قال: (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ، فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهِ حَنِثَ) لِأَنَّ عَيْنَهُ غَيْرُ مَأْكُول فَانصَرَفَ إِلَى مَا يُتَّخَذُ مِنهُ (وَلَو اسْتَفَّهُ كَمَا هُوَ لَا يَحنَثُ) هُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَيُّنِ المَجَازِ مُرَادًا. (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْرًا، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يَعتَادُ أَهلُ المِصْرِ أَكلَهُ.
المبسوط، وفي رواية الجامع: يحنث، ورجحها شمس الأئمة في مبسوطه، وقاضي خان في جامعه كما ذكر في الكتاب.
وفي الذخيرة: حلف لا يأكل من هذه الحنطة فزرعها وأكل ما خرج منها لا يحنث بالاتفاق، وفي المحيط (١): لو أكل النيء منها لا يحنث، وفي الأصول يحنث.
قوله: (فانصرف إلى ما يتخذ منه)؛ أي: من الدقيق، وكذا لو أكل عصيدته، وبه قال مالك وأحمد.
(وَلَوْ اسْتَفَهُ)؛ أي: أكله - يقال: سف الدواء والسويق، فكل شيء يابس أكله من باب ليس واستف السفوف بفتح السين، وهو كل دواء يؤخذ غير معجون، وقيل: السفوف دواء يوضع على كف ويؤكل من غير مضغ - لم يحنث، وبه قال أحمد.
قوله: (هو الصحيح) احتراز عما ذكر بعض مشايخنا أنه يحنث، وبه قال الشافعي فإن عند الشافعي لا يحنث بأكل خبزه؛ لأنه يأكل الدقيق حقيقة، فالعرف وإن اعتبر فالحقيقة لا تسقط، ولو نوى الدقيق بعينه يأكل الخبز بالإجماع؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
والأصح أنه لا يحنث بعين الدقيق بغير النية؛ لأن هذه حقيقة مهجورة فتعين المجاز مرادًا، كمن قال لأجنبية: إن نكحتها فعبده حر، فزني، لم يحنث؛ لأن يمينه انصرف إلى العقد فلم يتناول حقيقته وهو الوطء؛ لأنه مهجور، أما لو نوى يحنث؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، كذا في المبسوط (٢).
قوله: (عَلَى مَا يُعْتَادُ أَهْلُ المِصْرِ أَكْلَهُ)، وقال الشافعي: يحنث بأكل أي
стр. 3747
خُبْزًا) وَذَلِكَ خُبْزُ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُعتَادُ فِي غَالِبِ البُلْدَانِ (وَلَو أَكَلَ مِنْ خُبْزِ القَطَائِفِ لَا يَحنَثُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُبزًا مُطلَقًا، إِلَّا إِذَا نَوَاهُ، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ (وَكَذَا لَو أَكَلَ خُبْزَ الأُرزِ بِالعِرَاقِ لَم يَحنَتْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعتَادِ عِنْدَهُمْ حَتَّى لَو كَانَ بِطَبَرِستَانَ أَوْ فِي بَلدَة طَعَامُهُم ذَلِكَ يَحنَثُ.
خبز كان، ولم يفرق بين جنس وجنس، وبه قال مالك لاعتبار الحقيقة.
وفي شرح الوجيز: وهو المذهب، وما ذكر في الوجيز: ولم يحنث بخبز الأرز إلا بطبرستان وهي آمل وبلادها (١).
وفي الأنساب: سمعتُ القاضي أبا بكر الأنصاري ببغداد: إنما سُمِّي طبرستان وهي تبرستان؛ لأن أهلها كانوا يحاربون بها، يعني الفأس فعرب.
وقيل: طبرستان، والنسبة إليها طبري (٢).
وفي الذخيرة: حلف لا يأكل خبزًا ولا نية فأكل كليجة (٣) وجُوزَينجا (٤)، أو نوالة بربدة، قال محمد بن سلمة: لا يحنث في الوجوه كلها؛ لأنها لا تسمى خبزًا مطلقا.
وقال أبو الليث: لو أكل الكليجة والنوالة المقطوعة يحنث؛ لأن الكليجة خبز حقيقة وعُرفًا، واختصاصها باسم آخر للزيادة لا للنقصان فلا يمنع دخولها تحت مطلق الاسم، وأما النوالة فخبز ضمت إليها أشياء أخر.
стр. 3748
(وَلَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّوَاءَ، فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ دُونَ البَاذِنجَانِ وَالجَزَرِ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ اللَّحمُ المَشوِيُّ عِنْدَ الإِطْلَاقِ، إِلَّا أَنْ يَنوِيَ مَا يُشوَى مِنْ بَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَكَانِ الحَقِيقَةِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّبِيخَ، فَهُوَ عَلَى مَا يُطْبَخُ مِنْ اللَّحْمِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ
ولا يحنث بأكل الجُوزَيَنج لأنه لا يسمى خبزًا، بل يسمى قطائف فيسمى خبزًا مقيدًا يقال: خبز الجُوزَينج كما يقال بالفارسية: (نار زودالوا).
ولو حلف لا يأكل هذا الخبز فجففه ودقه ثم شربه بماء لم يحنث، وبه قال الشافعي؛ لأن هذا ليس بأكل، بل هو شرب، وهو الحيلة فيما لو قال: إن أكلت هذا الخبز فامرأته طالق، ينبغي أن يدقها وفيبلعها في عصيدة ثم يأكلها، ويطبخ حتى يصير الخبز هالكًا فيأكل العصيدة ولا يحنث.
وفي المحيط: لو أكله مبلولا حنث (١).
قوله: (من بيض أو غيره) كالسلق والباذنجان وهو القياس، وبه أخذ الشافعي ومالك فيحنث عندهما بكل مشوي بلا نية، وقول أحمد كقولنا لمكان الحقيقة، وفيه تشديد على نفسه.
قوله: (وهذا استحسان)، وفي المبسوط: القياس أن يحنث في اللحم وغيره مما يطبخ، والأخذ بالقياس هاهنا يفحش، فإن المسهل من الدواء مطبوخ، ونحن نعلم أنه لم يرد بذلك، فحملنا على أخص الخصوص وهو اللحم؛ لأنه يطبخ في المباحات عادة وينسمى مُتَّخذ ذلك طباخا، ولا يسمى من يطبخ الآجر طباخا، وإنما يحنث باللحم المطبوخ بالماء، فأما القلية اليابسة فلا تسمى مطبوخا، ولا يقال لمن أكل الباقلاء المطبوخ قد أكل الطبيخ (٢).
وفي شرح الوجيز: يقع على اللحم يجعل في الماء ويطبخ ويجعل على مرقته، وعن بعضهم: يقع على الشحم أيضًا، ولو طبخ أرز عدس بودك فهو طبيخ، وبزيت وسمن لا (٣).
стр. 3749
اعتبارًا لِلعُرفِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْمِيمَ مُتَعَذِّرٌ فَيُصْرَفُ إِلَى خَاصٌ هُوَ مُتَعَارَفٌ وَهُوَ اللَّحْمُ المَطبُوخُ بِالمَاءِ، إِلَّا إِذَا نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ تَشدِيدًا، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ يَحنَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ أَجزَاءِ اللَّحْمِ، وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيحًا.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤوسَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُكبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعُ فِي المصرِ) وَيُقَالُ: يُكنَسُ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَهُوَ عَلَى رُؤُوسِ البَقَرِ وَالغَنَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: عَلَى الغَنَمِ خَاصَّة، وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصرٍ وَزَمَانٍ، كَانَ العُرفُ فِي زَمَنِهِ فِيهِمَا وَفِي
قوله: (فيمينه على ما يُكْبَسُ)؛ أي: يُعَمُّ به التنور؛ أي: يدخل فيه من كبس الرجل رأسه في جيب قميصه إذا أدخله، ذكره في المغرب (١).
وعند الشافعي يمينه على ما يباع منفردًا وهي رؤوس الإبل والبقر والغنم، فإن كان في بلد يباع فيه رؤوس الصيد منفردًا حنث بأكلها، وإن كان في بلد لا يباع فيه فقد قيل: لا يحنث، وقيل: يحنث.
وقال مالك: يقع يمينه على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان وبه قال أحمد؛ لعموم الاسم فيه حقيقة وعُرفا، وعند أشهب المالكي: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام الأربعة؛ للعُرف الغالب هذا إذا لم ينو شيئًا نوعًا، فإن نوى فيمينه على ما نوع بالإجماع وعلى هذا الخلاف الشراء.
قوله: (وهذا) أي: الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه (اختلاف عصر وزمان).
(وكان العرف في زمنه)؛ أي: زمن أبي حنيفة فإنه لما رأى [عادة] (٢) أهل الكوفة في رأس الإبل والبقر والغنم قال بدخولها في اليمين، فلما تركوا هذه العادة في الإبل رجع، وقال: يدخل فيها رأس البقر [والغنم] (٣) والخاصة.
ثم إن أبا يوسف ومحمدًا لما شاهدا عادة أهل بغداد وسائر البلاد أنهم لا
стр. 3750
زَمَنِهِمَا فِي الغَنَمِ خَاصَّة، وَفِي زَمَانِنَا يُفْتَى عَلَى حَسَبِ العَادَةِ، كَمَا هُوَ المَذْكُورُ فِي المُختَصَر.
قال: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَأَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُمَّانًا أَوْ رُطَبًا أَوْ قِثَّاء أَوْ خِيَارًا لَم يَحنَتْ، وَإِنْ أَكَلَ تُفَاحًا أَوْ بِطِيخًا أَوْ مِشمِشًا حَنِثَ،
يفعلون ذلك إلا في رأس الغنم قالا: لا يحنث [إلا] (١) به. فالحاصل اعتبار العرف وعليه الفتوى؛ إذ العرف الظاهر أصل في مسائل الأيمان، وعن ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: لا يحنث إلا برأس الغنم، وعن القفال: لو قال بالفارسية (سبريات بخورم) لا يحنث إلا برؤوس الغنم (٢). فإن قيل: الناس لا يبيعون لحم الخنزير والآدمي، ولا فيهما عرف ظاهر في أسواقهم، ومع ذلك يحنث بأكلهما إذا حلف لا يأكل لحما. قلنا: الأصل فيه؛ أي: عقد اليمين إن كان على فعل مضاف إلى شيء فإن أمكن العمل بحقيقته يعمل بها وإن لم يكن مُتَعَارَفًا، وإن لم يمكن يجب تقييده بالمتعارف.
فإذا ثبت هذا ففيما نحن فيه العمل بحقيقته غير ممكن؛ لأن الرأس يقع على العظم واللحم، وأكل العظم ممتنع، وفي أكل اللحم بحقيقته ممكن؛ لأن اللحم يؤكل بجميع أجزائه فيتقيد اليمين بالحقيقة، وبهذا يخرج الجواب عما ورد شبهة في اليمين من لا يركب دابة حيث لا يحنث بركوب الكافر وإن كان دابة حقيقة، وورد الشرع به؛ لأن العمل بركوب كل دابة غير ممكن فإن النملة دابة ولا يمكن ركوبها، فوجب تقييده بالمتعارف وهو الفرس، والبغل، والحمار.
فإن قيل: هذا الأصل لا يستقيم في الشراء؛ لأن شراء الرأس بجميع أجزائه ممكن. قلنا: ليس كذلك؛ لأن من الرؤوس ما لا يمكن شراؤه شرعًا كرأس النمل
стр. 3751
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: حَنِثَ فِي العِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ أيضًا) (*) وَالأَصلُ: أَنَّ الفَاكِهَةَ اسمٌ لِمَا يُتَفَكَّهُ بِهِ قَبلَ الطَّعَامِ وَبَعدَهُ: أَي يُتَنَعَمُ بِهِ زِيَادَة عَلَى المُعتَادِ، وَالرُّطَبُ وَاليَابِسُ فِيهِ سَوَاءٌ بَعدَ أَنْ يَكُونَ التَّفَكُهُ بِهِ مُعتَادًا حَتَّى لَا يَحنَثَ بِيَابِسِ البِطَّينِ، وَهَذَا المَعنَى مَوجُودٌ فِي التَّفَّاحِ وَأَخَوَاتِهِ، فَيَحْنَثُ بِهَا وَغَيْرُ مَوجُود فِي القِثَّاءِ وَالخِيَارِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ البُقُولِ بَيعًا وَأَكلَّا فَلَا يَحنَثُ بِهِمَا، وَأَمَّا
والذباب والآدمي، إليه أشار في الفوائد الظهيرية.
