وموجبه موجب اليمين كذا ذكر الإمام بدر الدين خواهر زاده. للشافعي أقوال ثلاثة في هذه المسائل: في قول يمين، وفي قول يخير بين الوفاء بالنذر والكفارة، وبه قال أحمد لعدم إمكان الجمع بينهما، [وفي يجب] (١) الوفاء بما سمى، فعلى هذا في قوله: (علي نذر) كقوله: علي عبادة، فعليه تعيين عبادة يلزم مثلها بالنذر. وعندنا لو قال: علي نذر أو نذر الله إن فعلت كذا؛ فإن نوى به قربة من القرب التي يصح النذر بها؛ لزمه ما نوى وإن لم تكن له نية؛ فعليه كفارة يمين لقوله ﵇: «ومن نذر نذرا … ». الحديث (٢)، أوّل الحديث: «من نذر نذرًا وسمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى» (٣)، وعن عقبة ابن عامر أنه ﵇ قال:

стр. 3694

كَفَّارَةُ يَمِين» (وَإِنْ قَالَ: إِنْ فَعَلتُ كَذَا فَهُوَ يَهُودِيُّ، أَوْ نَصْرَانِيُّ، أَوْ كَافِرٌ، تَكُونُ يَمِينًا)، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّرطَ عَلَمّا عَلَى الكُفْرِ فَقَد اعْتَقَدَهُ وَاجِبَ الامتِنَاعِ، وَقَدْ أَمْكَنَ القَولُ بِوُجُوبِهِ لِغَيْرِهِ بِجَعَلِهِ يَمِينًا … .. «كفارة النذر كفارة اليمين» (١)، وعن عائشة أنها سألت عمن جعل ماله في رتاج (٢) الكعبة إن كلم ذا قرابة له فقالت: يكفره ما يكفر اليمين. والمعنى أن المقصود من ذلك؛ يمنع النفس عن الفعل أو الترك؛ فكان في معنى اليمين فيكون موجبه موجب اليمين، وكذا في المسألة الرابعة وفي المسألة الثانية والثالثة يلزمه الوفاء بما سمى، ولو نوى اليمين مع ذلك فهل يكون يمينا؟ والمسألة بحالها مشهورة في الأصول، وسيجيء بعد إن شاء الله، وكذا لو قال: علي يمين؛ فهو يمين؛ لأن معناه يوجب اليمين. قوله: (وإن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي … ) إلى آخره. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية: لا يكون يمينا؛ لأنه علق بالفعل ما هو معصية كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان ونحوه. ولنا وأحمد ما روي عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الأشياء فقال ﵇: «عليه كفارة يمين» (٣). (ولأنه جعل الشرط علمًا على الكفر … ) إلى آخره، (وقد أمكن القول بوجوبه)؛ أي: بوجوب الامتناع لغيره، والشرط لا يكون واجب الامتناع لذاته علم أن قصده أن يكون واجبًا لغيره، والواجب لغيره لا بد له موجب وليس ذا إلا اليمين بالله تعالى بخلاف قوله: أنا زان وأمثاله؛ لأن حرمة الكفر لا تحتمل السقوط والنسخ، وحرمة هذه ألا تحتملهما؛ فلا يكون حرمتها كحرمة هتك اسم الله تعالى فلم يكن يمينا كما يجيء.

стр. 3695

كَمَا تَقُولُ فِي تَحْرِيمِ الحَلَالِ. وَلَو قَالَ ذَلِكَ لِشَيء عَقَدَ فِعَلَهُ فَهُوَ الغَمُوسُ، وَلَا يَكْفُرُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَقْبَلِ. وَقِيلَ: يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ تَنجِيزُ مَعنَى، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: هُوَ يَهُودِيُّ. وَالصَّحِيحُ، أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ فِيهِمَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ عِندَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالحَلِفِ يَكْفُرُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالكُفْرِ حَيثُ أَقدَمَ عَلَى الفِعلِ وَلَو قَالَ: إِنْ فَعَلتُ كَذَا فَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ، أَوْ سَخَطُ اللَّهِ، فَلَيْسَ بِحَلِف لِأَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالشَّرطِ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَف (وَكَذَا إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلتُ كَذَا فَأَنَا زَانٍ أَوْ سَارِقٌ أَوْ شَارِبُ خَمْر أَوْ آكِلُ رِبا)؛ لِأَنَّ حُرمَةَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ تَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ. قوله: (كما تقول في تحريم الحلال) فإنه يمين عندنا بالنص، وبه قال أحمد. وعند الشافعي لا يكون يمينًا إلا في النساء والجواري. وقال مالك: من حرم على نفسه شيئًا غير امرأته لا يلزمه شيء وليس بيمين ويجيء بعد أيضًا. ثم وجه التشبيه أن معنى اليمين يتحقق في تحريم الحلال بالقصد إلى المنع أو الإيجاب؛ لأن المؤمن يكون ممتنعًا عن تحريم الحلال فإذا جعل ذلك بيمينه علامة فعله عرفنا أنه قصد منع نفسه من ذلك الفعل، فكذا في قوله: هو كافر إن فعل كذا؛ لأن حرمة الكفر تامَّةٌ لازمةٌ كحرمة هَتْكِ اسم الله تعالى، فإذا جعل فعله علامة لذلك كان يمينا كذا في المبسوط (١). قوله: (ولو قال ذلك لشيء عقد فعله؛ يعني ما ذكرنا إذا كان في المستقبل، أما إذا كان في الماضي لشيء عقد فعله فهو الغموس)، ولا يكفّر في المروي عن أبي يوسف اعتبارًا للماضي بالمستقبل؛ وهذا لأنه قصد به اليمين ولم يقصد به تحققه. وقال محمد بن مقاتل: يكفّر؛ (لأنه)؛ أي ذلك القول في الماضي تعليق صورة (تنجيز معنى)؛ لأنه علقه بما هو موجود، والتعليق بشيء كائن تنجيز فكأنه قال: هو كافر. قوله: (لأن حرمة هذه الأشياء تحتمل النسخ والتبديل)، أما الزنا والسرقة

