← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حِنثَ عَلَيْهِ لِقَولِهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَد بَرَّ فِي يَمِينِهِ» إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الاتِّصَالِ، لِأَنَّهُ بَعدَ الفَرَاغِ رُجُوعٌ وَلَا رُجُوعَ فِي اليَمِينِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. لأن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى فلا يتغير بذكره حكم، وللجمهور قوله ﵇: «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فلا حنث عليه» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن. وفي المبسوط عن العبادلة الثلاثة موقوفًا ومرفوعًا: «من حلف على يمين وقال: إن شاء الله فقد استثنى، ومن استثنى؛ فلا حنث عليه ولا كفارة» (١) إلا أن ابن عباس يجوز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقد مر في الطلاق وبين في الأصول. وروي أن محمد بن إسحاق صاحب المغازي كان عند المنصور، وكان يقرأ عنده المغازي وأبو حنيفة ﵀ كان حاضرًا؛ فأراد أن يغري الخليفة فقال: إن هذا الشيخ خالف جدك في الاستثناء المنفصل فقال له: أبَلَغَ من قدرك أن تخالف جدي؟ فقال له أبو حنيفة: إن هذا يريد أن يفسد عليك ملكك؛ لأنه أجاز الاستثناء المنفصل؛ فبارك الله لك في عهودك إذا أتاني الناس يبايعونك ويحلفون ثم يخرجون، ثم يخرجون ويستثنون، ثم يخالفون ولا يخشون فقال: نعم ما قلت؛ فغضب على محمد بن إسحاق وأخرجه من عنده. وفي الصحيح استثناء المنفصل إخراج العهود كلها عن كونها ملزمة، ويبطل حكم التحليل الثابت بالنص بالزواج الثاني عند الطلقات الثلاث؛ لأن المطلق يستثني إذا ندم فلا يحتاج إلى التحليل، قال موسى ﵇: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يُعاتب على ذلك، والوعد من الأنبياء ﵈ كالعهد من غيرهم.

стр. 3712

بَابُ اليَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالسُّكَنَى (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ الكَعْبَةَ أَوْ المَسجِدَ أَوْ البِيعَةَ أَوْ الكَنِيسَةَ، لَم يَحنَتْ لِأَنَّ البَيْتَ مَا أُعِدَّ لِلبَيتُوتَةِ، باب اليمين في الدخول والسكنى لما ذكر أن انعقاد اليمين على فعل أو تركه لزمه بيان الأفعال الواردة عليه اليمين وقدم بيان المسكن الذي يدخل فيه؛ إذ لا بد له من مسكن ثم يتوارد عليه سائر الأفعال من الأكل والشرب وغيرهما، وإليه وقعت الإشارة في قوله: ﴿ … اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠ - ٢١] ثم الدخول، ثم الانفصال من الظاهر إلى الباطن، والخروج على العكس. والسكنى؛ عبارة عن الكون في مكان على سبيل الاستقرار والدوام؛ فإن من جلس في مسجد أو بات فيه لا يعد ساكنا فيه، إليه أشار في الذخيرة. وذكر في المغرب: الأصل أن الألفاظ المستعملة في الأيمان مبنية على العرف عندنا. وقال أحمد: مبنى الأيمان على النية سواء نوى ظاهر اللفظ أو مجازه، خاصا أو عامًا؛ لقوله ﵇: «لكل امرئ ما نوى» (١). وقال الشافعي: مبنية على الحقيقة؛ لأن الحقيقة حقيق بأن تراد. وعند مالك: على معاني كلم القرآن؛ لأنه على أصح اللغات وأفصحها. وقلنا: غرض الحالف ما هو المتعارف فيتقيد بغرضه؛ ألا ترى أن من حلف أن لا يستضيء بالسراج ولا يجلس على البساط فاستضاء بالشمس وجلس على الأرض، لا يحنث وإن سمى في القرآن؛ الشمس سراجا، والأرض بساطا. (البيعة): معبد النصارى و (الكنيسة) معبد اليهود؛ (لأن البيت ما أُعِدَّ للبيتوتة)؛ أي عُرفًا لا حقيقة، ومبنى الأيمان على العرف.

стр. 3713

وَهَذِهِ البِقَاعُ مَا بُنِيَت لَهَا (وَكَذَا إِذَا دَخَلَ دِهِلِيزًا، أَوْ ظُلَّةَ بَابِ الدَّارِ) لِمَا ذَكَرنَا، وَالظُّلَّةُ مَا تَكُونُ عَلَى السِّكَّةِ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ الدِّهلِيزُ بِحَيثُ لَو أُعْلِقَ البَابُ يَبْقَى دَاخِلًا وَهُوَ مُسْقَفٌ يَحنَتْ، وعن أحمد في رواية: يحنث بدخول المسجد وبيت الحمام؛ لأنه تعالى سمى المسجد بيتًا، وقال ﵇: «الحمام بيتُ الشَّياطين» (١)، وقال: ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيتًا عُرفًا. وقلنا: مبنى الأيمان على العُرف يدل على غرض الحالف وقد سمى الله تعالى بيت العنكبوت بيتا، ثم هذا لا يدل على أن مطلق اسم البيت في اليمين تناوله، كذا في المبسوط (٢). فإن قيل: يلزم على هذا ما لو حلف لا يهدم بيتًا؛ فهدم بيت العنكبوت يحنث، ذكره المرغيناني. قلنا: يقيد اللفظ بالمتعارف؛ إذ لم يكن العمل بحقيقته، وفي مسألة الدخول لا يمكن العمل بحقيقته فلا يعتبر، وفي مسألة الهدم يمكن العمل بحقيقته فيعتبر. قوله: وهو أن البيت اسم لما يبات فيه والدهليز والظلة ما بنيا للبيتوتة سواء كان داخل البيت أو خارجه. وفي المغرب (٣): قول الفقهاء ظُلَّة الدار؛ يريدون بها السُّدَّة التي فوق الدار. وعن صاحب الحصر: هي أحد طرفي جذوعها على هذه الدار، وطرفها الآخر على حائط الجار المقابل. وفي الذخيرة، وذكر في الكتاب: ولو دخل ظلة باب لم يحنث، وأراد

стр. 3714

لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ عَادَة (وَإِنْ دَخَلَ صُفَّةٌ حَيْثَ) لِأَنَّهَا تُبنَى لِلبَيتُوتَةِ فِيهَا فِي بَعْضِ الأَوقَاتِ، فَصَارَ كَالشَّتوِيِّ وَالصَّيفِيِّ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَتِ الصُّفَّةُ ذَاتَ حَوَائِطَ أَربَعَةِ، وَهَكَذَا كَانَتْ صِفَافُهُم. وَقِيلَ: الجَوَابُ مُجرى عَلَى إِطْلَاقِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. بالظلة الساباط الذي يكون على باب الدار؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم البيت؛ لأنه لا يبات فيه، وكذا إذا فوقه بناء إلا أن مفتحه إلى الطريق لا يحنث؛ إذا كان عقد يمينه على بيت شخص بعينه؛ لأنه ليس من جملة بيته قبة قال الشافعي. قوله: (لأنه يُبات فيه عادة) قال مشايخنا: إذا أغلق الباب يبقى داخل البيت ويكون مسقفًا يجب أن يحنث؛ لأنه يصلح للبيتوتة وكذا الظلة. وفي المحيط: لو قام على ظلة شارعه أو على كنيف شارع [فإن مفتحهما] (١) إلى الباب حنث، ولو قام في طاق باب الدار أو على أسكفة الباب، والباب بينه وبين الدار لا يحنث، وكل موضع إذا أغلق الباب لا يمكن الخروج يكون من الدار. قوله: (وإن دَخَلَ صُفَةً … ) إلى آخره في الجامع: لو دخل صفة حنث. وفي المبسوط (٢): قال بعض أصحابنا: هذا بناء على عُرف أهل الكوفة؛ لأن صفاتهم ذات حوائط أربع فيكون بيتا؛ لأنه يباتُ فيه، وفي عُرفنا ذات حوائط ثلاثة فلا يكون على هيئته؛ فلا يكون بيتًا فلا يحنث، وبه قال الشافعي. قال شمس الأئمة والأصح عندي أن مراده حقيقة ما نسميه الصفة يبات فيه مسقف إلا أن مدخلها أوسع من مدخل البيوت المعروفة، فكان اسم البيت متناولا لها فيحنث إلا أن ينوي بيتًا غير الصفة فيصدق ديانة؛ لأنه خص العام بيته. قوله: (وهو الصحيح) احترازًا عن تقييد الصفة بعرفهم -يعني الصحيح الإطلاق؛ لوجود البيتوتة في الصفة.

стр. 3715

(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ دَارًا خَرِبَة لَم يَحنَتْ، وَلَو حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، فَدَخَلَهَا بَعدَمَا انْهَدَمَت وَصَارَت صَحْرَاءَ، حَيْثُ) لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلعَرصَةِ عِنْدَ العَرَبِ وَالعَجَمِ، يُقَالُ دَارٌ عَامِرَةٌ، وَدَارٌ غَامِرَةٌ، وَقَدْ شَهِدَت أَشْعَارُ العَرَبِ قوله: (وقد شهدت أشعار العرب)، قال لبيد (١): عفت الديار محلها فمُقَامُهَا … بمنى تأَبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا عفى يعفو لازم ومتعد وهنا لازم. تأبد المنزل: أقفر وألفته الوحوش العول والزحام موضعان. معناه: عفت ديار الأحباب ما كان منها للحلول وما كان منها للإقامة وكانت بمنى وقد توحشت الدار الغولية والرجامية (٢). وقال النابغة (٣): يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانَا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ يخاطب دار هذه المرأة، والسند المكان المرتفع من الأرض من ارتفاع الوادي والجبل ثم أخبر عنها فقال: خلت عن أهلها؛ أي: ذهبوا وطال عليهم ما مضى من مرور الزمان، ثم يقول: وقفت عشية أسائلها عن أهلها أين ذهبوا؟ فلم تقدر على الجواب ولم يكن فيها أحد يُجيبني. الأصيل: الوقت بعد المغرب والجمع أصلان مثل بعير وبعران ثم صُغر فقالوا: أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا: أصيلالا، وقال قائلهم: الدَّارُ دَارٌ وَإِنْ زَالَتْ حَوَائِطُهَا … وَالْبَيْتُ لَيْسَ بِبَيْتِ بَعْدَ تَهْدِيم وقال الشافعي: لا يحنث بعدما انهدمت كما في البيت، وكما إذا جعلها بستانا أو حمامًا. وقال أحمد: حكم الدار والبيت في التعيين سواء فيحنث بدخولهما بعد الانهدام.