قوله: (وهذا عند أبي حنيفة)؛ أي: هذا المجموع على هذا التفصيل. (وقال أبو يوسف ومحمد) أي: أبو يوسف ومحمد (في العنب، والرطب، والرمان أيضًا) كما في غير الثلاثة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
والقثاء والخيار ليس من الفاكهة بالإجماع، والبطيخ من الفواكه عندنا، وللشافعي وأحمد فيه وجهان أصحهما أنه من الفواكه.
قوله: (زيادة على المعتاد)؛ أي: على الفداء الأصلي، ولهذا تسمى النار فاكهة الشتاء، والمزاح فاكهة لوجود زيادة التنعم فيهما.
(والرطب واليابس)؛ أي: اليابس من هذه الأشياء فاكهة بالإجماع إلا البطيخ فإنه لا يُعتاد يابسُهُ فاكهة في عامة البلاد،.
القثاء: الخيار والخيار: (بادرنك).
قوله: (بيعًا)، فإنهما يباعان مع البقول (وأكلًا) فإنهما يُوضعان على المائدة مع البقول هذا إذا لم ينو، فإن نواهما أو نوى الكل؛ فيمينه على ما نوى بالإجماع.
وفي التحفة ومشايخنا قالوا: هذا اختلافُ عُرف وزمان، فأبو حنيفة أفتى على حسب زمانه فإنهم لا يعدونها من الفواكه وتعد في زمانهما، وفي عُرفنا ينبغي أن يحنث أيضًا (١).
وفي المحيط: العبرة للعرف وما يؤكل عادة على سبيل التفكه يعد فاكهة في
стр. 3752
العِنَبُ وَالرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ فَهُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ مَعنَى التَّفَكَّهِ مَوجُودٌ فِيهَا، فَإِنَّهَا أَعَزُّ الفَوَاكِهِ وَالتَّنَعمُ بِهَا يَفُوقُ التَّنْعَمَ بِغَيْرِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهَا وَيُتَدَاوَى بِهَا فَأَوجَبَ قُصُورًا فِي مَعنَى التَّفَكُّهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ البَقَاءِ، وَلِهَذَا كَانَ الْيَابِسُ مِنهَا مِنْ التَّوَابِلِ أَوْ مِنْ الأَقوَاتِ.
قال: (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ فَكُلُّ شَيْء أَصْطُبغَ بِهِ فَهُوَ إِدَامٌ، وَالشَّوَاءُ لَيْسَ بِإِدَام،
العرف يدخل في اليمين، وما لا فلا.
قوله: (ومعنى التفكه موجود فيه) ا؛ أي: في العنب، والرطب، والرمان، وهي (أعز الفواكه) وأكملها، ومطلق الاسم يتناول الكامل، ولهذا فردت بالذكر في القرآن تخصيصا كما عطف [جبريل] (١) وميكائيل على الملائكة تعظيما لهما.
لأبي حنيفة أن هذه الأشياء مما تتعدى؛ فإن الرطب والعنب يؤكلان غذاءً ويتعلق بهما البقاء، وفي بعض المواضع يكتفون بهما للغذاء، والرمان يؤكل للتداوي فيتحقق القصور في معنى التفكه فلا يتناولهما مطلق اسم التفكه.
ألا ترى أن يابس هذه الأشياء لا يُعد من الفواكه، فالزبيب والتمر من الأقوات، وحب الرمان من التوابل، ولأنه قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿ … وَقَضَبًا﴾ ﴿وَفَاكِهَةٌ﴾ [عبس: ٢٨ - ٣١] فعطف الفاكهة عليها مرة، وعطفها على الفاكهة أخرى، والشيء لا يعطف على نفسه، مع أنه مذكور في موضع المنة، ولا يليق بالحكيم ذكر الشيء الواحد في موضع المنة بلفظين.
قوله: (اصطبغ به فهو إدام)، كالخل والزيت، والعسل، والزبد، واللبن، والملح، والمرق، ولفظ اصطبغ -بضم الطاء- على بناء المفعول، هكذا المنقول، والاصطباغ بأن (خورش كرفتين)، وتعدى بالباء.
وفي المغرب: الصبغ ما يصبغ به، ومنه الصبغ من الإدام؛ لأن الخبز يغمس [فيه] (٢) ويلون به كالخل والزيت، ويقال: اصطبغ بالخل وفي الخل، ولا
стр. 3753
وَالمِلْحُ إِدَامٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الخُبْزِ
يقال: اصطبغ الخبز بالخل (١).
(وهذا عند أبي يوسف)؛ أي: قول محمد رواية عن أبي يوسف، وبه قال الشافعي وأحمد.
وفي النهاية: وحاصل ذلك على ثلاثة أوجه: فالخل، والزيت، واللبن، والعسل، والزبد وأمثالها مما يصطبغ فهو إدام بالإجماع، والبطيخ، والعنب، والتمر وأمثالها مما يؤكل وحده غالبا ليس بإدام بالاتفاق.
واختلفوا في الجبن والبيض واللحم، فجعلها محمد إدامًا باعتبار أن هذه الأشياء لا تؤكل وحدها غالبًا فكانت تبعًا للخبز وموافقًا له، وقال ﵇: «سيّد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم» (٢).
وكتب كلب الروم إلى معاوية: أن ابعث إليَّ بِشَرِّ إدام على يد شَرِّ رجلٍ، فبعث إليه جبنا على يد رجل يسكن في بيوت أصهار، فلو لم يكن الجبن إدامًا لما بعث [إليه] (٣)؛ لأنه من أرباب اللسان، وبقول محمد أخذ أبو الليث للعرف.
وفي التمر للشافعي وأحمد وجهان، في وجه إدام؛ لما روي أنه ﵇ وضع التمر على الكسرة فقال: «هذه إدام هذه»، رواية أبي داود (٤).
والثاني ليس بإدام؛ لأنه فاكهة فأشبه الزبيب.
стр. 3754
غَالِبًا فَهُوَ إِدَامٌ) (*) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ الإِدَامَ مِنْ المُوَادَمَةِ وَهِيَ المُوَافَقَةُ وَكُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الخُبْزِ مُوَافِقٌ لَهُ كَاللَّحم وَالبَيضِ وَنَحْوِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِدَامَ مَا يُؤْكَلُ تَبَعًا، وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الاخْتِلَاطِ حَقِيقَةٌ لِيَكُونَ قَائِمًا بِهِ، وَفِي أَلَّا يُؤْكَلَ عَلَى الاِنفِرَادِ حكمًا، وَتَمَامُ المُوَافَقَةِ فِي الامْتِزَاجِ أَيضًا، وَالخَلُّ وَغَيْرُهُ مِنْ المَائِعَاتِ لَا يُؤْكَلُ وَحدَهُ بَلْ يُشرَبُ، وَالمِلحُ لَا يُؤْكَلُ بِالْفِرَادِهِ عَادَة، وَلِأَنَّهُ يَذُوبُ فَيَكُونُ تَبَعًا، بِخِلَافِ اللَّحْمِ وَمَا يُضَاهِيهِ، لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ وَحدَهُ، إِلَّا أَنْ يَنوِيَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ، وَالعِنَبُ وَالبِطِّيخُ لَيسَا بِإِدَامٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
قوله: (والتبعية في الاختلاط)؛ وهذا لأن الإدام من الموادمة وهي الموافقة، وذلك بأن يصير مع الخبز كشيء واحد فيتبعه ويقوم به، والتبعية (حقيقة) بالاختلاط، و (حكمًا) بأن لا يُؤكل إلا تبعًا للخبز، والإدام بهذه الصفة هو المراد بهذه اليمين عُرفًا وهي حقيقته، فلا يكون المتنازع فيه مرادًا لأنه مجاز؛ لأنه يؤكل بنفسه ويمضغ مضغ الخبز ويبتلع ابتلاعه من غير أن يكون تابعًا للخبز، فاختل معنى الإدام فيه فصارت هذه الأشياء بمنزلة المجاز من الحقيقة في استحقاق هذه الاسم.
وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأنه يقال: الخليفة سيد العرب والعجم وإن لم يكن من العجم.
وذكر التمرتاشي: وهذا الاختلاف على عكس اختلافهم، فمن حلف لا يأكل إلا رغيفا فأكل معه البيض ونحوه لم يحنث عندهما، وحنث عند محمد، هو يقول: هذا قد يؤكل مقصودًا فلا يكون تبعًا للخبز بالشك، وهما يقولان: إدام من وجه قد يؤكل تبعًا، وقد يؤكل وحده فلا يحنث فيهما بالشك.
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما نقل أن العنب والبطيخ على الخلاف، وذكر الإمام السرخسي أنه ليس بإدام بالإجماع وهو الصحيح؛ لأنهما يؤكلان غالبًا وحدهما.
وفي المحيط: قال محمد: والتمر والجوز ليس بإدام، وكذا
стр. 3755
(وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، فَالغَدَاءُ الأَكلُ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى الظَّهِرِ، وَالعَشَاءُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى نِصفِ اللَّيْلِ) لِأَنَّ مَا بَعدَ الزَّوَالِ يُسَمَّى عِشَاءِ، وَلِهَذَا تُسَمَّى الظُّهْرُ إحدى صَلَاتَي العِشَاءِ فِي الحَدِيثِ (وَالسَّحُورُ مِنْ نِصفِ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّحَرِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهُ.
ثُمَّ الغَدَاءُ وَالعَشَاءُ مَا يُقصَدُ بِهِ الشَّبَعُ عَادَة، وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ أَهْلِ كُلِّ بَلدَة فِي حَقِّهِم، وَيُشتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الشَّبَعِ.
(وَمَنْ قَالَ: إِنْ لَبِستَ أَوْ أَكَلتَ أَوْ شَرِبتَ فَعَبْدِي حُرٌّ،
العنب والبطيخ والبقل، وكذا سائر الفواكه حتى لو كان في موضع يؤكلان تبعًا للخبز يكون إدامًا عنده.
أما البقل ليس بإدام بالاتفاق؛ لأن آكله لا يسمَّى مؤتَدِمًا، وعند الشافعي البقول والبصل والفجل إدام؛ لأنه يؤتدم به عادة، ذكره في شرح الوجيز.
قوله: (الأكل من طلوع إلى آخره، وهذا توسع في العبارة، ومعناه آكل الغداء والعشاء على حذف المضاف؛ لأنه ذكر في المغرب الغذاء: اسم لطعام الغداة، وكذا العشاء بالفتح والمد - اسم لطعام العشي) (١)، في الحديث.
ذكر في الإيضاح: ورد في الحديث أنه ﵇ صلى إحدى صلاتي العشاء ركعتين، يريد به الظهر أو العصر (٢)، وهكذا في شرح المختصر العامري، وبقولنا قال الشافعي.
قوله: (ما يقصد به الشبع) حتى لو أكل لقمة أو لقمتين لا يحنث، حتى (أن يكون أكثر من نصف الشبع)، وبه قال الشافعي.
قوله: (وتعتبر عادة كل بلدة في حقهم)؛ يعني: إن كانت خبزًا فخبز، وإن كانت لبنا فلبن.
وفي المحيط: حتى لو كان الحالف مصريًا يقع على الخبز، فلو تعدى بغيره من الأرز والتمر واللبن لم يحنث، وإن كان بدويا فتغدى بالتمر واللبن يحنث، وعند محمد حلف ليأتينه صحوة فهو من طلوع الفجر من الساعة التي
стр. 3756
وَقَالَ: عَنَيْت شَيْئًا دُونَ شَيْء لَم يُدَيَّن فِي القَضَاءِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تَصِحُ فِي
تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار، وبه قال الشافعي.
ولو حلف لا يتصبح فقام عند طلوع الفجر فتوضأ وصلى، ثم نام على فراشه قبل أن يصلي الفجر لا يحنث، وكذا لو نام جالسًا بعد صلاة الفجر لم يحنث، ولو نام على فراشه بعد ما طلعت الشمس حنث، وقال محمد: المساء مساءان، أحدهما: بعد زوال الشمس والآخر إذا غربت الشمس، فلو حلف بعد الزوال لا يفعل كذا حتى يمسي ولا نية له فهو على غيبوبة الشمس؛ لأنه لا يمكن حمل اليمين على الأول.
وفي الإيضاح: التصبيح ما بين طلوع الشمس وارتفاع الضحى الأكبر؛ لأن التصبيح يفعل من الصباح فيفيد زيادة على ما يفيده الإصباح، وبه قال أصحاب الشافعي ذكره في شرح الوجيز.