стр. 3696

فَلَم تَكُنْ فِي مَعنَى حُرمَةِ الاِسْمِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَارَف. لا يحتملان النسخ، ولكن ذلك الفعل المقصود بالزنا وذلك العين المقصود بالسرقة بعينه؛ جاز أن يكون حلالا له بوجه النكاح، وملك اليمين؛ فسمى احتمال انقلابهما من الحرمة إلى الحل بالسبب الشرعي نسخا وتبديلًا؛ إذ المراد بالنسخ الرفع، وبالتبديل التغيير، وأما الخمر والزنا فيحتملان النسخ؛ ولهذا كان الخمر حلالا ثم نسخ، والزنا يحتمل النسخ في نفسه وإن لم يرد النسخ في حقه؛ ولهذا كان مباحًا في دار الحرب، ولأنه لا يكون زانيًا أو سارقًا أو شارب خمر بمجرد قوله: (أنا زان أو سارق)، فيما بينه وبين الله تعالى بدون اتصال الفعل بخلاف قوله: أنا يهودي أو نصراني، والأصح في التعليل أن الحلف بهذه الأشياء غير متعارف، ولا خلاف للأئمة الأربعة في هذه المسائل. وفي الذخيرة والحاصل أن كل حرمة مؤبدة؛ إذا كان معلقا بالشرط يكون يمينا في كل حرمة غير مؤبدة؛ فاستحلاله بالشرط معلقًا لا يكون يمينًا. فروع: في المحيط: لو قال: إن فعلت كذا فاشهدوا علي بالنصرانية؛ فهو يمين، ولو قال: إني عبدك أشهدك وأشهد ملائكتك أني لا أدخل دار فلان؛ فليس بيمين، ولو مسلماني نكرده أم خداي را كرحنين كرده أم، قيل: ليس بشيء. قال أبو الليث: إن أراد به الكذب فهو لغو، وإن أراد به أن الذي فعلت؛ لم يكن حقا فهو يمين، ولو قال: هراميدي كه أرخداي دارم نوميدم إن فعلت كذا فهو يمين، ولو قال: خداي يديرفتم أن لا أفعل هذا فهو يمين، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الكتب الأربعة؛ فهو يمين واحدة، ولو قال: أنا بريء من الإنجيل وبريء من التوراة وبريء من الزبور وبريء من الفرقان؛ فهذه أربعة أيمان، وكذا لو قال: بريء من الله وبريء من رسوله والله ورسوله بريئان منه؛ فهو أربعة أيمان، ولو قال: بريء من الله ورسوله فهن واحدة. وفي الجامع: أصل ذلك أنه متى دخل بين اسمين حرف العطف فهو يمينان، ومتى ذكرهما بغير الواو كانت يمين واحدة، ولو قال: والله والرحمن، يكون يمينين إلا أن يُريد تكرار الأول، وروى الحسن عن أبي حنيفة، وبه قال

стр. 3697

فَصِلٌ فِي الكَفَّارَةِ قَالَ: (كَفَّارَةُ اليَمِينِ عِتقُ رَقَبَة، يُجْزِي فِيهَا مَا يُجْزِي فِي الظُّهَارِ، وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، كُلَّ وَاحِد ثَوبًا فَمَا زَادَ، وَأَدْنَاهُ مَا يَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، كَالإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظُّهَارِ) وَالأَصلُ فِيهِ قَوله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآيَةَ، وَكَلِمَةُ «أو» لِلتَّحْيِيرِ، فَكَانَ الوَاجِبُ أَحَدَ الأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ: (فَإِنْ لَم يَقدِر عَلَى أَحَدِ الأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ … ... … ... زفر يكون يمينا واحدة، وإن أدخل الواو بينهما وقد ذكرنا خلاف الشافعي ومالك، ولو قال: والله والله، فهو يمين. ولو قال: والله ووالله، يكون يمينا واحدة استحسانًا، ولو قال: والرحمن إن أراد السورة لا يكون يمينا. وفي المنتقى: لو قال: والله والله، أو قال: والله ثم الله، لا أفعل كذا. أو إن دخلت كذا فهو يمين واحدة استحسانًا، وفي القياس يمينان، وبه نأخذ. وعن أبي يوسف إذا قال: والله لا أكلمك والله لا أكلمك، فهما يمينان. وروى الحسن: إن نوى بالثاني الخبر عن الأول يصدق ديانة، ولو قال: والله لا أكلم فلانًا يومًا، والله لا أكلمه شهرًا، والله لا أكلمه سنة، إن كلمه بعد ساعة؛ فعليه ثلاثة أيمان وإن كلمه بعد يوم؛ فعليه يمينان، وإن كلمه بعد شهر؛ فعليه يمين واحدة وإن كلمه بعد سنة؛ فلا شيء عليه. فصل في الكفارة لما ذكر الموجب شرع في بيان الموجب وهو الكفارة؛ لأنها موجبة عند الحنث فإن اليمين سبب للكفارة عند الحنث بطريق الانقلاب، وقال بعض أصحاب الشافعي: اليمين سبب عند الحنث كملك النصاب عند تمام الحول؛ لأنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهو قريب من مذهبنا، وقال عامة أصحابه: السبب اليمين والحنث جميعا؛ لأنه لو كان مجرد اليمين سببًا لوجبت الكفارة ولو لم يوجد الحنث، ولكن يلزم عليهم أن لا تجوز الكفارة قبل الحنث لعدم السبب قبله؛ ولهذا اختار صاحب الوجيز الأول. الكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تسترها. قوله: (الواجب أحد الأشياء الثلاثة) ويتعين بفعل العبد، وفي هذه المسألة

стр. 3698

صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُخَيَّرُ لِإِطْلَاقِ النَّيِّ. وَلَنَا: قِرَاءَةُ ابْنِ مسعود ﵁ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَهِيَ كَالخَبَرِ المَشْهُورِ بين الأصوليين كلام كثير موضعه الأصول والمذهب ما قلنا، وتفصيل الإعتاق والإطعام قد مضى في كفارة الظهارة. قوله: (وقال الشافعي ﵀ يُخَيَّر) للشافعي قولان: في قول يُخَيَّرُ بين التتابع وعدمه، وبه قال مالك وأحمد في رواية لإطلاق النص، وهو قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفي قول: يشترط التتابع وهو قولنا وظاهر مذهب أحمد. فإن قيل: الشافعي يحمل المطلق على المقيد في حادثة أو حادثتين فكيف لم يحمل ههنا مع ورود القراءتين مطلقًا ومقيدًا؟. قلنا: إنه يقول تعارض ههنا أصلان متعارضان: أحدهما: مقيد بالتفرق وهو صوم المتعة في الحج. والثاني: مقيد بالتتابع وهو صوم كفارة الظهار والقتل فلم يكن إلحاقه بأحدهما؛ إذْ إلحاقه بأحدهما يُوجب ترك العمل بالنص الآخر كالخبر المشهور؛ لأنه يقرأ سماعًا من رسول الله ﷺ ولم تثبت قرآنيته لعدم التواتر فصار كالرواية المشهورة صحت عن رسول الله التقييد بها. وعندنا؛ لا يحمل المطلق على المقيد كما في صدقة الفطر؛ لإمكان العمل بهما وههنا غير ممكن؛ لأنهما في حكم واحد في حادثة واحدة وهو الصوم، وأنه لا يقبل وصفين متضادين في وجوده فإذا ثبت تقيده بالتتابع في تلك القراءة لم يبق مطلقًا ضرورة، بخلاف صدقة الفطر فإنهما وردا في السبب ولا منافاة بين السببين، وأما صوم السبعة؛ لم يجز قبل أيام النحر؛ لأنه لم يشرع قبلها لا لأن التفريق واجب، إليه أشير في المبسوط (١).

