الضَّربَ اسمٌ لِفعل مُؤلِم يَتَّصِلُ بِالبَدَنِ، وَالإِيلَامُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي المَيِّتِ، وَمَنْ يُعَذِّبُ ففِي القَبْرِ تُوضَعُ فِيهِ الحَيَاةُ فِي قَولِ العَامَّةِ، وَكَذَلِكَ الكِسْوَةُ، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ عِنْدَ الإِطْلَاقِ، وَمِنهُ الكِسْوَةُ فِي الكَفَّارَةِ وَهُوَ مِنْ المَيِّتِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا أَنْ يَنوِيَ بِهِ السَّتَرَ، وَقِيلَ: بِالفَارِسِيَّةِ يَنصَرِفُ إِلَى اللُّبسِ (وَكَذَا الكَلَامُ وَالدُّخُولُ) لِأَنَّ المَقْصُودَ
وفي الكافي: الأصل فيه أن يشارك الميت فيه الحي، فاليمين وقعت على الحالين، وما اختص به الحي يتقيد بالحياة، فلو قال: إن ضربتك، أو كسوتك، أو دخلت عليك، أو قال لامرأته: إن وطئتكِ أو قبلتكِ فعبده حر؛ يتقيد بالحياة، حتى لو فعل هذه الأشياء بعد الموت لا يحنثُ؛ لأن الضرب اسم لفعل مؤلم، والميت لا يتألّم بضرب بني آدم، وإن ذلك مما يتفرد به الله تعالى كما في عذاب القبر فإنه ثابت عند أهل السنة وإن اختلفوا في كيفيته.
فقال بعضهم: نؤمن بأصل العذاب، ونسكت عن الكيفية؛ لأن الواجب علينا تصديق ما جاء في السنة المشهورة وهو التعذيب بعد الموت، فنؤمن به ولا نشتغل بكيفيته، وعند العامة توضع فيه الحياة بقدر ما يتألم؛ لأن الإيلام لا يكون بلا حياة ولا علم.
ثم اختلفوا، فقيل: توضع فيه الحياة بقدر ما يتألم، لا الحياة المطلقة.
وقيل: توضع فيه الحياة من كل وجه.
وقيد في الكتاب بقول العامة: احترازًا عن قول أبي الحسن الصالحي فإن عنده يعذب الميت بغير حياة، ذكره في تبصرة الأدلة.
قوله: (وكذلك الكسوة)؛ يعني في قوله: إن كسوتك فعبدي حر، فكساه بعد الموت لا يحنث.
(لأنه يراد به) أي: بالكسوة على تأويل الإكساء، أو بقوله: كسوتك.
(وهو) أي: التمليك من الميت لا يتحقق، ولهذا لو تبرع عليه أحد بالكفن ثم أكله السبع يعود الكفن إلى المتبرع لا إلى وارث الميت، ذكره التمرتاشي.
قوله: (إلا أن ينوي به) أي: بالكسوة على تأويل الإكساء، أو بقوله: كسوتك فحينئذ يحنث؛ لأن فيه تشديدًا عليه، والميت يُستر كالحي.
فإن قيل: الميت مما يُكسى الكفن.
стр. 3817
مِنْ الكَلَامِ الإِفهَامُ وَالمَوتُ يُنَافِيهِ،
قلنا: لا، ولكن يلبس الكفن، والإلباس غير الإكساء فإنه لا يُنْبِي عن التمليك، يقال: كسى الأمير فلانًا، أي: ملكه كسوة، وقال تعالى في الكفارة: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويراد به التمليك.
فأما الإلباس عبارة عن الستر والتغطية، والميت محل لذلك؛ ألا ترى أنه لو حلف لا يلبس فلانًا ثوبًا؛ فهو على الحياة والوفاة جميعًا، كذا ذكره قاضي خان، والمحبوبي.
قوله: (والموت ينافيه) أي: ينافي الكلام؛ لأن المراد من الكلام الاستماع، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
فإن قيل: قد روي أن قتلى بدر لما ألقوا في القليب قام رسول الله ﷺ على رأس القليب وقال: «هل وجدْتُم ما وعدكم ربُّكُم حقا؟» فقال عمر: أتكلم الميت يا رسول الله! فقال ﵇: «ما أنتم بأسمع من هؤلاء» (١).
قلنا: هو غير ثابت فإنه لما بلغ هذا الحديث عائشة قالت: كذبتم على رسول الله فإنه تعالى قال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] (٢)، على أنه ﵇ كان مخصوصا به معجزة له.
وقيل: المقصود وعظ الأحياء لا إفهام الموتى كما روي عن علي ﵁ إذا أتى المقابر قال: عليكم السلام ديار قوم مؤمنين أما نساؤكم فقد نكحت، وأما أموالكم فقد قسمت، وأما دوركم فقد سكنت فهذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم؟
وكان يقول: سل الأرض من شق أنهاركِ؟ وغرس أشجاركِ؟ وجنى ثماركِ؟ فإن لم تجبك جوابًا أجابتك اعتبارًا، وكان ذلك على سبيل الوعظ للأحياء لا للخطاب للموتى.
стр. 3818
وَالمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعدَ المَوتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ
قوله: (والمراد من الدخول عليه) إلى آخره؛ يعني: المراد من الدخول عليه إكرامه بتعظيمه، أو إهانته بتحقيره، أو زيارته ولا يتحقق [الكل] (١) بعد الموت؛ لأنه لا يزار الميت بل يزار قبره، قال ﵇: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا» أي فحشا، ولأن الميت كالغائب في حق الأحياء، ومن طاف بباب رجل لا يعد زائرا له، ولو دخل عليه وهو نائم لا يعد زائرا، فهاهنا أولى، والغرض من الوطء والتقبيل قضاء الشهوة، وذا لا يتحقق بعد الموت.
فإن قيل: أليس أن النبي ﷺ قبل عثمان [بن] (٢) مظعون بعدما أدرج في الكفن (٣)، وقبل أبو بكر ﵁ ما بين عيني رسول الله ﵇ بعدما أدرج في الكفن (٤)(٥).
قلنا: ذا ضرب من الشفقة أو التعظيم والموت لا ينافيه، وتقبيل النساء لاقتضاء الشهوة فتقيد بالحياة، حتى لو كان للشفقة أو التعظيم كما في الولد، أو الوالد، [أو] (٦) العالم.
قيل: لا يتقيد بالحياة، وقيل: يتقيد أيضا؛ لأن الأوهام لا تنصرف إلى تقبيل الميت، بخلاف: إن غسلتك، أو حملتك، أو مسستك، أو ألبستك فإنها لا تتقيد بالحياة؛ لأن الغسل يراد به التنظيف والتطهير، وذا يتحقق في الميت.
ألا ترى أنه يجب غسل الميت تطهيرا فكيف ينافيه، ولو صلى على ميت
стр. 3819
(وَلَو قَالَ: إِنْ غَسَّلتُك فَعَبدِي حُرٌّ، فَغَسَّلَهُ بَعدَ مَا مَاتَ، يَحنَثُ) لِأَنَّ الغُسَلَ هُوَ الإِسَالَهُ وَمَعْنَاهُ التَّطْهِيرُ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي المَيِّتِ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا، حَنَثَ) لِأَنَّهُ اسمٌ لِفِعل مُؤلِم وَقَدْ تَحَقَّقَ الإِيلَامُ، (وَقِيلَ: لَا يَحنَثُ فِي حَالِ المُلَاعَبَةِ) لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُمَازَحَة لَا ضَربًا (وَمَنْ قَالَ: إِنْ لَم
قبل الغُسل لم يجز، وبعده يجوز، ولو صلى حامل ميت لم يُغسل لم يجز، ولو كان غسيلا جاز والحمل يتحقق بعد الموت، قال ﵇: «من حمل ميتًا فليتوضأ» (١)، والمس للتعظيم والشفقة فيتحقق بعد الموت، والإلباس التغطية وقد ذكرناه.
قوله: (مد شعرها أو خنقها أو عضها، حنث)، وبه قال مالك وأحمد، فمالك يعتبر وصول الألم إلى جسمها، أو قَلِيها من شتم أو سب أو غيره؛ ليتحقق الإيلام بها وهو المقصود، ولبعض أصحاب الشافعي مثل قوله.
وعند الشافعي العض والخنق والقرص ونتف الشعر ليس بضرب فلا يحنث بها، وفي الوكز، واللكز، واللطم له وجهان:
أحدهما وهو الأصح: أنه ضرب، ولا يشترط فيه الإيلام؛ لأن اليمين يتعلق باسم الضرب، ولم يشترط في تحققه الإيلام، يقال: ضربه ولم يؤلمه بخلاف الحد والتعزير؛ لأن الإيلام فيهما شرط ليحصل الزجر.
وقلنا: الضرب عبارة عن فعل مؤلم وقد حصل، وسمي هذا في العرف ضربًا، قالوا: إذا كانت هذه الأفعال في حالة الغضب، أما لو كانت في حالة
стр. 3820
أَقْتُلُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، حَنِثَ) لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاة يُحدِثُهَا اللَّهُ فِيهِ
الملاعبة لا يحنث؛ لأنه لا يسمى ضربًا، بل ممازحة، وهذا يدل على أنه لو ضربه حال الممازحة لا يحنث.
وفي جمع التفاريق: الضربُ لا يقع على الرمي بحجر وغيره، ذكره التمرتاشي.
قالوا: هذا إذا كانت اليمين بالعربية، أما لو كانت بالفارسية لا يحنث بهذه الأفعال.
وفي جامع شمس الأئمة، والفوائد الظهيرية: المقصود من الضرب الإيلام، وقد وُجد في العض وغيره.
فإن قيل: يشكل ذلك بما لو قال: إن أديتُ حقك من هذا الكيس الأبيض فعبده حر، فدفعه من الكيس الأسود لا يحنث، وإن كان المقصود وصول حقه، وقد وُجد.
قلنا: حصول حقه هناك من الكيس الأبيض ولم يُوجد، فلا يوجد الشرط، وهاهنا علق الحكم بمطلق الضرب، فمد الشعر والعض من أنواع الضرب بجامع معنى الإيلام، فبوجود العض كان الضرب موجودًا معنى فيحنث، كذا في فوائد الحميدية.
فإن قيل: يمين الضرب لا يخلو إما أن تعلقت بصورة الضرب عرفًا، وهي إيقاع آلة التأديب في محل قابل له، أو بمعناه وهو الإيلام، أو بهما.
فلو قلت بصورته ينتقض بمد الشعر وغيره؛ لأنه لا يسمى ضربًا عرفًا، بدليل تغاير الأسماء من المد والعض والخنق، ولو قلت بمعناه ينتقض بالرمي ففيه إيلام ولم يحنث كما ذكرنا، ولو قلت بهما ينتقض بالضرب مع الإيلام في حالة الممازحة، ومع أنه لا يحنث، ذكره في الفوائد الظهيرية.
قلنا: شرط الحنث الضرب صورةً وعرفًا بمعناه وهو الإيلام، وإليه أشار في الكتاب؛ لأنه أي الضرب اسم لفعل مؤلم ولم يحصل الجواب بهذا عن كل ما انتقض. إليه أشار في الفوائد الظهيرية.
стр. 3821
وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ فَيَنعَقِدُ ثُمَّ يَحنَثُ لِلعَجزِ العَادِي (فَإِنْ لَم يَعلَم بِهِ لَا يَحنَثُ) لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةِ كَانَتْ فِيهِ، وَلَا تُتَصَوَّرُ فَيَصِيرُ قِيَاسَ مَسأَلَةِ الكُوزِ عَلَى الاخْتِلَافِ، وَلَيْسَ فِي تِلكَ المَسأَلَةِ تَفصِيلُ العِلمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قوله: (وهو متصور) أي: إحداث الحياة ممكن؛ لأنه تعالى قادر على إعادة الحياة فيه؛ إذ الروح لا تموت، لكنه زال عن قلب فلان، فإذا أعاده أمكنه قتله فينعقد، ثم يحنث للعجز الحالي، كمسألة صعود السماء، كذا في الكافي.
قوله: (عقد يمينه على حياة) أي: على إزهاق روح قائم به زمان انعقاد اليمين، وهو غير متصور فلا ينعقد يمينه.