قوله: (وقال عنيت شيئًا دون شيءٍ)، أو ثوبًا دون ثوب، أو طعامًا دون طعام، أو شرابًا دون شراب، وكذا لو قال: إن اغتسلت، أو نكحت فعبدي حر، وقال: عنيت الغُسل من الجنابة وفلانة لا يصدق قضاءً ولا ديانة، وقال الشافعي: يصدق ديانةً؛ لأن للمقتضي عمومًا عنده، وكذا في رواية عن أبي يوسف، وبه أخذ الخصاف.
وعندنا لا عموم للمُقتضى فلغت نية التخصيص، ولا يقال: إنه نوى مدلول اللفظ؛ إذ الفعل المتعدي يدل على المفعول الأول؛ لأن المدلول ما يدل عليه اللفظ بالمعنى اللغوي كما في التأفيف مع الضرب، وهاهنا المذكور اللبس وهو بمعناه اللغوي لا يتناول الثوب؛ لأن اللبس عرض والثوب عين.
فإن قيل: يشكل بما لو قال: إن خرجت فعبدي كذا، ونوى به السفر يصدق ديانةً، والخروج مقتضى وصحت نية التخصيص بالسفر.
وبما لو قال: لا تساكن فلانًا، ونوى المساكنة في بيت واحد تصح نيته ديانةً مع أن المسكن غير مذكور.
قلنا: المسألة الأولى ممنوعة، فالقضاة الأربعة وهم: القاضي أبو الهيثم، والقاضي أبو حازم، والقاضي أبو طاهر الدباس، والقاضي القمي منعوها، ولئن
стр. 3757
الملفوظ، وَالثَّوبُ وَمَا يُضَاهِيهِ غَيْرُ مَذكور تَنصِيصًا، وَالمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ، فَلَغَت نِيَّةَ التَّحْصِيصِ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَبِستُ ثوبًا أَوْ أَكَلتُ طَعَامًا أَوْ شَرِبتُ شَرَابًا لَم يُدَيَّن فِي القَضَاءِ خَاصَّة) لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي مَحَلِّ الشَّرطِ فَتَعُمُّ فَعُمِلَت نِيَّةُ التَّحْصِيصِ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي القَضَاءِ.
سلمنا فالفرق أن الخروج متنوع إلى مديد وقصير، وهما مختلفان اسمًا وحكمًا فإن المديد يسمى سفرًا وأحكامه خلاف أحكام الخروج، فإذا نوى أحد النوعين صحت نيته كما لو حلف لا يتزوج ونوى حبشية، أو رومية يصدق، ولو نوى امرأة بعينها لا يصدق؛ لأن الأول نوع والثاني لا، فكذا في مسألتنا، حتى لو نوى الخروج إلى مكان بعينه كبغداد لا يصدق.
وكذا في المسألة الثانية نوى نوعًا من المساكنة؛ لأن المساكنة أنواع: ما يكون في بلد واحد، وما يكون في دار واحدة، وما يكون في بيت واحد وهو أتم ما يكون من المساكنة كذا ذكره السرخسي، والتمرتاشي، والمرغيناني.
قوله: (لأنه نكرة في محل الشرط فَتَعُمُّ)؛ لأن الشرط في معنى النفي؛ لأنه للمنع والنفي والنكرة في موضع النفي تعم، قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] فعملت نية التخصيص.
(فلا يدين)؛ أي: لا يصدق قضاء؛ لأنه خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر العموم وفي التخصيص تخفيف عليه كما لو قال: إن اغتسل في هذه أحد، وعنى إنسانا بعينه يصدق ديانةً لا قضاء، ولو قال: إن مشيت، ونوى استطلاق البطن حنث به، وبالمشي.
روي أن أبواب الجامع عُرضت على ثعلب فقال: قسم منها لا أعرفه، وقسم منها أعرفه، وقسم منها أخالفه، فمما أخالفه هذه المسألة؛ لأنه يجب أن لا يصدق أصلا؛ لأن استطلاق البطن يقال منه مشي بالكسر.
والجواب أن الحقيقة [ما قاله، إلا أن محمدًا لم الحقيقة] (١)، ألا ترى أنه شرط النية وصحح نيته ديانة، وإنما صدقه مجازًا؛ لأن من استطلق بطنه لازم
стр. 3758
قال: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجَلَةَ فَشَرِبَ مِنهَا بِإِنَاء لَم يَحنَثْ) حَتَّى يَكْرَعَ مِنهَا كَرْعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا شَرِبَ مِنهَا بِإِنَاء يَحنَثُ، لِأَنَّهُ مُتَعَارَفُ المَفهومِ (*). وَلَهُ: أَنَّ كَلِمَةَ «مِنْ» لِلتَّبعِيضِ وَحَقِيقَتُهُ فِي الكَرِعِ وَهِيَ مُستَعمَلَةٌ، وَلِهَذَا يَحنَثُ بِالكَرِعِ إجماعا
المشي فإن استطلق بطنه حنث بإرادته، وإن مشى بالرّجل حنث قضاء بالظاهر، ولم يحنث ديانة.
قوله: (حتى يكرع)؛ أي: حتى يضع فاه على دجلة بعينها ويشرب منها، والكرع تناول الماء بالفم من موضعه من غير أن يشرب بكفه ولا بإناء، وكره عكرمة الكرع في النهر؛ لأنه فعل البهيمة تدخل فيها كارعة، والكراع مستدق الساق، ذكره في المغرب والصحاح.
(وقالا)، أي: أبو يوسف ومحمد: (يحنث) بشُرْبِ مائها بإناء، أو كفّ، أو كرع أو غيره، وبه قال الشافعي وأحمد كما لو قال: من ماء دجلة، وللشافعي في قوله: من ماء دجلة يحنث بشرب بعضه كما قلنا، وأحمد، وقال في الأصح: لا يحنث؛ لأن يمينه على شرب جميع الماء، ذكره في شرح الوجيز (١).
وقد ذكر في الأصول أن أبا حنيفة يعتبر الحقيقة المستعملة، والكرع مستعمل شرعًا وعُرفًا فلا يصار إلى المجاز، وعندهما المجاز المتعارف أولى، والمسألة مستقصاة في الأصول.
وفي الكافي: وهي نظير مسألة الحنطة.
قوله: (ولهذا يحنث بالكرع إجماعًا)، فإن قيل: لا نسلم أن الحنث بالكرع باعتبار الحقيقة، بل باعتبار عموم المجاز كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان.
قيل في جوابه: الكرع مستعمل حقيقةً وعُرفًا وشرعًا فتنزلت الحكم على الحقيقة؛ لأنها هي الأصل، بخلاف وضع القدم فإن ذلك صار عبارة عن الدخول عرفًا؛ ولهذا لو قعد خارج الدار وأدخل قدميه فوضعهما في الدار لا يحنث؛ لأن ذلك لا يسمى دخولا. إليه أشار في الذخيرة.
قوله: («من» للتبعيض) فكانت حقيقة أن يضع فاه على بعض الدجلة فيشرب،
стр. 3759
فَمُنِعَت المَصِيرَ إِلَى المَجَازِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَارَفا.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجَلَةَ فَشَرِبَ مِنهَا بِإِنَاءِ حَيْثُ) لِأَنَّهُ بَعدَ الاعْتِرَافِ بَقِيَ مَنسُوبًا إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّرطُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا شَرِبَ مِنْ مَاءِ نَهَرٍ يَأْخُذُ مِنْ دِجَلَةَ.
(وَمَنْ قَالَ: إِنْ لَم أَشْرَب المَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الكُوزِ اليَومَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَلَيْسَ فِي الكُوزِ مَاءٌ لَم يَحنَتْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءً فَأُهرِيقَ قَبلَ اللَّيْلِ لَم يَحنَتْ، وَهَذَا عِنْدَ
أو لابتداء الغاية، فينبغي أن يكون ابتداء شربه من دجلة، وهو مستعمل كما ذكرنا.
قوله: (وهو الشرط)؛ أي: كونه منسوبًا إلى دجلة هو شرط الحنث، ونظيرها بين المسألتين ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز فصب الماء الذي فيه في كوز آخر فشرب منه لم يحنث بالإجماع، ولو قال: من ماء هذا الكوز فصب ماءه في كوز آخر فشرب منه حنث بالإجماع.
ولو قال: من هذا الجب، أو من هذا البئر، قال أبو سهل الشرعي: لو كان الجب أو البئر ملآن يمكن الكرع فيه فيمينه على الكرع عند أبي حنيفة؛ لإمكان العمل بالحقيقة، وعندهما على الاغتراف وإن لم يكن ملآن؛ فيمينه على الاغتراف، ولو تكلف في هذه الصورة وكرع من أسفل البئر أو الجب اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه لا يحنث لعدم العُرف بالكرع كذا في الذخيرة.
وفي الكافي: لو قال: لا أشرب من الفرات فشرب من نهر أخذ منه لم يحنث إجماعًا، أما عنده فلأن يمينه على الكرع، وأما عندهما فلأنه مثل الفرات في إمساك الماء فتقطع النسبة، فخرج عن عموم المجاز.
أما لو قال: لا أشرب من ماء الفرات فشرب من نهر أخذ من الفرات حنث لأن يمينه على ماء منسوب إلى الفرات (١)، والنسبة لا تنقطع بالأنهار الصغار، ولو قال: لا أشرب ماء فرانًا يحنث بكل ما عذب في أي موضع كان به.
قال الشافعي: لأنه جعله وصفًا للماء، قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
قوله: (وليس في الكوز ماء)؛ لم يحنث سواء علم بأن فيه ماء أو لم يعلم.
стр. 3760
أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحنَثُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) (*) يَعْنِي: إِذَا مَضَى اليَومُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا كَانَ اليَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَأَصْلُهُ: أَنَّ مِنْ شَرطِ انعِقَادِ اليَمِينِ وَبَقَائِهِ التَّصَورُ عِندَهُمَا، خِلَافا لِأَبِي يُوسُفَ،
قوله: (وأصله)؛ أي: أصل الخلاف أن تصور البر شرط لانعقاد اليمين المطلقة عن الوقت، ولبقاء اليمين المقيدة بالوقت عندهما، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك.
وعند أبي يوسف لا يشترط تصور البر في انعقاد اليمين المطلقة ولا لبقائه في اليمين المقيدة، [وبه] (١) قال الشافعي في وجه.
ويتفرع على هذا الخلاف ما لو حلف ليشربن ماء هذا الكوز اليوم فصُبَّ قبل مضي اليوم فعندهما لا تبقى يمينه ولا يحنث أيضًا، وعند أبي يوسف يحنث في آخر جزء من أجزاء الوقت حتى تجب عليه الكفارة إذا مضى اليوم.
ولهذا لو قال: [إن] (٢) لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأته كذا، فأهريق قبل الليل لم تبق اليمين عندهما، وعنده يبقى ويحنث.
وعلى هذا لو حلف وقال: والله لأقتلن فلانا اليوم، فمات فلان قبل مضي اليوم لا تبقى اليمين عندَهُما، وعنده تبقى ويحنث بمضي اليوم، وكذا لو حلف ليقتلنه وهو جاهل بموته، وإنما شرط جهله بموته؛ لأنه لو علم بموته ينعقد اليمين بالإجماع، ويحنث في الحال.
وكذا لو حلف أن آكل هذا الرغيف فأكل قبل الليل، أو قال: لأقضين فلانا حقه وفلان قد مات ولا علم له به؛ لم ينعقد يمينه عندهما، وعنده ينعقد ويحنث في الحال.
وكذا لو قال: لأقضين فلانا دينه [ولا علم له به؛ لم ينعقد يمينه] فأبرأه
стр. 3761
لِأَنَّ اليَمِينَ إِنَّمَا تُعقَدُ لِلبِرِّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ البِرِّ لِيُمكِنَ إِيجَابُهُ. وَلَهُ: أَنَّهُ أَمْكَنَ القَولُ بانعِقَادِهِ مُوجِبًا لِلبِرِّ عَلَى وَجْه يَظْهَرُ فِي حَقِّ الخُلفِ وَهُوَ الكَفَّارَةُ. قُلْنَا: لَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ الأَصلِ لِيَنعَقِدَ فِي حَقِّ الخُلفِ وَلِهَذَا لَا يَنعَقِدُ الغَمُوسُ مُوجِبًا لِلكَفَّارَةِ (وَلَو كَانَتِ اليَمِينُ مُطلَقَة؛ فَفِي الوَجهِ الأَوَّلِ: لَا يَحنَثُ عِندَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَحنَثُ فِي الحَالِ، وَفِي الوَجهِ الثَّانِي: يَحنَثُ فِي قَوْلِهِم جَمِيعًا) فَأَبُو يُوسُفَ فَرَّقَ بَينَ المُطلَقِ وَالمُوَقَّتِ.