стр. 3699

ثُمَّ المَذْكُورُ فِي الكِتَابِ فِي بَيَانِ أَدنَى الكِسْوَةِ مَروِيٌّ عَنْ مُحَمَّد وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ أَدْنَاهُ مَا يَسْتُرُ عَامَّةَ بَدَنِهِ حَتَّى لَا يَجُوزَ السَّرَاوِيلَ، قوله: (ثم المذكور في الكتاب)؛ أي: المبسوط (١) وهو قوله: وأدناه ما يجزئ فيه الصلاة وهو السراويل، وبه قال أحمد، وعن محمد في رواية؛ لا تجوز السراويل للمرأة؛ لأن المعتبر رد العري بقدر ما تجوز به الصلاة، وما زاد عليه فضل للتحمل أو لليد قوة، والسراويل تستر عورة الرجل دون المرأة، ذكره في الذخيرة والمحيط، وبه قال أحمد ومالك. قوله: (ما يستر عامة بدنه)؛ لأن لابسه لا يسمى عريانًا عرفا (حتى لا يجوز السراويل). وفي المحيط: وهو ظاهر الرواية، فعندنا لكل مسكين ثوب، وللمرأة ثوبان درع وخمار؛ إذ ذلك أدنى ما تجوز صلاتها فيه. وقال الشافعي: يُعتبر ما يُطلق عليه اسم الكسوة حتى يجوز قميص أو سراويل أو عمامة أو جبة أو قباء أو مقنعة أو إزار أو رداء أو طيلسان؛ لأن الاسم يقع على جميع ذلك، وله في القلنسوة والخف وجهان. وسبب الاختلاف: إطلاق اسم اللبس وامتناع اسم الكسوة، وعن أبي إسحاق في أجزاء القلنسوة ما روي عن عمران بن حصين سئل عن ذلك فقال: إذا قدم وفد على الأمير فأعطاهم قلنسوة قلنسوة، قيل: قد كساهم، والأظهر المنع فيه وفي الخف. كذا في شرح الوجيز. وعن أبي حنيفة في العمامة: إن كانت سابغة مقدار الإزار السابغ أو يمكن أن يقطع منها قميص جاز والا فلا، وعندنا ومالك وأحمد لا تجوز القلنسوة والخف؛ لأن لابسهما لا يسمى مكتسيًا؛ ولهذا لا تجوز فيهما الصلاة. وقيل: الإزار إنما يجوز إذا كان يتوشح به، وإن كان يستر عورته فقط لا

стр. 3700

وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ لَا بِسَهُ يُسَمَّى عُريَانًا فِي العُرفِ، لَكِنَّ مَا لَا يُجْزِيهِ عَنِ الكِسْوَةِ يُجزيه عَنْ الطَّعَامِ بِاعْتِبَارِ القِيمَةِ. يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالسراويل، وعن ابن عمر لا يجوز أقل من ثلاثة أثواب قميص ومئزر ورداء، وعن أبي موسى الأشعري أنه يجزئ ثوبان، ثم اعتبار الفقر والغنى عند إرادة التكفير عندنا وعند الشافعي عند الحنث حتى لو كان موسرًا عند الحنث ثم أعسر جاز الصوم عندنا وبعكسه لا، وعنده على القلب وقاسه على الحد؛ إذ المعتبر وقت الوجوب للتنصيف بالرق. وقلنا: الصوم خلف عن التكفير بالمال كالتيمم خلف عن الوضوء، ثم المعتبر فيه وقت الأداء كذا هنا، أما حد العبد ليس ببدل عن حد الأحرار؛ فلا يصح قياسه عليه. قوله: (لَكِنَّ مَا لَا يُجْزِيهِ … ) إلى آخره؛ يعني: لو أعطاه ثوبًا لا يجزئه عن الكسوة مثل سراويل أو خف أو نصف ثوب مما يجزئه يجزئه عن الطعام، وإذا بلغت قيمته نصف صاع من بر، وكذا لو أعطى عشرة مساكين ثوبًا واحدًا يُصيب كل مسكين قيمة ثوب؛ لم يجزه من الكسوة؛ لأنه لا يكتسي كل واحد منهم ولكن يجزئه عن الطعام كذا في المبسوط (١) وبقولنا قال مالك وأحمد. بخلاف صدقة الفطر حيث لو أعطى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته نصف صاع من بر لا يجوز عندنا؛ لأن الكسوة والطعام شيئان مختلفان صورة، وهذا ظاهر ومعنى؛ لأن المطلوب من الكسوة في الكفارة رد العري، والمقصود من الطعام رد الجوع فجاز أن يكون أحدهما بدلًا عن الآخر باعتبار القيمة كالدرهم مع الطعام. أما التمر مع البر وإن كانا مختلفين صورة ففي المعنى والمقصود وهو رد الجوع كشيء واحد؛ فباعتبار المقصود لا يجوز أن يكون أحدهما بدلًا عن الآخر.

стр. 3701

(وَإِنْ قَدَّمَ الكَفَّارَةَ عَلَى الحِنْثِ لَم يُجزِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِيهِ بِالمَالِ، لِأَنَّهُ أَدَّاهَا بَعدَ السَّبَبِ وَهُوَ اليَمِينُ، فَأَشبَهَ التَّكْفِيرَ بَعدَ الجَرْحِ. وَلَنَا: أَنَّ الكَفَّارَةَ لِسَترِ ثم في ظاهر الرواية يجزئه عن الطعام بغير نية، وعن أبي يوسف إذا نوى يكون بدلا عن الطعام ويجزئه عنه وإلا لا. وقال زفر: لا يجزئه عن الطعام نوى أو لم ينو ذكره في الذخيرة. وعند الشافعي؛ لا يجوز اعتبار القيمة في الكفارة كما في الزكاة، والمسألة مذكورة في الأصول مع دلائلها. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِيهِ بِالمَالِ)؛ لأن ظاهر مذهبه أن الصوم لا يجوز؛ لأن العبادات البدنية لا تقدم على وقت الأداء، وفي وجه يجوز وهو قوله القديم كسائر الخصال، وبه قال مالك وأحمد؛ لإطلاق الحديث كذا في شرح الوجيز، ولكن يستحب أداؤها بعد الحنث، احتج الشافعي بظاهر قوله ﵇ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها كفر عن يمينك وأتِ الذي هو خيرٌ» متفق عليه (١)، وفي لفظ أبي داود: «ثم آت الذي هو خير» (٢) ذكره في شرح الوجيز والمغني (٣). ولأنه كفر بعد سببه فجاز ككفارة القتل فإنها تجوز قبل الجرح قبل زهوق الروح، وككفارة الظهار؛ فإنها تجوز بعد الظهار قبل العود به كالزكاة فإنها تجوز قبل الحول، أما الصوم عبادة بدنية فلا يقدم على وقته كالصلاة والصوم، ولأنه تعالى قال: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، والفاء للوصل والتعقيب؛ فيقتضي جواز التكفير بعد انعقاد اليمين، ولأنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولنا ما رُوي في حديث عبد الرحمن بن سمرة فإنه ﵇ قال: «لا