قوله: (فيصير قياس مسألة الكوز على الاختلاف) فعندهما لا يحنث، وعنده يحنث، وقد مر ما فيه من الأبحاث فلا نعيده.
(في تلك المسألة) أي: مسألة الكوز (تفصيل العلم) يعني لا يحنث عندهما سواء علم بالماء فيه أو لا.
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول مشايخ العراق فإنه في شرح الطحاوي: ولو كان يعلم أن لا ماء في الكوز فحلف يحنث بالاتفاق، وعن أبي حنيفة في رواية أخرى أنه لا يحنث سواء علم، أو لم يعلم، وهو قول زفر، وهو الصحيح كما ذكر في الكتاب؛ لأن عقد يمينه على شرب ماء موجود في الكوز، ولو أحدث الله تعالى الماء ليس ذلك هو الماء الذي كان موجودًا في الكوز، بخلاف القتل إذا كان يعلم بموت فلان؛ لأنه انعقد يمينه على فعل القتل في فلان، فإذا أحياه الله فهو فلان، فكان ما عقد عليه يمينه متوهما.
ونظير مسألة الكوز أن يقول: والله لأقتلن هذا الميت فإن يمينه لا ينعقد؛ لأنه عقدها على تفويت حياة معلومة زمان الحلف، فلو أحدث الله فيه حياة لا تكون هي حياة حلف على تفويتها؛ لأن هذه موجودة وتلك معلومة، إليه أشار في الفوائد الظهيرية، وقد مر الإيجاب فيه.
وفي الكافي: وهل على هذا الخلاف مسائل، منها: إذا قال: إن أر فلانًا فلم أعلمك فعبده حر، فرآه معه فما نطق شيئًا؛ لم يعتق عندهما، ويعتق عند أبي يوسف.
стр. 3822
بَابُ اليَمِينِ فِي تَقَاضِي الدَّرَاهِمِ
(وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَينَهُ إِلَى قَرِيبٍ، فَهُوَ عَلَى مَا دُونَ الشَّهْرِ، وَإِنْ قَالَ: إِلَى بَعِيد، فَهُوَ أَكثَرُ مِنْ الشَّهْرِ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ يُعَدُّ قَرِيبًا، وَالشَّهْرُ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُعَدُّ بَعِيدًا،
ومنها: ما إذا حلف ليقتلن فلانًا غدًا فمات اليوم، أو حلف ليأكلن هذا الرغيف غدًا فأكله اليوم أو تلف أو حلف لأقضين حقه غدًا فقضاه اليوم؛ سقطت اليمين عندهما، وبه قال مالك، خلافًا لأبي يوسف، وبقوله قال الشافعي، إلا أن للشافعي في التلف قولان.
قوله: (للعجز العادي) (١) هو منسوب إلى العادة، فالقياس أن يقال: عادتي، إلا أن تاء التأنيث تسقط عند النسبة، فإنه يقال: بصري، ولا يقال: بصرتي.
باب اليمين في تقاضي الدراهم
لما كانت الدراهم من الوسائل في البياعات والإجارات وغيرهما أخر اليمين بها، وخص الدراهم دون الدنانير؛ لأنها أكثر استعمالًا حتى قدر أقل المهر، ويضاف السرقة بها دون الدنانير.
ولقب الباب باسم التقاضي وهو الطلب، وذكر مسائله بلفظ القضاء وهو الأداء، وبلفظ القبض، وبلفظ عدد الدراهم، إلا أن التقاضي سبب للقضاء والقبض والعدّ، ولقب الباب باسم هو سبب لهذه الأفاعيل على جهة الاختصار.
الأصل أن الديون تُقضى بأمثالها، وأن العيب لا يعدم الجنس، وأن ما دون الشهر قريب، وما فوقه بعيد.
قوله: (فهو أكثر من شهر)، والشهر كذلك، إلا إنه ذكر الأكثر بمقابلة ما دون الشهر الذي ذكر قبله.
(لأن ما دونه) أي: دون الشهر (يعد قريبًا) عرفًا، (وما زاد عليه) أي: على الشهر (بعيدًا) عُرفًا، وعند الشافعي مدة القريبة والبعيدة لا تتقدر بشيء، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لوقوعهما على القليل والكثير، فمتى قضى بر، وإنما يحكم بحنثه إذا مات قبل أن يقضيه مع التمكن.
стр. 3823
وَلِهَذَا يُقَالُ عِنْدَ بُعدِ العَهْدِ: مَا لَقِيتُكَ مُنذُ شَهر (وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانَا دَينَهُ اليَومَ، فَقَضَاهُ، ثُمَّ وَجَدَ فُلَانٌ بَعْضَهَا زُيُوفًا أَوْ نَبَهرَجَة أَوْ مُستَحَقَّة، لَم يَحنَتْ الحَالِفُ) لِأَنَّ الزِّيَافَةَ عَيْبٌ وَالعَيبُ لَا يُعدِمُ الجِنسَ، وَلِهَذَا لَو تَجُوزُ بِهِ صَارَ مُستَوفِيًا، فَوُجِدَ شَرط
وقلنا: القريب والبعيد أمر إضافي فيعتبر فيه العُرف فيقال عند بعد العهد: ما رأيتك منذ شهر، فعلم أن الشهر وما فوقه بعيد عرفًا، ولأنه لو لم يقدر القريب بشيء لتناول القريب ما تناول البعيد وهو محال، كذا قيل.
وفي المحيط: حلف ليقضين حقه أجلا؛ فهو على الشهر، وعاجلًا فهو على ما دون الشهر، ولو نوى بـ (عاجلًا) سنة كان على ما نوى؛ لأن السنة عاجل بالنسبة إلى ما أكثر منها، وكالدنيا فإنها عاجلة بمقابلة الآخرة، ذكره في مبسوط بكر. قوله: (زُيُوفًا، أَوْ نَبَهْرَجَةً)، الزيوف من زافت عليه دراهمه؛ أي: صارت مردودة عليه دراهمه؛ أي: صارت مردودة عليه لغش فيها وقد زيفت إذا ردت.
وفي المبسوط: الزيف ما زيفه بيت المال، ولكنه يروج فيما بين التجار، والنبهرجة ما بهرجه التجار، والمسامح منهم يُتَجوَّزُ به، والمستقصى منهم لا يتجوّز به لغش فيه (١). وقيل: النبهرجة لفظ عجمي معرَّبة، وأصلها: نبهره، وهو الحظ؛ يعني: حظ هذه الدراهم من الفضة الأقل، ومن الغش أكثر مما يُوجد في دار الضرب.
قوله: (لم يحنث)، وبه قال الشافعي، وقال مالك: حنث، قال اللخمي من أصحابه: هذا مراعاة اللفظ، أما بالنظر إلى المقاصد لا يحنث؛ لأن الزيافة في المغرب قياس مصدره الزيوف، وأما الزيافة في لغة الفقهاء: عيب. يعني اسم الدراهم لا يزول بهذه الأوصاف؛ لأنها عيب، والعيب لا يعدم الجنس.
(ولهذا لو تجوّز به) أي: بالدراهم الزيوف والنبهرجة، وفي بعض النسخ: (بها) أي: بالزيف والنبهرجة (صار مستوفيًا)، وكذا لو تجوز بها في رأس المال المسلم وبدل الصرف يجوز، ولو زال بذلك اسم الدراهم لكان استبدالا، وهو
стр. 3824
البِرُّ وَقَبضُ المُسْتَحَقَّةِ صَحِيحٌ وَلَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهِ البِرَّ المُتَحَقِّقَ (وَإِنْ وَجَدَهَا رَصَاصًا أَوْ سَتُّوقَة حَيْثُ) لِأَنَّهُمَا لَيسَا مِنْ جِنسِ الدَّرَاهِمِ، حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّجَوُّزُ بِهِمَا فِي حرام فيهما.
قوله: (وَقَبْضُ المستحقة صحيح)، حتى لو أجازه المستحق جاز، وعند عدم الإجازة ينفسخ القبض، وكذا لو أجازه المستحق في الصرف والسلم بعد الافتراق جاز فيوجد شرط البر فيبر. (ولا يرتفع برده) أي: برد القضاء (البر المتحقق)؛ لأنه شرط البر لا ينتقض يحتمل الانتقاض.
فإن قيل: لما رد المقبوض انتقض من الأصل وصار كأن لم يكن، ولهذا لم يسقط الدين من ذمته، ولهذا ينتقض من الأصل في الصرف والسلم حتى فسدا.
قلنا: انتقض القبض بعد الصحة فيظهر أثره في حق حكم يقبل الانتقاض، والبر لا يحتمل الانتقاض فلا يحنث بعد الانحلال.
وتحقيقه أن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها حقيقةً وشرعًا؛ لأنه لا ضرورة إلى إسقاط اعتبار الحقيقة؛ لجواز الاستبدال بالديون، فإذا كان كذلك كان الدين مقضيا نظرًا إلى أداء مثله فوجد القضاء فيوجد البر فينحل اليمين، أما المقبوض في الصرف والسلم عيّن ما في ذمته حكمًا؛ لعدم جواز الاستبدال فيفسد بالافتراق قبل القبض، إليه أشار في الفوائد الظهيرية، وجامع قاضي خان، والإيضاح.
السُّتُوق - بالفتح - ازدى من النبهرج، وعن الكرخي: السُّتُوق عندهم ما كان الصفراء والنحاس هو الغالب.
وفي المغرب: هو تعريب سه ته (١). يعني: أن وجهي الدرهم فضة، وحشوه صفراء ونحاس، فلما لم تكن السُّتُّوقة من جنس الدراهم يحنث، وبه قال الشافعي ومالك بخلاف الزيوف والنبهرجة؛ لما ذكرنا أنه من جنس الدراهم، وذكر التمرتاشي: لو أدى المكاتب بدل الكتابة وحكم بعتقه ثم وُجد البدل ستوقة لم يعتق، ولو وجد زيوفًا أو
стр. 3825
الصَّرْفِ وَالسَّلَم (وَإِنْ بَاعَهُ بِهَا عَبْدًا وَقَبَضَهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ قَضَاءَ الدِّينِ طَرِيقُهُ المُقَاصَّةُ وَقَدْ تَحَقَّقَت بِمُجَرَّدِ البَيعِ، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ القَبْضَ لِيَتَقَرَّرَ بِهِ
نبهرجة أو مستحقة لم يبطل العتق.
قوله: (وَقَبَضَهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ)، وقال الشافعي: حنث في يمينه، وبه قال أحمد في رواية؛ لأن المقضي بدل الدين لا الدين، وقال مالك: إن كانت بقيمة حقه بر وإن كان أقل من قيمة حقه حنث.
وقلنا: قضاء الدين حقيقةً لا يتصور؛ إذ القضاء يُصادف العين، والدين وصف في الذمة يظهر أثره عند المطالبة لا في العين، وهذا معنى قول المشايخ: الديون تقضى بأمثالها بقبض مضمون لا بأعيانها، ولكن طريقه وقوع المقاصة بأن يصير ما يقبضه رب الدين مضمونًا عليه لأنه يقبضه لنفسه على وجه التملك، ولرب الدين على المديون مثله فالتقيا قصاصا.
وهاهنا وقعت المقاصة بين الدين وثمن العبد بمجرد البيع، وصار الثمن قضاء للدين؛ لأن الثمن آخر الدينين وجوبًا، قضاءً لأولهما وجوبًا؛ لأن القضاء يتلو الوجوب ولا يسبقه.
وإنما قال في الجامع: فباعه عبدًا وسلمه إليه، ليتقرر الثمن على رب الدين؛ لأن الثمن بنفس البيع وإن وجب على المشتري، إلا أنه بعرض السقوط، وتقرره بالقبض لجواز أن يهلك المبيع قبل القبض فيبطل البيع، ويعود الدين فشرط تسليمه وقبضه لهذا.
وهذا معنى قول صاحب الكتاب: فكأنه شرط القبض ليتقرر به أي بالقبض، وذكر الإمام قاضي خان هذا إذا حلف المديون.
وكذا لو حلف رب الدين فقال: إن لم أقبض ما لي عليك، أو لم أستوف فقبض عرضًا بالدين بر في يمينه لما قلنا، وعند الشافعي يحنث، وعند مالك إن كان بقيمة حقه بر، وعن أحمد روايتين كقولهما.