فلان (١)، وكذا لو قال لزيد: إن رأيتُ عمرًا فلم أعلمك فأمرأتي كذا، ثم رآه مع زيد فسكت ولم يقل شيئًا، أو قال: هو عمرو لا تطلق عندهما؛ لفوات الإعلام فلم تبق اليمين وعنده تنعقد ويحنث وتطلق لبقاء اليمين وفوات المعقود عليه.
وفي المبسوط: لهما محل اليمين المعقودة خير فيه رجاء الصدق؛ لأنها تعقد للحظر أو الإيجاب أو لإظهار معنى الصدق، وذلك لا يتحقق فيما ليس فيه رجاء الصدق فلا ينعقد أصلا كيمين الغموس، وهذا معنى قول المصنف: (لأن اليمين إنما تعقد للبر) إلى آخره. لأبي يوسف أن يحل اليمين جبرا في المستقبل سواء كان الحالف قادرًا عليه أو عاجزًا عنه، كما لو حلف لا يمس السماء، أو ليقلبن هذا الحجر ذهبًا انعقد يمينه وهو عاجز عن تحصيله فهذا مثله، وهذا معنى قول المصنف: (أمكن القول بانعقاده إلى آخره.
قوله: (ولو كانت اليمين مطلقة)؛ أي: عن ذكر الوقت وفي الوجه الأول) بأن لم يكن في الكوز ماء وذكر اليوم، وفي الوجه الثاني وهو ما إذا لم يذكر اليوم وفي الكوز ماء فأهريق قبل الليل.
(فأبو يوسف فرق بين المطلق والمؤقت)؛ أي في مسألة الوجه الثاني، وهو ما إذا كان في الكوز ماء فأهريق قبل الليل، فيقول في المطلق عن ذكر [الوقت] (٢): يحنث حال الإراقة [من غير توقف إلى الليل، وفي المؤقت لا
стр. 3762
وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّ التَّوقِيتَ لِلتَّوسِعَةِ فَلَا يَجِبُ الفِعْلُ إِلَّا فِي آخِرِ الوَقْتِ فَلَا يَحنَثُ قَبْلَهُ، وَفِي المُطلَقِ يَجِبُ البِرُّ كَمَا فُرِغَ وَقَدْ عَجَزَ فَيَحنَثُ فِي الحَالِ وَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا. وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّ فِي المُطلَقِ يَجِبُ البِرُّ كَمَا فُرِغَ، فَإِذَا فَاتَ البِرُّ بِفَوَاتِ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ اليَمِينُ، يَحنَثُ فِي يَمِينِهِ كَمَا إِذَا مَاتَ الحَالِفُ وَالمَاءُ بَاقِ؛ أَمَّا فِي المُؤَقَّتِ فَيَجِبُ البِرُّ فِي الجُزءِ الأَخِيرِ مِنْ الوَقتِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَم تَبقَ مَحَلِّيَّةُ البِرِّ لِعَدَمِ التَّصَوُّرِ، فَلَا يَجِبُ البِرُّ فِيهِ فَتَبْطُلُ اليَمِينُ كَمَا إِذَا عَقَدَهُ ابْتِدَاء فِي هَذِهِ الحَالَةِ.
قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَيَصْعَدَن السَّمَاءَ، أَوْ لَيَقلِبَن هَذَا الحَجَرَ ذَهَبًا، انعَقَدَت يَمِينُهُ وَحَيْثَ عَقِيبَهَا) وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَنعَقِدُ، لِأَنَّهُ مُستَحِيلٌ عَادَة فَأَشْبَهَ المُستَحِيلَ حَقِيقَة فَلَا يَنعَقِدُ. وَلَنَا: أَنَّ البِرَّ مُتَصَوَّرٌ حَقِيقَة، لِأَنَّ الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ مُمْكِنٌ حَقِيقَة؛ أَلَا تَرَى أَنَّ المَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَ
يحنث حال الإراقة] (١)، بل يحنث عند غيبوبة الشمس.
(وهما فرقا بينهما) أي: بين المطلق والمؤقت أي بوجه آخر، وهو ما ذكر في المتن.
ومن فروع هذه المسألة ما ذكر التمرتاشي ما لو قال لامرأته: إن لم تهبيني مهرك اليوم فأنتِ طالق، وقال أبوها: إن وهبت مهركِ لزوجك فأمك طالق فالحيلة في أن لا يحنثا حتى أن يُصالح أباها عن مهرها بثوب ملفوف فإذا مضى اليوم لم يحنث الأب؛ لأنها لم تهب، ولم يحنث الزوج؛ لأنها عجزت عن الهبة عند الغروب؛ لأن المهر سقط عن الزوج بالصلح.
قوله: (انعقدت يمينه وحنث عقيبها)، وبه قال الشافعي في الأظهر، وفي وجه لا ينعقد كما قال زفر.
قوله: (ألا ترى أن الملائكة يصعدونه)، وكذا صعده بعض الأنبياء وكذا الجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَهَا﴾ [الجن: ٨]، ولو أقدره الله تعالى على صعوده لصعد، وكذا الحجر محل قابل للتحويل ذهبًا بقدرة الله تعالى كما
стр. 3763
السَّمَاءَ، وَكَذَا تَحَوُّلُ الحَجَرِ ذَهَبًا بِتَحْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ مُتَصَوَّرًا يَنعَقِدُ اليَمِينُ مُوجِبًا لِخُلفِهِ ثُمَّ يَحنَثُ بِحُكمِ العَجزِ الثَّابِتِ عَادَة كَمَا إِذَا مَاتَ الحَالِفُ، فَإِنَّهُ يَحنَثُ
يحكى عن بعض الأخيار، وإذا كان البر متصورًا ينعقد اليمين، ثم يحنث في الحال للعجز الحالي.
فإن قيل: إعادة الزمان الماضي بإعادة الله وقد فعلها لسليمان ﵇، وكذا إعادة الماء في الكوز في مسألة الكوز فينبغي أن ينعقد اليمين فيهما.
قلنا: في اليمين الغموس أخبر عن فعل قد وجد منه ذلك لا كون له، فإنه تعالى إن أعاد الزمان الماضي لا يصير الفعل موجودًا من الحالف حتى يفعله، كذا في المبسوط (١).
وفي مسألة الكوز لو خلق الله فيه الماء لا يكون هذا الماء انعقد عليه اليمين وفيه تأمل؛ لأن إعادة نفس الماء الذي أهريق من الكوز متصور في القدرة الإلهية كتصور عود الروح إلى البدن بعينه، وما فرقوا بين مسألة الكوز وقتل زيد بين العلم وعدمه، وهو أنه لو علم بموت زيد ثم قال: لأقتلنه ينعقد يمينه ويحنث في الحال؛ لأن يمينه انعقد على حياة يحدثه الله تعالى فانعقد باعتبار قدرته، حتى لو قال: لأقتلن هذا الميت لا ينعقد يمينه أصلا؛ لأنه انعقد يمينه على حياة معدومة حال اليمين، ولو أحدث الله فيه حياة لم يكن هو المحلوف عليه؛ لأن هذه موجودة، وتلك معدومة.
أما لو جهل فينعقد يمينه على حياة موجودة فيه، وهي معدومة حال اليمين، فصار كشرب ماء الكوز مشكل لما ذكرنا من تصور عود الروح بعينه.
قوله: (وإذا كان متصورًا ينعقد اليمين [موجبًا] (٢) لِخُلْفِهِ)؛ إذْ إيجاب العبد معتبر كإيجاب الله تعالى يعتمد التصور دون القدرة فيما له خلف.
ألا ترى أن الصوم واجب على الشيخ الفاني ولم تكن له قدرة عليه لمكان
стр. 3764
مَعَ احْتِمَالِ إِعَادَةِ الحَيَاةِ بِخِلَافِ مَسأَلَةِ الكُوزِ، لِأَنَّ شُربَ المَاءِ الَّذِي فِي الكُوزِ وَقتَ الحَلِفِ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَم يَنعَقِد.
بَابُ اليَمِينِ فِي الكَلَامِ
قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَكَلَّمَهُ وَهُوَ بِحَيثُ يَسْمَعُ إِلَّا أَنَّهُ نَائِمٌ حَيْثَ) لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَهُ وَوَصَلَ إِلَى سَمْعِهِ، لَكِنَّهُ لَم يَفْهَم لِنَومِهِ فَصَارَ كَمَا إِذَا نَادَاهُ وَهُوَ بِحَيثُ
التصور والخلف وهو الفدية، فكذا هاهنا حنث عقيب وجوب البر، فوجبت الكفارة للعجز الثابت عادةً، كما وجبت الفدية هناك عقيب وجوب الصوم، كذا في الفوائد الظهيرية.
فإن قيل: العجز الغالب إذا اعتبر الانحلال وجب أن يعتبر للمنع من الانعقاد.
قلنا: لا فائدة في بقاء اليمين إلى الموت ليتحقق العجز عن البر، وفائدة بقاء اليمين تحقيق البر، أما في الانعقاد فائدة وهي وجوب الكفارة - كما ذكرنا - فينعقد ولا يبقى، ولو كانت هاتان المسألتان مؤقتتين باليوم يحنث في آخره لما مر، والله أعلم.
باب اليمين في الكلام
لما ذكر أيمان السكنى، والدخول والخروج، والأكل والشرب للمعنى الذي ذكرنا شرع في بيان الفعل الجامع الذي يستتبع الأبواب المتفرقة وهو الكلام؛ إذ اليمين في العتق والطلاق، والبيع والشراء، والحج، والصلاة، والصوم من أنواع الكلام فذكر الجنس مقدم على ذكر النوع.
قوله: (إلا أنه نائم حَنِثَ)، وبه قال الشافعي وأحمد، ومالك في رواية؛ لأنه كلمه ولكن لم يفهم لنومه.
التكلم: عبارة عن إسماع الكلام، كما في تكليم نفسه فإنه عبارة عن إسماع نفسه، إلا أن إسماع الغير أمر مبطّن لا يوقف عليه، فأقيم السبب المؤدي إليه مقامه، وسقط بسبب حقيقة السماع، كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زادة.
стр. 3765
يَسْمَعُ، لَكِنَّهُ لَم يَفهَم لِتَغَافُلِهِ. وَفِي بَعضٍ رِوَايَاتِ «المَبسُوط» شَرطَ أَنْ يُوقِظَهُ، وَعَلَيْهِ
قوله: (وفي بعض روايات «المبسوط» شرط أن يوقظه)، فإنه قال: فناداه فأيقظه حنث (١)، شرط في هذه الرواية الإيقاظ، وبه قال مالك في رواية، وذكر في بعض الروايات: (فناداه [أو] (٢) أيقظه)، فهذا يدلُّ على أنه متى ناداه يحنث وإن لم يوقظه [كذا في المبسوطين (٣)، ثم ذكر السرخسي في مبسوطه: والأظهر أنه لا يحنث إذا لم يوقظه] (٤)؛ لأن النائم كالغائب، فإذا لم ينتبه كان بمنزلة من ناداه من بعيد بحيث لا يسمع صوته.
وقيل: المسألة على الخلاف، فإن عند أبي حنيفة يحنث؛ لأنه النائم كالمنتبه، وعندهما لا يحنث.
وفي الذخيرة: لا يحنث حتى يتكلم كلام مستأنف بعد اليمين منقطع عنها وإن كان موصولا لم يحنث، كما لو قال: إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي وقومي، أو اخرجي، أو شتمه، أو زجره متصلا؛ لأن هذا من تمام الكلام الأول فلا يكون مرادًا باليمين، وهو وجه لأصحاب الشافعي وأحمد.
وقال الشافعي في الأظهر، وأحمد، ومالك قالوا: أن يقصده بالكلام والسلام فيصدق ديانةً لا قضاء، وعند الشافعي ومالك يصدق قضاءً أيضًا.
وقال المزني: لا يحنث، ولو قال: السلام عليكم إلا على واحد لا يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد، هذا إذا سلم خارج الصلاة، ولو سلم في الصلاة والمحلوف عليه معه في الصلاة فإن كان إمامًا قال: إن كان المحلوف عليه على يمينه لا يحنث، وإن كان عن يساره يحنث، وعن محمد لا يحنث في التسليمتين وهو الصحيح.
وإن كان الحالف مقتديًا فعلى هذا التفصيل عندهما، وعن محمد يحنث سواء كان على يمينه أو على يساره، وبه قال مالك، وعند الشافعي بالسلام في
стр. 3766
عَامَّةُ مَشَايِخِنَا، لِأَنَّهُ إِذَا لَم يَتَنَبَّه كَانَ كَمَا إِذَا نَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ بِحَيثُ لَا يَسْمَعُ صوته.