стр. 3716

بِذَلِكَ وَالبِنَاءُ وَصفٌ فِيهَا، غَيْرَ أَنَّ الوَصفَ فِي الحَاضِرِ لَعْوٌ وَفِي الغَائِبِ مُعتَبَرٌ. (وَلَو حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، فَخَرِبَت ثُمَّ بُنِيَت أُخرَى فَدَخَلَهَا، يَحنَثُ) لِمَا ذَكَرنَا أَنَّ الإِسمَ بَاقِ بَعدَ الإِنهِدَامِ، وَإِنْ جُعِلَت مَسجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ يُستَانًا أَوْ بَيْتًا قوله: (والبناء وصف فيها) أي: في الدار، (والوصف في الحاضر لغو)؛ أي: هذا إذا كانت الصفة لم يكن داعية إلى اليمين كصفة كون الدار معينة، (وفي الغائب)؛ أي: المنكر (معتبر)؛ لأن الغائب يُعرف بالوصف فتعلقت اليمين بدار معروفة موصوفة بصفة؛ فلا يحنث بعد زوال تلك الصفة، وفي المعين لغو؛ لأن الإشارة أبلغ في التعريف؛ فأغنت عن الوصف الذي وضع للتوضيح، فاستوى وجودها وعدمها، والمسألة مستقصاة في الأصول. فإن قيل: يشكل بما قال محمد في كتاب الوكالة: لو وكله لشراء دار فاشترى دارًا خربة يلزم الموكل وينبغي أن لا يقع للموكل؛ لأن الصفة في الغائب معتبرة. قلنا: الصفة في النكرة من كل وجه معتبرة، والدار في اليمين منكرة من كل وجه، وفي الوكالة تعرفت من وجه؛ إذ التوكيل بشراء الدار وحينئذ لا يختلف الحال من التنكير والتعريف أو لم يكن، وحينئذ لا يختلف أيضًا كما لو حلف لا يكلم رجلًا لم يتقيد خلفه برجل عاقل عالم. قلنا: صفة البناء متعينة في الدار فجاز أن يراد بحكم العرف، وفي الرجل قد تزاحمت الصفات وتمتنع إرادة الصفات عادة، ولا رجحان للبعض في الإرادة فامتنعت الإرادة أصلا، وقولهم: (الدار اسم للعرصة) (١)؛ يعني: إذا بنيت فأما قبل البناء لا يقع على العرض كذا في الفوائد الظهيرية. وقال أبو الليث: إذا كانت اليمين بالفارسية؛ لا يحنث فيهما بالدخول إلا بدخول المبنية. قوله: (الاسم الدار باق بعد الانهدام)؛ لأن اليمين متى عُقدت على عين فقيدت بالذات لا بالصفة فإذا ثبت أخرى لم يتبدل ذاتها؛ بل تبدل الوصف الذي

стр. 3717

فَدَخَلَهُ لَم يَحنَتْ لِأَنَّهُ لَم يَبْقَ دَارًا، لِاعْتِرَاضِ اسم آخَرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا دَخَلَهُ بَعدَ انهِدَامِ الحَمَّامِ وَأَشبَاهِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ اسْمَ الدَّارِيَةِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا البَيْتَ فَدَخَلَهُ بَعدَمَا انْهَدَمَ وَصَارَ صَحْرَاءَ لَم يَحنَتْ) لِزَوَالِ اسمِ البَيتِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاتُ فِيهِ، حَتَّى لَو بَقِيَت الحِيطَانُ وَسَقَطَ السَّقْفُ يَحنَثُ، لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ وَالسَّقْفُ وَصفٌ فِيهِ (وَكَذَا إِذَا بَنَى بَيْتًا آخَرَ فَدَخَلَهُ لَم يَحنَتْ)، لِأَنَّ لغَى في حكم اليمين؛ إذ البناء صفة كمال فيها فحدوثها لا يسلب اسم الدار عنها، وللشافعي فيه وجهان كما قلنا وفي وجه لا يحنث؛ لأنها صارت أخرى. قوله: (لاعتراض اسم آخر عليه) إذ تبدل الاسم دليل تبدل العين؛ لأن الأعيان الموجودة تعرف بأسمائها؛ فإذا تبدل الاسم تبدلت العين ولا خلاف فيه لأحد، وكذا لو جعلها نهرًا فدخله لا يحنث لما ذكرنا. قوله: (وأشباهه)؛ أي بعد كونه مسجدًا أو بستانًا أو نهرًا، فجعلها دارًا ودخل لم يحنث، وإن عاد اسم الدار؛ لكونه صنعة جديدة فنزل ذلك بمنزلة اسم آخر نظرًا إلى تبدل السبب؛ ولهذا لو حلف لا يدخل هذا المسجد؛ فدخله بعد ما انهدم يحنث. قوله: (والسقف وصف) فيه؛ إذ البيتوتة تحصل بدونه فصار السقف في البيت بمنزلة البناء في الدار. وكذا إذا بني أي ذلك البيت يعني عرصته (بيتا آخر لم يحنث) أيضًا؛ لأن الاسم لما زال بالانهدام صار الثاني غير الأول؛ لأنه لضيعة جديدة فمر بها في ذلك لا يحنث ما لم يخرج إلى الشط عند أبي يوسف (١)،، وعند محمد يحنث؛ لأن دجلة من بغداد [قال الصدر الشهيد: الفتوى على قول أبي يوسف؛ لأن دجلة وإن كانت من بغداد] (٢)، حتى لو جاء بغدادي من الموصل في الفلك ومرَّ أتم صلاته إلا أنها لا تعد من بغداد عُرفًا؛ فإن أيدي أهل بغداد لا تقع عليها كما تقع على أرضها فلم تكن منها. قوله: (يحنث)؛ لأن السطح من الدار؛ ولهذا لا يجوز التخلي والتغوط

стр. 3718

الاسمَ لَم يَبْقَ بَعدَ الانْهِدَامِ. قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، فَوَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا حَيْثُ) لِأَنَّ السَّطَحَ مِنْ الدَّارِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ المُعتَكِفَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ بِالخُرُوجِ إِلَى سَطحِ المَسجِدِ. وَقِيلَ: فِي عُرْفِنَا لَا يَحنَثُ وَهُوَ احْتِيَارُ الفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ. قَالَ: (وَكَذَا إِذَا دَخَلَ دِهِلِيزَهَا) وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّفصِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ (وَإِنْ وَقَفَ فِي طَاقِ البَابِ بِحَيثُ إِذَا أُعْلِقَ البَابُ كَانَ خَارِجًا لَم يَحنَتْ) لِأَنَّ البَابَ لِإِحْرَازِ الدَّارِ وَمَا فِيهَا، فَلَم يَكُنْ الخَارِجُ مِنْ الدَّارِ. والوقوف للحائض والجنب على سطح المسجد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحابه: لا يحنث؛ لأنه لا يقال دخل البيت إذا وقف على السطح أو دخل الدهليز. وفي جامع قاضي خان هذا في عُرفهم وفي عُرفنا الصعود على السطح والحائط لا يسمى دخولا فلا يحنث، ثم قال: والصحيح جواب الكتاب أنه يحنث، وفي فتاواه ذكر جواب الكتاب قال: هذا إذا كانت اليمين بالعربية، فإن كانت بالفارسية وصعد السطح أو شجرة فيها أو حائطا منها لا يحنث وهو المختار. وفي الكافي: المختار في بلاد العجم؛ أنه لا يحنث، وفي الدهليز يحنث. وفي الإيضاح: لو كان فوق المسجد مسكن؛ لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بمسجد. وفي شرح الوجيز: لو كانت في الدار شجرة منتشرة الأغصان فتعلق ببعضها؛ فإن حصل في محاذاة البنيان حنث، وإن حصل في محاذاة سيرة السطح؛ ففيه وجهان، وإن كان أعلى من ذلك يحنث، وعن أصحاب أبي حنيفة؛ أنه لو كان بحيث لو سقط سقط في الدار يحنث. وفي المحيط: وإن كان الحالف من بلاد العجم لا يحنث، وهو الأصح. قوله: (فلم يكن الخارج من الدار)؛ أي خارج الباب من الدار لعدم الجزئية.

стр. 3719

قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ - وَهُوَ فِيهَا - لَمْ يَحْنَثْ بِالقُعُودِ حَتَّى يَخْرُجَ ثُمَّ يَدْخُلَ) اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَحْنَثَ، وفي المحيط: وكذا لو قام على أسكفة الباب والباب بينه وبين الدار لا يحنث، ولو أدخل رأسه أو إحدى رجليه أو حلف أن لا يخرج فأخرج إحدى رجليه أو رأسه؛ لم يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك؛ لأن قيامه بالرجلين فلا يكون بأحدهما داخلا وخارجًا. ولو دخل لبيعها وهو شارع إلى الطريق حنث [إذا مفتحة] (١) في الدار؛ لأنه من توابع الدار، ولا خلاف فيه. حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له فدخل في صحن داره؛ فلا يحنث حتى يدخل البيت؛ لأن شرط حنثه الدخول في البيت وهو لم يدخل البيت، وهذا في عرفهم وفي عُرفنا الدار والبيت واحد؛ إن دخل صحن الدار حنث وعليه الفتوى، وبه قال الشافعي في وجه وأحمد. حلف لا يدخل دار فلان فمات صاحبها فدخل؛ لم يحنث سواء كان على الميت دين أو لا؛ لأنها لم تبق ملك الميت بلا خلاف. ولو باعها فلان ثم دخلها؛ إن عينها بأن قال: هذه لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر والشافعي ومالك وأحمد يحنث. ولو دخل دارا مشتركة بينه وبين غيره فإن كان المحلوف عليه يسكنها يحنث، ولو دخل دارًا يسكنها فلان بالإجارة أو الإعارة؛ يحنث وبه قال مالك وأحمد؛ لأن المراد منه نسبة السكنى، وروي أنه ﵇ مر بحائط فقال: «لمن هذا؟» فقال رافع بن خديج لي يا رسول الله استأجرته (٢)، فلم ينكر عليه رسول الله ﵊، وعند الشافعي لا يحنث؛ لأنها ليست بداره حقيقة. قوله: (والقياس أن يحنث)، وبه قال زفر والشافعي في وجه لوجود الدخول، ألا ترى أنه لو نوى بالدخول الدوام يصح، وعندنا لا يحنث، وبه قال

стр. 3720

لِأَنَّ الدَّوَامَ لَهُ حُكمُ الابْتِدَاءِ. وَجهُ الاستحسَانِ: أَنَّ الدُّخُولَ لَا دَوَامَ لَهُ، لِأَنَّهُ انفِصَالُ مِنْ الخَارِجِ إِلَى الدَّاخِلِ. (وَلَو حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوبَ وَهُوَ لَا بِسُهُ، فَنَزَعَهُ فِي الحَالِ لَم يَحنَتْ) وَكَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يَركَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهُوَ رَاكِبُهَا فَنَزَلَ مِنْ سَاعَتِهِ لَم يَحنَتْ، وَكَذَا لَو حَلَفَ لَا يَسكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ سَاكِنُهَا فَأَخَذَ فِي النَّقلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَحنَثُ لِوُجُودِ الشَّرطِ وَإِنْ قَلَّ وَلَنَا: أَنَّ اليَمِينَ تُعقَدُ لِلبِرِّ فَيُستَثَنَى مِنْهُ زَمَانُ تَحْقِيقِهِ (فَإِنْ لَبِثَ عَلَى حَالِهِ سَاعَة حَنِثَ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَفَاعِيلَ لَهَا دَوَامٌ بِحُدُوثِ أَمْثَالِهَا؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ الشافعي في الأصح ومالك وأحمد؛ لأن الدخول لا دوام له؛ لأنه انفصال من الظاهر إلى الباطن ولم يوجد، وإنما وُجِدَ المكث فيه. [وفي المبسوط: لو حلف لأدخلنه غدًا، فأقام فيه حتى مضى الغد يحنث؛ لأن شرط بره وجود فعل الدخول في الغد، ولم يوجد، وإنما وجد المكث فيه] (١)، ولو نوى بالدخول الإقامة فيه لم يحنث؛ لأن المنوي من محتملات اللفظ، فإن المقصود من الدخول الإقامة، فكأنه جعل ذكر الدخول كناية عما هو المقصود (٢). (وقال زفر: يحنث)؛ أي: قياسًا لوجود شرطه والسكون والركوب (وإن قل)، وعندنا لا يحنث استحسانًا؛ إذا أخذ في النقلة والنزع استحسانًا من ساعته، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن اليمين يُعقد للبر، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ﴾ والحنث منهي عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]. وفي مسألة الحلف على مس السماء يعقد للبر أيضًا لتصوره، ويحنث للعجز الحالي وإذا كان البر مقصودًا لليمين، وأنه متعذر بهذه اليمين ما لم يستثن زمان تحققه. (لأن هذه الأفاعيل)، وهي اللبس والركوب والسكنى (لها دوام بحدوث أمثالها)، فكان لدوامها حكم الابتداء.