стр. 3826
(وَإِنْ وَهَبَهَا لَهُ) يَعْنِي الدَّينَ (لَم يَبَرَّ) لِعَدَمِ المُقَاصَّةِ، لِأَنَّ القَضَاءَ فَعَلَهُ، وَالهِبَةُ إسقاط مِنْ صَاحِبِ الدِّينِ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْبِضُ دَينَهُ دِرهَمًا دُونَ دِرْهَم، فَقَبَضَ بَعْضَهُ لَم يَحنَتْ حَتَّى يَقْبِضُ جَمِيعَهُ مُتفرقا) لِأَنَّ الشَّرطَ قَبضُ الكُلِّ وَلَكِنَّهُ بِوَصْفِ التَّفَرُّقِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ أَضَافَ القَبْضَ إِلَى دَينِ مُعَرَّف مُضَاف إِلَيْهِ فَيَنصَرِفُ إِلَى كُلِّهِ فَلَا يَحْنَثُ إِلَّا بِهِ (فَإِنْ قَبَضَ دَينَهُ فِي وَزَنَينَ لَم يَتَشَاغَل بَيْنَهُمَا إِلَّا بِعَمَلِ الوَزْنِ لَم يَحنَتْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَفْرِيق) لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ قَبضُ الكُلِّ دُفعَة وَاحِدَة عَادَة، فَيَصِيرُ هَذَا القَدْرُ مُستَثنى مِنْهُ (وَمَنْ قَالَ: إِنْ كَانَ لِي إِلَّا مِائَةُ دِرْهَم فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، فَلَمْ يَمْلِكُ إِلَّا خَمْسِينَ دِرْهَما لَم يَحنَتْ) لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْهُ عُرفًا نَفِي مَا زَادَ عَلَى المِائَةِ، وَلِأَنَّ اسْتِثَنَاءَ المِائَةِ اسْتِثْنَاؤُهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا (وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: غَيْرَ مِائَة، أَوْ سِوَى مِائَة) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ أَدَاةُ الاسْتِثْنَاءِ.
قوله: (فإن وهبها) أي: الدراهم التي عليه دين (لم يبر)؛ لأنه ما قضى دينه، ولم يحنث أيضًا عندهما خلافًا لأبي يوسف؛ لفوات المحلوف عليه وهو الدين، كما في مسألة الكوز.
وقوله في الكتاب: (لم يبرّ يُوهم أنه يحنث؛ بل معناه لم يبر ولم يحنث أيضًا لما ذكرنا؛ لأن قوله: (لم يبر) أعم من قوله: يحنث، ومن قوله: يبطل اليمين، فحمل على الثاني تصحيحا لكلامه.
وقيل: ذكر اليوم في وضع المسألة وقع سهوا من الكاتب، وذكر البزدوي، والسرخسي، وأبو المعين هذه المسألة مطلقا غير مؤقتة باليوم.
وفي المحيط: ولو أبرأه أو وهبه لم يحنث، وكذا لو حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي الدين فوهبه أو أبرأه لم يحنث عندهما، خلافًا لأبي يوسف، وبه قال الشافعي وأحمد.
قوله: (لأن الشرط) أي: شرط الحنث قبض الكل ولكنه بوصف التفرق)؛ لأنه أضاف القبض إلى دين معرَّف بالإضافة إليه فيتناول كله، ولو قبض في أول النهار بعضه وفي آخره بعضه حنث لوجود الشرط، بخلاف التفريق الضروري، فإن قبض دينه في وزنين ولم يتشاغل بينهما إلا بعمل الوزن فإنه لم يحنث عندنا، خلافا لزفر فإنه اعتبر حقيقة التفرق وقد وجد، واعتبرنا العرف؛ فإنه في العرف لا يعد تفريعا ما دام في عمل الوزن، وهو نظير: لا أسكن الدار، وهو ساكنها.
قوله: (استثناؤها) أي: استثناء المائة بجميع أجزائها، والخمسين
стр. 3827
مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةُ
(وَإِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا، تَرَكَهُ أَبَدًا) لِأَنَّهُ نَفَى الفِعَلَ مُطلَقًا فَعَمَّ الامْتِنَاعُ ضَرُورَةَ عُمُومِ النَّفْيِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، فَفَعَلَهُ مَرَّة وَاحِدَة، بَرَّ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ المُلتَزَمَ فِعلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَين، إذ المَقَامُ مَقَامُ الإِثْبَاتِ فَيَبَرُّ بِأَيِّ فِعل فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا يَحنَثُ بِوُقُوعِ اليَأْسِ عَنهُ وَذَلِكَ
من أجزائها. وفي الجامع الكبير: لو قال: عبده حر إن [كنت] (١) أملك إلا خمسين درهما فلم يملك إلا عشرة؛ لم يحنث؛ لأنها بعض المستثنى، ولو ملك زيادة على خمسين إن كان من جنس مال الزكاة حنث، وإلا لا.
ألا ترى أنه لو قال: مالي صدقة، ينصرف إلى مال الزكاة، أو حلف: ما لي ملك يحنث بالمال الزكاتية، وعند الشافعي بكل مال، وعند مالك المال هو الذهب والفضة.
مسائل متفرقة
(مسائل) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه المسائل التي أذكرها (مسائل متفرقة)، فـ (متفرقة) صفة (مسائل) من دأب المصنفين ذكر ما شد من الأبواب في آخر الكتاب.
قوله: (ضرورة عموم النفي) لأن قوله: (لا يفعل) يقتضي مصدرا نكرة، أما مصدرًا: فلأن الفعل لا ينفك عنه، وأما نكرة فلأن الفعل يقتضي من تعيين الأفعال لا محالة لتيقنها فإن إثبات ما وراء الواحد مشكوك فكان المتيقن أولى في الإثبات، وفي النفي يعم لأن النكرة في موضع النفي تعم؛ لما عُرف في الأصول، فيقتضي عدم الفعل في جميع العمر.
قوله: (بأي فعل فعله) سواء كان مكرهًا، أو ناسيًا، أو مختارًا بطريق التوكيل، وقد بينا الخلاف في المكره، والناسي، والتوكيل.
قوله: (بوقوع اليأس عنه) أي: عن الفعل، (وذلك) أي اليأس عنه
стр. 3828
بِمَوتِهِ أَوْ بِقَوتِ مَحَلِّ الفِعلِ. (وَإِذَا اسْتَحلَفَ الوَالِي رَجُلًا لِيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ البَلَدَ، فَهَذَا عَلَى حَالِ وِلَايَتِهِ خَاصَّة) لِأَنَّ المَقصُودَ مِنهُ دَفْعُ شَرِّهِ أَوْ شَرِّ غَيْرِهِ بِزَجَرِهِ
(بموته)، أو بموت الحالف هذا الذي ذكره فيما إذا عقد يمينه مطلقا، أما لو عقده مؤقتًا فلا يحنث قبل مضي ذلك الوقت وإن وقع اليأس بموته أو بفوت المحل؛ لما أن الوقت مانع من الانحلال؛ إذ لو انحل قبل مضي الوقت لم يكن للتوقيت فائدة، كذا في الإيضاح.
قوله: (بكل كل داعر)، والداعر: الخبيث المفسد، ومصدره: الدعارة، وهي من قولهم: عود دعر، أي: كثير الدخان، كذا في المغرب (١).
(فهذا على حال ولايته) أي: يفيد اليمين على حال ولايته، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية؛ (لأن المقصود) أي: غرض المستحلف (دفع شره) أي شر الداعر (أو شر غيره) أي: غير الداعر بسبب زجر الداعر ينزجر غيره عن الدعارة، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولأنه لا يقدر على تأديبه بعد زوال ولايته، والزوال بالموت أو بالعزل في ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف أنه يجب الرفع إليه بعد العزل، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية؛ لأنه معدّ لاحتمال أن يولى ثانيًا فيؤدب الداعر.
وفي الذخيرة: لو علم الحالف دخول الداعر البلد ولم يُعلم المستحلف حال قيام ولايته لا يحنث بمجرد أنه لم يُعلم؛ لأنه جعل شرط الحنث ترك الإعلام، وبالتأخير لا يتحقق الترك ما دام في ولايته، فإذا عُزل أو مات يحنث حينئذ ولا ينفعه إعلام الوالي الثاني الذي جاء بعده؛ لأن يمينه انعقدت على إعلام الأول.
وفي الكافي: وكذا لو حَلَّفَ الوالي رجلان، أو رب الدين غريمه، أو الكفيل بالأمر المكفول عنه أن لا يخرج من البلد إلا بإذنه يتقيد بالخروج حال ولايته، وقيام الدين والكفالة؛ لأن الإذن إنما يصح له ممن له ولاية المنع،
стр. 3829
فَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ بَعدَ زَوَالِ سَلطَنَتِهِ، وَالزَّوَالُ بِالمَوتِ وَكَذَا بِالعَزِلِ إِلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَهَبَ عَبْدَهُ لِفُلان، فَوَهَبَهُ وَلَم يَقبَل، بَرَّ فِي يَمِينِهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُهُ بِالبَيعِ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِثْلُهُ. وَلَنَا: أَنَّهُ عَقدُ تَبَرُّع فَيَتِمُّ بِالمُتَبَرِّعِ، وَلِهَذَا يُقَالُ وُهِبَ
وولاية المنع حال قيام هذه الأشياء.
أما لو قال لامرأته: إن خرجت من هذه الدار، أو قال: إن خرجت امرأته من هذه الدار فعبده حرّ، أو حلف لا يقبل امرأته فخرجت أو قبلها بعدما أبانها حنث؛ لأنه لم يُوجَد دلالة التقييد بحال قيام الزوجية.
قوله: (بَرَّ في يمينه) أي: لم يحنث.
وفي الكافي: حلف لا يهب عبده لفلان فوهبه له ولم يقبل، إن كان الموهوب له غائبًا لم يحنث إجماعًا، وإن كان حاضرًا حنث استحسانًا، وبه قال أحمد، والشافعي في قول بدون القبول، وفي قول: ما لم يقبل ويقبض، وبه قال الشافعي في قول.
وعلى هذا الخلاف الإعارة والصدقة والإقرار والوصية ذكره في جامع البكري.
(فإنه) أي: زفر (يعتبره) أي: عقد الهبة (بالبيع)؛ لأنه عقد الهبة (تمليك مثله) فلا يتم إلا بالقبول، وهذا لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وكمالها بالقبول والقبض.
(ولنا: إنه) أي: عقد الهبة (عقد تبرع) أي: تمليك بلا عوض فيتم بالواهب، والقبول شرط ثبوت الملك.
وفي جامع بكر: اختلف أصحابنا، قال بعضهم: الملك يثبت به قبل القبول، إلا أن بالرد ينتقض دفعًا لضرر المنة.
وقال بعضهم: الملك ثبت به قبل القبول، إلا أن بالرد ينتقض دفعًا لضرر المنة.
وقال بعضهم: لا يثبت بدون القبول؛ لاحتمال أن يكون الموهوب قريبًا محرمًا للموهوب له فيعتق ولا يمكن دفع ضرر المنة فيترتب الثبوت على القبول،
стр. 3830
وَلَم يَقبَل، وَلِأَنَّ المَقْصُودَ إِظْهَارُ السَّمَاحَةِ وَذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ، أَمَّا البَيعُ فَمُعَاوَضَةٌ فَاقْتَضَى الفِعلَ مِنْ الجَانِبَينِ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ رَيحَانًا فَشَمَّ وَرَدًا أَوْ يَاسَمِينًا، لَا يَحنَثُ) لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا لَا سَاقَ لَهُ وَلَهُمَا سَاقٌ (وَلَو حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَنَفْسَجا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَهُوَ
بخلاف البيع والإجارة، والكتابة لأنه تمليك من الجانبين فكان تمامه بهما، وكذا كل عقد فيه بدل، والصدقة والعطية والهدية والنَّحْلَى والعُمرى كالهبة.
وفي الكفاية: وكذا القرض، وفي رواية عن أبي يوسف: قبول المستقرض شرط؛ لأن القرض في حكم المعاوضة.
قوله: (حَلَفَ لَا يَشُمُّ رَيْحَانًا) إلى آخره، في المغرب: الريحان كل ما طاب ريحه من النبات، وعند الفقهاء كل ما لساقه رائحة طيبة كما لورقه؛ كالآس، والورد اسم لما لورقه رائحة طيبة فحسب كالياسمين (١).