(وَلَو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَلَم يَعلَم بِالإِذْنِ حَتَّى كَلَّمَهُ حَنِثَ)
الصلاة يحنث في الأظهر على أي حال كان إلا أن لا ينويه.
ولو قرع المحلوف عليه الباب، فقال الحالف: من هذا؟ يحنث.
وذكر أبو الليث: لو قال بالفارسية: (كيست) لا يحنث، ولو قال: (كي تو) يحنث، وبه أخذ، وهو المختار.
ولو ناداه المحلوف عليه، فقال: لبيك، أو لبي يحنث، فلو كلمه الحالف بكلام لم يفهمه المحلوف عليه لم يحنث، وفيه اختلاف الروايتين.
ولو أراد أن يأمره بشيء فقال الحالف: إذا مر المحلوف عليه اصنع يا حائط كذا، فسمعه المحلوف عليه وفهمه لم يحنث، ذكره في الذخيرة.
وفي المحيط: لو سبَّح الحالف المحلوف عليه في السهو، أو فتح عليه بالقراءة وهو مقتد لم يحنث، وخارج الصلاة يحنث (١)، وبقولنا قال الشافعي في الجديد واختاره المزني؛ لأنه لا يسمى ذلك عرفًا كلامًا.
وقال الشافعي في القديم ومالك وأحمد يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَايِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، استثنى الرسالة.
وقلنا: مبنى الأيمان على العُرف لا على ألفاظ القرآن كما ذكرنا، مع أنه لا يمكن أن يكون الاستثناء منقطعًا.
قوله: (ولم يعلم بالإذن حتى كلمه حنث)، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في وجه؛ لأن الإذن من الأذان الذي هو إعلام لغةً، قال تعالى: ﴿وَأَذَانُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، أي: إعلام، وإن سمي الكلام إذنا؛ لأنه يقع في الأذن الذي هو طريق العلم بالمسموعات، وكل ذلك لا يحصل إلا بالسماع. فإن قيل: لو أذن لعبده والعبد لا يعلم؛ صح الإذن، حتى لو علم
стр. 3767
لِأَنَّ الإِدْنَ مُشتَقٌ مِنْ الأَذَانِ الَّذِي هُوَ الإِعْلَامُ، أَوْ مِنْ الوُقُوعِ فِي الإِذْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحنَثُ، لِأَنَّ الإِذنَ هُوَ الإِطْلَاقُ، وَأَنَّهُ يَتِمُّ بِالآذِنِ كَالرِّضَا. قُلْنَا: الرِّضَا مِنْ أَعمَالِ القَلبِ، وَلَا كَذَلِكَ الْإِدْنُ عَلَى مَا مَرَّ (*).
قَالَ: (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ شَهْرًا فَهُوَ مِنْ حِينِ حَلَفَ) لِأَنَّهُ لَو لَم يَذْكُرُ الشَّهْرَ لَتَأَبَّدَ اليَمِينُ فَذَكَرَ الشَّهْرَ لِإِحْرَاجِ مَا وَرَاءَهُ فَبَقِيَ الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دَخلًا عَمَلًا بِدَلَالَةِ حَالِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ شَهرًا، لِأَنَّهُ لَو لَم يَذكُر الشَّهْرَ لَم تَتَأَبَّد اليَمِينُ فَكَانَ
يصير مأذونا - ذكره في تتمة الفتاوى - علم أن الإذن لا يحتاج إلى العلم.
قلنا: إذن العبد فك الحجر في حق العبد وهو يتصرف بأهلية نفسه فيثبت بمجرد الإذن، وأما في اليمين حرم كلامه إلا بإذنه فصار الإذن مثبتًا لإباحة الكلام فلا بد من الإعلام لذلك.
وعند أبي يوسف لا يشترط العلم، وبه قال الشافعي في الأظهر؛ لأن الإثم هو الإطلاق، وغرضه أن لا يتكلم إلا بإذنه ورضاه، وفي الرضا لا يشترط العلم فكذا هاهنا.
قوله: (على ما مر)، وهو قوله: (أن الإذن مشتق) إلى قوله: (وكل ذلك لا يتحقق إلا بالسماع).
قوله: (عملا بدلالة حاله)؛ أي: حال الحالف، وهو الغيظ الذي لحقه منه في الحالة، ولأنه لما أخرج ما وراءه بقي الشهر متصلا بالإيجاب بحكم أصله لا بحكم الاسم؛ لأن اسم الشهر نكرة لا يتناول عينًا بحال.
ومثله لو قال: إن تركت الصوم شهرًا، أو كلامه شهرًا، أو: إن لم أساكنه شهرًا فكذا؛ فإنه يتناول شهرًا من حين حلف؛ لأن ترك الصوم، أو الكلام، أو المساكنة مطلقًا يتناول الأبد، فصار ذكر الوقت لإخراج ما وراءه فوجب الوصل، وكذا الإجارة لأن إطلاقها يتناول الأبد وكذا الآجال.
(لأنه) أي: لأن الحالف (لو لم يذكر الشهر لتأبد اليمين)؛ لأن الصوم يقع
стр. 3768
ذِكرُهُ لِتَقْدِيرِ الصَّومِ بِهِ وَأَنَّهُ مُنَكِّرٌ فَالتَّعبِينُ إِلَيْهِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ القُرآنَ فِي صَلَاتِهِ لَا يَحنَثُ. وَإِنْ قَرَأَ فِي غَيْرِ صَلَاتِهِ حَنِثَ وَعَلَى هَذَا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ، وَفِي القِيَاسِ: يَحنَثُ فِيهِمَا وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ حَقِيقَة. وَلَنَا: أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَيسَ بِكَلَام عُرفًا وَلَا شَرعًا، قَالَ ﵊: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ
عن الإمساك ساعةً لغةً وشرعًا، فصار الوقت لمدة وتقدير الصوم به.
(وَأَنَّهُ) أي: الشهر (مُنَكِّرُ) فإليه تعيينه، وبخلاف قوله: إن لم أصم شهرًا؛ لأن نفي مطلق الصوم يتناول الأبد؛ لأنه عدمي فيستغرق، وقوله: لأصومن شهرًا فلا يتناول الأبد إليه أشير في الفوائد الظهيرية، والتمرتاشي.
قوله: (وعلى هذا التسبيح والتهليل والتكبير)؛ يعني: إن كان في الصلاة وخارج الصلاة حنث.
وفي القياس يحنث فيهما أي في الصلاة وخارج الصلاة، يعني بالتسبيح وأختيه، وهو قول الشافعي وعنده لا يحنث بقراءة القرآن فيهما، وبه قال أحمد.
وجه القياس أن التسبيح وأختيه كلام لغةً وهو ظاهر، وكذا شرعًا، قال ﵇: «إن الله تعالى اختار من الكلام أربعًا هنَّ من القرآن وليس بقرآن: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (١).
وجه الاستحسان أن هذا لا يسمى كلامًا عرفًا، خصوصًا في الصلاة؛ لقوله ﵇: «إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث ألا يتكلم في الصلاة» متفق عليه (٢)، ولم يفهم منه ترك القراءة والتسبيح والتهليل والتكبير، ولأن الكلام حرام في الصلاة وهذا مباح.
стр. 3769
مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»، وَقِيلَ: فِي عُرْفِنَا لَا يَحنَثُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيضًا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا، بَلْ قَارِنًا وَمُسَبِّحًا (وَلَو قَالَ: يَومَ أُكَلِّمُ فلانًا فامرَأَتَهُ طَالِقٌ، فَهُوَ عَلَى اللَّيلِ وَالنَّهَارِ) لِأَنَّ اسْمَ اليَومِ إِذَا قُرِنَ بِفِعل لَا يَمْتَدُّ يُرَادُ بِهِ مُطلَقُ الوَقتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وَالكَلَامُ لَا يَمْتَدُّ (وَإِنْ عَلَى النَّهَارَ خَاصَّة
قوله: (وقيل في عرفنا) إلى آخره، قال شيخ الإسلام: لا يحنث خارج الصلاة إذا سبَّح وهلل أو كبر؛ لانصراف يمينه إلى كلام الناس، وعليه الفتوى، وبه قال أحمد.
وقال أبو الليث: لو عقد يمينه بالفارسية لا يحنث بالتسبيح، والتهليل، والتكبير، وعليه الفتوى.
قوله: (والكلام لا يمتد)، قال شيخي ﵀: الصحيح أن يقال: والطلاق مما لا يمتد؛ لأن الكلام مما يمتد، يقال: كلمته يومًا، ولأن اعتبار المظروف أولى من اعتبار المضاف إليه، كما في قولك: أمرك بيدك يوم يقدم فلان.
وقيل: أراد به الكلام الذي ينتفي به البر فإنه يحنث بأي كلام، تكلم بكلمة، أو بكلمتين، أو بكلمات.
وعن العلامة مولانا حميد الدين ﵀: أن الكلام منوع أخبار واستخبار، وأمر ونهي، وإنشاء، فلا يحمل على الكلام المطلق أنه ممتد.
وفي الفوائد الخبازية: الكلام عَرَض والعرض لا يقبل الامتداد لذاته، بل بتجدد الأمثال كالضرب والجلوس، والركوب وغير ذلك؛ لأن الثاني مثل الأول صورة ومعنى فجعل كالعين الممتد، أما الكلام الثاني مثل الأول صورة ومعنى فجعل كالعين الممتد، أما الكلام الثاني يفيد معنى غير ما يفيده الأول فلم يستقم فيه القول بتجدد الأمثال.
فإن قيل: يشكل بما لو قال: والله لا أكلم فلانا اليوم ولا غدًا ولا بعد غد، فكلمه ليلا لا يحنث؛ لأن الليل لم يدخل، وبه قال الشافعي.
وكذا لو قال: في كل يوم، لم تدخل الليلة، والمسألتان في التتمة.
стр. 3770
دُيِّنَ فِي القَضَاءِ) لِأَنَّهُ مُستَعمَلٌ فِيهِ أَيضًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يُدَيَّنُ فِي القَضَاءِ (*) لِأَنَّهُ خِلافُ المُتَعَارَفِ (وَلَو قَالَ: لَيْلَةَ أُكَلِّمُ فُلَانًا، فَهُوَ عَلَى اللَّيْلِ خَاصَّة) لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي سَوَادِ اللَّيلِ كَالنَّهَارِ لِلبَيَاضِ خَاصَّة، وَمَا جَاءَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُطلَقِ الوقت (وَلَو قَالَ: إِنْ كَلَّمت فُلَانًا
قلنا: أراد باليوم النهار في المسألة الأولى بدلالة إعادة حرف النفي عند ذكر الغد، وإلا لا يكون لذكره فائدة، حتى لو قال: لا أكلمه اليوم وغدًا وبعد غد تدخل الليلة، وبه قال الشافعي، فصار بمنزلة قوله: لا أكلمه ثلاثة أيام.
وفي المسألة الثانية ذكر كلمة: في كل يوم لتجديد الكلام، على ما ذكر في قوله: (أنت طالق في كل يوم)، والتجديد إنما يتحقق أن لو لم يكن اليوم بمطلق الوقت النهار خاصة.
(دين) أي: صُدّق (في القضاء)؛ لأنه نوى حقيقته، وفي رواية: لا يصدق قضاء؛ لأنه نوى التخصيص في كلامه، وفيه تخفيف عليه.
وقول صاحب الكتاب: (مستعمل فيه أيضًا) يعني حقيقة مستعملة، أو مشترك بين بياض النهار ومطلق الوقت.
قوله: (لأنه) أي: بالليل، وفي بعض النسخ: (لأنها) أي الليلة.
وفي المبسوط: الليل ضد النهار، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]، كما أن النهار مختص بزمان الضياء فكذا الليل يختص بزمان الظلمة والسواد، وما جاز استعماله في مطلق الوقت (١).
فإن قيل: قد قال قائلهم:
وكنا حَسِبْنا كل سوادِ نمرةً … ليالي لاقينا الحد ثمَّ حِمْيَرا
والمراد بها الوقت.
قلنا: هذا القائل ذكر الليالي بعبارة الجمع، وذكر أحد العددين بعبارة الجمع يقتضي ما بإزائه من العدد الآخر، وذلك أصل آخر، وكلامنا في المذكور بعبارة الفرد، كذا ذكره في جامع شمس الأئمة.