стр. 3721

يُصْرَبُ لَهَا مُدَّةٌ يُقَالُ: رَكِبت يوما وَلَبِست يَومًا بِخِلَافِ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: دخلت يَومًا بِمَعْنَى المُدَّةِ وَالتَّوقِيتِ وَلَو نَوَى الِابْتِدَاءَ الخَالِصَ يُصَدَّقُ، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ. قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَسكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ وَأَهْلُهُ فِيهَا، وَلَم يُرِدِ الرُّجُوعَ إِلَيْهَا حَيْثَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاكِنَهَا بِبَقَاءِ أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ فِيهَا عُرفًا، فَإِنَّ السُّوقِيَّ وعن هذا لو قال: كلما ركبت فأنت طالق، فمكث ساعة يُمكنها النزول فيها طلقت، وإن مكث ساعةً أخرى طلقت أيضًا؛ لما ذكرنا أن للدوام حكم الابتداء، بخلاف ما لو قال: كلما ركبت دابة فعلي أن أتصدق بدرهم، فركب دابة فعليه درهم إن طال مكثه في الركوب، وعلى ما قلتم ينبغي أن تلزمه الزيادة فعليه الدرهم؛ لأن للدوام حكم الابتداء إذا لم يكن الإنشاء والابتداء بصفة الخلوص مرادًا، أما إذا كان فلا. ولهذا في هذا الفصل لو كان راكبًا وقت اليمين يلزمه في كل وقت يمكنه النزول والركوب درهم؛ لأن الإنشاء والابتداء بصفة الخلوص غير مراد. كذا في جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية (١). ولأنا لو قلنا بلزوم درهم في كل ساعة بدوامه في الركوب لا يفي ماله وإن كثر فيلزم الحرج فكان الإنشاء غير مراد فيه. قوله: (بمعنى المدة والتوقيت)؛ لأنه يقال في مجاري الكلام كثيرًا دخلت عليه يوما قال لي: كذا وكذا، فقرن الدخول باليوم ولكن يراد به مطلق الوقت لا أن يكون المراد به المدة. قوله: (ولم يُرد الرجوع إليها حنث)، وبه قال أحمد ومالك، وعن مالك لو أقام يومًا وليلة حنث، وفي الأقل لم يحنث وعد زفر يحنث عقيب اليمين كما ذكرنا، وعند الشافعي لا يحنث إذا خرج بنية التحويل، وهذا الخلاف مبني على أصل بيننا وبين الشافعي وهو أن عنده العبرة لحقيقة اللفظ والعادة بخلافها لا يعتبر.

стр. 3722

عَامَّةَ نَهَارِهِ فِي السُّوقِ وَيَقُولُ أَسْكُنُ سِكَّةَ كَذَا، وَالبَيْتُ وَالمَحَلَّةُ بِمَنزِلَةِ الدَّارِ. وَلَو كَانَ الْيَمِينُ عَلَى المِصْرِ لَا يَتَوَقَّفُ البِرُّ عَلَى نَقلِ المَتَاعِ وَالأَهلِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِنا فِي الَّذِي انتَقَلَ عَنهُ عُرفًا. بِخِلَافِ الأَوَّلِ. وعندنا العبرة للعادة؛ لأنها طارئ على الحقيقة، والحالف يريد ذلك ظاهرًا فيحل كلامه عليه، ألا ترى أن المديون يقول لصاحب الدين: [لأجرينك] (١) على الشوك يُحمل ذلك على شدة المطل لا حقيقة اللفظ (٢)، وقد مر في أول كتاب الأيمان، وإنما يجب نقل المتاع والأهل إذا كان الحالف متأهلًا، فإن كان ممن يعوله غيره بأن كان ابنًا كبيرًا يسكن مع أبيه، أو امرأة فخرج بنفسه وترك متاعه هنالك لا يحنث. وفي الفوائد الظهيرية: قال أبو الليث: هذا إذا عقد يمينه بالعربية، فإن عقدها بالفارسية لا يحنث إذا خرج بنفسه وخلف أهله ومتاعه. وفي الكافي: ومتى كان الحالف متأهلا وعقد يمينه بالعربية لو منع بالخروج ومنعوا متاعه أيضًا وأوثقوه، أو وجد الباب مغلقًا بحيث لا يمكنه الفتح والخروج لم يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد بخلاف ما لو قال: إن لم أخرج من هذا المنزل اليوم فامرأته كذا، فقيد ومنع من الخروج حيث تَطلُقُ. وكذا لو قال لها وهي في منزل والدها: إن لم تحضري الليلة منزلي فأنتِ طالق، فمنعها الوالد عن الحضور تطلق في الصحيح؛ لأن شرط الحنث هنا الفعل - وهو السكنى- وهو مكره فيه، وأثر الإكراه في إعدام الفعل بالاختيار. ثم شرط الحنث عدم الفعل، وليس للإكراه أثر في إبطال العدم؛ لأنه لا يحتاج إلى الاختيار، هكذا ذكره الفضلي، وعن الحلواني خلاف. قال التمرتاشي: وهذا بناء على أن العجز الحسي هل له تأثير في البر؟ قوله: (لا يُعد ساكنا في الذي انتقل عنه عُرفًا)، فإن من يكون ببصرة لا يقال: هو ساكن بغداد بخلاف الدار والبيت والمحلة؛ لأن من كان في السوق

стр. 3723

وَالقَرْيَةُ بِمَنزِلَةِ المِصْرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الجَوَابِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا بُدَّ مِنْ نَقلِ كُلِّ المَتَاعِ، حَتَّى لَو بَقِيَ وَتَدٌ يَحنَثُ، لِأَنَّ السُّكَنَى قَدْ ثَبَتَ بِالكُلِّ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ. يُعتَبَرُ نَقلُ الْأَكْثَرِ لِأَنَّ نَقلَ الكُلِّ قَدْ يَتَعَذَّرُ. يقول: اسكن محلة كذا ودار كذا، وبيت كذا، وعند الشافعي المصر كالدار؛ لما ذكرنا أنه يعتبر حقيقة اللفظ لا العادة. قوله: (والقرية بمنزلة المصر في الصحيح)، واحترز به عن قول بعض مشايخنا: إن القرية كالدار، وهو قول الشافعي، والمختار أنها كالدار لما ذكرنا من العرف، ذكره في المحيط (١). قوله: (ثم قال أبو حنيفة) إلى آخره، في المحيط، والمبسوط (٢): اختلفوا في كيفية الانتقال، قال أبو حنيفة: لا بد من نقل كل المتاع مع الأهل حتى إذا ترك شيئًا يسيرا لم يبر، وبه قال أحمد. قال بعض مشايخنا: هذا إذا كان الباقي يتأتى به السكني، إما ببقاء مكنسة أو وتد أو قطعة حصير فيها لا يبقى ساكنا فيها فلا يحنث فلا يبقى ببقاء شيء منها. فإن قيل: هذا المجموع ينتفي بانتفاء البعض كما ينتفي بانتفاء الكل كالعشرة تنتفي بانتفاء فرد لا تبقى جملة أفراده. قلنا: المجموع إذا كان من حيث الإفراد لا ينتفي بانتفاء البعض؛ بل ينتفي بانتفاء الكل والسكنى من هذا القبيل فإنه يعد ساكنا ببقاء بعض متاعه فيها وإن كان بعضها في السوق. (وقال أبو يوسف ﵀ يُعتبر نقل الأكثر)، وعليه الفتوى كذا في المحيط، والفوائد الظهيرية والكافي. (لأن نقل الكل قد يتعذر)، وببقاء الأقل لا يعد ساكنا عُرفًا.

стр. 3724

وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: يُعتَبَرُ نَقلُ مَا يَقُومُ بِهِ كَدَخدَائِيَّتِهِ لِأَنَّ مَا وَرَاء ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّكَنَى. قَالُوا: هَذَا أَحْسَنُ وَأَرفَقُ بِالنَّاسِ وَيَنبَغِي أَنْ يَنتَقِلَ إِلَى مَنزِل آخَرَ بِلَا تَأْخِير حَتَّى يَبَرَّ، فَإِنْ انتَقَلَ إِلَى السِّكَّةِ أَوْ إِلَى المَسْجِدِ قَالُوا: لَا يَبَرُّ، دَلِيلُهُ فِي الزِّيَادَاتِ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِعِيَالِهِ مِنْ مِصْرِهِ فَمَا لَم يَتَّخِذُ وَطَنَّا آخَرَ يَبْقَى وَطَنُهُ الأَوَّلُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا هَذَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وقال محمد رحمة الله تعالى عليه: يعتبر نقل ما يقوم به كَدَخْدَائِيَّتِهِ)، وفي المحيط: هذا حسن. وفي شرح المجمع واستحسنه المشايخ وعليه الفتوى، وعن مالك يُعتبر نقل عياله دون متاعه. قال مشايخنا: هذا الخلاف في نقل الأمتعة، فأما الأهل فلا بد من نقل كلهم بلا خلاف، كذا في المبسوط، في الفوائد الظهيرية (١). قوله: (قالوا لا يَبَرُّ)، وفي جامع قاضي خان: اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يحنث؛ لأنه لم يسم ساكنا فيها، وقال بعضهم: يحنث؛ لأن سكناه لا ينتقض إلا بسكنى أخرى استدلالا بمسألة الزيادات. كوفي نقل عياله إلى مكة ليتوطن، فلما توطن بمكة بدا له أن يرجع إلى خراسان فمرَّ بالكوفة يُصلي ركعتين؛ لأن وطنه بالكوفة انتقض بوطنه إلى مكة، وإن بدا له في الطريق قبل أن يدخل مكة ورجع إلى خراسان فمر بالكوفة يُصلي بالكوفة قائم ما لم يتخذ وطنًا آخر، كذا ههنا بقي وطنه الأول. وفي المحيط: وإذا انتقل إلى السكة، أو إلى المسجد، قيل: لا يحنث، وقيل: يحنث. وذكر أبو الليث: إذا انتقل إلى السكة أو إلى المسجد؛ قيل: لا يحنث، وقيل: يحنث، وذكر أبو الليث إذا انتقل إلى السكة أو إلى المسجد وسلم داره بإجارة، أو رد المستأجرة إلى المؤاجرة؛ لا يحنث وإن لم يتخذ دارًا في مسجد أو موضع آخر، ولو كان في طلب مسكن آخر وترك الأمتعة فيها أيامًا لا يحنث

стр. 3725

بَابُ اليَمِينِ فِي الخُرُوجِ وَالإِنيَانِ وَالرُّكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ المَسجِدِ، فَأَمَرَ إِنسَانًا فَحَمَلَهُ فَأَخْرَجَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ فِعَلَ المَأْمُورِ مُضَافٌ إِلَى الْآمِرِ فَصَارَ، كَمَا إِذَا رَكِبَ دَابَّةٍ فَخَرَجَت (وَلَو أَخْرَجَهُ مُكرَها لَم يَحنَتْ). في الصحيح؛ لأن طلب المنزل من عمل النقل فصار مدة الطلب مستثنى بحكم العرف إذا لم يفرط في الطلب، وبه قال أحمد ومالك والشافعي. باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك ناسب ذكر الخروج بعد الدخول، وأما الإتيان والركوب فمما يتحقق بعد الخروج فاستصحبهما ذكر الخروج. قوله: (لا يخرج من المسجد)، وكذا الحكم في البيت والدار وغيره، ولكن وضع المسألة في المسجد حملا ليمينه على العبادة. قوله: (ولو أخرجه)؛ أي: الحالف (مُكرها لم يحنث)، وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد في رواية؛ لأنه لم يُوجَد من الحالف فعل لا حقيقةً ولا حكما؛ لأنه لم يأمره به. وقال مالك: إن استصعب على الحامل لم يحنث، وإن تراخي عليه حنث، يعني إذا كان قادرًا على الامتناع وسكت عنده يحنث؛ لأن سكوته في هذه الحالة بمثابة الإذن، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وصورة المسألة في الإخراج فيما إذا حمله الإنسان وأخرجه مكرها؛ لأنه لم يُوجَدُ منه فعل حينئذ، أما إذا هدده وخرج بنفسه خوفًا منه حنث لوجود الفعل منه، وبه قال مالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية. ولو حمله وأخرجه بغير أمره ورضي بقلبه؛ لم يحنث في الصحيح، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال بعض المشايخ: حنث، وبه قال مالك؛ لأنه لما كان متمكنا من الامتناع ولم يرض بقلبه صار كالآمر بالإخراج، ذكره في المبسوط (١).

