← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

فَالأَيَّامُ الكَثِيرَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ أَكثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الأَيَّامِ، وَقَالَا: منها: أن الاسم قد لا ينتهي العشرة، كما في قوله: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ الآية، وما قال: سبطا. وثانيها: ينتهي إلى العشرة إذا كان مقرونا بالعدد، كما في عشرة أيام، لا عند تجرده؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾ الآية، ولا يراد بها العشرة إجماعًا. وثالثها: إذا قال: لا يشتري العبيد لا يتزوج النساء لا ينصرف إلى العشرة؛ بل ينصرف إلى الواحد، وكذا المساكين في قوله: الله تعالى علي أن أتصدق على المساكين ينصرف إلى ستة. ثم قال: وجواب هذه الإشكالات يأتي في الجامع إن شاء الله تعالى. وفي الفوائد الخبازية ولأن الزائد على العشرة أيام عند الإطلاق، ويوم عند اقترانه بالعدد فلم يدخل تحت الأيام التي هي اسم جنس من كل وجه. وأما قوله: لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد، ينصرف إلى الواحد فرقًا بين جمع الأزمان وجمع الأعيان من وجهين: أحدهما: أنه تعذر الصرف إلى كل الجنس في جمع الأعيان فينصرف إلى الأدنى. بانه: أن معنى الجمع لو كان مرعيا في جمع الأعيان فالحنث في الوجود مفتقرًا إلى ذلك الفعل في كل فرد من أفراد الأزمان؛ بدليل أن من حلف لا يكلم فلانًا عشرة أيام يحنث بكلامه في يوم منها، ولو حلف لا يشتري عشرة أثواب لم يحنث بشراء ثوب واحد. وثانيهما: أن في سائر جمع الأعيان لو نفى معنى الجمعية، وصرف ذلك اللفظ إلى عددٍ من الأعداد يبقى جمعًا منكرًا فيبطل حرف التعريف حينئذ بخلاف جميع الأزمان؛ لأنه يتعين مما يلي وقت الحلف من الزمان فلا يكون منكرًا فأمكن العمل بحقيقة التعريف مع بقاء معنى الجمعية من كل وجه، فانعدمت

стр. 3782

سَبعَةُ أَيَّامٍ (*)، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا تَكرَارُ. وَقِيلَ: لَو كَانَ اليَمِينُ بِالفَارِسِيَّةِ يَنصَرِفُ إِلَى سَبعَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُذكَرُ فِيهَا بِلَفْظِ الفَردِ دُونَ الجَمعِ. الضرورة الداعية إلى سقوط اعتبار الجمعية، ثم عندهما في الجمع والسنين ينصرف إلى العمر كله. وفي قوله: لا يتزوج النساء لم ينصرف إلى نساء جميع العالم؛ لأن مقصوده من اليمين المنع من التزوج، وذلك ليس في وُسْعِه فلا يمنع نفسه عنه، وهنا لو حمل على التكلم مدة عمره يحنث بكلام واحد فيفيد اليمين فائدته فافترقا. وفي الكافي: وقيل تنصرف الأيام على السبعة اتفاقًا، وعند الشافعي ومالك وأحمد ينصرف إلى الثلاثة في المنكر لأنه أقل الجمع في المنكر، وفي الأيام المُعرَّف فعند مالك ينصرف إلى الأبد. وقال بعض أصحابه: ينصرف إلى الأسبوع كما ذكرنا، وتحمل الشهور على اثني عشر شهرًا، وبه قال أحمد، وفي قول من مالك: ينصرف إلى الأبد، والسنين والجمع ينصرف إلى الأبد كقولهما، وبه قال أحمد؛ لأن الألف واللام تستغرق الجميع، وفي المنكر على ثلاثة. قوله: (ولو كان اليمين بالفارسية … )؛ (لأنه) أي: لأن الأيام (يذكر بلفظ الفرد). قال أبو اليسر في جامعه: هذا بلسانه، أما بلساننا (١) فلا يجيء هذا الاختلاف؛ بل يصرف إلى أيام الجمعة بلا خلاف حتى لو قال لعبد: (أكر خدمت كن مرا روزها بسار) يراد إذا خدم سبعة أيام يعتق؛ لأن في لساننا يُستعمل في جميع الأعداد لفظة (روز)، يقال: عند اقتران العدد: (روز)، فلا يجيء ما قال أبو حنيفة من انتهاء الأيام إلى العشرة، والله أعلم.

стр. 3783

بَابُ اليَمِينِ فِي العِتْقِ وَالطَّلَاقِ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا طَلُقَتْ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ) لِأَنَّ المَوْجُودَ مَوْلُودٌ، فَيَكُونُ وَلَدًا حَقِيقَةً وَيُسَمَّى بِهِ فِي العُرْفِ، وَيُعْتَبَرُ وَلَدًا فِي الشَّرْعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ، وَالدَّمُ بَعْدَهُ نِفَاسٌ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَد لَهُ فَتَحَقَّقَ الشَّرطُ وَهُوَ وِلَادَةُ الوَلَدِ (وَلَو قَالَ: إِذَا وَلَدَت وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَت وَلَدًا مَيِّتًا ثُمَّ آخَرَ حَيًّا، عَتَقَ الحَيُّ وَحدَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُعتَقُ وَاحِدٌ مِنهُمَا) (*)، لِأَنَّ الشَّرطَ قَدْ تَحَقَّقَ بِوِلَادَةِ المَيِّتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَتَنحَلُّ اليَمِينُ لَا إِلَى جَزَاء، لِأَنَّ المَيِّتَ لَيسَ بِمَحَلُّ لِلحُرِّيَّةِ وَهِيَ الجَزَاءُ. وَلِأَبِي باب [اليمين] (١) في العتق والطلاق قدم هذا الباب على غيره؛ لأن الطلاق والعتاق أكثر مما يحلف بها فكانت معرفة أحكامها وهو أكثر وقوعا أهم. قوله: (ويعتبر ولدا في الشرع)، ويبعث يوم القيامة، وترجى شفاعته، قال ﵇: «إن السقط ليقوم محبنطيا - أي: منتفخا من الغضب والضجر- على باب الجنة فيقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي» (٢)، وقد روي مهموزا، وهو من احبنطيت، من: حنط، إذا انتفخ بطنه، كاستلقيت من: سلقه، إذا ألقاه على ظهره (٣). قوله: (فتنحل اليمين)، وذلك لأن الشرط ولادة مطلق الولد وقد وجد، وانحلال اليمين لا يتوقف على نزول الجزاء، ألا ترى لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت بعدما أبانها وانفضت عدتها ينحل اليمين لا

стр. 3784

حَنِيفَةَ: أَنَّ مُطلَقَ اسمِ الوَلَدِ مُقَيَّدٌ بِوَصفِ الحَيَاةِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ إِثْبَاتَ الحُرِّيَّةِ جَزَاء، وَهِيَ قُوَّةٌ حُكمِيَّةٌ تَظْهَرُ فِي دَفعِ تَسَلُّطِ الغَيرِ، وَلَا تَثْبُتُ فِي المَيِّتِ، فَيَتَقَيَّدُ بِوَصفِ الحَيَاةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إِذَا وَلَدت وَلَدا حَيًّا، بِخِلَافِ جَزَاءِ الطَّلَاقِ وَحُرِّيَّةِ الأُمِّ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا إلى جزاء، وصار هذا كما إذا كان المعلق به عتق عبد آخر. قوله: (مقيّد بِوَصْفِ الحَيَاةِ) تصحيحًا لكلامه إذا لم يقيده بها صار لغوا، كما لو قال: إن ضربت فلانًا، يتقيد بضربه حيا تصحيحا للشرط. فأبو حنيفة يقول: شرط انحلال اليمين ولادة ولد حي نظرًا إلى وصفه إياه بالحرية. (لأنه) أي: لأن الجزاء وهو الطلاق، أو عتق الأم مستغن عن حياة الولد فيبقى مطلقا. فإن قيل: لو قال: إن اشتريت عبدًا فهو حرّ، فاشترى عبدا لغيره، ثم اشترى عبدًا لنفسه لا يعتق الثاني؛ لانحلال اليمين الأول، ولم تتقيد ضرورة وصفه بالحرية بالملك، مع أن الملك شرط للحرية كالحياة. قلنا: الذي اشتراه لغيره محل للإعتاق فانحلت اليمين فلا يحتاج إلى إضمار الملك لتصحيح الكلام، فإن المشتري لغيره محل الإيجاب العتق وإن كان يتوقف نفوذه إلى إجازة المالك فلم يضمر الملك لصحة الجزاء. أما في الميت لا يصح إيجاب العتق لا موقوفًا، ولا مُنَفَّذا فوجب إضمار الحياة لتصحيح الكلام لا محالة، إليه أشار في جامع شمس الأئمة. وذكر في الإيضاح: لو قال: أول عبد أُدخل علي فهو حر، فأدخل عليه عبد ميت ثم عبد حيّ؛ يعتق الحيّ، ولم يذكر الخلاف. والصحيح أنه على الاتفاق؛ لأن العبودية بعد الموت لا تبقى لزوال الرق به. ولو قال: أول عبد أملكه فهو حر، فاشترى عبدًا ونصفا معًا عتق التام، ولو قال: أول كُرّ أملكه فهو هدي، فملك كُرَّا ونصفًا لم يهد شيئًا؛ لأن النصف

стр. 3785

(وَإِذَا قَالَ: أَوَّلُ عَبْد أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا عَتَقَ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْد سَابِق (فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدَينِ مَعا ثُمَّ آخَرَ لَم يُعتَقِ وَاحِدٌ مِنْهُم) لإنعِدَامِ التَّفَرُّدِ فِي الْأَوَّلَينِ وَالسَّبَقِ فِي الثَّالِثِ فَانعَدَمَت الأَوَّلِيَّةُ (وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْد أَشْتَرِيهِ وَحدَهُ فَهُوَ حُرٌّ عَتَقَ الثَّالِثُ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّفَرُّدُ فِي حَالَةِ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ وَحدَهُ لِلحَالِ لُغَةِ وَالثَّالِثُ سَابِقٌ فِي هَذَا الوَصفِ (وَإِنْ قَالَ: آخِرُ عَبْد أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى عَبدا ثُمَّ مَاتَ لَم يُعتَقِ) لِأَنَّ الْآخَرَ اسْمٌ لِفَرد لَاحِق وَلَا سَابِقَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَاحِقًا (وَلَو اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ فَردٌ لَاحِقٌ فَاتَّصَفَ بِالآخِرِيَّةِ (وَيُعتَقُ يَومَ اشْتَرَاهُ عِنْدَ يزاحم كل نصف من الكرّ؛ لأنه مع كل نصف منه كرّ بخلاف نصف العبد فإنه متصل بالنصف الآخر فيكمل العبد بنصفيه، كذا ذكره التمرتاشي، والمرغيناني. قوله: (أول عبد أشتريه وحده) إلى آخره، فإن قيل: لو قال: أول عبد أملكه واحدًا لا يعتق الثالث، فما الفرق بين قوله: (وحده) وبين قوله: واحد؟ قلنا: الفرق أن (وحده) يقتضي الانفراد في الفعل المقرون به، ونفي مشاركة غيره إياه في ذلك الفعل، ولا يقتضي الانفراد في الذات، والواحد يقتضي الانفراد في ذاته وهو الرجولية. وإذا ثبت هذا فنقول قوله: (أملكه وحده) يقتضي التفرد في التملك، والعبد الثالث يتصف بهذه الصفة فيعتق، وصار كما لو قال: أول عبد أسود أملكه فهو حر، فملك أبيضين ثم أسود يعتق الأسود؛ لتعلق العتق بصفة السواد، والثالث متصف بهذه الصفة، وقوله: أملكه واحدًا صفة العبد فيقتضي التفرد في الذات، فكان العتق متعلقا بعبد متصف بصفة التفرد في الذات، والثالث بهذه الصفة. فإن قيل: قال في الكتاب: (أول عبد أملكه واحدًا) فوجب أن لا يحمل غير الحالي فصار نظير وحده. قيل: لعل زيادة الألف خطأ من بعض الكتاب، ولأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب فلم يعتبر نصبه فجعل نعتا، ولأنه يحتمل أن يكون حالا عن العبد، ويحتمل أن يكون حالا من المالك؛ أي: حال كوني منفردًا فلا يعتق بالشك، إليه أشار شمس الأئمة في الجامع الكبير، وقاضي خان في جامعه.