стр. 3771
إِلَّا أَنْ يَقدُمَ فُلَانٌ، أَوْ قَالَ: حَتَّى يَقدُمَ فُلَانٌ، أَوْ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ فُلَانٌ أَوْ حَتَّى يَأْذَنَ فُلَانٌ، فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَكَلَّمَهُ قَبلَ القُدُومِ وَالإِذْنِ حَنِثَ، وَلَو كَلَّمَهُ بَعدَ القُدُومِ وَالإِذْنِ لَم يَحنَتْ لِأَنَّهُ غَايَةٌ وَاليَمِينُ بَاقِيَةٌ قَبلَ الغَايَةِ وَمُنتَهِيَةٌ بَعدَهَا فَلَا يَحنَثُ بِالكَلَامِ بَعدَ انتِهَاءِ اليَمِينِ وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ سَقَطَت اليَمِينُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (*)، لِأَنَّ المَمْنُوعَ عَنهُ كَلَامٌ يَنتَهِي بِالإِذْنِ وَالقُدُومِ، وَلَم يَبقَ بَعدَ المَوتِ مُتَصَوَّرُ الوُجُودِ فَسَقَطَت اليَمِينُ. وَعِندَهُ: التَّصَوُّرُ لَيسَ بِشَرط، فَعِنْدَ سُقُوطِ الغَايَةِ تَتَأَبَّدُ اليَمِينُ.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ
قوله: (لأنه غاية) أما في كلمة (حتى) فظاهر، وكذا (الآن)، وإن جاء بمعنى الشرط في قوله: (أنت طالق إلا أن يقدم فلان)؛ فهو بمنزلة: إن لم يقدم فلان؛ لأن (إلا أن) حقيقة للاستثناء، والاستثناء متعذر لعدم المجانسة بين الطلاق والقدوم فحمل على الشرط؛ لأن الطلاق مما لا يحتمل التأقيت، وما نحن فيه يمين يحتمل التأقيت فيحمل على الغاية؛ لمناسبة بين الغاية والاستثناء من حيث إن حكم ما بعدهما مخالف بحكم ما قبلهما، إليه أشير في الفوائد الظهيرية.
وإنما يحمل على (إن لم يقدم في مسألة الطلاق لا على إن قدم)؛ لأنه جعل القدوم راجعًا للطلاق فيكون القدوم عَلَمًا على الوقوع.
قوله: (وإن مات فلان) أي: فلان الذي أسند إليه القدوم في قوله: (إلا أن يقدم)، ولم يبق بعد الموت يتصور الوجود.
فإن قيل: إعادة الحيلة ممكن فيكون ممكنا فينبغي أن لا يسقط.
قلنا: لو أحياه الله تعالى تكون الحياة الثانية غير الأولى؛ لأنها عرض فلا يُتصَوَّرُ إعادتها بحقيقة. ولو قيل: إعادة عين الروح ممكن، قلنا: الحياة غير الروح؛ لأنه تعالى حي وليس له روح، كذا نقل عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀، وقد مر هذا البحث في مسألة الكوز.
قوله: (ومن حلف لا يكلم عبد فلان) إلى آخره، الأصل في جنس هذه المسائل أنه متى عقد يمينه على فعل في محل منسوب إلى الغير بالملك يراعى
стр. 3772
وَلَم يَنوِ عَبْدًا بِعَيْنِهِ، أَوْ امْرَأَةَ فُلَان أَوْ صَدِيقَ فُلَان فَبَاعَ فُلَانٌ عَبْدَهُ، أَوْ بَانَت مِنْهُ امْرَأَتُهُ أَوْ عَادَى صَدِيقَهُ فَكَلَّمَهُم لَم يَحنَتْ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعَل وَاقِعِ فِي مَحَلٌ مُضَاف إلَى فُلان، إِمَّا إِضَافَةُ مِلك أو إضَافَةُ نِسبَة وَلَم يُوجَد فَلَا يَحنَثُ، قَالَ هَذَا في إِضَافَةِ المِلكِ بِالاتِّفَاقِ وَفِي إِضَافَةِ النِّسبَةِ عِنْدَ مُحَمَّد يَحنَثُ كَالمَرأَةِ
للحنث وجود النسبة وقت وجود المحلوف عليه ولا معتبر بالنسبة وقت اليمين إذا لم يوجد وقت وجود الفعل المحلوف عليه وإن كان منسوبًا إلى الغير؛ لا بالملك يراعى وجود النسبة وقت اليمين، ولا معتبر بالنسبة وقت وجود الفعل المحلوف عليه.
مثال الأول: ما إذا حلف لا يدخل دار فلان، أو لا يكلم عبده، أو لا يركب دابته، أو لا يأكل طعامه، أو لا يلبس ثوبه، فإذا زال الملك ووجد الدخول، أو الكلام، أو الركوب، أو اللبس لا يحنث، ولو اشترى دارًا أخرى ودخلها؛ يحنث اعتبارًا للنسبة وقت الحنث.
ومثال الثاني: ما لو حلف لا يكلم زوجة فلان، أو صديقه، فأبانها وعادى صديقه، وتزوج امرأة أخرى واتخذ صديقًا آخر، فلو كلم الأول يحنث، ولو كلم الثاني لا يحنث اعتبارًا للنسبة وقت اليمين.
ووجه الفرق أن في الفصل الأول الحامل في اليمين معنى في الملك؛ لأن هذه الأشياء مما لا تعادى عادةً، وفي الفصل الثاني معنى في هؤلاء؛ لأن هؤلاء منجز وتعادى عادةً لمعنى فيهم؛ لأن الأذى متصور منهم.
فإن قيل: هذا يشكل بعبدِ فلان فإن الأذى متصور منه كما في هؤلاء.
قلنا: ذكر ابن سماعة في نوادره أن في العبد يحنث عند أبي حنيفة لهذا.
وجه ظاهر الرواية أن العبد مملوك ساقط الاعتبار عند الأحرار ملحق بالجمادات؛ ولهذا يباع في الأسواق كالبهائم، فالظاهر أنه إذا كان الأقوى لا يقصد هجرانه باليمين؛ بل يقصد سيده، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
стр. 3773
وَالصَّدِيقِ (*). قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: «لِأَنَّ هَذِهِ الإِضَافَةِ لِلتَّعْرِيفِ، لِأَنَّ المَرأَةَ وَالصَّدِيقَ مَقصُودَانِ بِالهِجرَانِ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا فَيَتَعَلَّقُ الحُكمُ بِعَيْنِهِ كَمَا فِي الإِشَارَةِ». وَوَجهُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا وَهُوَ رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ هِجْرَانَهُ لِأَجلِ المُضَافِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَم يُعَيِّنهُ فَلَا يَحنَثُ بَعدَ زَوَالِ الإِضَافَةِ بِالشَّكُ (وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى عَبد بِعَيْنِهِ بِأَنْ قَالَ: عَبْدُ فُلَان هَذَا أَوِ امْرَأَةُ فُلَان بِعَيْنِهَا أَوْ صَدِيقُ فُلَانَ بِعَيْنِهِ لَم يَحنَتْ فِي العَبدِ وَحَيْثَ فِي المَرأَةِ وَالصَّدِيقِ، وَهَذَا قولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحنَثُ فِي العَبدِ أَيضًا) (**) وَهُوَ قَولُ زُفَرَ (وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَان هَذِهِ فَبَاعَهَا ثُمَّ دَخَلَهَا فَهُوَ عَلَى هَذَا الاختِلافِ) وَجهُ قَولِ مُحَمَّد وَزُفَرَ: أَنَّ الإِضَافَةَ لِلتَّعرِيفِ، وَالإِشَارَةَ أَبْلَغُ مِنهَا فِيهِ
(فلا يشترط دوامها) أي: دوام إضافة المرأة إلى الزوج، وإضافة الصديق إلى فلان؛ لأن الإضافة للتعريف لا لتقييد اليمين؛ لأن الحر يهجر قصدًا.
قوله: (وهو قول زفر)، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
قوله: (على هذا الاختلاف) أي: لا يحنث عندهما، ويحنث في قول محمد وزفر، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. ثم هذا الاختلاف فيما إذا لم يكن له نية، أما لو نوى أن لا يدخلها وإن زالت الإضافة فعلى ما نوى؛ لأنه شدد الأمر على نفسه، وكذا عن محمد لو نوى أن لا يدخلها ما دامت لفلان فعلى ما نوى؛ لأنه من محتملاته، ذكره في المبسوط (١).
قوله: (والإشارة أبلغ منها) أي: من الإضافة (فيه) أي: في التعريف؛ لأن في الإشارة لا يشاركه غير المشار، وفي الإضافة يشاركه غيره؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك الفلان عبيد ودورٌ أخر؛ لأن هذه الأعيان العبد والدابة والدار لا تهجر ولا تعادى لذواتها.
فإن قيل: يحتمل أن تعادى لذاتها على ما قيل، وجاء في الخبر: «الشؤم في الثلاث، في الدار، والمرأة، والفرس» (٢).
стр. 3774
لِكَونِهَا قَاطِعَة لِلشَّرِكَةِ، بِخِلَافِ الإِضَافَةِ فَاعْتُبِرَت الإِشَارَةُ وَلُغِيَتِ الإِضَافَةُ وَصَارَ كَالصَّدِيقِ وَالمَرأَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الدَّاعِي إِلَى اليَمِينِ مَعنى فِي المُضَافِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الأعيَانَ لَا تُهجَرُ وَلَا تُعَادَى لِذَوَاتِهَا، وَكَذَا العَبْدُ لِسُقُوطِ مَنزِلَتِهِ بَلْ لِمَعنى فِي مُلاكِهَا فَتَتَقَيَّدُ اليَمِينُ بِحَالِ قِيَامِ المِلكِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الإِضَافَةُ إِضَافَةَ نِسبَة كَالصَّدِيقِ وَالمَرأَةِ، لِأَنَّهُ يُعَادَى لِذَاتِهِ، فَكَانَت الإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ وَالدَّاعِي المَعْنَى فِي المُضَافِ إِلَيْهِ غَيْرُ ظَاهِر لِعَدَمِ التَّعيِينِ،
قلنا: ذاك احتمال لم يقترن به العُرف والعادة، فإن في العادة لا تعادى لذاتها بل بسبب آخر، وهو غير معلوم، وفيما نحن فيه تهجر بسبب ملاكها عرفًا وهو ظاهر فكان أولى.
قوله: (لعدم التعيين) يعني: الداعي إلى المعنى الذي في المضاف إليه غير متعين للهجران؛ لأنه يُهجر لذاته لما ذكرنا أن الهجر عادة لعينة وقد يهجر لغيره، وإذا جمع بين الإضافة والإشارة تعين الهجران لعينه، ولأن في اعتبار الهجران لغيره لغت الإشارة.
(بخلاف الإضافة)، وهي مسألة العبد لما ذكرنا من تعين الهجران من جهة الإضافة.
وأما قوله: (وَلُغِيَتْ الإضافة) فليس كذلك فإن الإضافة إنما تلغو إذا لم يكن فيه فائدة أخرى غير التعريف، وفي إضافة الملك فائدة أخرى غير التعريف وهو هجران صاحبها لجواز أن الحامل على يمينه غيظ لحقه من جهة المالك فيعتبران، ويكون شرط الحنث الفعل الواقع في عين مملوكه لفلان ولم يوجد فلا يحنث.
ولا يحنث إن تجدد الملك في الأشياء إجماعًا بأن اشترى فلان طعامًا آخر، ودارًا أو ثوبًا، أو عبدًا آخر إجماعًا؛ لما ذكرنا أن شرط حنثه عين مشار إليه مملوكه لفلان، وفي غير المشار وهي مسألة المتقدم يحنث بالفعل المتقدم كما ذكرنا.
وعن أبي يوسف: لا يحنث في المتجدد ملكًا في الدار؛ لأن الملك لا
стр. 3775
بِخِلَافِ، مَا تَقَدَّمَ قَالَ: (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ صَاحِبَ هَذَا الطَّيلَسَانِ فَبَاعَهُ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَيْثَ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الإِضَافَةَ لَا تَحتَمِلُ إِلَّا التَّعرِيفَ، لِأَنَّ الإِنسَانَ لَا يُعَادَى لِمَعنى فِي الطَّيلَسَانِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَشَارَ إِلَيْهِ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ وَقَدْ صَارَ شَيْخًا حَنِثَ)؛ لِأَنَّ الحُكمَ تَعَلَّقَ بِالمُشَارِ إِلَيْهِ، إذ الصِّفَةُ فِي الحَاضِرِ لَغْوٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَيسَت بِدَاعِيَة إِلَى اليَمِينِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
يستحدث فيها عادة فهي آخر ما يباع، وأول ما يشترى عادة، فتقيدت اليمين المضافة إليها بالقائمة في ملكه وقت الحلف.