стр. 3702

الجِنَايَةِ وَلَا جِنَايَةَ هَاهُنَا، وَلَيْسَت بِسَبَبٍ لِأَنَّهُ مَانِعٌ غَيْرُ مُفضِ، بِخِلَافِ الجَرْحِ لِأَنَّهُ مفض. (ثُمَّ لَا يُستَرَدُّ مِنْ المِسْكِينِ) لِوُقُوعِهِ صَدَقَة. تسأل الإمارة؛ فإنَّك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ ﵀ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها؛ فأُتِ الذي هو خير وكفر عن يمينك» (١). ولا يقال الواو للجمع وثم للترتيب فيدل على الجمع لا على التأخير والتقديم بخلاف ثم؛ لأنه للترتيب؛ لأنه جاء في رواية أخرى: «ثم ليُكَفِّر» فيحمل ما رواه الشافعي على أنه بمعنى الواو، ولأن ثم تجيء بمعنى الواو، قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] وهذا؛ لأن موجب الأمر وجوب التكفير وقبل الحنث لا يجب التكفير بالإجماع، وهذا البحث بتمامه مذكور في الأصول. ولأن الكفارة لستر الجناية ولا جناية قبل الحنث؛ لأن عقد اليمين بدون الحنث ليس بذنب إجماعًا بل هو أمر مشروع؛ لأن فيه تعظيم اسم الله تعالى والمشروع لا يوصف بالذنب فلا يصح التكفير قبل الحنث؛ كالكفارة قبل الجرح والطهارة قبل الحدث؛ فإنه لو توضأ وأحدث بعده لا يجزئه ذلك الوضوء، ذكره في المبسوط (٢). واليمين (ليست بسبب) لوجوب الكفارة؛ لأن أدنى درجات السبب أن يكون مفضيًا إلى الحكم وطريقا له، واليمين مانعة للحنث مُحَرِّمَةٌ له؛ فأنى تكون موجبة لما يجب بعد الحنث بخلاف الجرح؛ لأنه جناية مفض إلى زهوق الروح والتكفير جزاء جنايته وهي في الجرح؛ إذ لا صُنع له في زهوق الروح، وكذا في الظهار؛ لأن نفس الظهار جناية وكذا الزكاة؛ لأنها شكر النعمة المال وهو موجود ومضي الحول تأجيل فيه لا يبقي الوجوب فكيف ينفي تقرر السبب؟ وإنما تضاف الكفارة إلى اليمين؛ لأنها تجب بحنث بعد اليمين كما تضاف

стр. 3703

قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعصِيَة، مِثْلِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ، أَوْ لَا يُكَلِّمَ أَبَاهُ، أَوْ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا، يَنبَغِي أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ) لِقَولِهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين الكفارة إلى الصوم والإحرام بهذا الطريق، لا أن يكونا سببين لوجوب الكفارة؛ لكونهما مانعين عما يجب الكفارة وهو ارتكاب المحظور، والحنث مضمر في النص، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (إذا حلفتم وحنثتم). وبدليل ما قلنا من الحديث والمعني كالفطر في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فأفطر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ؛ لعدم وجوب القضاء عند عدم الإفطار بالإجماع. فإن قيل: يجوز أن يسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل الحول زكاة؛ لوجود السبب وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة كفارة قبل القتل، وإن لم تكن واجبة في هذه الحالة، فكذلك يجوز أن يكون ما يعجله كفارة قبل الحنث؛ فلا يحتاج إلى إثبات إضمار الحنث في جوازها. قلنا: قد بينا أن الكفارة الواجبة بعد الحنث امتنع أن ينتظم ما ليس بواجب؛ لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب وعدم الإيجاب. قوله: (فينبغي أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ) عندنا، ولا يجوز التكفير قبل الحنث كما بينا، وعند الشافعي ومالك وأحمد: يجوز كما بينا، وعن أحمد: إذا حلف على معصية لا ينعقد يمينه ولا تجب عليه الكفارة، وأراد باليمين في قوله: «من حلف على يمين» (١) المقسم عليه؛ لأن اليمين جملتان؛ أحدهما مقسم به والآخر مقسم عليه، فذكر الكل وأراد البعض وأنه شائع. وقيل: هذا إطلاق اسم الحال على المحل؛ لأن المحلوف عليه محل اليمين. وجه التمسك بالحديث: أن ظاهره يقتضي وجوب الحنث إذا لم يكن

стр. 3704

وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنهَا فَلِيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّر عَنْ يَمِينِهِ» وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَاهُ تفويت البِرِّ إِلَى جَابِرٍ وَهُوَ الكَفَّارَةُ وَلَا جَابِرَ لِلمَعْصِيَةِ فِي صِدِّهِ. المحلوف معصية؛ بل يخير المرء فيه بين البر والحنث، ولكن الحنث خير من البر فأولى أن يجب عليه الحنث إذا كان معصية. اعلم أن المحلوف عليه أنواع: منها: أن يحلف على أمر هو فرض كما لو قال: والله لأصلين المفروضات أو لأصومن شهر رمضان أو لأتركنّ الزنا أو شرب الخمر وما شابههما؛ فهذا يجب فيه البر ولا يجوز فيه الحنث؛ لأن المحلوف عليه فرض فتأكد باليمين. ومنها: أن يحلف على معصية كما لو حلف على ترك الصلاة أو الصوم أو القتل وما شابه ذلك؛ فلا يجوز أن يبر فيه؛ بل يحنث كما ذكر من الحديث. ومنها: إذا حلف على شيء، وغيرها خير منها، كما لو حلف على هجران المسلم مثلا؛ فهاهنا يترجح الحنث ويكفّر كما ذكر في الحديث. ومنها: إذا حلف على أمر غيره يساويه كالمعقود على المباحات فههنا يترجح حفظ اليمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ أي عن الحنث، ولأن البر معصية والامتناع عن المعصية واجب وذلك بالحنث لا يقال الحنث معصية أيضًا لظاهر قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾، وفيه هتك حرمة الله تعالى؛ لأنا نقول: الحنث معصية رخصت فيه لما روينا، وما حلف عليه المعاصي غير مرخص فكان حكم المرخص أخف، ولأن فوات -أي جائز - وهو الكفارة كلا فوات حكمًا فيصير باعتباره كأنه على البر، وفي ضد ما قلنا. (لا جابر للمعصية) وهذا معنى قول المصنف: (ولا جابر للمعصية في ضده) والآية محمولة على ما يجب إتمام البر فيه، أو على ما يستوي فيه الحنث يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وقيل: راعوها بالبر؛ لأن حفظ الشيء مراعاته، وهو الصحيح كذا في أحكام القرآن.