стр. 3786

أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُعتَبرُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، وَقَالَا: يُعتَقُ يَومَ مَاتَ) (*) حَتَّى يُعتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، لِأَنَّ الْآخِرِيَّةَ لَا تَثبُتُ إِلَّا بِعَدَمِ شِرَاءِ غَيْرِهِ بَعدَهُ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالمَوتِ فَكَانَ الشَّرطُ مُتَحَقِّقًا عِنْدَ المَوتِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ المَوتَ مُعَرَّفٌ فَأَمَّا اتِّصَافُهُ بِالآخِرِيَّةِ فَمِنْ وَقتِ الشِّرَاءِ فَيَثْبُتُ مُستَنِدًا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ تَعلِيقُ الطَّلقَاتِ الثَّلَاثِ بِهِ، وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي جَرَيَانِ الإِرثِ وَعَدَمِهِ (وَمَنْ قَالَ: كُلُّ عَبد قوله: (مات) أي: المولى. قوله: (حتى يعتبر) أي: ذلك العتق (من جميع المال) إذا كان الشراء في الصحة، وعندهما يعتبر من الثلث على كل حال سواء كان الشراء في الصحة أو لا. (وذلك) أي: عدم شراء غيره (متحققا عند الموت)، فكان الشرط وهو عدم شراء غيره متحققاً عند الموت فيقتصر العتق على زمان الموت، كما لو قال: إن لم أشتر عليك عبدًا فأنت حر فلم يشتر حتى مات؛ يعتق المخاطب مقصورًا على حالة الموت. وأبو حنيفة يقول: إن الموت معرَّف لا شرط، وهو اتصافه بصفة الأخروية، وهذه الصفة حصلت له من وقت الشراء، إلا أن هذه الصفة تعرض الزوال بأن يشتري بعده عشرة، فإذا مات ولم يشتر لم يوجد ما يبطلها يتبين أنه كان آخرًا من وقت الشراء فيعتق من ذلك الوقت، كما لو قال لامرأته: إن حضت فأنت طالق، أو لأمته إن حضت فأنتِ حرة، لا تطلق، ولا تعتق بمجرد رؤية الدم؛ لاحتمال أن ينقطع دون ثلاثة أيام، فإن استمر الدم ثلاثة أيام يحكم بوقوع الطلاق والعتاق من حين رأت الدم. وأما قولهما: (إن صفة الآخرية (١) إنما تثبت بعدم شراء غيره بعده). قلنا: نعم، لكن ذلك غير مذكور صريحًا فلم يجعل شرطًا، إليه أشار في جامع السرخسي.

стр. 3787

بَشَّرَنِي بِوِلَادَةِ فُلَانَةَ فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرَهُ ثَلَاثَةٌ مُتَفَرِّقِينَ عَتَقَ الأَوَّلُ لِأَنَّ البِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَر يُغَيِّرُ بَشَرَةَ الوَجهِ، وَيُشْتَرَطُ كَونُهُ سَارًا بِالعُرفِ، وعلى هذا الخلاف إذا قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق ثلاثًا، فتزوج امرأة ثم أخرى ثم مات، يقع عند الموت عندهما، ويثبت الإرث للقرار، وعنده يقع منذ تزوجها فلا ترث ولها المهر ونصف المهر لو دخل بها وعدتها بالحيض بلا حداد، وعندهما تطلق في آخر حياته ولها مهر واحد وعليها عدة الطلاق وترث، ولو كان الطلاق رجعيا عليها عدة الوفاة. ولو قال: امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوجها ثم أخرى ثم طلق الأولى وتزوجها ثم مات؛ لم تطلق هي وتطلق الذي تزوجها مرة واحدة؛ لأن التي أعاد عليها التزوج اتصفت بالأولية فلا تتصف بالآخرية (١)، كقوله: آخر عبد ضربه، فضرب عبدًا ثم آخر ثم أعاد الضرب على الأول ثم مات؛ عتق الذي ضربه مرةً، كذا ذكره قاضي خان، والتمرتاشي. قوله: (ويشترط كونه سارًا بِالعُرْفِ) قيد بالعُرف؛ لأن البشارة خبر غاب علمه عن المخبر، سميت بذلك؛ لأنها تتغير بها بشرة الوجه من فرح أو ترح؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، وفي العُرف خبر سار صدق غاب عن المخبر علمه وهو لا يتكرّر، فعلى هذا التفسير جاء من الأول دون الثاني؛ لأن الثاني أخبره بما كان معلومًا له فلا يتغير به بشرته عند سماعه، وأصله ما رُوي أن النبي ﷺ مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن، فقال ﵇: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا طريا كما أُنْزِلَ فليقرأ بقراءة ابن أم عبد»، فابتدر إليه أبو بكر ﵁ للبشارة فسبق أبو بكر عمر ﵄ (٢) بها، فكان ابن مسعود متى ذكر يقول: بشرني أبو بكر وأخبرني عمر ﵄، ذكره المرغيناني. ولهذا لو كان البشارة إخبارًا بأن قال: إن أخبرني - والمسألة بحالها - عتقوا لما ذكرنا من الفرق.

стр. 3788

وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الأَوَّلِ (وَإِنْ بَشَّرُوهُ مَعا عَتَقُوا) لِأَنَّهَا تَحَقَّقَت مِنْ الكُلِّ (وَلَو قَالَ: إِنْ اشْتَرَيت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ، فَاسْتَرَاهُ يَنوِي بِهِ كَفَّارَةَ يَمِينِهِ لَم يُجْزِهِ) لِأَنَّ الشَّرط قِرَانُ النِّيَّةِ بِعِلَّةِ العِلْقِ وَهِيَ اليَمِينُ، فَأَمَّا الشَّرَاءُ فَشَرطُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ يَنوِي عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا) خِلَافا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ. لَهُمَا: أَنَّ الشَّرَاءَ شَرطُ العِلْقِ، فَأَمَّا العِلَّةُ فَهِيَ القَرَابَةُ، قوله: (لأنها) أي؛ لأن البشارة (تحققت من الكل) حنث، غيروا بشرة وجهه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] فأضاف البشارة إلى الجماعة، فدل على تحقق البشارة من الجماعة. قوله: (لأن الشرط) أي: شرط الخروج عن عهدة التكفير (قرآن نية) التكفير (بعلة العتق)، وهو اليمين، ولم يوجد نية التكفير وقت يمينه؛ لأن الكلام فيه. (فأما الشراء) أي: الملك عند شرائه شرط العتق ولا أثر للشرط في العتق فيكون معتقا بيمينه، ولم تقترن نية الكفارة بها حتى لو اقترنت جاز، كذا في المبسوط (١). فإن قيل: المعلق بالشرط يصير علة عند وجود الشرط عندنا فيتحقق قرآن النية بالعلة عند وجود الشرط. قلنا: الأهلية تشترط عند وجود اليمين لا عند وجود الشرط، حتى لو جنَّ عند الشرط بعد التعليق يثبت الحكم وإن لم توجد الأهلية، فكذا النية تشترط وقت اليمين، كذا قيل. قوله: (خلافًا لزفر والشافعي) فإنه لم يجز عندهما، وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة أولا. (فأما العلة هي القرابة) في القريب بطريق الصلة؛ إذ هي علة الصلات، والصلات بين الأقارب تجب بالقرابة كما في النفقة، واستحال إضافة العتق إلى الشراء؛ لأنه شرط العتق ومنافٍ للعتق؛ لأنه سبب الملك والنية لم تتصل بعلة العتق فلا يصح كما في المسألة الأولى.

стр. 3789

وَهَذَا لِأَنَّ الشِّرَاءَ إِثْبَاتُ المِلكِ وَالإِعْتَاقَ إِزَالَتُهُ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ. وَلَنَا: أَنَّ شِرَاءَ القَرِيبِ إعتاقٌ لِقَولِهِ ﵊: ﴿لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقَهُ﴾ جَعَلَ نَفْسَ الشِّرَاءِ إِعْتَافًا، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُهُ وَصَارَ نَظِيرُ قَولِهِ سَقَاهُ فَأَرَوَاهُ (وَلَو اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ لَم يُجِزهُ) وَمَعنَى هَذِهِ المَسأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ لِأَمَة قَدْ ولنا أن شراء القريب إعتاق بالحديث المذكور في المتن. (جعل) أي: النبي ﷺ نفس الشراء إعتاقا؛ لأنه لم يشترط بالإجماع غيره حتى لا يحتاج بإعتاق آخر بعد الشراء، وهذا كما يُقال: سقاه فأرواه، ضربه فأوجعه؛ أي: بنفس السقي والضرب. وظاهر الآية في الكفارة أمر بالتحرير وقد وُجِد، ولأن الشراء يوجب الملك، والملك في القريب يوجب العتق فيضاف الملك مع حكمه إلى الشراء لأنهما حدثا به. وهذا كمن رمى إنسانًا عمدًا فأصابه فقتله فقتل به، كأنه حز رقبته بالسيف وإن كان فعله رميًا؛ لأن الرمي أوجب نفوذ السهم ومضيه في الهواء، وذا سبب الوقوع في المرمي، وذا سبب الخروج، وذا سبب الموت فيضاف كله إلى الرمي الذي هو العلة الأولى، فصارت أحكامًا إليه، وصار الرامي قاتلا، فكذا الشراء بواسطة الملك لما ثبت به صار إعتاقًا. والملك ليس بشرط العتق؛ لأن الشرط مالا أنزله في الإيجاب، والعتق لا يثبت إلا بالملك والقرابة، ولكل واحدٍ منهما أثر فيه فجعلا علة، وهذا لأن العتق صلة وللمك تأثير في الصلات، فالزكاة صلة وتجب بالملك، وللقرابة تأثير أيضًا فيه فجعلا علة، فإذا اجتمعا - وهما مؤثران - أضيف وجوب الصلة إليهما، إلا أنه إذا تفرق وجودهما أضيف الحكم إلى آخرهما وجودًا، كسفينة لا تحمل إلا مائة من، فأوقع فيها رجل مَنَّا زائدًا على المائة فغرقت السفينة كان الضمان كله عليه، وإن لم تغرق بهذا المن وحده؛ بل به وبما كان قبله؛ لأن تمام العلة بالمنّ الأخير فأضيف كله إليه، فكذا هاهنا يُضاف العتق إلى آخرهما وجودًا.

стр. 3790

استَولَدَهَا بِالنِّكَاحِ: إِنْ اشْتَرَيْتُكِ فَأَنتِ حُرَّةٌ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي ثُمَّ اسْتَرَاهَا فَإِنَّهَا تُعتَقُ لِوُجُودِ الشَّرطِ وَلَا يَجْزِيه عَنْ الكَفَّارَةِ، لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا مُستَحَقَّةٌ بِالِاسْتِيلَادِ فَلَا تَنضَافُ ولهذا لو ادعى أحد الشريكين نسب نصيبه يضمن لشريكه؛ لأن آخر الوصفين هنا القرابة فيصير به معتقًا، ولا يلزم الشاهد الثاني، فإنه لا يحال بالإتلاف عليها وإن تمت الحجة بها؛ لأن الشهادة لا توجب شيئًا بدون القضاء، والقضاء يكون بهما جميعًا. وبهذا تبين فساد قولهم: إن العتق مستحق بالقرابة؛ لأن الاستحقاق لا يثبت قبل كمال العِلة، ولا معنى لقولهم: إن في هذه صرف منفعة الكفارة إلى أبيه؛ لأنه لما جاز صرف هذه المنفعة إلى عبده بخلاف الإطعام والكسوة فصرفه إلى أبيه أولى، وكذا إن وهب له، أو تصدق به عليه، أو أوصى له به فقبض ونوى الكفارة؛ فهو على الخلاف. قلنا: لأن الملك بهذه الأسباب يثبت بصنعه وهو القبض والقبول، أما لو ورث أباه ينوي به الكفارة لا يجزئه؛ لأن الميراث يدخل في ملكه بلا صنعه وبدون الصنع لا يصير محررًا والتكفير تحرير؛ ولهذا لا يضمن لشريكه إذا ورث نصف قريبه، كذا في المبسوط (١). قوله: (لأن حريتها مستحقَّة بالاستيلاد)، إنما ذكر هذا للفرق بين شراء القريب وشرائها مع أن الشراء في الفصلين مسبوق بما يوجب العتق من وجه، فإن القرابة توجب العتق كالاستيلاد فقال: الاستيلاد نزل منزلة العتق بقوله ﵇: «أعتقها ولدها» (٢)، لكنه موقوف على الملك، فصار كما لو قال: إن اشتريتك فأنتَ حرّ ثم اشتراه ناويًا عن الكفارة؛ لم يجزه، ولا كذلك القرابة فإنها ليست بإعتاق إليه أشار في الفوائد الظهيرية.