وفي الفوائد الظهيرية: حلف لا يشم ريحانًا فشم وردًا أو ياسمينا لا يحنث، وبه قال الشافعي، واعتبار الحقيقة تقتضي الحنث، وبه قال أحمد في رواية؛ لأن الريحان اسم له رائحة طيبة، وفي عُرف أهل العراق: اسم لما لا قيام له على الساق من البقول وله رائحة طيبة، ويستنبت في كل عام كالضميران ونحوه.
وفي المبسوط: كالآس وما أشبهه من الرياحين، أما الياسمين والورد لا يحنث بينهما؛ لأنهما من الأشجار، والريحان اسم لما لا شجر، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ٦ - ١٢] فقد جعل الريحان غير الشجر (٢).
وفي مبسوط بكر: الريحان عندهم لما يكون لساقه رائحة طيبة، والورد لما يكون لورقه رائحة طيبة لا لساقه، والياسمين ليس لساقه رائحة طيبة.
قوله: (بنفسجا) بفتح الباء، هكذا كان مقيدًا تقييد شيخي ذكره في النهاية، فهو على دهنه، وقال الشافعي وأحمد لا يحنث بشراء دهنه اعتبارًا لحقيقة اللفظ.
стр. 3831
عَلَى دُهْنِهِ) اعتبارًا للعُرفِ وَلِهَذَا يُسَمَّى بَائِعُهُ بَائِعَ البَنَفْسَجِ، وَالشَّرَاءُ يَنبَنِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ: فِي عُرْفِنَا يَقَعُ عَلَى الوَرَقِ (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الوَردِ فَاليَمِينُ عَلَى الوَرَقِ) لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَالعُرفُ مُقَرِّرٌ لَهُ، وَفِي البَنَفْسَجِ قَاضٍ عَلَيْهِ.
ولو اشترى ورق البنفسج لم يحنث، خلافًا للشافعي وأحمد، وذكر الكرخي أنه يحنث أيضًا.
وفي المبسوط: هذا شيء يبتني على العُرف، ففي عرف أهل الكوفة في ذلك الوقت بائع الورق لا يسمى بائع البنفسج، وإنما يسمى به بائع الدهن، فبنى الجواب في الكتاب على ذلك.
ثم شاهدَ الكرخي عُرف أهل بغداد أنهم يسمون بائع الورق بائع البنفسج أيضًا فقال: يحنث أيضًا، وهكذا في ديارنا، ولا نقول: إن اللفظ في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجاز، ولكن حقيقة فيهما، ويحنث فيهما باعتبار عموم المجاز، والخيري كالبنفسج.
وأما الورد والحناء، قال: فإني أستحسن أن أجعله على الورق، والورد إذا لم يكن له نية (١).
ومن اشترى دُهنَهُما لم يحنث؛ (لأنه) أي: الورد (حقيقة فيه) أي: في الورق، (والعرف مقرر له) أي: لوقوع اللفظ على الحقيقة، ففي العرف أيضًا يفهم من الورد ورقه فكان مقررًا لحقيقته، (وفي البنفسج قاض) أي: غالب (عليه) أي: على وقوع الحقيقة كما ذكرنا.
وقال مشايخنا: البنفسج والورد يقعان على الورق في عرفنا.
وفي الكافي: الدجاج، والجمل، والإبل، والبعير والجزور، والبقر والبقرة، والبغل والبغلة، والشاة والغنم والحمار والخيل أسماء أجناس فيتناول الذكر والأنثى والتاء للإفراد.
стр. 3832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ألا ترى إلى قوله ﵇: «في خمس من الإبل شاة» (١) فإنه لا يختص بالذكر، وقال قائلهم:
لما مررتُ بِدَيرِ هِندَ أَرَّقنِي … صوتُ الدجاج وضرب بالنواقيس
والصوت إنما يكون للذكر، وتظهر الفائدة في الحلف بأكلها وشرابها.
وعن أبي يوسف أن البقرة لا يتناول الثور؛ لأنها اسم للأنثى قال تعالى: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ [البقرة: ٦٩].
وقلنا: المراد بها الثور، وإنما قال: ﴿صَفْرَاءُ﴾ لظاهر التأنيث، والدجاجة والناقة والحمارة والأتان والرَّمَكَة (٢) للأنثى، والدِّيك والثور والكبش للذكر والبُخْتي (٣) والبرْدَوْن (٤) للعجمي، والبقر لا يتناول الجاموس للعرف.
стр. 3833
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الحُدُودِ
قَالَ: الحَدُّ لُغَة: هُوَ المَنعُ، وَمِنهُ الحَدَّادُ لِلبَوَّابِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: هُوَ العُقُوبَةُ المُقَدَّرَةُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، حَتَّى لَا يُسَمَّى القِصَاصُ حَدًّا، لِأَنَّهُ حَقُّ العَبدِ وَلَا التَّعَزِيرُ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ. وَالمَقصِدُ الأَصْلِيُّ مِنْ شَرعِهِ الإِنزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ العِبَادُ، وَالطَّهَارَةُ
كتاب الحدود
لما ذكر الأيمان وكفَّارتها التي هي دائرة بين العبادة والعقوبة، عقبها بالعقوبات المحضة.
ثم إن محاسن الحدود كثيرة؛ لما فيها من صيانة دار الإسلام (١) عن الفساد، ولهذا كان الحد حق الله؛ لأنه شُرع لمصلحة تعود إلى كافة الناس، ففي حد الزنا صيانة الفُرُش والنسل، وفي حد القذف صيانة عرض المسلم، وفي حد السرقة صيانة الأموال، فهذه كلها مستحقة عقلا وشرعًا.
(الحدود): جمع حد، وهو المنع، ومنه [سُمِّي] (٢) البواب حدادًا؛ لمنعه الناس عن الدخول، واللفظ الجامع المانع حدا؛ لأنه يجمع معنى الشيء ويمنع غيره عن الدخول، وسُمِّيت هذه العقوبة حدودًا؛ لأنها موانع من مباشرة أسبابها.
قوله: (والمقصد الأصلي … ) إلى آخره، أما الظهرة من الذنب لا تحصل بإقامة الحد بل بالتوبة؛ ولهذا يقام الحد على كره منه، فلا يكون محصلا للثواب، فلا تحصل به الطهرة.
قال تعالى في حد قطاع الطريق: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي
стр. 3834
ليست أصلية فِيهِ بِدَلِيلِ شَرعِهِ فِي حَقِّ الكَافِرِ.
الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] فقد وعد المغفرة للتائب.
وعن يزيد بن حصين (١) قال: أُتي النبي ﷺ بسارق فقال: «أسَرَقْتَ؟»، وما إخالُه سرق، فقال: نعم، فقال ﵇: «اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ ثم ائتوني به» ففعلوا ذلك، فقال: «تُبْ إِلَى اللهِ تَعالَى»، فقال: تبت إلى الله، فقال ﵇: «اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» (٢).
فيه دليل أن التطهير لا يحصل بالحد إذا كان مصرًا على ذلك؛ لأنه خزي ونكال، ولهذا يقام على الكافر ولا طهرة، وفيه دليل أن التوبة لا تتم بقوله: تبت؛ فإنه قال: «اللَّهمَّ تُبْ عليه». كذا في المبسوط (٣).
قوله: (الزنا يثبت بالبينة … ) إلى آخره، الزنا: يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد، قال الفرزدق:
أَبَا حَاضِرِ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ … وَمَنْ يَشْرَبِ الْخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرًا (٤)
والخرطوم: الخمر، والمُسَكَّر: بفتح الكاف من التسكير، وهو المخمور. والنسبة إلى المقصور: زِنَوِيٌّ، وفي الممدود: زِنَاوِيٌّ. كذا في الصحاح (٥).
ثم قدم حد الزنا؛ لأنه لصيانة النسل، فكان راجعًا إلى الوجود، وهو الأصل، ثم الزنا من الكبائر بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].
وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله؛ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ» قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: «أن تَقتُلَ ولدك خشية أن يأكل معكَ».
стр. 3835
قَالَ: (الزِّنَا يَثْبُتُ بِالبَيِّنَةِ وَالإِقْرَارِ) وَالمُرَادُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ الإِمَامِ، لِأَنَّ البَيِّنَةَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الإِقْرَارُ لِأَنَّ الصِّدقَ فِيهِ مُرَجَّحٌ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِهِ مَضَرَّةٌ وَمَعَرَّةٌ،
قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: «أن تَرْنِي بِحَليلَةِ جَارِكَ» (١)، فأنزل الله تعالى تصديقا لقوله ﵇: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَيْهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ﴾ [الفرقان: ٦٨]، فأجمع أهل الملل على تحريمه، ويتعلق به الحد.
ثم الزنا شرعًا: إيلاج الفرج في الفرج المُحرَّم قطعًا، المشتهى طبعا إذا انتفت عنه الشبهة.
وفي المحيط (٢): شرط وجوب الحد أن يعلم أن الزنا حرام، وإنما قال: (بالبينة والإقرار)؛ لأنه لا يظهر ثبوته عند القاضي إلا بهذين الوجهين.
لما أن علم القاضي ليس بحجة في الحدود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وبإجماع الصحابة، وأن القياس يقتضي اعتباره، وبه قال أبو ثور، والشافعي في قول (٣)؛ لأن علمه فوق البينة والإقرار.
وإنما قال: (والمراد بثبوته عند الإمام) أي: الحاكم؛ لأن ثبوته بفعلهما حقيقة لا بالبينة؛ لانفكاك ثبوته عن البينة، بأن يكون الشهود في الواقع كَذَبَةَ، أو يقع الزنا ولم يشهد الشهود، ولكن القاضي مأمور بما ظهر عنده، ولذلك ذكر ثبوته عند الإمام.
قوله: (مَعَرَّة)، في المُغرِب: المَعَرَّة: المساءة والأذى (مَفْعَلَةٌ) من العَرّ، وهو الجرب (٤).
وفي الصحاح: والعُرَّةُ: شَيْن، المَعَرَّة: الإثم (٥).
стр. 3836
وَالوُصُولُ إِلَى العِلمِ القَطْعِيِّ مُتَعَذِّرٌ، فَيُكَتَفَى بِالظَّاهِرِ.
قَالَ: (فَالبَيِّنَةُ: أَنْ تَشْهَدَ أَربَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ عَلَى رَجُل أَوْ امْرَأَة بِالزِّنَا) لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وَقَالَ ﵊ لِلَّذِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ، ائتِ بِأَربَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدقِ مَقَالَتِكَ وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الأَربَعَةِ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى السَّترِ وَهُوَ مَندُوبٌ إِلَيْهِ وَالإِشَاعَةُ ضِدُّهُ
وقيل: المشبه، فكان معنى قوله: (مضرة) أي: ضرر ظاهر على البدن (ومعرة) أي ضرر يتصل ببدنه، ويسري إلى باطنه من لحوقه بانتسابه إلى الزنا.
(قوله ﵇ للذي قذف امرأته)، وهو هلال بن أمية: «ائت بأربع يَشْهَدُونَ عَلَى صِدقِ مَقَالَتِكَ، وَإِلَّا فَحَدٌ عَلَى ظهرِكَ» (١).
وقوله: (وفي اشتراط الأربع) تحقيق معنى الشرط احتراز عن قول البعض فإنهم يقولون: إنما اشترط الأربع؛ لأن الزنا لا يتم إلا باثنين، وفعل كل واحد لا يثبت إلا بشهادة شاهدين، ولكن هذا ضعيف؛ لأن بالشهادة كما يثبت فعل الواحد ثبت فعل الاثنين، بل لتحقيق معنى الستر، فإنه تعالى يحب الستر على عباده.
(وهو) أي: الستر (مندوب) قال ﵇: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى» (٢)، وقال ﵇ للذي شهد عنده: «لَوْ ستَرْته بِثَوْبِك فهو أفضل» (٣).