стр. 3705

(وَإِذَا حَلَفَ الكَافِرُ ثُمَّ حَنْثَ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَوْ بَعدَ إِسْلَامِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأهل لِليَمِينِ، لِأَنَّهَا تُعقَدُ لِتَعظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ الكُفْرِ لَا يَكُونُ مُعَظَّمًا … ... واليمين في القتل ينبغي أن تكون مؤقتة توقيت معين، أما لو حلف ليقتلن فلانا فإنه يحنث في آخر جزء من حياته. قوله: (فلا حنث عليه)؛ أي: لم تكن عليه كفارة عندنا ومالك، وقال الشافعي وأحمد يلزمه الكفارة بالمال دون الصوم؛ لأنه أهل اليمين؛ لأن اليمين يعقد للبر، وهو أهل البر؛ إذ البر إنما يتحقق ممن يعتقد تعظيم حرمة اسم الله تعالى وهو يعتقد ذلك فكان اعتقاده يحمله على البر. ولهذا يستحلف في الدعاوى والخصومات ولو لم يكن أهلا لما استحلف، وما هو المقصود من التكفير، وهو دفع الهتك ممكن في حقه بإيجاب ما يصح منه إيقاعه وهو الإعتاق؛ لأنه ليس بعبادة وضعًا؛ بل هو إسقاط مالية، وما تضمنه من معنى العبادة يقبل الفضل منه بخلاف الصوم يؤيده ما قال عمر لرسول الله، فقال يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال ﵇: «أَوْفِ بنذرِك» (١). ولنا قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَيْمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فإنه ليس بأهل لليمين؛ لأن المقصود من اليمين البر تعظيمًا لاسم الله تعالى والكافر ليس من أهله؛ لأنه هاتك حرمة اسم الله بإصراره على الكفر والتعظيم مع الهتك لا يجتمعان، والبر لا يتحقق إلا من المعظم وهو هاتك لما عظم، ومتى لم ينعقد يمينه للبر لا يتصور إيفاء البر في حقه بالحلف بخلاف الاستحلاف في الدعاوى والخصومات؛ لأنه أهل لمقصوده وهو النكول أو الإقرار. وليس بأهل للكفارة أيضًا؛ لأنها عبادة؛ لأنها كاسمها ستارة للذنب، وذلك بواسطة ثواب الطاعة والعبادة المؤداة ليكون الإتيان لها ماحيًا للسيئات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ومعنى العقوبة تابع فيها، فكان معنى التكفير بالإعتاق باعتبار معنى العبادة كالتكفير بالصوم،

стр. 3706

وَلَا هُوَ أَهْلُ الكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ. (وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَمْلِكُهُ لَم يَصِر مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ إِنْ اسْتَبَاحَهُ كَفَّارَةُ يَمِينِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الحَلَالِ قَلبُ المَشرُوعِ فَلَا يَنعَقِدُ بِهِ تَصَرُّفٌ مَشرُوعٌ وَهُوَ اليَمِينُ. وَلَنَا: أَنَّ اللَّفظَ يُنبِئُ عَنْ إِثْبَاتِ والكافر ليس بأهل للعبادة والثواب، وهو معنى قول المصنف: (ولا هو أهل الكفارة؛ لأنها عبادة). وأما حديث عمر فقال الطحاوي: النذر إنما يجب إذا كان مما يتقرب إلى الله تعالى، والكافر إذا قال: الله عليَّ صومٌ أو اعتكاف، وهو لو فعل ذلك لم يكن متقربا إلى الله تعالى، وهو في وقت ما أوجبه إنما قصد به إلى ربه الذي كان يعبده من دون الله، وذلك معصية فدخل في قوله ﵇: «لا نذر في معصية الله» (١)، وكان قوله ﵇ لعمر: «أَوْفِ نذرك» (٢) ما كان ذلك واجب عليه، ولكنه قد كان سمح في حال ما نذره أن يفعله وهو معصية فأمره ﵇ أن يفعله الآن على أنه طاعة، فكان ما أمره خلاف ما أوجبه على نفسه. قوله: (شيئا مما يملكه) سواء كان ثوبًا أو طعامًا أو أمةً أو غيرها؛ (لم يصر محرمًا)؛ أي: بعينه أم صار محرمًا للنص؛ ولهذا قال عقيبه: (وعليه إن استباحه)؛ أي: تعامل به معاملة المباح بأن أكل الطعام أو لبس الثوب أو وطئ الجارية كفارة يمين، ومثل هذا يتحقق في جميع اليمين المنعقدة؛ فإن الشيء المباح لا يصير حرامًا بعينه باليمين. قوله: (وقال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: لا كفارة عليه)؛ لأنه ليس بيمين إلا في النساء والجواري، وبه قال مالك؛ لأن تحريم الحلال قلب المشروع فلا ينعقد بلفظ هو قلب المشروع كقلبه، وهو تحليل الحرام، ولأن ذا ليس إلى العبد؛ إذ المحرّم والمحلّل هو الله تعالى فيلغو؛ ولهذا لو اعتقد

стр. 3707

الحُرمَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ إِعْمَالُهُ بِثُبُوتِ الحُرمَةِ لِغَيْرِهِ بِإِثْبَاتِ مُوجِبِ اليَمِينِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا فَعَلَ مِمَّا حَرَّمَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا حَيْثَ وَوَجَبَت الكَفَّارَةُ، وَهُوَ المَعْنَى مِنَ الاسْتِبَاحَةِ المَذْكُورَةِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا ثَبَتَ تَنَاوَلَ كُلَّ جُزء مِنهُ. الحلال الذي ثبت بالدليل القطعي حرامًا يكفر. ولنا قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] أي قدر، وبقولنا قال أحمد. قيل: سبب نزوله أنه ﵇ حرَّم العسل على نفسه (١)، وفي بعض الروايات قال: والله لا أذوقه، وقيل: حرَّم مارية القبطية على نفسه (٢). فوجه التمسك على الأول ظاهر، وكذا على التأويل الثاني وهو الصحيح بدليل قوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] وليس في ترك شرب العسل مرضات أزواجه؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولأن التحريم المضاف إلى الجواري لما ثبت يمينًا فكذا التحريم المضاف إلى سائر المباحات؛ لأن حرمة الحلال سبب اليمين والتنصيص عليه يجعل كالتنصيص على السبب مجازا وهذا؛ لأن لفظه يقتضي ثبوت الحرمة ولم يمكن إثبات الحرمة لعينه؛ لأنه ليس إلى العبد تحريم عينه فتثبت (الحرمة لغيره) كما هو موجب اليمين، فإنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار حَرُم الدخول من حيث إنه حنث، وإن كان الدخول مباحًا في نفسه، فإذا قال: حلال الله علي حرام؛ لم يمكن إثبات الحرمة لعينه؛ فصار كناية على قدر ما جعل إليه من التحريم باليمين كي لا يلغو كلامه، وهذا معنى قول المصنف: (وقد أمكن إعماله … ) إلى آخره. وتلزمه الكفارة (إذا فعل مما حرمه قليلًا أو كثيرًا)؛ لأن التحريم إذا ثبت تناول كل جزء منه. فإن قيل: إنه ﵇ حرَّم وحلف أيضًا كما روي في بعض الروايات فكيف يستقيم الاستدلال؟