стр. 3791

إِلَى اليَمِينِ مِنْ كُلِّ وَجه، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِقِنَّة: إِنْ اشْتَرَيْتُكِ فَأَنتِ حُرَّةٌ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي، حَيثُ يُجزيه عَنهَا إِذَا اشْتَرَاهَا، لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٌ بِجِهَة أُخرَى، فَلَم تَحْتَلَّ الإِضَافَةُ إِلَى اليَمِينِ وَقَدْ قَارَنَتهُ النِّيَّةُ (وَمَنْ قَالَ: إِنْ تَسَرَّيتُ جَارِيَة فَهِيَ حُرَّةٌ، فَتَسَرَّى جَارِيَة كَانَتْ فِي مِلْكِهِ عَتَقَت) لِأَنَّ اليَمِينَ انعَقَدَت فِي حَقِّهَا لِمُصَادَفَتِهَا المِلكَ، وَهَذَا: لِأَنَّ الجَارِيَةَ مُنَكَّرَةٌ فِي هَذَا الشَّرطِ فَتَتَنَاوَلُ كُلَّ جَارِيَةٍ عَلَى الانْفِرَادِ قوله: (إنْ تسرّيتُ)، للتسري معنى لغوي وشرعي، أما في اللغة: فالتسري مأخوذ من السرّية، واحدة السراري، وهي الأمة التي بوأها بيتًا، وهي فعلية منسوبة إلى السر، وهو الجماع أو الإخفاء؛ لأن الإنسان يُسرُّهُ، وَإِنَّمَا ضمّت سينه؛ لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة، كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دهري، وإلى الأرض السهلة: سهلة. وكان الأخفش يقول: إنها مشتقة من السرور؛ لأنه يُسَرُّ بها، يقال: تَسرَّرت جارية وتُسريت أيضًا، كما يقال: تظننت وتُظنيت بقلب إحدى النونين ياء. وقيل: السرية مأخوذة من السري، وهو السري وهو السيد؛ لأنه إذا اتخذها سرية فقد جعلها سيدة الجواري، ذكره في الصحاح (١)، والفوائد الظهيرية. والتسري شرعًا: عبارة عن التحصين والوطء، وبه قال الشافعي في وجه، وقال في وجه الوطء مع الإنزال والتحصين، وقال في وجه: يكفي الوطء، وبه قال أحمد. وقال أبو يوسف: يشترط مع الوطء طلب الولد حتى [لو] (٢) وطئها وعزل عنها لا تكون سرية عنده؛ لما أن السرية عادة لطلب الولد، وتسرى جارية في ملكه عتقت بإجماع الأئمة الأربعة، ولو اشتراها بعد ذلك فتسراها لا تعتق عندنا، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال زفر: تعتق، فإنه يقول: ذكر التسري ذكر الملك؛ إذ لا يصح إلا به كمن قال لأجنبية: إن طلقتك فعبدي حرّ فتزوجها وطلقها؛ فعبده حر، فيصير

стр. 3792

(وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَة فَتَسَرَّاهَا، لَم تَعْتِقْ بهذا اليمين) خِلَافا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: التَّسَرِّي لَا يَصِحُ إِلَّا فِي المِلكِ، فَكَانَ ذِكرُهُ ذِكرَ المِلكِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ لِأَجنَبِيَّة: إن طَلَّقْتُكِ فَعَبدِي حُرٌّ يَصِيرُ التَّزَوُّجُ مَذْكُورًا. وَلَنَا: أَنَّ المِلكَ يَصِيرُ مَذْكُورًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّسَرِّي، وَهُوَ شَرطٌ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كأنه قال: إن تزوجتك وطلقتكِ فعبدي حرّ، كذا هاهنا، وصار كقوله: إن ملكت أمة وتسريتها فهي حرة. فإن قيل: إثبات الملك بطريق الاقتضاء، وزفر لا يقول بالاقتضاء حتى لا يقع العتق عن الأمر عنده في قوله لآخر: أعتق عبدك عني بألف، والمسألة بحالها في المنظومة وغيرها. [قلنا] (١): هذا إثبات الملك بالدلالة لا بالاقتضاء عنده، وهذا لأن الثابت دلالة ما يفهم من اللفظ بلا اجتهاد، كفهم حُرمة الضرب والشتم من النهي عن التأفف، والمقتضى لا يفهم من ذكر المقتضي، ولهذا لو قيل: عند فلان جارية سرية يفهم مملوكه بلا تأمل واجتهاد. (ولنا أن الملك) إلى آخره، أي: اليمين في العتق إنما يصح في الملك، أو مضافًا إلى الملك، ولم يوجد كلاهما في قوله: إن تسريت؛ لانعدام ثبوت الملك من حيث الدلالة، والإشارة، والعبارة؛ لما ذكرنا من معنى التسري لغةً، وشرعًا، فلو ثبت الملك إنما يثبت ضرورة صحة التسري فحينئذ كان الملك ثابتًا اقتضاء، والثابت اقتضاء ضروري فيتقدر بقدر الضرورة. أصله قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وإذا كان كذلك كان تصحيحه بإدراج الملك إنما كان في حق نفسه وهو تصحيح الشرط لا تصحيح الجزاء فلا يظهر الملك في حق صحة الجزاء وهو حريتها، فلما لم يظهر الملك في حق إضافة إلى التسري لم يكن عتقها مضافًا إلى الملك بعدم ملكها وقت التعليق، ولا مضافًا إلى سبب الملك، فلا يصح اليمين في حقها فلا تعتق.

стр. 3793

وَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الجَزَاءِ وَهُوَ الحُرِّيَّةُ، وَفِي مَسأَلَةِ الطَّلَاقِ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّرطِ دُونَ الجَزَاءِ، حَتَّى لَو قَالَ لَهَا: إن طَلَّقْتُكِ فَأَنتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا وَاحِدَة لَا تَطلُقُ ثَلَاثًا، فَهَذِهِ وِزَانُ مَسأَلَتِنَا (وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكَ لِي حُرٌّ تَعْتِقْ فإن قيل: قيد أبو حنيفة ذكر الولد بالولد الحي بدلالة إضافة الحرية إليه في قوله: إن ولدت ولدًا، ولم يقيد التسري بالملك بدلالة قوله: فهي حرة، فما الفرق بينهما؟ قلنا: تثبت الحياة ثمة لأجل صحة العتق في الولد وهو شرط، فكذلك هاهنا أثبت الملك لأجله صحة التسري وهو شرط فلا يظهر في حق العتق؛ لأن التسري ليس بسبب للملك؛ فلهذا لا يظهر العتق في المشتراة؛ لأن قصد الحالف عدم العتق؛ لأن هذا الشرط يذكر في منع نفسه من الإقدام؛ بخلاف قوله: إذا ولدت ولدًا فهو حرّ، فالمقصود إثبات الحرية؛ لأن ذلك الشرط يذكر للتحريض على الولادة، غير أن الحرية لا تتحقق إلا في الحي، فاشتراط الحياة لصحة الجزاء، وهنا اشترط الملك لصحة التسري لا لصحة الجزاء وهو الحرية؛ لأن الملك يثبت ضرورة التسري فيتقدر بقدرها. قوله: (وفي مسألة الطلاق إنما يظهر التزوج (في حق الشرط) وهو الطلاق، فكان ذكر الطلاق ذكر للنكاح الذي لا يستغني عنه الطلاق، لا ذكر لما لا يستغني الجزاء عنه، فصار كما إذا قال لعبده: إذا تزوجت امرأة فأنتَ حرّ، فلم تكن مسألة الطلاق وزان مسألة التسري. بل وزنها ما لو قال لأجنبية: إن طلقتك واحدة فأنت طالق ثلاثا، فتزوجها ووطئها وطلقها واحدة؛ لم يقع الثلاث؛ لأن الملك صار مذكورًا ضرورة الشرط فلم يتعد إلى الجزاء وهو الثلاث، ووزان ما استشهد به زفر أن يقول: إن تسريت أمة فعبدي هذا حر فاشترى أمة وتسراها عتق عبده، ولو قوله: إن تسريت بمعنى إن ملكت وتسريت كما قال زفر يجب أن لا يعتق الجارية المملوكة له وقت الحلف؛ لأنه لم يملكها بعد الحلف. قوله: (فهذه) أي: المسألة التي قال لأجنبية: إن طلقتك فأنت طالق ثلاثًا وزان مسألتنا) أي: نظيرها من حيث أن كل واحد منهما شرط الشرط لا يكون

стр. 3794

أُمَّهَاتُ أَولَادِهِ وَمُدَبَّرُوهُ وَعَبِيدُهُ) لِوُجُودِ الإِضَافَةِ المُطلَقَةِ فِي هَؤُلَاءِ، إذ المِلكُ ثَابِتٌ فِيهِمْ رَقَبَةٍ وَيَدًا وَلَا يَعْتِقُ مُكَاتَبُوهُ إِلَّا أَنْ يَنوِيَهُم لِأَنَّ المِلكَ غَيْرُ ثَابِت يَدًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ أَكسَابَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطءُ المُكَاتَبَةِ، بِخِلَافِ أُمِّ الوَلَدِ وَالمُدَبَّرَةِ فَاحْتَلَّت الإِضَافَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ (وَمَنْ قَالَ لِنِسوَة لَهُ: هَذِهِ طَالِقٌ، أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ، طَلُقَت الأَخِيرَةُ، وَلَهُ الخِيَارُ فِي الأَوَّلِيَّين) لِأَنَّ كَلِمَةَ «أو» لِإِثْبَاتِ أَحَدِ المَذْكُورَينِ وَقَدْ أَدخَلَهَا بَينَ الأَوَّلِيَّينِ ثُمَّ عَطَفَ الثَّالِثَةَ عَلَى المُطَلَّقَةِ، لِأَنَّ العَطفَ لِلمُشَارَكَةِ فِي الحُكمِ فَيَختَصُّ بِمَحَلِّهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إِحدَاكُمَا طَالِقٌ وَهَذِهِ (وَكَذَا إِذَا قَالَ لِعَبِيدِهِ: هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا وَهَذَا، عَتَقَ الأَخِيرُ وَلَهُ الخِيَارُ فِي الْأَوَّلَيْنِ) لِمَا بَيَّنَّا. شرطا للجزاء كما ذكرنا. قوله: (إلا أن يَنْوِيَهُمْ) أي: المكاتبين، وكذا معتق البعض عند أبي حنيفة. وفي المبسوط: ولو نوى بقوله: كل مملوك لي الرجال دون النساء يصدق ديانةً لا قضاءً؛ لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام، ولو نوى السود منهم لا يصدق قضاءً ولا ديانةً؛ لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام بوصف ليس في لفظه، ولا عموم لما لا لفظ له، فلا يعمل بنية بخلاف الرجال؛ لأن لفظ المملوك للرجال حقيقة دون الإناث، ويقال للأنثى مملوكة، ولكن عند الاختلاط يستعمل لهما المملوك عادة، فلو نوى الذكور فقد نوى حقيقة كلامه ولكنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاءً، ويصدق ديانةً، ولو نوى النساء وحدها؛ لا يصدق قضاءً ولا ديانة، ولو قال: لم أنو المدبّر لم يُصدق قضاءً وديانةً في رواية، وفي رواية يصدق ديانةً (١). قوله: (فيختص بمحله) أي: بمحل الحكم وهو المطلقة؛ لأن الكلام سبق الإيقاع الطلاق، وكذا العتق والإقرار حتى قال لعبيده: هذا حرا (٢)، وهذا وهذا، عتق الأخير وخير في الأوليين، ولو قال: لفلان علي ألف، أو لفلان وفلان، كان نصف الألف للثالث، وله الخيار في النصف الآخر، إن شاء جعله للأول، وإن شاء جعله للثاني.

стр. 3795

بَابُ اليَمِينِ فِي البَيعِ وَالشَّرَاءِ وَالتَّزَوُّجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فإن قيل: العطف كما يصح على من وقع عليه الحكم يصح أيضًا على من لم يقع عليه الحكم، والأصل عدم الحكم، ألا ترى أنه لو قال: لا أكلم فلانا أو فلانا وفلانا يحنث بكلام الأول وبكلام أحد الآخرين، فيكون الثالث معطوفًا على من لم يقع عليه الحكم فيكون في العتاق والطلاق كذلك، كما روى ابن سماعة عن محمد. قلنا: إن العطف ما سبق له الكلام، وهو الحكم لا عدمه، وما ذكره في الكتاب ظاهر الرواية. والفرق على ظاهر الرواية بين اليمين والطلاق والعتاق: أن " أو " إذا دخلت بين شيئين يتناول أحدهما نكرة، إلا أنَّ في الطلاق والعتاق الموضع موضع الإثبات والنكرة فيه تخص فيتناول أحدهما، فإذا عطف الثالث على أحدهما صار كأنه قال: إحداكما طالق، ولو نص على هذا كان الحكم ما قلنا. أما في مسألة اليمين الموضع موضع النفي فيعم النكرة فيه، ويكون "أو " بمعنى " لا "، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آئِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي: ولا كفورًا، فصار كأنه قال: لا أكلم فلانًا ولا فلانًا، فلما عطف الثالث صار كأنه قال: ولا هذين، ولو نصَّ على هذا كان الحكم هكذا، فكذا هنا ذكره الإمام قاضي خان ﵀. ولأنه حينئذ صار كأنه قال: هذه طالق، وهاتان طالق، وأنه لا يصح فجعل كأنه قال: هذه طالق أو هذه طالق وهذه تصح، ولو قال: هكذا تطلق الثالثة وحين في الأولين فكذا هذا وثم صار كأنه قال: لا أكلم فلانا هذا ولا أكلم هذين وإنه صحيح. باب اليمين في البيع والشراء والتزوج وغير ذلك أي: من الطلاق والعتاق والضرب، ولما كانت هذه التصرفات أكثر وقوعًا بالنسبة إلى اليمين في الحج والصلاة والصوم قدَّم هذا الباب على باب اليمين في الحج والصوم والصلاة.