(والإشاعة) أي: إظهار الزنا (ضده) أي: ضد الستر، فلما كان الستر
стр. 3837
(وَإِذَا شَهِدُوا سَأَلَهُم الإِمَامُ عَنْ الزِّنَا، مَا هُوَ، وَكَيْفَ هُوَ، وَأَينَ زَنَى، وَمَتَى زَنَى، وَبِمَنْ زَنَى؟) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ اسْتَمْسَرَ مَاعِزًا عَنِ الكَيْفِيَّةِ وَعَنْ المَزْنِيَةِ، وَلِأَنَّ الاحتياط فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ عَسَاهُ غَيْرُ الفِعْلِ فِي الفَرْجِ عَنَاهُ أَوْ زَنَى فِي دَارِ الحَربِ أَوْ فِي المُتَقَادِمِ مِنْ الزَّمَانِ أَوْ كَانَتْ لَهُ شُبَهَةٌ لَا يَعرِفُهَا هُوَ وَلَا الشُّهُودُ كَوَاءِ جَارِيَةِ الابنِ فَيَستَقصِي فِي ذَلِكَ احتياطا لِلدَّرءِ (فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ وَطِئَهَا فِي فَرِجِهَا
مندوبا فالإشاعة مذموما، وكيف فإن الله تعالى قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآية، ذم المشيعين.
ولهذا لو اختل شيء من شرائط الشهادة، بأن يشهد الأقل من الأربعة، أو شهدوا بالزنا متفرقين في مجالس مختلفة واحدًا بعد واحد فإنهم يُحدُّون حد القذف عندنا، خلافًا للشافعي، أو امتنع البعض من أدائها حُدَّ الشاهد حَدَّ القذف عندنا، خلافًا له. ذكره في الذخيرة (١).
وفي المبسوط (٢): أشار عمر إلى أن اشتراط الأربع لأجل الستر حين شهد عنده أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الأزرق على المغيرة بن شعبة بالزنا، فقال لزياد، وهو الرابع: بم تشهد؟ قال: رأيت أقداما بادية، وأنفاسًا عالية وأمرًا منكرًا.
وفي رواية قال: رأيتهما تحت لحاف واحد ينخفضان ويرتفعان، ويضطربان اضطراب الخيزران.
وفي رواية: رأيت رجلا أقعى وامرأة صرعى، ورجلين مخضوبتين، وإنسانا يجيء ويذهب، ولم أر ما سوى ذلك، فقال عمر ﵁: الله أكبر، الحمد لله الذي لم يفضح واحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ . ففي هذا بيان أن اشتراط الأربع؛ لإبقاء ستر العفة.
قوله: (يسألهم عن الزنا: ما هو؟ … ) إلى آخره، وإنما سألهم عن ماهية
стр. 3838
كَالمِيلِ فِي المُكحُلَةِ، وَسَأَلَ القَاضِي عَنهُم فَعُدِّلُوا فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِم) وَلَم يَكتَفِ بِظَاهِرِ العَدَالَةِ فِي الحُدُودِ احتِيَالًا لِلدَّرءِ، قَالَ ﵊: «ادرَؤُوا الحُدُودَ مَا اسْتَطَعتُم» بِخِلَافِ سَائِرِ الحُقُوقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَتَعدِيلُ السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ نُبَيِّنُهُ فِي الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
الزنا؛ لأن من الناس من يعتقد كل وطء حرام أنه زنا، ولأن الشرع سمى فعل الحرام فيما دون الفرج زنا بقوله ﵇: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْسُ والرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وزِنَاهُمَا المَشْيُ والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِكَ أو يُكَذِّبُه» (١).
والحد لا يجب إلا بالجماع في الفرج، ألا ترى أنه ﵇ استفسر ما عزا إلى أن ذكر الكاف والنون، أراد به قوله:: «نكت» (٢)؛ لأن ذلك صريح في الوطء، وباقيه كناية عنه.
وأما السؤال عن الكيفية؛ فللاحتراز عن تماس الفرجين من غير إيلاج، ألا ترى أنه ﵇ استفسر ماعزّا، وفسر: كالميل في المُكحُلَةِ، والرَّشَإِ في البئر (٣).
وقيل: للاحتراز عن صورة الإكراه، والأول أصح؛ لأنه مختار المبسوط.
وأما السؤال عن المزنية؛ فللاحتراز عن أن يكون له نكاح أو شبهة نكاح مع المفعول بها، وذلك غير معلوم للشهود.
قوله: (فيستقصى) على بناء المجهول؛ لشدة رعاية هذه الشروط.
(ولم يكتفِ) على بناء الفاعل؛ لسبق فعل القاضي.
(أبو حنيفة): لسوق الكلام إليه.
و (المُكْحُلة) بضمتين: وعاء الكحل، والجمع مكاحل، كذا في المغرب (٤).
(بظاهر العدالة) وهو الإسلام.
стр. 3839
قَالَ فِي الأَصل: يَحْبِسُهُ حَتَّى يَسأَلَ عَنْ الشُّهُودِ لِلانْهَامِ بِالجِنَايَةِ، وَقَدْ حَبَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا بِالتُّهمَةِ، بِخِلَافِ الدُّيُونِ حَيثُ لَا يُحبَسُ فِيهَا قَبْلَ ظُهُورِ العَدَالَةِ، وَسَيَأْتِيكَ الفَرْقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَالإِقْرَارُ أَنْ يُقِرَّ البَالِغُ العَاقِلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَربَعَ مَرَّات فِي أَربَعَةِ
مَجَالِسَ مِنْ مَجَالِسِ المُقِرِّ، كَلمَا أَقَرَّ رَدَّهُ القَاضِي) فَاشْتِرَاطُ البُلُوغِ وَالعَقلِ، لِأَنَّ قَولَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ غَيْرُ مُعتَبَر، أَوْ غَيْرُ مُوجِب لِلحَدٌ. وَاشْتِرَاطُ الأَربَعِ مَذْهَبُنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَكتَفِي بِالإِقْرَارِ مَرَّة وَاحِدَة اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الحُقُوقِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُظهِرُ، وتكرار الإقرارِ لَا يُفِيدُ زِيَادَةَ الظُّهُورِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ العَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ.
(قال في الأصل: يحبسه) وهذا لأنه لو خلى سبيله ربما يهرب، فلا يظفر به بعد ذلك، ولا يأخذ الكفيل منه؛ لأن في أخذ الكفيل نوع احتياط، فلا يكون مشروعًا فيما يدرأ بالشبهات.
فإن قيل: الاحتياط في الحبس أظهر.
قلنا: حبسه للتعزير؛ لأنه صار متهما بارتكاب الفاحشة، وإليه أشار المصنف بقوله: (للاتهام بالجناية).
قوله: (وعند الشافعي (١) يكتفي بالإقرار مرة) وبه قال مالك (٢)؛ لما روي أنه ﵇ قال لأنيس: «اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذا؛ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٣)، علق الرجم بمطلق الاعتراف، ورجم الغامدية بإقرارها مرة.
وقال أصحاب الشافعي: إنه ﵇ ارتاب في أمر ماعز فاستثبته ليعرف أن به جنونًا أو شرب خمرًا أم لا؟ وإلا فيكفي الإقرار مرة؛ لما ذكرنا من الحديث، ولأن الإقرار حجة بنفسه، فلا يشترط التكرار كما في سائر الحقوق.
والاعتبار بالشهادة باطل؛ لأن شهادة الشاهد الثاني تفيد طمأنينة القلب زيادة على ما أفاده الأول، وبتكرار الإقرار لا يثبت شيء زائد فلا يعتبر، وهذا
стр. 3840
وَلَنَا: حَدِيثُ مَاعِز «فَإِنَّهُ ﵊ أَخَّرَ الإِقَامَةَ
لأنه إن وقع كذبًا فلا ينقلب صدقا بحال، وإن وقع صدقًا فلا يزداد الصدق في نفسه.
(ولنا: حديث ماعز) وهو مشهور، فلما أقر أربعًا قال ﵇: «الآن أقَرَرْتَ أربعًا» (١)، وجه الاستدلال به أنه ﵇ أعرض عنه في المرة الأولى، ولو ثبت الحد بالإقرار مرة لما حلّ له الإعراض عنه، ولم يؤخره إلى الرابعة؛ لأن الحُجَّة إذا قامت لا يحل للإمام التأخير؛ لقوله ﵇: «لا يَنبَغِي لوال يثبتُ عنده حدٌ مِنْ حُدودِ اللهِ تَعَالَى إِلّا أن يُقيمه» (٢)، ولأنه قال في بعض الروايات: «اِتَّقِ الرّابعةَ، إنها مُوجِبَةٌ» فدل أنه لا وجوب قبلها.
وعن أبي يزيد: كنا نتحدث في أصحاب رسول الله أن ماعزا لو قعد في بيته بعد المرة الثالثة ولم يُقِرَّ لم يرجمه رسول الله، فدل أن الحكم كان معروفًا عندهم.
فإن قيل: لو لم يجب الحد بالإقرار مرة ينبغي أن يجب العقر؛ لاعترافه بوطء حرام لا يوجب الحد، وإذا وجب العقر لا يجب الحد بعد ذلك؛ لما أنهما لا يجتمعان في وطء واحد.
قلنا: إن الإقرار أربعًا لما اعتبر أربعًا لإثبات الزنا لم يتعلق وجوب المهر بالإقرار مرة، بل يتوقف الحكم، فإن تمت الحجة وجب الحد. ذكره في الإيضاح.
ولهذا لم يوجب النبي ﵇ العقر على ماعز بإقراره مرة أو مرتين مع أنه ﵇ تكلّف في درء الحد عنه.
والمراد بقوله ﵇ في حديث أنيس: «فإنِ اعْترَفَتْ فارجُمْها» الاعتراف المعروف، وهو أربع مرات.
стр. 3841
إلَى أَنْ تَمَّ الإِقْرَارُ مِنهُ أَربَعَ مَرَّات فِي أَربَعَةِ مَجَالِسَ» فَلَو ظَهَرَ بِمَا دُونَهَا لَمَا أَخَّرَهَا لِثُبُوتِ الوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ اختَصَّت فِيهِ بِزِيَادَةِ العَدَدِ، فَكَذَا الإِقْرَارُ إعظاما لِأَمْرِ الزِّنَا وَتَحقِيقا لِمَعنَى السَّترِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافِ المَجَالِسِ لِمَا رَوَينَا، وَلِأَنَّ لاتِّحَادِ المَجْلِسِ أَثَرًا فِي جَمعِ المُتَفَرِّقَاتِ؛
وأما الغامدية اعترفت وحلفت أنها حبلى من الزنا، ثم أخرها ﵇ إلى أن تلد فلما ولدت حلفت قالت: هذا قد ولدت ثم أخرها حتى يستغني، ثم جاءت به فرجمت، فهذا بمنزلة الإقرار أربع مرات، أو لا يحتاج إلى الأربع مع وجود الحبل، فقد روي عن عمر أنه قال: الرجم في كتاب الله إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف (١)، كذا قيل.
وأما قولهم: إنه ﵇ ارتاب في أمر ماعز إلى آخره، فليس كذلك؛ لأنه لو كان لإيلاء العذر تعلق الأمر بثلاث لا بأربع، ذكره في الأسرار.
والدليل عليه ما روي أن أبا بكر ﵁ قال لماعز لما أقر ثلاثا: «إن أقرَرْتَ الرابعةَ رُحِمْتَ»، فثبت أن هذا العدد كان ثابتا عندهم.
وأما اعتبار هذا الحق بسائر الحقوق باطل، فقد ظهر فيه من التغليظ ما لم يظهر في غيره، وشرط إحدى الحجتين ما لم يشترط في غيره؛ تعظيما لأمر الزنا وتحقيقا لمعنى الستر، واحتيالا للدرء. ذكره في المبسوط (٢).
قوله: (ولا بد من اختلاف المجالس) أي: في الإقرار لا بد من اختلاف المجالس للمقر، خلافًا لأحمد وابن أبي ليلى، فهما يعتبران الإقرار بالشهادة، وعدد الأربع شرط في الشهادة دون اختلاف المجالس، فكذا في الإقرار، ولنا ما روي أنه ﵇ طرد ماعزًا في كل مرة حتى توارى بحيطان المدينة ثم رجع.
قوله: (لما روينا إليه إشارة إلى قوله: إلى أن تم الإقرار منه أربع مرات في أربعة مجالس).