стр. 3726

لِأَنَّ الفِعلَ لَم يَنتَقِل إِلَيْهِ لِعَدَمِ الأَمرِ (وَلَو حَمَلَهُ بِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ لَا يَحنَثُ) فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الانتِقَالَ بِالْأَمْرِ لَا بِمُجَرَّدِ الرِّضَا. قَالَ: (وَلَو حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ إِلَّا إِلَى جِنَازَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَتَى حَاجَة أُخرَى لَم يَحنَتْ) لِأَنَّ المَوجُودَ خُرُوجٌ مُستَثنى، وَالمُضِيَّ بَعدَ ذَلِكَ لَيسَ بِخُرُوج. (وَلَو حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إِلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ حَنِثَ) لِوُجُودِ الخُرُوجِ عَلَى قَصدِ مَكَّةَ وَهُوَ الشَّرطُ، إذ الخُرُوجُ هُوَ الاِنفِصَالُ مِنْ الدَّاخِلِ إِلَى الخَارِجِ (وَلَو وجه الصحيح أنه لم يوجد منه فعل لا حقيقةً، ولا تقديرًا؛ إذ التقدير بالأمر ولم يوجد؛ لأن نقل الفعل [بالأمر] (١)؛ ولهذا لو أمر غيره بإتلاف غيره ماله فأتلفه لم يضمن، ولو أتلفه بغير أمره وهو ساكت لم ينهه يضمن. في مبسوط شيخ الإسلام وضع هذه المسألة في الدخول، وقال: ولهذا لو حلف لا يأكل الطعام فأكله مكرهًا حنث، وإن أوجر في حلقه لم يحنث. ثم في مسألة الحمل لما لم يحنث هل تنحل اليمين؟ قال أبو شجاع: تنحل، وكذا لو حلف لا يدخل دار فلان فهبت به الريح فألقته فيها لم يحنث، وتنحل اليمين. قال النسفي: وهذا أرفق للناس، وقال غيره من المشايخ: لا ينحل، وهو الصحيح، كذا في جامع التمرتاشي، وقاضي خان. قوله: (والمضي بعد ذلك ليس بخروج)؛ لأن الخروج انفصال من الباطن إلى الخارج ولم يُوجَد، والموجود الإتيان إلى حاجة ليس بخروج؛ لأنه عبارة عن الوصول والخروج عبارة عن الانفصال، ولا دوام للخروج بالإجماع. قوله: (فخرج يريدها)؛ أي: مكة، ويشترط للحنث أن يجاوز عمران مصره على نية الخروج إلى مكة، حتى لو رجع قبل أن يجاوز عمران مصره لم يحنث وإن كان على هذه النية. قوله: (إذ الخروج هو الانفصال) إلى آخره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ

стр. 3727

حَلَفَ لَا يَأْتِيهَا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَدْخُلَهَا لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ [الشعراء: ١٦] وَلَو حَلَفَ لَا يَذْهَبُ إِلَيْهَا قِيلَ: هُوَ كَالْإِتْيَانِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالخُرُوجِ وَهُوَ الْأَصَحُ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الزَّوَالِ. مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، وأراد به الانفصال لا الوصول، وفي مسألة الإتيان يشترط الوصول كما قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وقال ﵇: «من أتى امرأته الحائض، أو أتاها في [غير] (١) مأتها، أو أتى كاهنًا وصدقه فيما قال فقد كفر بما أُنزل على محمد» (٢). قوله: (قيل هو كالإتيان)، اختلف المشايخ في الذهاب، قال نصير بن يحيى: هو كالإتيان؛ لقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤]، وذا بمعنى الإتيان. وقال محمد بن سلمة: وهو بمنزلة الخروج، وهو الأصح؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي: ليزيله عنكم. فثبت أن الذهاب هو الزوال والانفصال؛ لأن الذهاب إفعال من الذهاب، والإذهاب الإزالة، وكونه إزالة لا تفتقر إلى وصول الزائل إلى محل آخر، فكذا الذهاب الذي هو الزوال فلا يشترط فيه الوصول. ولأن الذهاب والخروج يستعملان استعمالًا واحدًا، يقال: ذهب إلى مكة، وخرج إلى مكة بمعنى واحد، وهذا الاختلاف فيما إذا لم تكن له نية، فإن نوى الخروج أو الإتيان فعلى ما نوى؛ لأنه يحتمل كل واحد منهما. وفي جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية: فالقصد يشترط للحنث في الخروج والذهاب، وفي الإتيان لا يشترط.

стр. 3728

(وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّ البَصْرَةَ فَلَم يَأْتِهَا حَتَّى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ جُزء مِنْ أَجزَاءِ حَيَاتِهِ) لِأَنَّ البِرَّ قَبْلَ ذَلِكَ مَرجُو. (وَلَو حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّهُ غَدًا إِنْ اسْتَطَاعَ، فَهَذَا عَلَى اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ دُونَ القُدرَةِ، وَفَسَّرَهُ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: إِذَا لَم يَمْرَض وَلَم يَمنَعهُ السُّلطَانُ، وَلَم يَجِئْ أَمرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِبْيَانِهِ فَلَم يَأْتِهِ حَيْثَ، وَإِنْ عَلَى اسْتِطَاعَةَ القَضَاءِ دُيِّنَ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى) وَهَذَا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الاسْتِطَاعَةِ فِيمَا يُقَارِنُ الفِعلَ، وَيُطلَقُ الاِسْمُ عَلَى سَلَامَةِ الآلَاتِ وَصِحَّةِ الأَسبَابِ فِي المُتَعَارَفِ. فَعِنْدَ الإِطْلَاقِ يَنصَرِفُ إِلَيْهِ. وفي فتاوى قاضي خان: قال لامرأته: (أكبر بخانة مادروي بر إطلاق) فذهبت إلى باب دارها ولم تدخل، اختلف فيه، قيل: تطلق، والصحيح أنها لا تطلق (١). فكان ذكر الصحيح فيه على خلاف ذكر الصحيح في الكتاب. قوله: (وإن عنى استطاعة القضاء)؛ أي: استطاعة القضاء والقدر التي تقارن الفعل عند أهل السنة، وسمَّى استطاعة القضاء لأن الفعل يوجد بإيجاد الله وقضائه وقدره، فإذا قضى بوجود الفعل أوجد قدرة العبد مع ذلك الفعل، ولو لم يوجد ذلك الفعل لم توجد القدرة؛ لأنها خلقت لأجل ذلك الفعل المقضي عليه بالوجود فسميت استطاعة القضاء فلا يحنث ديانةً أبدًا؛ لأنه في أي حال لم يفعل فإنه غير مستطيع حقيقةً؛ لأنها لا تسبق الفعل، ذكره البزدوي في مبسوطه، وجامعه. (فعند الإطلاق ينصرف إليه)؛ أي: إلى المتعارف؛ لأن مطلق الكلام يُحمل على المتعارف، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وفسرها ﵇ بالزاد والراحلة (٢).

стр. 3729

وَتَصِحُ نِيَّةُ الأَوَّلِ دِيَانَةِ، لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، ثُمَّ قِيلَ: وَتَصِحٌ قَضَاء أَيضًا لِمَا بَيَّنَا، وَقِيلَ: لَا تَصِحُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. قال: (وَمَنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ لَهَا مَرَّة فَخَرَجَت، ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّة أُخرَى بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَيْثَ وَلَا بُدَّ مِنْ الإِذْنِ فِي كُلِّ خُرُوج) لِأَنَّ المُستَثَنَى وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ [الأنفال: ٦٠]، ويقال: فلان يستطيع كذا ولا يستطيع كذا. (وتصح نية الأول)، وهو استطاعة القضاء؛ لأن ذا مما يقع عليه اسم الاستطاعة، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]، إلا إنه خلاف الظاهر فلا يصدقه القاضي؛ لأنه تخفيف على نفسه، وقيل: يصدق قضاء؛ لأنه نوى حقيقة مستعملة كما بينا ذكره البزدوي، وقاضي خان. وقوله: (لما بينا)، إشارة إلى: (نوى حقيقة كلامه). قوله: (ولا بد من الإذن في كل خروج)، ولا خلاف فيه، والحيلة في ذلك أن تقول: كلما أردتِ الخروج فقد أذنتُ لكِ، ولو قال ذلك ثم نهاها لا يصح نهيه عند أبي يوسف خلافًا لمحمد. وجه قول محمد: أنه لو أذن لها بالخروج مرةً ثم نهاها فعمل نهيه اتفاقًا، فكذا بعد الإذن العام، وعند أبي يوسف إنما يعمل نهيه إذا أذن لها مرة؛ لأنه يفيد لبقاء اليمين بعده، أما النهي بعد الإذن العام لا يفيد؛ لارتفاع اليمين بالإذن العام، وقال الشافعي: لا يعمل نهيه في الصورتين. ولو أذن لها بخرجة، ثم نهاها عن تلك الخرجة يعمل نهيه بالإجماع. ثم الإذن يتقيد بالنكاح؛ لأن الإذن إنما يصح لمن له المنع، وذلك كما لو حلف السلطان رجلا ليرفعن إليه بكل دَاعِرٍ يعرفه يتقيد بقيام ولايته بلا خلاف، ذكره التمرتاشي (١).

стр. 3730

خُرُوجٌ مَقرُونٌ بِالإِذْنِ، وَمَا وَرَاءَهُ دَاخِلٌ فِي الحَظرِ العَامٌ. وَلَو نَوَى الإِدْنَ مَرَّة يُصَدَّقُ دِيَانَة لَا قَضَاء، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَو قَالَ: إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكَ، فَأَذِنَ لَهَا مَرَّة وَاحِدَةٍ فَخَرَجَتْ، ثُمَّ خَرَجَت بَعدَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَم يَحنَتْ) لِأَنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ غَايَة فَتَنتَهِي اليَمِينُ بِهِ، كَمَا إِذَا قَالَ: حَتَّى آذَنَ لَكَ. (وَلَوْ أَرَادَت المَرأَةُ الخُرُوجَ فَقَالَ: إِنْ خَرَجْتِ (وما راءه)؛ أي: الخروج الملصق بالإذن (داخل في الحظر العام)، وهو قوله: (إن خرجت)؛ إذ الشرط بمعنى النفي ملصقا (بإذني) فيكون ما وراء الخروج الملصق داخلا تحت الحظر العام فيحنث إذا وجد غير ملصق بالإذن، ونظيره: إن خرجت إلا بقناع، فيحنث بخروجها بغير قناع. قوله: (نو … محتمل كلامه)؛ لأن الإذن مرة موجب الغاية المذكورة بقوله: "حتى اذن لك "، وبين الغاية والاستثناء مناسبة من حيث إن حكم كل واحد منهما بعد الاستثناء، والغاية مخالف لما قبلهما. ثم للشافعي في قوله: "إلا بإذني" ينتهي اليمين بخرجة واحدة سواء كانت بإذن الزوج أو بغيرها، حتى لو خرجت بعد ما خرجت بإذنه لا تطلق كما في قوله: "إلا أن أذن لك "، وفي وجه فرق كمذهبنا، وهو اختيار المزني والقفال. وجه ظاهر مذهبه أن اليمين عقدت بخرجة واحدة وهي الأولى، فإذا وجدت إن كانت بغير إذن حنث، وإن كانت بإذن حصل البر وارتفعت اليمين. قال القاضي حسين: تفحصت لما ظفرت بجواب مقنع في هذه المسألة (١). قوله: (فتنتهي اليمين به)؛ أي: بالإذن مرة، وهذا عندنا، وقال الفراء: لا ينتهي كما في قوله: "إلا بإذني "، وهو قول أحمد؛ لأن (أن) مع الفعل مصدر، ولا اتصال للمصدر بما تقدم إلا بصلة فوجب تقدير الباء فيصير كقوله: إلا بإذني، وفيما قلنا تحقيق معنى الاستثناء والعمل به واجب ما أمكن؛ لأنه حقيقة، والغاية مجاز. قلنا: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾

стр. 3731

فَأَنتِ طَالِقٌ، فَجَلَسَت، ثُمَّ خَرَجَتْ لَم يَحنَتْ وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ رَجُلٌ ضَربَ عَبدِهِ فَقَالَ لَهُ آخَرُ: إِنْ ضَرَبتَهُ فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَرَكَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ وَهَذِهِ تُسَمَّى يَمِينَ فَور. [يوسف: ٦٦] [أي: حتي تغمضوا، وحتى يحاط] (١). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وتكرار الإذن كان شرطًا حتى حرم الدخول في كل مرة بغير إذن. قلنا: المراد الغاية أيضًا، وإنما ثبت الحظر في سائر المرات بآخر الآية وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، والإيذاء موجود في كل مرة (٢)، ولأن دخول دار إنسان من الآحاد بغير إذنه حرام للاحترام، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، ووجب الاستئناس في كل مرة، فكيف في حق النبي ﵇؛ إذ هو أفضل البشر وواجب التعظيم، والاجتناب عما يكرهه، فيثبت الحظر بدلالة النص. وفي المبسوط: أن الكلام إذا بطلت حقيقته تعين مجازه، وقد تعذر الاستثناء ههنا؛ لأن إن مع الفعل فيصير كأنه استثنى الإذن من الخروج، وذا باطل لعدم المجانسة ولا يمكن تقدير الخروج؛ إذ لو قلت: إلا خروجًا إن أذن لك، أو: خروجًا أدنى، كان كلامًا مختلاً، فعرف أنه بمعنى التوقيت. ولو نوى التعدد في هذه الصورة بأن نوى بقلبه إلا أن أذن، أو بقوله: حتى آذن، إلا بإذني، صدق ديانةً وقضاء؛ لأن الاستثناء من الغاية وبينهما مناسبة كما ذكرنا، ويصدق قضاءً ههنا؛ لأن فيه تشديد على نفسه. قوله: (وهذه)؛ أي: هذه اليمين (تسمى يمين فور)، يمين الحال، والفور مصدر فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة، ثم سميت الحالة التي لا ريب فيها ولا لبث، يقال: جاء فلان وخرج [من] (٣) فوره؛ أي: من ساعته.

стр. 3732

وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِإِظْهَارِهِ. وَوَجهُهُ: أَنَّ مُرَادَ المُتَكَلِّمِ الرَّدُّ عَنْ تِلكَ الضَّربَةِ وَالخُرجَةِ عُرفًا، وَمَبَنَى الأَيْمَانِ عَلَيْهِ. وَلَو قَالَ لَهُ رَجُلٌ: اجلس فَتَغَدَّ عِنْدِي، فَقَالَ: إِنْ تَغَدَّيتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَخَرَجَ فَرَجَعَ إِلَى مَنزِلِهِ وَتَغَدَّى لَم يَحنَتْ لِأَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الجَوَابِ فَيَنطَبِقُ عَلَى وفي الفوائد الظهيرية: سميت بهذا الاسم باعتبار فوران الغضب (١). (وتفرد أبو حنيفة ﵀ بإظهاره)؛ أي: لم يسبقه أحد فيه، وكانوا يقولون: اليمين على نوعين: مطلقة، ومقيدة بوقتِ فاستنبط أبو حنيفة قسم ثالث وهي: مطلقة لفظا مؤقتة معنى، وإنما أخذها من حديث جابر بن عبد الله وابنه حين دعيا إلى نصرة إنسان فحلفا أن لا ينصراه، ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنثا، واعتبر في ذلك العُرف ومبنى الأيمان على العرف. قوله: (فخرج فرجع إلى منزله)، وفي بعض النسخ: (رجع لم (٢) يحنث)؛ أي في الاستحسان، والقياس أن يحنث، وهو قول زفر والشافعي؛ لأنه عقد يمينه على مطلق للغداء فيتناول كل غداء، كما لو قال ابتداءً: والله لا أتغدى. ولنا على [عقد يمينه على] (٣) غداء بعينه، وهو الغداء المدعو إليه؛ لخروج كلامه مخرج الجواب، وفي سؤاله غدا مُعين فكذا في الجواب؛ إذ الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال بخلاف ما لو قال ابتداءً؛ لأن كلامه لم يخرج جوابًا حتى يتقيد، فينصرف إلى مطلق الغداء، وبخلاف ما لو قال: إن تغديت اليوم، أو معك؛ لأنه زاد على قدر الجواب فيجعل تأديًا لا ثانيًا احترازًا عن إلغاء الزيادة. فإن قيل: لا كذلك فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٧ - ١٨]، فزاد على الجواب، ومع ذلك جعل مجيبًا لا مبتدئا. قلنا: كلمة (ما) تستعمل للسؤال عن الذات، والسؤال عن الصفات، فمتى

стр. 3733

السُّؤَالِ، فَيَنصَرِفُ إِلَى الغَدَاءِ المَدعُو إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِنْ تَغَدَّيتُ اليَومَ، لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى حَرفِ الجَوَابِ فَيُجْعَلُ مُبتدِئًا. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَركَبُ دَابَّةَ فُلَان، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبد مَأْذُونَ لَهُ مَديُون، أَوْ غَيْرِ مَديُون لَم يَحنَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، استعمل في مقام السؤال فاشتبه على موسى ﵇ أن السؤال وقع عن الصفة أو عن الذات فجمع بينهما ليكون مجيبًا على كل حال، إليه أشير في الفوائد الظهيرية (١). قوله: (ومن حلف لا يركب) إلى آخره، والمراد من دابة فلان فرسه، وحماره، وبغله، حتى لو ركب بعيره وفيله لم يحنث، والقياس أن يحنث؛ لأن اسم الدابة يتناولهما حقيقةً وحكمًا فإن الدابة ما يدب على الأرض، وقد عقد يمينه على فعل الركوب فيتناول ما يركب من الدواب في غالب البلدان وهو الخيل، والبغال والحمير، يؤيده قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] فمنَّ بالركوب فيها، وفي الأنعام بالأكل بقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]، والفيل والبعير وإن كان يركب في بعض الأوقات فذلك لا يدل على أن اليمين تتناوله. ألا ترى أن البقر والجاموس يركب أيضًا في بعض المواضع، ثم لا يفهم أحد من قول القائل: لا يركب دابة فلان: البقر، إلا أن ينوي جميع ذلك فيقع على ما نوى حقيقة كلامه، وفيد تشديد عليه. ولو نوى الخيل وحدها لم يدين لا قضاءً ولا ديانة؛ لأن في لفظه فعل الركوب لا المركب، ونية التخصيص تصح في الملفظ لا فيما لفظ له. كذا في المبسوط (٢). وقوله: (وإن نواه) (٣) هذا استثناء من مقدّر غير ملفوظ فإنه لما ذكر قبله: (فركب دابة عبد مأذون له مديون أو غير مديون لم يحنث عند أبي حنيفة)، وقدر

стр. 3734

إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَينٌ مُسْتَغرِقُ: لَا يَحنَثُ، وَإِنَّ نَوَى، لِأَنَّهُ لَا مِلكَ لِلمَولَى فِيهِ عِندَهُ، وَإِنْ كَانَ الدِّينُ غَيْرَ مُستَغرِق أَوْ لَم يَكُنْ عَلَيْهِ دَينُ لَا يَحنَثُ مَا لَم يَنوِهِ، لِأَنَّ المِلكَ فِيهِ لِلمَولَى، لَكِنَّهُ يُضَافُ إِلَى العَبدِ عُرفًا، وَكَذَا شَرعًا قَالَ ﵊: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَهُوَ لِلبَائِعِ» الحَدِيثَ، فَتَحْتَلُّ الإِضَافَةُ إِلَى المَولَى فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِي الوُجُوهِ كُلَّهَا: يَحنَثُ إِذَا نَوَاهُ لِاحْتِلَالِ الإِضَافَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحنَثُ وَإِنْ لَم يَنوِهِ لِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ المِلكِ، إذ الدِّينُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ لِلسَّيِّدِ عِندَهُمَا (*). فيه هذا لم ينو، وأما إذا نوى ركوب دابة العبد يحنث حينئذ بركوب دابة العبد. (إلا أنه إذا كان عليه دين مستغرق لا يحنث وإن نوى لأنه لا ملك للمولى فيه)؛ أي: في كسب المستغرق بالدين، (عنده)؛ أي: عند أبي حنيفة، حتى لو أعتق المولى عبد عبده لا يعتق عنده. [قوله] (١): (الحديث)، وتمامه: «فماله لمولاه»، وفي بعض الروايات: «فهو لبائعه» (٢). (وقال أبو يوسف: في الوجوه كلها)؛ أي: الأوجه الثلاثة، وهي ما إذا لم يكن عليه دين، أو دين غير مستغرق. (لاختلال الإضافة)، يعني وإن كان دينه لا يمنع وقوع الملك للمولى في كسبه إلا أنه يحيل الإضافة إلى المولى، ويضاف إلى العبد أيضًا فلا يدخل تحت مطلق الإضافة إلا بالنية، ذكره في جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية (٣). (وقال محمد: يحنث)؛ أي: في الوجوه الخمسة، وهي ما إذا لم يكن عليه دين، أو كان غير مستغرق، أو مستغرق نوى أو لا، وبقوله قال الشافعي وأحمد ومالك، إلا أن دابته مملوك له فوجب أن يحنث؛ لأن ما في يده لمولاه بالحديث. ولو ركب دابة مكاتبه لا يحنث في قولهم جميعًا، ولو قال: أعتقت عبيدي، وله عبيد عبد فهو على هذا الخلاف.

стр. 3735

بَابُ اليَمِينِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّحْلَةِ، فَهُوَ عَلَى ثَمَرِهَا) لِأَنَّهُ أَضَافَ اليَمِينَ باب [اليمين] (١) في الأكل والشرب لما ذكر أول حاجة الإنسان وهو المسكن ذكر بعده ما يحتاج إليه في حالة البقاء وهو الأكل والشرب. الأصل أن الأكل ايصال شيء إلى جوفه مما يتأتى فيه المضغ والهشم مهشومًا ممضوعًا، أو غير ممضوغ. والشرب: إيصال الشيء إلى جوفه مما لا يتأتى فيه المضغ والهشم. والذوق: معرفة الشيء بفيه من غير إدخال عينه، وإن الحقيقة تترك بدلالة حال المتكلم، كما في يمين الفور، وبدلالة محل الكلام، وبدلالة اللفظ في نفسه، وبدلالة العادة. وذكر الزندويستي: الأكل والشرب عبارة عن عمل الشفاة والحلق، والذوق عبارة عن عمل الشفاه دون الحلق، والابتلاع عبارة عن عمل الحلق دون الشفاة، والمص عبارة عن عمل اللهاة خاصة، فعلى هذا لو حلف لا يأكل شيئًا فابتلع ما في فيه؛ لا يحنث (٢). ولكن ذكر في فتاوى أبي الليث مسألة تدل على الحنث: ولو حلف لا يأكل رمانًا فجعل يمضغه ويرمي بتفله ويبتلع ماءه لم يحنث؛ لأن هذا يسمى مصا لا أكلا ولا شربًا، ولو حلف لا يأكل هذا اللبن فشربه لم يحنث، ويحنث إذا برد فيه، ولو حلف لا يشرب فترد فيه فأكله؛ لا يحنث قالوا: هذا إذا كانت اليمين بالعربية، أما إذا كانت بالفارسية فأكل أو شرب يحنث، وعليه الفتوى كذا في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان (٣). قوله: (فهو)؛ أي: اليمين (على ثمرها)، حتى لو كانت النخلة شيئًا فأكل من ثمرها يقع على ثمنها، ذكره في الفوائد الحميدية.