стр. 3796

(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشتَرِي، أَوْ لَا يُؤَاجِرُ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَم يَحنَتْ) لأَنَّ العَقدَ وُجِدَ لَهُ مِنْ العَاقِدِ حَتَّى كَانَتْ الحُقُوقُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَو كَانَ العَاقِدُ هُوَ الحَالِفُ يَحنَثُ فِي يَمِينِهِ، فَلَم يُوجَد مَا هُوَ الشَّرطُ، وَهُوَ العَقْدُ مِنْ الْآمِرِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لَهُ حُكمُ العَقدِ، (إِلَّا أَنْ يَنوِيَ ذَلِكَ)، لِأَنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا (أَوْ يَكُونَ الحَالِفُ ذَا سُلطَانِ، لَا يَتَوَلَّى العَقِدَ بِنَفْسِهِ)، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا يَعتَادُهُ الأصل عندنا أن كل فعل يرجع حقوقه إلى المباشر لا يحنث، والحالف مباشرة المأمور لوجوده منه حقيقةً وحكمًا في كل عقد لا يرجع الحقوق إلى المباشر؛ بل هو سفير ومعتبر يحنث بمباشرة المأمور. فمما يحنث بالمباشرة لا بالأمر: البيع والشراء، والإجارة والاستئجار، والصلح عن مال، والقسمة، والخصومة، وضرب الولد، ومما يحنث بالأمر أيضًا: النكاح والطلاق والعتاق والهبة والصدقة والقرض، والاستقراض، والصلح عن دم العمد والذبح والإيداع وقبول الوديعة، والإعارة والاستعارة، وخياطة الثوب، والبناء، وضرب العبد، ذكره المرغيناني. قوله: (حلف لا يبيع) إلى قوله: (لم يحنث)، وبه قال الشافعي في الأظهر. وقال مالك وأحمد يحنث؛ لأن الفعل يُطلق على الموكل، وبالأمر يصير كأنه فعله بنفسه كما لو حلف لا يحلق رأسه وأمر غيره أن يحلقه يحنث. وقلنا: لم يوجد العقد من الأمر وهو شرط الحنث لا حقيقةً ولا حكمًا؛ ولهذا لم ترجع الحقوق إليه، ووجد من العاقد حقيقة فظاهر، وحكمًا لأن الحقوق ترجع إليه، حتى لو كان العاقد حالفًا يحنث بالإجماع. وقوله: (وإنما الثابت له) أي: للآمر حكم العقد وهو الملك، جواب عما قال الخصم: إن هذا العقد ثابت له. وقوله: (إلا أن ينوي ذلك) أي: الأمر أيضًا، وهذا الاستثناء من قوله: (لم يحنث) إلا أن ينوي ذلك فحينئذ يحنث. قوله: (أو يكون الحالف ذا سُلطان) يحنث الأمر سواء نوى أو لم ينو؛ لأن مقصوده من ذلك الفعل هو الأمر به بدلالة الحال، وبه قال الشافعي في وجه.

стр. 3797

(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، أَوْ لَا يُطَلِّقُ، أَوْ لَا يَعتِقُ فَوَكَّلَ بِذَلِكَ حَنِثَ) لِأَنَّ الوَكِيلَ فِي هَذَا سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، وَلِهَذَا لَا يُضِيفُهُ إِلَى نَفْسِهِ بَلْ إِلَى الآمِرِ، وَحُقُوقُ العَقدِ تَرْجِعُ إِلَى الآمِرِ لَا إِلَيْهِ (وَلَو قَالَ: عَنَيتُ أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ بِهِ، لَم يُدَيَّنُ فِي القَضَاءِ خَاصَّة) وَسَنُشِيرُ إِلَى المَعنَى فِي الفَرقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَو حَلَفَ لَا يَصْرِبُ عَبْدَهُ، أَوْ لَا يَذْبَحُ شَاتَه، فَأَمَرَ غَيْرَهُ، فَفَعَلَ يَحنَثُ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ المَالِكَ لَهُ وِلَايَةُ ضَرْبٍ عَبْدِهِ وَذَبحِ شَاتِه، فَيَمْلِكُ تَولِيَتَهُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَنفَعَتَهُ رَاجِعَة إِلَى الآمِرِ، فَيُجْعَلُ هُوَ مُبَاشِرًا إِذْ لَا وظاهر مذهبه لا يحنث بالأمر إلا بالنية؛ لأنه عقد يمينه على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غيره ولا نظر إلى العادة؛ لأن الأمير قد يفعل بنفسه. ذكره في شرح الوجيز. وعندنا مع ذلك لو فعل بنفسه يحنث؛ لوجود حقيقة الفعل منه، ولو كان رجلا يباشر بنفسه مرة ويوكل أخرى يعتبر فيه الغلبة، وعلى هذا لو كان فعلا لا يعتاد الحالف فعله كالبناء والتطيين. قوله: (ومن حلف لا يتزوج) إلى قوله: (حنث)، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في وجه، ذكره في تتمتهم. وقال في الوجيز، والتنبيه وأكثر كتبهم لا يحنث؛ لعدم الفعل منهم؛ ولهذا يصدق ما نكح فلان، وإنما قيل: الوكيل له النكاح كما في البيع ونحوه. وقلنا: غرض الحالف التوقي عن حكم العقد، والحقوق تلزم الأمر لا المأمور فينتقل العقد بجميع أجزائه وأحكامه إلى الأمر، وصار المأمور سفيرًا؛ ولهذا يضيفه إلى الأمر لا إلى نفسه. قوله: (حلف لا يضرب عبده) إلى قوله: (يحنث في يمينه)، وبه قال مالك وأحمد، وعند الشافعي لا يحنث بالأمر؛ لعدم حقيقة الفعل منه كما في البيع وغيره. وبتعليل قوله: (لأن المالك له ولاية ضرب عبده) يحترز عمن حلف على ضرب حرّ فإنه لا يحنث بالأمر؛ لأنه لا ولاية له على الحر، فلا يعتبر أمره إلا أن يكون الحالف سلطانًا، أو قاضيًا؛ لأنهما يملكان ضرب

стр. 3798

حُقُوقَ لَهُ تَرجِعُ إِلَى المَأْمُورِ (وَلَو قَالَ: عَنَيتُ أَنْ لَا أَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِي، دُيِّنَ فِي القَضَاءِ) بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ. وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ إِلَّا تَكَلُّمًا بِكَلَام يُفضِي إِلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَالأَمرُ بِذَلِكَ مِثْلُ التَّكَلُّمِ بِهِ وَاللَّفْظُ يَنتَظِمُهُمَا، فَإِذَا نَوَى التَّكَلَّمَ بِهِ فَقَد نَوَى الخُصُوصَ فِي العَامٌ فَيُدَيِّنُ دِيَانَة لَا قَضَاء، أَمَّا الذَّبْحُ وَالضَّرِبُ فَفِعلٌ حِسِّيٌّ يُعرَفُ بِأَثَرِهِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَى الْآمِرِ بِالتَّسْبِيبِ مَجَانٌ، فَإِذَا نَوَى الفِعَلَ بِنَفْسِهِ فَقَد نَوَى الحَقِيقَةَ فَيُصَدَّقُ دِيَانَة وَقَضَاء (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصْرِبُ وَلَدَهُ فَأَمَرَ إِنسَانًا فَضَرَبَهُ لَم يَحنَتْ) فِي يَمِينِهِ، لِأَنَّ مَنفَعَةَ ضَرْبِ الوَلَدِ عَائِدَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّأَدُّبُ وَالتَّثَقَّفُ فَلَم يَنسِب فِعَلَهُ إِلَى الآمِرِ، بِخِلَافِ الأَمْرِ بِضَرْبِ العَبدِ، لِأَنَّ مَنفَعَةَ الابْتِمَارِ بِأَمْرِهِ عَائِدَةٌ إِلَى الْآمِرِ الأحرار حدا وتعزيرًا فملكا الأمر به، وعلى قياس قول مالك وأحمد يحنث، كما لو حلف يحلق رأسه فأمر غيره. قوله: (ووجه الفرق)، وهذا هو الفرق الذي وعده قبل هذا. قوله: (مثل المتكلم به) أي: بالطلاق؛ لأن المأمور كالرسول، ولسان الرسول كلسان المُرسل بالإجماع فيكون التطليق بنفسه، فيكون ما عناه خلاف الظاهر وهو متهم فيه فلا يصدق قضاء. أما في الضرب فليس فعل المأمور كفعل الأمر؛ لأن المأمور ليس برسول الأمر فيه؛؛ لأن الرسالة تجري في الأقوال لا في الأفعال، فلما عنى ضرب نفسه فقد عنى حقيقة كلامه فيصدق ديانةً وقضاءً، وإن كان في ذلك تخفيف له، كذا ذكره أبو اليسر، وقيل: ذكر القضاء في مسألة الضرب رواية في الطلاق؛ لأنه في الموضعين إذا نوى حقيقة كلامه فيصدق قضاءً في الفصلين، وبه قال الشافعي. قوله: (منفعة ضرب الولد عائدة إليه) أي: إلى الولد؛ إذ به يتأدب الولد ويتعلم وينزجر عن القبائح، وإن كان فيه منفعة للوالد أيضًا فذلك ليس بمقصود. (لأن منفعة الائتمار بأمره) أي: بأمر الأمر وهو المولى (عائدة إلى الأمر) أي: العبد يجري على موجب أمر المولى، ويسعى في مصالحه وينقاد له، فصار ضربه كضرب المولى بنفسه فيحنث.

стр. 3799

فَيُضَافُ الفِعْلُ إِلَيْهِ (وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: إن بعت لَكَ هَذَا الثَّوبَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، فَدَسَّ المَحلُوفُ عَلَيْهِ ثَوبَهُ فِي ثِيَابِ الحَالِفِ فَبَاعَهُ وَلَم يَعلَم، لَم يَحنَتْ) لِأَنَّ حَرفَ اللَّامِ دَخَلَ عَلَى البَيعِ فَيَقْتَضِي احْتِصَاصَهُ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ بِأَمْرِهِ إِذْ البَيعُ تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ وَلَم تُوجَد، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِنْ بِعتُ ثَوبًا لَكَ قوله: (ومن قال ليغره: إن بعت لك) إلى آخره، الأصل أن دخول اللام على ما تملك بالعقد كالبيع والشراء والإجارة والصياغة والخياطة والبناء كأن بعت لك ثوبًا ونحوه؛ لاختصاص الفعل بالمحلوف عليه بأن كان بأمره، سواء كان العين ملكه أو لا؛ لأن اللام للاختصاص، وأقوى وجوهه الملك، فإذا جاورت اللام الفعل أوجبت ملكه لا ملك العين، وذا أن يفعله بأمره؛ لأن يقع ذلك الفعل يقع له. (ودس) أي: أخفى المحلوف عليه ثوبه في ثياب الحالف فباعه الحالف (ولم يعلم به لم يحنث)؛ لأن تقدير الكلام: إن بعت ثوبًا بوكالتك وأمرك، ولم يوجد، وعلى ما لا يملك بالعقد كالدخول، وضرب الغلام، والأكل والشرب، والمس. أو على العين كـ (إن بعتُ ثوبًا لك)؛ لاختصاص العين بالمحلوف عليه بأن كان ملكه سواء كان بأمره أو لا، علم بذلك أو لا؛ لأن اللام جاوزت العين في قوله: (بعت ثوبًا لك) فأوجبت ملك العين لا ملك الفعل، وصار تقدير يمينه: إن بعت ثوبًا هو مملوكك، فلو باع ثوبًا مملوكًا له يحنث سواء علم به أو لا، أو أمره أو لا. وفي الدخول ونحوه يقع اليمين على ملك العين سواء قدم اللام بأن قال: إن أكلتُ لك طعامًا، أو شربتُ لك شرابًا، أو أخر بأن قال: طعامًا لك، أو شربت شرابًا لك؛ لأن هذا الفعل مما لا يملك بالعقد، فوجب صرف اللام إلى ما يملك بالعقد وهو العين بخلاف الفصل الأول، فإن كل واحد منها مما يملك بالعقد، فرجحنا بالقرب، فإن نوى غيره صدق قضاءً فيما فيه تغليظ عليه لا فيما فيه تخفيف بأن نوى من قوله: (بعتُ لك) بعتُ ثوبًا لك. وعلى العكس يصدق ديانةً فيهما؛ لأنه نوى ما يحتمل كلامه بتأخير اللام وتقديمه؛ إذ الكلام يحتمل التقديم والتأخير ولا يصدق قضاء فيما فيه تخفيف عليه.