стр. 3842
فَعِندَهُ: يَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الاتِّحَادِ فِي الإِقْرَارِ، وَالإِقْرَارُ قَائِمٌ بِالْمُقِرِّ فَيُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ مَجْلِسِهِ دُونَ مَجْلِسِ القَاضِي. وَالاخْتِلَافُ بِأَنْ يَرُدَّهُ القَاضِي كُلَّمَا أَقَرَّ فَيَذْهَبَ حَيثُ لَا يَرَاهُ ثُمَّ يَجِيءَ فَيُقِرَّ، هُوَ المَروِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ﵊ طَرَدَ مَاعِزًا فِي كُلِّ مَرَّة حَتَّى تَوَارَى بِحِيطَانِ المَدِينَةِ.
قَالَ: (فَإِذَا تَمَّ إِقْرَارُهُ أَربَعَ مَرَّات سَأَلَهُ عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ وَأَينَ زَنَى وَبِمَنْ زَنَى؟ فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الحَدُّ) لِتَمَامِ الحُجَّةِ، وَمَعَنَى السُّؤَالِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَيَّنَّاهُ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَم يَذكُر السُّؤَالَ فِيهِ عَنْ الزَّمَانِ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ تَقَادُمَ العَهْدِ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ دُونَ الإِقْرَارِ. وَقِيلَ: لَو سَأَلَهُ جَازَ لِجَوَازِ أَنَّهُ زَنَى فِي صِبَاهُ (فَإِنْ رَجَعَ المُقِرُّ عَنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ إِقَامَةِ الحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ، قُبِلَ رُجُوعُهُ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - وَهُوَ قَولُ ابنِ أَبِي لَيْلَى -: يُقِيمُ عَلَيْهِ الحَدَّ لِأَنَّهُ وَجَبَ الحَدُّ، بِإِقْرَارِهِ، فَلَا
(فعنده) أي: فعند اتحاد المجلس (تتحقق شبهة اتحاد الإقرار).
قوله: (فيعتبر اتحاد مجلسه) أي: مجلس المقر، وفي بعض النسخ: (اختلاف مجلسه) أن يعتبر اختلاف مجلسه في الاتحاد والاختلاف.
قوله: (والاختلاف أن يرده القاضي).
وفي الإيضاح: وينبغي للإمام أن يزجره عن الإقرار، ويظهر الكراهية له، ويأمر بتنحيته؛ لما روي أنه ﵇ طرد ماعزا كما ذكرنا، وعن عمر أنه قال: اطردوا المعترفين، يعني في الزنا.
قوله: (وقال الشافعي … ) إلى آخره، كذا وقع في نسخ أصحابنا، ولكن صرح في كتب أصحاب الشافعي أنه لو أقر على نفسه بالزنا ثم رجع يسقط عنه الحد، وكذا لو رجع عن إقراره بعدما أقيم بعض الحد يترك الباقي مثل قولنا، وعن أحمد مثل قولنا.
وعن مالك في قبول الرجوع روايتان، وعن مالك أنه قال: إن ذكر لإقراره
تأويلا بأن قال: حسبت المفاخذة زنا، ولا يقبل الرجوع مطلقا.
ثم اختلاف المجلس في الشهادة يمنع قبول الشهادة في الزنا، وبه قال مالك وأحمد والأوزاعي والحسن بن صالح، حتى إذا شهدوا بالزنا متفرقين يُحدّون حد القذف إذا كان.
стр. 3843
يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ وَإِنكَارِهِ كَمَا إِذَا وَجَبَ بِالشَّهَادَةِ وَصَارَ كَالقِصَاصِ وَحَدٌ القَدْفِ. وَلَنَا: أَنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدِقِ كَالإِقْرَارِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ فَتَتَحَقَّقُ الشُّبْهَةُ فِي الإِقْرَارِ. بِخِلَافِ مَا فِيهِ حَقُّ العَبدِ، وَهُوَ القِصَاصُ وَحَدُّ القَدْفِ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، وَلَا كَذَلِكَ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ الشَّرعِ (وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَ المُقِرَّ الرُّجُوعَ فَيَقُولَ لَهُ: لَعَلَّكَ لَمَست، أَوْ قَبَّلت) لِقَولِهِ ﵊ لِمَاعِز: «لَعَلَّكَ لَمَستَهَا أَوْ قَبَّلتها» قَالَ فِي الأصلِ: وَيَنبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ الإِمَامُ: لَعَلَّكَ تَزَوَّجتهَا أَوْ وَطِئتها بِشُبهة، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الأَوَّلِ فِي المَعْنَى.
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الحَدِّ وَإِقَامَتِهِ
وقال الشافعي، وعثمان البنّي: لا يحدون حد القذف إذا كان الزنا واحدًا، فلا يشترط اتحاد المجلس، وحد اتحاده ما دام الحاكم جالسًا، للشافعي أن النص شرط الأربع مطلقا فلا يقيد باتحاد المجلس كسائر الشهادات.
ولنا قول عمر ﵁: لو جاؤوا مثل ربيعة ومضر فرادى لجلدتهم، ولأن قول الواحد لما لم يصر حجة قبل قول غيره، وقع قذفًا وكذا الثاني والثالث فلا تنقلب شهادة.
أما لو جاؤوا جملة وشهدوا واحدًا بعد واحد متفرقين تقبل؛ لأنه لا يمكن أداء الشهادة جملة واحدة، ولو الزوج معهم وهو أحدهم يقبل عندنا، خلافًا للشافعي، له أن فيه تهمة.
ولنا: أن له ضررًا في هذه الشهادة؛ لأنه يُعَيَّر بزنا امرأته، فكان أبعد عن التهمة، كشهادة الوالد على ولده.
قوله: (قريب من الأول في المعنى) أي: قوله: (لعلك تزوجتها) قريب إلى قوله: «لعَلَّكَ مَسَسْتَها أَوْ قَبَّلَتَها» في المعنى من حيث إن كل واحد منهما تلقين للرجوع.
فصل في كيفية الحد وإقامته
ذكر هذا الفصل بعد وجوب الحد؛ لما أن إقامته وكيفيته مرتب على نفس الحد في الوجوب.
стр. 3844
(وَإِذَا وَجَبَ الحَدُّ وَكَانَ الزَّانِي مُحصَنًا رَجَمَهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ) لِأَنَّهُ ﵊ رَجَمَ مَاعِزًا وَقَدْ أُحصِنَ. وَقَالَ فِي الحَدِيثِ المَعْرُوفِ: «وَزَنَى بَعدَ إحصان» وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ: (وَيُخْرِجُهُ إِلَى أَرْضِ فَضَاءِ، وَيَبْتَدِئُ الشُّهُودُ بِرَجِمِهِ، ثُمَّ الإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ) كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ ﵁، وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَتَجَاسَرُ عَلَى الأَدَاءِ ثُمَّ يَستَعظِمُ المُبَاشَرَةَ فَيَرجِعُ فَكَانَ فِي بُدَاءَتِهِ احْتِيَالُ لِلدَّرءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُشْتَرَطُ بُدَاءَتُهُ اعْتِبَارًا بِالجَلدِ. قُلْنَا: كُلُّ أَحَد لَا يُحْسِنُ الجَلدَ فَرُبَّمَا يَقَعُ مُهْلِكًا وَالإِهْلَاكُ غَيْرُ مُستَحَقٌ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّحِمُ لِأَنَّهُ إِبْلَافٌ.
قوله: (في الحديث المعروف)، وهو قوله ﵇: «لَا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى معانٍ ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بِغَيرِ حق» (١) وهو حديث مشهور، ورجم الغامدية أيضًا متفق عليه، وعلى هذا إجماع الصحابة.
والخوارج ينكرون الرجم فإنهم ينكرون الأخبار إذا لم تكن في حيز التواتر.
وقلنا: الأحاديث فيه مشهورة ومتفق على صحتها، فصار شبيه التواتر، خصوصا إذا تأيدت بإجماع الصحابة.
قوله: (قَدْ يَتَجَاسَرُ)؛ أي يجترئ على أداء الشهادة كاذبًا، ثم إذا آل الأمر إلى القتل يمتنع منه.
(فكان في بداءته احتيال للدرء)، وقد أمرنا به، وقال الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف في رواية: لا يشترط بداية الشهود، ولكن يستحب حضورهم وبدايتهم في الرمي، وكذا لو ثبت الزنا بالإقرار.
ولا يشترط حضور الإمام ولا نائبه عندهم، ولكن يستحب؛ لما روى أنه ﵇ أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر، وقياسًا على الجلد.
وقلنا: الشاهد ربما لا يحسن الجلد فيقع مهلكا، والحد للتأديب لا للإهلاك، وفي الرجم الإهلاك مستحق.
стр. 3845
(فَإِنْ امْتَنَعَ الشُّهُودُ مِنْ الابْتِدَاءِ سَقَطَ الحَدُّ) لِأَنَّهُ دَلَالَةُ الرُّجُوعِ، وَكَذَا إِذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِفَوَاتِ الشَّرطِ وَإِنْ كَانَ مُقِيًّا ابْتَدَأَ الإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ كَذَا
قوله: (فإن امتنع الشهود من الابتداء) أو بعضهم أو غابوا أو ماتوا، أو صار فيهم أعمى أو أخرس، أو ارتدوا، أو قذف بحد (سقط الحد) أي: الرجم عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف في رواية؛ لأن البداية شرط بالأثر، فإذا فاتت البداية تعذر البناء.
وقوله: (في ظاهر الرواية)؛ احتراز عما روي عن أبي يوسف أنه لا يسقط كما ذكرنا، أما لو كان الشهود أو بعضهم مقطوع اليدين أو مرضى لا يستطيعون الرمي وحضروا وفى القاضي، ولو قطعت بعد الشهادة امتنعت الإقامة. ذكره في الذخيرة.
ولو غاب واحد منهم لم يرجم حتى يحضروا كلهم. ذكره في الذخيرة.
وفي المبسوط (١): إذا امتنع الشهود يسقط الرجم، ولكن لا يقام الحد على الشهود؛ لأنهم ثابتون على الشهادة، وإنما امتنع بعضهم عن مباشرة القتل، وذلك لا يكون رجوعًا عن الشهادة، فإن الإنسان قد يمتنع عن القتل بحق.
ويستحب للإمام أن يأمر طائفة، أي: جماعة من المسلمين أن يحضروا لإقامة الحد، واختُلِفَ في عدد الطائفة؛ عن ابن عباس: واحد، وبه قال أحمد.
قال عطاء وإسحاق: اثنان، وقال الزهري: ثلاثة.
وقال الحسن البصري: عشرة، وعن الشافعي ومالك: أربعة (٢).
وفي الإيضاح (٣): لا بأس لكل من رمى أن يتعمد قتله؛ لأنه المقصود من الرجم إلا إذا كان ذا رحم محرم من المرجوم فإنه لا يستحب أن يتعمد قتله، وقد روي عن حنظلة بن عامر أنه استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه، وكان كافرا، فمنعه من ذلك، وقال: «دَعْهُ يَكفِيكَ غيرُكَ» (٤)، ولأنه مأمور بصلة الرحم، فلا يجوز القطع من غير حاجة.
стр. 3846
رُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ ﵁. «وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَامِدِيَّةَ بِحَصَاهُ مِثْلِ الحِمَّصَةِ وَكَانَت قَدْ اعْتَرَفَت بِالزِّنَا» (وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِقَولِهِ ﵊ فِي مَاعِز: «اصْنَعُوا بِهِ كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوتَاكُم وَلِأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقِّ فَلَا يَسْقُطُ الغُسلُ كَالمَقْتُولِ قِصَاصًا وَصَلَّى النَّبِيُّ ﵊ عَلَى الغَامِدِيَّةِ بَعْدَمَا رُجِمَت» (وَإِنْ لَم يَكُنْ مُحصَنًا وَكَانَ حُرًّا، فَحَدُّهُ مِائَةُ جَلدَة) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ
والغامدية: امرأة من غامد حي من الأزد، وفي حديثها: «لَقَدْ تابَتْ توبةً لَوْ تابها صاحبُ مُكْسِ الغُفِرَ له» (١) يعني المكاس، وهو العشار، والمكس ما أخذه.