стр. 3736

إِلَى مَا لَا يُؤْكَلُ فَيَنصَرِفُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَهُوَ الثَّمَرُ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ فَيَصْلُحُ مَجَازًا عَنهُ، لَكِنَّ الشَّرطَ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ بِصُنعِهِ جَدِيدَة حَتَّى لَا يَحنَثَ بِالنَّبِيذِ وَالخَلِّ وَالدِّيسِ المَطبوخ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا البُسرِ، فَصَارَ رُطَبًا فَأَكَلَهُ لَم يَحنَث. وَكَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ، أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، فَصَارَ تَمرًا، أَوْ صَارَ اللَّبَنُ وفي الذخيرة: حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئًا فأكل من ثمرها، أو طلعها، أو بسرها، أو دبسها؛ حنث، وبه قال الشافعي وأحمد. ثم قال: وأراد من الدبس ما يسيل من الرطب. وإذا اتخذ من الدبس ناطفًا أو نبيذًا لا يحنث؛ لأن يمينه ينصرف إلى ما يخرج من النخلة، والنبيذ والناطف لم يخرجا منها. وكذا لو قال: من هذا الكرم، فأكل من عنبه، أو زبيبه، أو عصيره حنث؛ لأن هذه الأشياء خارجة من الكرم، أما لو أكل من خله لا يحنث؛ لأنه ليس بخارج منه بهذه الصفة. وقيد الدبس بالمطبوخ - وإن كان الدبس لا يكون إلا مطبوخا - لما أن (١) الدبس يُطلق على ما يسيل من النخلة وغيرها، كما ذكر في الذخيرة. فكل ما يتغير بصنعه جديدة من ذلك الثمر ليس ذلك الثمر، قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥]، فالله تعالى عطف ما عملته أيديهم على الثمر، والعطف يقتضي المغايرة. قوله: (حلف لا يأكل من هذا اللبن)، المراد من اللبن الصغراط والشيراز هو اللبن الرائب؛ أي: الخائر إذا استخرج ماؤه حتى صار الصغراط كالفالوذج (٢) الخائر، وقال الشافعي: بأكل الشيراز يحنث، وبعض أصحابه توقف في الشيراز؛ لأن له اسما آخر (٣). الأصل في هذه المسائل عندنا أن كل صفة داعية إلى اليمين تعتبر في

стр. 3737

شِيرَازًا: لَم يَحنَتْ)؛ لِأَنَّ صِفَةَ البُسُورَةِ وَالرُّطُوبَةِ دَاعِيَةٌ إِلَى اليَمِينِ، وَكَذَا كُونُهُ لَبَنا فَيَتَقَيَّدُ بِهِ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ مَأْكُولٌ فَلَا يَنصَرِفُ اليَمِينُ إِلَى مَا يُتَّخَذُ مِنهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ أَوْ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعدَمَا شَاخَ، لِأَنَّ هِجْرَانَ المُسلِمِ بِمَنعِ الكَلَامِ مَنهِيٌّ عَنهُ، فَلَم يُعتَبَر الدَّاعِي دَاعِيا فِي الشَّرع. (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحمَ هَذَا الحَمَلِ، فَأَكَلَ بَعدَمَا صَارَ كَبشًا حَنِثَ)؛ لِأَنَّ صِفَةَ الصِّغَرِ فِي هَذَا لَيسَت بِدَاعِيَة إِلَى اليَمِينِ، فَإِنَّ المُمتَنِعَ عَنْهُ أَكثَرُ امتِنَاعًا عَنْ لَحمِ الكبش. [المعرف والمنكر، وما لا يكون داعية إلى اليمين يعتبر في] (١) المنكر لا المعرَّف كما بين في الأصول. وللشافعي في هذا وجهان: أنه لا يحنث بزوال هذه الصفة سواء كانت إلى اليمين أو لا في المعرف (٢)، وبه قال أحمد والثاني: يحنث، كما قال (٣) في الحمل والصبي. (فَيَتَقَيَّدُ به)؛ أي: بكونه لبنا، وإن كانت الصفة في الحاضر لغو؛ لأنها داعية إلى اليمين. (إلى ما يتخذ منه)؛ أي: ما يصنع منه كالأقط، والجُبْنِ، ذكره في المبسوط (٤). وفي كتب الشافعي: كالجبن والزبد والسمن والأقط، والمصل؛ أي: لا يحنث عنده أيضًا، وبه قال أحمد. قوله: (لأن هجران المسلم إلى آخره، وفي جامع فخر الإسلام: الشرع أمرنا بتحمل أخلاق الصبيان والنصح لهم فبطل الداعي بدليل شرعي؛ بخلاف قوله: (لا يأكل من هذا الرطب) (٥)؛ لأنه لا حجر شرعًا عن هجران هذه

стр. 3738

قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسرًا فَأَكَلَ رُطَبًا لَم يَحنَث) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيُسر. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ يُسرًا أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، وَلَا بُسرًا، فَأَكَلَ مُذَنْبًا حَنِثَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَحنَثُ فِي الرُّطَبِ) (*) يَعْنِي بِالبُسْرِ المُذَنِّبِ وَلَا فِي البُسرِ بِالرُّطَبِ المُذَنِّبِ، لِأَنَّ الرُّطَبَ المُذَنْبَ يُسَمَّى رُطَبًا، وَالبُسْرَ المُذَنِّبَ يُسَمَّى يُسرًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ اليَمِينُ عَلَى الشِّرَاءِ. وَلَهُ: أَنَّ الرُّطَبَ المُذَنِّبَ مَا يَكُونُ فِي ذَنَبِهِ قَلِيلُ بُسر، وَالبُسْرَ المُذَنِّبَ عَلَى عَكْسِهِ، الرطوبة أو الرغبة فيها فوجب تقييد اليمين به. فإن قيل: التعليل بكون الهجران حرامًا كيف يصح فإن اليمين ينعقد على الحرام المحض، كما لو حلف ليشرب الخمر الليلة أو اليوم عندنا؟ قلنا: النهي الشرعي [يصلح] (١) دليلا على ترك الحقيقة فيما إذا كان مجاز للكلام حملا لأمر المسلم على الصلاح، أما إذا عقد يمينه على الحرام قصدًا فينعقد. وفي حمل الكلام على المجاز في قوله: (لا أكلم هذا الصبي) (٢) أبحاث كثيرة في بيان الوصول. قوله: (فأكل رطبا لم يحنث)؛ لأنه ليس ببسرٍ، ولا خلاف للأئمة الثلاثة، وكذا (لو) حلف لا يأكل رُطبًا) فأكل بسرًا؛ لم يحنث أيضًا بإجماع الأئمة؛ لأن البسر غير الرطب. قوله: (فأكل بُسْرًا مُذَنّبًا)، يقال: بسر مذنب - بكسر النون - إذا بدا الإرطاب من قبل ذنبه، وهو ما سفل من جانب القمع والعلامة، ذكره في المغرب (٣). (حنث عندهما)؛ أي: عند أبي حنيفة ومحمد وهو موافق لعامة نسخ أصحابنا كشروح الجامعين، والمبسوط، والإيضاح، والمنظومة، والأسرار

стр. 3739

فَيَكُونُ آكِلُهُ آكِلَ البُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَكُلُّ وَاحِد مَقصُودٌ فِي الأَكلِ بِخِلَافِ الشَّرَاءِ، لِأَنَّهُ يُصَادِفُ الجُملَةَ فَيَتَبَعُ القَلِيلُ فِيهِ الكَثِيرَ. وَلَو حَلَفَ لَا يَشتَرِي رُطَبًا، فَاشْتَرَى كِبَاسَةَ بسر فِيهَا رُطَبٌ لَا يَحنَثُ لِأَنَّ الشَّرَاءَ يُصَادِفُ الجُملَةَ وَالمَعْلُوبَ تَابِعٌ (وَلَو كَانَتْ اليَمِينُ عَلَى الأَكلِ يَحنَثُ) لِأَنَّ الأَكلَ يُصَادِقُهُ شَيْئًا فَشَيئًا، فَكَانَ كُلُّ مِنْهُمَا مَقصُودًا، وَصَارَ كَمَا إِذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي شَعِيرًا أَوْ لَا يَأْكُلُهُ، فَاشْتَرَى حِنطَة فِيهَا حَبَّاتُ شَعِير وَأَكَلَهَا، يَحنَثُ فِي الأَكلِ دُونَ الشَّرَاءِ لِمَا قُلْنَا. وغيرها، وفي عامة نسخ الهداية قول محمد مع أبي يوسف، وفي النهاية: والله أعلم بصحته. وفي الكافي: هكذا ذكر في الهداية، ولكن النسخ المعتبرة تشهد بأنه مع أبي حنيفة، وبقولهما قال الشافعي وأحمد، وبقول أبي يوسف قال الإِصْطَخْرِي وأبو علي من أصحاب الشافعي. فالحاصل أن أبا يوسف اعتبر الغالب؛ إذ المغلوب في مقابلته كالمعدوم عُرفًا؛ لأن عامة رطب يسمى رطبًا عُرفًا لا بسرًا، وكذا العكس وشرعًا؛ إذ العبرة للغالب في الأحكام الشرعية كما في الرضاع وغيره، وكما لو حلف لا يشتري رطبا فاشترى بسرا مذنبا لا يحنث. قوله: (فيكون أكله)؛ أي: أكل المُذَنّب كأكل البسر أو الرطب وهو المحلوف؛ لأنه أكل المحلوف عليه وزيادة فيحنث؛ ولهذا لو ميزه وأكله يحنث بالإجماع، فكذا إذا أكله مع غيره. فإن قيل: لو حلف لا يشرب هذا اللبن فصب فيه ماء - والماء غالب - فشرب لا يحنث وإن شرب المحلوف مع زيادة. قلنا: اللبن بانصباب الماء يشيع ويميع في جميع أجزاء الماء فيصير مستهلكا حتى لا يُرَى مكانه، وههنا يُرَى مكانه فكان قائما زمان التناول. فإن قيل: الحنث يكون بالمضغ والابتلاع، وعند ذلك يصير مستهلكا ولا يرى مكانه؛ ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل حنطة فأكل شعيرا فيها حبات حنطة إن أكل حبة حبة حنث، وإن جمع بين الحبات من النوعين في الأكل لا يحنث؛ لأنها تصير مستهلكة عنده.

стр. 3740

قال: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ السَّمَكِ لَا يَحْنَثُ وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَحْنَثَ، قلنا: نعم، ولكن مع الاستهلاك ثُمَّ أوضح؛ لأنه حينئذ لا يجد من طعم الحنطة شيئًا في حلقه، بخلاف ما لو أكل بسرًا مذنبا فإنه يجد في حلقه شيئًا من حموضته؛ أي: البسر وحلاوة الرطب، ولأن البسر والرطب جنس واحد، ومن أصل أبي يوسف أن المغلوب يصير مستهلكًا بالغالب وإن اتحد الجنس، وعندهما في الجنس لا يكون الأقل مستهلكًا فيعتبر كل واحد منهما. وفي الجنس المختلف يعتبر الغالب وقد مر في الرضاع الكناسة (سر خرما). وفي الكافي: حلف لا يشتري صوفًا، أو لبنا، أو رطبًا، أو شعيرا، أو قصبًا، أو شعرًا، فاشترى شاة لها صوف أو لبن [أو] (١) كناسة بسر فيها رطب، أو برا فيها حبات شعير، أو بوريًا أو مسحًا لا يحنث؛ لأن الشراء معتبر بالبيع لكونه بناء عليه فكل من يسمى بائعًا لشيء يسمى مشتريًا لذلك الشيء، وإلا لا. ولا يسمى بائع هذه الأشياء بائع المحلوف عليه عرفًا، فمشتريه يكون كذلك. ولو عقد اليمين على المس في الوجوه كلها يحنث؛ لأن الحقيقة تركت في الشراء للعرف ولا عرف في المس، فتعتبر الحقيقة، بخلاف القطن والكتان، فإنه لو حلف لا يمس قطنا أو كتانًا فمس ثوبًا اتخذ من قطن أو كتان لا يحنث فيهما؛ لأن المحل تغير بالصنعة وصار شيئًا آخر فلم يوجد مس ما تناوله الاسم حقيقة، والأكل كالمس فيحنث في مسألة الرطب والشعير في الأكل؛ لأن الأكل يصادف شيئًا فشيئًا فكأن كل منهما مقصودًا، بخلاف الشراء؛ لأنه يصادف الجملة فيعتبر الغالب وصار المغلوب تبعًا له. قوله: (فأكل لحم السمك)، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، (والقياس أن يحنث)، وهو قول مالك وأحمد في رواية، وبعض أصحاب الشافعي.