стр. 3708

(وَلَو قَالَ: «كُلُّ حِلٌّ عَلَيَّ حَرَامٌ» فَهُوَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، إِلَّا أَنْ يَنوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحنَثَ كَمَا فَرَغَ، لِأَنَّهُ بَاشَرَ فِعلا مُبَاحًا وَهُوَ التَّنَفُسُ وَنَحوُهُ، هَذَا قَولُ زَفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَجهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ المَقْصُودَ وَهُوَ البِرُّ لَا يَتَحَصَّلُ مَعَ اعْتِبَارِ العُمُومِ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ يَنصَرِفُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِلعُرفِ، فَإِنَّهُ يُستَعمَلُ فِيمَا يَتَنَاوَلُ عَادَة، وَلَا يَتَنَاوَلُ المَرأَةَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِإِسْقَاطِ اعْتِبَارِ العُمُومِ. وَإِذَا نَوَاهَا كَانَ إِيلَاءٌ وَلَا تُصْرَفُ اليَمِينُ عَنْ المَأكُولِ وَالمَشرُوبِ، وَهَذَا كُلُّهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَمَشَايِخُنَا قَالُوا: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عَنْ غَيْرِ نِيَّة لِغَلَبَةِ الاِسْتِعْمَالِ وَعَلَيْهِ الفَتَوَى، وَكَذَا يَنبَغِي فِي قَولِهِ حَلَالٌ يُروَى حَرَامٌ لِلعُرفِ وَاختَلَفُوا فِي قَولِهِ: «هرجه بدست رَاسَت كيرم بروي حرام» أَنَّهُ هَلْ تُشتَرَطُ النِّيَّةُ؟ وَالأَظهَرُ أَنَّهُ يُجْعَلُ طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ نِيَّة للعرف. قلنا: ظاهر الآية لا تدل عليه، وإنما فيها التحريم فقط؛ فلا يجوز أن يلحق بمطلق الآية ما ليس فيها برواية ضعيفة وخبر واحد. قوله: (وهو التنفس ونحوه) كفتح العينين وفتح الشفتين أو ضمهما وهو قول زفر، وأصله ما إذا حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل من ساعته. (ولا تصرف اليمين)؛ أي: يخرج عن اليمين الطعام والشراب؛ إذ التصديق بالنية يُعتبر فيما فيه تغليظ وهو أن يصير موليًا لا فيما فيه تخفيف، وهو خروج الطعام والشراب. قوله: (وعليه الفتوى)، وفي التتمة وكذا لو قال: حلال الله علي حرام، أو حلال خداي أو حلال ايرد يروي حرام، وله امرأة ينصرف إليها من غير نية (للعرف)، فإن مراد العامة من هذا اللفظ الطلاق. وذكر البزودي في مبسوطه: هكذا قال بعض مشايخ سمرقند ولم يتضح لي عُرف الناس في هذا؛ لأن من لا امرأة له يحلف به كما يحلف ذو الحليلة، ولو كان العرف مستفيضًا في ذلك لما استعمله إلا ذو الحليلة؛ لأنه شيء نص على لفظ التناول باليد؛ فالظاهر أن المراد هو المأكول والمشروب، فالصحيح أن يقيد الجواب في هذا ويقول: إن نوى الطلاق يكون طلاقًا، فأما من غير دلالة

стр. 3709

(وَمَنْ نَذَرَ نَدْرًا مُطلَقًا فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ) لِقَولِهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِمَا سَمَّى». (وَإِنْ عَلَّقَ النَّدْرَ بِشَرط فَوُجِدَ الشَّرط، فَعَلَيهِ الوَفَاءُ بِنَفْسِ النَّدْرِ) لِإِطْلَاقِ الحَدِيثِ، وَلِأَنَّ المُعَلَّقَ بِالشَّرطِ كَالمُنَجَّزِ عِندَهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ رَجَعَ عَنهُ وَقَالَ: إِذَا قَالَ إِنْ فَعَلت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ صَومُ سَنَة أَوْ صَدَقَةُ مَا أَمْلِكُهُ أَجْزَاهُ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِين. وَهُوَ قَولُ مُحَمَّد ﵀، وَيَخْرُجُ عَنْ العُهدَةِ بِالوَفَاءِ بِمَا سَمَّى أيضًا. وَهَذَا إِذَا كَانَ شَرطًا لَا يُرِيدُ كَونَهُ، لِأَنَّ فِيهِ مَعنَى اليَمِينِ، وَهُوَ المَنْعُ وَهُوَ بِظَاهِرِهِ فالاحتياط أن يقف الإنسان فيه ولا يخالف المتقدمين. ولو قال: هرجه بدست جب كيرم؛ لا يكون طلاقًا إلا بالنية؛ لأنه لا عُرف فيه، ولو قال: هرجه بدست كيرم، قيل: لا يكون طلاقًا إلا بالنية، وقيل: لا يشترط النية. وفي التتمة: لو قال: حلال الله علي حرام، أو قال حلال خداي برمن حرام، أو قال: حلال ترد وله امرأة ينصرف إليها من غير نية وعليه الفتوى، وإن لم تكن له امرأة تجب عليه كفارة، ولو كان له امرأتان يقع الطلاق على واحدة، وإليه البيان في الأظهر كقوله: امرأتي طالق، وله امرأتان أو أكثر. قوله: (وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا)؛ أي: عن ذكر الشرط بأن قال: علي صوم شهر أو سنة ولم يعلّقه؛ (فعليه الوفاء به) (كالمنجز عنده)؛ أي: عند الشرط ولم ينجز النذر لم يخرج عنه بالكفارة؛ بل يلزمه الوفاء للحديث فكذا هذا. وبه قال مالك في المشهور عنه، وقال: إن كان النذر في مباح يتخير وفي الطاعة يلزمه الوفاء مكلفا أولا. (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه رجع عنه)؛ أي: عن نفس الوفاء بالنذر إلى التخيير بين الكفارة والوفاء، وحاصله إن علقه بشرط يريد كونه كقوله: إن شفا الله مريضي أو رد غائبي؛ فعليَّ صوم شهر يلزم الوفاء بالنذر، وإن علقه بشرط (لا يريد) كدخول الدار والتكلم مع فلان يتخير، وهكذا روي عن محمد وهو قول الشافعي في الجديد وأحمد، ورواية عن مالك.