قوله ﵇ لماعز: «اصْنَعوا … »، يعني حين سئل عن غسل ماعز وكفنه والصلاة عليه، قال ﵇: «اصْنَعوا به ما تَصْنَعُونَ بمَوْتَاكُم، فلقد تاب توبةً لو قُسِّمَتْ على أهلِ الحِجازِ الوَسِعَتْهم، ولقد رأيتُهُ يَنعَمِسُ في أنهار الجنة» (٢).
وعن مالك: لا يصلّى على المرجوم، ولكن ذكر في الجواهر: غُسل وصلي عليه (٣).
الجلد: ضرب الجلد. ثمرة السوط: عقد أطرافه. ذكره في الصحاح (٤).
وقيل: مستعار من واحدة ثمر الشجر، وهي عزبتُه وذَنَبُه وطَرَفُه، وهو الأصح؛ لما ذكر الطحاوي أن عليا جلد الوليد بسوط له طرفان، وفي رواية: له ذنبان أربعين جلدة، فكانت الضربة ضربتين. كذا في المغرب (٥).
وفي الإيضاح (٦) دليل عليه، قال: وينبغي ألا يضرب بسوط له ثمرة إذا
стр. 3847
مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: ٢] إِلَّا أَنَّهُ انْتَسَخَ فِي حَقِّ المُحصَنِ فَبَقِيَ فِي حَقٌّ غَيْرِهِ مَعْمُولًا به.
قَالَ: يَأْمُرُ الإِمَامُ بِضَرِبِهِ بِسَوط لَا ثَمَرَةَ لَهُ ضَربًا مُتَوَسِّطًا لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الحَدَّ كَسَرَ ثَمَرَتَهُ.
وَالمُتَوَسِّطُ بَينَ المُبَرِّحِ وَغَيْرِ المُؤلِمِ لِإِفضَاءِ الأَوَّلِ إِلَى الهَلَاكِ، وَخُلُو الثَّانِي عَنِ المَقْصُودِ وَهُوَ الإِنزِجَارُ (وَتُنزَعُ عَنهُ ثِيَابُهُ) مَعْنَاهُ دُونَ الْإِزَارِ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّجْرِيدِ فِي الحُدُودِ، وَلِأَنَّ التَّجْرِيدَ أَبْلَغُ فِي إِيصَالِ الأَلَمِ إِلَيْهِ. وَهَذَا الحَدُّ مَبْنَاهُ عَلَى الشِّدَّةِ فِي الضَّربِ، وَفِي نَرْعِ الإِزَارِ كَشفُ العَورَةِ فَيَتَوَفَّاهُ (وَيُفَرَّقُ الضَّرِبُ عَلَى أَعضَائِهِ) لِأَنَّ الجَمعَ فِي عُضو وَاحِد قَدْ يُفضِي إِلَى التَّلَفِ، وَالحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتَلِفٌ.
ضرب بها تصير كل ضربة ضربتين، ولكن المشهور في الكتب: لا ثمرة له: لا عقدة عليه.
وفي الصحاح (١): برح الحمى وغيرها: شدة الأذى، يقال: برح به الأمر تبريحا، وضربه ضربا مبرحا.
قوله: (وهذا الحد) أي: حد الزنا (مبناه على الشدة) وتحرز به عن حد القذف، فإن القاذف يضرب وعليه ثيابه، ولكن ينزع عنه الفرو والحشو لأن التجريد زيادة إيلام، ولا يبالغ في إيلام القاذف، على ما يجيء في فصل التعزير. كذا في جامع فخر الإسلام، وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد: لا ينزع بل يترك عليه قميص أو قميصان؛ لأن الأمر بالجلد لا يقتضي التجريد.
قوله: (ويفرق الضرب على أعضائه).
وفي المبسوط (٢): نال اللذة كل عضو فيعطى لكل عضو حظ من الضرب، عن علي ﵁ أنه قال للجلاد: أعط كل عضو حقه.
وعن مالك: (٣): يخص الضرب على الظهر وما يليه، وروى ابن سماعة عن محمد في التعزير أنه يضرب الظهر بغير خلاف، وفي الحدود يضرب
стр. 3848
قَالَ: (إِلَّا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَفَرجَهُ) لِقَولِهِ ﵊ لِلَّذِي أَمَرَهُ بِضَرِبِ الحَدِّ: «اتَّقِ الوَجْهَ وَالمَذَاكِيرَ» وَلِأَنَّ الفَرجَ مَقتَلُ وَالرَّأسَ مَجمَعُ الحَوَاسُ، وَكَذَا الوَجهُ وَهُوَ مَجْمَعُ المَحَاسِنِ أَيضًا، فَلَا يُؤْمَنُ فَوَاتُ شَيْءٍ مِنهَا بِالضَّرِبِ وَذَلِكَ إهلاك مَعنى فَلَا يُشْرَعُ حَدًّا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَضْرِبُ الرَّأْسَ أَيضا رَجَعَ (*) إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَضْرِبُ سَوطًا لِقَولِ أَبِي بَكر: اضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا. قُلْنَا: تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِيمَن أُبِيحَ قَتْلُهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَرَدَ فِي حَربِيٌّ كَانَ مِنْ دُعَاةِ الكَفَرَةِ، وَالإِهْلَاكُ فِيهِ مُسْتَحَقُّ (وَيُصْرَبُ فِي الحُدُودِ كُلِّهَا قَائِمًا غَيْرَ مَمْدُود) لِقَولِ عَلِيٌّ ﵁: يُصْرَبُ الرِّجَالُ فِي الحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءُ قُعُودًا، وَلِأَنَّ مَبَنَى إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَى التَّسْهِيرِ وَالقِيَامُ أَبْلَغُ فِيهِ.
الأعضاء، وقال الحسن بن صالح: يضرب في التعزير أيضًا الأعضاء كلها إلا الوجه والمذاكير، ولا خلاف في إبقاء الوجه والفرج.
والمذاكير: جمع الذكر الذي هو العضو المعين وما حوله، كقولهم: شابت مفارق رأسه. كذا في الصحاح (١) والمغرب (٢).
وما ذكر في الكافي (٣) والمنظومة والشافعي يخص الظهر، خلاف روايات كتبه المشهورة، ولهذا قال في شرح المجمع: تركت ذكر الخلاف.
قوله: (رجع إليه) أي: قال أبو يوسف أولا: لا يضرب الرأس، ثم رجع وقال: يضرب الرأس، وبه قال الشافعي في أظهر الوجهين.
وفي الإيضاح (٤): ويضرب الرأس عنده؛ لأن ضربه سوطا أو سوطين لا يخشى منه الفساد، ولنا قول عمر للجلاد: إياك أن تضرب الرأس والفرج. وعن أبي يوسف: يتقي الوجه والبطن والصدر والفرج. ذكره في الذخيرة (٥).
قوله: (قيامًا جمع قائم وقعودًا) جمع قاعد.
стр. 3849
ثُمَّ قَولُهُ: غَيْرَ مَمْدُود، فَقَد قِيلَ: المَدُّ أَنْ يُلقَى عَلَى الْأَرْضِ وَيُمَدَّ كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا، وَقِيلَ: أَنْ يَمُدَّ السَّوطَ فَيَرفَعَهُ الضَّارِبُ فَوقَ رَأْسِهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَمُدَّهُ بَعدَ الضَّربِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يُفْعَلُ، لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى المُستَحَقِّ وَإِنْ كَانَ عَبدًا جَلَدَهُ خَمْسِينَ جَلدَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] نَزَلَت فِي الإِمَاءِ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنقِصُ لِلنِّعْمَةِ فَيَكُونُ مُنقِصًا لِلعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الجِنَايَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ النِّعَمِ أَفحَشُ فَيَكُونُ أَدعَى إِلَى التَّعْلِيظِ (وَالرَّجُلُ وَالمَرأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ)، لِأَنَّ النُّصُوصَ تَسْمَلُهُمَا (غَيْرَ أَنَّ المَرأَةَ لَا يُنزَعُ مِنْ ثِيَابِهَا إِلَّا الفَروُ وَالحَسْوُ) لِأَنَّ فِي تَجْرِيدِهَا كَشِفُ العَورَةِ وَالفَروُ وَالحَشْوُ يَمْنَعَانِ وُصُولَ الأَلَمِ إِلَى المَضْرُوبِ،
(قوله: غير ممدود)، وفي جامع قاضي [خان] (١) قال: بعضهم أراد به ألا يمد بين العقابين؛ لأنه بدعة، ولا يربط ولا يمسك، بل يترك قائما، إلا أن يعجزهم، فحينئذ يربط ويمسك.
وعند مالك يضرب جالسًا، كالمرأة، ولكن غير ممدود، ثم في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] عرف حكم العبد من الأمة على خلاف عامة المواضع، فإن حكم النساء يعرف تبعًا للرجال، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وغيره من قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَعَاتُوا الزَّكَاة﴾ [المزمل: ٢٠] لما أن غلبة السفاح فيهن دون العبيد، وإليه الإشارة في تقديم الزانية على الزاني بخلاف تقديم السارق على السارقة في الآيتين، أو نقول: يثبت الحكم في حق العبيد بالدلالة.
ثم المراد من العذاب الجلد؛ لأن الرجم لا ينتصف؛ لأن الجناية عند توفير النعمة أفحش، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَنِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وقال ﵇: «وَيلٌ للجاهِلِ مرَّةً، وللعالِمِ سَبْعِينَ» (٢) وقيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
стр. 3850
وَالسَّتْرُ حَاصِلٌ بِدُونِهِمَا فَيُنزَعَانِ (وَتُصْرَبُ جَالِسَة) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (وَإِنْ حُفِرَ لَهَا فِي الرَّحِمِ جَازَ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ حَفَرَ لِلغَامِدِيَّةِ إِلَى تُندُوَتِهَا، وَحَفَرَ عَلِيٌّ ﵁ لِشُرَاحَةَ الهَمدَانِيَّةِ وَإِنْ تَرَكَ لَا يَضُرُّهُ لِأَنَّهُ ﵊ لَم يَأْمُر بِذَلِكَ وَهِيَ مَستُورَةٌ بِثِيَابِهَا، وَالحَفْرُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَيُحْفَرُ إِلَى الصَّدِرِ لِمَا رَوَينَا (وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ مَا حَفَرَهُ لِمَاعِزْ، وَلِأَنَّ مَبَنَى الإِقَامَةِ عَلَى التَّسْهِيرِ فِي الرِّجَالِ، وَالرَّبطُ وَالإِمْسَاكُ غَيْرُ مَشرُوع (وَلَا يُقِيمُ المَولَى الحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إِلَّا بِإِذْنِ الإِمَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ، لِأَنَّ لَهُ وِلَايَة مُطلَقَة.
قوله: (لما روينا) إشارة إلى حديث علي: والنساء قعودًا.
الثَّنْدُوة - بفتح الأول والواو، وبالضم والهمز مكان الواو، والدال في الحالتين مضمومة -: ثدي الرجل، أو لحم الثديين. كذا في المغرب (١).
والهَمْدَانِيَّة: بسكون الميم، هكذا نُقل.
(لما روينا) أي: من حديث الشَّنْدُوة. رواه أبو داود (٢).
ولا يقام الحد في المسجد، وفيه إجماع الفقهاء، إلا ما روي عن مالك أنه قال: لا بأس بالتأديب في المسجد خمس أشواط.
قال أبو يوسف: أقام ابن أبي ليلى الحد في المسجد، فخطأه أبو حنيفة؛ لما روي أنه ﵇ قال: «جَنِّبُوا صِبيانَكُم مَساجِدَكُم ومجانينكم، ورفع أصْواتِكُم، وشراءكم وبَيْعَكم، وإقامَةَ حدودِكُم، وجَمِّروها في جُمَعِكُمْ، وَضَعوا على أبوابها المطاهر» (٣)، ولأنه لا يؤمن من خروج النجاسة من المحدود، فنُزِّهَ عنه.
قوله: (وقال الشافعي: له أن يقيمه) أي: للمولى أن يقيم الحد على مملوكه، وبه قال أحمد ومالك، وعن مالك: لا يجوز أن يتولى المولى إقامة
стр. 3851
عَلَيْهِ كَالإِمَامِ، بَلْ أَولَى لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الإِمَامُ فَصَارَ كَالتَّعْزِيرِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «أَربَعٌ إِلَى الوُلَاةِ وَذَكَرَ مِنهَا الحُدُودَ».