وعنه في رواية: يتقيد اليمين في الجميع بالقائم في ملكه وقت الحلف، ولهما أن اللفظ مطلق فيجري على إطلاقه ولا يقيد، والعرف مشترك فإن الدار قد تباع وتشترى مرارًا فلا يصلح مقيدًا.
وفي مسألة الصديق والزوجة لو كلم في المستحدث بعد اليمين ينبغي أن يحنث عندهما في غير المشار لتعيين الهجران باعتبار الإضافة عند ترك الإشارة، وعند محمد لا يحنث؛ لأن الإضافة للتعريف فيتناول من كان صديقه وزوجته عند الحلف لا غير.
قوله: (ثم كلمه)؛ أي: صاحب الطيلسان حنث بالإجماع؛ لأن الإنسان لا يمتنع عن كلام صاحب الطيلسان لأجل الطيلسان، فكانت الإضافة للتعريف فصار كما إذا أشار إلى صاحب الطيلسان فتعلقت اليمين به، وإن كلم المشتري لا يحنث لما بينا.
والطيلسان تعريب: بلسان، وجمعه طيالسة، والهاء في الجمع للعجمة؛ لأنه فارسي معرب وهو من لسان العجم، مدور أسود.
وفي جمع التفاريق: الطيالسة لحمتها وسداها صوف، كذا في الصحاح (١)، والمغرب (٢).
قوله: (وهذه الصفة ليست بداعية إلى اليمين) جواب عن سؤال يرد على ما
стр. 3776
فَصْلٌ: [اليَمِينُ المُتَعَلِّقُ بِالزَّمَانِ]
قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ حِينًا أَوْ زَمَانًا أَوْ الحِينَ أَوْ الزَّمَانَ، فَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشهر) لِأَنَّ الحِينَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الزَّمَانُ القَلِيلُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةِ، قَالَ اللَّهُ
ذكر قبله: لو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعدما صار تمرا لا يحنث مع أن الصفة في الحاضر لغو.
فأجاب عنه بقوله: وهذه الصفة ليست بداعية، يعني: الصفة الداعية إلى اليمين تعتبر في الحاضر والغائب، وهاهنا غير داعية، وقد مر في مسألة: لا يأكل لحم هذا الجمل.
فصل
ذكر الفصل ولم يذكر الباب؛ لما أن الفصل يدل على التبعية، ومسائل هذا الفصل في الكلام أيضًا إلا إنها متعلق بالزمان وما قبلها بالأعيان، والأعيان أصل والأزمان تابع له.
قوله: (أو الحين أو الزمان) يعني: لا يتفاوت بين ذكرهما معرفًا أو منكرًا في إرادة ستة أشهر، وبه قال أحمد.
وقال الشافعي: أدنى مدة وهي ساعة؛ لأنه ثابت بيقين، وقال مالك: يحمل على سنة، قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]، والمراد به السنة، ولأنه الوسط من المدة.
وقلنا: المراد من قوله: ﴿كُلَّ حِين﴾ ستة أشهر فكان هو الوسط، كذا قاله ابن عباس؛ لأن من حين يخرج الطلع إلى أن يدرك الثمر ستة أشهر، فكان هو الوسط، فعند الإطلاق يُحمل على الوسط، فخير الأمور أوساطها، ولأنا نعلم أنه لم يُرِد الساعة فإنه إذا قصد المماطلة ساعة واحدة لا يحلف على ذلك، ذكره في المبسوط (١).
стр. 3777
تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وَقَدْ يُرَادُ بِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وَهَذَا هُوَ الوَسَطُ فَيَنصَرِفُ إِلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ اليَسِيرَ لَا يُقصَدُ بِالمَنعِ لِوُجُودِ الامتِنَاعِ فِيهِ عَادَةِ، وَالمُؤَبَّدُ لَا يُقصَدُ غَالِبًا، لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ الأَبَدِ، وَلَو سَكَتَ عَنهُ يَتَأَبَّدُ فَيَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرنَا.
وَكَذَا الزَّمَانُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الحِينِ، يُقَالُ: مَا رَأَيْتُكَ مُنذُ حِينٍ وَمُنذُ زَمَان بِمَعْنَى، وَهَذَا إِذَا لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، أَمَّا إِذَا نَوَى شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ عِندَهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الدَّهْرُ لَا أَدْرِي مَا هُوَ) (*)
(ولو سكت عنه) أي: عن ذكر الحين (يتأبد) أي: يقع يمينه على الأبد، فتعين ما ذكرناه وهو الوسط؛ لما ذكرنا أنه لم يُرد ساعة، وكذا أربعين سنة؛ لأنه لو أراد ذلك لسكت عن ذكر الحين حتى يتأبد؛ لأنها في معنى الأبد في المتعارف.
قوله: (وهذا) أي: هذا الخلاف، أي: الحمل على ستة أشهر إذا لم تكن له نية، وإن كانت فَعَلَى ما نوى.
قوله: (وكذلك الدهر عندهما) يحمل على ستة أشهر، وعند الشافعي يحمل الدهر والزمان والعصر على أدنى مدة، وبه قال أحمد.
وعند مالك على سنة، وقال أبو حنيفة: لا أدري ما الدهر؛ لأن الناس يستعملونه بمعنى الحين، والزمان بمعنى الأبد.
ألا ترى أن معرفة على الأبد بخلاف الحين؛ لأن معرفهما ومنكرهما سواء، يقال: فلان دهري - بضم الدال - إذا كان مُعَمِّرًا، ودهري - بالفتح - إذا قال بالدهر وأنكر الصانع، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، فكان محملًا ولم يقف على مرادِ المتكلم، والترجيح بلا دليل لا يجوز، فكان قوله: (لا أدري) من تمام وكمال علمه وورعه.
وروي [أن] (١) ابن عمر سُئل عن شيء، فقال: لا أدري، ثم قال بعد ذلك: طوبى لابن عمر سُئِل عن شيء ولا يدري فقال: لا أدري.
стр. 3778
وَهَذَا الاحْتِلَافُ فِي المُنَكَّرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا المُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُرَادُ بِهِ
وقيل: إنما قال (١): (لا أدري) حفظًا للسانه عن الكلام في معنى الدهر، فقد جاء في الحديث أنه ﵇ قال: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» (٢)، معناه أنه خالق الدهر.
وقد جاء في حديث آخر أنه ﵇ قال حكايةً عن الله تعالى: «استقرضتُ من عبدي فأبى أن يقرضني وهو يسبني لا يدري يسب الدهر ويقول وادهراه وإنما أنا الدهر» (٣)، وكما رُوي أنه ﵇ سُئل عن خير البقاع؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل جبريل ﵇»، فسأل جبريل فقال: «لا أدري حتى أسأل ربي جل وعلا»، فصعد ثم نزل، فقال: «سألت فقال الله تعالى: خير البقاع مساجدها، وخير أهلها من يكون أول الناس دخولا وآخرهم خروجًا» (٤)، فعرفنا أن التوقف في مثل هذا من الكمال لا من النقصان كذا في المبسوط (٥)، وجامعي فخر الإسلام وقاضي خان.
ولو قال: لا أكلمهم حقبًا فهو على ثمانين سنة عندنا وأحمد، وعند مالك على أربعين سنة، وعند الشافعي على جميع العمر.
قوله: (هو الصحيح) احتراز عن رواية بشر عن أبي حنيفة أن المعرف والمنكر سواء في جواب التوقف.
فإن قيل: ذكر في الجامع الكبير: وأجمعوا فيمن قال: إن كلمتك دهورًا،
стр. 3779
الأَبَدُ عُرفًا. لَهُمَا: أَنَّ دَهْرًا يُستَعمَلُ اسْتِعْمَالَ الحِينِ وَالزَّمَانِ، يُقَالُ: مَا رَأَيْتُكَ مُنذُ حِين وَمُنذُ دَهر بِمَعنَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ تَوَقَّفَ فِي تَقدِيرِهِ، لِأَنَّ اللُّغَاتِ لَا تُدْرَكُ قِيَاسًا، وَالعُرفُ لَم يُعرَف استمرارُهُ لاختلاف في الاستعمَالِ وَلَو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ أَيَّامًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ اسمُ جَمع ذُكِرَ مُنَكَّرًا فَيُتَنَاوَلُ أَقَلَّ الجَمْعِ وَهُوَ الثَّلَاثُ. وَلَو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الأَيَّامَ فَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَى أَيَّامِ الأسبوع (*). وَلَو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الشُّهُورَ
أو أزمنة، أو شهورًا، أو سنين، أو جمعًا، أو أيامًا يقع على ثلاثة من هذه المذكورات؛ لأنها أدنى الجمع المتفق عليه، فكيف قال أبو حنيفة: لا أدري الدهر، وقد حكم في دُهُورٍ أن أدناه ثلاثة دهور، فكل دهر ستة أشهر كما هو قولهما، ومن لا يدري معنى المفرد لا يدري معنى الجمع؛ إذ الجمع عبارة عن ثلاثة أفراد.
قلنا: هذا تفريع لمسألة الدهر على قول من يعرف الدهر، كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها؛ ولذلك قال بالعشرة إذا كانت يمينه بالدهور على صيغة الجمع فحلي بالألف واللام كما هو أصله في السنين والشهور، إليه أشار التمرتاشي.
وقيل: إن أبا حنيفة قال: أدنى الجمع من هذه المذكورات ثلاثة، ولكن لا يلزم من هذا معرفة المراد من الدهر المنكر؛ يعني: لو عرف المراد منه يكون المراد من الدهور ثلاثة سنة.
قوله: (لا يكلمه أيامًا فهو على ثلاثة أيام)؛ لأن أقل الجمع المنكر.
وفي المحيط في رواية الأصل: يقع على العشرة عند أبي حنيفة، والصحيح رواية الجامع أنه يقع على ثلاثة أيام، كما لو حلف لا يتزوج نساء ولا يشتري عبيدا يقع على الثلاثة بلا خلاف.
قوله: (ولو حلف لا يكلمه الشهور)؛ فهو على العشرة عند أبي حنيفة.
стр. 3780
فَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَشْهُرٍ عِندَهُ. وَعِندَهُمَا: عَلَى اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا لِأَنَّ اللَّامَ لِلمَعهُودِ وَهُوَ مَا ذَكَرنَا، لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهَا. وَلَهُ: أَنَّهُ جَمعٌ مُعَرَّفٌ فَيَنصَرِفُ إِلَى أَقْصَى مَا يُذْكَرُ بِلَفْظِ الجَمعِ وَذَلِكَ عَشَرَةٌ وَكَذَا الجَوَابُ عِندَهُ فِي الجُمَعِ وَالسِّنِينَ وَعِندَهُمَا يَنصَرِفُ إِلَى العُمُرِ، لِأَنَّهُ لَا مَعَهُودَ دُونَهُ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ خَدَمتنِي أَيَّامًا كَثِيرَةٍ فَأَنْتَ حُرٌّ
وفي المحيط: قال: لا أكلمه الأيام أو الشهور أو السنين أو الجمع أو الدهور، أو الأزمنة؛ فهو على العشرة عند أبي حنيفة وعندهما الأيام على الأسبوع؛ يعني: سبعة أيام والشهور على السنة، والسنة وغيرها على العمر؛ لأن اللام للعهد فإذا وجد معهود كان أحق، والسبعة معهودة في عدد الأيام، واثني عشر في عدد الشهور؛ فإن حساب الأيام والشهور يدور عليها، وليس في غيرها معهود فينصرف إلى تعريف الجنس واستغراقه وهو الأبد.
وهو معنى قول المصنف: (لا معهود دونه)؛ أي: دون العمر.
وأبو حنيفة يقول: إن اللام للعهد كما ذكرنا، إلا أن العشرة معهودة في الجمع المُعرَّف فإنه أقصى ما يذكر بلفظ الجمع، فإنه يقال: ثلاثة أيام إلى العشرة، ثم يقال: أحد عشر يوما فكان تعريفا لهذا المعهود.
فإن قيل: هذا لا يستقيم في الشهور، فإنه لا يقال: ثلاثة شهور؛ بل يقال: أشهر.
قلنا: بل يقال ثلاثة شهور أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، كذا في الأسرار.
فإن قيل: هذا هكذا عند اقتران العدد لا عند تجرده عنه، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾ [آل عمران: ١٤٠] أيام الدنيا.
قلنا: اسم الجمع للعشرة وما دونها حقيقة في حالتي الإبهام دون التعيين فكان الصرف إلى ما جمع في الحالتين أولى.