стр. 3800

حَيثُ يَحنَثُ إِذَا بَاعَ ثَوبًا مَملُوكًا لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَم يَعلَم، لِأَنَّ حَرفَ اللَّامِ دَخَلَ عَلَى العَينِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ فَيَقْتَضِي الاختِصَاصَ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَنَظِيرُهُ الصِّيَاغَةُ وَالخِيَاطَةُ وَكُلُّ مَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ، بِخِلَافِ الأَكلِ وَالشَّربِ وَضَرْبِ الغُلَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ فَلَا يَفْتَرِقُ الحُكمُ فِيهِ في الوجهين. (وَمَنْ قَالَ: هَذَا العَبْدُ حُرٌّ إِنْ بِعتُهُ، فَبَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ عَتَقَ) لِوُجُودِ الشَّرطِ قوله: (وضرب الغلام)، صرح قاضي خان في جامعه أن المراد بالغلام العبد؛ لأن الضرب مما لا يملك بالعقد؛ لأن الوكالة لا تجزئ في الضرب؛ أي: الوكالة التي تتعلق بها حقوق ترجع إلى الوكيل وليس لضرب العبد حقوق ترجع إلى الوكيل، ولا يملك بعقد ما فكان كالأكل. وقال المرغيناني: المراد بالغلام الولد، ويسمى الولد غلامًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧]؛ لأن ضرب العبد يحتمل النيابة والوكالة فكان نظير الإجارة لا نظير الأكل. قوله: (فباعه على أنه بالخيار عتق)، وبه قال مالك والشافعي في وجه، وعند أحمد لا يعتق؛ لأن بخيار البائع يخرج المبيع عن ملكه عنده. وقيد بقوله: (باعه بالخيار)؛ لأنه لو باعه بيعًا تاما لا يعتق بالإجماع لخروج المبيع عن ملكه فلم يبق محلا للجزاء، فلا ينزل الجزاء في غير الملك، وبهذا يُعرف أن العلة مع المعلول يفترقان في الوجود، أما الشرط مع المشروط يتعاقبان، وهذا عندهما ظاهر؛ لأن خيار المشتري لا يمنع ثبوت الملك للمشتري فيثبت الملك سابقًا على العتق، فنزل العتق في الملك، وبه قال أحمد والشافعي في وجه. وقال مالك والشافعي في وجه: لا يعتق؛ لأن انتقال الملك بسقوط الخيار فقبل سقوطه وجد الشرط وينحل اليمين، ولا يعتق بعد الملك. قوله: (وكذا على أصله) (١): أي: أصل أبي حنيفة، يعني يعتق وإن كان

стр. 3801

وَهُوَ البَيعُ وَالمِلكُ فِيهِ قَائِمٌ فَيَنزِلُ الجَزَاءُ (وَكَذَلِكَ لَو قَالَ المُشتَرِي: إِنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَاسْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ بِالخِيَارِ عَتَقَ) أَيْضًا لِأَنَّ الشَّرطَ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ الشَّرَاءُ وَالمِلكُ قَائِمٌ فِيهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا ظَاهِرٌ، وَكَذَا عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّ هَذَا العِتَقَ بِتَعْلِيقِهِ خيار المشتري يمنع دخول المبيع في ملكه؛ لأن العتق معلق بالشراء لا بالملك، والمعلق بالشرط كالمنجز عنده، فإنه قال بعد الشراء: أعتقت هذا العبد، ولو أعتقه بعد الشراء يسقط خياره، ويثبت الملك بمقتضى الإعتاق سابقًا عليه، فكذا ها هنا. فإن قيل: سقوط الخيار في التخيير ضرورة صحة التنجيز، وفي تعليق العتق بالشراء هاهنا لا ضرورة؛ لأنه لو لم ينفسخ في الحال الخيار يقع التعليق صحيحًا؛ لثبوت العتق بعد مضي مدة الخيار فحينئذ لا يلزم الضرورة. قلنا: لما أمكن إيقاع العتق في الحال من وجه يفسخ الخيار ولم يؤخر إلى مدة الخيار؛ لأن التعليق مما يحتاط في إثباته والاحتياط في تعجيله لا في تأخيره، كذا قيل. بخلاف ما لو اشترى قريبه بشرط الخيار لم يعتق عند أبي حنيفة ما لم يسقط الخيار؛ لأن في شراء القريب لم توجد كلمة الإعتاق بعد الشراء حتى يسقط خياره؛ بل يُعتق القريب بحكم الملك، وخيار المشتري يمنعه فلا يعتق قبل سقوط الخيار، أما هاهنا الحلف كالمنجز فيسقط الخيار ضرورة؛ لوجود دليل ما يختص بالملك، كذا ذكره قاضي خان. وذكر في جامعه: لو باع بيعًا فاسدًا فإن كان المبيع في يد المشتري مضمونًا عليه بأن غصبه لا يعتق كما في البيع الصحيح البات؛ لأنه كما تم البيع يزول ملك البائع، وعند الأئمة الثلاثة يعتق؛ لأن بالبيع الفاسد لا يزول ملكه بالقبض عندهم. وفي صورة الشراء: لو اشتراه فاسدًا فإن كان في يد البائع لا يعتق، وإن كان في يد المشتري على الوجه الذي ذكرنا يعتق؛ لأنه ملكه فنزل العتق في ملكه، وعند الأئمة الثلاثة لا يعتق كما في البيع؛ لعدم الملك عندهم.

стр. 3802

وَالمُعَلَّقُ كَالمُنَجَّزِ، وَلَو نَجَّزَ العِتَقَ يَثْبُتُ المِلكُ سَابِقا عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا (وَمَنْ قَالَ: إِنْ لَم أَبِع هَذَا العَبْدَ أَوْ هَذِهِ الأَمَةَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَأَعتَقَ أَوْ دَبَّرَ طَلُقَت امْرَأَتُهُ) لِأَنَّ الشَّرطَ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ عَدَمُ البَيعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّيَّةِ البَيعِ (وَإِذَا قَالَتْ المَرأَةُ لِزَوْجِهَا: تَزَوَّجَتَ عَلَيَّ، فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَة لِي طَالِقٌ ثَلَاثًا طَلُقَت هَذِهِ الَّتِي حَلَّفَتهُ فِي القَضَاءِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا لَا تَطلُقُ (*)، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ جَوَابًا فَيَنطَبِقُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ غَرَضَهُ إِرْضَاؤُهَا وَهُوَ بِطَلَاقِ قوله: (لفوات محلية البيع) فيطلق كما لو مات الحالف أو العبد، ولا خلاف فيه، أما بالإعتاق فظاهر، وكذا بالتدبير. فإن قيل: لم يقع الناس عن البيع بالتحرير والتدبير؛ لجواز أن تزيد الجارية فتسبى بعد اللحوق فيملكها هذا الرجل ويبيعها، وبالتدبير؛ لجواز أن يقضي القاضي بجواز البيع. قلنا: الحالف عقد يمينه على البيع باعتبار هذا الملك، وباعتباره يحقق الناس بالتدبير والتحرير، وقضاء القاضي ببيع المدبر موهوم، والحكم لا ينبني على الموهوم فيتحقق الناس على البيع نظرا إلى الأصل مع أن القضاء بجواز البيع يفسخ التدبير ويكون البيع حينئذ بيع القن لا بيع المدبر، وفوات المحلية إنما كان باعتبار بقاء التدبير فكان المحل فائتا، والحكم لا يبتني على ما يظهر عند القضاء. إليه أشار السرخسي في جامعه. وفي الفوائد الظهيرية: قال بعض مشايخنا: لا تطلق؛ لاحتمال البيع بعد سبيها ولحاقها وتملكها، والصحيح أنها تطلق؛ لأنه انعقد يمينه باعتبار هذا الملك وقد انتهى ذلك بالإعتاق، ولو كان العبد ذميًا ينبغي أن يكون الجواب فيه على نحو ما قلنا؛ أي: من قول المشايخ وصحة الجواب بخلاف قولهم. قوله: (وعن أبي يوسف أنها) أي: التي حلّفته لا تطلق؛ لأن كلامه خرج جوابًا لكلامها فيتقيد بالكلام السابق، والكلام السابق في تزويج غيرها. فإن قيل: قد زاد على قدر الجواب.

стр. 3803

غَيْرِهَا فَيَتَقَيَّدُ بِهِ. وَجهُ الظَّاهِرِ: عُمُومُ الكَلَامِ وَقَدْ زَادَ عَلَى حَرفِ الجَوَابِ فَيُجْعَلُ مُبْتَدِثًا، وَقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ إِيحَاشُهَا حِينَ اعْتَرَضَت عَلَيْهِ فِيمَا أَحَلَّهُ الشَّرِعُ وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهَا يُصَدَّقُ دِيَانَة لَا قَضَاء، لِأَنَّهُ تَحْصِيصُ العَامٌ. بَابُ اليَمِينِ في الحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ (وَمَنْ قَالَ وَهُوَ فِي الكَعْبَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا: قلنا: الزيادة على قدر المحتاج إليه إنما يخرج الكلام عن الجواب إذا لغت الزيادة متى جعل جوابًا، ولا يلغو الزيادة هاهنا إن جعل جوابًا؛ لأنه قصد تطييب قلبها وتسكين نفسها وذا بتطليق غيرها على العموم؛ لجواز أن يقع في قلبها أنه أراد بما قال غير التي طلقت. (وجه الظاهر) أي ظاهر الرواية، وبه قالت الأئمة الثلاثة: أن العمل بعموم الكلام واجبٌ ما أمكن، وقد أمكن هاهنا؛ لأنه زاد على قدر الجواب؛ لأنّ جوابه أن يقول: إن فعلت فهي طالق ثلاثًا، فإذا زاد فكان مبتدئا، وجاز أن يكون (غرضه إيحاشها) إلى آخر ذكر في المتن، فلا يصلح مقيدًا. وفي جامع السرخسي: قول أبي يوسف أصح عندي؛ لأن رجوع كلامه مخرج الجواب، والأصل أن ما تقدم في الخطاب يصير كالمعاد في الجواب، فصار كأنه قال: كل امرأة أتزوجها ما دامت حية فإنها لا تدخل في لفظه ذلك فكذا ههنا، والله أعلم. باب اليمين في الحج والصلاة والصوم (١) قدمه على باب اللبس وغيره؛ لما فيه من ذكر العبادات وهي مقدمة على غيرها وأخره عن باب اليمين في البيع والشراء؛ لما ذكرنا أن اليمين في الحج أقل وقوعًا. قوله: (ومن قال وهو في الكعبة أو في غيرها)، وفي لفظ: (وإن قال في الكعبة)

стр. 3804

عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمَرَةٌ مَاشِيًا، وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَهْرَاقَ دَمًا) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَلزَمُهُ شَيْءٌ، إشارة إلى أن وجوب الحج أو العمرة بقوله: (عليَّ المشي إلى بيت الله) بطريق المجاز لا من حيث الحقيقة؛ إذ المشي إلى بيت الله وهو في الكعبة محال، كذا نقل عن العلامة مولانا حافظ الدين ﵀. ثم اعلم أن هاهنا ثمانية ألفاظ، في ثلاثة تلزمه بلا خلاف وهو: المشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو إلى مكة أو إلى بكة، وبه قال أحمد ومالك والشافعي في قول، وفي الأصح لا يلزمه بقوله: (عليَّ المشي إلى بيت الله) إلا أن ينويه؛ لأن جميع المساجد بيت الله. وفي ثلاثة لا يلزمه شيء باتفاق أصحابنا، وهو إذا نذر بالذهاب إلى مكة، أو السفر أو الركوب إليها، أو المسير أو المُضي، وبه قال مالك في قول، قاله ابن القاسم عنه. وقال الشافعي وأحمد وهو رواية أشهب عن مالك: يلزمه الحج أو العمرة، كما في قوله: علي المشي إلى مكة. وفي لفظين خلاف بين أصحابنا، وهو ما إذا نذر المشي إلى الحرم، أو المسجد الحرام، فعند أبي حنيفة لا شيء عليه، وعندهما في قوله: المشي إلى الحرم، أو إلى مسجد الحرام فعليه حجة وعمرة، وبه قالت الأئمة الثلاثة. ولو نذر المشي إلى الصفا والمروة، أو بقعة من الحرم يلزمه المشي إليها بحج أو عمرة عند الشافعي، وبه قال أحمد وأصبغ المالكي؛ لأن هذه المواضع في الحرم فكان كذكر الحرم، وعندنا لا يلزمه، وبه قال مالك. ولو نذر المشي إلى مسجد رسول الله ﷺ ، أو إلى المسجد الأقصى لا شيء عليه، وبه قال الشافعي في قول في الأم (١)، وفي قول: ينعقد نذره، وبه قال مالك وأحمد؛ لما روي أنه ﵇ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة

стр. 3805

لِأَنَّهُ التَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُربَة وَاجِبَة وَلَا مَقصُودَة فِي الأصلِ، مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٌّ ﵁. وَلِأَنَّ مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» (١)، فقد نص بالإتيان وشد الرحال إلى هذه المساجد. ورجح العراقيون وأكثر أصحابه القول الأول؛ لما روي عن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال ﵇: صلَّ ههنا، فأعاد عليه ثلاثا، فقال ﵇: «صل ههنا» (٢)، ومعلوم أن هذا النذر يتعين بالإتيان وأنهما لا يقصدان بالنسك فأشبها سائر المساجد. والمقصود من قوله ﵇: «لا تُشَدُّ الرَّحالُ» إلى آخره، تخصيص القربة وفضيلتها في هذه المساجد. قوله: (لأنه التزم ما ليس بقربة واجبة) أي: لعينه ولا مقصودة، بل هو وسيلة لما هو قربة كالوضوء والسعي والنذر إنما يصح بما [شرع] (٣) قربة بعينه لا لغيره، والعمل بمجازه متعذر أيضًا، فإن المشي ما كان سببا له لا محالة فإنه يمكنه دخول مكة بغير إحرام بأن يقصد بستان بني عامر حتى يصير ميقاتيا، ثم يدخل مكة من غير إحرام، فإذا تعذر العمل بحقيقته ومجازه لغا. فإن قيل: الاعتكاف وهو اللبث ليس بقربة مقصودة، إنما شرع لانتظار الصلاة، وقد صح النذر به. قلنا: الاعتكاف لا يصح إلا بالصوم والصوم من جنس القرب المقصودة. فإن قيل: الاعتكاف يصح في الليل، وإن كان الصوم لا يصح فيه. قلنا: صحة الاعتكاف في الليل تبع لصحة الاعتكاف في اليوم؛ ولهذا لو

стр. 3806

النَّاسُ تَعَارَفُوا إِيجَابَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ بِهَذَا اللفظ، فَصَارَ كَمَ نذر الاعتكاف في الليل منفردًا عن اليوم لا يصح، [أو لأنه] (١) شرع باعتبار انتظار الصلاة، والاستدامة في الصلاة تصح ليلا ونهارًا. وجه الاستحسان أن هذه العبادة صارت كناية عن إيجاب الإحرام شرعًا، فإن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله فأمرها ﵇ أن تحرم بحجة أو عمرة رواه ابن عباس (٢)، وهذا مأثور عن علي. وعُرفًا وقد تعارف الناسُ إيجاب الإحرام بهذه العبارة، فصار كما إذا قال: علي إحرام حجة، أو عمرة ماشيًا، ولو قال ذلك يلزمه إحرام أو عمرة، فكذا هنا. فإن قيل: لما كان هذا اللفظ كناية عن الإحرام بالحج أو العمرة كان لفظ المشي غير منظور إليه ينبغي أن لا يلزم عليه المشي، كما لو نذر يضرب بثوبه حطيم الكعبة حيث لا يلزمه ضرب الثوب؛ بل يلزمه إهداء الثوب إلى مكة. قلنا: نعم كذلك، إلا أن الحج ماشيًا أفضل، قال ﵇: «من حج ماشيًا فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم»، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: «واحدة بسبعمائة» (٣)، فاعتبر لفظه لا تلك الفضيلة؛ إذ الظاهر التزام القربة بصفة الكمال. وهذا كما قلنا في قوله: ﴿وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] اتفق أهل التفسير على أن معناه لا ينزله إلا الكرام البررة، ولكن رعي نظمه، فقيل: لا يجوز للجُنُبِ والمُحْدِثِ مَسُّه؛ لظاهر الآية.

стр. 3807

وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَرَاقَ دَمًا، وَقَدْ ذَكَرنَاهُ فِي المَنَاسِكِ وَلَو قَالَ: عَلَيَّ الخُرُوجُ أَوْ الذَّهَابُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ التِزَامَ الحَجِّ أَوْ العُمرَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مُتَعَارَف (وَلَو قَالَ: عَلَيَّ المَشيُ إِلَى الحَرَمِ أَوْ إِلَى الصَّفَا وَالمَروَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: فِي قَولِهِ: عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى الحَرَمِ: حَجَّةٌ أَوْ عُمرَةٌ) (*) وَلَو قَالَ: إِلَى المَسجِدِ الحَرَامِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ. لَهُمَا: أَنَّ الحَرَمَ شَامِلٌ عَلَى البَيتِ، وَكَذَا المَسجِدُ الحَرَامُ فَصَارَ ذِكرُهُ كَذِكرِهِ، بِخِلَافِ الصَّفَا وَالمَروَةِ، لِأَنَّهُمَا مُنفَصِلانِ عَنْهُ. وَلَهُ: أَنَّ التِزَامَ الإِحْرَامِ بِهَذِهِ العِبَارَةِ غَيْرُ مُتَعَارَف وَلَا يُمكِنُ إِيجَابُهُ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ فَامْتَنَعَ أَصْلًا (وَمَنْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إِنْ لَم أَحُجَّ العَامَ، وَقَالَ: حَجَجْتُ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ ضَحَى العَامَ بِالكُوفَةِ، لَم يَعْتِقْ عَبدُهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَعتَقُ) (**) لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَت عَلَى أَمر مَعلُوم وَهُوَ التَّصْحِيَةُ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ وإذا صار قوله: (علي المشي إلى الحرم) كناية عن التزام الإحرام عرفًا؛ إذ الإحرام بأحد النسكين لا يكون بلا مشي فكان من لوازم الإحرام، وذكر اللازم وإرادة الملزوم كناية، والعُرف لا يختلف بين كونه في مكة أو خارجها. وإذا ثبت هذا في المشي إلى بيت الله الحرام يثبت في المشي إلى الكعبة، أو إلى مكة دلالة؛ إذ الكعبة بيت الله اسمان لشيء واحد ومكة مصرفها بيت الله تعالى فصار بيت الله مذكورًا بذكرها. قوله: (وإن شاء ركب وأراق (دما)؛ لقوله ﵇ لعقبة: «مرها فلتركب ولترق دما»، وقد نذرت أن تحج ماشية) (١)، وقد مر في المناسك. قوله: (غير متعارف)؛ إذ التزام الإحرام بهذه الألفاظ غير متعارف ولم يَرِدْ نص، فوجب العمل بالقياس؛ لما ذكرنا أن في القياس لا يلزمه شيء. وفي المبسوط: لو حلف بالمشي إلى بيت الله وأراد مسجدًا غير المسجد

стр. 3808

انتِفَاءُ الحَجِّ فَيَتَحَقَّقُ الشَّرطُ. وَلَهُمَا: أَنَّهَا قَامَت عَلَى النَّفْيِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنهَا نَفِيَّ الحَجِّ لَا إِثْبَاتُ التَّصْحِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا مَطَالِبَ لَهَا، فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ لَم يَحُجَّ العَامَ. غَايَةُ الأمرِ أَنَّ هَذَا النَّفِيَ مِمَّا يُحِيطُ عِلمُ الشَّاهِدِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُمَيَّزُ بَينَ نَفِي وَنَفَي تَيْسِيرًا الحرام؛ لم يلزمه شيء؛ لأن المنوي من محتملات لفظه؛ لأن المساجد كلها الله تعالى، بمعنى أنها حررت عن حقوق العباد وصارت مُعَدَّة لطاعته. قوله: (لا إثبات التضحية) فإن الشهادة على التضحية باطلة؛ لأنه لا حق للمدعي فيها؛ لأن العتق لم يتعلق بالأضحية، وما لا مطالب له لا يدخل تحت القضاء، وإذا بطلت الشهادة على التضحية بقيت الشهادة على النفي مقصودًا وهي باطلة. وقوله: (غاية الأمر) إلى آخره، جواب سؤال وهو أن يقال: إنما لا تقبل الشهادة على النفي إذا لم يكن الشاهد عالمًا بالنفي، أما لو كان عالما يجوز عليه، فإنه ذكر في السير الكبير: شهدا على رجل أنا سمعناه يقول: المسيح ابن الله، ولم يقل: "قول النصارى"، وهو يقول: قد وصلت به: "قول النصارى "؛ قبلت هذه الشهادة ولم تبين امرأته لإحاطة علم الشاهد به، كذا هنا. فقال: غاية الأمر كذا، (لكنه لا يميز بين نفي ونفي تيسيرًا)، ودفعا للحرج. وأما في مسألة السير فذاك شهادة على السكوت وهو أمر معاين فإن الشهادة على النفي إنما لم تقبل إذا لم تكن مقرونة بالإثبات، فكان قولهما: إنه لم يقل: " قول النصارى " بيانًا منهما لإحاطة علمهما به، وصارا كشهود الإرث إذا قالوا: إن هذا وارث فلان لا نعلم له وارثا غيره فيقبل حتى يدفع المال إلى المشهود له؛ لأنها شهادة على الإرث والنفي يثبت في ضمنه، والإرث مما يدخل تحت القضاء، فأما النحر وإن كان ثبوتًا لكنه لا يدخل تحت القضاء كما ذكرنا فبقي النفي مقصودًا، إليه أشار شمس الأئمة، وفخر الإسلام في أصول الفقه. فإن قيل: ذكر في المبسوط أن الشهادة على النفي تسمع في الشروط؛ ولهذا لو قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فشهدا أنه لم يدخلها اليوم تقبل وقضى بعتقه، وما نحن بصدده من قبيل الشروط.

стр. 3809

(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ، فَنَوَى الصَّومَ وَصَامَ سَاعَة ثُمَّ أَفطَرَ مِنْ يَومِهِ حَنِثَ) لِوُجُودِ الشَّرط، إذ الصَّومُ هُوَ: الإِمْسَاكُ عَنْ المُفطِرَاتِ عَلَى قَصدِ التَّقَرُّبِ (وَلَو حَلَفَ لَا يَصُومُ يَومًا أَوْ صَوْمًا فَصَامَ سَاعَة، ثُمَّ أَفطَرَ، لَا يَحنَثُ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الصَّومُ التَّامُّ المُعتَبَرُ شَرعًا، وَذَلِكَ بِإِنهَائِهِ إِلَى آخِرِ اليَومِ، وَاليَومُ صَرِيحٌ فِي تَقْدِيرِ المُدَّةِ بِهِ (وَلَو حَلَفَ لَا يُصَلِّي، فَقَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، لَم يَحنَتْ، وَإِنْ سَجَدَ مَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَطَعَ حَنِثَ) وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَحنَثَ بِالافتتاح اعتبارًا بِالشُّرُوعِ فِي الصَّومِ. وَجهُ الاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَارَةٌ عَنْ قلنا: هو عبارة عن أمر ثابت معاين وهو كونه خارجا فيثبت النفي ضمنًا. قوله: (لوجود الشرط) وهو الصوم، وبهذا القدر يصير فاعلا فعل الصوم إذ الصوم هو الإمساك عن المفطرات الثلاث في وقته مع النية، وما زاد تكرار وتكرار الشرط ليس بشرط، ولأنه بالصوم ساعة شارع فيه، والشارع في الفعل يسمى فاعلا، ألا ترى أن إبراهيم ﵇ بالشروع في الذبح باتخاذ السكين وإمراره صار ذابحًا وإن لم يتم الذبح، حتى قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، فكذا في سائر الأفعال. قوله: (لَا يَصُومُ يَوْمًا، أَوْ صَوْمًا)؛ لم يحنث بصوم ساعة، أما في قوله: (يوما) فظاهر، وكذا في قوله: (صوما)؛ لأنه ذكر الصوم مطلقًا فيصرف إلى الكامل وهو الصوم المعتبر شرعًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال الشافعي في المسألة الأولى: إنه يحنث بإمساك بعض اليوم كما في النذر في قول، وهو رواية عن أحمد. فإن قيل: المصدر في قوله: (لا يصوم) مذكور لغةً أيضًا. قلنا: بلى، لغةً لا شرعًا، وعند ذكر المصدر صريحًا ينصرف إلى الكامل، وهو الصوم لغة وشرعا. فإن قيل: يشكل هذا بما لو قال: والله لا أصومن هذا اليوم، بعد ما أكل أو شرب، أو بعد الزوال؛ صح يمينه بالاتفاق، ومع ذلك لم يُرِدْ به الصوم الشرعي ولا امتناعه بعد الأكل أو بعد الزوال. وكذا لو حلف وقال لامرأته: إن لم تصلّي فأنت طالق، فحاضت قبل الشروع في الصلاة، أو بعد ما صلت ركعة؛ فالصحيح أن اليمين ينعقد عند