стр. 3710

نَذْرٌ، فَيَتَخَيَّرُ وَيَمِيلُ إِلَى أَيِّ الجِهَتَينِ شَاءَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ شَرطًا يُرِيدُ كَونَهُ كَقَولِهِ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي لِانْعِدَامِ مَعنَى اليَمِينِ فِيهِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين. وفي القديم: يتعين الكفارة، ويسمون هذا نذر اللجاج، وعن عبد العزيز ابن خالد الترمذي قال: خرجت حاجا فلما دخلت الكوفة قرأت كتاب النذور والكفارات على أبي حنيفة فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال: قف فإن من رأيي أن أرجع، فلما رجعت من الحج إذا قد توفي فأخبرني الوليد بن أبان أنه رجع قبل موته بسبعة أيام، وبه يفتي إسماعيل الزاهد وشمس الأئمة السرخسي؛ لكثرة البلوى به في هذا الزمان؛ وهذا لأن كلامه نذر بظاهره يمين بمعناه؛ لأنه قصد به المنع عن إيجاد الشرط؛ إذ المرء يمتنع عن التزام هذه الطاعات بالنذر مخافة أن لا يفي به فيميل إلى أي الجهتين بخلاف ما إذا علّق بشرط يريد كونه؛ لأن معنى اليمين غير موجود وهو قصد المنع؛ لأن قصده إظهار الرغبة فيها جعله شرطًا؛ ولهذا قال المصنف: (وهذا التفصيل هو الصحيح)، وفي ظاهر الرواية لا يخرج عن العهدة إلا بما سمى؛ لإطلاق الحديث، ولأن المعلق كالمنجز كما ذكرنا. وقيل: لو كان مخيَّرًا بين الكفارة والوفاء بالنذر يلزم التخيير بين القليل والكثير فيما إذا قال: إن كلمتُ فلانًا فعليَّ صوم سنة فلما خُيّر بين صوم سنة وبين صوم ثلاثة أيام للكفارة يلزم التخيير بين القليل والكثير. قلنا: هذا التخيير جائز؛ لما أن النذر واليمين جنسان مختلفان فكان كتخيير العبد بين أداء الجمعة والظهر إذا أذنه مولاه بالجمعة فيجوز. ذكره في المبسوط (١). قوله: (ومن حلف على يمين)؛ أي شيء محلوف عليه إلى آخره. في المبسوط (٢): حلف على يمين، أو نذر وقال: إن شاء الله متصلا؛ لا حنث عليه، وبه قال أكثر أهل العلم، وقال مالك: يلزمه حكم اليمين والنذر؛

стр. 3711

وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حِنثَ عَلَيْهِ لِقَولِهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَد بَرَّ فِي يَمِينِهِ» إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الاتِّصَالِ، لِأَنَّهُ بَعدَ الفَرَاغِ رُجُوعٌ وَلَا رُجُوعَ فِي اليَمِينِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. لأن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى فلا يتغير بذكره حكم، وللجمهور قوله ﵇: «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فلا حنث عليه» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن. وفي المبسوط عن العبادلة الثلاثة موقوفًا ومرفوعًا: «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فقد استثنى، ومن استثنى؛ فلا حنث عليه ولا كفارة» (١) إلا أن ابن عباس يجوز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقد مر في الطلاق وبين في الأصول. وروي أن محمد بن إسحاق صاحب المغازي كان عند المنصور، وكان يقرأ عنده المغازي وأبو حنيفة ﵀ كان حاضرًا؛ فأراد أن يغري الخليفة فقال: إن هذا الشيخ خالف جدك في الاستثناء المنفصل فقال له: أبَلَغَ من قدرك أن تخالف جدي؟ فقال له أبو حنيفة: إن هذا يريد أن يفسد عليك ملكك؛ لأنه أجاز الاستثناء المنفصل؛ فبارك الله لك في عهودك إذا أتاني الناس يبايعونك ويحلفون ثم يخرجون، ثم يخرجون ويستثنون، ثم يخالفون ولا يخشون فقال: نعم ما قلت؛ فغضب على محمد بن إسحاق وأخرجه من عنده. وفي الصحيح استثناء المنفصل إخراج العهود كلها عن كونها ملزمة، ويبطل حكم التحليل الثابت بالنص بالزواج الثاني عند الطلقات الثلاث؛ لأن المطلق يستثني إذا ندم فلا يحتاج إلى التحليل، قال موسى ﵇: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يُعاتب على ذلك، والوعد من الأنبياء ﵈ كالعهد من غيرهم.

стр. 3712

بَابُ اليَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالسُّكَنَى (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ الكَعْبَةَ أَوْ المَسجِدَ أَوْ البِيعَةَ أَوْ الكَنِيسَةَ، لَم يَحنَتْ لِأَنَّ البَيْتَ مَا أُعِدَّ لِلبَيتُوتَةِ، باب اليمين في الدخول والسكنى لما ذكر أن انعقاد اليمين على فعل أو تركه لزمه بيان الأفعال الواردة عليه اليمين وقدم بيان المسكن الذي يدخل فيه؛ إذ لا بد له من مسكن ثم يتوارد عليه سائر الأفعال من الأكل والشرب وغيرهما، وإليه وقعت الإشارة في قوله: ﴿ … اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠ - ٢١] ثم الدخول، ثم الانفصال من الظاهر إلى الباطن، والخروج على العكس. والسكنى؛ عبارة عن الكون في مكان على سبيل الاستقرار والدوام؛ فإن من جلس في مسجد أو بات فيه لا يعد ساكنا فيه، إليه أشار في الذخيرة. وذكر في المغرب: الأصل أن الألفاظ المستعملة في الأيمان مبنية على العرف عندنا. وقال أحمد: مبنى الأيمان على النية سواء نوى ظاهر اللفظ أو مجازه، خاصا أو عامًا؛ لقوله ﵇: «لكل امرئ ما نوى» (١). وقال الشافعي: مبنية على الحقيقة؛ لأن الحقيقة حقيق بأن تراد. وعند مالك: على معاني كلم القرآن؛ لأنه على أصح اللغات وأفصحها. وقلنا: غرض الحالف ما هو المتعارف فيتقيد بغرضه؛ ألا ترى أن من حلف أن لا يستضيء بالسراج ولا يجلس على البساط فاستضاء بالشمس وجلس على الأرض، لا يحنث وإن سمى في القرآن؛ الشمس سراجا، والأرض بساطا. (البيعة): معبد النصارى و (الكنيسة) معبد اليهود؛ (لأن البيت ما أُعِدَّ للبيتوتة)؛ أي عُرفًا لا حقيقة، ومبنى الأيمان على العرف.