الحد في الأمة المزوجة، وفي العبد يتولى بكل حال، وعندهم يجوز للإمام أيضًا.
ولأصحاب الشافعي في الأولى وجهان: أحدهما: السيد أولى؛ لغرض استصلاح ملكه، وأظهرهما أن الإمام أولى؛ لولايته العامة، وليخرج عن الخلاف، وهذا فيما إذا عاين سببه من العبد أو أقر به عنده، أما لو ثبت بالبينة فله فيه قولان، وفي حديث القذف والقصاص له وجهان، ولو كان المولى ذميا أو مكاتباً أو امرأة فليس له ولاية إقامة الحد عليه عنده؛ لعدم صلاحيتهم الإقامة؛ لعدم جواز تقلد القضاء والإمامة.
احتج الشافعي بما روي أنه ﵇ قال: «إذا زنَتْ أمةُ أحدكم فتبينَ زناها فَلْيَجلِدُها وَلَا يُثرِّب عليها، ثمّ إذا زَنَتْ فتبين زناها فَلْيَبِعْها» (١) وبقوله ﵇: «أقِيمُوا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٢).
ومعنى قوله: «لا يُثرب عليها» قيل: لا يُوَبِّحْها ولا يُعيّرها، وقيل: لا يبالغ في جلدها بحيث يدميها، ولأن في إقامة الحد للسيد لا ينقص قيمة العبد بظهور زناه؛ لأنها أستر، فصار كالتعزير، ولأن ولاية السيد أقوى من ولاية الإمام، حتى ملك فيه تصرفات لا يملكها الإمام، ألا ترى أن المولى يملك تزويجه دون الولي بالقرابة؛ لأن ولاية الملك فوق ولاية القرابة، وولاية القرابة فوق ولاية السلطنة، ولأن السلطان لا يُزوّج إلا بعد فقد القريب، فعلم أن ولاية الملك فوق ولاية السلطنة.
ولنا؛ ما روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير موقوفًا ومرفوعًا أنه ﵇ قال: «أربع إلى الولاة: الحدود والصدقات والجُمُعاتُ
стр. 3852
وَلِأَنَّ الحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ المَقصِدَ مِنهَا إخلاءُ العَالَمِ عَنْ الفَسَادِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ العَبدِ فَيَستَوفِيهِ مَنْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الشَّرعِ، وَهُوَ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، بِخِلَافِ التعزيرِ، لِأَنَّهُ حَقُّ العَبدِ وَلِهَذَا يُعَزِّرُ الصَّبِيُّ، وَحَقُّ الشَّرِعِ مَوضُوعٌ عَنهُ.
قَالَ: (وَإِحْصَانُ الرَّجم: أَنْ يَكُونَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغُا مُسلِمًا، قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَة
وَالفيء» (١) ولأن الحد حق الله تعالى؛ إذ الغرض منه إخلاء العالم عن الفساد؛ ليتحقق محكومه إلى يوم التناد، ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد، فتكون الولاية مستحقة بالنيابة، والسلطان نائبه، أما المولى فولايته بالملك لا يصلح نائبا عنه تعالى.
بخلاف التعزير؛ لأنه من حقوق الملك، والغرض منه التثقيف والتأديب، وذلك سبب زيادة ماليته فيرجع نفعه إليه، فكان حقا له، فكان بسبيل منه، ولهذا كان المولى مقدمًا على الإمام فيما يثبت الولاية له بسبب الملك، كالتزويج.
وللإمام إقامة الحد شاء السيد أو أبى دل أنه لا يثبت له ولاية إقامته، وكيف يثبت له وهو عين مملوك له؟ ومن ذلك الوجه لا يجب الحد، بل إنما يجب باعتبار الآدمية؛ لأن العبد في حق الحدود يبقى على أصل الحرية، حتى يصح إقراره بالحدود ولا يصح إقرار سيده عليه، فكان سيده عليه فيها كسائر الأجانب، كما في طلاق زوجته.
وأما قوله ﵇: «أقِيمُوا الحُدود» (٢) خطاب للولاة، كقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، وفائدة تخصيص المماليك ألا تحملهم الشفقة على ملكهم على الامتناع عن إقامة الحد عليهم، أو المراد: التسبيب والمرافعة إلى الإمام، وقد يضاف الشيء إلى المباشر تارة، وإلى المسبب أخرى، والظاهر هذا؛ لأنه خاطب كل الموالي بذلك، وكل الموالي لا يملكون المباشرة بالإجماع، أو المراد بقوله ﵇: «فَلْيَجْلِدْها» أي: يكون سبب جلدها بالمرافعة إلى الإمام.
قوله: (وإحصان الرجم) قيد به؛ احترازًا عن إحصان القذف، فإنه غير هذا، على ما يجيء.
стр. 3853
نِكَاحًا صَحِيحًا، وَدَخَلَ بِهَا، وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الإِحْصَانِ) فَالعَقْلُ وَالبُلُوغُ شَرط لِأَهْلِيَّةِ العُقُوبَةِ إِذْ لَا خِطَابَ دُونَهُمَا، وَمَا وَرَاءَهُمَا يُشتَرَطُ لِتَكَامُلِ الجِنَايَةِ بِوَاسِطَةِ تَكَامُلِ النِّعْمَةِ، إذ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ يَتَغَلَّظُ عِنْدَ تَكَثُرِهَا،
والإحصان والتحصين في اللغة المنع، قال تعالى: ﴿لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿فِي قُرَى تُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤] وقيل: الأصل الدخول في الحصن.
وورد في الشرع بمعنى الإسلام، وبمعنى العقل، وبمعنى الحرية، وبمعنى التزويج، وبمعنى الإصابة في النكاح، ويقال: أحصنت المرأة: إذا عفت، وأحصنها زوجها، وأحصن الرجل: تزوج.
وفي المبسوط (١): قال المتقدمون شرائط إحصان الرجم سبعة: العقل والبلوغ؛ فهما شرطا الأهلية للعقوبة.
وأما الحرية شرط تكميل العقوبة، والإحصان ينطلق عليها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] أي: الحرائر بإجماع الأمة.
وشرط النكاح الصحيح؛ إذ بالفاسد لا يثبت الإحصان بالإجماع؛ إذ النكاح الصحيح يمكن من الوطء الحلال.
وشرط الدخول؛ لقوله ﵇: «الثَّيِّبُ بالثَّيب» (٢) والثيب لا يكون إلا بالدخول.
ففي الذخيرة (٣): وثنتان من هذه الشرائط على الاختلاف، أحدهما: الإسلام، وقد ذكر في الكتاب والثاني: كون كل واحد مساويًا لصاحبه في شرائط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح، فهذا شرط عندنا لثبوت الإحصان، خلافًا للشافعي.
стр. 3854
وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ. وَقَدْ شُرِعَ الرَّجمُ بِالزِّنَا عِنْدَ اسْتِجَمَاعِهَا فَيُنَاطُ بِهِ.
بِخِلَافِ الشَّرَفِ وَالعِلمِ؛ لِأَنَّ الشَّرعَ مَا وَرَدَ بِاعْتِبَارِهِمَا، وَنَصبُ الشَّرعِ بِالرَّأْيِ مُتَعَذِّرٌ، وَلِأَنَّ الحُرِّيَّةَ مُمكِنَةٌ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ مُمْكِنُ مِنْ الوَطءِ الحَلَالِ، وَالإِصَابَةُ شِبَعٌ بِالحَلَالِ، وَالإِسْلَامُ يُمَكِّنُهُ مِنْ نِكَاحِ المُسلِمَةِ وَيُؤَكِّدُ اعتِقَادَ الحُرمَةِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مَرْجَرَة عَنْ الزِّنَا. وَالجِنَايَةُ بَعدَ تَوَفُّرِ الزَّوَاجِرِ أَعْلَظُ، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي اشْتِرَاطِ الإِسْلَامِ وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةِ (*)، لَهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَجَمَ يَهُودِيَّينِ قَدْ زَنَيَا قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ بِحُكمِ التَّوْرَاةِ
بيان ذلك: لو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو مجنونة أو كتابية ودخل بها فالزوج لا يصير محصنًا بهذا الدخول، حتى لو زنى لا يرجم، وعند الشافعي (١) يصير محصنًا، وكذلك الحرة العاقلة البالغة المسلمة زوجت نفسها من عبد أو مجنون أو صبي ودخل بها لا تصير محصنة عندنا.
وعند الشافعي تصير محصنة، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار الآخر محصنًا أيضًا، إلا الصبي يطأ الكبيرة، فإنها لا تصير محصنة، ولو وطئ الكبير الصغيرة يوطأ مثلها صارت محصنًا.
قوله: (فيناط به) أي: باستجماع هذه الشرائط.
وقوله: (بخلاف الشرف والعلم) متصل بقوله: (وهذه الأشياء من جلائل النعم).
قوله: (والشافعي يخالفنا في الإسلام) وبقوله قال أحمد وأبو يوسف في رواية، وعند مالك: الإسلام شرط كقولنا؛ لقوله ﵇: «مَنْ أشرك بالله … » الحديث (٢)، رواه الدارقطني عن ابن عمر.
قوله: (كان ذلك بحكم التوراة) والنزاع في حكم الإسلام، ويحتمل أن الإحصان لم يكن شرطًا في دينهم، وكان ﵇ يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل حكم القرآن، فلما نزل حكم القرآن نسخ ذلك، والحكم المنسوخ باطل.
стр. 3855
ثُمَّ نُسِخَ، يُؤَيِّدُهُ قَولُهُ ﷺ : «مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيسَ بِمُحْصَن». وَالمُعتَبَرُ فِي الدُّخُولِ إِيلَاجٌ فِي القُبُلِ عَلَى وَجْهِ يُوجِبُ الغُسلَ.
وَشَرطُ صِفَةِ الإِحْصَانِ فِيهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ، حَتَّى لَو دَخَلَ بِالمَنكُوحَةِ الكَافِرَةِ أَوْ المَملُوكَةِ أَوْ المَجنُونَةِ أو الصَّبِيَّةِ لَا يَكُونُ مُحصَنًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ الزَّوجُ مَوصُوفًا بِإِحدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهِيَ حُرَّةٌ مُسلِمَةٌ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ بِذَلِكَ لَا تَتَكَامَلُ، إذ الطَّبَعُ يَنفِرُ عَنْ صُحبَةِ المَجنُونَةِ، وَقَلَّمَا يَرغَبُ فِي الصَّبِيَّةِ لِقِلَّةِ رَعْبَتِهَا فِيهِ وَفِي المَمْلُوكَةِ حَذَرًا عَنْ رِقٌ الوَلَدِ وَلَا ائتِلَاف مَعَ الاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ. وَأَبُو يُوسُفَ ﷺ يُخَالِفُهُمَا فِي الكَافِرَةِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرنَاهُ، وَقَولُهُ ﷺ : «لَا تُحصِّنُ المُسلِمَ اليَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الحُرَّ الأَمَةُ وَلَا الحُرَّةَ العَبدُ» قَالَ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي المُحصَنِ بَينَ الرَّحِمِ وَالجَلدِ) لِأَنَّهُ ﷺ لَم
قوله: (وأبو يوسف يخالفهما في الكافرة) وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأن ما
هو المقصود قد تم، وهو انكسار الشهوة بإصابة الحلال.
ولنا؛ قوله ﷺ : «لا تُحْصَنْ .. ». الحديث (١)، وقال ﷺ لكعب بن مالك، وقد أراد أن يتزوج يهودية: «دَعُها فإِنَّها لَا تُحْصِنُكَ» (٢) ولأن الزوجية شرط إجماعًا، وهي تبنى على المساواة، بدليل قولهم: زوج نعل، وزوج خف، وتمامها بما قلنا؛ لأنَّ الرِّق ينتقص الازدواج، وكذا بالصغر والجنون والكفر؛ لما ذكرنا، والرجم أقصى العقوبات، فتعتبر النهاية في شرائطه؛ احتيالا للرد.
(ولا يجمع في المحصن بين الجلد والرجم) وهو قول مالك والشافعي والزهري والأوزاعي والنخعي والثوري وأبي ثور، وأحمد في رواية (٣).
وقال أحمد في رواية وداود: يجلد مائة ويرجم، واختاره ابن المنذر من أصحاب الشافعي (٤)؛ لما روى عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: «خُذُوا