стр. 3810

الأَركَانِ المُختَلِفَةِ، فَمَا لَم يَأْتِ بِجَمِيعِهَا لَا يُسَمَّى صَلَاةِ، بِخِلَافِ الصَّومِ، لِأَنَّهُ رُكنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الإِمْسَاكُ وَيَتَكَرَّرُ فِي الجُزءِ الثَّانِي (وَلَو حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةِ، لَا يَحنَثُ مَا لَم يُصَلِّ رَكَعَتَينِ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ المُعتَبَرَةُ شَرعًا، وَأَقَلُّهَا رَكَعَتَانِ لِلنَّهِي عَنِ البُتَيرَاءِ. الكل على كل حال ويقع الطلاق، مع أن الصلاة الشرعية لا تتصور بعد الحيض، والمسألتان في الذخيرة. قلنا: اليمين يعتمد التصور كما في الحلف على مس السماء، ثم التصور على قول أبي يوسف ظاهر؛ لأن عنده شرط صحة اليمين الإضافة إلى فعل في المستقبل وقد وجد، وعندهما الشرط الإضافة إلى فعل في المستقبل متصور وقد وجد، يقع الحنث بعجزه عن الأداء، أو بفوت شرط البر، كما في الحلف على مس السماء، والصوم بعد الزوال. وبعد الأكل متصور كما في صورة الناسي، وكذا الصلاة من الحائض متصور؛ لأن درور الدم لا ينافي الصلاة؛ كما في المستحاضة، إلا أنها لم تشرع ففات شرط أدائه شرعًا، بخلاف مسألة الكوز؛ لأن هناك محل الفعل غير قائم؛ لأن محل شربه الماء الذي في الكوز في هذا الوقت وهو معدوم، ولا يتصور وجوده كما ذكرنا، إليه أشار في الذخيرة. قوله: (لا يسمى صلاة)؛ ألا ترى أنه لا يقال: صلى ركوعًا أو قيامًا، وإنما يقال: صلى ركعة. وفي مبسوط بكر: ولا يشترط القعدة؛ لأنها نصف القيام الموجود في أول الافتتاح، والتكرار ليس بشرط. قوله: (لِلنَّهْيِ عَنِ البُتَيْرَاءِ)، وقد مرَّ تفسيره، يعني ركعة واحدة، وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يحنث بالشروع؛ لأنه يسمى مصليا، وفي وجه: يحنث بالتمام على وجه الصحة. ولو قال: الله عليَّ صوم، يجب عليه صوم بالإجماع، وكذا لو قال: صلاة، تجب عليه ركعتان عندنا، وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وأحمد في رواية، وفي قول: تجب عليه ركعة واحدة، وبه قال أحمد في رواية. (ولو حلف لا يصلي صلاة لا يحنث) بالفاسد بالإجماع؛ لأنه يراد به

стр. 3811

بَابُ اليَمِينِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ والحُلِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ لَبِست مِنْ غَزلِكِ فَهُوَ هَديَّ، فَاشْتَرَى قُطنًا فَغَزَلَتَهُ وَنَسَجَتَهُ فَلَبِسَهُ، فَهُوَ هَدِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ حَتَّى تَعْزِلَ مِنْ قُطن مَلَكَهُ يَومَ حَلَفَ) (*) وَمَعنَى الهَدي التَّصَدُّقُ بِهِ بِمَكَّةَ، لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُهدَى إلَيْهَا. لَهُمَا: أَنَّ النَّذِرَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي المِلكِ أَوْ مُضَافًا إلَى سَبَبِ المِلكِ وَلَمْ يُوجَد، لِأَنَّ اللُّبسَ وَغَزلَ المَرأَةِ لَيسَا مِنْ أَسبَابِ مِلْكِهِ التقرب إلى الله تعالى، وذا بالصحيح، وكذا في الصوم، بخلاف البيع فإنه يحنث بالفاسد عندنا، وبه قال مالك، وعند الشافعي لا يحنث بالفاسد، وفي النكاح لا يحنث بالفاسد، وبه قال الشافعي، وقال مالك: يحنث. باب اليمين في لبس الثياب والحلي قدم هذا الباب على الضرب والقتل لكون اللبس أكثر وقوعًا منهما، أو هو مشروعًا وجودًا وعدمًا، ودونهما الحُليّ على فعول - بضم الحاء وتشديد الياء- جمع حلي بفتح الحاء وسكون اللام - كثُدي في جمع ثدي، فجمعه في لقب الباب بدلالة قرانه بالثياب، وذكر فيما بعده بلفظ الواحد لأن به اكتفاء. قوله: (فهو هدي) أو صدقة على فقراء مكة إما بعينه أو بقيمته، وفي التزام هدي هو شاة تجب إراقتها والتصدق بلحمها على فقراء مكة، ولا يجوز إهداء قيمتها؛ لأن القربة فيها الإراقة، وفي الثوب التصدق، والمقصود منه سد خلة الفقراء فالقيمة كالعين فيه، وفي التزام هدي ما لا ينقل كالعقار تجب قيمته؛ لأنه لا يمكن نقل عينه إلى مكة، كذا ذكره التمرتاشي، والمرغيناني. قوله: (في الملك أو مضافًا إلى سببه)؛ لقوله ﵇: «لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم» (١)، ولم يوجد واحد منهما؛ إذ غزلها ليس بسبب الملك له؛ لأن غزلها قد يكون من قُطن نفسها؛ ولهذا لو قال: إن لبست من غزلكِ من قطنكِ؛ فليس بهدي إجماعًا، وكذا لو قال: إن لبست من غزلك من قطني، فهو

стр. 3812

لَهُ: أَنَّ غَزلَ المَرأَةِ عَادَة يَكُونُ مِنْ قُطنِ الزَّوجِ، وَالمُعتَادُ هُوَ المُرَادُ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِمِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَحنَثُ إِذَا غَزَلَت مِنْ قُطن مَملُوك لَهُ وَقتَ النَّدْرِ، لِأَنَّ القُطنَ لَم يَصِر مذكورًا. (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ خَاتَمَ فِضَّة، لَم يَحنَتْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيِّ عُرفًا وَلَا شَرعًا حَتَّى أُبِيحَ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ وَالتَّخَتُمُ بِهِ هدي مما ليس من غزلها في الحال، وبعد اليمين إجماعًا. قوله: (له) أي: لأبي حنيفة، وبقوله قال الشافعي إنه أضاف النذر إلى سبب الملك؛ لأن غزلها سبب لوقوع الملك للزوج؛ لأن غزلها من قطن الزوج عادة، وما يغزله منه يصير ملكًا له فاليمين ينصرف إلى المعتاد، وهو معنى قوله: (وذلك سبب لملكه) أي: الغزل من قطن الزوج سبب لملكه، وباعتبار السببية حنث إذا غزلت من قطن الزوج وقت النذر ولبسه وإن لم يكن القطن مذكورًا. يعني إنما صرفنا مطلق نذره إلى قطن هو ملك الزوج عادة وإن لم يكن القطن مذكورًا؛ إذ العادة أن غزلها في بيت الزوج سبب لملكه، وفي هذا لا فرق أن يكون القطن مملوكًا له وقت النذر أو لم يكن، ولهذا لو اشترى الزوج قطنا فغزلته ونسجته كان الثوب للزوج، بخلاف ما لو غصب قطنا وغزله ونسجه لا يكون الغزل منه، بل يكون للغاصب، فباعتبار العرف وجد سبب الإضافة إلى الملك فاستغنى عن قيام الملك في الحال إليه أشار شمس الأئمة في جامعه. قوله: (حلف لا يلبس حليًّا) بفتح الحاء وسكون اللام، وقد ذكرناه. قوله: (فلبس خاتم فضة لم يحنث)، وعند الأئمة الثلاثة يحنث. وفي جامع قاضي خان: قال مشايخنا: هذا إذا كان خاتم الفضة مصوعًا على هيئة خاتم الرجال إن لم يكن فيه فص، فإن كان فيه فص حنث. قوله: (والتختم به) إلى آخره؛ يعني التزين بالذهب والفضة حرام للرجال، وإنما حلَّ التختم بالفضة لقصد الختم لإقامة السنة لا للتزين فلم يكن حليا كاملًا لا يدخل تحت مطلق اسم الحلي، ولهذا لو لبس خاتم ذهب سواء

стр. 3813

لِقَصدِ الخَتمِ (وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَب حَيْثُ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ. (وَلَو لَبِسَ عِقدَ لُؤْلُو غَيْرَ مُرَصَّع لَم يَحنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَحنَثُ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ حَقِيقَة حَتَّى سُمِّيَ بِهِ فِي القُرآنِ. وَلَهُ: أَنَّهُ لَا يُتَحَلَّى بِهِ عُرفًا إِلَّا مُرَصَّعًا، وَمَبْنَى الأَيْمَانِ عَلَى العُرفِ وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصر وَزَمَانِ، وَيُفْتَى بِقَولِهِمَا، لِأَنَّ كان معه فص أو لم يكن، أو لبس خلخالا من ذهب أو فضة، أو دُمْلُوجًا (١)، أو سوارًا يحنث، سواء كان من ذهب، أو فضة، أو حجر بالإجماع؛ لأنه حلي كامل ولا يستعمل إلا للتزين؛ ولهذا لا يحل للرجال. قوله: (ولو لبس عقد لؤلؤ غير مرصع لم يحنث) عنده، في الصحاح: العقد - بكسر العين - القلادة، والترصيع التركيب (٢). (غير مرصع) أي: غير مركب بذهب وفضة، هكذا فسره التمرتاشي. وعلى هذا الخلاف عقد زبرجد أو زمرد غير مرصع، وبقولهما قالت الأئمة الثلاثة. (حتى سُمِّيَ به أي: بالحلي في القرآن)، قال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]، وإنما يستخرج من البحر اللؤلؤ، وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبِ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر: ٣٣]، جعل اللؤلؤ حليا؛ لأنه جعل تفسيرًا لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، كذا في جامع قاضي خان. (وله) أي: لأبي حنيفة أن العادة لم تجر، أي: بالتحلي به (إلا مُرصَّعًا) بذهب أو فضة. قال التمرتاشي والمرغيناني: ومن مشايخنا من قال: على قياس قول أبي حنيفة لا بأس بأن يلبس الغلمان والرجال اللؤلؤ. قوله: (ويفتي بقولهما)؛ لأن قولهما أقرب إلى عرف ديارنا. وفي المحيط: حلف لا يلبس حليًا فلبس مِنْطَقَةً مُفَضَّضَةً (٣)، أو سَيْفًا

стр. 3814

التَّحَلِّيَ بِهِ عَلَى الاِنفِرَادِ مُعتَادٌ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَنَامَ عَلَيْهِ وَفَوقَهُ قِرَامٌ: حَيْثُ) لِأَنَّهُ تَبَعُ الفِرَاشِ فَيُعَدُّ نَائِمًا عَلَيْهِ (وَإِنْ جَعَلَ فَوقَهُ فِرَاشًا آخَرَ فَنَامَ عَلَيْهِ لَا يَحنَثُ) لِأَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ فَقَطَعَ النِّسبَةَ عَنِ الْأَوَّلِ (وَلَو حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الأَرضِ، فَجَلَسَ عَلَى بِساط، أَوْ حَصِير، لَم يَحنَتْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إِذَا حَالَ بَينَهُ وَبَينَ الأَرْضِ لِبَاسُهُ، لِأَنَّهُ تَبَعُ لَهُ فَلَا يُعتَبَرُ حَائِلًا (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِير فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ فَوقَهُ بِسَاطٌ أَوْ حَصِيرٌ حَيْثَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا عَلَيْهِ، وَالجُلُوسُ عَلَى السَّرِيرِ فِي العَادَةِ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلَ فَوقَهُ سَرِيرًا آخَرَ، لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَقَطَعَ النِّسْبَةَ عَنهُ. مُفَضَّضًا؛ لم يحنث (١)، وبه قال الشافعي وأحمد. قوله: (على فراش) المراد فراش معين؛ ولهذا قال في غير هذا الكتاب: على هذا الفراش، وبدليل. قوله: (وإن جعل فوقه فراشاً آخر فنام عليه يحنث)، وبه قال الشافعي؛ لأنه نام عليهما حقيقة وعُرفًا، فيقال: نام على فراشين، وصار كمن حلف لا يكلم فلانًا فسلم على جمع هو فيهم بقوله: السلام عليكم. وقال في الجميع الكبير: لا يحنث، وقيل: هو قول محمد؛ (لأنه مثله) وهو غيره فلا يتبعه فكان نائما على الأول دون الثاني، كما لو حلف لا يجلس على هذا الدكان، أو على هذا السطح فجعل فوقه دكانا آخر، أو بنى فوقه سطحًا آخر؛ لم يحنث. قوله: (حال بينه وبين الأرض) أي: صار ثوبه حاجزا بينه وبين الأرض، يحنث في هذه الصورة إذا كان لابسا ثوبه، أما لو نزع ثوبه وبسطه عليه لا يحنث؛ لأن ثوبه حينئذ لم يبق تبعًا له؛ لأن التبعية باعتبار لبسه وبعد نزعه صار كالبساط والحصير.