стр. 3713

وَهَذِهِ البِقَاعُ مَا بُنِيَت لَهَا (وَكَذَا إِذَا دَخَلَ دِهِلِيزًا، أَوْ ظُلَّةَ بَابِ الدَّارِ) لِمَا ذَكَرنَا، وَالظُّلَّةُ مَا تَكُونُ عَلَى السِّكَّةِ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ الدِّهلِيزُ بِحَيثُ لَو أُعْلِقَ البَابُ يَبْقَى دَاخِلًا وَهُوَ مُسْقَفٌ يَحنَتْ، وعن أحمد في رواية: يحنث بدخول المسجد وبيت الحمام؛ لأنه تعالى سمى المسجد بيتًا، وقال ﵇: «الحمام بيتُ الشَّياطين» (١)، وقال: ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيتًا عُرفًا. وقلنا: مبنى الأيمان على العُرف يدل على غرض الحالف وقد سمى الله تعالى بيت العنكبوت بيتا، ثم هذا لا يدل على أن مطلق اسم البيت في اليمين تناوله، كذا في المبسوط (٢). فإن قيل: يلزم على هذا ما لو حلف لا يهدم بيتًا؛ فهدم بيت العنكبوت يحنث، ذكره المرغيناني. قلنا: يقيد اللفظ بالمتعارف؛ إذ لم يكن العمل بحقيقته، وفي مسألة الدخول لا يمكن العمل بحقيقته فلا يعتبر، وفي مسألة الهدم يمكن العمل بحقيقته فيعتبر. قوله: وهو أن البيت اسم لما يبات فيه والدهليز والظلة ما بنيا للبيتوتة سواء كان داخل البيت أو خارجه. وفي المغرب (٣): قول الفقهاء ظُلَّة الدار؛ يريدون بها السُّدَّة التي فوق الدار. وعن صاحب الحصر: هي أحد طرفي جذوعها على هذه الدار، وطرفها الآخر على حائط الجار المقابل. وفي الذخيرة، وذكر في الكتاب: ولو دخل ظلة باب لم يحنث، وأراد

стр. 3714

لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ عَادَة (وَإِنْ دَخَلَ صُفَّةٌ حَيْثَ) لِأَنَّهَا تُبنَى لِلبَيتُوتَةِ فِيهَا فِي بَعْضِ الأَوقَاتِ، فَصَارَ كَالشَّتوِيِّ وَالصَّيفِيِّ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَتِ الصُّفَّةُ ذَاتَ حَوَائِطَ أَربَعَةِ، وَهَكَذَا كَانَتْ صِفَافُهُم. وَقِيلَ: الجَوَابُ مُجرى عَلَى إِطْلَاقِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. بالظلة الساباط الذي يكون على باب الدار؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم البيت؛ لأنه لا يبات فيه، وكذا إذا فوقه بناء إلا أن مفتحه إلى الطريق لا يحنث؛ إذا كان عقد يمينه على بيت شخص بعينه؛ لأنه ليس من جملة بيته قبة قال الشافعي. قوله: (لأنه يُبات فيه عادة) قال مشايخنا: إذا أغلق الباب يبقى داخل البيت ويكون مسقفًا يجب أن يحنث؛ لأنه يصلح للبيتوتة وكذا الظلة. وفي المحيط: لو قام على ظلة شارعه أو على كنيف شارع [فإن مفتحهما] (١) إلى الباب حنث، ولو قام في طاق باب الدار أو على أسكفة الباب، والباب بينه وبين الدار لا يحنث، وكل موضع إذا أغلق الباب لا يمكن الخروج يكون من الدار. قوله: (وإن دَخَلَ صُفَةً … ) إلى آخره في الجامع: لو دخل صفة حنث. وفي المبسوط (٢): قال بعض أصحابنا: هذا بناء على عُرف أهل الكوفة؛ لأن صفاتهم ذات حوائط أربع فيكون بيتا؛ لأنه يباتُ فيه، وفي عُرفنا ذات حوائط ثلاثة فلا يكون على هيئته؛ فلا يكون بيتًا فلا يحنث، وبه قال الشافعي. قال شمس الأئمة والأصح عندي أن مراده حقيقة ما نسميه الصفة يبات فيه مسقف إلا أن مدخلها أوسع من مدخل البيوت المعروفة، فكان اسم البيت متناولا لها فيحنث إلا أن ينوي بيتًا غير الصفة فيصدق ديانة؛ لأنه خص العام بيته. قوله: (وهو الصحيح) احترازًا عن تقييد الصفة بعرفهم -يعني الصحيح الإطلاق؛ لوجود البيتوتة في الصفة.

стр. 3715

(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ دَارًا خَرِبَة لَم يَحنَتْ، وَلَو حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، فَدَخَلَهَا بَعدَمَا انْهَدَمَت وَصَارَت صَحْرَاءَ، حَيْثُ) لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلعَرصَةِ عِنْدَ العَرَبِ وَالعَجَمِ، يُقَالُ دَارٌ عَامِرَةٌ، وَدَارٌ غَامِرَةٌ، وَقَدْ شَهِدَت أَشْعَارُ العَرَبِ قوله: (وقد شهدت أشعار العرب)، قال لبيد (١): عفت الديار محلها فمُقَامُهَا … بمنى تأَبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا عفى يعفو لازم ومتعد وهنا لازم. تأبد المنزل: أقفر وألفته الوحوش العول والزحام موضعان. معناه: عفت ديار الأحباب ما كان منها للحلول وما كان منها للإقامة وكانت بمنى وقد توحشت الدار الغولية والرجامية (٢). وقال النابغة (٣): يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانَا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ يخاطب دار هذه المرأة، والسند المكان المرتفع من الأرض من ارتفاع الوادي والجبل ثم أخبر عنها فقال: خلت عن أهلها؛ أي: ذهبوا وطال عليهم ما مضى من مرور الزمان، ثم يقول: وقفت عشية أسائلها عن أهلها أين ذهبوا؟ فلم تقدر على الجواب ولم يكن فيها أحد يُجيبني. الأصيل: الوقت بعد المغرب والجمع أصلان مثل بعير وبعران ثم صُغر فقالوا: أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا: أصيلالا، وقال قائلهم: الدَّارُ دَارٌ وَإِنْ زَالَتْ حَوَائِطُهَا … وَالْبَيْتُ لَيْسَ بِبَيْتِ بَعْدَ تَهْدِيم وقال الشافعي: لا يحنث بعدما انهدمت كما في البيت، وكما إذا جعلها بستانا أو حمامًا. وقال أحمد: حكم الدار والبيت في التعيين سواء فيحنث بدخولهما بعد الانهدام.
следующие страницы →