وقيل: يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وقد ذكر في الفوائد الظهيرية: لي في المسألة إشكالات:
стр. 3781
فَالأَيَّامُ الكَثِيرَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ أَكثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الأَيَّامِ، وَقَالَا:
منها: أن الاسم قد لا ينتهي العشرة، كما في قوله: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ الآية، وما قال: سبطا.
وثانيها: ينتهي إلى العشرة إذا كان مقرونا بالعدد، كما في عشرة أيام، لا عند تجرده؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾ الآية، ولا يراد بها العشرة إجماعًا.
وثالثها: إذا قال: لا يشتري العبيد لا يتزوج النساء لا ينصرف إلى العشرة؛ بل ينصرف إلى الواحد، وكذا المساكين في قوله: الله تعالى علي أن أتصدق على المساكين ينصرف إلى ستة.
ثم قال: وجواب هذه الإشكالات يأتي في الجامع إن شاء الله تعالى.
وفي الفوائد الخبازية ولأن الزائد على العشرة أيام عند الإطلاق، ويوم عند اقترانه بالعدد فلم يدخل تحت الأيام التي هي اسم جنس من كل وجه.
وأما قوله: لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد، ينصرف إلى الواحد فرقًا بين جمع الأزمان وجمع الأعيان من وجهين:
أحدهما: أنه تعذر الصرف إلى كل الجنس في جمع الأعيان فينصرف إلى الأدنى.
بانه: أن معنى الجمع لو كان مرعيا في جمع الأعيان فالحنث في الوجود مفتقرًا إلى ذلك الفعل في كل فرد من أفراد الأزمان؛ بدليل أن من حلف لا يكلم فلانًا عشرة أيام يحنث بكلامه في يوم منها، ولو حلف لا يشتري عشرة أثواب لم يحنث بشراء ثوب واحد.
وثانيهما: أن في سائر جمع الأعيان لو نفى معنى الجمعية، وصرف ذلك اللفظ إلى عددٍ من الأعداد يبقى جمعًا منكرًا فيبطل حرف التعريف حينئذ بخلاف جميع الأزمان؛ لأنه يتعين مما يلي وقت الحلف من الزمان فلا يكون منكرًا فأمكن العمل بحقيقة التعريف مع بقاء معنى الجمعية من كل وجه، فانعدمت
стр. 3782
سَبعَةُ أَيَّامٍ (*)، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا تَكرَارُ. وَقِيلَ: لَو كَانَ اليَمِينُ بِالفَارِسِيَّةِ يَنصَرِفُ إِلَى سَبعَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُذكَرُ فِيهَا بِلَفْظِ الفَردِ دُونَ الجَمعِ.
الضرورة الداعية إلى سقوط اعتبار الجمعية، ثم عندهما في الجمع والسنين ينصرف إلى العمر كله.
وفي قوله: لا يتزوج النساء لم ينصرف إلى نساء جميع العالم؛ لأن مقصوده من اليمين المنع من التزوج، وذلك ليس في وُسْعِه فلا يمنع نفسه عنه، وهنا لو حمل على التكلم مدة عمره يحنث بكلام واحد فيفيد اليمين فائدته فافترقا.
وفي الكافي: وقيل تنصرف الأيام على السبعة اتفاقًا، وعند الشافعي ومالك وأحمد ينصرف إلى الثلاثة في المنكر لأنه أقل الجمع في المنكر، وفي الأيام المُعرَّف فعند مالك ينصرف إلى الأبد.
وقال بعض أصحابه: ينصرف إلى الأسبوع كما ذكرنا، وتحمل الشهور على اثني عشر شهرًا، وبه قال أحمد، وفي قول من مالك: ينصرف إلى الأبد، والسنين والجمع ينصرف إلى الأبد كقولهما، وبه قال أحمد؛ لأن الألف واللام تستغرق الجميع، وفي المنكر على ثلاثة.
قوله: (ولو كان اليمين بالفارسية … )؛ (لأنه) أي: لأن الأيام (يذكر بلفظ الفرد).
قال أبو اليسر في جامعه: هذا بلسانه، أما بلساننا (١) فلا يجيء هذا الاختلاف؛ بل يصرف إلى أيام الجمعة بلا خلاف حتى لو قال لعبد: (أكر خدمت كن مرا روزها بسار) يراد إذا خدم سبعة أيام يعتق؛ لأن في لساننا يُستعمل في جميع الأعداد لفظة (روز)، يقال: عند اقتران العدد: (روز)، فلا يجيء ما قال أبو حنيفة من انتهاء الأيام إلى العشرة، والله أعلم.
стр. 3783
بَابُ اليَمِينِ فِي العِتْقِ وَالطَّلَاقِ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا طَلُقَتْ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ) لِأَنَّ المَوْجُودَ مَوْلُودٌ، فَيَكُونُ وَلَدًا حَقِيقَةً وَيُسَمَّى بِهِ فِي العُرْفِ، وَيُعْتَبَرُ وَلَدًا فِي الشَّرْعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ، وَالدَّمُ بَعْدَهُ نِفَاسٌ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَد لَهُ فَتَحَقَّقَ الشَّرطُ وَهُوَ وِلَادَةُ الوَلَدِ (وَلَو قَالَ: إِذَا وَلَدَت وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَت وَلَدًا مَيِّتًا ثُمَّ آخَرَ حَيًّا، عَتَقَ الحَيُّ وَحدَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُعتَقُ وَاحِدٌ مِنهُمَا) (*)، لِأَنَّ الشَّرطَ قَدْ تَحَقَّقَ بِوِلَادَةِ المَيِّتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَتَنحَلُّ اليَمِينُ لَا إِلَى جَزَاء، لِأَنَّ المَيِّتَ لَيسَ بِمَحَلُّ لِلحُرِّيَّةِ وَهِيَ الجَزَاءُ. وَلِأَبِي
باب [اليمين] (١) في العتق والطلاق
قدم هذا الباب على غيره؛ لأن الطلاق والعتاق أكثر مما يحلف بها فكانت معرفة أحكامها وهو أكثر وقوعا أهم.
قوله: (ويعتبر ولدا في الشرع)، ويبعث يوم القيامة، وترجى شفاعته، قال ﵇: «إن السقط ليقوم محبنطيا - أي: منتفخا من الغضب والضجر- على باب الجنة فيقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي» (٢)، وقد روي مهموزا، وهو من احبنطيت، من: حنط، إذا انتفخ بطنه، كاستلقيت من: سلقه، إذا ألقاه على ظهره (٣).
قوله: (فتنحل اليمين)، وذلك لأن الشرط ولادة مطلق الولد وقد وجد، وانحلال اليمين لا يتوقف على نزول الجزاء، ألا ترى لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت بعدما أبانها وانفضت عدتها ينحل اليمين لا
стр. 3784
حَنِيفَةَ: أَنَّ مُطلَقَ اسمِ الوَلَدِ مُقَيَّدٌ بِوَصفِ الحَيَاةِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ إِثْبَاتَ الحُرِّيَّةِ جَزَاء، وَهِيَ قُوَّةٌ حُكمِيَّةٌ تَظْهَرُ فِي دَفعِ تَسَلُّطِ الغَيرِ، وَلَا تَثْبُتُ فِي المَيِّتِ، فَيَتَقَيَّدُ بِوَصفِ الحَيَاةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إِذَا وَلَدت وَلَدا حَيًّا، بِخِلَافِ جَزَاءِ الطَّلَاقِ وَحُرِّيَّةِ الأُمِّ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا
إلى جزاء، وصار هذا كما إذا كان المعلق به عتق عبد آخر.
قوله: (مقيّد بِوَصْفِ الحَيَاةِ) تصحيحًا لكلامه إذا لم يقيده بها صار لغوا، كما لو قال: إن ضربت فلانًا، يتقيد بضربه حيا تصحيحا للشرط.
فأبو حنيفة يقول: شرط انحلال اليمين ولادة ولد حي نظرًا إلى وصفه إياه بالحرية.
(لأنه) أي: لأن الجزاء وهو الطلاق، أو عتق الأم مستغن عن حياة الولد فيبقى مطلقا.
فإن قيل: لو قال: إن اشتريت عبدًا فهو حرّ، فاشترى عبدا لغيره، ثم اشترى عبدًا لنفسه لا يعتق الثاني؛ لانحلال اليمين الأول، ولم تتقيد ضرورة وصفه بالحرية بالملك، مع أن الملك شرط للحرية كالحياة.
قلنا: الذي اشتراه لغيره محل للإعتاق فانحلت اليمين فلا يحتاج إلى إضمار الملك لتصحيح الكلام، فإن المشتري لغيره محل الإيجاب العتق وإن كان يتوقف نفوذه إلى إجازة المالك فلم يضمر الملك لصحة الجزاء.
أما في الميت لا يصح إيجاب العتق لا موقوفًا، ولا مُنَفَّذا فوجب إضمار الحياة لتصحيح الكلام لا محالة، إليه أشار في جامع شمس الأئمة.
وذكر في الإيضاح: لو قال: أول عبد أُدخل علي فهو حر، فأدخل عليه عبد ميت ثم عبد حيّ؛ يعتق الحيّ، ولم يذكر الخلاف.
والصحيح أنه على الاتفاق؛ لأن العبودية بعد الموت لا تبقى لزوال الرق به.
ولو قال: أول عبد أملكه فهو حر، فاشترى عبدًا ونصفا معًا عتق التام، ولو قال: أول كُرّ أملكه فهو هدي، فملك كُرَّا ونصفًا لم يهد شيئًا؛ لأن النصف
стр. 3785
(وَإِذَا قَالَ: أَوَّلُ عَبْد أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا عَتَقَ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْد سَابِق (فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدَينِ مَعا ثُمَّ آخَرَ لَم يُعتَقِ وَاحِدٌ مِنْهُم) لإنعِدَامِ التَّفَرُّدِ فِي الْأَوَّلَينِ وَالسَّبَقِ فِي الثَّالِثِ فَانعَدَمَت الأَوَّلِيَّةُ (وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْد أَشْتَرِيهِ وَحدَهُ فَهُوَ حُرٌّ عَتَقَ الثَّالِثُ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّفَرُّدُ فِي حَالَةِ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ وَحدَهُ لِلحَالِ لُغَةِ وَالثَّالِثُ سَابِقٌ فِي هَذَا الوَصفِ (وَإِنْ قَالَ: آخِرُ عَبْد أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى عَبدا ثُمَّ مَاتَ لَم يُعتَقِ) لِأَنَّ الْآخَرَ اسْمٌ لِفَرد لَاحِق وَلَا سَابِقَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَاحِقًا (وَلَو اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ فَردٌ لَاحِقٌ فَاتَّصَفَ بِالآخِرِيَّةِ (وَيُعتَقُ يَومَ اشْتَرَاهُ عِنْدَ
يزاحم كل نصف من الكرّ؛ لأنه مع كل نصف منه كرّ بخلاف نصف العبد فإنه متصل بالنصف الآخر فيكمل العبد بنصفيه، كذا ذكره التمرتاشي، والمرغيناني.
قوله: (أول عبد أشتريه وحده) إلى آخره، فإن قيل: لو قال: أول عبد أملكه واحدًا لا يعتق الثالث، فما الفرق بين قوله: (وحده) وبين قوله: واحد؟
قلنا: الفرق أن (وحده) يقتضي الانفراد في الفعل المقرون به، ونفي مشاركة غيره إياه في ذلك الفعل، ولا يقتضي الانفراد في الذات، والواحد يقتضي الانفراد في ذاته وهو الرجولية.
وإذا ثبت هذا فنقول قوله: (أملكه وحده) يقتضي التفرد في التملك، والعبد الثالث يتصف بهذه الصفة فيعتق، وصار كما لو قال: أول عبد أسود أملكه فهو حر، فملك أبيضين ثم أسود يعتق الأسود؛ لتعلق العتق بصفة السواد، والثالث متصف بهذه الصفة، وقوله: أملكه واحدًا صفة العبد فيقتضي التفرد في الذات، فكان العتق متعلقا بعبد متصف بصفة التفرد في الذات، والثالث بهذه الصفة.
فإن قيل: قال في الكتاب: (أول عبد أملكه واحدًا) فوجب أن لا يحمل غير الحالي فصار نظير وحده.
قيل: لعل زيادة الألف خطأ من بعض الكتاب، ولأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب فلم يعتبر نصبه فجعل نعتا، ولأنه يحتمل أن يكون حالا عن العبد، ويحتمل أن يكون حالا من المالك؛ أي: حال كوني منفردًا فلا يعتق بالشك، إليه أشار شمس الأئمة في الجامع الكبير، وقاضي خان في جامعه.