стр. 3815

بَابُ اليَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالقَتْلِ وَغَيْرِهِ (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: إِنْ ضَرَبتُكَ فَعَبدِي حُرٌّ، فَمَاتَ فَضَرَبَهُ فَهُوَ عَلَى الحَيَاةِ) لِأَنَّ باب اليمين في الضرب والقتل وغيره أي: الغسل والكسوة، وقد ذكرنا وجه مناسبة الباب. قيل: الضرب اسم لفعل مؤلم يتصل بالبدن، وقيل: هو استعمال آلة التأديب في محل قابل للتأديب بالإيلام. قيل: يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْثًا فَأَضْرِب بِهِ، وَلَا تَحْنَتْ﴾ [ص: ٤٤] فقد برأ أيوب ﵇ بضرب الضغث، وهو حزمة صغيرة من حشيش، أو ريحان ولم يوجد فيه إيلام. قيل في جوابه: هذا حكم مخصوص بأيوب ﵇ كرامة له، بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره. ورد بأن في كتاب الخيل تمسك به في جواز الحيلة، وعن ان عباس أن الضغث عبارة عن قبضة من الشجر، فجاز أن يكون فيه ألم، فكان حكما باقيًا في شريعتنا، ولهذا ذكر في الكشاف: وهذه رخصة باقية، وعن النبي ﷺ أنه أتي بمُخْدَج - أي ناقص الخلق - قد حَيْثُ بأمةٍ، فقال ﵇: «خذوا عِنْكَالًا أي: عنقود النخل - فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً» (١)، ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المائة، إما أطرافها قائمة وإما أعراضها مبسوطة مع وجود صورة الضرب (٢). فقد ذكر في شرح الطحاوي: حلف ليضربن فلانًا مائة سوط، فضربه بها ضربة واحدة، إن وصل إليه كل سوط بحياله بر في يمينه، والإيلام شرط فيه؛ لأن القصد من الضرب الإيلام، وبه قال الشافعي والمزني، ويبر بمجرد الضرب دون الإيلام. وقال مالك وأحمد: يحنث إن يفرقها، ووصول الألم شرط عندهما.

стр. 3816

الضَّربَ اسمٌ لِفعل مُؤلِم يَتَّصِلُ بِالبَدَنِ، وَالإِيلَامُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي المَيِّتِ، وَمَنْ يُعَذِّبُ ففِي القَبْرِ تُوضَعُ فِيهِ الحَيَاةُ فِي قَولِ العَامَّةِ، وَكَذَلِكَ الكِسْوَةُ، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ عِنْدَ الإِطْلَاقِ، وَمِنهُ الكِسْوَةُ فِي الكَفَّارَةِ وَهُوَ مِنْ المَيِّتِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا أَنْ يَنوِيَ بِهِ السَّتَرَ، وَقِيلَ: بِالفَارِسِيَّةِ يَنصَرِفُ إِلَى اللُّبسِ (وَكَذَا الكَلَامُ وَالدُّخُولُ) لِأَنَّ المَقْصُودَ وفي الكافي: الأصل فيه أن يشارك الميت فيه الحي، فاليمين وقعت على الحالين، وما اختص به الحي يتقيد بالحياة، فلو قال: إن ضربتك، أو كسوتك، أو دخلت عليك، أو قال لامرأته: إن وطئتكِ أو قبلتكِ فعبده حر؛ يتقيد بالحياة، حتى لو فعل هذه الأشياء بعد الموت لا يحنثُ؛ لأن الضرب اسم لفعل مؤلم، والميت لا يتألّم بضرب بني آدم، وإن ذلك مما يتفرد به الله تعالى كما في عذاب القبر فإنه ثابت عند أهل السنة وإن اختلفوا في كيفيته. فقال بعضهم: نؤمن بأصل العذاب، ونسكت عن الكيفية؛ لأن الواجب علينا تصديق ما جاء في السنة المشهورة وهو التعذيب بعد الموت، فنؤمن به ولا نشتغل بكيفيته، وعند العامة توضع فيه الحياة بقدر ما يتألم؛ لأن الإيلام لا يكون بلا حياة ولا علم. ثم اختلفوا، فقيل: توضع فيه الحياة بقدر ما يتألم، لا الحياة المطلقة. وقيل: توضع فيه الحياة من كل وجه. وقيد في الكتاب بقول العامة: احترازًا عن قول أبي الحسن الصالحي فإن عنده يعذب الميت بغير حياة، ذكره في تبصرة الأدلة. قوله: (وكذلك الكسوة)؛ يعني في قوله: إن كسوتك فعبدي حر، فكساه بعد الموت لا يحنث. (لأنه يراد به) أي: بالكسوة على تأويل الإكساء، أو بقوله: كسوتك. (وهو) أي: التمليك من الميت لا يتحقق، ولهذا لو تبرع عليه أحد بالكفن ثم أكله السبع يعود الكفن إلى المتبرع لا إلى وارث الميت، ذكره التمرتاشي. قوله: (إلا أن ينوي به) أي: بالكسوة على تأويل الإكساء، أو بقوله: كسوتك فحينئذ يحنث؛ لأن فيه تشديدًا عليه، والميت يُستر كالحي. فإن قيل: الميت مما يُكسى الكفن.

стр. 3817

مِنْ الكَلَامِ الإِفهَامُ وَالمَوتُ يُنَافِيهِ، قلنا: لا، ولكن يلبس الكفن، والإلباس غير الإكساء فإنه لا يُنْبِي عن التمليك، يقال: كسى الأمير فلانًا، أي: ملكه كسوة، وقال تعالى في الكفارة: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويراد به التمليك. فأما الإلباس عبارة عن الستر والتغطية، والميت محل لذلك؛ ألا ترى أنه لو حلف لا يلبس فلانًا ثوبًا؛ فهو على الحياة والوفاة جميعًا، كذا ذكره قاضي خان، والمحبوبي. قوله: (والموت ينافيه) أي: ينافي الكلام؛ لأن المراد من الكلام الاستماع، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. فإن قيل: قد روي أن قتلى بدر لما ألقوا في القليب قام رسول الله ﷺ على رأس القليب وقال: «هل وجدْتُم ما وعدكم ربُّكُم حقا؟» فقال عمر: أتكلم الميت يا رسول الله! فقال ﵇: «ما أنتم بأسمع من هؤلاء» (١). قلنا: هو غير ثابت فإنه لما بلغ هذا الحديث عائشة قالت: كذبتم على رسول الله فإنه تعالى قال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] (٢)، على أنه ﵇ كان مخصوصا به معجزة له. وقيل: المقصود وعظ الأحياء لا إفهام الموتى كما روي عن علي ﵁ إذا أتى المقابر قال: عليكم السلام ديار قوم مؤمنين أما نساؤكم فقد نكحت، وأما أموالكم فقد قسمت، وأما دوركم فقد سكنت فهذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم؟ وكان يقول: سل الأرض من شق أنهاركِ؟ وغرس أشجاركِ؟ وجنى ثماركِ؟ فإن لم تجبك جوابًا أجابتك اعتبارًا، وكان ذلك على سبيل الوعظ للأحياء لا للخطاب للموتى.

стр. 3818

وَالمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعدَ المَوتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ قوله: (والمراد من الدخول عليه) إلى آخره؛ يعني: المراد من الدخول عليه إكرامه بتعظيمه، أو إهانته بتحقيره، أو زيارته ولا يتحقق [الكل] (١) بعد الموت؛ لأنه لا يزار الميت بل يزار قبره، قال ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا» أي فحشا، ولأن الميت كالغائب في حق الأحياء، ومن طاف بباب رجل لا يعد زائرا له، ولو دخل عليه وهو نائم لا يعد زائرا، فهاهنا أولى، والغرض من الوطء والتقبيل قضاء الشهوة، وذا لا يتحقق بعد الموت. فإن قيل: أليس أن النبي ﷺ قبل عثمان [بن] (٢) مظعون بعدما أدرج في الكفن (٣)، وقبل أبو بكر ﵁ ما بين عيني رسول الله ﵇ بعدما أدرج في الكفن (٤) (٥). قلنا: ذا ضرب من الشفقة أو التعظيم والموت لا ينافيه، وتقبيل النساء لاقتضاء الشهوة فتقيد بالحياة، حتى لو كان للشفقة أو التعظيم كما في الولد، أو الوالد، [أو] (٦) العالم. قيل: لا يتقيد بالحياة، وقيل: يتقيد أيضا؛ لأن الأوهام لا تنصرف إلى تقبيل الميت، بخلاف: إن غسلتك، أو حملتك، أو مسستك، أو ألبستك فإنها لا تتقيد بالحياة؛ لأن الغسل يراد به التنظيف والتطهير، وذا يتحقق في الميت. ألا ترى أنه يجب غسل الميت تطهيرا فكيف ينافيه، ولو صلى على ميت

стр. 3819

(وَلَو قَالَ: إِنْ غَسَّلتُك فَعَبدِي حُرٌّ، فَغَسَّلَهُ بَعدَ مَا مَاتَ، يَحنَثُ) لِأَنَّ الغُسَلَ هُوَ الإِسَالَهُ وَمَعْنَاهُ التَّطْهِيرُ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي المَيِّتِ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا، حَنَثَ) لِأَنَّهُ اسمٌ لِفِعل مُؤلِم وَقَدْ تَحَقَّقَ الإِيلَامُ، (وَقِيلَ: لَا يَحنَثُ فِي حَالِ المُلَاعَبَةِ) لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُمَازَحَة لَا ضَربًا (وَمَنْ قَالَ: إِنْ لَم قبل الغُسل لم يجز، وبعده يجوز، ولو صلى حامل ميت لم يُغسل لم يجز، ولو كان غسيلا جاز والحمل يتحقق بعد الموت، قال ﵇: «من حمل ميتًا فليتوضأ» (١)، والمس للتعظيم والشفقة فيتحقق بعد الموت، والإلباس التغطية وقد ذكرناه. قوله: (مد شعرها أو خنقها أو عضها، حنث)، وبه قال مالك وأحمد، فمالك يعتبر وصول الألم إلى جسمها، أو قَلِيها من شتم أو سب أو غيره؛ ليتحقق الإيلام بها وهو المقصود، ولبعض أصحاب الشافعي مثل قوله. وعند الشافعي العض والخنق والقرص ونتف الشعر ليس بضرب فلا يحنث بها، وفي الوكز، واللكز، واللطم له وجهان: أحدهما وهو الأصح: أنه ضرب، ولا يشترط فيه الإيلام؛ لأن اليمين يتعلق باسم الضرب، ولم يشترط في تحققه الإيلام، يقال: ضربه ولم يؤلمه بخلاف الحد والتعزير؛ لأن الإيلام فيهما شرط ليحصل الزجر. وقلنا: الضرب عبارة عن فعل مؤلم وقد حصل، وسمي هذا في العرف ضربًا، قالوا: إذا كانت هذه الأفعال في حالة الغضب، أما لو كانت في حالة

стр. 3820

أَقْتُلُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، حَنِثَ) لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاة يُحدِثُهَا اللَّهُ فِيهِ الملاعبة لا يحنث؛ لأنه لا يسمى ضربًا، بل ممازحة، وهذا يدل على أنه لو ضربه حال الممازحة لا يحنث. وفي جمع التفاريق: الضربُ لا يقع على الرمي بحجر وغيره، ذكره التمرتاشي. قالوا: هذا إذا كانت اليمين بالعربية، أما لو كانت بالفارسية لا يحنث بهذه الأفعال. وفي جامع شمس الأئمة، والفوائد الظهيرية: المقصود من الضرب الإيلام، وقد وُجد في العض وغيره. فإن قيل: يشكل ذلك بما لو قال: إن أديتُ حقك من هذا الكيس الأبيض فعبده حر، فدفعه من الكيس الأسود لا يحنث، وإن كان المقصود وصول حقه، وقد وُجد. قلنا: حصول حقه هناك من الكيس الأبيض ولم يُوجد، فلا يوجد الشرط، وهاهنا علق الحكم بمطلق الضرب، فمد الشعر والعض من أنواع الضرب بجامع معنى الإيلام، فبوجود العض كان الضرب موجودًا معنى فيحنث، كذا في فوائد الحميدية. فإن قيل: يمين الضرب لا يخلو إما أن تعلقت بصورة الضرب عرفًا، وهي إيقاع آلة التأديب في محل قابل له، أو بمعناه وهو الإيلام، أو بهما. فلو قلت بصورته ينتقض بمد الشعر وغيره؛ لأنه لا يسمى ضربًا عرفًا، بدليل تغاير الأسماء من المد والعض والخنق، ولو قلت بمعناه ينتقض بالرمي ففيه إيلام ولم يحنث كما ذكرنا، ولو قلت بهما ينتقض بالضرب مع الإيلام في حالة الممازحة، ومع أنه لا يحنث، ذكره في الفوائد الظهيرية. قلنا: شرط الحنث الضرب صورةً وعرفًا بمعناه وهو الإيلام، وإليه أشار في الكتاب؛ لأنه أي الضرب اسم لفعل مؤلم ولم يحصل الجواب بهذا عن كل ما انتقض. إليه أشار في الفوائد الظهيرية.
следующие страницы →