стр. 3741

لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا فِي القُرآنِ. وَجهُ الاستحسَانِ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَجَازِيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّحْمَ مَنشَؤُهُ مِنْ الدَّمِ وَلَا دَمَ فِيهِ لِسُكُونِهِ فِي المَاءِ (وَإِنْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِير أَوْ لَحمَ إِنسَان يَحنَثُ) لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقِيٌّ، إِلَّا أَنَّهُ حَرَامٌ. وَاليَمِينُ قَدْ تُعقَدُ لِلمَنعِ مِنْ الحَرَامِ (وَكَذَا إِذَا (لأنه يسمى لحما في القرآن)، قال تعالى: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، والمراد لحم السمك بالإجماع. وقلنا: تسميته لحما مجاز؛ لأن اللحم ينشأ من الدم، ولحمه لا ينشأ من الدم؛ إذ الدموي لا يسكن الماء؛ ولهذه يباح بلا زكاة، ولو كان له دم لما أبيح، ومطلق اسم اللحم يتناول الكامل لا القاصر، فخرج عن مطلقه بدلالة اللفظ، ومبنى الأيمان على العُرف لا على [ألفاظ] (١) القرآن كما بينا؛ ولهذا لو حلف لا يركب دابة فركب كافرًا لا يحنث بالإجماع وإن سماه في القرآن دابة، والعرف معنا فإنه لا يسمى بائعه لحامًا، ولا يستعمل استعمال اللحوم في المباحات إلا أن ينوي فحينئذ يعتبر؛ لأنه لحم من وجه وفيه تشديد عليه، والمسألة مستقصاة في الأصول. قوله: (وإن أكل لحم خنزير أو لحم إنسان يحنث)، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد ومالك؛ لأنه لحم حقيقة وإن كان حرامًا كالمغصوبة، ولا يقال: الكفارة فيها معنى العبادة فكيف تجب بالحرام المحض؟ لأنا نقول: الحل والحرمة تراعى في السبب لا في الشرط، وسبب وجوب الكفارة اليمين لا الحنث، وإنما لا يجوز به التكفير قبل الحنث ليكون اليمين موصوفا بالإباحة والحظر، وأصل اليمين مباح والحنث حرام، كذا قيل. وقال الشافعي في وجه: لا يحنث، وبه قال أشهب المالكي؛ لأن اليمين يقع على المعتاد، وهكذا قال الزاهد العتابي من أصحابنا فلا يحنث، وعليه الفتوى ذكره في الكافي، ولو أكل كبدًا أو كرشًا أو طحالا أو رئة يحنث أيضًا، وبه قال الشافعي في وجه وقال في الأصح: لا يحنث، وبه قال أحمد؛ لأن هذه الأشياء تفرد باسم آخر فلا تسمى لحمًا عرفًا إلا أن ينوي فيحنث؛ لأن فيه

стр. 3742

أَكَلَ كَبِدًا أَوْ كِرْشًا) لِأَنَّهُ لَحْمُ حَقِيقَة، فَإِنَّ نُمُوَّهُ مِنْ الدَّمِ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ. وَقِيلَ: فِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَتُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ لَحْمًا. قَالَ: (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أَوْ لَا يَشتَرِي شَحْمًا، لَم يَحنَثْ إِلَّا فِي شَحْمِ البَطنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ … ... تشديد على نفسه. قوله: (وقيل في عرفنا)، قال صاحب المحيط: هذا في عرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنت؛ لأنه لا يعد لحما ولا يستعمل استعمال اللحوم (١). وفي المحيط: لو أكل اللحم النيء، قيل: يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد، وقيل: لا يحنث، وبه قال مالك ولو أكل الرأس والأكارع، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية (٢). وبأكل القلب يحنث عندنا، وبه قال الشافعي في وجه؛ ولهذا قال ﵇: «إن في الجسد لمضغة» (٣) والمضغة القطعة من اللحم، وقال الشافعي في الأصح: لا يحنث لما ذكرنا. وبأكل اللحم والألية لا يحنث في اليمين إلا إذا نواه في اليمين باللحم، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد. وبأكل شحم الظهر يحنث، وبه قال الشافعي في الأصح، ومالك، وفي وجه: لا يحنث، وبه قال أحمد؛ لأنه تفرد باسم آخر، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]. قوله: (إلا في شحم البطن عند أبي حنيفة)، حتى لو أكل شحم الظهر - وهو الذي خالطه لحم - لم يحنث عنده، وهو الصحيح. وقال الطحاوي: قول محمد مثل قول أبي حنيفة. وبقول أبي حنيفة قال الشافعي في الأصح ومالك.

стр. 3743

وَقَالَا: يَحنَثُ فِي شَحْمِ الظَّهْرِ أَيضًا) (*) وَهُوَ اللَّحمُ السَّمِينُ لِوُجُودِ خَاصِّيَّةِ الشَّحْمِ فِيهِ، وَهُوَ الذَّوبُ بِالنَّارِ. وَلَهُ: أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَة؛ أَلَا تَرَاهُ أَنَّهُ يَنشَأُ مِنْ الدَّمِ وَيُسْتَعْمَلُ استعمَالَهُ وَتَحصُلُ بِهِ قُوَّتُهُ، وَلِهَذَا يَحنَثُ بِأَكلِهِ فِي اليَمِينِ عَلَى أَكل اللَّحْمِ، وَلَا وقال أبو يوسف ومحمد: (يحنث في شحم الظهير أيضًا)، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية (لوجود خاصية الشحم فيه وهو الذوب بالنار)، ويصلح لما يصلح له شحم البطن فكان كشحم البطن؛ ألا ترى] أنه تعالى استثنى [شحم الظهر بقوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، والأصل أن المستثنى أن يكون من جنس المستثنى] (١) منه. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة (أنه لحم حقيقة) وعرفًا، (ألا ترى أنه ينشأ من الدم، ويستعمل استعماله) في المباحات، وله قوة اللحم، واسم الشحم لا يقع على اللحم السمين؛ ولهذا لو حلف لا يأكل لحما فأكله حنث، ويقال له بالعربية: اللحم السمين، وبالفارسية: فربهي لابيه، وأما الاستثناء فمنقطع بدلل استثناء الحوايا بقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. ولو قيل: المراد ما حملته الحوايا. قلنا: ذاك إضمار، وهو خلاف الأصل [والانقطاع] (٢) في الاستثناء وإن كان خلاف الأصل لكنه يثبت بالدليل وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ الآية؛ لأن أحدًا لم يقل بأن مخ العظم شحم، كذا في جامع السرخسي. وفي الذخيرة: والصحيح قول أبي حنيفة. وفي الكافي: فصارت الشحوم أربعة: شحم الظهر، وشحم مختلط بالعظم، وشحم على ظاهر الأمعاء، وشحم البطن، وفي شحم البطن يحنث بالاتفاق، والثلاثة على الاختلاف.

стр. 3744

يَحنَثُ بِبَيعِهِ فِي اليَمِينِ عَلَى بَيعِ الشَّحْمِ، وَقِيلَ: هَذَا بِالعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا اسمُ «بِيه» بِالفَارِسِيَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى شَحْمِ الظَّهْرِ بِحَال. (وَلَو حَلَفَ لَا يَشْتَرِي، أَوْ لَا يَأْكُلُ لَحمًا أو شحمًا، فَاشْتَرَى إِليَة أَوْ أَكَلَهَا لَم يَحنَثْ) لِأَنَّهُ نَوعٌ ثَالِثُ، حَتَّى لَا يُستَعمَلَ اسْتِعْمَالَ اللُّحُومِ وَالشُّحُومِ. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الحِنْطَةِ لَم يَحنَتْ حَتَّى يَقْضِمَهَا، وَلَو أَكَلَ مِنْ ولو كانت يمينه على الشراء لم يحنث بالاتفاق، ونقل هو على الخلاف أيضًا. وفي جامع قاضي خان: اختلف المشايخ في محل الخلاف، قيل: محل الخلاف في اللحم السمين على الظهر، وقيل في الشحم المتصل بالظهر من داخل، فإن كان الخلاف في اللحم السمين فكلام أبي حنيفة أظهر، وإن كان الخلاف في الشحم المتصل بالظهر فكلامهما أظهر. وقال الإمام السرخسي: لا يحنث بشحم الظهر في قولهم جميعًا. قوله: (وقيل هذا) أي هذا الاختلاف (بالعربية)، وفي المحيط: هذا الاختلاف في عرفهم، أما في لسان الفارسية الشحم لا يقع على شحم الظهر، حتى لو عزله فأكله قالوا: لا يحنث. قوله: (لأنه)، أي: الألية على تأويل المذكور (نوع ثالث)، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقال بعض أصحابه: هي لحم فيحنث بيمين اللحم دون الشحم، وقال بعض أصحابه: هو شحم فيحنث بيمين الشحم لا اللحم، وبه قال أحمد. وفي المحيط: حلف لا يأكل لحم شاة فأكل لحم عنز يحنث، وذكر أبو الليث: لا يحنث سواء كان الحالف مصريًا أو قرويًا، وعليه الفتوى. حلف لا يأكل لحم بقرة فأكل لحم الجاموس، لا يحنث. قوله: (من هذه الحنطة)، وفي الكافي: ولا نية له - فأكل من خبزها وسويقها لم يحنث عند أبي حنيفة، وكذا من دقيقها، حتى يقضمها، وبه قال الشافعي، ومالك.

стр. 3745

خُبْزِهَا لَمْ يَحنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: إِنْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا حَيْثُ أَيْضًا) لِأَنَّهُ مَفهُومٌ مِنهُ عُرفًا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً مُستَعمَلَة، فَإِنَّهَا تُقلَى وَتُعْلَى وَتُؤكَلُ قَضمًا، وَهِيَ قَاضِيَةٌ عَلَى المَجَازِ المُتَعَارَفِ عَلَى مَا هُوَ الأَصلُ عِندَهُ. وَلَو قَضَمَهَا حَنِثَ عِندَهُمَا هُوَ الصَّحِيحُ لِعُمُومِ المَجَازِ، كَمَا إِذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَان. وَإِلَيهِ الإِشَارَةُ بِقَولِهِ فِي الخُبْزِ «حَيْثُ أَيضًا». القضم الأكل بأطراف الأسنان من باب ليس، ذكره في المغرب (١). وعندهما يحنث بأكل خبزها، وبه قال أحمد، ومالك في رواية. وبأكل سويقها يحنث عند محمد، ولا يحنث عند أبي يوسف، محمد اعتبر عموم المجاز، وأبو يوسف العرف، ولا عرف في السويق. ولو قضمها يحنث عند الكل إلا عند أحمد. وإنما وضع المسألة في الحنطة المعينة لأنه لو عقد يمينه على حنطة غير معينة ينبغي أن يكون جوابه كجوابهما، ذكره شيخ الإسلام في أيمان الأصل، كذا في الذخيرة، والفوائد الظهيرية. ثم هذا الخلاف إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى فيمينه على ما نوى بالاتفاق] (٢)، ذكره في المبسوط (٣)، والذخيرة. فأبو حنيفة اعتبر الحقيقة المستعملة وعينها وكل فيصرف اليمين عليها، كمن حلف لا يأكل هذا الثمر فأكل عصيدة اتخذت منه، أو من هذه البقرة، أو من هذه الشاة فأكل من لبنهما، أو سمنهما، أو زبدهما، أو من هذه البيضة فأكل من فرخها؛ لم يحنث بالاتفاق، ذكره التمرتاشي. وهما اعتبرا عموم المجاز والعُرف، والمسألة مستقصاة في الأصول. وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما ذكر في المبسوط أنه لو قضمها - بكسر الضاد -لا يحنث عندهما، ورجح في الذخيرة والفوائد الظهيرية رواية

стр. 3746

قال: (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ، فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهِ حَنِثَ) لِأَنَّ عَيْنَهُ غَيْرُ مَأْكُول فَانصَرَفَ إِلَى مَا يُتَّخَذُ مِنهُ (وَلَو اسْتَفَّهُ كَمَا هُوَ لَا يَحنَثُ) هُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَيُّنِ المَجَازِ مُرَادًا. (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْرًا، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يَعتَادُ أَهلُ المِصْرِ أَكلَهُ. المبسوط، وفي رواية الجامع: يحنث، ورجحها شمس الأئمة في مبسوطه، وقاضي خان في جامعه كما ذكر في الكتاب. وفي الذخيرة: حلف لا يأكل من هذه الحنطة فزرعها وأكل ما خرج منها لا يحنث بالاتفاق، وفي المحيط (١): لو أكل النيء منها لا يحنث، وفي الأصول يحنث. قوله: (فانصرف إلى ما يتخذ منه)؛ أي: من الدقيق، وكذا لو أكل عصيدته، وبه قال مالك وأحمد. (وَلَوْ اسْتَفَهُ)؛ أي: أكله - يقال: سف الدواء والسويق، فكل شيء يابس أكله من باب ليس واستف السفوف بفتح السين، وهو كل دواء يؤخذ غير معجون، وقيل: السفوف دواء يوضع على كف ويؤكل من غير مضغ - لم يحنث، وبه قال أحمد. قوله: (هو الصحيح) احتراز عما ذكر بعض مشايخنا أنه يحنث، وبه قال الشافعي فإن عند الشافعي لا يحنث بأكل خبزه؛ لأنه يأكل الدقيق حقيقة، فالعرف وإن اعتبر فالحقيقة لا تسقط، ولو نوى الدقيق بعينه يأكل الخبز بالإجماع؛ لأنه نوى حقيقة كلامه. والأصح أنه لا يحنث بعين الدقيق بغير النية؛ لأن هذه حقيقة مهجورة فتعين المجاز مرادًا، كمن قال لأجنبية: إن نكحتها فعبده حر، فزني، لم يحنث؛ لأن يمينه انصرف إلى العقد فلم يتناول حقيقته وهو الوطء؛ لأنه مهجور، أما لو نوى يحنث؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، كذا في المبسوط (٢). قوله: (عَلَى مَا يُعْتَادُ أَهْلُ المِصْرِ أَكْلَهُ)، وقال الشافعي: يحنث بأكل أي

стр. 3747

خُبْزًا) وَذَلِكَ خُبْزُ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُعتَادُ فِي غَالِبِ البُلْدَانِ (وَلَو أَكَلَ مِنْ خُبْزِ القَطَائِفِ لَا يَحنَثُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُبزًا مُطلَقًا، إِلَّا إِذَا نَوَاهُ، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ (وَكَذَا لَو أَكَلَ خُبْزَ الأُرزِ بِالعِرَاقِ لَم يَحنَتْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعتَادِ عِنْدَهُمْ حَتَّى لَو كَانَ بِطَبَرِستَانَ أَوْ فِي بَلدَة طَعَامُهُم ذَلِكَ يَحنَثُ. خبز كان، ولم يفرق بين جنس وجنس، وبه قال مالك لاعتبار الحقيقة. وفي شرح الوجيز: وهو المذهب، وما ذكر في الوجيز: ولم يحنث بخبز الأرز إلا بطبرستان وهي آمل وبلادها (١). وفي الأنساب: سمعتُ القاضي أبا بكر الأنصاري ببغداد: إنما سُمِّي طبرستان وهي تبرستان؛ لأن أهلها كانوا يحاربون بها، يعني الفأس فعرب. وقيل: طبرستان، والنسبة إليها طبري (٢). وفي الذخيرة: حلف لا يأكل خبزًا ولا نية فأكل كليجة (٣) وجُوزَينجا (٤)، أو نوالة بربدة، قال محمد بن سلمة: لا يحنث في الوجوه كلها؛ لأنها لا تسمى خبزًا مطلقا. وقال أبو الليث: لو أكل الكليجة والنوالة المقطوعة يحنث؛ لأن الكليجة خبز حقيقة وعُرفًا، واختصاصها باسم آخر للزيادة لا للنقصان فلا يمنع دخولها تحت مطلق الاسم، وأما النوالة فخبز ضمت إليها أشياء أخر.

стр. 3748

(وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّوَاءَ، فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ دُونَ البَاذِنجَانِ وَالجَزَرِ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ اللَّحمُ المَشوِيُّ عِنْدَ الإِطْلَاقِ، إِلَّا أَنْ يَنوِيَ مَا يُشوَى مِنْ بَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَكَانِ الحَقِيقَةِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّبِيخَ، فَهُوَ عَلَى مَا يُطْبَخُ مِنْ اللَّحْمِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ ولا يحنث بأكل الجُوزَيَنج لأنه لا يسمى خبزًا، بل يسمى قطائف فيسمى خبزًا مقيدًا يقال: خبز الجُوزَينج كما يقال بالفارسية: (نار زودالوا). ولو حلف لا يأكل هذا الخبز فجففه ودقه ثم شربه بماء لم يحنث، وبه قال الشافعي؛ لأن هذا ليس بأكل، بل هو شرب، وهو الحيلة فيما لو قال: إن أكلت هذا الخبز فامرأته طالق، ينبغي أن يدقها وفيبلعها في عصيدة ثم يأكلها، ويطبخ حتى يصير الخبز هالكًا فيأكل العصيدة ولا يحنث. وفي المحيط: لو أكله مبلولا حنث (١). قوله: (من بيض أو غيره) كالسلق والباذنجان وهو القياس، وبه أخذ الشافعي ومالك فيحنث عندهما بكل مشوي بلا نية، وقول أحمد كقولنا لمكان الحقيقة، وفيه تشديد على نفسه. قوله: (وهذا استحسان)، وفي المبسوط: القياس أن يحنث في اللحم وغيره مما يطبخ، والأخذ بالقياس هاهنا يفحش، فإن المسهل من الدواء مطبوخ، ونحن نعلم أنه لم يرد بذلك، فحملنا على أخص الخصوص وهو اللحم؛ لأنه يطبخ في المباحات عادة وينسمى مُتَّخذ ذلك طباخا، ولا يسمى من يطبخ الآجر طباخا، وإنما يحنث باللحم المطبوخ بالماء، فأما القلية اليابسة فلا تسمى مطبوخا، ولا يقال لمن أكل الباقلاء المطبوخ قد أكل الطبيخ (٢). وفي شرح الوجيز: يقع على اللحم يجعل في الماء ويطبخ ويجعل على مرقته، وعن بعضهم: يقع على الشحم أيضًا، ولو طبخ أرز عدس بودك فهو طبيخ، وبزيت وسمن لا (٣).

стр. 3749

اعتبارًا لِلعُرفِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْمِيمَ مُتَعَذِّرٌ فَيُصْرَفُ إِلَى خَاصٌ هُوَ مُتَعَارَفٌ وَهُوَ اللَّحْمُ المَطبُوخُ بِالمَاءِ، إِلَّا إِذَا نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ تَشدِيدًا، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ يَحنَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ أَجزَاءِ اللَّحْمِ، وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيحًا. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤوسَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُكبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعُ فِي المصرِ) وَيُقَالُ: يُكنَسُ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَهُوَ عَلَى رُؤُوسِ البَقَرِ وَالغَنَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: عَلَى الغَنَمِ خَاصَّة، وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصرٍ وَزَمَانٍ، كَانَ العُرفُ فِي زَمَنِهِ فِيهِمَا وَفِي قوله: (فيمينه على ما يُكْبَسُ)؛ أي: يُعَمُّ به التنور؛ أي: يدخل فيه من كبس الرجل رأسه في جيب قميصه إذا أدخله، ذكره في المغرب (١). وعند الشافعي يمينه على ما يباع منفردًا وهي رؤوس الإبل والبقر والغنم، فإن كان في بلد يباع فيه رؤوس الصيد منفردًا حنث بأكلها، وإن كان في بلد لا يباع فيه فقد قيل: لا يحنث، وقيل: يحنث. وقال مالك: يقع يمينه على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان وبه قال أحمد؛ لعموم الاسم فيه حقيقة وعُرفا، وعند أشهب المالكي: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام الأربعة؛ للعُرف الغالب هذا إذا لم ينو شيئًا نوعًا، فإن نوى فيمينه على ما نوع بالإجماع وعلى هذا الخلاف الشراء. قوله: (وهذا) أي: الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه (اختلاف عصر وزمان). (وكان العرف في زمنه)؛ أي: زمن أبي حنيفة فإنه لما رأى [عادة] (٢) أهل الكوفة في رأس الإبل والبقر والغنم قال بدخولها في اليمين، فلما تركوا هذه العادة في الإبل رجع، وقال: يدخل فيها رأس البقر [والغنم] (٣) والخاصة. ثم إن أبا يوسف ومحمدًا لما شاهدا عادة أهل بغداد وسائر البلاد أنهم لا

стр. 3750

زَمَنِهِمَا فِي الغَنَمِ خَاصَّة، وَفِي زَمَانِنَا يُفْتَى عَلَى حَسَبِ العَادَةِ، كَمَا هُوَ المَذْكُورُ فِي المُختَصَر. قال: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَأَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا أَوْ رُطَبًا أَوْ قِثَّاء أَوْ خِيَارًا لَم يَحنَتْ، وَإِنْ أَكَلَ تُفَاحًا أَوْ بِطِيخًا أَوْ مِشمِشًا حَنِثَ، يفعلون ذلك إلا في رأس الغنم قالا: لا يحنث [إلا] (١) به. فالحاصل اعتبار العرف وعليه الفتوى؛ إذ العرف الظاهر أصل في مسائل الأيمان، وعن ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: لا يحنث إلا برأس الغنم، وعن القفال: لو قال بالفارسية (سبريات بخورم) لا يحنث إلا برؤوس الغنم (٢). فإن قيل: الناس لا يبيعون لحم الخنزير والآدمي، ولا فيهما عرف ظاهر في أسواقهم، ومع ذلك يحنث بأكلهما إذا حلف لا يأكل لحما. قلنا: الأصل فيه؛ أي: عقد اليمين إن كان على فعل مضاف إلى شيء فإن أمكن العمل بحقيقته يعمل بها وإن لم يكن مُتَعَارَفًا، وإن لم يمكن يجب تقييده بالمتعارف. فإذا ثبت هذا ففيما نحن فيه العمل بحقيقته غير ممكن؛ لأن الرأس يقع على العظم واللحم، وأكل العظم ممتنع، وفي أكل اللحم بحقيقته ممكن؛ لأن اللحم يؤكل بجميع أجزائه فيتقيد اليمين بالحقيقة، وبهذا يخرج الجواب عما ورد شبهة في اليمين من لا يركب دابة حيث لا يحنث بركوب الكافر وإن كان دابة حقيقة، وورد الشرع به؛ لأن العمل بركوب كل دابة غير ممكن فإن النملة دابة ولا يمكن ركوبها، فوجب تقييده بالمتعارف وهو الفرس، والبغل، والحمار. فإن قيل: هذا الأصل لا يستقيم في الشراء؛ لأن شراء الرأس بجميع أجزائه ممكن. قلنا: ليس كذلك؛ لأن من الرؤوس ما لا يمكن شراؤه شرعًا كرأس النمل
следующие страницы →